← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وصحَّحَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ لأحمدَ بن عيسى بن حسَّانَ المِصِريِّ .. قال أبو داوُد: "كان ابنُ مَعِينٍ يَحلِفُ أنَّه كذَّاب". وقال أبو حاتِمٍ: "تكلَّم النَّاسُ فيه". وقال سعيدُ بن عَمرٍو البَرذَعِيُّ: "أَنكَرَ أبُو زُرعةَ على مُسلِمٍ روايتَهُ عنه في "الصَّحيح"، وقال: ما رأيتُ أهلَ مِصرَ يَشُكُّونَ في أنَّه - وأشار إلى لسانه، يعني أنَّه يَكذِبُ - ". وصحَّح البُخارِيُّ للحَسَنِ بن ذَكوانَ .. قال ابنُ مَعينٍ: "صاحبُ الأَوَابِد. مُنكَرُ الحديث". وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "أحاديثُهُ أباطيلُ". وضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ والنَّسائِيُّ وابنُ المَدِينِيِّ والسَّاجِيُّ، وآخَرُون. وصحَّح أيضًا لنُعيمِ بن حمَّادٍ .. قال الدُّولَابِيُّ: "كان يَضَعُ الحديث". وقال الأَزدِيُّ: "قالوا كان يَضَعُ الحديث في تقوية السُّنَّة". وحَكَمَ ابنُ الجَوزِيِّ بوضَعِ أحاديثَ كثيرةٍ أعلَّهَا بنُعيمٍ، ويكاد يَجزِمُ من يعتبر حديثه بذلك لكَثرَةِ ما فيه من المناكير. وقد قال الحافظُ السِّيوطِيُّ في "ذيل الموضُوعاتِ": "أَتعَبَنَا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ من كثرَة ما يأتي بهذه الطَّامَّاتِ". وصحَّح أيصًا لعِكرِمَةَ مولى ابن عبَّاسٍ .. وقد كذَّبَهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، وبيَّنُوا أدِلَّةَ ذلك، بل نُقِل عنه الاعترافُ بالكذبِ في مسألةٍ أو مَسأَلتَين، هذا مع البِدعَةِ الشَّدِيدَة التي كانت فيه. وصحَّحَ مُسلِمٌ لأفلحَ بن سعيدٍ .. اتَّهَمَهُ ابنُ حِبَّان بالوَضعِ، بل بوَضِع الحديثِ الذي أخرَجَهُ مُسلِمٌ عنه.

стр. 247

وصحَّح أيضًا لقَطَنِ بن نُسَيرٍ .. قال ابنُ عَدِيٍّ: "يَسرِقُ الأحاديثَ". وأتَّهَمَه أبو زُرعَة والقَوَارِيرِيُّ وابنُ عَدِيٍّ بوضع حديثٍ. وصحَّحَ البُخارِيُّ لحرِيزِ بن عُثمانَ .. وقد وَصَلَ في البِدعَةِ إلى حَدٍّ مُفَسِّقٍ بالإجماعِ أو مُكَفِّرٍ على رأى البَعضِ. وكذلك صحَّح لعِمرَانَ بن حِطَّان، وهو مِثلُه. وصحَّحَ مالكٌ ومُسلِمٌ لعبدِ الكَريم بن أبي المُخارِقِ .. وهو مُجمَعٌ علي ضَعفِه كما قال ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه. وصحَّحَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ لإبراهيمَ بن أبي يحيَى .. وقال غيرُهُ: "إنَّه كذَّابٌ". وقال أحمدُ: "ترَكُوا حديثَهُ، قَدَرِيٌّ مُعتَزِلِيٌّ، يَروِي أحاديثَ ليس لها أَصلٌ". وقال البُخارِيُّ: "ترَكَهُ ابنُ المُبارَك والنَّاسُ". وقال عبَّاسٌ عن ابن مَعِينٍ: "كذَّابٌ رَافِضِيٌّ". وقال ابنُ المَدِيني: "كذَّابٌ، وكان يقُولُ بالقَدَر". وقال النَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وجماعَةٌ: "مترُوكٌ". وأطلق النَّسائِيُّ أنَّهُ كان يضَعُ الحديثَ. وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ: "كُنَّا نُسَمِّيه وهو يَطلُب الحديثَ: خُرافةً". وقال مُحمَّد بنُ سُحنُونَ: "لا أعلَمُ بين الأَئِمَّة اختلافًا في إِبطال الحُجَّة به"، ومَعَ هذا كُلِّه قال الحافظُ في "التَّلخيص": "كم من أصلٍ أصَّلَه الشَّافعيُّ لا يُوجَدُ إلَّا من رواية إبراهيم" ا. هـ. فأين ما قيل في عبدِ السَّلام بن صالحٍ ممَّا قيل في هؤُلاء؟ فإنَّ جَرحَهُ لا

стр. 248

يُذكَرُ بالنِّسبة لجَرحِهم، ومَعَ ذلك حَكَمُوا بصحَّة أحادِيثِهم، وذلك يُوجِبُ أن يَكُونَ حديثُهُ أصحَّ وأرفَعَ بدرجاتٍ من أحاديثهم" انتهَى كلامُهُ. • قلتُ: وهذا الكلامُ عليه مُؤاخَذاتٌ كثيرةٌ، استوفَيتُ النَّظَر فيها في "الزَّنَدُ الوَارِي في الرَّد على الغُمارِي"، فأنا أَنقُل هنا خُلاصة الرَّدِّ عليه، لتعرِفَ ما ارتَكَبَهُ الغُمارِيُّ من المُجازَفة وقِلَّةِ الإنصاف. أمَّا كلامُهُ في أبي الصَّلتِ وأنَّه ثقةٌ صدوقٌ عدلٌ رِضًى، فهاك كلامُ العُلماء فيه .. قال يحيَى بنُ مَعِينٍ: "ثقةٌ صدُوقٌ، إلَّا أنَّه يتشيَّعُ"، وسُئل عن حديثِهِ الذي يرويه عن أبي مُعاوِيَة، عن الأَعمَش، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها، فمَن أرادَ العِلمَ فلْيَأتِ بَابَهُ"، قال القاسم بنُ عبد الرَّحمن الأَنبَارِيُّ: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن هذا الحديث، فقال: "هو صحيحٌ". قال الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٠): "أراد أنَّهُ صحيحٌ مِن حديث أبي مُعاوِيَة، وليس بباطلٍ، إذ قَد رواه غيرُ واحدٍ عنه". وقال إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بن الجُنيْد: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن أبي الصَّلت الهَرَوِيِّ، فقال: "قد سمعَ، وما أعرِفُه بالكَذِب"، قلتُ: "فحديث الأعمش عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ؟ "، فقال: "ما سمعتُ به قطُّ، وما بلغني إلَّا عنه". وقال مرَّةً أُخرَى: سمعتُ يَحيَى وذَكَرَ أبا الصَّلتَ الهَروِيَّ، فقال: "لم

стр. 249

يَكُن أبو الصَّلت عندنا من أهل الكَذِب، وهذه الأحاديثُ التي يرويها ما نعرِفُها". وقال عبدُ الخالق بنُ منصُورٍ: سألتُ يحيَى بنَ مَعينٍ عن أبي الصَّلتِ، فقال: "ما أعرفُهُ"، فقلتُ: "إنَّه يَروِي حديثَ الأعمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ: أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها"، فقال: "ما هذا الحديثُ بشيءٍ". قال الخطيبُ: "أحسِبُ عبدَ الخَالِق سألَ يحيى عن حالِ أبي الصَّلتِ قدِيمًا، ولم يَكُن يحيى إذ ذاك يَعرِفُه ثُمَّ عَرَفه بعدُ، فأجاب إبراهيمَ بنَ الجُنَيد عن حالِهِ. وأمَّا حديثُ الأعمش فإنَّ أبا الصَّلتِ كان يروِيهِ عنه، فأنكَرَهُ أحمدُ بن حنبَلٍ ويحيى بنُ مَعِينٍ من حديث أبي مُعاوِية، ثمَّ بَحَثَ يحيَى عنه فوجد غيرَ أبي الصَّلتِ قد رواه عن أبي مُعاوية". • قلتُ: فهذا توثيقُ ابن معينٍ، ومع توثيقِهِ فقد رَدَّ الحديثَ ووهَّاه. أمَّا توثيقُهُ .. فقد ردَّهُ الذَّهبيُّ في "السِّيَر" (١١/ ٤٤٧) بقوله: "جُبِلَت القُلوبُ على حُبِّ من أحسَن إليها، وكان هذا بارًّا بيحيَى، ونحن نَسمَعُ مِن يحيَى دائمًا ونحتجُّ بقوله في الرِّجال، ما لم يتبرهَن لنا وَهَنُ رجلٍ انفَرَد بتقوِيَتِهِ، أو قُوَّةُ من وهَّاهُ" انتهَى. فبيَّن لنا الذَّهبيُّ العلَّةَ في توثيق ابن مَعِينٍ - مع تشدُّدِه - لأبي الصَّلتِ، وهي إحسانُهُ إلى يحيى، وحُسنُ ظَنِّ يحيى فيه، لاسيَّما وكان أبو الصَّلتِ موصُوفًا بالزُّهد والعِبادة، وابنُ مَعِينٍ في نهاية الأمرِ بَشَرٌ ولا ندَّعِي أنَّه

стр. 250

حابَى أبا الصَّلتِ، ولكنَّه أحسَنَ الظَّنَّ به. وكأنَّ الذَّهبيَّ أراد أن يَدفَعَ دعوَى المُحابَاةِ بآخِر كلامِهِ، فيقُولُ: "نحنُ نَسمَعُ من يحيى، ونتَّبعُ كلامَه في الرُّواة، إلَّا أن يَظهَرَ لنا أن يحيى خُدِع فيه"، وهذا حقٌّ، فقد يَخفَى أمرُ الرَّاوي السَّاقِطِ على النَّاقدِ الفَطِنِ من أمثال ابن مَعِينٍ، كما حدَثَ له مع مُحمَّدِ بن القَاسم الأَسَدِيِّ، فقد سُئل عنه ابنُ مَعِينٍ، فقال: "ثقةٌ، وقد كَتبتُ عنه"، مع أن سائرَ العُلماء ما بَينَ مُكذِّبٍ له، وتاركٍ. وكذلك مُحمَّدُ بنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ، وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعِينٍ، وأسقَطَهُ سائرُ عُلماءِ الرَّيِّ، وهُم من أهل بلده، وهم أَعلَمُ به، وقد قال أبُو عليٍّ النَّيسابُورِيُّ لابن خُزَيمَة: "لو حدَّث الأستاذُ عن مُحمَّدِ بن حُميدٍ فإنَّ أحمدَ وابنَ مَعينٍ أحسنا الثَّناء عليه؟ "، فقال ابنُ خُزَيمَة: "إنَّهما لم يعرفاه كما عَرَفناه، ولو عرَفا ما عرَفناه لم يُحدِّثا عنه"، وقد ثبت رُجُوعُ أحمدَ ويحيى عن هذا التَّوثيق بعدُ. فليس بغريبٍ أن يَخفَى أمرُ بعض الرُّواة المجرُوحين على بعض النُّقَّاد، حتَّى ولو كان في منزلة ابن مَعِينٍ. أمَّا زعمُ الغُماريِّ أن أحمدَ وابنَه عبدَ الله وثَّقَاهُ، فإنَّه بَنَى هذا على نُصوصٍ وَرَدت أن عبدَ الله بنَ أحمدَ لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا إذا رَضِيَهُ أبُوه، ولن يَرضَى أحمدُ بداهةً إلَّا عن رجُلٍ ثقةٍ. فالجوابُ من وَجهَين .. • الأوَّل: أن هذه النُّصوص التي أورَدَها الحافظُ في "تعجيل المَنفَعة" من أن عبدَ الله بنَ أحمد لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا بإذن أبِيه ورضاهُ،

стр. 251

فإنَّما ذلك بسبَبِ فِتنَةِ خَلقِ القُرآن، وأنَّ أحمدَ لم يكُن يُحدِّث عن رجلٍ تلبَّس بهذه الفِتنةِ وأجاب فيها، حتَّى ولو كان من أَجَلِّ الثِّقات، ومَوقِفُه من عليّ بن المَدينِيِّ وابنِ مَعِينٍ وغيرِهمَا معروفٌ. فالأَمرُ لا يتعلَّقُ إذن بثقة الرَّاوي من عدمه، بل إنَّ الإمامَ أحمدَ رَوَى عن بعض المَترُوكِين مثلِ عامرِ بن صالحٍ، ومُحمَّدِ بن القاسِمِ الأَسَدِيِّ، وعُمَرَ بن هارُونَ البَلْخِيِّ، ورَوَى عن ضُعَفاءَ ومجاهِيلَ، فكيف يَسَعُهُ أن يَروِي عن هؤُلاء ولا يَسَعُ عبدَ الله بنَ أحمدَ أن يروِي عن نَظَائِرهم. • الوجه الثَّاني: أن أحمد ضَعَّف أبا الصَّلتِ الهَرَوِيَّ نَصًّا، ونصَّ على هذا الحديثِ خُصُوصًا وأنَّه مُنكَرٌ .. قال أبو بَكرٍ المَروَزِيُّ: سُئِل أبُو عبد الله عن أبي الصَّلتِ، فقال: "رَوَى أحاديثَ مناكيرَ"، قيل له: "رَوَى حديثَ مُجاهِدٍ، عن عليٍّ: أنا مدينةُ العِلمِ، وعليٌّ بابُها"، قال: "ما سَمِعنا بهذا"، قِيل له: "هذا الذي يُنكَر عليه؟ "، قال: "غيرُ هذا، أمَّا هذا فما سمِعنا به، روَى عن عبد الرَّزَّاق واحدًا لا نعرِفُها ولم نسمَعها"، قيل لأبي عبدِ الله: "قد كان عند عبدِ الرَّزَّاق مِن هذه الأحاديثِ الرَّديئة؟ "، قال: "لم أسمع منها شيئًا". فهذا كلامُ أحمَدَ. أمَّا كلامُ عبدِ الله بن أحمد في أبي الصَّلتِ، فقد قال العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٣/ ٧٠ - ٧١): "حدَّثني عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثَنا عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ أبو الصَّلتِ الهَرَوِيُّ، قال: حدَّثَنا شريكٌ، عن

стр. 252

سِماكٍ، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال رسُول الله ﷺ : "إذا خَرَج العبدُ من دار الشِّرك قبلَ سَيِّدِه فهو حُرٌّ، وإن خَرَج بعد سَيِّده رُدَّ إليه. وإذا خَرَجت المرأةُ قبل زَوجِها تزوَّجت مَن شاءت، وإن خَرَجت من بعدِهِ رُدَّت إليه". قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: قال لنا عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ: قال لي عليُّ بن حكْيمٍ: أنا سمعتُهُ من شريكٍ هكذا. قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: ولم نَرَ هذا عند عليِّ بن حكيمٍ، ولا عند غيرِهِ، ولا نحفَظُه من حديثِ شريكٍ. وأبو الصَّلتِ غيرُ مُستقيمِ الأَمرِ". أمَّا توثيقُ أبي داوُد له، فقد نَقَل الحافظُ في "تهذيبه" (٦/ ٣٢٢) قال: "قال الآجُرِّيُّ، عن أبي داوُد: كان ضابطًا، ورأيتُ ابنَ مَعينٍ عنده"، فهذا النَّقلُ سَبقُ نَظَرٍ أو قَلَمٍ من الحافظ، إنَّما قال أبو داوُد هذا في عبد السَّلام بن مُطَهَّرٍ أبي ظَفَرٍ، وهو موجُودٌ في "سُؤالَات الآجُرِّيِّ لأبي داوُد" (رقم ١٣٥٠)، وذَكَر فيه أيضًا (٨٠٤) قال: "سمعتُ أبا داوُد يقُولُ: رأيتُ يحيَى بن مَعِينٍ يكتُبُ عند أبي ظَفَرٍ، يكتُبُ عنه عن رجُلٍ، عن أبي بكرٍ الهُذَلِيِّ". أمَّا قولُ أبي داوُد في أبي الصَّلتِ، فنقله مُغلُطَايُ في "إكمال تهذيب الكمال" (٨/ ٢٧٤) عن الآجُرِّيِّ، عن أبي داوُد، قال: "كان فيه نظرٌ". ولم أجد هذا القولَ في النُّسخَة المطبُوعَة من "سؤالات الآجُرِّيِّ". والله أعلمُ. وأمَّا توثيقُ أبي سعيدٍ الهَرَوِيِّ، فقد نَقَل الحافظُ في "تهذيبه" (٦/

стр. 253

٣٢١) عن الدَّارقُطنيِّ، قال: "قال لي دَعلَجُ، أنَّه سمع أبا سعيدٍ الهَرَوِيَّ وقيل له: ما تقول في أبي الصَّلت؟ قال: نعم! ابنُ الهَيصَم ثقةٌ. قال: إنَّما سألتُك عن عبدِ السَّلام؟ فقال: نعم ثقةٌ! ولم يَزِد على هذا". ونقل الغُمارِيُّ النَّصَّ من "تهذيب ابن حَجَرٍ"، وقد وقع فيه تحريفٌ أَفسَدَ المعنَى. وقد رَوَى الخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٥١) هذا النَّصَّ عن أبي بَكرٍ البَرقَانِيِّ، عن الدَّارقُطنيِّ، أنَّه قال عن أبي الصَّلتِ: "كان رافضيًّا خبيثًا، قال لي دَعلَجُ: أنَّه سمع أبا سَعيدٍ الهَرَوِيَّ الزَّاهدَ، وقيل له: ما تقُولُ في عبد السَّلام بن صالحٍ؟ فقال: نُعيمُ بن الهَيصَمِ ثقةٌ. فقيل: إنَّما سألتُ عن عبد السَّلام؟ فقال: نُعيمٌ ثقةٌ. ولم يَزِد على هذا". • قلتُ: فهذا هو النَّصُّ الصَّحيحُ، وهو قاضٍ بجَرح عبدِ السَّلام. سلَّمنا أنَّه وثَّقَهُ، فأبُو سعيدٍ ليس معرُوفًا في النُّقَّاد الذين يُعَوَّلُ على ما كلامِهم حتَّى يقابَل بكلام أساطين المُحَدِّثين المَشهُورِين بنَقد الرِّوايات والكَلامِ في الرُّواةِ. فلم يَسْلَم لَكَ توثيقٌ عمَّن ذكرتَ إلَّا ابنَ مَعينٍ وقد تقدَّم ذِكرُ الحامِل له على ذلك في كلام الذَّهَبِيِّ. ولو سَلَّمنا ثقتَهُ، فقد أَنكَرَ ابنُ مَعينٍ الحديثَ الذي ألَّفتَ الجُزءَ لتقويته. فاسمَع كلامَ بقيَّة النُّقَّاد في عبد السَّلامِ بن صالحٍ أبي الصَّلتِ .. قال زكريَّا بنُ يحيَى السَّاجِيُّ: "يُحدِّث بمناكيرَ. هو عندهم ضعيفٌ" .. وقال النَّسائيُّ: "ليس بثقةٍ" ..

стр. 254

وقال عبدُ الرَّحمن بنُ أبي حاتمٍ: "سألتُ أبي عنه، فقال: لم يَكُن عِندِي بصدُوقٍ، وهو ضعيفٌ. ولم يُحَدِّثني عنه" .. وأمَّا أبو زُرعَةَ فأَمَرَ أن يُضرَب على حديث أبي الصَّلتِ، وقال: "لا أُحَدِّثُ عنه ولا أَرضَاهُ" .. وقال إبراهيمُ بنُ يعقُوبَ الجُوْزْجَانِيُّ: "كان أبو الصَّلتِ الهَرَوِيُّ زائغًا عن الحَقِّ، مائِلًا عن القَصدِ، سمعتُ مَن حدَّثَني عن بعض الأئمَّةِ أنَّه قال فيه: هو أَكذَبُ من رَوْثِ حمار الدَّجَّال، وكان قديمًا مُتَلوِّثًا في الأقذار" .. وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: "له أحاديثُ مَناكيرُ في فضل أهل البيت، وهو مُتَّهَمٌ فيها" .. وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "كان رافضيًّا خبيثًا"، وقال مَرَّةً: "ليس بالقوِيِّ"، وقال أيضًا: "ورَوَى عن جعفَرِ بن مُحمَّدٍ الحديثَ، عن أبائه، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الإيمانُ إقرار بالقَول، وعَمَلٌ بالجوارح … الحديث"، وهو مُتَّهَمٌ بوضعه، لم يُحدِّث به إلَّا مَن سرَقَهُ منه، فهو الابتداء في هذا الحديثِ" .. قال أبُو بَكرٍ البَرقَانِيُّ: "وحَكَى لنا أبو الحَسَن أنَّه سُمِع يقولُ: كَلُبٌ للعَلَوِيَّة خيرٌ من جميع بني أُميَّة، فقيل: فيهم عُثمانُ؟ فقال: فِيهُم عُثمانُ" .. قال العُقيليُّ: "رافضيٌّ خبيثٌ"، وقال مَرَّةً: "كذَّابٌ" .. وقال ابن حِبَّان: "يَروِي عن حمَّادِ بن زيدٍ وأهلِ العِراقِ العَجائِبَ في فَضلِ عليٍّ وأهل بَيتِه، لا يَجُوزُ الاحتجاجُ به إذا انفَرَدَ" ..

стр. 255

وقال الحاكمُ والنَّقَّاشُ وأبو نُعيمٍ: "رَوَى مناكيرَ" .. وقال مُحمَّدُ بنُ طاهرٍ: "كذابٌ" .. وأخطَأَ مُغلُطَايُ عندما نقَلَ توثيقَ العِجليِّ له، والذي في "ثقات العِجليِّ" (١٠٩٩)، قال: "عبد السَّلام بنُ صالحٍ، بصريٌّ ثقةٌ"، وهذا قطعًا ليس أبا الصَّلت الهَرَوِيَّ، إنَّما هو آخَرُ أعلَى طبَقَةً من أبي الصَّلتِ، يَروِي عنه يزيدُ بنُ هارُون وغيرُه. والله أعلمُ. • قلتُ: وبعدَ هذا الذي ذكرتُهُ لك هل يُمكِنُ أن يُقال: أن عُلماء الجَرح والتَّعديلِ ظَلَمُوا هذا الرَّجُل. لمُجرَّد أنَّه يتشيَّعُ لأهل البَيتِ وقد وَثَّقَ العُلماءُ المئاتِ من الرُّواة الشِّيعة؟! إنَّ مَن يَعتقدُ هذا لَقليلُ الحظِّ من التَّوفيق. والله المُستَعان. ومن غَرَائب الغُمارِيِّ ومُغالَطَاتِه أنَّه يَزعُم أن البُخارِيَّ ومُسلِمًا صحَّحا أحاديثَ لِرواةٍ تُكُلِّم فيهم بأشدَّ ممَّا تُكُلِّم في عبدِ السَّلام بن صالحٍ، وذَكَرَ جماعةً من هؤُلاء الرُّواة، وبعضَ أقوال أهل العِلمِ فيهم، وزَعَم أنَّهما صحَّحا لرُواةٍ كذَّابين مُتَّهَمِين بالوضع، فذَكَر منهم: إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيسٍ، وأحمدَ بنَ عيسى بن حسَّانَ المِصرِيَّ - صَحَّحا له -، وأُسيدَ بنَ زيدٍ الجَمَّالَ، والحسَنَ بنَ مدركٍ السُّدُوسِيَّ، والحَسَنَ بنَ ذَكوانَ، ونُعيمَ بنَ حمَّادٍ، وعِكرِمَةَ مولى ابن عبَّاسٍ، وحَريزَ بنَ عُثمانَ، وعِمرانَ بن حِطَّان - هؤلاء صحَّحَ لهم البُخاريَّ -، وأفلحَ بنَ سعيدٍ، وقَطَنَ بنَ نُسَيرٍ، وعبدَ الكريم بنَ أبي المُخارِقِ - وهؤلاء صحَّح لهم مُسلمٌ -، وهؤلاء جميعًا عند الغُمارِيِّ أسوأُ حالًا من عبدِ السَّلام بن صالحٍ، ومع ذلك

стр. 256

صحَّح لهم الشَّيخانِ كما مرَّ بك. وهذا القولُ لا يشكُّ عالمٌ بالحديث أنَّه مُجازَفةٌ، وأنَّه لم يُبْنَ على دراسةٍ علميَّةٍ صحيحةٍ، وأنا لا أستطيعُ أن أستَوفِيَ الرَّدَّ عليه في هذه العُجالة، بل محِلُّهُ "الزَّنَد الواري". لكن راجِع كلامَ الحافظ في "مُقدِّمة الفتح" في الذَّبِّ عن رُواة البُخارِيِّ منهم. ولكن ليس في هؤلاء جميعًا من كان يَكذِبُ، يمعني: يَفتَعِلُ الحديثَ أو يَضعُهُ بحمد الله تعالى. والله المُستَعان. لكنَّنِي أُرِيدُ أن أُبَيِّن خطأ الغُمارِيِّ في دعواه أن مُسلِمًا صحَّح لعبدِ الكَريم بن أبي المُخارِقِ .. فإنَّ مُسلمًا لم يَروِ له شيئًا أصلًا، لكنَّ الغُمارِيَّ اغترَّ بما رآه في "تهذيب ابن حَجَرٍ" وأنَّه ذكر عَلامَة (م) التي تدلُّ على أن مُسلِمًا أخرَجَ له. وليتَهُ قَرَأَ التّرجَمة كُلَّها، ولو فَعَل لم يَقَع في هذا الخَطَإِ، فقد قال الحافظُ في "تهذيبه" (٦/ ٣٧٨): "وأمَّا مُسلِمٌ فقال المُؤلِّفُ - يعني: المِزِّيَّ -: رَوَى له في المُتابَعات، وهذا الإطلاقُ يَقتَضِي أنَّه رَوَى له عِدَّة أحاديثَ، وليس كذلك. ليس له في كتابه سِوَى موضِعٍ واحدٍ. وقد قيل: إنَّه ليس هو أبا أُميَّة، وإنَّما هو الجَزَرِيُّ، وقد قال الحافظُ أبو مُحمَّدٍ المُنذِرِيُّ: لم يُخرِّج له مُسلِمٌ شيئًا، أصلًا ولا مُتابَعَةً ولا غيرَها، وإنَّما أخرج لعبدِ الكَريم الجَزَرِيِّ" انتَهَى. • قلتُ: أخرَجَ للجَزَرِيِّ أقلَّ من عَشَرَة أحاديثَ، أمَّا الحديثُ الواحدُ الذي أشار إليه الحافظُ في "مُسلمٍ"، وقيل إنَّه لعبدِ الكَرِيم بن أبي المُخارِقِ،

стр. 257

فقد أخرَجَهُ في "كتاب الحَجِّ" (١٢٠١/ ٨٣)، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ أبي عُمَر، حدَّثَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، وأيُّوبَ، وحُميدٍ، وعبدِ الكَرِيم، عن مُجاهدٍ، عن ابن أبي لَيلى، عن كعب بن عُجرَة ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ مرَّ به وهو بالحُدَيبِيَةِ، قبل أن يَدخُل مَكَّة، وهو مُحرِمٌ، وهو يُوقِدُ تحت قِدرٍ، والقُمَّلُ يتهافَتُ على وجهه، فقال: "أَيُؤذِيكَ هوامُّكَ هذه؟ "، قال: "نعم"، قال: "فَاحلِق رأسَكَ، وأَطعِم فَرَقًا بين سِتَّةِ مساكينَ - والفَرَقُ ثلاثة آصُعٍ -، أو صُم ثلاثة أيَّامٍ، أو انسُك نَسِيكَةً". قال ابن أبي نَجِيحٍ: "أو اذبح شاةً". وعبدُ الكَريم في هذا الإسنادِ هو الجَزَرِيُّ، كما صرَّح به المِزِّيُّ في "تُحفَة الأَشرَاف" (٧/ ٥٤٤ - طبع بشَّار). ولو سلَّمنا أنَّه ابنُ أبي المُخارِقِ فلا يجُوزُ أن يُقالَ: "صحَّح له مُسلِمٌ"؛ لأنَّه قَرَنَهُ بابنِ أبي نَجِيحٍ وأيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ وحُمَيدٍ الطَّويلِ. فالمُعَوَّل على رواية هؤُلاء، أمَّا إطلاقُ أن مُسلِمًا صحَّح له، فهذا يَعنِي أنَّه احتَّج به، وقد عَلِمتَ أنَّه باطلٌ. واللهُ أعلمُ.

стр. 258

٦٠ - سُئلتُ عن حديث: "مَن عَدَلَ بِبُزَاقِهِ عَنِ المَسجِدِ إِجلَالا لله، وَأَمَاطَ عَنهُ الأَذَى، وَلَم يَمحُ اسمًا مِن أَسَماءِ الله بِبُزَاقٍ، كَانَ مِن ضَنَائِنِ عِبَادِ اللهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه أبُو القاسم الخُتُلِّيُّ إسحاقُ بنُ إبراهيمِ بن مُحَمَّدٍ في "كتاب الدِّيباج" (ج ٣/ ق ٣٢/ ٢ - ٣٣/ ١) قال: حدَّثنا حاجبُ بنُ الوليد، حدَّثنا عبدُ الله بنُ ضِرارٍ، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن أنسٍ مرفُوعا. وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وعبدُ الله بنُ ضِرارٍ، وأبُوه ضِرارُ بنُ عمرٍو المَلْطِيُّ واهيان. واللهُ أعلَمُ.

стр. 259

٦١ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ يَبعَثُ إِلَى المَطَاهِرِ، فَيُؤتَى بِالمَاءِ، فَيَشْرُبهُ؛ يَرجُو بَرَكَةَ أَيدِي المُسلِمِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! الوُضُوءُ مِن جَرٍّ جَدِيدٍ أَحَبُّ إِلَيكَ، أَم مِنَ المَطَاهِرِ؟ قَالَ: "لَا، بَل مِنَ المَطَاهِرِ؛ إِنَّ دِينَ اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمحَةُ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ٤٦/ ١)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٨٣)، وأبو نُعيمٍ في "الحلية" (٨/ ٢٠٣) مِن طريق مُحْرِزِ بن عونٍ، ثنا حسَّانُ بنُ إبراهيم الكَرْمَانِيُّ، عن عبدِ العزيز بن أبي روَّادٍ، عن نافع، عن ابن عُمَر فذكره. قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عبد العزيز إلَّا حسَّانُ". وقال أبُو نُعيمٍ: "غريبٌ. تفرَّد به حَسَّانُ بنُ إِبراهيم، لم نَكتُبه إلَّا من حديث محُرِزٍ". قلتُ: تفرَّد حسَّانُ بنُ إبراهيم بوصلِهِ. وقد خُولِفَ في ذلك .. فخالَفَهُ وكيعُ بنُ الجرَّاح، فرواه عن عبد العزيز بن أبي رَوَّادٍ، عن مُحمَّد بن واسعٍ الأزديِّ، قال: جاء رجُل إلى النَّبيِّ ﷺ … فذَكَرَهُ نحوَهُ. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٨٣) قال: حدَّثَنَاهُ ابنُ صاعدٍ، ثنا القاسِمُ بن يزيَد الوزَّانُ، ثنا وكيعٌ.

стр. 260

وحَسَّانُ بنُ إبراهيم لا يُقارَن بوكيعٍ جلالةً، وحِفظًا، وإتقانًا. وكان حسَّانُ صاحبَ ما غرائبَ، ووَهَمٍ في الأسانيد. وقد تُوبِع وكيعٌ على إرساله .. تابعه خلَّادُ بنُ يَحيَى، فرواه عن عبد العزيز بن أبي رَوَّادٍ، عن مُحمَّد بن واسعٍ مُرسَلًا. ذكره أبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٢٠٣). وخلَّادٌ صدوقٌ، من كبار شُيوخ البُخاريِّ، وفي حفظِهِ مقالٌ خفيفٌ. أمَّا آخرُه: "إنَّ دين الله الحَنِيفيَّةَ السَّمحةَ"، فوَرَد عن جماعةٍ من الصَّحابة، منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وأبو أُمَامة، وعائشةُ، وأبُو هُريرة، وجابرُ بن عبد الله ﵃. • أوَّلًا: حديث ابن عبَّاس ﵄. أخرَجَهُ البُخارِيُّ في "صحيحه" (١/ ٩٣ - فتح) مُعلَّقًا، ووَصَلَهُ في "الأدب المُفرَد" (٢٨٧)، وأحمدُ (١/ ٢٣٦)، وعَبدُ بن حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٥٦٩)، والبَزَّارُ (ج ١/ رقم ٧٨)، وأبو إسحاق الحَربِيُّ في "الغريب" (١/ ٢٩١)، وأبو بَكرٍ الكِلَابَاذِيُّ في "المعاني والأخبار" (ق ١٦٨/ ١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٥٧١، ١١٥٧٢)، وفي "الأَوسَط" (ج ٢/ رقم ١٠١٠)، والضِّيَاءُ المَقدِسِيُّ في "المُختارَة" (ج ٦٤/ ق ٣٧٠/ ١)، والحافظُ في "التَّغلِيق" (٢/ ٤١) من طُرُقٍ عن مُحمَّدِ بن إسحاق، عن داوُدَ بن الحُصَين، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ عن أيِّ الأديان أحبُّ إلى الله ؟ قال: "الحَنِيفيَّةُ السَّمحَةُ".

стр. 261

قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٩٤): "إسنادُهُ حَسَنٌ"! • قلتُ: كذا قال! والسَّنَدُ ضعيفٌ من وَجهَين: الأوَّل: قال ابنُ المَدِينِيِّ: "ما رَوَى داوُدُ بنُ الحُصَين، عن عِكرِمة: فمُنكَرٌ"، وهذا الحديثُ من رِوَايَتِهِ عنه. وقد قال الحافظ في "التَّقريب" في تَرجَمَةِ داوُد: "ثِقَةٌ، إلَّا في حديث عِكرِمَةَ"! فما بالُهُ يُحَسِّنُ حديثَهُ هنا؟! الثَّاني: أن مُحمَّد بنَ إسحاقَ مُدَلِّسٌ، وقد عَنعَنَهُ. وقد أقرَّ الحافظُ بذلك، فقال في "التَّغليق" (٢/ ٤١): "لَم أَرَهُ - يعني: مِن حديثِ ابن إِسحاقَ - إلَّا مُعَنعَنًا". وسَبَقَهُ إلى ذلك شَيخَاهُ العِرَاقِيُّ في "المُغنِي" (٤/ ١٥١)، والهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١/ ٥٠). أمَّا الشَّيخُ أبو الأشبال أحمدُ شاكر ﵀، فقال في "شرح المُسنَد" (٢١٠٧): "إسنادُهُ صحيحٌ"!! وهو خطأٌ، لا إِشكَالَ فيه، وأظنُّ الشَّيخَ لَم يَستَحضِر كلامَ ابن المَدِينِيِّ السَّابِقَ؛ لأنِّي رأيتُهُ يُصَحِّحُ حديثَ دَاوُدَ بن الحُصَين، عن عِكرِمِةَ، في تخريجِهِ على "المُسنَد". وانظُر الأرقامَ: ١٨٧٦، ٢٣٦٦، ٢٣٨٢، ٢٣٨٧. وحَسَّنَه في الأرقام: ٢٧٢٨، ٢٧٢٩. وإنَّمَا حَسَّنَهُ الشَّيخ ﵀ لأمرٍ آخرَ في السَّنَد (١)، بِخِلَافِ رواية داوُد، عن عِكرِمَة. وأخشى أن يَكُون الشَّيخُ طالَع كلامَ ابن المَدِينِيِّ السَّابقَ، وأَغضَى الطَّرَف عنه؛ لأنَّهُ لم يَقنَع به! وقد فَعَلَ ذلك في مَوَاضِعَ.

стр. 262

أمَّا تدليسُ ابن إِسحاقَ فإنَّ أبا الأشبال كان يُشَكِّكُ في ثُبُوتِهِ، إِنْ لم أَقُل إنَّهُ كان يَنفِيهِ؛ فقد قال في "شرح المُسنَد" (٢/ ٤٩): "ومُحمَّدُ بنُ إسحاق ثِقَةٌ، وزَعَمَ بعضُهُم أنَّه مُدَلِّسٌ، وقد ارتَفَعَت هذه الشُّبهَة - إِن وُجِدَت - بتصريحه في الإسناد بالتَّحديث". وقال في موضعٍ آخرَ مِنهُ (٩/ ٣٨): "فابنُ إِسحَاق صرَّحَ هُنَا بالتَّحديث مِن نَافِعٍ، فزالت شُبهَةُ التَّدلِيس، إن كان لَهَا أصلٌ". وقال في تعليقه على "المُحَلَّى" (٤/ ٧١): "وابن إِسحَاق … وقد صرَّح بسماعه مِن نَافِعٍ، فارتَفَعَت شُبهةُ التَّدليس، إن ثَبَتَ أنَّه مُدَلِّسٌ". • قلتُ: فهذه نُصُوصٌ مِن كلامِ الشَّيخ، ينفي فيها، أو يَكَادُ، تَدلِيسَ ابن إِسحاقَ. وقد صحَّحَ له أحاديثَ كَثِيرَةً رواها بالعَنعَنَةِ في "المُسنَد"، وانظر مثلًا الأرقامَ: ١٨٧٥، ٢٠٤١، ٢٠٤٢، ٢٣١٤، ٢٣٨٩، ٢٨٨٤، ٦٤٣٧. هذا، مع أن ابنَ إسحاقَ مِنَ المَشهُورِين بالتَّدليس .. قال الإِمامُ أحمدُ: "كان ابنُ إسحاق يُدَلِّسُ"، قيل له: "فإذا قال: أخبَرَنِي، وحدَّثَنِي، فهو ثقةٌ؟ "، قال: "يقولُ: أخبَرَنِي، ويُخالِفُ! ". وهذا قولٌ شديدٌ من الإِمَام. وقد اتَّهَمَهُ أيضًا بالتَّدليس: ابنُ نُمَيرٍ، وابنُ خُزَيمَةَ، والبَيهَقِيُّ. وعامَّةُ المُتَأَخِّرِينَ: كالحَازِمِيِّ، وابنِ الجَوزِيِّ، وابنِ الصَّلَاح، والمُنذِرِيِّ، والذَّهَبِيِّ، والمِزِّيِّ، وابنِ تَيمِيَةَ، وابنِ القَيِّمِ، والعِرَاقِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، في آخرين يطُولُ الأمرُ بذِكرِهِم.

стр. 263

فكيف يُقالُ عن تُهمَةِ التَّدليس "إِن كانَ لها أَصلٌ"؟!! • ثانيًا: حديثُ أبي أُمَامَةَ ﵁. أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٦٦)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٨٦٨) من طريق مُعَان بن رِفَاعَةَ، حدَّثَنِي عليُّ بنُ يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: خَرَجنَا مع النَّبيِّ ﷺ في سَرِيَّةٍ من سَرَايَاهُ، فمرَّ رجلٌ بغارٍ فيه شيءٌ من ماءٍ، فجَذَبَتْهُ نفسُه أن يُقِيمَ في ذلك الغارِ، فَيَقُوتُ ما فيه من ماءٍ، ويُصِيبُ ممَّا حولَهُ من البَقلِ، ويتَخَلَّى مِن الدُّنيا، ثُمَّ قال: لو أَنِي أتيتُ نبيَّ الله ﷺ ، فذكرتُ ذلك لَهُ، فإِن أَذِنَ لِي فعلتُ، وإلَّا لم أفعل. فأتاه، فقال: يا نَبِيَّ الله! إنِّي مَرَرتُ بغارٍ فيه ما يَقُوتُنِي من الماء والبَقلِ، فحدَّثَتنِي نَفسِي بأن أُقِيمَ، وأتخلَّى مِنَ الدُّنيا. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنِّي لم أُبعَث باليهُودِيَّةِ ولا النَّصرانيَّةِ، ولكِنِّي بُعِثتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمحةِ. والذي نفسي بيَدِهِ! لَغَدَاةُ أو رَوحَةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدُّنيَا وما فيها، ولَمُقَامُ أَحدِكم في الصَّفِّ خيرٌ من صلاتِهِ سَتِّين سنةً". قال العِرَاقِيُّ في "المُغنِي" (٤/ ١٥١): "سَنَدُه ضعيفٌ"!! وكان الأَولَى أن يَقُولَ: "ضعيفٌ جِدًّا"؛ لأنَّ عليَّ بنَ يزيدَ الأَلهَانِيَّ مَترُوكٌ. وتَسَامَحَ الهَيثَمِيُّ في حَقِّهِ، فقال: "ضعيفٌ"، كما في "المَجمَع" (٥/ ٢٧٩)، بل تَسَامَحَ أكثرَ، فقال في موضعٍ آخرَ منه (٣/ ٥٦): "فيه كلامٌ"! مع أنَّهُ ضَعَّفَهُ جدًّا، في أوَّل كتابه (١/ ٢٠)، وهو الصَّوابُ. والقاسمُ صاحبُ أبي أُمَامَةَ فصَدُوقٌ، في حِفظِه مَقالٌ خفيفٌ. ومُعَانُ بن رِفَاعَةَ ليِّنُ الحديث، كما في "التَّقريب".

стр. 264

ولكنِّي وجدتُ لبعضه طريقًا آخرَ بدُون القِصَّة .. أخرَجَهُ الرُّويَانِيُّ في "مُسنَده" (ج ٣٠/ ق ٢٢١/ ١) من طريق هِشامِ بن عمارٍ، نا الوليدُ، نا عُفَيرُ بنُ مَعدَانَ، نا سُليمُ بن عامرٍ، عن أبي أُمامَةَ مرفُوعًا: "إنِّي بُعِثتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمحَةِ، ولم أُبعَث بالرَّهبَانِيَّة البِدعَةِ، فكُلُوا اللَّحمَ، وائتُوا النِّساءَ، وصُومُوا وأَفطِرُوا، وقُومُوا ونَامُوا، فإِنِّي بذلك أُمِرتُ". • قلتُ: وسَنَدُهُ ضعيفٌ، أو واهٍ؛ وعُفَيرُ بن مَعدانَ ضَعيفٌ، وضعَّفَهُ بعضُهم جِدًّا. وقال أبو حاتمٍ: "ضعيفُ الحَدِيثِ. يُكثِر الرِّوايَةَ عن سُليم بن عامرٍ، عن أبي أُمَامَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، ما لا أَصلَ له. لا يُشتَغَلُ بروايته". • ثالثًا: حديثُ عائِشَةَ ﵂. أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ١١٦، ٢٣٣) قال: حدَّثَنا سُليمانُ بن داوُد، أنا ابنُ أبي الزِّناد، عن أبي الزِّنَادِ، قال: قال لي عُروةُ: إنَّ عائشةَ قالت: قال رسُولُ الله ﷺ يومئذٍ: "لِتَعلَم يهودُ أن في دِينِنَا فُسحَةً. إنِّي أُرسِلتُ بحنِيفِيَّةٍ سمحةٍ". قال الحافظُ في "التَّغليق" (٢/ ٤٣): "وهذا إسنادٌ حَسَنٌ". وكذا قال السَّخَاوِيُّ في "المقاصد" (٢١٤)، وتَبِعَهُ العَجلُونِيُّ في "كَشف الخَفَا" (١/ ٥٢)، والزُرقَانِيُّ في "مُختَصر المقاصد". • قلتُ: وهو كما قالُوا. ورجالُ الإسناد ثِقاتٌ، وليس فيهم من يُنظَر في حالِهِ، سِوَى عبدِ الرَّحمن بن أبي الزِّنَاد، وكان حِفظُه قد تَغَيَّر قليلًا لَمَّا دَخَل بغدادَ. والله أعلَمُ.

стр. 265

• رابعًا: حديثُ أبي هُرَيرَةَ ﵁. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأَوسَط" (ج ٢/ ق ١٦٣/ ٢)، وابنُ عدِيٍّ في "الكامل" (٤/ ١٥٠٦)، وأبو نُعَيمٍ في "أخبار أَصبَهان" (١/ ٣٣٦) من طُرُقٍ عن سلَمَةَ بن شَبِيبٍ، قال: نا عبدُ الله بنُ إبراهِيمَ الغِفَارِيُّ، ثنا حُرُّ بنُ عبد الله الحَذَّاءُ، عن صَفوانَ بن سُلَيم، عن سُليمانَ بن يسَارٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "أَحَبُّ الدِّينِ إلى الله الحَنِيفِيَّةُ السَّمحَةُ". قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن صَفوَانَ بن سُليمٍ إلَّا حُرُّ بنُ عبدِ الله. تَفَرَّد به عبد الله بن إبراهيم" ا. هـ. • قلتُ: وهو مُنكَرُ الحديث، كما قال أبو داوُد، والسَّاجِيُّ، بل نَسَبَهُ ابنُ حِبَّان إلى الوَضعِ. وبه أَعَلَّهُ الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١/ ٦٠). ونَقَلَ ابنُ عَدِيٍّ عَقِبَهُ، عن سَلَمَةَ بن شَبِيبٍ، قال. قال لي أبُو زُرعَةَ: "ما سَمِعتُ هذا الحديثَ في الدُّنيا مِن أَحدٍ غَيرِك"، وهو دالٌّ على غَرَابَتِه. وحُرُّ بنُ عبد الله لم أَقِف لَهُ على تَرجَمَةٍ، ولم يُشِر إليه ابنُ مَاكُولَا في "الإكمال" (٢/ ٩٢ - ٩٣)، فلَعَلَّهُ تَصحَّف. والله أعلم. وأخرَجَ أبو نُعيمٍ في "أخبار أَصبَهَان" (٢/ ٢٤٥) من طريق مُحمَّد بن حُميدٍ، ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة، قال: بَلَغَ النَّبيَّ ﷺ أن قَومًا حَرَّمُوا الطِّيْبَ واللَّحمَ والنِّساءَ، مِنهُم عُثمانُ بن مَظعُونٍ، وعبدُ الله بنُ مسعُودٍ، وأرادوا أن يَستَخصُوا، فَقامَ النَّبيُّ ﷺ ، فَأَوعَدَ ذلك الوَعِيدَ، حتَّى أَوعَدَ القتلَ [!!]، وقال: "إِنِّي لم أُبعَث بالرَّهبانِيَّةِ … الحديث".

стр. 266

وسَنَدُهُ واهٍ؛ لأجل مُحمَّدِ بن حُمَيدٍ الرَّازِيِّ. وقولُهُ: "حتَّى أَوعَدَ القَتلَ" مُنكَرٌ جِدًّا. والله أعلم.

стр. 267

٦٢ - سُئلتُ عن حديث: كَان رَسُولُ الله ﷺ يَرمِي الجَمرَةَ يَومَ النَّحرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعدَ ذَلِكَ فَبَعدَ زَوَالِ الشَّمسِ. • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرجه البُخاريُّ (٣/ ٥٧٩) مُعلَّقًا، ووَصَلَه مُسلِمٌ (١٢٩٩)، وأبو داوُد (١٩٧١)، والنَّسائيُّ (٥/ ٢٧٠)، والتِّرمذيُّ (٨٩٤)، وابنُ ماجَة (٣٠٥٣)، والدَّارميُّ (١/ ٢٨٨)، وإسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ في "المُسنَد" - كما في "الفتح" (٣/ ٥٨٠) -، وابنُ خُزَيمة (٤/ ٢٧٧)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٤٧٤)، والطَّحاوِيُّ في "شرح المعاني" (٢/ ٢٢٠)، وأحمدُ (٣/ ٢٢٤)، والبَيهقِيُّ (٥/ ٣١)، والبَغَويُّ في "شرح السُّنَّة" (٧/ ٢٢٣) من طُرُقٍ عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرَني أبُو الزُّبير، أنَّه سَمِعَ جابرَ بنَ عبد الله فذَكَره. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ".

стр. 268

سُئلتُ عن حديثين … ٦٣ - عن عُمَر بن الخطَّاب، قال: إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً، يَكتُبُونَ أَعمَالَ بَنِي آدَمَ، فَيَأتُونَ رَبَّهُم ، فَيَقُومُونَ بَينَ يَدَيهِ، وَيَنشُرُونَ صُحُفَهُم، فَيَقُولُ اللهُ : "أَلقِ تِلكَ الصَّحِيفَةَ، أَثبِت تِلكَ الصَّحِيفَةَ"، فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا أَن يُلقُوا الصَّحِيفَةَ: "شَهِدنَا مَعَهُم خَيرًا، وَرَأَينَاهُ؟ "، قال: "إِنَّهُم أَرَادُوا بِهِ غَيرَ وَجهِي". ٦٤ - عَن ابن عُمَر، قال: إِنَّ فِي بَعضِ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيٍّ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: "ابنَ آدَمَ! أَخلُقُكَ وَتَعبُدُ غَيرِي؟! وَأَرزُقُكَ وَتَشكُرُ غَيرِي؟! ابنَ آدَمَ! أَدعُوكَ وَتَفِرُّ مِنِّي؟! ابنَ آدَمَ! أَذكُرُكَ وَتَنسَانِي؟! ابنَ آدَمَ! اتَّقِ الله، وَنَم حَيثُ شِئتَ". • قلتُ: أمَّا الحديثُ الأوَّلُ، فَلَم أَقِف على سَنَدِه، وعزاه في "كنز العُمَّال" (ج ٢/ رقم ٨٨٣٦) لـ "رُسْتَه" - بِضَمِّ الرَّاءِ، وَتَسكِينِ السِّينِ، وَفَتح التَّاء -.

стр. 269

وكذلِكَ الحديثُ الثَّاني، عزاه في "الإتحافات السَّنِيَّة" (٤٩٨) لأحمدَ بن فارسٍ في "أماليه"، والخَلِيليِّ. ويَغلُبُ على ظنِّي عَدَمُ ثبوتِهما؛ ومفارِيدُ هذه الكُتبِ مناكيرُ في الغالب. واللهُ أعلَمُ.

стр. 270

٦٥ - سُئلت عن حديث: "المُؤمِنُ مِن أَخِيهِ بِمَنزِلَةِ اليَدَينِ، لَا غِنًى لِأَحدِهِمَا عَنِ الأُخرَى". • قلتُ: أخرجه ابنُ وَهب في "الجامع" (ق ٤٥/ ٢) قال: أخبَرَني ابنُ لَهِيعَة، عن مُحمَّد بن زيد بن المُهاجِر، أن النَّبيَّ ﷺ قال: … فذكره. وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ؛ لإعضاله. واللهُ أعلَمُ.

стр. 271

٦٦ - سُئلتُ: هل صحَّ أن النَّبيَّ ﷺ قال في مُعاويةَ بن أبي سُفيان: "لَا أَشبَعَ اللهُ بَطنَهُ"؟ • قلتُ: نعم! فقد أَخرج مُسلِمٌ (١٦/ ١٥٥ - ١٥٦ - شرح النَّوَويِّ)، وأحمدُ (١/ ٢٤٠، ٢٩١، ٣٣٥، ٣٣٨)، والطَّيالسيُّ (٢٧٤٦)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٢٩٩) من طريق أبي حَمزَة القصَّابِ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: كُنتُ ألعَبُ مع الصِّبيان، فجاء رسُولُ الله ﷺ ، فتوَارَيتُ خلف بابٍ، - قال: - فجاءَ فحَطَأَنِي حَطْأَةً، وقالَ: "اذهب! وادعُ لي مُعاويةَ"، - قال: - فجِئتُ، فقُلتُ: "هُو يأكل"، - قال: - ثُمَّ قال لي: "اذهب! فادعُ لي مُعاوية"، - قال: - فجِئتُ، فقُلتُ: "هُو يأكل"، فقال: "لا أَشبَعَ اللهُ بطنَه". قال الحافظ الذَّهبيُّ في "تَذكِرة الحُفَّاظ" (٢/ ٦٩٩): "لعلَّ هذِهِ مَنقبَةٌ لمُعاوية". • قلتُ: ووَجهُ الاستدلالُ بهذا الحديثِ على فَضل مُعاوِية ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال لأُمِّ سُليمٍ: "أَوَمَا عَلِمتِ ما شارَطتُ عَلَيه رَبِّي؟ قُلتُ: اللَّهُمَّ! إِنَّما أنا بشَرٌ، فأيُّ المُسلمين لعنتُهُ، أو سَبَبتُه، فاجعله لَهُ زكاةً وأجرًا"، وهذا ما فَهِمه أئمَّةُ السَّلَف، كمُسلمٍ، والذَّهبيِّ وغيرِهما.

стр. 272

٦٧ - سُئلتُ عن حديث: "سَتُفتَحُ عَلَيكُمُ الآفَاقُ، وَسَتُفتَحُ عَلَيكُم مَدِينَةٌ، يُقَالُ لَهَا: قَزْوِينُ، مَن رَابَطَ فِيهَا أَربَعِينَ يَومًا، أَو أَربَعِينَ لَيلَةً، كَانَ لَهُ فِي الجَنَّةِ عَمُودٌ مِن ذَهَبٍ، عَلَيهِ زَبَرْجَدَةٌ خَضرَاءُ، عَلَيهَا قُبَّةٌ مِن يَاقُوتَةٍ حَمرَاءَ، لَهَا سَبعُونَ أَلفِ مِصرَاعٍ مِن ذَهَبٍ، عَلَى كُلِّ مِصَرَاعٍ زَوجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ". • قلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ، وبُطلانُه ظاهرٌ. فأخرجَهُ ابنُ ماجَهْ (٢٧٨٠)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (٢/ ٥٥) من طريق داوُد بن المُحَبَّرِ، أنبأنا الرَّبيعُ بنُ صُبَيحٍ، عن يزيد بن أبان، عن أنسٍ مرفُوعًا. وهذا سَنَدٌ ساقِطٌ البتَّة؛ وداوُد بن المُحَبَّرِ كذَّابٌ. والرَّبيعُ بن صُبَيحٍ مَشَّى أحمدُ أمرَه، وضعَّفه ابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ، وابن حِبَّانَ. ويزيدُ بنُ أبان تَرَكَهُ النَّسائيُّ، وغيرُه، وقال شُعبة: "لأَن أزني، أَحَبُّ إليَّ من أن أُحَدِّث عن يزيدَ الرَّقَاشِيِّ"، وقال أحمَدُ: "مُنكَرُ الحديث". وقال ابنُ الجَوزيِّ: "والعَجَبُ من ابن ماجَة، مع عِلمه، كيف استحلَّ أن يذكُر هذا في كتاب "السُّنَن"، ولا يَتكلَّم عليه؟!

стр. 273

أتُراه ما سَمِع في "الصَّحيحين"، عن رسُول الله ﷺ ، أنَّه قال: "مَن روَى عنِّي حديثًا يَرَى أَنَّهُ كذبٌ، فهُو أَحَدُ الكذَّابين"؟ أَمَا عَلِم أن العوامَّ يقُولُون: "لولا أن هذا صحيحٌ ما ذَكَرَهُ مِثلُ هذا العالم"، فيعمَلُونَ بمُقتَضَاه … ولكن، غَلَبَ الهوَى بالعصبيَّةِ للبلَد والوَطَن" ا. هـ. • قُلتُ: بل نُبرِّئُ ابنَ ماجَهْ، إِن شاءَ اللهُ، أَن يسكُتَ عن الكَذِب، وتغلبَهُ العصبيَّةُ لبلده قزوينَ. ولعلَّه رأَى أنَّهُ من الضَّعيف لا الموضُوعِ، وإِن كان قَد تساهَل على أيِّ حالٍ، في إيراد مِثل هذا، كما قالَ الذَّهبيُّ في "الميزان" (٢/ ٢٠): "فلقد شَانَ ابنُ ماجَهْ سُنَنَه بإدخالِ هذا الحديث الموضوع فيها". وقال الحافظ في "التَّهذيب" (٣/ ٢٠٠): "حديثٌ مُنكَرٌ". لكن يَبقَى على كلام ابن الجَوزيِّ مُؤاخَذَتان .. الأولى: قولُه: "أتُراه ما سمع في الصَّحيحين". فهذا الحديثُ ما رَوَاهُ البُخاريُّ قطُّ، وأخرجه مُسلِمٌ في "مُقدِّمة صحيحه"، فلا يَكُون على شرطِهِ. فلا ينبغي أن يُعزَى للصَّحيحين، إلَّا لمُسلِمٍ مُقيَّدًا. الثَّانية: قولُه: "أَمَا علم أن العوام … الخ". فنَقُولُ: رَحِمَكَ اللهُ يا إمامُ! فأغلَبُ كُتُبك، لا سيَّما ما كان منها في الوعظ، تعُجُّ بالأحاديث الضَّعيفةِ والموضُوعة! وكَم تكبَّدنا مِنَ الجَهد، ما لا يَعلَمُه إلَّا الله، مع بعض الخُطَباء، في إقناعِهِم أن هذا الحديث باطلٌ، فيقولُ: "ذَكَرَهُ ابنُ الجوزيِّ في "تلبيس إبليس"، وهُو من عُلماء الحَديثِ"! فلله الأمرُ مِن قَبلُ ومِن بَعدُ.

стр. 274

٦٨ - سُئلتُ عن أحاديث: مسحِ الوجهِ باليدِ بعد الدُّعاء، وذَكَر السَّائلُ أن جِدالًا حادًّا وقع بين طائفتين من الشَّبابِ، فمِن قائلٍ: "إنَّهُ جائزٌ"، ومِن قائلٍ: "إنه بِدعةٌ"، واحتجَّ القائِلُون بالبِدعيَّةِ بقولِ سُلطان العُلَماءِ العزِّ بن عبد السَّلَام: "إنَّهُ لا يفعلُهُ إلَّا الجُهَّالُ"، فنَرجُو تحقيقَ المقام، واستِيفاءَ الكلامِ لشفاء الصُّدور. • قلتُ: استيفاءُ الكلام لتحقيق المَقام يَحتَاج إلى بَسطِ حُجج الفريقين، ثُمَّ المحاكمةِ بينهما على وجه الإنصاف، والموضعُ هاهنا لا يَسمَحُ بذلك، ولكنَّنِي سأُجمِلُ البحثَ، من غير إخلالٍ بالمقصود، إن شاء اللهُ تعالَى. • أمَّا الأحاديثُ .. فقد وَرَد مسحُ الوجه بعد الدُّعاء، من حديث ابن عبَّاسٍ، وعُمَرَ بن الخطَّاب، والسَّائبِ بن خَلَّادٍ، ويزيدَ بن سعيدٍ الكِنديِّ ﵃. ١ - أمَّا حديثُ ابن عبَّاسٍ .. فأخرجَهُ ابن ماجَه (١١٨١ - ٣٨٦٦)، وعَبدُ بن حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٧١٦)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٤١)، وابنُ حِبَّانَ في "المجروحين" (١/ ٢٦٨)، والحاكِمُ (١/ ٥٣٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٥/ ٢٠٤)، وابنُ الجَوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٨٤٠) من طريق

стр. 275

صالح بن حَسَّان، عن مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظيِّ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "إذا دَعَوتَ الله، فادعُ بباطن كفَّيك، ولا تَدعُ بظهُورِهما، فإذا فَرَغت، فامسح بهما وجهَك". وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وصالِحُ بن حَسَّان، قال البُخاريُّ: "مُنكَر الحديث"، ولخَّص الحافِظُ حالَهُ، فقال في "التَّقريب": "مَترُوكٌ"، لذلك، سُئل أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ عن هذا الحديث، فقال - كما في "عِلل الحديث" (٢/ ٣٥١) -: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ". ولم يتَفرَّد به صالحٌ .. فتابَعَهُ رجلٌ مجهولٌ، عن مُحمَّدِ بن كعبٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا، وساق حديثًا فيه: " … سَلُوا الله ببُطون أَكُفِّكُم، ولا تسأَلُوه بظهورِها، فإِذَا فرَغتُم، فامسحوا بها وجُوهَكم". أخرجه أبُو داوُد (١٤٨٥)، والبَيهقيُّ في "الكُبرَى" (٢/ ٢١٢)، وفي "الدَّعَوات الكبير" (ق ٣٩/ ١) مِن طريق عبد المَلِك بن مُحمَّد بن أَيمَن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمَّن حدَّثه، عن مُحمَّد بن كعبٍ. قال أبُو داوُد: "رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غيرِ وَجهٍ، عن مُحمَّد بن كعبٍ، كُلُّها واهيةٌ، وهذا الطَّريق أَمثَلُها، وهُو ضعيفٌ أيضًا". • قلتُ: ولَهُ عِلَّتان: الأُولَى: ضَعفُ عبد الملك بن مُحمَّدٍ. والثَّانية: جَهالَةُ الرَّاوِي عن كعبٍ. وتابَع هذا المجهولَ: عِيسَى بنُ ميمونَ، عن مُحمَّد بن كعبٍ به.

стр. 276

أخرجَهُ ابنُ نَصرٍ في "قيام اللَّيل" (ص ١٤١)، وقال: "عيسى بن ميمون ليس هو مِمَّن يُحتَجُّ بحديثه". ٢ - أمَّا حديثُ عُمر بن الخطَّابِ ﵁ .. فأخرجَهُ التِّرمذيُّ (٣٣٨٦)، وعَبدُ بن حُميدٍ في "المُنتَخَب" (٣٩)، والبَزَّارُ (١٢٩)، وأبُو الفضل الجوهريُّ في "حديثه" (ج ٥/ ق ٩٧/ ١)، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ١٤٢/ ١)، وفي "الدُّعَاء" (٢١٢)، والحاكِمُ (١/ ٥٣٦)، والنَّقَّاشُ في "فوائد العِرَاقِيِّين" (٢٧)، والسِّلَفِيُّ في "مُعجَم السَّفَرِ" (٦٨٠)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١٤٠٦)، وابنُ عساكر في "تاريخ دِمَشق" (٢٢/ ٣٥) مِن طريق حمَّاد بن عيسَى، ثنا حَنظَلَةُ بنُ أبي سفيان، عن سالِمٍ، عن أبيه، عن عُمَر بن الخطَّاب، قال: "كان رسُول الله ﷺ إذا مدَّ يديه في الدُّعاءِ، لا يَرُدُّهما حتَّى يَمسَح بهما وَجهه". ورواه عن حمَّاد بن عيسى هكذا: عَبدُ بنُ حُميدٍ، ومُحمَّدُ بنُ المُثنَّى، وإبراهيمُ بنُ يعقوبَ الدَّورَقِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ بكَّارٍ العيشِيُّ، ونصرُ بنُ عليٍّ، ومُحمَّدُ بنُ مُوسى الحَرَشِيُّ، والحَسَنُ بنُ عليٍّ الحُلوانِيُّ، وإسماعيلُ بنُ مُحمَّدٍ الطَّلْحِيُّ، في آخَرين. وخالَفَهم مُعَلَّى بنُ مهديٍّ المَوصِليُّ، قال: نا حمَّادُ بنُ عيسى الجُهَنِيُّ، ثنا حَنظَلَةُ بنُ أبي سُفيان، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمَر، عن أبيه ﵁، قال: "ما مَدَّ رسُولُ الله ﷺ يده في دُعاءٍ قطُّ فقبَضَهُما حتَّى يمسح بهما وجهَه".

стр. 277

أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الدُّعاء" (٢١٣) قال: حدَّثَنا عليُّ بن عبد العَزِيز، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ مَهدِيٍّ بهذا. وقال: لم يُجاوِز به المُعلَّى: ابنَ عُمَر. • قلتُ: ووَهِمَ فيه. ومُعَلَّى صاحبُ مَناكير. قال البَزَّار. "وهذا الحديثُ إنَّما رواه عن حنظَلَةَ: حمَّادُ بن عيسى، وهو ليِّنُ الحديث. وإنَّمَا ضُعِّف حديثُه بهذا الحديث، ولم نَجِد بُدًّا من إخراجِه، إذ كان لا يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا من هذا الوجه، أو مِن وجهٍ دُونَه". قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعرِفُه إلَّا مِن حديث حمَّادِ بن عيسَى، وهو قليلُ الحديثِ، وقد حدَّث عنه النَّاسُ". وقال الطَّبرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ، عن عُمَرَ إلَّا بهذا الإِسنادِ، تفرَّد به حمَّادُ بنُ عِيسَى". • قلتُ: وهُو ضعيفٌ، ضعَّفَهُ أحمدُ، وأبو حاتمٍ، والدَّارقُطنيُّ، وغيرُهم، وقال ابنُ حِبَّانَ، والحاكِمُ: "يَروِي أحاديثَ موضُوعةً، عن ابن جُريجٍ، وغيرِه"، ولذلك قالَ الذَّهبيُّ في "سِيَر النُّبلاء" (١٦/ ٦٧): "أَخرَجَهُ الحاكِمُ في "مُستدرَكه"، فلم يُصِب؛ وحمَّادٌ ضعيفٌ"، وقال العِراقيُّ في "المغني" (١/ ٣٠٥): "سكَتَ عليه الحاكِمُ، وهو ضعيفٌ". ٣ - أمَّا حديث السَّائب بن خلَّادٍ .. فأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٦٦٢٥) مِن طريق عمرِو

стр. 278

ابن خالدٍ الحرَّانيِّ، ثنا ابنُ لَهِيعَة، قال: سمِعتُ حفصَ بنَ هاشمِ بن عُتبةَ بن أبي وقَّاصٍ يَذكُر، أن خلَّادَ بنَ السَّائبِ حدَّثه، عن أبِيهِ، أن رسُول الله ﷺ كان إِذَا دَعَا رفع راحتَيهِ إلَى وجهه. قال الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ١٦٩): "فيه حَفصُ بن هاشم بن عُتبةَ، وهُو مجهولٌ". واضطرب ابنُ لَهِيعة في سَنَده ومتنه .. فرواه يحيَى بنُ إسحاق، عنه، عن حَبَّانَ بن واسعٍ، عن خلَّاد بن السَّائب الأنصاريِّ، أن رسُول الله ﷺ كَانَ إذا دَعَا جَعَل باطِنَ كفَّيه إلى وجهِهِ. أخرجَهُ أحمدُ (٤/ ٥٦). فلَم يَذكُر "السَّائبَ بنَ خلَّادٍ" في إسناده. وأخرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمَثَانِي" (٢٥٩٠)، عن ابن أبي مَريَمَ. ورواه أحمدُ أيضًا، عن يحيى بن إسحاقَ، بسياقٍ آخرَ. ورَوَاهُ سعيدُ بنُ الحَكَم بن أبي مَريَمَ، قال: نا ابنُ لَهِيعَةَ، عن حَبَّانَ بن واسِعٍ، عن حفصِ بن هَاشِمِ بن عُتبَةَ، أن خلَّادَ بنَ السَّائِبِ حدَّثَهُ، عن أبيه، أن رسُولَ الله ﷺ كان إذا دعا جَعَلَ راحتيه إلى وَجهِه. فجَعَلَهُ من مُسنَد السَّائِب. أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمثاني" (٢٥٩٠) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عَوفٍ، نا ابنُ أبي مَريَمَ، بهذَا. ورواهُ قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعة، عن حفص بن هاشمِ بن عُتبة بن أبِي وقَّاصٍ، عن السَّائبِ بن يزيدَ، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ كان

стр. 279

إذا دَعَا فرَفَعَ يديه، مَسَحَ وجهه بيديه. أخرجَهُ أحمدُ (٤/ ٢٢١)، وأبُو داوُد (١٤٩٢)، ومِن طرِيقِهِ البَيهَقِيُّ في "الدَّعَوَات" (١٨٤)، والفِريابيُّ في "كتاب الذِّكر" - كما في "النُّكَت الظِّرَاف" (٩/ ١٠٦ - ١٠٧) للحافِظِ -، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٦٣١)، وأبو نُعيمٍ في "مَعرِفة الصَّحابَة" (٦٦١٤) من طريق قُتَيبة. فصار الحديثُ مِن: "مُسنَد يزيدَ بن سعيدٍ الكِنديِّ". قال عبدُ الله بنُ أحمدَ عَقِبَ الحديثِ: "وقد خَالَفُوا قُتيبَةَ في إسنادِ هذا الحديثِ، وأحسِبُ قُتَيبة وَهِم فيه؛ يقولُونَ: خلَّاد بن السَّائِب، عن أبيه". وقال الحافظُ في تَرجَمَةِ حفص بن هَاشِمٍ من "التَّهذِيب": "أَظُنُّ الغَلَطَ فيه من ابن لَهِيعَةَ؛ لأنَّ يَحيَى بنَ إِسحاقَ السَّيْلَحِينِيَّ من قُدَمَاء أَصحَابِهِ، وقد حَفِظَ عنه حَبَّانُ بنُ وَاسِعٍ. وأمَّا حَفصُ بنُ هاشِمٍ فليس له ذِكرٌ في شيءٍ مِن كُتُب التَّواريخ، ولا ذَكَرَ أحدٌ أن لابنِ عُتبَةَ ابنًا يُسَمَّى حفصًا" انتهَى. والحديثُ مُضطربٌ، وضعيفٌ مِن كُلِّ وجُوهِهِ. وقال الحافِظُ فِي "أمالي الأذكار": "فيه ابن لَهِيعة، وشيخُهُ مجهولٌ". فالصواب، أنَّهُ لا يَصِحُّ حديث إلى النَّبيِّ ﷺ في هذا البَابِ. وتَسَامَحَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، فقال في "بُلوغ المرام" (ص ٢٨٤): "مَجمُوع هذه الأحاديث يَقضِي بأنَّهُ حديثٌ حَسَنٌ". • أمَّا مذاهِبُ العُلماء في ذلك .. فقال ابنُ نَصرٍ في "قيام اللَّيل": "ورَأَيتُ إسحاقَ يَستَحسِنُ العَمَل

стр. 280

بهذه الأحاديث. وأمَّا أحمدُ بن حَنبَلٍ، فحدَّثَني أبُو داوُد، قال: "سمعتُ أحمدَ، وسُئل عن الرَّجلِ يَمسَحُ وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر؟ فقال: "لم أسمع فيه شيئًا"، ورأيتُ أحمدَ لا يفعلُهُ. وسُئل مالكٌ عن الرَّجُلِ يَمسَحُ بكفيَّه وجهَهُ عند الدُّعاء؟ فأنكَرَ ذلكَ، وقال: "ما عَلِمتُ". وسُئل "عبدُ الله - يعني: ابنَ المُبارَك - عن الرَّجل يَبسُط يديه، فيَدعُو، ثُمَّ يَمسَحُ بهما وجهَه؟ فقال: "كَرِهَ ذلك سُفيانُ" - يعنِي: الثَّوريَّ - " ا. هـ. وكذلك، أنكَرهُ البيهقيُّ في "رِسالته إلى أبي مُحمَّدٍ الجُوينيِّ" (٢/ ٢٨٦ - مجموعة الرسَّائل المُنيريَّةِ)، ولم يُثبِت حديثًا واحدًا فيها. • قُلتُ: وأقوى ما رأيتُهُ في هذا الباب، ما أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٩٠٦)، من طريق مُحمَّدِ بن فُليحٍ، قال: أخبَرَني أبي، عن أبي نُعيمٍ - وهو وهبٌ -، قال: رأيتُ ابنَ عُمَر، وابنَ الزُّبير يدعُوَان، يُدِيرَانِ بالرَّاحتين على الوجه. وحسَّن إسنادَهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "أمالي الأذكار". وسَنَدُه مُحَتَمِلٌ للتَّحسين، وإلى الضَّعف ما هو. ومُحمَّدُ بنُ فُليحٍ، وأبُوه فيهِمَا مقالٌ معرُوفٌ. فالصَّوابُ في هذا الباب: ما ذَهَب إليه الثَّوريُّ، وابنُ المُبارَك، ومالِكٌ، وأحمدُ بنُ حَنبلٍ: مِن كراهِيَةِ ذلك. واللهُ أعلَمُ.

стр. 281

٦٩ - سُئلتُ عن حديث: "كما تكونوا يُوَلَّى عَليكُم". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ جُمَيعٍ في "مُعجَمه" (ص ١٤٩/ ١٠٤)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٥٧٧) من طريق الكَرْمَانِيِّ بن عَمْرٍو، ثنا المُبارَك بن فَضالةَ، عن الحَسَن البصريِّ، عن أبي بَكْرة مرفُوعًا فذَكَرَه. قال ابنُ طاهرٍ في "كلامه على أحاديث الشِّهاب" - كما في "تخريج أحاديث الكشَّاف" (١٨٩)، للزَّيلَعِيِّ -: "هذا حديثٌ رواه أحمدُ بنُ إبراهيمِ بن عُثمان بن المُثَنَّى، عن الكَرْمَانِيِّ بن عَمْرٍو، عن المُبارَك بن فَضالةَ. والمُبارَكُ بنُ فَضالة، وإن ذُكِر بشئٍ من الضَّعف، فإنَّ العُهدة على من رواه عنهُم؛ فإنَّ فيهم جهالةً". وقال الحافظ في "الكافي الشَّافِ" (١/ ٣٥١): "في إسناده إلى مُبارَك مجاهيلُ" ا. هـ. والحَسَنُ البصريُّ لم يُصرِّح بالتَّحديث من أبي بَكْرة. ولكن له وجهٌ آخرُ .. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٣٩١) من طريق يحيى بن هاشمٍ، نا يُونُسُ بنُ أبي إسحاق، عن أبيه، قال: قال رسُول الله ﷺ : "كما تَكُونُوا يُؤَمَّرُ عليكم".

стр. 282

قال البَيهَقِيُّ: "هذا مُنقطِعٌ، ورَاوِيه يحيى بنُ هاشمٍ ضعيفٌ". • قلتُ: وسَنَدُه في غاية الوهاء؛ فمع كونه مُعضَلًا، فإنَّ يحيى بن هاشمٍ السِّمسارَ ليس ضعيفًا فحسبُ، فقد كذَّبه ابن مَعِينٍ، وقال ابن عَدِيٍّ: "كان ببغداد، يَضَعُ الحديث، ويسرِقُه"، وكذَّبه كذلك صالحٌ جَزَرةُ، وتَرَكَه النَّسَائِيُّ، وقال ابنُ حِبَّان: "كان ممَّن يَضَعُ الحديثَ على الثِّقات، ويَروِي عن الأثبات الأشياء المُعضَلات، لا يحلُّ كتابة حديثه، إلَّا على جِهة التعجُّب لأهل الصِّناعة، ولا الرِّوايةُ بحالٍ". وقد اختُلِف في إسناده .. فرواه الدَّيْلَمِيُّ من طريق يحيى بن هاشمٍ هذا، عن يُونُسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبي بَكْرة مرفُوعًا. وهذا لا يصحُّ أيضًا؛ لأنَّ مدارَه على يحيى بن هاشمٍ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 283

٧٠ - سُئلتُ عن حديث: "كان رسُول الله ﷺ يَقبَل الهديَّةَ، ويُكافِئُ عليها". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ (٥/ ٢١٠)، وأبو داوُد (٣٥٣٦)، والتِّرمِذِيُّ في "سُنَنه" (١٩٥٣)، وفي "الشَّمائل" (٣٥٠)، وأحمدُ (٦/ ٩٠)، وابنُ أبي الدُّنيا في "مكارم الأخلاق" (ص ٨٧)، وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب من المُسنَد" (١٥٠٣)، وأبو الطَّاهر المُخلِّصُ في "الفوائد" (ج ٩/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو بكرٍ الشَّافِعِيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (ج ٤/ ق ١٠١/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الأخلاق" (٢٥٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢/ ١٢ - ١٣)، والبَيهَقِيُّ (٦/ ١٨٠)، والخطيبُ في "التَّاريخ" (٤/ ٢٢٣)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢٤٤٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٦/ ١٠٥) من طرقٍ عن عِيسَى بن يُونُس، عن هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة، أن النَّبيَّ ﷺ كان يَقبَلُ الهديَّة، ويُثِيبُ عليها. قال البُخاريُّ عَقِبَه: "لم يَذكُر وكيعٌ ومُحاضِرٌ: عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة"، ويَقصِدُ البُخاريُّ أن عيسى بنَ يُونُس خُولِف في وصلِه، فرواه وكيعٌ، ومُحاضِر بن المُورِّع مُرسَلًا. وكذلك قال غيرُ واحدٍ من العُلماء ..

стр. 284

فقال ابنُ مَعِينٍ - كما في "تاريخ الدُّورِيِّ" (٤/ ٢٨) -: "النَّاس يُحَدِّثُون به مُرسلًا". وقال أبو داوُد: "تَفرَّد بوصله عيسى بنُ يُونُس، وهو عند النَّاس مُرسَلٌ"، وكذلك قال البزَّار. وصرَّح الطَّبَرانيُّ أن عيسى بنَ يُونُس تفرَّد بوصلِه. ولم يُجِب الحافظُ في "الفتح" عن هذا الإعلال بشئٍ في موضع الحديث. والجواب عنه: أن عيسى بنَ يُونُس ثقةٌ حُجَّةٌ، لم يَختلِف أحدٌ فيه، وقد صحَّحَه التِّرمِذِيُّ أيضًا. وفي هذا الحديث دليلٌ على وهاء ما تمسَّك به بعضُ الطَّلَبة، أنَّه كُلَّما خالف الجماعةَ الواحدُ رجَّحُوا روايةَ الجماعةِ، وهذا ليس بلازمٍ؛ فإنَّ الأمر يدُورُ مع القرائن، وإن كان أكثرُ تَصَرُّف العُلماء على ترجيح رواية الجماعة، ولكنَّهُم قد يُرَجِّحُون روايةَ الواحد على الجماعةِ، كما فَعَل البُخاريُّ هنا .. وكما فعل التِّرمِذِيُّ في حديثِ "المُسيء صلاتَه"، فقد رواه يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّان، عن عُبيد الله بن عُمَر، قال حدَّثَني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة. وخالَفَهُ أنَسُ بنُ عِياضٍ، وعبدُ الله بن نُميرٍ، وأبو أُسامة حمَّادُ بنُ أُسامة، وعيسى بنُ يُونُس، وعبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان، وعُقبةُ بنُ خالدٍ، فرَوَوْه جميعًا عن عُبيد الله بن عُمَر، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة،

стр. 285

ولم يَذكُرُوا والد سعيدٍ المَقبُرِيِّ. وأخرج الشَّيخَان الوجهين جميعًا. فقال التِّرمذِيُّ: "رواية يحيى بن سعيدٍ، عن عُبيد الله بن عُمَر أصحُّ"، وقد رأيتَ من خالَفَه. وبالجُملة، فالحديث الشَّاذُّ ليس له حدٌّ قاطعٌ لا يُتجاوَزُ، وإن كان هئاك قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ يرجَع إليها، فقد تَتَخلَّفُ والعُمدَة في ذلك على كثرة النَّظَر، ومُلاحَظةِ تصرُّفِ العُلماء الحُذَّاقِ، مع إِدمان الطَّلَب، وَجَودَة القَرِيحة. والكلامُ في الشُّدوذِ أشدُّ من المشي على حدِّ المُوسَى، فلا يَنقَضِي عَجَبِي، والأمرُ كذلك، كيف كثُر "الغِلمانُ المُحَقِّقُون"، الذين أَعَلُّوا جُملةً وافرةً من أحاديث "الصَّحيحين" بالشُّذوذ، فضلًا عن غيرِهما، ويَا لَيتَهُم إِذ أَعَلُّوا سُبِقوا، ولِكنَّهم ما سُبِقوا إلى ذلك من الحُفَّاظ والنُّقَّاد، وليت لَهُم من التَّحصيل، وطُول العُمر، وشهادة العُلماء لهم بالأهليَّة، ما يُعِينُهم على ذلك، فالُحكمُ لله العليِّ الكبير.
следующие страницы →