← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٦٩ - سُئلتُ عن حديث: "كما تكونوا يُوَلَّى عَليكُم". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ جُمَيعٍ في "مُعجَمه" (ص ١٤٩/ ١٠٤)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٥٧٧) من طريق الكَرْمَانِيِّ بن عَمْرٍو، ثنا المُبارَك بن فَضالةَ، عن الحَسَن البصريِّ، عن أبي بَكْرة مرفُوعًا فذَكَرَه. قال ابنُ طاهرٍ في "كلامه على أحاديث الشِّهاب" - كما في "تخريج أحاديث الكشَّاف" (١٨٩)، للزَّيلَعِيِّ -: "هذا حديثٌ رواه أحمدُ بنُ إبراهيمِ بن عُثمان بن المُثَنَّى، عن الكَرْمَانِيِّ بن عَمْرٍو، عن المُبارَك بن فَضالةَ. والمُبارَكُ بنُ فَضالة، وإن ذُكِر بشئٍ من الضَّعف، فإنَّ العُهدة على من رواه عنهُم؛ فإنَّ فيهم جهالةً". وقال الحافظ في "الكافي الشَّافِ" (١/ ٣٥١): "في إسناده إلى مُبارَك مجاهيلُ" ا. هـ. والحَسَنُ البصريُّ لم يُصرِّح بالتَّحديث من أبي بَكْرة. ولكن له وجهٌ آخرُ .. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٣٩١) من طريق يحيى بن هاشمٍ، نا يُونُسُ بنُ أبي إسحاق، عن أبيه، قال: قال رسُول الله ﷺ : "كما تَكُونُوا يُؤَمَّرُ عليكم".

стр. 282

قال البَيهَقِيُّ: "هذا مُنقطِعٌ، ورَاوِيه يحيى بنُ هاشمٍ ضعيفٌ". • قلتُ: وسَنَدُه في غاية الوهاء؛ فمع كونه مُعضَلًا، فإنَّ يحيى بن هاشمٍ السِّمسارَ ليس ضعيفًا فحسبُ، فقد كذَّبه ابن مَعِينٍ، وقال ابن عَدِيٍّ: "كان ببغداد، يَضَعُ الحديث، ويسرِقُه"، وكذَّبه كذلك صالحٌ جَزَرةُ، وتَرَكَه النَّسَائِيُّ، وقال ابنُ حِبَّان: "كان ممَّن يَضَعُ الحديثَ على الثِّقات، ويَروِي عن الأثبات الأشياء المُعضَلات، لا يحلُّ كتابة حديثه، إلَّا على جِهة التعجُّب لأهل الصِّناعة، ولا الرِّوايةُ بحالٍ". وقد اختُلِف في إسناده .. فرواه الدَّيْلَمِيُّ من طريق يحيى بن هاشمٍ هذا، عن يُونُسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبي بَكْرة مرفُوعًا. وهذا لا يصحُّ أيضًا؛ لأنَّ مدارَه على يحيى بن هاشمٍ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 283

٧٠ - سُئلتُ عن حديث: "كان رسُول الله ﷺ يَقبَل الهديَّةَ، ويُكافِئُ عليها". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ (٥/ ٢١٠)، وأبو داوُد (٣٥٣٦)، والتِّرمِذِيُّ في "سُنَنه" (١٩٥٣)، وفي "الشَّمائل" (٣٥٠)، وأحمدُ (٦/ ٩٠)، وابنُ أبي الدُّنيا في "مكارم الأخلاق" (ص ٨٧)، وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب من المُسنَد" (١٥٠٣)، وأبو الطَّاهر المُخلِّصُ في "الفوائد" (ج ٩/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو بكرٍ الشَّافِعِيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (ج ٤/ ق ١٠١/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الأخلاق" (٢٥٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢/ ١٢ - ١٣)، والبَيهَقِيُّ (٦/ ١٨٠)، والخطيبُ في "التَّاريخ" (٤/ ٢٢٣)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢٤٤٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٦/ ١٠٥) من طرقٍ عن عِيسَى بن يُونُس، عن هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة، أن النَّبيَّ ﷺ كان يَقبَلُ الهديَّة، ويُثِيبُ عليها. قال البُخاريُّ عَقِبَه: "لم يَذكُر وكيعٌ ومُحاضِرٌ: عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة"، ويَقصِدُ البُخاريُّ أن عيسى بنَ يُونُس خُولِف في وصلِه، فرواه وكيعٌ، ومُحاضِر بن المُورِّع مُرسَلًا. وكذلك قال غيرُ واحدٍ من العُلماء ..

стр. 284

فقال ابنُ مَعِينٍ - كما في "تاريخ الدُّورِيِّ" (٤/ ٢٨) -: "النَّاس يُحَدِّثُون به مُرسلًا". وقال أبو داوُد: "تَفرَّد بوصله عيسى بنُ يُونُس، وهو عند النَّاس مُرسَلٌ"، وكذلك قال البزَّار. وصرَّح الطَّبَرانيُّ أن عيسى بنَ يُونُس تفرَّد بوصلِه. ولم يُجِب الحافظُ في "الفتح" عن هذا الإعلال بشئٍ في موضع الحديث. والجواب عنه: أن عيسى بنَ يُونُس ثقةٌ حُجَّةٌ، لم يَختلِف أحدٌ فيه، وقد صحَّحَه التِّرمِذِيُّ أيضًا. وفي هذا الحديث دليلٌ على وهاء ما تمسَّك به بعضُ الطَّلَبة، أنَّه كُلَّما خالف الجماعةَ الواحدُ رجَّحُوا روايةَ الجماعةِ، وهذا ليس بلازمٍ؛ فإنَّ الأمر يدُورُ مع القرائن، وإن كان أكثرُ تَصَرُّف العُلماء على ترجيح رواية الجماعة، ولكنَّهُم قد يُرَجِّحُون روايةَ الواحد على الجماعةِ، كما فَعَل البُخاريُّ هنا .. وكما فعل التِّرمِذِيُّ في حديثِ "المُسيء صلاتَه"، فقد رواه يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّان، عن عُبيد الله بن عُمَر، قال حدَّثَني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة. وخالَفَهُ أنَسُ بنُ عِياضٍ، وعبدُ الله بن نُميرٍ، وأبو أُسامة حمَّادُ بنُ أُسامة، وعيسى بنُ يُونُس، وعبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان، وعُقبةُ بنُ خالدٍ، فرَوَوْه جميعًا عن عُبيد الله بن عُمَر، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة،

стр. 285

ولم يَذكُرُوا والد سعيدٍ المَقبُرِيِّ. وأخرج الشَّيخَان الوجهين جميعًا. فقال التِّرمذِيُّ: "رواية يحيى بن سعيدٍ، عن عُبيد الله بن عُمَر أصحُّ"، وقد رأيتَ من خالَفَه. وبالجُملة، فالحديث الشَّاذُّ ليس له حدٌّ قاطعٌ لا يُتجاوَزُ، وإن كان هئاك قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ يرجَع إليها، فقد تَتَخلَّفُ والعُمدَة في ذلك على كثرة النَّظَر، ومُلاحَظةِ تصرُّفِ العُلماء الحُذَّاقِ، مع إِدمان الطَّلَب، وَجَودَة القَرِيحة. والكلامُ في الشُّدوذِ أشدُّ من المشي على حدِّ المُوسَى، فلا يَنقَضِي عَجَبِي، والأمرُ كذلك، كيف كثُر "الغِلمانُ المُحَقِّقُون"، الذين أَعَلُّوا جُملةً وافرةً من أحاديث "الصَّحيحين" بالشُّذوذ، فضلًا عن غيرِهما، ويَا لَيتَهُم إِذ أَعَلُّوا سُبِقوا، ولِكنَّهم ما سُبِقوا إلى ذلك من الحُفَّاظ والنُّقَّاد، وليت لَهُم من التَّحصيل، وطُول العُمر، وشهادة العُلماء لهم بالأهليَّة، ما يُعِينُهم على ذلك، فالُحكمُ لله العليِّ الكبير.

стр. 286

٧١ - سُئلتُ عن حديث: "مَن لم يَرْعَوِ عِند الشَّيْب، ولم يَستَحِ من العَيْب، ولم يَخشَ الله بالغَيْب، فليس لله فيه حاجةٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرَجَهُ ابنُ جُميعٍ في "مُعجَمه" (ص ٣٧٥)، ومن طريقه الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٤٦٢)، قال: حدَّثَنا يُوسُفُ بنُ إسحاق بحَلَب، ثنا مُحمَّدُ بنُ حمَّادٍ الطِّهْرَانِيُّ، ثنا عبدُ الرَّزَّاق، أنبأنا مَعمَرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيه، عن جابرٍ مرفُوعًا فذَكَرَه. قال الذَّهَبِيُّ في ترجمة يُوسُفَ هذا: "عن مُحمَّد بن حمَّادٍ الطِّهرَانِيِّ بخَبَرٍ باطلٍ … - ثُمَّ رواه، وقال: - الآفةُ من يُوسُف، فإنَّ الباقين ثقاتٌ".

стр. 287

٧٢ - سُئلتُ عن حديث: "لا يَبِيتَنَّ رَجلٌ عند امرأةٍ ثَيِّبٍ، إلَّا أن يكون ناكِحًا، أو ذا مَحرَمٍ". وقال السَّائل: هل يُفهَم منه أنَّه يجوز المبيتُ عند البِكر، لأنَّه قيَّد النَّهي بثُيُوبَة المرأة؟ • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢١٧١/ ١٩)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٩٨)، وأبو الحُسين الدَّقَّاقُ في "الفوائد المُنتَقَاة" (ق ١٤٠/ ١)، والطُّيُورِيُّ في "الطُّيُورِيَّات" (ق ١٨١/ ١)، والخطيبُ في "تاريخه" (٨/ ١٠٩)، وابنُ جُميعٍ في "مُعجَمه" (ص ٢٩٥، من طُرُقٍ عن هُشيمٍ، ثنا أبو الزُّبير، عن جابرٍ مرفُوعًا، فذَكَرَه بلفظ: "امرأةٍ ثيِّبٍ". وأخرَجَهُ أبو يَعلَى (١٨٤٨)، وعنه ابنُ حِبَّان (٥٥٨٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٩٨) قال: حدَّثَنا أبو خَيثَمَة زُهيرُ بنُ حربٍ، - زاد البَيهَقِيُّ: وعمرٌو النَّاقدُ، قالا: -، ثنا هُشيمٌ به، بلفظ: "امرأةٍ في بيتٍ". ولم يقع عند البَيهَقِيِّ: "في بيتٍ". وأخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "عِشرة النِّساء" (٥/ ٣٨٦ - الكُبرى)، ومن طريقه ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١/ ٢٢٧)، وابنُ أبي شيبة (٤/ ٤٠٩)، عن هُشيمٍ، بلفظ: "امرأةٍ"، هكذا بلا قيدٍ.

стр. 288

قال العُلماء: إنما خَصَّ الثَّيِّبَ، لكونها التي يُدخَل إليها غالبًا، وأمَّا البِكر فمصُونَةٌ، مُتَصَوِّنَةٌ في العادة، مُجانِبةٌ للرِّجال أشدَّ المُجانَبة، فلم يَحتَج إلى ذِكرِها، ولأنَّه من باب التَّنبيه، لأنَّه إذا نَهَى عن الثَّيِّب، التي يَتَساهل النَّاسُ في الدُّخول عليها في العادة، فالبِكر أولَى. فالكلامُ إذن خَرَجَ مَخرَج الغالب، فلا يكون له مفهومٌ، وهذا كقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فلا يُقال: "يحلُّ أكلُه ضِعفًا واحدًا". ومثلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فلا يُقال: "إذا لم يُرِدن تحصُّنًا يَجُوزُ إكراهُهُنَّ على البِغاء". وكقولِه تعالى في آية المُحرَّمات من النِّساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فقولُه تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيدٌ خرج مَخرَج الغالِب؛ وذلك أن المرأة المُطلَّقة، أو التي مات زوجُها، عادةً ما تأخذُ ابنتها مِن زوجها إلى بيت زوجها الثَّاني، فتكونُ في حِجرِ الزَّوج، فلا يُقال: "إذا لم تَكُن في حِجرِه يجوز له أن يتزوَّجَها"؛ لأنَّها مُحرَّمةٌ عليه، سواءٌ كانت في حِجرِه أو لا، وهذا ما ذَهَب إليه سائرُ أهل العِلم، إلَّا طائفةً قليلةً مِنهُم. وكقولِه ﷺ : "لا تصومُ المرأةُ وزوجُها شاهدٌ، إلَّا بإذنه"، فقوله: "شاهدٌ" قيدٌ خرج مَخرَج الغالِب؛ لأنَّه قد يَحتاجُ إلى ما يَحتاجُهُ الرَّجلُ، أمَّا في حال سَفَرِه، فتنتفَي حاجَتُه، فلا يُقال: "يجوز لها أن تصوم وهو مسافرٌ، رغم أنفه"؛ فلو أنَّه أَمَرَها أن تُفطِر حال سَفَرِه، لوَجَب عليها الفِطرُ، ولكنَّ الكلام خرج مَخرَج الغالب. والأمثلةُ على ذلك تطولُ. والحمدُ لله على التَّوفيق.

стр. 289

٧٣ - سُئلتُ عن حديث: "إنَّ الإيمان سِربَالٌ، يُسَربِلُه اللهُ من يشاءُ، فإذا زَنَى العبدُ نُزِع منه سِربَالُ الإيمان، فإن تاب رُدَّ عليه". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ ابنُ نَصرٍ في "كتاب الصَّلاة" (٥٣٨)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ١٠/ رقم ٤٩٨١) من طريق عَمْرو بن عبد الغَفَّار، ثنا العَوَّامُ بنُ حَوْشبٍ، حدَّثَني عليُّ بنُ مُدرِكٍ، عن أبي زُرعة، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَه. وسَنَده ضعيفٌ جدًّا؛ وعَمْرُو بنُ عبد الغَفَّار تَرَكَه أبو حاتمٍ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "اتُّهِم بوضع الحديث"، وقال العُقيليُّ وغيرُه: "مُنكَر الحديث". ويُغنِي عنه: ما أخرَجَهُ أبو داوُد (٤٦٩٠)، وابنُ نَصرٍ (٥٣٦)، وابنُ مَندَهْ في "الإيمان" (٥١٩) من طريق سعيد بن أبي مَريَم، أنا نافعُ بنُ يزيد، قال: حدَّثَني ابنُ الهَادِ، أن سعيدَ بنَ أبي سعيدٍ المَقبُرِيَّ حدَّثَه، أنَّه سَمِع أبا هُريرَة مرفُوعًا: "إذا زنى الرَّجلُ خرج منه الإيمانُ، وكان عليه كالظُّلَّة، فإذا انقَلَع رجع إليه الإيمانُ". وسَنَده صحيحٌ.

стр. 290

وأخرَجَ ابنُ نَصرٍ (٥٣٩)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٤٩٨٢) من طريق ابن أبي مريم، نا يحيى بنُ أيُّوب، قال: حدَّثَني ابنُ عَجلان، أن القعقاعَ أخبَرَه، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة، وسُئل عن قوله: "لا يزني الزَّاني وهو مؤمنٌ": فأين يكون الإيمانُ منه؟ قال أبو هُريرَة: "سيكون عليه هكذا - وقال بكفِّه -، فإن نَزَع وتاب رَجَع إليه الإيمانُ". وهو موقوفٌ جيِّدُ الإسناد. واللهُ أعلَمُ.

стр. 291

٧٤ - سُئلتُ عن حديثٍ - عزاه السَّائلُ للحاكم في "المُستدرَك" -: "اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ: أَن يُطَاعَ، فَلَا يُعصَى، وَيُشكَرَ، فَلَا يُكَفَرُ، وَيُذكَرَ، فَلَا يُنسَى". • قلتُ: لعلَّ القارئَ نقل هذا العَزوَ إلى الحاكم مِن "تفسير ابن كثيرٍ"، فإنَّه قال (٢/ ٧٢): "وكذا رواه الحاكِمُ في "مُستدرَكه"، من حديث مِسعرٍ، عن زُبَيدٍ، عن مُرَّة، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذكره". ولم أر أحدًا نَسبَه إلى الحاكم مرفُوعًا، بل ذكَرَه الزَّيْلعيُّ في "تخريج أحاديث الكَشَّاف" (ق ٣٨/ ١)، والسِّيوطيُّ في "الدُّرِّ المنثور" (٢/ ٥٩)، ونسبَاهُ إلى الحاكم موقُوفًا. وقد أخرجه الحاكم كذلك (٢/ ٢٩٤). وقد ذَكَر ابنُ كثيرٍ أن ابنَ مَردَوَيْهِ رواه مِن طريق يُونسَ بن عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ، عن الثَّوريِّ، عن زُبَيدٍ اليَامِيِّ، عن مُرَّة بن شُرَاحِيلَ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا. • قلتُ: وتُوبِع الثَّوريُّ على رفعه .. تابعه مُحمَّدُ بنُ طلحة، فرواه عن زُبَيدٍ، عن مُرَّة، عن ابن مسعُودٍ مرفُوعًا. أخرجه أبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩). والصَّواب في هذا الحديث الوَقفُ، ولا يَصحُّ مرفُوعًا.

стр. 292

وبيانُه: أن روايةَ ابن مَردَوَيْه التي رواها عن ابن وهبٍ، عن الثَّوريِّ، فلا أَعلَمُ سَنَدَ ابن مَردَوَيْه إلى يونُسَ بن عبد الأعلى. ولعلَّ فيها علةً. وإِنْ سلَّمنا أن السَّنَد إلى يونُسَ صحيحٌ، فقد خُولِف ابنُ وهبٍ في سَنَده .. خالفه عبدُ الرَّحمن بنُ مَهديٍّ، ومُحمَّدُ بنُ يُوسُف الفِريابيُّ، وعبد الرَّزَّاق، فرَوَوْه عن الثَّوريِّ، عن زُبَيدٍ، عن ابن مَسعُودٍ قولَه. أخرجَهُ عبُد الرَّزَّاق في "تفسيره" (١/ ١٢٩)، ومِن طريقه ابنُ جَريرٍ (٧٥٣٦)، وابنُ أبي حاتمٍ (١٠٧٩) في "تفسيرَيهما"، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٥٠٢). وتُوبِع الثَّوريُّ على وقفه .. تابعه: شُعبَةُ، ومِسعرُ بنُ كِدَامٍ، وجَريرُ بنُ حازمٍ، وليثُ بنُ أبي سُليمٍ، والمَسعُوديُّ، كلُّهم يرويه عن زُبَيدٍ الياميِّ، عن مُرَّة، عن ابن مَسعُودٍ قولَه. أخرجه ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (٢٢)، وابنُ أبي حاتمٍ (١٠٧٩)، وابنُ جَرير (٧٥٣٧، ٧٥٣٨، ٧٥٣٩، ٧٥٤٠، ٧٥٤١، ٧٥٤٢)، والحاكمُ (٢/ ٢٩٤)، وأبُو جعفرٍ النَّحَّاسُ في "النَّاسخ والمنسوخ" (٢٩٩)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٥٠١). وأيضًا، فهؤلاء جميعًا خالَفُوا مُحمَّدَ بنَ طلحة، الذي رواه عن زُبَيدٍ مرفُوعًا، كما قَدَّمتُ.

стр. 293

ومُحمَّدُ بنُ طلحة، ضَعَّفه ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وليَّنَه النَّسائيُّ، وقال ابنُ حِبَّانَ: "يُخطِئُ"، فلا تُقاوِمُ روايتُه روايةَ هؤلاء الفُحُول. وصحَّح الحاكِمُ الرِّوايةَ الموقُوفَة على شرط الشَّيخينِ، ووافَقَهُ الذَّهبيُّ. وقال ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٢/ ٧١): "وهذا إسنادٌ صحيحٌ موقُوفٌ". واللهُ أعلَمُ.

стр. 294

٧٥ - وسَألنِي سائلٌ عن حديثٍ، قرأه في مجلَّة "اللِّواء الإسلاميِّ"، تحت عُنوان: "تنظيم النَّسل"، وهو حديثُ: "جَهدُ البَلَاءِ: كثرَةُ العِيَالِ، مَع قِلَّةِ الشَّيءِ"، وقال الكاتِبُ: رَوَاهُ الحاكِمُ في "المُستدرَك". • قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ مَكذُوبٌ. ولم يروِهِ الحاكم في "المُستدرَك"، بل في "تاريخ نيسابُور"، كما في "كشف الخفاء" (١/ ٣٣٥). ورأيتُهُ موقُوفًا على عُمَر بن الخطَّاب .. فقد أخرجه ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب "العيال" (٤٤٣) مِن طريق إسماعيلَ بن عَيَّاشٍ، عن حسَّان بن عبد الله، عن إياسِ بن مُعاوية، عن عُمَر فذَكَرَه. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ لانقطاعِهِ، فإنَّ إياسَ بنَ مُعاوية لم يَلحَق عُمَرَ ﵁.

стр. 295

٧٦ - سُئلتُ: هل صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ نَهَى عَن صلاة الصِّبيانِ في الصَّفِّ الأوَّل؟ • قلت: لا أعلم في هذا الباب نهيًا صحيحًا. والذي أَعلَمُه، هو ما رواه ابنُ أبي الدُّنيا في "كتاب العيال" (٢٩٨) من طريق أبي مُعاوية، حدَّثَنا الأَحوَصُ بنُ حكيمٍ، عن راشدِ بن سعدٍ، قال: نَهَي رسُولُ الله ﷺ أن يُقامَ الصِّبيانُ في الصَّفِّ الأوَّل. لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ؛ لإرساله. وفي معناه: ما أخرجه أبُو داوُد (٦٦٣) من طريق شهر بن حَوْشبٍ، عن عبد الرَّحمن بن غُنْمٍ، قال: قال أبُو مالكٍ الأشعريُّ: أَلَا أُحدِّثُكم بصلاة النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: فأَقَامَ الصَّلاة، فصفَّ الرِّجال، وصَفَّ الغِلمان خَلْفهم، ثُمَّ صلَّى بهم، فذَكَرَ صَلاتَهُ .... وشهرُ بنُ حَوشَبٍ مُقارِبُ الحال. واللهُ أعلَمُ.

стр. 296

٧٧ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ لِلمَرأَةِ فِي حَملِهَا، إِلَى وَضعِهَا، إِلَى فِصَالِهَا مِنَ الأَجرِ كَالمُتشَحِّطِ فِي سَبِيلِ الله، فَإِن هَلَكَت فِيَما بَينَ ذَلِكَ، فَلَهَا أَجرُ شَهِيدٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه عَبْدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (٨٠١)، وابنُ أبي الدُّنيا في "كتاب العيال" (٣٨٧)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ٢٩٨) من طريق ابن المُبارَك، ثنا قَيسُ بنُ الرَّبيع، عن أبي هاشمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَرَه. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ لضعف قَيسِ بن الرَّبيعِ. وَوَقَعَ الشَّكُّ في رفعه عِندَ ابن أبي الدُّنيا، ولعلَّه من قيسٍ. واللهُ أعلَمُ. • قلتُ: وهو مُعَلٌّ بالوقف. أخرَجَه عبدُ بنُ حميدٍ في "المُنتخَب" (٨٠١) قال: حدَّثَنا يَعمَرُ بنُ بِشرٍ .. وابنُ أبي الدُّنيا في "كتاب العيال" (٣٨٧) قال: حدَّثَنا أحمُد بنُ جميلٍ المَروَزِيُّ .. وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ٢٩٨) عن حبَّان بن مُوسَى .. قالوا: ثنا ابنُ المُبارَك، ثنا قيسُ بنُ الرَّبيع، عن أبي هاشِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عُمر، أُراه عن النَّبيِّ ﷺ … فذكره.

стр. 297

هكذا وَقَعَ الشَّكُّ في رَفعِه. وكذلك رواه إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الصِّينِيُّ، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيع، بهذا على الشَّكِّ. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ (٤/ ٢٩٨) قال: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ أحمدَ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عُثمانَ بن أبي شَيبَة، ثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ بهذا، وقال: "غريبٌ من حديث سعيدٍ. تفرَّد به قيسٌ. وحدَّث به عبدُ الله بنُ المُبارَك عن قيسٍ". • قلتُ: وهذا سنَدٌ ضعيفٌ؛ لضعف قيسِ بن الرَّبيع، مع الشَّكِّ في رفعه. ورجَّح الدَّارقُطنِيُّ في "العِلل" (ج ٤/ ق ١٢٣/ ١) وَقفَهُ. والله أَعلَمُ.

стр. 298

٧٨ - سُئلت عن حديث: "وَسِّطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الخَلَلَ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُقارِبٌ بآخِرِه. أخرجه أبُو داوُد (٢/ ٣٧٥ - عون)، ومن طريقِهِ البَيهقِيُّ (٣/ ١٠٤)، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ٢٧١/ ٢) من طريقِ يَحيَى بن بَشِيرِ بن خلَّادٍ، عن أُمِّه، أنَّها دَخَلت على مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظيِّ، فسَمِعَتهُ يقول: حدَّثَني أبُو هُريرَة مرفُوعًا. وقال الطَّبرانيُّ: "الثُّلَمَ" بدل "الخلل"، وزاد: "لا يتخلَّلُها الشَّيطانُ، وضَعُوا نعالَكُم بين أقدامكم". قال الطَّبرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن أبي هُريرَة إلَّا بهذا الإسنادِ. تَفرَّد به يَحيَى بنُ بَشيرٍ". • قلتُ: أمَّا يحيَى، فقال ابنُ القطَّان: "مجهولٌ". وأُمُّه، اسمُها "أَمَةُ الواحِدِ بنتُ يامينَ" مجَهُولةٌ أيضًا. واللهُ أعلَمُ. ولقوله: "سُدُّوا الخَلَلَ" شاهدٌ من حديث أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا: "ألا أدُلُّكُم على ما يكَفِّرُ اللهُ به الخَطايا ويَزِيدُ به الحَسَناتِ"، قالوا: بلى. قال: "إسباغُ الوُضُوء على المَكارِه، وكَثرَةُ الخُطى إلى المَساجد، وانتظارُ الصَّلاةِ بعد الصَّلاة. إنَّ الملائِكة تقولُ: اللَّهُم اغفِر له! اللَّهُمَّ ارحَمه". فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا قُمتُم إلى الصَّلاة فعدِّلُوا صُفُوفُكم وأقيمُوها، وسُدُّوا الخَلَلَ، فإنِّي أراكُم من وراء ظَهرِي. فإذا قال إمامُكُم: الله أكبرُ،

стр. 299

فقولوا: اللهُ أكبرُ، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا لك الحمدُ"، فقال رسُول الله ﷺ : "خيرُ صُفُوف الرِّجال مُقدَّمُها، وشرُّها مؤَخَّرُها، وخيرُ صُفوف النِّساء مُؤَخَّرُها، وشرُّها مُقدَّمُها". أخرَجَهُ البزَّارُ (٥٣١ - كشف) قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبُو عامِرٍ، عن زُهَير بن مُحَمَّدٍ، عن عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقيلٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا. وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٣) قال: حدَّثَنا أبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ. . والحارثُ بنُ أبي أُسامَةَ في "مُسنَده" (١٥٣ - زوائده)، وأبُو يَعلَى (١٣٥٥)، والبيهَقِيُّ (٢/ ١٦) عن يَحيَى بن أبي بُكَيرٍ. . قالا: ثنا زُهَير بنُ مُحمَّدٍ، بهذا الإسناد بتمامه، غير أنَّه قال: "وسُدُّوا الفُرَجَ" بدل "الخَلَلَ". وأخرَجَه ابنُ ماجَهْ (٤٢٧، ٧٧٦، ٨٧٧) قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ - وهذا في "المُصنَّف" (١/ ٧، و ٢/ ٣٨٥) -، قال: حدَّثَنا يحيَى بنُ أبي بُكَيرٍ. . وابنُ خُزَيمةَ (١٧٧) عن أبي عامِير العَقَدِيِّ. . والدَّارِمِيُّ (١/ ١٤٣) قال: حدَّثَنا مُوسَى بنُ مسعودٍ. . قالُوا: ثنا زُهَيرُ بنُ مُحَمَّدٍ، بهذا الإسناد ببعضِهِ. وتُوبع زُهَيرٌ. . تابَعَهُ عُبيدُ الله بنُ عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن ابن عُقَيلٍ بهذا الإسناد.

стр. 300

أخَرجَه الدَّارِمِيُّ (١/ ١٤٣) مُختصَرًا، وعبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٩٨٤) بتَمامِه، قالا: ثنا زكرِيَّا بنُ عَدِيٍّ، ثنا عُبيدُ الله بنُ عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن عبد الله بن مُحمَّد بن عَقيلٍ بهذا. وسَنَدُ صالحٌ. قال البزَّارُ: "إنَّما يُعرَفُ من حديث عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقيلٍ. ورواه سُفيانُ عن غيرِهِ". • قلتُ: وحديثُ سُفيانَ هذا: أخرَجَه ابنُ خُزَيمةَ (١٧٧، ٣٥٧، ١٥٦٢، ١٥٧٧، ١٦٩٣، ١٦٩٤)، وأبُو يَعلَى (١١٠٢)، والبزَّارُ (٣٥٢ - كشف)، والعُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٢/ ٢٢٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤٠٢)، والحاكمُ (١/ ١٩١ - ١٩٢)، والبيهَقِيُّ (٢/ ١٦) من طرقٍ عن أبي عاصمٍ النَّبيلِ، ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن عبد الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ يُكفِّرُ الخطايا، وَيزِيدُ في الحَسَنَات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغُ الوُضوء - أو: الطُّهور - في المَكَارِه، وكَثرةُ الخُطى إلى هذا المَسجِد، والصَّلاةُ بعد الصَّلاة. وما مِن أحَدٍ يَخرُجُ من بيتِهِ مُتَطَهِّرًا حتَّى يأتي المسجدَ فيُصَلِّي مع المُسلمين، أو مع الإمام، ثُمَّ ينتظِرُ الصَّلاة التي بعدَهَا، إلا قالت الملائكةُ: اللَّهُم اغفر له! اللَّهُمَّ ارحَمه! فإذا قُمتُم إلى الصَّلاة فاعدِلُوا صُفُوفَكم، وسُدُّوا الفُرَجَ. فإذا كبَّر الإمامُ فكَبِّرُوا، فإنِّي أراكم من ورائي، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وخَيرُ صُفوف الرِّجال المُقدَّمُ، وشرُّ صُفوف الرِّجال

стр. 301

المُؤَخَّرُ، وخيرُ صُفوف النِّساء المُؤخَّرُ، وشرُّ صُفوف النِّساء المُقدَّمُ. يا مَعشَر النِّساء! إذا سَجَدَ الرِّجال فاحفَظنَ أبصارَكُنَّ من عورات الرِّجال". وهذا لفظ ابن حِبَّان، أورَدتُهُ بتمامِهِ لمحلِّ الشَّاهد. وهو مُختصَرٌ عند غيره. قال ابنُ خُزَيمةَ: "هذا الخبرُ لم يروه عن سفيانَ غيرُ أبي عاصِمٍ. فإن كان أبُو عاصِمٍ حَفِظَهُ فهذا إسنادٌ غريبٌ. . . والمشهورُ في هذا المَتن: عبدُ الله بنُ محمَّد بن عَقِيلٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ. لا: عن عبد الله بن أبي بَكرٍ". وقال أبُو حاتِمٍ - كما في "العلل" (٥٤) لولَدِه -: "هذا وَهَمٌ. إنَّما هو: الثَّورِيُّ، عن ابن عَقِيلٍ. وليس لعبد الله بن أبي بكرٍ معنًى. رَوَى هذا الحديثَ عن ابن عَقيلٍ: زُهَيرٌ، وعُبيدُ الله بنُ عَمرٍو". وسَبَقَهُ الإمامُ أحمدُ إلى ذلك. . فقال العُقَيليُّ في "الضُّعفاء": "حدَّثَنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: قلتُ لأبي: تَحفَظُ عن سُفيانَ، عن عبدِ الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ يُكَفِّرُ الخَطايا ويَزِيدُ في الحَسَنات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغُ الوُضُوءِ عند المَكارِهِ"؟ فقال أبي: هذا باطِلٌ؛ ليس هذا من حديثِ عبد الله بن أبي بَكرٍ، إنَّما هذا مِن حديث ابن عَقِيلٍ. وأنكَرَهُ أبي أشدَّ الإنكار". وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغرائب" (٤٦٨٤) -:

стр. 302

"غريبٌ من حديث سعيد بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ. لم يروه عنه غيرُ عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقِيلٍ. وكذلك رواه الثَّورِيِّ، عن ابن عَقيلٍ هذا. ورواه أبُو عاصِمٍ النَّبيلُ، عن الثَّورِيِّ، عن عبدِ الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب. ولم يُتابَع عليه. وتفرَّد به أبُو عاصمٍ، عن الثَّورِيِّ". أمَّا الحاكمُ فقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخَين، ولم يُخرِّجاه. وهو غريبٌ من حديثِ الثَّورِيِّ؛ فإنِّي سمعتُ أبا عليٍّ الحافظَ يقولُ: تفرَّد به أبُو عاصمٍ النَّبيلُ، عن الثَّورِيِّ". • قلتُ: هكذا تتابَعَت كلماتُ النُّقَّاد الكبارُ، وهم القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهُم. ولكنَّ البزَّارَ قال كلمةً أَراها حلًّا لهذا الإعلال، فإنَّه قال بعد رواية الحديثِ: "لا نَعلَمُ رواه عن الثَّورِيِّ إلَّا أبُو عاصِمٍ. وأظُنُّ عبدَ الله بن أبي بَكرٍ هو عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن عَقيلٍ". ومَعنَى هذا أن كُنيةَ مُحمَّدِ بن عقيلٍ هي "أبُو بَكرٍ". وقد صرَّح العُلماءُ أن الثَّورِيَّ يرويه أيضًا عن عبد الله بن مُحمَّد بن عَقيلٍ، فما المانِعُ أن يكونَ الثَّورِيُّ نَسَبَهُ إلى كُنيَة أبيه، ويكونُ دَلَّسَهُ؟! وله شاهدٌ من حديث أبي أُمامَةَ ﵁. أخرَجَه أحمدُ (٥/ ٢٦٢) واللفظُ له، قال: حدَّثَنا هاشمُ - يعني ابنَ القاسمِ -. . وأبُو يَعلَى في "مُسنَده" - كما في "إتحاف الخِيَرة" (١٧٦٤) للبُوصِيرِيِّ -، عن مُحْرِزِ بن عَونٍ. . والطَّبرانِيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٧٢٧) عن أحمدَ بن إبراهيم المَوصِليِّ. .

стр. 303

وفي "مُسنَد الشَّامِيِّين" (١٥٨٧) عن سُوَيد بن سعيدٍ. . قال أربَعَتُهُم: ثنا فَرَجُ بنُ فَضالَة، عن لُقمانَ بن عامِرٍ، عن أبي أُمامَة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله وملائِكَتَهُ يُصلُّون على الصَّفِّ الأوَّل"، قالوا: يا رسولَ الله! وعلى الثَّاني؟ قال: "وعلى الثَّاني". وقال رسولُ الله ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفكم، وحاذُوا بين مَنَاكِبِكُم، ولِينُوا في أيدِي إخوانِكُم، وسُدُّوا الخَللَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَدخُلُ فيما بينَكُم بمَنِزلَةِ الحَذِفِ" يعني: أولادَ الضَّأن الصِّغارَ. وهو عند الباقين ببعض اختصارٍ، مع وُجود محلِّ الشَّاهد. وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لضعف فَرج بن فَضالَة. وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في سَدِّ الخَلَلِ وتَسويةِ الصُّفوف، ولكِنِّي حرصتُ على تَخريجِ لفظِ الحديثِ المَسؤولِ عنه. والله المُوَفِّق. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (٧/ ٦٠) في قِصَّة مَقتَل عُمر، وفيه: وكان إذا مَرَّ بين الصَّفَّين قال: "استَوُوا"، حتَّى إذا لم يَرَ فيه خَلَلًا تقدَّم فكبَّر. . . الحديث.

стр. 304

٧٩ - وسأَلَنِي سائل، فقال: هل ثَبَتَ أن عُثمانَ بنَ عفَّان صَلَّى بالقُرآن في ركعةٍ؟ فَقَد حَدَث جدلٌ بيني وبين بعض أساتذة جامعة الأزهر، فأنكر أشدَّ الإنكار أَن يَحدُث مثلُ هذا، وقال: لم يَصِحَّ إسنادٌ لهذا الكلام، وليس له شواهدُ. فنَرجُو مِنكُم أن تَفصِلُوا في هذا الأمر، وأن تَتكَرَّمُوا علينا بذكر أسانيد هذا الكلام. • قلتُ: قد صحَّ هذا الأَثَرُ عن عُثمان ﵁. وهاك تحقيق المقام: أخرجه أبُو عُبيد في "فضائل القُرآن" (ص ٩٠)، وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٣/ رقم ٤٦٥٣)، ومِن طريقِهِ ابن المُنذِر في "الأوسط" (٥/ ١٧٠٨) من طريقِ ابن جُريجٍ، أخبَرَنِي ابنُ خُصَيفَةَ، عن السَّائب بن يزيدَ، أن رَجُلًا سأل عبدَ الرَّحمن بن عُثمانَ التَّيميَّ عن صلاة طلحةَ بن عُبيد الله، قال: إِن شِئتَ، أخبَرتُك بصلاة عُثمان بن عَفَّان؟ قال: نَعَم! قال: قُلتُ: لأَغلِبَنَّ اللَّيلة على الحِجر - يُريد المَقام -، - قال: - فلمَّا قُمتُ، إذا رجلٌ يُزاحِمُني مُتقنِّعًا، - قال: - فَنَظَرتُ، فإذا هو عُثمان، فتأخَّرتُ عنه، فصَلَّى، فإذا هو يَسجُدُ سجود القُرآن، حتى إذا قلتُ: هذا هُو أذانُ الفَجرِ، أَوتَرَ بركعةٍ لَم يُصَلِّ غيرَها، ثُمَّ انطلق.

стр. 305

وأخرَجَهُ مُحمَّدُ بن نصرٍ في "كتاب الوِتر" (ص ٢٨٦) مُختَصرًا. وهذا سَنَدٌ صحيحٌ، كما قالَ الحافظُ ابنُ كَثيرٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٢٥٧ - بتحقيقي). وَقَد أورَدَها ابن كَثيرٍ مُستدِلًّا بها على ختم القُرآن في ركعةٍ، وليس في الرِّوايةِ ما يَدُلُّ على ذلك، بل فيها عكسُه، فظاهرٌ منها أنَّهُ صلَّى أكثرَ مِن ركعةٍ، لكِنَّهُ أَوتَرَ بواحدةٍ، فهذا يَصلُح دليلًا في الرَّدِّ على مَن كَرِهَ الوِتر بواحدةٍ. ولو أنَّهُ ذَكَر رواية ابنَ المُنكَدِرِ، عن عبد الرَّحمن بن عُثمان التَّيميِّ، لكان أولَى من هذه الرِّواية في مَقام الاحتجاج. فأخرج ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٦)، والطَّحاويُّ في "شرح المعاني" (١/ ٢٩٤)، والبَيهَقيُّ (٣/ ٢٥) من طريق فُلَيح بن سُليمانَ، عن مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن عبد الرَّحمن بن عُثمان التَّيميِّ، قال: قُلتُ: لأَغلِبَنَّ اللَّيلةَ على المَقام. فسَبَقتُ إليه، فبينَا أنا قائمٌ أُصلِّي، إذ وَضَع رجلٌ يده على ظَهْري، فنظرتُ، فإذا هو عُثمانُ بنُ عَفَّانَ - رَحمَةُ اللهِ عَلَيهِ -، وهُو خليفةٌ، فتنحَّيتُ عنه، فَقَام، فما بَرِح قائمًا، حتَّى فَرَغ من القُرآن في ركعةٍ، لَم يَزِد عليها، فلمَّا انصرفَ، قُلتُ: "يا أَميرَ المُؤمنينَ! إِنَّما صلَّيتَ ركعةً"، قال: "أَجَل؛ هي وِتري". فهذ الرِّوايةُ صريحةٌ في الدِّلالة علَى التَّرجمةِ، وسَنَدُها جيِّدٌ. وفُليحُ بنُ سُليمان، في حِفظِه مقالٌ، لكنَّه لم يتفرَّد بالحديث. . فرواه مُحمَّدُ بنُ عمرٍو، عن مُحمَّدِ بن إبراهيم، عن عبد الرَّحمن بن عُثمانَ، قال: قُمتُ خلفَ المَقام، وأنَا أُريدُ أن لا يَغلِبَنِي أحدٌ عليه تلك

стр. 306

اللَّيلة، فإذا رجلٌ يغمِزُني، فلَم ألتَفِتْ، فنَظَرتُ، فإذا هُو عُثمانُ بنُ عَفَّان، فتنحَّيتُ، فتقدَّمَ فقَرَأَ القُرآنَ في ركعةٍ، ثُمَّ انصرَفَ. أخرجه ابنُ أبي شَيبة (١/ ٣٦٨، ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٧٥ - ٧٦)، والبَيهقِيُّ (٣/ ٢٤ - ٢٥)، وفي "الشُّعَب"، (ج ٥/ رقم ١٩٩٣). وسَنَده حسنٌ. وله طريق آخرُ .. أخرجَهُ أبُو عُبيدٍ (ص ٩٠ - ٩١)، وابنُ أبي شَيبة (١/ ٣٦٧، ٢/ ٥٠٢)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٧٥، ٧٦)، وعُمرُ بنُ شَبَّة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١٢٧٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ١٣٠)، وأبُو نُعيمٍ في "الحلية" (١/ ٥٧) من طُرُقٍ عن ابن سِيرينَ، قال: قالَت نائِلةُ بنت الفَرافِصَةَ الكَلبِيَّةُ، حين دَخَلُوا على عُثمان ليقتُلُوه، فقالت: "إِن تَقتُلُوه أَو تَدَعُوه، فَقَد كان يُحيِي اللَّيلَ بركعةٍ، يَجمَعُ فيها القُرآن". ورواه عن ابن سيرين جماعةٌ، منهم: هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وعاصمٌ الأحولُ، وأبُو هلالٍ مُحمَّدُ بنُ سُليمٍ الرَّاسبيُّ، وقرةُ بنُ خالدٍ، وسلَّامُ بنُ مِسكينٍ، ويزيدُ بنُ إبراهيم. وأخرجَهُ ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٧) مِن طريق عاصم بن سُليمان الأحولِ، عن ابن سِيرِينَ، وزاد: وكان تميمٌ الدَّاريُّ يقرَأُ القُرآنَ في ركعةٍ. وأخرج هذه الزِّيادةَ: أبُو عُبيدٍ (ص ٩١)، وابنُ أبي شيبة (٢/ ٥٠٢)، والطَّحاويُّ في "الشَّرح" (١/ ٣٤٨)، والبيهقيُّ في "الكبرَى" (٣/ ٢٥)،

стр. 307

وفي "الشُّعَب" (ج ٥/ رقم ١٩٩٤). بَقِيَت طُرُقٌ أُخرَى. فأخرج ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٥) قال: أخبَرَنا ابنُ لهِيعَة، قال: حدَّثَني بُكيرُ بنُ الأشجِّ، عن سُليمانَ بن يسارٍ، أن عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قام بعدَ العشاء، فقَرَأَ القُرآنَ كُلَّه في ركعة، لم يُصَلِّ قبلَهَا ولا بَعدَهَا. وسَنَدُه جيِّدٌ، لولا الانقطاعُ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وعُثمان ﵁. وأخرج عُمَرُ بنُ شَبَّة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١٢٧٢) قال: حدَّثَنا خَلَفُ بنُ الوليد، حدَّثَنا الأشجعيُّ، عن مِسَعرٍ، قال: بَلَغَنِي أن امرأة عُثمانَ ﵁ قالت: "إِن تَقتُلُوه أو تَدَعُوه، فإنَّهُ كان يَختِمُ القُرآن في ليلةٍ، في ركعة". وضعفُهُ ظاهرٌ، وقد تقدَّم موصولًا. وأخرج ابنُ سعدٍ (٣/ ٧٦) قال: أخبَرَنَا يُوسُفُ بنُ الغَرْقِ، قال: أخبَرَنَا خالدُ بنُ بُكيرٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، أن عُثمانَ بن عفَّان صلَّى بالنَّاس، ثُمَّ قام خلف المقام، فجَمَعَ كتابَ الله في ركعةٍ، كانت مرَّةً، فسُمِّيَت "البُتَيرَاءَ". وسَنَدُه واهٍ؛ ويُوسُفُ بنُ الغَرْقِ أقرَبُ إلى الوَهَاء. وعطاءٌ، عن عُثمانَ: مُنقَطعٌ.

стр. 308

٨٠ - سُئلتُ أن أُفَصِّل القول في حديث: "ازْهَد فِي الدُّنيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازهَد فِيَما عِندَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجَهُ ابنُ ماجَهْ (٤١٠٢)، وابنُ حِبَّانَ في "روضة العُقلاء" (ص ١٤١)، والحاكِمُ (٤/ ٣١٣)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٩٧٢)، والمَحامِليُّ في "مجلسين من الأمالي" (١٤٠/ ٢)، وأبو الشَّيخ في "التَّاريخ" (١٨٣)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ١١)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ٩٠٢)، والخِلَعِيُّ في "الخِلَعِيَّات" (ج ١٨/ ق ١٩١/ ١)، وابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٢٣) من طريق ابن سَمعُون. - وهذا في "الأمالي" (٢/ ١٥٧/ ١) -، والرُّويانيُّ في "مُسنَده" (ج ٢٨/ ق ١٨٤/ ٢)، والبَيهَقيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٢٢)، وأبُو نُعيمٍ في "الحلية" (٣/ ٥٥٢ - ٥٥٣، ٧/ ١٣٦)، وفي "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥)، والقُضاعيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٦٤٣) من طُرُقٍ عن خالد بن عمرٍو، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ السَّاعديِّ، قال: أَتَى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: "يا رسُولَ الله! دُلَّنِي على عملٍ، إذا أنا عَمِلتُه أَحَبَّنِي اللهُ، وأحبَّنِي النَّاس"، فقالَ رسولُ الله ﷺ . . . فذَكَرَه. قال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد". وقد نُوزِع في ذلك.

стр. 309

قال الذَّهَبيُّ في "تلخيص المُستدرَك": "خالدٌ وضَّاعٌ". وقال السَّخَاويُّ في "المقاصد" (رقم ٩٦): "ليس كذلك؛ فخالدٌ مُجمَعٌ على تركِهِ، بل نُسِبَ إلى الوَضعِ". وقد سُئل الإمامُ أحمدُ ﵀ عن هذا الحديث، كما في "المُنتخَب من العلل" (ج ١٠/ ق ٢٩٤/ ١) للخلَّال، فقال: "لا إله إلا الله! - تَعَجُّبًا منه، ثم قال: - مَن رَوَى هذَا، أو: عَمَّن هذا؟ قلتُ: خالدُ بنُ عمرٍو. . . فقالَ، وهَتَك خالدَ بنَ عمرٍو، ثُمَّ سَكَت" ا. هـ. لكن لم يتَفرَّد به خالدٌ، فقد تُوبع. . قال العُقيليُّ: "وليس لَهُ من حديث الثَّوريِّ أصلٌ، وقد تابعه مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ الصَّنعانيُّ، ولعلَّهُ أخذَهُ عَنهُ ودلَّسه، لأنَّ المشهورَ به خالدٌ هذا". ورواية مُحمَّد بن كَثيرٍ هذِهِ: أخرَجَهَا ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ٩٠٢)، والأصبهانيُّ في "التَّرغيب" (١٤٧٢)، والخِلَعيُّ في "الفوائد" (١٨/ ١٦٧/ ١)، - كما في "الصَّحيحة" (٢/ ٦٦٢) -، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٢٣)، وابنُ جُمَيعٍ في "مُعجَمه" (ص ٣١٢)، وابن مُكرِمٍ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٤٣١/ ١ - ٢). قال ابن عديٍّ: "لا أدري ما أقول في رواية ابن كَثيرٍ، عن الثَّوريِّ هذا الحديثِ! فإنَّ ابنَ كَثيرٍ ثقةٌ، وهذا الحديثُ عن الثَّوريِّ مُنكَرٌ"، ونقله عنه البَيهقيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٢٤). لكن تعقَّبه شيخُنا بقوله: "قولُه: "ابنُ كَثيرٍ ثقةٌ" فيه نَظرٌ؛ فقد ضعَّفه جماعةٌ من الأئمة، مِنهُم الإمامُ أحمدُ، كما رواه عنه ابنُ عديٍّ نفسُه من

стр. 310

ترجمته من "الكامل"، ثُمَّ خَتَمها بقولِه: "له أحاديثُ مِمَّا لا يُتابِعُه أحدٌ، فكيف يكون مثلُه عنده ثقةً؟! "، فالظَّاهرُ أنَّهُ اشتَبه عليه بمُحمَّد بن كَثيرٍ العبْديِّ، فإنَّه ثقةٌ، من رجالِ الشَّيخين" ا. هـ. وفي "علل الحديث" (٢/ ١٠٧) قال ابن أبي حاتم: "سأَلتُ أَبِي، عن حديثٍ رواه عليُّ بنُ ميمونَ الرَّقِّيُّ، عن مُحمَّدِ بن كَثيرٍ، عن سُفيان. . . فذكره، فقال أبي: "هذا حديثٌ باطلٌ"، يعني بهذا الإسناد" ا. هـ. وقد تُوبع مُحمَّد بن كَثيرٍ. تابعه أبُو قتادة عبدُ الله بنُ واقدٍ الحرَّانيُّ، قال: ثنا سُفيانُ الثَّوريُّ به. أخرجه البَيهقيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٢٥)، ومُحمَّدُ بنُ عبد الواحد المقدسيُّ في "المنتَقَى من حديث أبي عليٍّ الأُوقِيِّ" (٣/ ٢)، كما في "الصَّحيحة". قال شيخُنا حفظه الله -: "لَكِن أبُو قتادة - وهو عبدُ الله بنُ واقدٍ الحرَّانيُّ -، قال الحافظُ: "متروكٌ، وكان أحمدُ يُثنِي عليه، وقال: لعلَّه كَبِر واختلطَ، وكان يُدلِّسُ"، قُلْتُ - القائلُ شيخُنا -: فيُحتمل احتمالًا قويًّا أن يكون تلقَّاه عن خالد بن عمرٍو، ثُمَّ دلَّسَهُ عنه، كما قال ابنُ عديٍّ في متابعة ابن كثيرٍ" ا. هـ. قال ابنُ عديٍّ: "وقد رُوِي عن زافرٍ، عن مُحمَّدِ بن عُيَيْنة - أخي سُفيانَ بن عُيَيْنة -، عن أبي حازمٍ، عن سهلٍ. ورُوِي أيضًا من حديث زافرٍ، عن مُحمَّد بن عُيينة، عن أبي حازمٍ، عن ابن عُمَر". قال شيخُنا حفظه الله -: "وزافر - وهو ابنُ سُليمان - صَدُوقٌ، كثيرُ

стр. 311

الأوهامِ. ونحوُه مُحمَّدُ بنُ عُيَينة، فإنَّه صَدُوقٌ له أوهامٌ، كما في "التَّقريب". وقد اضطرب أحدُهُما في إسناده، فمرةً جَعله من "مُسنَد سهلٍ"، وأُخرَى من "مُسنَد ابن عُمَر"، والأوَّل أَولَى؛ لموافقته للمتابَعات السَّابِقة" ا. هـ. • قلتُ: وهذا التَّرجِيحُ شكليٌّ محضٌ، كما هو ظاهرٌ، لا يُفهم منه أنَّ الشَّيخ يُقوِّي حديثَ سهلٍ. وكذلك رواه مِهرَانُ بنُ أبي عُمَر، عن الثَّورِيِّ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ الحازِمِيُّ في "الفَيصَل في مُشتبَه النِّسبَة" (ق ٦٢/ ٢) من طريق مُحمَّد بن حُميدٍ الرَّازِيِّ، قال: حدَّثنا مِهرانُ بنُ أبي عُمَر، قال: ثنا سُفيانُ الثَّوريُّ بهذا. قال الحازِمِيُّ: "هذا غريبٌ من هذا الوَجه. ومِهرانُ بنُ أبي عُمَر صاحبُ مَفارِيد". وقد رأيتَ أنَّه تُوبع. والرَّاوي عنه واهٍ. وله شاهدٌ عن ابن عُمَر ﵄. . أخرجه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (٣/ ١٦٢/ ٢) عن مُحمَّد بن أحمد بن العَلَسِ، حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ عبد الله بن أبي أُوَيسٍ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر به. قال شيخُنا - حفظه الله -: "وهذا إسنادٌ رجالُهُ رجالُ الشَّيخين، غير ابن العَلَسِ هذا، فلم أعرفْهُ". • قلتُ: رضي الله عنك! إنَّما هو أحمدُ بنُ مُحمَّدِ بن المُغَلِّسِ الكذَّابُ!

стр. 312

ووقع تصحيفٌ في اسمه، قال الحافظ في "اللِّسان" (١/ ٢٧٢): "ومن مناكيره روايتُه عن بِشرٍ الحافيِّ، عن إسماعيل بن أبي أُوَيسٍ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر ﵄ رَفَعَهُ: "ازهد في الدُّنيا يُحبُّك اللهُ. . . الحديث". رواه ابنُ عساكر في "تاريخه" عن الدِّينَورِيِّ، عن القَزوِينيِّ، حدَّثَنا يُوسفُ بنُ عُمَر القوَّاسُ، عن مُحمَّدِ بن أحمدَ بن الحَسَن، ثنا أَحمَدُ بنُ المُغَلِّسِ، فذكر قِصَّةً هذا فيها. وهذا الحديثُ بهذا الإسناد باطلٌ، وإنَّما يُعرَفُ من حديث سهلِ بن سعدٍ السَّاعديِّ بإسنادٍ ضعيفٍ، ذَكَرتُه في غير هذا المكان" ا. هـ. فلَرُبَّمَا اشتَبه على شيخنا، أو وقع سقطٌ في الإسناد. فالله أعلمُ. وله شاهدٌ من حديثِ أنسٍ ﵁. . أخرجه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٤١) من طريق أبي أحمد إبراهيم بن مُحمَّد بن أحمد الهَمْدانيِّ، ثنا أبو حفصٍ عُمَرُ بنُ إبراهيم المُستَمِلي، ثنا أبو عُبيدة بنُ أبي السَّفَر، ثنا احسنُ بنُ الرَّبيعِ، ثنا المُفضَّلُ بنُ يونُس، ثنا إبراهيمُ بنُ أدهم، عن مَنصُورٍ، عن مُجاهدٍ، عن أنسٍ، أن رجُلًا أتَى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "دُلَّني على عملٍ إذا أنا عَمِلتُه أحبَّني الله ، وأحبَّني النَّاس عليه؟ "، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "ازهد في الدُّنيا يحبُّك اللهُ، وأمَّا النَّاس فانبِذ إليهم هذَا يُحبُّوك". قال أبو نُعيمٍ: "ذِكرُ أنسٍ في هذا الحديث وَهَم من عُمَرَ، أو أبي أحمدَ؛ فقد رواه الأثباتُ عن الحسن بن الرَّبيع، فلم يجاوِزُوا فيه مُجاهدًا". ثُمَّ رواه من طريق أحمدَ بن إبراهيم الدَّورَقِيِّ، ثنا الحسَنُ بنُ الرَّبيع

стр. 313

أبو عليٍّ البَجَليُّ، ثنا المُفضَّلُ بنُ يُونُس، عن إبراهيمَ بن أَدهَم، عن منصُورٍ، عن مُجاهدٍ، أنَّ رجُلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "يا رسُول الله! دُلَّني على عملٍ يُحبُّني اللهُ تعالى عليه، ويحبُّني النَّاسُ عليه؟ "، فقال: "أمَّا ما يحبُّك اللهُ عليه فالزُّهدُ في الدُّنيا، وأمَّا ما يحبُّك النَّاسُ عليه فانبِذْ إليهم هذا القِثَّاءَ". قال الحسنُ: قال المفضَّلُ: لم يُسنِد لنا إبراهيمُ بنُ أَدهَم حديثًا غير هذا، وقال: "فانظُر ما كان في يَدَيك من هذا الحُطامِ، فانبِذهُ إليهم، فإنَّهم سيُحبُّونك". قال أبُو نُعيمٍ: "وهو حديثُ منصُورٍ ومُجاهِدٍ. عزيزٌ". قال شيخُنا: "إسنادُهُ جيِّدٌ". فالصَّواب في حديث الباب الإرسال، لذلك فهُو ضعيفٌ. لكن، قال شيخُنا: "قد تقدَّم حديثُ سُفيانَ من طُرُقٍ عنه، وهي وإن كانت ضعيفةً، ولكِنَّها لَيسَت شديدةَ الضَّعفِ، باستثناء رواية خالدِ بن عمرٍو الوَضَّاع، فهي لذلك صالحةُ الاعتبار، فالحديثُ قويٌّ بها، ويَزدَادُ قوَّةً بهذا الشَّاهد المُرسَل؛ فإنَّ رجالَهُ كلَّهم ثقاتٌ" ا. هـ. • قلتُ: رضي الله عنك! فقد سَبَقَ أن ذَكَرتَ أن مُحمَّد بن كَثيرٍ، وأبا قَتادة، وكلاهما مُدلِّسٌ، يُحتمَل أن يكونا أخذاه من خالدِ بن عمرٍو ودلَّسَاهُ، فحينئذٍ لا يجوزُ الاحتجاجُ جهذه الطُّرقِ، ولا يُقالُ: "يُقوِّي بعضُها بعضًا"؛ إذ مَدارُها على ذلك الكذَّاب. يبقى حديثُ ابنِ عُمَر، وفيه كذَّابٌ آخرُ.

стр. 314

فالحقُّ أن الحديثَ ساقِطٌ عن حدِّ الاعتبار، ولا يصحُّ فيه إلَّا الإرسالُ. وقد قال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٤/ ١٥٧): "وقد حسَّن بعضُ مشايخِنَا إسنادَه. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّه من رواية خالد بن عمرٍو القُرشيِّ الأُمويِّ، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن أبي حازمٍ، عن سهلٍ. وخالدٌ هذا قد تُرِكَ واتُّهِمَ، ولم أَرَ من وَثَّقه، لكن على هذا الحديث لامِعَةٌ من أنوار النُّبوَّة، ولا يمنَعُ كونُ راويه ضعيفًا أن يَكُونَ النَّبيُّ ﷺ قالَهُ. وقد تابَعَهُ علَيه مُحمَّدُ بنُ كَثير الصَّنعانيُّ، عن سُفيانَ. ومحُمدٌ هذا قد وُثِّق، على ضعفه، وهو أصلحُ حالًا من خالدٍ. والله أعلم" ا. هـ. • قلتُ: فكأنَّ المُنذِريَّ ﵀ مَشَّى الحديثَ لأمرين: الأول: "لا يمنع كونُ راويه ضعيفًا أن لا يكون النَّبيُّ ﷺ قالَهُ". الثاني: أنَّهُ "تابعه مُحمَّدُ بنُ كَثيرٍ، وهو أصلحُ حالًا". والجوابُ من وجهين أيضًا: الأول: أن العُمدة في حُكمِنا على الرِّاوية بالثُّبوت من عَدَمِه، هي العِلمُ بأحوال الرُّواة. واحتِمالُ أن يَصدُق الكاذبُ، أو يُصيبَ الواهمُ، احتمالٌ لم ينشأ من دليلٍ يُرجَع إليه، فلا يُعوَّلُ عليه. الئَّانِي: أن العُقيليَّ قد جَزَم أنَّه ليس له عن الثَّوريِّ أصلٌ، وقال: "لعلَّ مُحمَّدَ بنَ كَثيرٍ دلَّسهُ عن خالدِ بن عمرٍو"، فلا يَكُونُ متابِعًا له. والتِبَاسُ هذا الأمرِ، لعلَّهُ الذي دَفع بعض الحُفَّاظ إلى تحسين الحديث، فقد حسَّنَهُ النَّوَويُّ في "الأذكار"، والعِراقيُّ في "أماليه" - كما في "الفُتوحات الرَّبَّانية" (٧/ ٣٣٧) -، وهو ظاهِرُ قولِ السَّخاوِيِّ في "المقاصد"،

стр. 315

ونقل ابنُ عَلَّانَ في "الفتوحات" (٧/ ٣٣٨)، عن ابن حَجَرٍ الهَيتمِيِّ الفقيهِ أنَّه قال: "يُجابُ بأنَّ ذلك الرَّاوِي - يعني خالدًا - ذَكَره ابنُ حِبَّانَ في "كتاب الثِّقات"، ولو سُلِّم أنَّهُ ضعيفٌ، فلَم يَنفَرِد به، بل رَوَاهُ آخرُون غيرُه، فالتَّحسينُ إنَّما جاء مِن ذلك. ولو قِيلَ: إنَّ هؤُلاء كلَّهم ضعفاءُ، إِذ غايةُ الأمر أنَّه حَسَنٌ لغيره لا لذاته، وكِلَاهُما يُحتَجُّ به، بل بعضُ رواته هؤلاء وثَّقه كثيرُون من الحُفَّاظ" ا. هـ. • قلتُ: وليس فيما قاله شيءٌ من التَّحقيق، فهُو بالرَّدِّ حقيقٌ! والعجيب، أنَّه بدأ المقالة بتوثيقِهِ: "ولو سُلِّم أنَّه ضعيفٌ، فلم يَنفَرِد به"، مع أنَّه يعلم أن الحُفَّاظ أسقطوه، والواحدُ منهم أَثبَتُ من ابن حِبَّانَ، فكيف بهم مُجتمعين! وسامح الله ابنَ حِبَّانَ يُدخِلُ مثلَ هذا في كتاب "الثِّقات"، ويَشِحُّ على بقيَّةَ بن الوليد، فلا يَذكُرُه فيه!! واتَّفَقَ العُلماءُ على إِسقاطِ خالدِ بن عمرٍو، مِنهُم: أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والبُخاريُّ، وأبُو زُرعَة، والنَّسائِيُّ، وأبُو داوُد، والسَّاجيُّ، وصالحٌ جزَرةُ، وأبو حاتمٍ، وآخرُون. بل إنَّ ابنَ حِبَّانَ - الذي تعلَّق الهيتميُّ بتوثيقه - ذَكَرَ خالدًا في "المجروحين" (١/ ٢٨٣)، وقال: "كان مِمَّن ينفَرِد عن الثِّقاتِ بالموضُوعات. لا يحلُّ الاحتجاجُ بخبَره. تَرَكه يحيى بنُ مَعينٍ" ا. هـ. وأغلَبُ المتأخِّرين، مِمَّن لم يتعانَ النَّقد الحديثيَّ، يَظُنُّ أن مُجرَّد تعدُّد الطُّرُق يُقوِّي الحديثَ، كما فعل الهيتَمِيُّ، غيرَ ناظرٍ إلى قَدر الضَّعف،

стр. 316

وهل هو شديدٌ أم خفيفٌ. وكم من أحاديثَ ضعيفةٍ، بل موضُوعةٍ صُحِّحَت أو حُسِّنت بسبب الغفلة عن اصطلاح أهل الحديث. فلا قُوَّة إلَّا بالله. فيَظهَرُ من التَّحقيق، أنَّهُ لا حُجَّة لمن قوَّى الحديثَ، تصحيحًا أو تحسينًا، ونقل ابنُ عَلَّانَ في "الفتوحات" (٧/ ٣٣٧)، عن الحافظ قولَهُ: "حديثُ سهلٍ لا يَصحُّ، ولا يُطلَق على إسناده أنَّه حَسَنٌ" ا. هـ. وهذا الذي ذكرتُهُ هو خُلاصهُ التَّحقِيقِ في هذا الحديث، والمَقامُ يَحتَمِلُ البَسطَ. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 317

٨١ - سُئلتُ عن حديث: "عَلَيكُم بِخِضَابِ السَّوَادِ، فَإِنَّهُ أَرعَبُ لَكُم فِى صُدُورِ عَدُوِّكُم، وَأَرغَبُ لَكُم فِى صُدُورِ نِسَائِكُم". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرجه ابنُ ماجَهْ (٣٦٢٥) عن عُمَر بن الخَطَّاب بن زكريَّا الرَّاسبِيِّ. . وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٢/ ق ٥٣٦) عن سعيد بن عبد الجبار. . ونَجمُ الدِّين النَّسَفيُّ في "أخبار سمَرقند" (ص ٣٢٩) عن عُبيد الله بن عمرٍو. . ثلاثتُهم قالُوا: حدَّثنا دَفَّاعُ بن دَغْفَلٍ السُّدوسِيُّ، عن عبد الحميد بن صَيفِيٍّ، عن أبيه، عن جدِّه صُهيبٍ الخيرِ فذكرَهُ مرفُوعًا. ولفظُ ابن ماجَهْ: "إِنَّ أَحسَنَ مَا اختَضَبتُم بِهِ لهَذَا السَّوَادُ؛ أَرغَبُ لِنِسَائِكِم فِيكُم، وَأَهيَبُ لَكُم فِي صُدُورِ عَدُوِّكُم". ونَقَلَ الشَّيخُ مُحمَّد فُؤاد عبد الباقِي، عن البُوصيريِّ، أنَّهُ قال في "الزَّوائد": "إسنادُهُ حَسَنٌ"، وَلَم أجد هذا الكلام في "الزَّوائِد" (١٥٦/ ٣). ولو ثَبَت أنَّه فيه، وسقَطَ من النُّسخة، فهُو خطأٌ، لأنَّ أبا حاتمٍ

стр. 318

الرَّازيَّ ضعَّفَ دَفَّاع بن دَغفَلٍ - كما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٤٤٥) -، واعتمد تضعِيفَه الحافظُ في "التَّقريب". ثُمَّ إِنَّ متن هذا الحديث مُنكَرٌ. . فأخرج مُسلِمٌ (١٤/ ٧٩ - شرح النَّوَويِّ)، وأصحابُ السُّنَن إلَّا التِّرمذيُّ، من حديث جابرٍ ﵁، قال: أُتِي بأبي قُحافة - وهو والد أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ - إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح، كأنَّ رأسَهُ ثُغامةٌ بيضاءُ، فقال: "غَيِّرُوه، وَجنِّبُوه السَّواد"، وهذا لفظ مُسلِمٍ. وأخرجَهُ أحمدُ (٣/ ١٦٠) من حديث أنسٍ بنحوِهِ. وسَنَدُه صحيحٌ، كما قال الحافِظ في "الإصابة" (٧/ ٢٣٨). وفي الباب عن غيرِهِما. ففي هذه الأحاديث النَّهيُ عن الصَّبغ بالسَّوَاد، وهي أصحُّ. واللهُ أعلمُ.

стр. 319

٨٢ - سُئلتُ عن حديث: "إِذَا أَكَلتُمُ الفِجلَ، فَأَرَدتُم أَن لَا تَجِدُوا رِيحَهُ، فَاذكُرُونِي عِندَ أَوَّلِ قَضمَةٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ، ظاهرُ البُطلان لِكُلِّ من شمَّ رائحة الحديث، ولو مَرَّةً في حياته! ورأيتهُ في "أخبار سمرقند" (ص ٣٠٢ - ٣٠٣) بسندٍ ضعيفٍ جدًّا، عن ابن مَسعُود.

стр. 320

٨٣ - سُئلتُ عن حديث: "لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إِلَّا فِي حَجٍّ، أَو عُمرَةٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه البزَّارُ (١١٣٤)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٧٠)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢١٤)، والخطيبُ (٣/ ٢٣٩)، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٩٤٧٥) من طريق مُحمَّدِ بن سُليمان بن مَسمُولٍ، حدَّثَني عُمَرُ بنُ مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن أبيه، عن جابرٍ مرفُوعًا فذكره. قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عُمَرَ بن مُحمَّد بن المنكدر، إلَّا مُحمَّدُ بنُ سُليمان بن مَسمُولٍ". وقال البزَّارُ: "لا نَعلَمُه عن جابرٍ إلَّا بهذا الإسناد. وعُمَرُ حدَّث بأحاديث عن كتابٍ، فوقع في النَّفس مِنهُ تُهمَةٌ، وإلَّا فأصلُ الحديث معروفٌ" ا. هـ. • قلتُ: ومُحمَّدُ بنُ سُليمان بن مسمولٍ ضعيفٌ، وفيه توثيقٌ ليِّنٌ. وقد خالَفَهُ نافعُ بنُ مُحَمَّدٍ، فرواه عن عُمَو بن مُحمَّد بن المنكدر، عن أبيه قال: "لا تُوضَعُ النَّواصِي إلَّا في حجٍّ، أو عُمرةٍ"، يعني الحلْقَ. أخرجَهُ العُقيليُّ (٤/ ٧٠) من طريق سُفيان، حدَّثَنا رجُلٌ يُقال له: نافعُ بنُ مُحمَّدٍ فذكره.
следующие страницы →