Полный текст (1 434 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
النَّدامة ندامةُ يومِ القيامة، ومن النَّاس مَن لا يأتي الجُمعةَ إلَّا نزرًا، ومنهم مَن لا يذكُرُ اللّهَ إلَّا هُجرًا، ومن أعظمِ الخطايا اللسانُ الكَذُوبُ، وخيرَ الغِنَى غنَى النَّفسِ، وخيرَ الزَّاد التَّقوى، ورأسَ الحِكمة مخافةُ اللّه، وخيرَ ما أُلقي في القلب اليقينُ، والارتيابَ من الكُفر، والنِّياحةَ من عمل الجاهليَّة، والغُلُولَ من جَمر جهنَّمَ، والخمرَ جِماعُ الإثمِ، والنِّساءَ حبائِلُ الشَّيطان، والشَّبابَ شُعبةٌ من الجُنون، وشرَّ المكاسبِ كسبُ الرَّبا، وشرَّ المال أكلُ مال اليتيم، والسَّعيدَ من وُعِظَ بغيرهِ، والشَّقيَّ من شقي في بطن أُمِّه، وإنَّما يصيرُ أحُدُكم إلى موضع أربعةِ أذرُعٍ، والأمرَ إلى الآخرة، ومِلاكَ الأمر خواتمه، وشرَّ الرَّوايا روايا الكذب، وكلَّ ما هو آتٍ قريبٌ، وسبابُ المسلم فسوقٌ وقتالَهُ كفرٌ، وأكلَ لحمِهِ من معصية اللّه، وحُرمةَ مالِهِ كحُرمةِ دمه، ومَن تألَّى على اللّه يُكذِّبُهُ اللّه، ومن يغفر يغفرُ اللّه له، ومن يرحمْ يرحمُهُ اللّه، ومن يَعْف يَعْفُ اللّهُ عنه، ومن يكظم الغيظَ يأجُرُه اللّه، ومن يصبر على الرَّزيَّةِ يعوِّضُهُ اللّه. اللهمَّ! اغفر لأمَّتِي، اللهمَّ! اغفر لأمَّتِي - ثلاثًا - ".
قال الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٢/ ٥٠٦) في تَرجمة عبد اللّه بن مُصْعبٍ: "عن أبيه، عن جَدِّه، فرَفَعَ خُطبةً مُنكَرةً، وفِيهِم جهالةٌ".
وعزاه الحافظُ في "اللِّسان" (٤٨٨٨)، وابنُ قُطْلُوْبُغَا في "من رَوَى عن أبيه عن جَدِّه" (ص ٣٧٤) للدَّارَقُطنيِّ في "سنَنه"، والحكيمِ التِّرمذيِّ في "نوادر الأصول".
وقال الحافظُ: "وقد جَهَّل ابنُ القَطَّان عبدَ اللّه بنَ مُصعبٍ وأبَاهُ".
стр. 352
وأخرجَهُ البَيهقيُّ في "دلائل النُّبوَّة" (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢) من طريق أبي أُميَّة الطَّرَسُوسِيِّ مُحمَّدِ بن إبراهيم، قال: حدَّثَنا يعقوبُ بنُ محمَّدٍ بن عيسى الزُّهريُّ، قال: حدَّثنَا عبدُ العزيز بنُ عِمرانَ، قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ مُصعَب بن منظور بن جميل بن سِنانَ، قال: أخبَرَنا أبي، قال: سمعتُ عقبَةَ بنَ عامرٍ الجُهنِيَّ يقولُ: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ في غزوة تبوكَ، فاستَرقَدَ رسولُ الله ﷺ ، فلمَّا كان منها على ليلةٍ فلم يستيقظ حتَّى كانت الشَّمسُ قِيدَ رُمحٍ، قال: "أَلَم أقُل لك يا بلالُ! اكلأ لنا الفَجرَ؟ "، فقال: يا رسُول اللّه! ذَهَب بي النَّومُ، فذهب بي الذي ذهب بك. فانتَقَلَ رسولُ الله ﷺ من ذلك المَنزل غيرَ بعيدٍ، ثُمَّ صلَّى، ثمَّ هَدَرَ بقيَّة يومه وليلته، فأصبَحَ بتبُوكَ، فحمدَ الله تعالى، وأثنَى عليه بما هو أهلُهُ، ثُمَّ قال: "أيُّها النَّاسُ! أمَّا بعدُ! … " وساق الحديثَ بطوله.
وعزاه ابنُ كثيرٍ في "البداية والنِّهاية" (٥/ ١٤) للبيهقيِّ، وقال: "هذا حديثٌ غريبٌ، وفيه نَكَارَةٌ، وفي إسناده ضعفٌ".
والصَّواب أن إسنادَهُ ضعيفٌ جدًّا؛ وفيه عبدُ العزيز بن عمران، وهو متروكٌ.
والأشبَهُ أن يكُون موقوفًا ..
فقد رَوَى أحمدُ في "الزُّهد" (ص ١٤١) قال: حدَّثنا هاشم، حدَّثَنا حَرِيزٌ - هو ابنُ عثمان -، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَوفٍ، قال: قال أبُو الدَّرداء: "الرَّيبُ من الكُفر، والنَّوحُ عملُ الجاهليَّة، والشِّعرُ مزاميرُ إبليس، والغُلولُ جمرٌ من جَهَنَّم، والخمرُ جِماعُ كلِّ إثمٍ،
стр. 353
والشَّبابُ شُعبةٌ من الجُنون، والنِّساءُ حُبالةُ الشَّيطان … "، وساق كلامًا.
وهذا سَنَدٌ صحيحٌ، لو سَلِم من الانقطاع بين ابن أبي عَوفٍ الجُرَشِيِّ، وأبي الدَّرداء.
واللهُ أعلمُ.
стр. 354
١٠٣ - سُئلتُ عن حديث: "تَوَصؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارِ، وَغَلَت بِهِ المَرَاجِلُ".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ بهذا التَّمام.
أخرَجَهُ الدُّولابِيُّ في "الكُنَى" (١/ ٣٥) من طريق عليّ بن بحرِ بن بَريٍّ، ثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، ثنا الوليدُ بنُ سُليمان بن أبي السَّائب، أنَّه سَمِع أبا فِراسٍ الشَّعْبَانيَّ، يقُول: إِنهم كانُوا غُزاةَ القُسطنطينيَّة زَمَنَ مُعاويَة، وعلينا يزيدُ بنُ شَجَرة، فبينما نحن عِندَه، إذ مرَّ أبو سعدٍ الخيرُ صاحبُ رسُول الله ﷺ ، فقال: يا أبا سَعدٍ! أنتَ الذي تقولُ: لا بأس أن يقرأ الجُنُب القُرآن؟ فقال أبو سعدٍ: أنا الذي أقولُ: إن الجُنُب إذا تَوضَّأَ وُضوءَه للصَّلاة، فلا بأس أن يَقرأ الآيةَ والآيتَينِ، وايمُ اللّه! إِنَّكم لتَصنَعُون ما هو أشدُّ عليكم من ذلك. قالُوا: وما هُو؟ قال: تأكُلون مِمَّا مَسَّت النَّارُ، ثُمَّ تُصلُّون، ولا تَتَوضَؤُون، وأنا سمِعتُ رسُول اللّه ﷺ ! يقولُ: "تَوَضؤُوا ممَّا مسَّت النَّارُ، وغَلَت به المَراجلُ".
وأخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثانِي" (٢٢١٠)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٧٧٦) مِن طريق دُحيمٍ، ثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ بسندِهِ سواءٌ، دُون القِصَّة.
لكن، وَقَعَ في السَّنَد "فِراسٌ" بدل "أبي فِراس".
стр. 355
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمع" (١/ ٢٤٩): "فِيه فراسٌ الشَّعبانيُّ، وهو مجهولٌ".
وقال الحافِظ في "اللِّسان": "ما رَوَى عنه سِوَى الوَلِيدُ بنُ سليمان بن أبي السَّائب"، وسَبَقَهُ الذَّهَبيُّ في "الأصل".
أما شطرُ الحديث الأَوَّل: "توضَّؤُوا ممَّا مَسَّت النَّار"، فصحيحٌ.
أخرجَهُ مُسلِمٌ، من حديث زيد بن ثابتٍ، وأبي هُريرة، وعائشة ﵃.
لكِنَّه منسوخٌ، كما هُو مُقَرَّرٌ في موضعه.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 356
١٠٤ - سُئلتُ عن حديث: "الأمَرُ المُفظِعُ، وَالحَملُ المُضلِعُ، وَالشَّرُّ الَّذِي لَا يَنقَطِعُ: إِظهَارُ البِدَعِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ.
أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (٢٤١٤)، وفي "السُّنَّة" (٣٦)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣١٩٤)، وابنُ الجَوزيِّ في "الموضوعات" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩) من طريق بَقيَّةَ بن الوليد، ثنا عيسى بنُ إبراهيم، عن مُوسَى بن أبي حبيبٍ، عن الحكَم بن عُميرٍ الثُّمَالِيِّ، مرفُوعًا فذكره.
قال ابنُ الجوزيِّ: "لا يصحُّ. قال الحاكمُ: عيسى: واهي الحديث بمرَّةٍ".
وعيسى هذا قال البُخاريُّ والنَّسائيُّ: "مُنكَر الحديث"، وترَكَهُ النَّسائِيُّ أيضًا، وأبو حاتمٍ.
ومُوسَى بن أبي حَبيبٍ ضعَّفه أبو حاتمٍ.
وبَقِيَّةُ بن الوليد مُدلِّسٌ، ولم يُصرِّح إلَّا في شيخِه.
فالسَّنَدُ ساقطٌ.
وقال شيخُنا أبو عبد الرَّحمن الألبانيُّ في "الضَّعيفة" (٧٥٦): "ضعيفٌ جدًّا"، وعزاه إلى ابن بَطَّة في "الإبانة" (١/ ٧٣/ ١ - ٢).
стр. 357
١٠٥ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ العَالِمَ يُلقَى فِي النَّارِ، وَيَدُورُ حَولَ إمعَائِهِ مِثلَ الحِمَارِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرجه البُخاريُّ (٦/ ٣٣١، و ١٣/ ٤٨)، ومُسلمٌ (٨٩٨٩/ ٥١)، وأحمدُ (٥/ ٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٩) وغيرُهُم من طُرُقٍ عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: قيل لأُسامة بن زيدٍ: لو أتيتَ فلانًا، فكلَّمتَه؟ قال: إِنَّكُم لَتَرَونَ أَنِّي لا أُكلِّمُه إلَّا أُسمِعُكُم! إِنِّي أُكلِّمُه في السِّرِّ دُون أن أفتح بابًا، لا أكونُ أوَّلَ من فَتَحه، ولا أقولُ لرجُلٍ - إن كان عَلَيَّ أميرًا - إِنَّه خيرُ النَّاسِ، بعدَ شيءٍ سمعتُهُ من رسُول اللّه ﷺ . قالُوا: وما سَمِعتَه يقول؟ قال: سَمِعتُه يقول: "يُجاء بالرَّجُل يوم القِيامة، فيُلقَى في النَّارِ، فتَندَلِقُ به أقتابُه، فيَدُورُ بها في النَّار، كما يدُورُ الحِمارُ برَحَاهُ، فيطيفُ به أهلُ النَّار، فيقُولُون: يا فُلان! ما أَصابَكَ؟! أَلم تَكُن تأمُرُنا بالمعروف، وتنهانا عن المُنكَر؟! فيقول: كُنتُ آمرُكم بالمعرُوف ولا آتيه، وأنهاكُم عن المُنكَر وآتيه".
стр. 358
١٠٦ - سُئلتُ عن حديث: "خَيرُ النَّاسِ أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجَهُ الطَّبرانِيُّ في "الأوسط" (٥٧٨٧)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ١٣/ رقم ٧٢٥٢)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٢٩) مِن طريق عليّ بن بَهرَامَ، ثنا عبدُ الملِك بنُ أبي كَريمة، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مرفُوعًا: "المُؤمِنُ يَألَفُ ويُؤلفُ، ولا خير فيمن لا يَألَف ولا يُؤلف، وخيرُ النَّاس أنفَعُهم للنَّاس".
قال الطَّبرانِيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن ابن جُريجٍ إلَّا عبدُ الملِك بنُ أبي كريمة، تفرَّد به عليُّ بنُ بهرَامَ" كذا قال!
ولم يتفرَّد به ابنُ أبي كريمة ..
فتابعه عمرُو بنُ بكرٍ السَّكْسَكْيُّ، عن ابن جُريجٍ بسنده سواء.
أخرجه ابن حِبَّانَ في "المجروحين" (٢/ ٧٩)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٢/ ق ٤٢٠/ ٢).
ولكنها مُتابَعةٌ ساقطةٌ؛ وعمرُو بنُ بكرٍ قال فيه ابنُ حِبَّانَ: "يَروِي عن إبراهيم بن أبي عَبْلة وابنِ جُريجٍ وغيرهما من الثِّقات الأوابدَ والطَّامَّات، التي لا يَشكُّ مَنْ هذا الشَّأنُ صناعَتُه أنَّها معمولةٌ أو مقلوبةٌ. لا يَحلُّ الاحتجاجُ به".
стр. 359
وَأَمَّا عليُّ بنُ بهرامَ وعبدُ الملِك بنُ أبي كريمة، الواقعان في سنَد الطَّبرانيِّ، فقال الهَيثميُّ في "مجَمَع الزَّوائد" (٨/ ٨٧): "لم أعرِفهُما" كذا قال! وهو عجيبٌ ..
فأمَّا عبد الملِك بن أبي كريمة، فهو من رجال التَّهذيب (١٨/ ٣٩٥).
وأمَّا عليُّ بنُ بَهرامَ، فترَجمهُ الخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، ولم يَذكُر فيه شيئًا.
ثم ابن جُريجٍ مُدلِّسٌ، ولم يُصرِّح بتحديثٍ.
ثُمَّ رأيتُ له شاهدًا من حديث ابن عُمَر، قال: جاءَ رجل إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "يا رسول اللّه! مَن خَيرُ النَّاس؟ "، فقال: "أَنفعُ النَّاس للنَّاس … "، وساق حديثًا.
أخرجه ابنُ عساكر (ج ١١/ ق ٨٨٦).
وسَنَدُه ضعيفٌ أو واهٍ؛ وفيه عليُّ بنُ جعفرِ بن عبد الله الرَّازيُّ شيخ تمَّامٍ الرَّازيِّ، لا يُعرَف شيءٌ من حالِهِ، ولم يَذكُر ابنُ عساكر في ترجمته جرحًا ولا تعديلًا.
وكذلك شيخُه أبو القاسم عامرُ بنُ جُريجٍ الدِّمشقيُّ.
وإبراهيمُ بنُ عبد الحميد الجُرَشِيُّ، لعلَّه المُترجَم في "الجرح والتَّعديل" (١/ ١/ ١١٣)، فإِن يَكُنهُ، فهو لا بَأسَ به، وإِلَّا، فلا أعرِفهُ.
وبَكرُ بنُ خُنَيسٍ ضعَّفه النَّسائِيُّ، وعمرُو بنُ عليٍّ، ويعقوبُ بنُ شَيبةَ، وقال ابنُ مَعِينٍ في رواية: "ليس بشيءٍ"، وتَرَكَه الدَّارَقُطنيُّ، وابنُ خِراشٍ، وأحمدُ بنُ صالحٍ المِصريُّ. ولكن، قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ:
стр. 360
"لا يَبلُغ التَّرك" - كما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ١/ ٣٨٤) -، وقال الحافظُ في "التَّقريب": "صَدوقٌ، له أغلاطٌ"، وهذا تَسَامُحٌ مِنهُ، فكان ينبغي له أن يُصرِّح بضعفِهِ، كما فَعَل في "الفتح" (٩/ ٢٤٣).
وله مُتَابَعاتُ أُخرى لا يُعتدُّ بها.
أما أوَّلُ الحديث، وهو: "المُؤمِن يألَفُ … الخ"، فثابِتٌ.
واللهُ أعلَم.
стр. 361
١٠٧ - سُئلتُ عن حديث: "مَلعُونٌ مَن حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، أَو حَلَّفَ بِهِ".
• قلتُ: هذا الحديثُ لا أعلمُ له أصلًا، ولَم أَقِف له على إسنادٍ.
ورأيتُ العَجلُونيَّ ذَكَرَه في "كشف الخفاء" (٢/ ٢١٦) وسَكَت عَنهُ، ولم يَعزُه لأحدٍ، ولم يَتكلَّم عليه بشيءٍ.
فاللهُ أعلَمُ.
стр. 362
١٠٨ - سُئلتُ عن حديث: "المُؤذِّنُونَ أَطوَلُ النَّاسِ أَعنَاقًا يَومَ القِيَامَةِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١٤)، وابنُ ماجَهْ (٧٢٥)، وأحمدُ (٤/ ٩٥، ٩٨)، وأبُو يعلَى (٧٣٨٤)، وابنُ حِبَّانَ (١٦٦٧)، والطَّحاوِيُّ في "المشكِل" (١/ ٨)، وابنُ أبي شَيبة (١/ ٢٢٥)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٧٣٦)، والبَيهقِيُّ في "سُنَنه الكبير" (١/ ٤٣٢)، وفي "شعَب الإيمان" (ج ٦/ رقم ٢٧٨٩)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٢٧٧) مِن حديث مُعاوِية بن أبي سُفيانَ ﵄.
стр. 363
١٠٩ - سُئلتُ عن حديث: "الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحظُورَاتِ".
• قلتُ: هذا ليس بحديثٍ، إنَّما هو قاعدةٌ فِقهيَّةٌ.
واللهُ أعلَمُ.
وأصلُ هذه القاعدةِ في نُصوص القُرآن والسُّنَّة أتَى في مواضعَ كثيرةٍ.
• فمن القُرآن ..
قوُلهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وقولُهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ .... - إلى قوله تعالى: - فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
وقَال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقَال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
إلى غير ذلك من نُصوصِ القُرآن المَجيدِ.
• أمَّا السُّنَّة ..
كقول النَّبيِّ ﷺ لعِمرانَ بن حُصين: "صلِّ قائمًا، فإن لم تسقطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ"، وما يجري في معنى هذا الحديث.
стр. 364
١١٠ - سُئلتُ عن صحَّة ومعنى حديث: "جَمَعَ اللهُ شَملَكُما، وَبَارَكَ لَكُما فِي شَبْرِكُمَا".
• قلتُ: هذا الحديثُ لا أَعلَمُ له أصلًا بهذا السِّياق.
ورأيتُه في كتاب "الأضداد" (ص ٢٧٩) لابن الأنباريِّ، قال: "يُحكَى عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ لَمَّا أَدخَلَ فاطمةَ على عليٍّ - رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِمَا -، قالَ: … "، فذَكَره.
هكذا ذَكَرَهُ بِلا إِسنادٍ.
وذكرَهُ ابنُ الأثير في "النِّهاية" (٢/ ٤٤٠)، مادَّة "شَبْر".
و "الشَّبْرُ" - يعني: بتشديد الشِّين المُعجَمة المفتوحَة، وسُكون الباء المُوحَّدة -، قال ابنُ الأثير: "الشَّبْرُ في الأصل: العَطَاءُ، يُقال: شَبَرَهُ شَبرًا، إذا أَعطَاه. ثُم كُنِّي به عن النِّكاح؛ لأنَّ فيه عطاءً".
وقال ابنُ الأنباريِّ نحوَهُ.
стр. 365
١١١ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللّهَ تَعَالَى تجلَّى لجَبَلِ الطُّورِ لِتَوَاضُعِهِ".
• قلتُ: هذا الحديث لا أصل له في المرفُوع، فيما أعلمُ، وإِنَّما وَرَد هذا في كلام نوفٍ البكاليِّ.
فأخرجه عبد اللّه بن أحمد في "زوائد الزُّهد" (ص ٦٦)، ومِن طريقه أبو نُعيمٍ في "الحلية" (٦/ ٤٩) قال: حدَّثَني مُحمَّد بن عُبيد بن حسابٍ ..
وأخرجه أبُو الشَّيخ في كتاب "العَظَمة" (١١٧٨/ ٤) مِن طريق مُحمَّد بن عبد الله الرَّقَاشِيِّ ..
قالا: ثنا جعفَرُ بن سُليمان الضُّبَعيُّ، قال: حدَّثَنا أبو عِمران الجَونيُّ، عن نوفٍ البكاليِّ، قال: "أَوحَى الله إلى الجِبال: "إِنِّي نازلٌ على جبلٍ مِنكُم"، فتشمَّخَت الجبالُ كلُّها، إلَّا جبلُ الطُّور، وقال: "أَرضَى بما قَسَمَ اللّه لِي". قال: فكان عليه الأمر".
وسَنَدُه جيِّد، والظَّاهر أن نوفًا البكاليَّ أخذ هذِهِ من الإسرائيليَّات.
ونوفٌ هذا كان رَبِيبَ كعب الأحبار.
وأخرَجَه أبُو بكرٍ الواسطيُّ في "فضائل البيت المقدَّس" (٨٥) قال: حدَّثَنا عُمرُ بنُ الفضل، نا أبي، نا الوليدُ بنُ حمَّادٍ، نا إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ، نا زُهَيرٌ، نا ابنُ أعيَنَ، عن هشامٍ الدَّستُوائِيِّ، عن أبي عِمرانَ، قال:
стр. 366
أوحَى اللهُ - جلَّ ثناؤُهُ - إلى الجِبال: "إنِّي نازلٌ على جبلٍ منكم"، فتطاوَلَت الجبالُ وتواضع طُورُ سَيْناءَ، وقال: "إنْ قُدِّر شيءٌ فسيصيبُني"، فأوحَى الله : "إنِّي نازلٌ عليك؛ لتواضُعِكَ لي ورضاكَ بقدَرِي".
وهذا مُنكَرٌ عن هشامٍ الدَّستُوائِيِّ؛ عُمرُ وأبُوه مجهولان، وذكر الذهبيُّ في "الميزان" في ترجمة: "محمَّد بن مخَلَدٍ" حديثًا خرَّجه من كتاب أبي بكرٍ الواسطيِّ، وقال: "بإسنادٍ مُظلمٍ"، وهذا يدُلُّ على جَهالَة عُمر بن الفضل وأبيه.
والوليدُ بن حمَّادٍ ترجمه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٨٨ - ٩٠)، ولم يذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره الذَّهبيُّ في "السِّيَر" (١٤/ ٧٨ - ٧٩)، وقال: "الحافظ أبو العبَّاس الرَّملي، مؤلِّف فضائل بيت المقدس … وكان ربَّانيًّا، ولا أعلم فيه مَغمَزًا، وله أُسوةُ غيره في رواية الواهيات" كذا قال! وقد ضعَّفه أبُو يعلى الخَلِيليُّ في "الإرشاد" (ص:٤٠٧).
واللهُ أعلمُ.
стр. 367
١١٢ - سُئلتُ عن الحديث القدسيِّ: "مَما وَسِعَنِي سَمائِي، وَلَا أَرضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلبُ عَبدِي المُؤمِنِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ، ومُنكَرٌ من القول.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة: "هُو مذكُور في الإسرائيليَّات، وليس له إسنادٌ معرُوفٌ عن النَّبيِّ ﷺ ".
وقال مرَّةً: "موضُوعٌ".
وقال العِراقيُّ في "تخريج أحاديث الإحياء" (٣/ ١٥): "لم أَرَ له أصلًا".
وسَبقه الزَّركشيُّ، وتلاه الحافظُ ابن حَجَرٍ، والسَّخاويُّ في "المقاصد" (ص ٣٧٣)، وقال: "ورأيتُ بخطِّ الزَّركشيِّ: سمِعتُ بعضَ أهلِ العِلم يقولُ: حديثٌ باطِلٌ، وهُو من وضع الملاحدة" ا. هـ.
стр. 368
١١٣ - سُئلتُ عن حديث: "لَعَنَ اللهُ العَقرَبَ، لَا تَدَعُ نَبِيًّا، وَلَا مُصَلِّيًا إِلَّا لَدَغَتهُ".
• قلتُ: هذا حديث ضعيف.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٨٩٠)، وفي "الصَّغير" (٢/ ٢٣)، والبَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (٢٣٤١)، وأَبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهانَ" (٢/ ٢٢٣)، وأَبُو مُحَمَّدٍ الخلَّالُ في "فضائل سُورة الإخلاص" (رقم ٥٦) مِن طريق إسماعيل بن مُوسَى السُّدِّيِّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ، عن مُطرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن المنهال بن عمرٍو، عن مُحمَّد بن الحَنفِيَّة، عن عليّ بن أبي طالبٍ، فذَكَرَه.
قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن مُطرِّفٍ إلَّا ابنُ فُضيل، تفرَّد به إسماعيلُ بن مُوسَى" كذا قال!
ولم يتفرَّد به ابنُ فُضيلٍ ..
فتابَعَهُ عبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان، فرواه عن مُطرِّفٍ، عن المِنهال، عن مُحمَّد بن الحَنَفِيَّة، عن عليٍّ فذَكَرَ مثله.
أخرَجَه البَيهَقيُّ في "الشُّعَب" (ج ٥/ رقم ٢٣٤٠) مِن طريق أبي بكرٍ بن أبي شَيبة، ثنا عبدُ الرَّحيم.
وهذا التَّعقُّبُ على الطَّبَرانيِّ، يتمُّ إذا ثَبَت أن الإسناد عِند البَيهقِيِّ موصُولٌ بذكر علي بن أبي طالبٍ.
стр. 369
فقد أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (٧/ ٣٩٨ - ٣٩٩، و ١٠/ ٤١٨ - ٤١٩) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحيم بنُ سليمان بسنده سواءٌ مثلَه.
ووضع المُحقِّق: "عن عليٍّ" بين مَعقُوفَتين، ثُمَّ ذَكَر أنَّه زَادَهُ؛ لأنَّ صاحب "كنز العُمَّال" عزا الحديثَ إلى ابن أبي شَيبة عن عليٍّ.
وهذا تَصرُّفٌ خطأ، لا يجوزُ ارتكابُه لهذا السَّبَب، وشَرحُ ذلك يطولُ.
فالذي عِندي أن رِوايَةَ عبد الرَّحيم بن سُليمان، عن مُطرِّفٍ مُرسلةٌ.
يَدُلُّ عليه نقدُ الطَّبَرانيِّ.
ورأيتُه في "عِلل الدَّارَقُطنيِّ" (٤/ ١٢٣)، فقال: "أسَنَده إسماعيلُ ابنُ بنتِ السُّدِّيّ، عن مُحمَّد بن فُضيلٍ، عن مُطرِّفٍ، عن المنهال بن عمرٍو، عن ابن الحنفيَّةِ، عن عليٍّ. وخالَفَهُ مُوسى بنُ أَعيَنَ، وأسباطُ بنُ مُحَمَّدٍ، وغيرُهما، فرَوَوْهُ عن مُطرِّفٍ، عن المنهال، عن ابن الحَنَفِيَّةِ، مُرسَلًا. وكذلك رَوَاهُ حمزةُ الزَّيَّاتُ، عن المنهال، عن ابن الحَنَفِيَّةِ، مُرسَلًا. وهُو أَشبَهُ بالصَّواب" انتهى كلامُ الدَّارقُطنيِّ.
وقَد رجَّح المُرسَلَ؛ لأنَّ الرِّواية الموصُولة فِيها إسماعيل بنُ مُوسى ابن بنت السُّدِّيِّ، وفي حفظِهِ مقال معرُوفٌ، وقد تَفرَّد بوَصلِه، كما قال الطَّبَرانِيُّ، ويُشير إليه نَقدُ الدَّارقُطنيِّ.
وقد خُولِف مُطرِّفُ بنُ طَريفٍ ..
خالَفَهُ الحَسَنُ بنُ عُمارةَ، فرواه عن المنهال بن عَمرٍو، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مَسعُودٍ، عن أبيه … فذَكَرَ مِثلَه.
أخرجه ابنُ عدِيِّ في "الكامل" (٢/ ٧٠٤).
стр. 370
وسنَدُهُ ساقطٌ؛ والحَسَنُ بنُ عُمارَةَ تالفٌ البتَّة، اتَّهَمَهُ شُعبة بوضع الحديث، وترَكَهُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ، وغيرُهُما.
وأبو عُبيدة لم يَسمَع مِن أبيه.
وجُملَةُ القول: أن الحديثَ ضعيفٌ، وليس بحَسَنٍ، كما قال الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (٥/ ١١١).
стр. 371
١١٤ - سُئلت عن حديث: "أَهلُ مَكَّةَ أَدرَى بِشِعَابِهَا".
• قلتُ: هذا الحديث لا أَصلَ له، ولَيسَ بحديثٍ.
ومِثلُه: "صَاحِبُ البيتِ أدرَى بالذي فِيه".
أورَدَهُ العَجلُونيُّ في "كشف الخفاء" (٢/ ١٩)، وبيَّض له.
стр. 372
١١٥ - سُئلتُ عن حديث: "سَبعَةٌ، لَا يَنظُرُ اللهُ إِلَيهِم يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَا يَجمَعُهُم مَعَ العَالَمِينَ، وَيُدخِلُهُم النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَن يَتُوبُوا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -، فَمَن تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيهِ: النَّاكحُ يَدَهُ، وَالفَاعِلُ، وَالمَفعُولُ بِهِ، وَمُدمِنُ الخَمرِ، وَالضَّارِبُ أَبُوَيهِ حَتَّى يَستَغِيثَا، وَالمُؤذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلعَنُوا، وَالنَّاكحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ الحَسَنُ بنُ عَرَفةَ في "جُزئِهِ" (٤١)، ومِن طريقِهِ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ١٠/ رقم ٥٠٨٧)، والأَزدِيُّ في "الضُّعَفاء"، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" - كما في "التَّلخيص الحَبِير" (٥/ ٢٣٨٦) - قال: حدَّثَني عليُّ بنُ ثابتٍ الجَزَريُّ، عن مَسلَمةَ بن جعفرٍ، عن حَسَّان بن حُميدٍ، عن أنسٍ مرفُوعًا.
قال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٤/ ١٠٨) في ترجمة مَسلَمَة هذا: "عن حسَّان بن حُميدٍ، عن أنسٍ، في سبِّ النَّاكح يدَه. يُجهَّلُ هو وشيخُه. قال الأزديُّ: ضعيفٌ".
وذَكَرهُ الحافظُ ابنُ كَثيرٍ في "تفسيره" (٥/ ٤٥٨)، في سُورة "المؤمنون"، وقال: "هذا حديثٌ غريبٌ، وإسنادُه فيه مَن لا يُعرَف لجهالَته".
стр. 373
وضعَّفَهُ الحافظُ في "التَّلخِيص" (٥/ ٢٣٨٦).
وقال ابنُ الجَوزِيِّ: "هذا حديثٌ لَا يَصِحُّ عن رسول اللّه ﷺ . ولا حسَّانُ يُعرَف ولا مَسلَمَةُ".
قال البَيهَقِيُّ عقِب تخريجِهِ الحديثَ: "تَفرَّد به هكذا مَسلَمَةُ بنُ جعفرٍ هذا. قال البُخارِيُّ في "التَّاريخ": قال قتيبَةُ: عن حُميدٍ - هو الرَّاسبِيُّ -، عن مَسلَمَةَ بن جعفرٍ، عن حسَّانَ بن حُميدٍ، عن أنَسِ بن مالِكٍ، قال: يجيءُ النَّاكِحُ يدَهُ يومَ القِيامة ويدُهُ حُبلَى" انتهَى.
فهذا التَّعلِيقُ إشارةٌ إلى الاضطراب في مَتنِهِ وإسنادِهِ.
وهو لا يَصِحُّ مرفُوعًا، ولا موقُوفًا.
ولفظُ الموقُوفِ مُنكَرٌ جِدًّا.
وله شاهدٌ من حديث عبدِ الله بن عَمرِو بن العاص مرفُوعًا.
أخرَجَهُ أبو الشَّيخ - كما في "التَّلخيص" (٥/ ٢٣٨٦) -، والفِريَابِيُّ، ومِن طريقِهِ ابنُ بِشرَانَ في "الأمالي" (٤٧٩)، وأبو اللَّيثِ السَّمَرقَندِيُّ في "تَنبِيه الغَافِلين" (١٦٩) مِن طريق قُتَيبَةَ بن سعيدٍ، ثنا عبدُ الله بنُ لَهِيعَةَ، عن عبد الرَّحمن بن زِيَادِ بن أَنعُمَ الإِفرِيقِيِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو مرفُوعًا: "سبعةٌ لا يَنظر اللهُ إليهم يوم القيامة، ولا يُزَكِّيهم، ويقول: ادخُلُوا النَّار مع الدَّاخِلين: الفاعلُ والمفعُولُ به، والنَّاكِحُ يدَهُ، وناكحُ البَهِيمَة، وناكحُ المرأةِ في دُبُرِها، وجامعٌ بين المرأة وابنَتِها، والزَّانِي بحَلِيلَةِ جارِه، والمُؤذِي لجِارِهِ حتَّى يَلعَنَه - وعند أبي اللَّيث: حتَّى يَلعنَهُ النَّاسُ - ".
стр. 374
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جِدًّا.
وابنُ لهِيعَةَ احترَقَت كُتبُه، وصَرَّح أحمدُ أن قُتيبَةَ هو آخرُ مَن سَمِعَ مِن ابن لَهيعَةَ، وهذا يَعنِي أنَّه سَمِع منه في الاختلاط.
وقد صَرَّح قُتيبَة بالسَّماعِ مِن ابن لهَيعَةَ؛ لأنَّهم ذَكَرُوا أن قُتيبَة كان يَنتَخِبُ أحاديثَ لابن لِهَيعَةَ بروايةِ عبدِ الله بن المُبارَك، ومِن ثَمَّ صَرَّح بعضُهم أن قُتيبَةَ قديمُ السَّمَاع من ابن لَهيعَةَ - مِنهُم الذَّهَبِيُّ، فيما أظنُّ -، وفيه نَظَرٌ، كما رأيتَ.
والإِفرِيقِيُّ ضَعَّفَهُ أكثرُ النُّقَّاد، وتَرَكَهُ بعضُهم، ومَشَّاه البُخَارِيُّ، واختَلَفَ فيه رأيُ يحيى القَطَّانِ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "عامَّةُ حديثِهِ لا يُتابَعُ عليه" انتهى، ولا أَعلَمُ أحدًا تابَعَهُ على هذا الحديث.
ومِن الغَرائِبِ أن أبا الفَضل الغُمَارِيَّ في "الاستقصاء" لم يَتَعَرَّض للإِفرِيقِيِّ بأدنى ذِكرٍ؛ وقد أَهمَلَه تمامًا حتَّى يَجِدَ سبيلًا لتَقوِيَةِ حديثِ أنَسٍ المُنكَرِ.
لكن وَقَعَ له وَهَمٌ غريبٌ أثناء ذِكرِه لحدثنا عبدِ الله بن عمرٍ ﵄، فإنَّه قال: "ثُمَّ وَقفتُ على طريقٍ آخرَ، عن عبدِ الله بن عمرٍو، أحببتُ أن أَذكُرَه: رَوَى أبو اللَّيث السَّمَرقَندِيُّ في كتاب "تَنبِيه الغافِلِين" بإسنادِهِ، مِن طريقِ عليِّ بن مُحَمَّدٍ الوَرَّاقِ، حدَّثَنا ابنُ أَنعُمَ - هو عبدُ الرَّحمن بنُ زِياد بن أَنعُمَ - …
[ثُمَّ قال:] إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لجهَالَة عليِّ بن محمَّدٍ الوَرَّاقِ. لكن، بانضِمامِهِ إلى الطَّريقَينِ السَّابِقَين يَكتَسِبُ قُوَّةً. ولا يَضُرُّ اختلافُ لفظَي
стр. 375
الحديث في تَعدَادِ السَّبعة؛ حيثُ ذُكِرَ في أحدِهما ما لم يُذكَر في الآخَر" انتهى كلامُهُ.
• قلتُ: ولعلَّهُ تَعَجَّلَ النَّظَرَ في الإسناد، أو وَقَعَ في نُسخَتِه سقطٌ؛ فإنَّ الإسنادَ في "تَنبِيه الغَافِلين" (١٦٩) هكذا: حدَّثَنا الفَقِيهُ أبو جَعفَرٍ، قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدَّثَنا قُتيتةُ بنُ سعِيدٍ، عن ابن لَهيعةَ، عن ابن أَنعُمَ … الخ.
ففي كلامِهِ أنَّهُ جَعَل الرَّاوِي عن ابن أَنعُمَ هو عليَّ بنَ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقَ، فلذلك حَكَم عليه بالجَهالَة، والرَّاوي عن ابن أَنعُمَ هو ابن لَهِيعَةَ، فسَقَط مِن الإسناد وحتَّى الإِفرِيقِيِّ: أربعةٌ من الرُّواةِ.
وعليُّ بنُ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ شيخُ شيخِ أبي اللَّيث السَّمَرقَندِيُّ هو عِندِي أبو الحسَن الثَّقَفِيُّ، المعروفُ بـ "ابن لُؤلُؤٍ". وهو مُترجَمٌ في "تاريخ بَغدَادَ" (١٢/ ٨٩ - ٩٠)، وقال: "سَمِعَ أبا جَعفَرٍ الفِريَابِيَّ، وإبراهيمَ بن هَاشمٍ البَغوِيَّ … - وعدَّد جماعةً -"، ونَقَل عن الأَزهَرِيِّ أنَّه وَثَّقَه، وعن البَرقَانِيِّ قال: "صَدُوقٌ"، وعابُوا عليه أنَّه كان سَيِّءَ النَّقل حين كان يعمل بالوَرَاقَةِ - يعني: نَسخَ الكُتب -.
وبَيْن الوَرَّاقِ وقُتيبَةَ شيخٌ واحدٌ؛ فلذلك رَجَّحتُ أن عليَّ بنَ مُحمَّدٍ الوَرَّاقَ هو ابنُ لُؤلُؤٍ.
أمَّا شيخُهُ مُحمَّدُ بن بَشَّارٍ فلم أَعرِفهُ، وأظُنُّه تَصَحَّفَ عَن أَحمدَ بن بَشَّارٍ. فإِنْ يَكُنهُ، فلعَلَّهُ أَحمدُ بنُ عبد الرَّحمَن بن بَشَّارٍ، أحدُ الرُّواة عن قُتيبَة بن سعيدٍ، ولكِنِّي لم أَجِد له تَرجَمةً.
стр. 376
ولكنَّهُ مُتابَعٌ مِن قِبَل الفِريَابِيِّ، عند ابن بِشرَانَ. والله أعلَمُ.
ثمَّ بدا لي شيءٌ، وهو قَولُ الغُمارِيِّ عن طريق عَليِّ بن مُحَمَّدٍ الوَرَّاقِ: "لكن بِانضِمَامِه إلى الطَّرِيقَينِ السَّابِقَين يَكتَسِبُ قُوَّةً … "، فإنَّه جَعَل عَليَّ بن مُحَمَّدٍ الوَرَّاقَ مُتابِعًا لابن لِهَيعَةَ، وقد بَيَّنَّا أنَّه وَقَع سَقْطٌ في الإسناد.
ثُمَّ الاختلافُ في لفظ الحَدِيثِ يَدُلُّ على اضطرِابِهِ، وإن ادَّعَى الغُمَارِيُّ أن هذا الاختلافَ في لَفظِهِ لا يَضُرُّ، ولا سِيَّما مَعَ وَهَاءِ الأسانيد. واللهُ أعلَمُ.
ومِن آفة الاختصارِ أن الحافِظَ ضَعَّفَ هذا الحديثَ بابنِ لهَيعَةَ وَحدَهُ، كما في "التَّلخيص"، فاغتَرَّ بذلك أبو الفَضلِ الغُمَارِيُّ، فذَهَبَ يُقَوِّي الحديثَ بأوجُهٍ من الجواب، فقال في "الاستقصاء لأَدِلَّةِ تحريمِ الاستِمنَاء" - وهو كتابٌ جيِّدٌ -، قال (ص ٣٦):
"الوجه الثَّاني: أن هذا الحديثَ لَهُ طريقٌ آخرُ. فقد ذَكَرَ الحافظُ في "التَّلخِيص" أن أبا الشَّيخِ، وجَعفَرًا الفِريَابِيَّ روياه مِن طريق أبي عَبدِ الرَّحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو. وفيه ابنُ لهِيعَةَ، وهو حَسَنُ الحديث في المُتابَعَاتِ، كما قال الحافظُ الهَيثَمِيُّ في غيرِ موضعٍ مِن "مجَمَع الزَّوائِد"، بل حَسَّن له أحاديثَ تَفَرَّد بها. ولو شِئنَا أن نَغلُوَ كما غَلَا بعضُ المُعاصِرين، حيثُ ادَّعَى أن ابنَ لَهيعَةَ "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ"، لقُلنَا إنَّ الحديثَ مِن هذا الطَّرِيق على شَرطِ الصَّحيح. لكن يَمنَعُنَا من ذلك ما في ابن لهَيعَةَ مِنَ الكَلَامِ عِند أهلِ الحدِيث، وإن لم يُتَّهَم بفسقٍ ولا كَذِبٍ، وأَكثر ما ضُعِّفَ به اختلاطُهُ بعد احتراق كُتُبِه. أمَّا هو فَصَدُوقٌ. وقد
стр. 377
بَيَّن حالَهُ شقيقُنَا الحافظُ أبو الفَيضِ في "إِبراز الوَهمِ المَكنُون"، وذَكَرَ أن عَمَلَ المُحَدِّثين استَقرَّ على تَحسِينِ أحاديثِهِ. فبانضِمَامُ هذين الطَّرِيقَينِ يَكُونُ الحديثُ مِن قَبِيلِ الحسَنِ لغَيرهِ، وهو حُجَّةٌ بلا نزاعٍ" انتهَى.
• قلتُ: وفي بحثِهِ نَظَرٌ من وُجُوهٍ:
* الأوَّل: اتِّكَاؤُهُ على صَنِيعِ الهَيثَمِيِّ فِي "المَجمَع"، وأنَّه حَسَّن أحاديثَ لابن لَهيعَةَ انفَرَد بها. ويَعلَمُ القاصِي والدَّانِي مِن أَهلِ الحدِيث أن الهَيثَمِيَّ لَم يَكُن مِن فُرسَانِ هَذَا المَيدَانِ، وهو كَثيرُ الاضطراب في الحُكم على الرُّوَاة، لاسِيَّما ابن لَهيعَةَ؛ فهو تَارَةً يُحَسِّنُ حَدِيثَه، وتارةً يقُولُ: "مُختَلَفٌ فيه"، وتارةً يقولُ: "فيه ضَعفٌ، وقد وُثِّقَ"، إلى آخر هذه العِبَارات.
وهاك بَعضُ عِبَارات الهَيثَمِيِّ في "المَجمَع" بشأن ابن لَهِيعَةَ:
١ - "حديثُهُ حَسَنٌ، وفيه ضَعفٌ".
٤/ ١٩٦، ٣٢٦، و ٥/ ١٣٤، ١٥٨، ١٦٩، ١٩٧، ٢٧٧، ٣١٧، ٣٣٠، و ٦/ ٢٥٨، ٢٧١، و ٧/ ١٠٠.
٢ - "فيه ضَعفٌ".
١/ ٣٣٢، و ٢/ ٨٢، و ٤/ ١٢٠، ١٦٥، و ٦/ ٣٢٠، و ٧/ ٣٠٨، ٣١٨، و ٨/ ١٩، و ٩/ ٣٤، و ١٠/ ٦٧.
٣ - "حديثُهُ حَسَنٌ".
٣/ ٢٥٧، ٢٩٨، و ٤/ ١٨، ٣١، ٨٤، ٢١٣، ٢٦٣، ٢٦٥، ٣٠٦، ٣٢٩، و ٥/ ٢٥، ٢٧، ٥٤، ١٣٧، ٢٨٣.
стр. 378
٤ - "ضعيفٌ".
١/ ١٢١، ١٣٥، ١٦٤، ١٨٧، ١٩٠، ١٩٥، ١٩٧، ٢٢٠، ٢٣٣، ٢٧٨، و ٤/ ١٣٣، و ٩/ ١٦١، ١٦٨.
٥ - "فيه كلامٌ".
٢/ ٢٣، ٣٣، ٦٨، ١١١، ١٤١، ١٤٢، ١٥٧، ٢١٦، ٢٥٩، ٢٧٥، ٢٩١، ٣٠٣، ٣١٨، ٣٢٥، ٣٣٠، و ٣/ ٣٥، ٤٦، ٩١، ١٨١، ٣٢٥.
٦ - "فيه لِينٌ".
٧/ ٢٩١، ٣١٨، و ٨/ ٢٣.
٧ - "لَيِّنُ الحَدِيثِ".
٣/ ٢٦، و ٤/ ١٣١، و ٦/ ٦٥، و ٧/ ٢٠٥، و ٨/ ٢٧/ ٤٠٨.
٨ - "رجاله وُثِّقوا، وفيهم ضَعفٌ".
٧/ ٣٢٦.
٩ - "رجالُهُ رجال الصَّحيح، غير ابن لِهيعَةَ، وقد وُثِّقَ، على ضَعفِهِ".
١٠/ ٢٩٦.
١٠ - "فيه كلامٌ، وحديثُهُ حَسَنٌ".
٣/ ١٤٣، ١٤٩، و ٤/ ٨٠، ١٠٣.
١١ - "رجالُهُ رِجالُ الصَّحِيح".
٥/ ٣١، و ١٠/ ٢٢٢.
١٢ - "مختلَفٌ في الاحتجاج به".
٢/ ١٦٦.
стр. 379
١٣ - "إسنادُهُ حَسَنٌ".
٤/ ٥٧، و ٦/ ٢٦١، و ٨/ ٥٥، و ١٠/ ٧١، ٢٣٧.
١٤ - "فيه ابن لَهِيعَةَ، وبقيَّةُ رجالِهِ ثِقاتٌ".
١/ ٩١، و ٤/ ١٧٧، و ٥/ ١٦٠، ٢٧٦، ٢٨٤.
١٥ - "رجالُهُ ثِقاثٌ".
٥/ ١٨٨، و ٧/ ٢٦١، و ١٠/ ٦٠.
١٦ - "فيه ضَعفٌ، وقد يُحسَّن حديثُهُ".
٧/ ٨٧.
١٧ - "قد احتَجَّ به غيرُ وَاحِدٌ".
١/ ١٦.
١٨ - "بقيَّةُ رجالِهِ حديثُهُم حَسَنٌ أو صَحِيحٌ".
٦/ ٢٤٢.
• قلتُ: فهذِهِ هي ألفاظ الهَيثَمِيِّ على ابن لَهيعَةَ وَحدَهُ، والاضطرابُ فيها ظاهرٌ.
• الثَّاني: قولُهُ: "ولو شئنَا أن نَغلُوَ كما غَلَا بعضُ المُعاصِرِين … أن هذا الحديثَ على شرط الصَّحيحِ".
وهو يُعَرِّضُ هنا بالشَّيخ أبي الأشبال أَحمدَ شاكرٍ، فإنَّهُ كان يَذهَبُ هذا المَذهبَ، وأنَّ ابن لَهيعَةَ ثِقَةٌ ثَبتٌ، وهذا مِمَّا لم يُوَافِقهُ عليه أحدٌ؛ لأنَّهُ يُطَوِّحُ بكلام الجَارِحِين، وهُم كَثْرَةٌ من الأثمَّةِ، وجَرحُهُم مُفَسَّرٌ، لا يُمكِنُ تَجاهُلُه. لكنَّ أبا الفَضل الغُماريَّ صَرَّح فِي كِتابٍ آخرَ له أن
стр. 380
أبا الأشبال إِنَّما وَثَّق ابنَ لَهِيعَةَ بدافعِ النَّزعَةِ العَصَبِيَّةِ، لأنَّ كِلَيهِمَا مِصرِيُّ. وحَاشَا أبا الأَشبَالِ أن يَكُونَ هذا دَافِعُه، ولكنَّ الغُماريَّ يَلمِزُ أبا الأَشبَالِ للاختلاف في المَنهَجِ، فهذا سَلَفِيٌّ أثَرِيٌّ، والغُماريُّ خَلَفِيٌّ صُوفيٌّ غَارِقٌ في البِدَعِ. هذه واحدةٌ.
والثَّانية: أن الغُماريَّ يقُولُ: "ولو سَلَّمنَا أن ابنَ لهِيعَةَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ لكان هذا الطَّرِيقُ على شرط الصَّحِيح"! و "شَرطُ الصَّحيحِ" يُطلِقُه العُلماء على "الصَّحِيحَينِ" أو أحدِهِمَا. ولم يحتجَّ البُخارِيُّ بابن لهَيعَةَ، إنَّما قَرَنَهُ بِغَيرِهِ، دُون أن يُسَمِّيَهُ، وقد فَعَل هذا قليلًا جِدًّا.
فمن ذلك، ما أَخرَجَه في "كتاب التَّفسير" (٨/ ٢٦٢)، عند تَفسِير قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وفي "كتاب الفِتَن" (١٣/ ٣٧)، قال: "حدَّثَنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقرِئُ، حدَّثَنا حَيْوَةُ، وغيرُه، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمن أبو الأَسوَدِ … " وساق إسنادَهُ.
قال الحافظُ: "قولُهُ: "وغيره" هو ابنُ لهِيعَةَ. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ" ا. هـ.
• قلتُ: أخرَجَهُ في "الأوسط" (٨٦٣٨) عن عبدِ الله بن صالحٍ، قال: حدَّثَنِي اللَّيثُ، عن أبي الأَسود، بهذا.
وقال: "لم يَروِهِ عن أبي الأَسوَد إلا اللَّيثُ، وابنُ لهِيعَةَ" كذا قال!
وتعقَّبتُهُ في "تنبيه الهَاجِد" (٢٨٩).
ومِن ذلك، ما أخرَجَهُ في "كتاب الاعتصام" (١٣/ ٢٨٢) قال: "حدَّثَنا سعيد بن تَلِيدٍ، حدَّثَنِي ابنُ وهب، حدَّثَني عبدُ الرَّحمن بن شُرَيحٍ، وغيرُه، عن أبي الأسود … " وساق إسنادَهُ لحديث: "إنَّ الله لا يَنزِعُ
стр. 381
العِلمَ … ".
قال الحافظُ: "قولُهُ: "وغيره" هو ابنُ لهَيعَةَ؛ أَبهَمَهُ البُخارِيُّ لضَعفِه، وجَعَل الاعتمادَ على رواية عبدِ الرَّحمن" انتهَى.
أمَّا مُسلِمٌ، فإنَّهُ لَم يَروِ لابن لهَيعَةَ في "صَحِيحِه" شيئًا، فيما أَعلَمُ غيرَ حَدِيثَينِ، صرَّح باسمِهِ في أحدِهِمَا، وأَبهَمَهُ في الآخَر.
أمَّا الحَدِيثُ الذي صَرَّح باسمه فيه، فأخرَجَهُ في "كتاب المَساجِد" (٦٢٤/ ١٩٧)، قال: "حدَّثَنا عَمرُو بنُ سوَّادٍ العَامِرِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ سَلَمَة المُرَادِيُّ، وأحمدُ بنُ عِيسَى - وألفاظُهُم مُتقارِبَةٌ، قال عَمرٌو: أخبَرَنَا، وقال الآخَران: حدَّثَنا - ابنُ وَهبٍ، أخبَرَني عَمرُو بنُ الحارِث، عن يَزِيدَ بن أبي حَبيبٍ، أن مُوسَى بنَ سعدٍ الأَنصَارِيَّ حدَّثَه، عن حَفصِ بن عُبيدِ الله، عن أَنَس بن مالِكٍ، أنَّه قال: صلَّى لنا رَسولُ الله ﷺ العَصَر، فلمَّا انصَرَفَ أتاه رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَة، فقال: "يا رسولَ اللّه! إنَّا نُريدُ أن نَنحَرَ جَزُورًا لنا، ونَحنُ نُحِبُّ أن تَحضُرَها"، قال: "نعم! "، فانطَلَق، وانطَلَقنَا مَعَهُ، فوَجَدنَا الجَزُورَ لم تُنحَر، فنُحِرَت، ثُمَّ قُطِّعَت، ثُمَّ طُبِخ مِنها، ثُمَّ أَكَلنَا قبل أن تَغِيبَ الشَّمسُ.
وقال المُرَادِيُّ: حدَّثَنا ابنُ وهبٍ، عن ابن لهِيعَةَ، وعَمرِو بن الحارِث، في هذا الحديث".
فقد رأيتَ أنَّه قَرَنَه بعمرِو بن الحارث.
أمَّا الحديثُ الثَّاني الذي أَبهَمَهُ فيه، فأخرَجَه في "كتاب النِّكاح" (١٤١٤/ ٥٦)، قال: "حدَّثَنِي أبو الطَّاهِر، أخبَرَنا عبدُ الله بنُ وهبٍ،
стр. 382
عن اللَّيث، وغيرِه، عن يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ، عن عبدِ الرَّحمن بن شُمَاسَةَ، أنَّه سَمِع عُقبَةَ بنَ عامرٍ على المِنبَر يقُولُ: إنَّ رَسولَ الله ﷺ يقُولُ: المُؤمِنُ أخُو المُؤمِنِ، فلا يَحِلُّ للمُؤمنِ أن يَبتاعَ على بيع أخيه، ولا يَخطُبَ على خِطبَة أخيه، حتَّى يَذَرَ".
وقولُه: "وغيره" هو ابنُ لِهَيعَةَ، كما في "سُنَن البَيهَقِيِّ" (٥/ ٣٤٦).
• قلتُ: فهذا كُلُّ ما لابن لهَيعَةَ تقريبًا في "الصَّحِيحَينِ". وكُلُّ حديثه في المُتابَعات، وهي لَيسَت مِن شرط "الصَّحيح"، فأيُّ صحيحٍ عَنَى الغُماريُّ بكلامه؟!
ولو قَصَد غيرَ "الصَّحِيحَينِ" أو أحدِهما لكان غَلَطًا بيِّنًا، لم يَقُل به أحدٌ مِن أهل العِلم، فإنَّهُم إذا قَصَدُوا غيرَ "الصَّحِيحَينِ" قَيَّدُوا الحُكم، فيقولون: على شَرط صحيح ابن حِبَّان، أو ابن خُزَيمَةَ، مثلًا، مع أن هذا غيرُ معهُودٍ منهم. والله أعلَمُ.
• الوجه الثَّالث: ما نَقَلَه عن شقيقِهِ أبي الفيض: "أن عَمَل المُحَدِّثين استَقَرَّ على تحسين حديثِهِ"، فهذه دعوَى يُستدَلُّ لها، لا بها؛ ولا زال المُتَأَخِّرُون من العُلماء يُكثِرُون من تضعيف حديث ابن لِهَيعَةَ. ثُمَّ لو سَلَّمنَا بهذه الدَّعوى، فإنَّ رِواية الرَّاوِي لا تَخرُجُ عن ثلاثة أنواعٍ: إمَّا أن يُتابَعَ، وإمَّا أن يُخالَفَ، وإمَّا أن يتفرَّدَ، فعن أيِّ هذه الأنواع يتحدَّثُ الغُماريُّ؟! فهل إذا خُولِفَ ابنُ لهَيعَةَ، أو تَفَرَّدَ، يُحَسَّنُ حديثُه هكذا بإطلاقٍ؟!
• الوجه الرَّابعُ: قولُه: "يكونُ الحديثُ مِن قَبِيلِ الحَسَنِ لغيرِهِ، وهو
стр. 383
حُجَّة بلا نزاع "كذا قال! والنِّزاعُ في حُجِّتةِ الحَسَن لغير قائمٌ، نازَعَ فيه أبو الحَسَن بنُ القَطَّان، وأيَّدَهُ الحافظُ.
وفي المسألة تفصيلٌ، ليس هاهنا مَوضِعُ بَسطِهِ.
ثُمَّ قال الغُماريُّ (ص ٣٦ - ٣٩):
"الوَجهُ الثَّالِثُ: ولو سَلَّمنَا أن الحديثَ لَم يَرتَقِ بمجموع الطَّرِيقَينِ إلَى درجة الحَسَنِ، فهو معمولٌ به أيضًا. وقولهم: "الحديثُ الضَّعِيفُ لا يُعمَل به في الأَحكَامِ" هو مِمَّا خالَف فيه عَمَلُ العُلَمَاءِ قَولَهُ؛ ذلك أَنَّهُم استَدَلُّوا في كتُبِهم بكثيرٍ مِنَ الأحاديث الضَّعِيفَةِ. فقد سَرَدَ شقِيقُنَا الحافظُ أبو الفَيضِ ﵀ في كتابه "المُثْنَوْنِيِّ والبَتَّار" جُملَةً من الأحاديث الضَّعيفَةِ التي أَخَذَ بها المالكيَّةُ، ثُمَّ قال بعد سَردِهَا، ما نَصُّهُ: "على أن الاحتجاجَ بالحدِيثِ الضَّعيفِ في الأحكام ليس خاصًّا بالمالكيَّةِ، بل كُلُّ الأَئِمَّةِ يَحتَجُّون به. ولذلك كان قولهم: "الضَّعِيفُ لا يُعمَل به في الأحكام" قولًا ليس على إطلاقِهِ، كما يَفهَمُهُ جُلُّ النَّاس أو كُلُّهم؛ لأنَّك إذا نَظَرتَ في أحاديثِ الأحكامِ التي أَخَذَ بها الأَئِمَّةُ، على الاجتماع والانفراد، تَجِدُ فيها مِنَ الضَّعِيفِ ما لَعَلَّهُ يَبلُغُ نِصفَها أو يَزِيدُ، ورُبَّما وَجَدتَ المُنكَرَ، والسَّاقِطَ القريبَ مِن المَوضُوع. إلَّا أن بَعضَها قالُوا فيه: "تُلُقِّيَ بِالقَبُول"، وبَعضَها قالُوا: "انعَقَد الإجماعُ على مَضمُونِهِ"، وبَعضَها قالُوا: "وَافَقَه القِياسُ"، وبَقِيَ منها ما لم يَجدُوا له دِعَامَةً، فاحتَجُّوا به على عِلَّاته وانفِرَادِهِ، غيرَ نَاظِرِينَ إلى ما أَصَّلُوهُ مِن أن الضَّعيفَ لا يُعمَل به في الأحكام، كما هو الوَاجِبُ، لأنَّ ما وَرَد عن
стр. 384
الشَّارع ﷺ ، وإِن كان ضَعِيفَ السَّنَد، لا يُعدَلُ عنه إلى غَيرِه، والقَولُ قَولُه. والضَّعِيفُ غيرُ مَقطُوعٍ بعدم نِسبَتِه إليه، ما لم يَكُن واهيًا، أو مُعارَضًا بأصلٍ أَقوَى منه. فلَسنَا نَعِيبُ الاحتجاجَ به، عِندَ عَدَمِ وُرُودِ غيرِه، بل نرَى التَّمَسُّكَ به هو الأَولَى والوَاجبَ. وإِنَّما نَعِيبُ الاضطرابَ في شأنه، وهو تَركُهُ عِندَ المُدافَعةِ والاستِهجَانِ، والعَملُ به عِندَ المُوَافَقَةِ والاستِحسَانِ … - إلى أن قَالَ: - فكَم مِن حَدِيثٍ ضَعِيفٍ احتَجَّ به الإمامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ في كُتُبِهِ، بل سَأَلهُ أصحابُهُ أن يُمِليَ لَهُم ما صحَّ مِن السُّنَنِ، فامتَنَعَ وأجاب بأنَّ الصَّحِيحَ من السُّنَنِ قَلِيلٌ. كما أنَّه احتَجَّ برجالٍ اشتُهِرُوا بالضَّعفِ عِندَ غَيرِه، وبلَغَهُ الجَرحُ فِيهِم، فلَم يَكُن ذلك مانِعًا له من الاحتِجَاجِ بِخَبَرِهِم. وكذلك مَالِكٌ، احتَجَّ بالمَرَاسِيلِ والبَلَاغَاتِ، وبرجالٍ مُتَّفَقٍ على ضَعفِهم عند أَهلِ الحَدِيثِ. وهكذا بَقِيَّةُ الأَئِمَّةِ، ما مِنهُم أَحَد إلَّا وقد اضطرَّ إلى الأخذ به في كثيرٍ مِن الأَحكامِ، وصَرَّح بعضُهُم بأنَّهُ أَقوَى عِندَهُ من الرَّأي، ومُقدَّمٌ على القِياسِ - قلتُ: هذا مَذهَبُ أحمدَ وأبي دَاوُد. ثُمَّ قال: - بل قَدَّمَهُ أبو حَنِيفَةَ على القِياس في مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ. وأقربُ طريقٍ يُوصِلُكَ إلى التَّحَقُّقِ بهذا، ما يَذكُرُه التِّرمِذِيُّ في "السُّنَنِ" عَقِبَ أحاديثَ يَنُصُّ على ضَعفِهَا وغَرَابَتِهَا، ثُمَّ يقول: وعليه العَمَلُ عند أهل العِلمِ" ا. هـ كلامُهُ. قلتُ: وقد رأيتُ كِتابًا يُسَمَّى "المِعيَار" لأَحَدِ حُفَّاظِ المِئَةِ الثَّامِنة، رتَّبَهُ على الأبواب الفِقيَّة، وذَكَر في كُلِّ بابٍ مِنهُ الأحاديثَ الضَّعِيفَةَ التي أَخَذَ بها الأَئِمَّةُ الأربعةُ، مُجتَمِعِينَ ومُنفَرِدِينَ. وهو مُفِيدٌ في بابه، نَقيسٌ جِدًّا، وَقَفتُ
стр. 385
على نُسخَةٍ مخطُوطَةٍ منه، قريبةٍ مِن زَمَنِ المُؤلِّف، ولعلَّهُ الحافظُ ابنُ المُلَقِّن.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالحَدِيثُ الذي أَورَدنَاهُ ليس بأقلَّ شأنًا مِنَ الأحاديثِ التي احتَجَّ بها الأَئِمَّةُ، وهي ضعيفةٌ. بل لعلَّهُ أَحسَنُ حالًا من كثيرٍ منها؛ لأنَّ ضَعفَهُ خفيفٌ، ولأنَّه مُؤَيَّدٌ بالأدلَّةِ التي أَورَدنَاهَا قَبلَهُ، إذ قد تَضَافَرَت كُلُّها على تحريم الاستمناء" انتهَى كلامُهُ.
• قُلتُ: وهذا الكلامُ فيه حقٌّ وباطلٌ، وبيانُ ما فيه من الخَبْط يحتاجُ إلى مصنَّفٍ مستقِلٍّ، فاكتَفي في هذه العُجالةِ بذِكر بعض النُّكَت المتعَلِّقَة بكلامهما معًا.
وقولُهُ: إنَّ العُلماءَ خالَفُوا ما أصَّلوُهُ في كتُبهِم من أنَّهم لا يحتجُّونَ بالضَّعيفِ من الحديث في الأحكام، وأنَّهم عَمَليًّا خَالَفوا ذلك، فلا يكادُ يمرُّ بابٌ من الفقه إلَّا وتَجدُهُم يحتجُّون بالضَّعيف.
فأقولُ: إنْ قَصَدَ متأخِّري الفُقَهاءِ، فهذا حقٌّ؛ فإنَّ كثيرًا منهم لا عنايةَ لهُ بالحَديث، ورُبَّما وَجَدتَ بعضَهُم ألَّفَ في علومِ الحديث مؤلَّفاتٍ، ومع ذلك فهو عاجزٌ عن معرفَة الصَّحيح من غيرِهِ؛ لأنَّ مثل هذا يحتاجُ إلى دِربةٍ وزمانٍ طويلٍ يَهدِي صاحبَهُ إلى ذَوق المُحدِّثين.
وأكثرُ المتأخِّرين من الفُقهاء لم يَلتَفِت إلى ذلك، فكَم من أحاديثَ اتَّفَق أهلُ الحديث على نَكارَتِها، انتزَعَ الفُقهاءُ منها حَلالًا وحَرامًا، وخَصَّصُوا بها الأحاديثَ الصَّحيحةَ، وقيَّدُوا مُطلَقَها، وادَّعَوا نَسخَها، ومَن طالع كُتبَ الفقهِ المُطوَّلَةَ في سائر المذاهب عَلِمَ ذلك.
وقَد وُفِّق الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀ في شرح هذه المِحنَةِ أيَّمَا توفيقٍ، فقال في
стр. 386
مطلَع كتابِهِ "معالم السُّنَن" (١/ ٢ - ٦):
"أمَّا بعدُ، فقد فهمتُ مُسائَلَتكُم إخواني أكرَمكُم الله، وما طلبتُمُوه من تفسيرِ كتاب "السُّنَن" لأبي داوُد سليمانَ بن الأشعثِ، وإيضاحِ ما يُشكَلُ من مُتُون ألفاظِهِ، وشرحِ ما يُستَغلَقُ من معانيه، وبيانِ وُجوه أحكامِهِ، والدِّلالة على مواضع الانتزاعِ والاستنباطِ من أحاديثه، والكشفِ عن معاني الفقهِ المُنطَوِيَةِ في ضِمنِها، لتستفيدُوا إلى ظاهرِ الرِّواية لها باطنَ العِلمِ والدِّرايةَ بها. وقد رأيتُ الذي نَدَبتُمُونِي له وسألتُمُونِيهِ من ذلك أمرًا لا يَسَعُنِي تركُهُ، كما لا يسعُكُم جهلُهُ، ولا يجُوزُ لي كتمانُهُ، كما لا يجوزُ لكم إغفالُهُ وإهمالُهُ؛ فقد عاد الدِّينُ غريبًا كما بدأَ، وعادَ هذا الشَّأنُ دارسةً أعلامُهُ، خاويةً أطلالُهُ، وأصبحت رِباعُهُ مهجُورَةً، ومسالكُ طرقِهِ مجهولَةً.
ورأيتُ أهلَ العِلمِ في زماننا قد حَصَلُوا حِزبَين وانقَسَموا إلى فرقتين: أصحابِ حديثٍ وأثَرٍ، وأهلِ فقهٍ ونَظَرٍ، وكُلُّ واحدةٍ منهُما لا تتميَّزُ عن أُختِها في الحاجَة، ولا تَستَغنِي عنها في دَرْكِ ما نَنْحُوهُ من البُغيَة والإِرادَةِ؛ لأنَّ الحديثَ بمَنزِلَةِ الأساس الذي هو الأَصلُ، والفقهَ بمنزلةِ البِناءِ الذي هو له كالفَرعِ، وكُلُّ بناءٍ لم يوضَع على قاعدةٍ وأساسٍ فهُو مُنهارٌ، وكلُّ أساسٍ خَلَا عن بناءٍ وعِمارةٍ فهو قَفرٌ وخَرَابٌ.
ووجَدتُ هذين الفَرِيقَين على ما بَينَهُم من التَّدَاني في المَحِلَّين، والتَّقارُبِ في المنزلَتَين، وعُمُومِ الحاجةِ من بعضهم إلى بعضٍ، وشُمولِ الفَاقَةِ اللَّازمَة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا مُتهاجِرِينَ، وعلى سبيلِ
стр. 387
الحَقِّ بلُزُوم التَّناصُر والتَّعَاوُن غيرَ مُتظَاهِرِين. فأمَّا هذه الطَّبَقَةُ الذين هم أهلُ الأثَرِ والحديثِ، فإنَّ الأكثرين مِنهُم إنَّما وَكَدُهُم الرِّواياتُ، وجَمعُ الطُّرُقِ، وطَلَبُ الغريب والشَّاذِّ من الحديث الذي أكثَرُهُ موضوع أو مقلوبٌ، لا يُراعُونَ المُتُونَ، ولا يتفهَّمُونَ المعاني، ولا يستَنبِطُون سيَرَها، ولا يستخرِجُونَ رِكَازَهَا وفِقهَهَا، ورُبَّما عابُوا الفُقهاءَ وتناوَلُوهُم بالطَّعن وادَّعَوْا عليهم مُخالَفَة السُّنَنِ، ولا يعلَمُون أنَّهم عن مَبلَغِ ما أُوتُوهُ من العِلمِ قاصِرُون، وبسُوءِ القَول فيهم آثِمُون.
وأمَّا الطبقةُ الأخرى وهم أهلُ الفِقهِ والنَّظرِ، فإنَّ أكثرَهُم لا يُعَرِّجُون من الحديثِ إلَّا على أَقَلِّه، ولا يكادُونَ يُميِّزون صحيحَهُ من سَقِيمِهِ، ولا يَعرِفُون جيِّدَهُ من رَدِيئِهِ، ولا يَعبَؤُونَ بما بَلَغَهم منه أن يحتجُّوا به على خُصومِهِم إذا وافَقَ مَذَاهِبَهم التي يَنتَحِلُونَها ووافَق آراءَهُم التي يَعتَقِدونَها، وقد اصطَلَحوا على مُواضَعَةٍ بينَهُم في قَبُول الخبر الضَّعيفِ والحديثِ المُنقَطِع إذا كان ذلك قد اشتَهَر عِندَهُم، وتعاوَرَتْهُ الأَلسُنُ فيما بَينَهُم، من غير ثَبتٍ فيه أو يَقِينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلَّةٌ من الرَّأي، وغَبْنًا فيه، وهؤُلاء - وفَّقَنا اللهُ وإيَّاهُم - لو حُكِي لهم عن واحدٍ من رُؤَساءِ مذاهِبِهم، وزُعَماء نِحَلِهِم، قولٌ يقُولُهُ باجتهادٍ من قِبَلِ نفسِهِ، طَلَبوا فيه الثِّقَة واسْتَبرَؤُا له العُهدةَ، فتَجِدُ أصحابَ مالكٍ لا يَعتَمِدُون من مَذهَبِه إلَّا ما كان مِن روايةِ ابن القَاسِمِ والأَشهَبِ وضُرَبَائِهِم من تِلَادِ أصحابِهِ، فإذا جاءت روايةُ عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم وأَضرَابِهِ، لم تَكُن عندهم طائِلًا.
стр. 388
وتَرَى أصحابَ أبي حنيفَةَ لا يَقبَلُون من الرِّوايَةِ عنه إلَّا ما حَكاهُ أبو يُوسُفَ ومُحمَّدُ بنُ الحسَن والعِليةُ من أَصحابِهِ والأَجِلَّةُ من تلامِيذِهِ، فإن جاءَهُم عن الحسَن بن زيادٍ اللُّؤلُؤيِّ وذَوِيهِ روايةُ قولٍ بِخلافِهِ، لم يَقبَلُوه ولم يَعتَمِدُوه.
وكذلك تجدُ أصحابَ الشَّافِعِي إنَّما يُعَوِّلُون في مذهَبِه على رواية المُزنِيِّ والرَّبيعِ بن سُليمانَ المُرَادِيِّ، فإذا جاءت روايةُ حَرمَلَةَ والجِيزِيِّ وأمثالهِمَا لم يَلتَفِتُوا إليها ولم يَعتَدُّوا في أقاويلِهِ.
وعلى هذا عادةُ كُلِّ فِرقَةٍ من العُلماء في أحكام مَذَاهِبِ أئمَّتِهم وأُستَاذِيهِم.
فإذا كان هذا دَأَبُهُم وكانوا لا يَقنَعُون في أمر هذه الفُروعِ وروايَتِها عن هؤلاء الشُّيوخِ إلَّا بالوَثِيقَةِ والثَّبتِ، فكيف يجُوزُ لهم أن يَتَساهَلُوا في الأَمرِ الأَهَمِّ والخَطْبِ الأَعظَمِ، وأن يَتَواكَلُوا الرِّوايَةَ والنَّقلَ عن إمامِ الأئِمَّةِ ورسُولِ ربِّ العِزَّةِ، الواجبِ حُكمُهُ، اللَّازِمَةِ طاعتُهُ، الذي يَجِبُ علينا التَّسلِيمُ لحُكمِهِ والانقيادُ لأمرِهِ، من حيثُ لا نَجِدُ في أنفُسِنا حرَجًا ممَّا قضاهُ، ولا في صُدورِنَا غِلًّا من شيءٍ مما أَبرَمَهُ وأمضَاهُ. أرأيتُم إذا كان للرُّجِل أن يتساهَلَ في أمرِ نَفسِهِ ويتسامَحَ عن غُرَمائِهِ في حقِّهِ، فيأخُذُ منهم الزَّيفَ ويُغضِي لهم عن العَيبِ، هل يجُوزُ له أن يَفعَلَ ذلك في حقِّ غَيرِه إذا كان نائبًا عنه، كوَلِيِّ الضَّعيفِ ووَصِيِّ اليتيم ووكيلِ الغَائب؟ وهل يكُونُ ذلك منه إذا فَعَلَهُ إلَّا خيانةً للعهد، وإِخفَارًا للذِّمَّةِ؟ فهذا هو ذاك، إمَّا عَيَانُ حِسٍّ وإمَّا عَيَانُ مِثْلٍ، ولكنَّ أقوامًا عَسَاهُم
стр. 389
استَوعَرُوا طريقَ الحَقِّ، واستَطَالُوا المُدَّةَ في دَرَكِ الحَظِّ، وأَحَبُّوا عُجالَةَ النَّيْلِ، فاختَصَرُوا طريقَ العِلمِ، واقتَصَرُوا على نُتَفِ حُرُوفٍ مُنتَزَعَةٍ عن معاني أُصول الفِقهِ سمُّوهَا عِلَلًا، وجَعَلُوهَا شعارًا لأنفُسِهم في التَّرَسُّمِ برَسْمِ العِلمِ، واتَّخَذُوها جُنّةً عند لقاء خُصُومِهِم، ونَصَبُوها دَرِيَئَةً للخَوضِ والجِدالِ يَتَنَاظَرُون بها ويَتَلَاطَمُون عليها، وعند التَّصَادُرِ عنها قد حُكِم للغَالِبِ بالحِذقِ والتَّبرِيزِ، فهو الفقيهُ المذكُورُ في عَصرِه، والرَّئيسُ المُعظَّمُ في بَلَدهِ ومِصرِهِ.
هذا، وقد دَسَّ لهم الشَّيطان حِيلَةً لطيفةً، وبَلَغ مِنهُم مَكِيدَةً بلِيغَةً، فقال لهم: هذا الذي في أَيدِيكُم عِلمٌ قصِيرٌ وبِضاعَةٌ مُزجَاةٌ، لا تَفِي بمَبْلَغِ الحاجَةِ والكِفايَةِ، فاستَعِينُوا عليه بالكَلامِ، وصِلُوهُ بمَقطَعَاتٍ منه، واستَظهِرُوا بأُصولِ المُتكلِّمِين، يتَّسِعُ لَكُم مذهبُ الخَوضِ ومَجَالُ النَّظَر. فصَدَّق عليهم ظَنَّهُ، وأطاعَهُ كثيرٌ منهُم واتَّبَعُوه، إلَّا فريقًا من المُؤمِنِين.
فيالَلرِّجال والعُقُول! أنَّى يُذَهَبُ بهم! وأنَّى يَختَدِعُهُم الشَّيطانُ عن حَظِّهم ومَوضِعِ رَشَدِهم! واللهُ المستعانُ.
وقد انتهيتُ أكرَمَكُم اللهُ إلى ما دَعَوتُم إليه بجَهدِي، وأتيتُ من مسألتِكُم بقدر ما تَيَسَّرتُ له، ورجوتُ أن يكُونَ الفقيهُ إذا ما نَظَر إلى ما أَثبَتُّهُ في هذا الكتاب من مَعَانِي الحديثِ ونهَجْتُهُ من طُرُق الفِقهِ المُتشَعِّبَةِ عنه، دعاهُ ذلك إلى طَلَب الحديثِ وتتَبُّعِ عِلمِهِ، وإذا تأمَّلَهُ صاحبُ الحديثِ رَغَّبَهُ في الفِقهِ وتعلَّمِهُ. والله الموفِّقُ" انتهى كلامُهُ.
• قُلتُ: وهذا التَّباعُدُ بين المُحَدِّثين والفُقهاء، والذي أشار إليه
стр. 390
الخَطَابِيُّ لا زال إلى السَّاعة قائمًا، وذلك بسبب تشابُك بعضِ القَوَاعد الأُصوليَّة بينهم، مثلِ اشتراطِ ألَّا يكُونَ الحديثُ شاذًّا، ومثلِ زيادَةِ الثِّقةِ، ونحوِ هذا. فالصَّحيحُ ألَّا يَنظُر الفقيهُ إلى الحديثِ بعَينِ الاعتِبَارِ، إلَّا إذا قَرَّر المُحَدِّثُون صِحَّتَه.
والجَامِعُون بين هَذَين العِلمَين كان كثيرًا في الأزمان القَدِيمَةِ، ثُمَّ غَلَبَت "لَوثَةُ" المُختَصَرَات في المُتأخِّرين، حتَّى صارت بعضُهَا بسبب الإيجاز تَبلُغُ حدَّ الأَلغَاز، وشَرَعَ أَهلُ العِلمِ يشرَحُونَ هذه المُختَصَرات، واختَلَفت أراؤُهُم في قَصدِ المُختَصِر، وكَثُرَت الاعتراضاتُ على التَّعرِيفَات مع تَطرِيق الاحتمالاتِ، وهكذا حتَّى فَقَدَت العُلُومُ رَوْنَقَهَا وقلَّ انتفاعُ الطَّلَبة بها.
وكان بابُ الاحتجاجِ بالحديث الضَّعيف من هذا القَبِيلِ. وخُذ الحديثَ المُرسَلَ مثلًا، فالذي كان سائدًا في زمان التَّابِعِين ومَن بَعدَهُم بقليلٍ، أنَّ الحديثَ المُرسَلَ حُجَّةٌ في الدِّين، وكان ذلك لعُلُوِّ الأسانِيدِ وقِلَّةِ الأوهامِ، حتَّى ادَّعَى الطَّبَرِيُّ أنَّ التَّابِعينَ أَجمَعُوا على قَبُول المَراسِيل، وظَلَّ الأمرُ هكذا إلى رَأسِ المِئَتَينِ، وذَهَب إلى هذا القَولِ أبُو حَنِيفَةَ، ومالكٌ، وهو روايةٌ عن أحمد.
ولمّا تكلَّمَ الشَّافعِيُّ في عدم حُجِّيَّة المُرسَل، تابَعَهُ النَّاسُ كما قال أبُو داوُد، وصار القَولُ السَّائدُ عند جماهير المُحَدِّثِين وكثيرٍ من الفُقَهَاء والأُصُوليِّين أن المُرسَلَ ليس بحُجَّةٍ، ونَقَلَهُ مُسلمٌ في "مُقدِّمة صحِيحِه"، وكذلك قال الرَّازِيَّانِ أبُو حاتِمٍ وأبو زُرعَةَ كما في مَطلَع "المَراسيل"
следующие страницы →