مطلَع كتابِهِ "معالم السُّنَن" (١/ ٢ - ٦):
"أمَّا بعدُ، فقد فهمتُ مُسائَلَتكُم إخواني أكرَمكُم الله، وما طلبتُمُوه من تفسيرِ كتاب "السُّنَن" لأبي داوُد سليمانَ بن الأشعثِ، وإيضاحِ ما يُشكَلُ من مُتُون ألفاظِهِ، وشرحِ ما يُستَغلَقُ من معانيه، وبيانِ وُجوه أحكامِهِ، والدِّلالة على مواضع الانتزاعِ والاستنباطِ من أحاديثه، والكشفِ عن معاني الفقهِ المُنطَوِيَةِ في ضِمنِها، لتستفيدُوا إلى ظاهرِ الرِّواية لها باطنَ العِلمِ والدِّرايةَ بها. وقد رأيتُ الذي نَدَبتُمُونِي له وسألتُمُونِيهِ من ذلك أمرًا لا يَسَعُنِي تركُهُ، كما لا يسعُكُم جهلُهُ، ولا يجُوزُ لي كتمانُهُ، كما لا يجوزُ لكم إغفالُهُ وإهمالُهُ؛ فقد عاد الدِّينُ غريبًا كما بدأَ، وعادَ هذا الشَّأنُ دارسةً أعلامُهُ، خاويةً أطلالُهُ، وأصبحت رِباعُهُ مهجُورَةً، ومسالكُ طرقِهِ مجهولَةً.
ورأيتُ أهلَ العِلمِ في زماننا قد حَصَلُوا حِزبَين وانقَسَموا إلى فرقتين: أصحابِ حديثٍ وأثَرٍ، وأهلِ فقهٍ ونَظَرٍ، وكُلُّ واحدةٍ منهُما لا تتميَّزُ عن أُختِها في الحاجَة، ولا تَستَغنِي عنها في دَرْكِ ما نَنْحُوهُ من البُغيَة والإِرادَةِ؛ لأنَّ الحديثَ بمَنزِلَةِ الأساس الذي هو الأَصلُ، والفقهَ بمنزلةِ البِناءِ الذي هو له كالفَرعِ، وكُلُّ بناءٍ لم يوضَع على قاعدةٍ وأساسٍ فهُو مُنهارٌ، وكلُّ أساسٍ خَلَا عن بناءٍ وعِمارةٍ فهو قَفرٌ وخَرَابٌ.
ووجَدتُ هذين الفَرِيقَين على ما بَينَهُم من التَّدَاني في المَحِلَّين، والتَّقارُبِ في المنزلَتَين، وعُمُومِ الحاجةِ من بعضهم إلى بعضٍ، وشُمولِ الفَاقَةِ اللَّازمَة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا مُتهاجِرِينَ، وعلى سبيلِ
стр. 387
الحَقِّ بلُزُوم التَّناصُر والتَّعَاوُن غيرَ مُتظَاهِرِين. فأمَّا هذه الطَّبَقَةُ الذين هم أهلُ الأثَرِ والحديثِ، فإنَّ الأكثرين مِنهُم إنَّما وَكَدُهُم الرِّواياتُ، وجَمعُ الطُّرُقِ، وطَلَبُ الغريب والشَّاذِّ من الحديث الذي أكثَرُهُ موضوع أو مقلوبٌ، لا يُراعُونَ المُتُونَ، ولا يتفهَّمُونَ المعاني، ولا يستَنبِطُون سيَرَها، ولا يستخرِجُونَ رِكَازَهَا وفِقهَهَا، ورُبَّما عابُوا الفُقهاءَ وتناوَلُوهُم بالطَّعن وادَّعَوْا عليهم مُخالَفَة السُّنَنِ، ولا يعلَمُون أنَّهم عن مَبلَغِ ما أُوتُوهُ من العِلمِ قاصِرُون، وبسُوءِ القَول فيهم آثِمُون.
وأمَّا الطبقةُ الأخرى وهم أهلُ الفِقهِ والنَّظرِ، فإنَّ أكثرَهُم لا يُعَرِّجُون من الحديثِ إلَّا على أَقَلِّه، ولا يكادُونَ يُميِّزون صحيحَهُ من سَقِيمِهِ، ولا يَعرِفُون جيِّدَهُ من رَدِيئِهِ، ولا يَعبَؤُونَ بما بَلَغَهم منه أن يحتجُّوا به على خُصومِهِم إذا وافَقَ مَذَاهِبَهم التي يَنتَحِلُونَها ووافَق آراءَهُم التي يَعتَقِدونَها، وقد اصطَلَحوا على مُواضَعَةٍ بينَهُم في قَبُول الخبر الضَّعيفِ والحديثِ المُنقَطِع إذا كان ذلك قد اشتَهَر عِندَهُم، وتعاوَرَتْهُ الأَلسُنُ فيما بَينَهُم، من غير ثَبتٍ فيه أو يَقِينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلَّةٌ من الرَّأي، وغَبْنًا فيه، وهؤُلاء - وفَّقَنا اللهُ وإيَّاهُم - لو حُكِي لهم عن واحدٍ من رُؤَساءِ مذاهِبِهم، وزُعَماء نِحَلِهِم، قولٌ يقُولُهُ باجتهادٍ من قِبَلِ نفسِهِ، طَلَبوا فيه الثِّقَة واسْتَبرَؤُا له العُهدةَ، فتَجِدُ أصحابَ مالكٍ لا يَعتَمِدُون من مَذهَبِه إلَّا ما كان مِن روايةِ ابن القَاسِمِ والأَشهَبِ وضُرَبَائِهِم من تِلَادِ أصحابِهِ، فإذا جاءت روايةُ عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم وأَضرَابِهِ، لم تَكُن عندهم طائِلًا.
стр. 388
وتَرَى أصحابَ أبي حنيفَةَ لا يَقبَلُون من الرِّوايَةِ عنه إلَّا ما حَكاهُ أبو يُوسُفَ ومُحمَّدُ بنُ الحسَن والعِليةُ من أَصحابِهِ والأَجِلَّةُ من تلامِيذِهِ، فإن جاءَهُم عن الحسَن بن زيادٍ اللُّؤلُؤيِّ وذَوِيهِ روايةُ قولٍ بِخلافِهِ، لم يَقبَلُوه ولم يَعتَمِدُوه.
وكذلك تجدُ أصحابَ الشَّافِعِي إنَّما يُعَوِّلُون في مذهَبِه على رواية المُزنِيِّ والرَّبيعِ بن سُليمانَ المُرَادِيِّ، فإذا جاءت روايةُ حَرمَلَةَ والجِيزِيِّ وأمثالهِمَا لم يَلتَفِتُوا إليها ولم يَعتَدُّوا في أقاويلِهِ.
وعلى هذا عادةُ كُلِّ فِرقَةٍ من العُلماء في أحكام مَذَاهِبِ أئمَّتِهم وأُستَاذِيهِم.
فإذا كان هذا دَأَبُهُم وكانوا لا يَقنَعُون في أمر هذه الفُروعِ وروايَتِها عن هؤلاء الشُّيوخِ إلَّا بالوَثِيقَةِ والثَّبتِ، فكيف يجُوزُ لهم أن يَتَساهَلُوا في الأَمرِ الأَهَمِّ والخَطْبِ الأَعظَمِ، وأن يَتَواكَلُوا الرِّوايَةَ والنَّقلَ عن إمامِ الأئِمَّةِ ورسُولِ ربِّ العِزَّةِ، الواجبِ حُكمُهُ، اللَّازِمَةِ طاعتُهُ، الذي يَجِبُ علينا التَّسلِيمُ لحُكمِهِ والانقيادُ لأمرِهِ، من حيثُ لا نَجِدُ في أنفُسِنا حرَجًا ممَّا قضاهُ، ولا في صُدورِنَا غِلًّا من شيءٍ مما أَبرَمَهُ وأمضَاهُ. أرأيتُم إذا كان للرُّجِل أن يتساهَلَ في أمرِ نَفسِهِ ويتسامَحَ عن غُرَمائِهِ في حقِّهِ، فيأخُذُ منهم الزَّيفَ ويُغضِي لهم عن العَيبِ، هل يجُوزُ له أن يَفعَلَ ذلك في حقِّ غَيرِه إذا كان نائبًا عنه، كوَلِيِّ الضَّعيفِ ووَصِيِّ اليتيم ووكيلِ الغَائب؟ وهل يكُونُ ذلك منه إذا فَعَلَهُ إلَّا خيانةً للعهد، وإِخفَارًا للذِّمَّةِ؟ فهذا هو ذاك، إمَّا عَيَانُ حِسٍّ وإمَّا عَيَانُ مِثْلٍ، ولكنَّ أقوامًا عَسَاهُم
стр. 389
استَوعَرُوا طريقَ الحَقِّ، واستَطَالُوا المُدَّةَ في دَرَكِ الحَظِّ، وأَحَبُّوا عُجالَةَ النَّيْلِ، فاختَصَرُوا طريقَ العِلمِ، واقتَصَرُوا على نُتَفِ حُرُوفٍ مُنتَزَعَةٍ عن معاني أُصول الفِقهِ سمُّوهَا عِلَلًا، وجَعَلُوهَا شعارًا لأنفُسِهم في التَّرَسُّمِ برَسْمِ العِلمِ، واتَّخَذُوها جُنّةً عند لقاء خُصُومِهِم، ونَصَبُوها دَرِيَئَةً للخَوضِ والجِدالِ يَتَنَاظَرُون بها ويَتَلَاطَمُون عليها، وعند التَّصَادُرِ عنها قد حُكِم للغَالِبِ بالحِذقِ والتَّبرِيزِ، فهو الفقيهُ المذكُورُ في عَصرِه، والرَّئيسُ المُعظَّمُ في بَلَدهِ ومِصرِهِ.
هذا، وقد دَسَّ لهم الشَّيطان حِيلَةً لطيفةً، وبَلَغ مِنهُم مَكِيدَةً بلِيغَةً، فقال لهم: هذا الذي في أَيدِيكُم عِلمٌ قصِيرٌ وبِضاعَةٌ مُزجَاةٌ، لا تَفِي بمَبْلَغِ الحاجَةِ والكِفايَةِ، فاستَعِينُوا عليه بالكَلامِ، وصِلُوهُ بمَقطَعَاتٍ منه، واستَظهِرُوا بأُصولِ المُتكلِّمِين، يتَّسِعُ لَكُم مذهبُ الخَوضِ ومَجَالُ النَّظَر. فصَدَّق عليهم ظَنَّهُ، وأطاعَهُ كثيرٌ منهُم واتَّبَعُوه، إلَّا فريقًا من المُؤمِنِين.
فيالَلرِّجال والعُقُول! أنَّى يُذَهَبُ بهم! وأنَّى يَختَدِعُهُم الشَّيطانُ عن حَظِّهم ومَوضِعِ رَشَدِهم! واللهُ المستعانُ.
وقد انتهيتُ أكرَمَكُم اللهُ إلى ما دَعَوتُم إليه بجَهدِي، وأتيتُ من مسألتِكُم بقدر ما تَيَسَّرتُ له، ورجوتُ أن يكُونَ الفقيهُ إذا ما نَظَر إلى ما أَثبَتُّهُ في هذا الكتاب من مَعَانِي الحديثِ ونهَجْتُهُ من طُرُق الفِقهِ المُتشَعِّبَةِ عنه، دعاهُ ذلك إلى طَلَب الحديثِ وتتَبُّعِ عِلمِهِ، وإذا تأمَّلَهُ صاحبُ الحديثِ رَغَّبَهُ في الفِقهِ وتعلَّمِهُ. والله الموفِّقُ" انتهى كلامُهُ.
• قُلتُ: وهذا التَّباعُدُ بين المُحَدِّثين والفُقهاء، والذي أشار إليه
стр. 390
الخَطَابِيُّ لا زال إلى السَّاعة قائمًا، وذلك بسبب تشابُك بعضِ القَوَاعد الأُصوليَّة بينهم، مثلِ اشتراطِ ألَّا يكُونَ الحديثُ شاذًّا، ومثلِ زيادَةِ الثِّقةِ، ونحوِ هذا. فالصَّحيحُ ألَّا يَنظُر الفقيهُ إلى الحديثِ بعَينِ الاعتِبَارِ، إلَّا إذا قَرَّر المُحَدِّثُون صِحَّتَه.
والجَامِعُون بين هَذَين العِلمَين كان كثيرًا في الأزمان القَدِيمَةِ، ثُمَّ غَلَبَت "لَوثَةُ" المُختَصَرَات في المُتأخِّرين، حتَّى صارت بعضُهَا بسبب الإيجاز تَبلُغُ حدَّ الأَلغَاز، وشَرَعَ أَهلُ العِلمِ يشرَحُونَ هذه المُختَصَرات، واختَلَفت أراؤُهُم في قَصدِ المُختَصِر، وكَثُرَت الاعتراضاتُ على التَّعرِيفَات مع تَطرِيق الاحتمالاتِ، وهكذا حتَّى فَقَدَت العُلُومُ رَوْنَقَهَا وقلَّ انتفاعُ الطَّلَبة بها.
وكان بابُ الاحتجاجِ بالحديث الضَّعيف من هذا القَبِيلِ. وخُذ الحديثَ المُرسَلَ مثلًا، فالذي كان سائدًا في زمان التَّابِعِين ومَن بَعدَهُم بقليلٍ، أنَّ الحديثَ المُرسَلَ حُجَّةٌ في الدِّين، وكان ذلك لعُلُوِّ الأسانِيدِ وقِلَّةِ الأوهامِ، حتَّى ادَّعَى الطَّبَرِيُّ أنَّ التَّابِعينَ أَجمَعُوا على قَبُول المَراسِيل، وظَلَّ الأمرُ هكذا إلى رَأسِ المِئَتَينِ، وذَهَب إلى هذا القَولِ أبُو حَنِيفَةَ، ومالكٌ، وهو روايةٌ عن أحمد.
ولمّا تكلَّمَ الشَّافعِيُّ في عدم حُجِّيَّة المُرسَل، تابَعَهُ النَّاسُ كما قال أبُو داوُد، وصار القَولُ السَّائدُ عند جماهير المُحَدِّثِين وكثيرٍ من الفُقَهَاء والأُصُوليِّين أن المُرسَلَ ليس بحُجَّةٍ، ونَقَلَهُ مُسلمٌ في "مُقدِّمة صحِيحِه"، وكذلك قال الرَّازِيَّانِ أبُو حاتِمٍ وأبو زُرعَةَ كما في مَطلَع "المَراسيل"
стр. 391
(ص:٧) لابن أبي حاتِمٍ: أنَّهُ لا يُحتَجُّ بالمَراسيل، ولا تَقُومُ الحُجَّة إلَّا بالأسانيد الصَّحِيحَةِ، ووَضَعَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ ضوابطَ لقَبُول المُرسَل تَجِدُها في "الرِّسالة" (ص: ٤٦٢ - ٤٦٥).
فهذا النَّوعُ من الأحاديثِ - أعني: المُرسلَ - هو أَكثر الأنواع وَقَعَ فيه النِّزاعُ بين المُحَدِّثين والفُقَهاء. والصَّحيح أنَّهُ ليس بحُجَّةٍ على انفِرَادِه، إلَّا إذا انضاف إليه ما يُعَضِّدُهُ، كما هو مُقَرَّرٌ في مَوضِعِه.
وتَوَسَّعَ المُتأَخِّرُون في قَبُول الضَّعيف، لا سيَّما في فَضَائِل الأَعمَالِ، وجَعَلُوا الحديثَ المُنكَرَ من جُملَة الضَّعيف، والحديثُ المُنكَرُ - لا سيَّما عند مُتَقَدِّمي العُلماء - هو والعَدَمُ سِيَّان، فيَأتِي المُتأخِّرُ فيَعمَلُ به على اعتبار أنَّهُ ضعيفٌ، وأنَّه يُعمَلُ بالضَّعيف في الفَضائِل، غيرَ مُعتَبِرٍ قدرَ الضَّعف فيه.
فاتَّسَع الخَرْقُ على الرَّاقِعِ.
والصَّوابُ من القَولِ في هذا، والذي أدينُ الله تعالى به أنه: لا يَجُوزُ أن يُحتَجَّ في شيءٍ من الدِّين إلَّا بالحديثِ الصَّحيح أو الحَسَن، لا فَرقَ عندنا بين حُكمٍ شَرعِيٍّ في الحَلَال والحرام، وبين فَضِيلَةِ عَمَلٍ، وهذا مَذهَبُ أكابرِ العُلمَاء مثلِ ابن مَعِين، والبُخَارِيِّ، ومُسلِمٍ، وأبي حاتِمٍ، وأبي زُرعَةَ، وابنِ خُزَيمَةَ، وابنِ حِبَّانَ، وأبي زَكَرِيَّا النَّيسابُورِيِّ، في آخَرِين يطُولُ الأمرُ بذِكرِهِم.
ومن الغرائب أن أحد تَلامِذَةِ هؤُلاء الغُمارِّيين من أهل عَصرِنا، وممَّن ابتُلِيَت مِصرُ بأنَّهُ صار مُفتِيًا لها، ادَّعَى أن الذي زَعَم أن الضَّعيفَ لا يُعمَلُ به مُطلقًا هو الشَّيخُ الألباني ﵀، وزَعَمَ - وهو شافعيُّ المَذهَب -
стр. 392
أن الإمامَ الشَّافعيَّ ﵀ كان يَحتَجُّ بالحديثِ الضَّعيف في الحَلال والحَرام، وكذلك سائرُ الأئِمَّةِ المُحَدِّثين كأبي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، والتِّرمِذِيِّ، وغَيرِهِم بغَيرِ نَكيرٍ من أحدٍ عَلَيهِم، وهو كاذبٌ في كُلِّ هذا، كما بيَّنتُه في "قَطعِ الأَبهَر من المُفتِي وشَيخِ الأَزهَر" - وأعني بشيخ الأَزهَرِ الدُّكتورَ مُحمَّد سَيِّد طنطاوي - وكتبتُ منه مُجَلَّدَةً. لكنَّنِي في هذه العُجَالَةِ سأَذكُرُ كلامًا للإمام الشَّافعِيِّ خاصَّةً، تَوَقَّفَ عن العَمَل بالحديثِ لأنَّهُ لم تَثبُت صِحَّتُه، فلو كان يحتَجّ بالضَّعيف كما يَزعُم هذا الكاذبُ، فما الذي جَعَلَهُ يتوقَّفُ عن الأَخذِ بالحديثِ؟! وكنتُ قرأتُ قديمًا في "فَتح الباري" أن الحافظَ ابنَ حَجَرٍ جَمَعَ هذه الأحاديثَ في كتابٍ سمَّاه - على ما أَذكُر - "المِنحَة فيما علَّقَ الشَّافِعِيُّ فيه الحُكمَ على الصِّحَّة"، ولم أَرَهُ ولا أظُنّهُ طُبعَ، وحَفَّزَنِي هذا إلى النَّظَر في كتاب "الأُمِّ" للشَّافِعِيِّ، واستَخرَجتُ منه عِدَّة مواضعَ ممَّا علَّق الشَّافِعِيُّ القولَ به على ثُبُوت الحديثِ، وسأَذكُرُه آنفًا إن شاء اللهُ تعالى.
ومِن مَخَازِي هذا المُفتِي أنَّهُ أفتَى منذ عَشرَةِ أيَّامٍ - ونحن في محُرَّم ١٤٣٢ هـ - أن طلاق المِصرِيِّين لا يَقَعُ، قيل. له: ولم؟ قال: لأنَّ الرَّجُل يقُولُ لامرَأَتِه: "أَنتِ طَالِئ" ليس "طالق"، يعني يَنطِقُونَها بالهَمزَة على اللَّهجة العَامِّيَّة المِصرِيَّة، ولا ينطِقُونَها بالقاف، قال: فلذلك لا يَقَعُ الطَّلاقُ المِصرِيُّ. وكان من أَطرَفِ ما عَلَّق عليه عوَّام النَّاس أن قالُوا: وزواجُ المصريِّين باطلٌ أيضًا؛ لأنَّهُم يقُولُون عنه "جواز" وليس "زواجا"!!
стр. 393
ولا أَدرِي والله! كيفَ سيَلقَى هذا الرَّجُلُ ربَّهُ، وماذا هو قائلٌ له إذا سَأَلهُ عن هذا وأَضعَافِهِ؟!
فاللَّهُمَّ! اقبِضنَا إليكَ غيرَ مُبَدِّلين ولا مَفتُونِين.
أمَّا الواضِعُ التي صرَّحَ الشَّافعِيُّ فيها بتعليق القَولِ بالحديث إلَّا أن يَثبُتَ، فإني لم أتحَرَّ جميعَ المواضع من كُتُبِه، بل ذكرتُ ما وقفتُ عليه أثناءَ نَظَرِي في كتابه. فمن ذلك:
١ - قَالَ الشَّافِعيُّ في "الأُمِّ" في "كتاب الطَّهَارة" (٢/ ٩٢ - ٩٣ - طبع دار الوفاء): "ولا يَعدُو بالجَبَائِر مَوضِعَ الكَسرِ إذا كان لا يُزيِلُها. وقد رُوِي حديثٌ عن عليٍّ ﵁ أنَّهُ انكَسَر إحدى زِندَيْ يَدَيهِ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أن يَمسَح بالماء على الجَبَائِر ولو عَرَفتُ إسنادَهُ بالصِّحَّة قُلتُ به".
٢ - وقال في "كتاب الصِّيام" (٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢): "وقد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "أَفطَرَ الحَاجِمُ والمَحجُومُ"، ورُويَ عنهُ: أنَّهُ احتَجَمَ صائمًا. ولا أعلَمُ واحدًا منهما ثابتًا. ولو ثَبتَ واحدٌ منهُما عن النَّبيِّ ﷺ قُلتُ به؛ فكانت الحُجَّةُ في قَولِهِ".
٣ - وقَالَ الشَّافعيُّ مُوضِّحًا هذا الكلامَ في "كتاب اختلاف الحديث" (ص ١٩٠ - ١٩٢): "أخبَرَنا عبدُ الوَهَّاب بنُ عبد المَجِيد، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلابَةَ، عن أبي الأشعَثِ الصَّنعانِيِّ، عن شدَادِ بن أوسٍ، قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ زمانَ الفَتحِ، فرأَى رجُلًا يحتَجِمُ لثمانِ عشرَةَ خَلَت من رمضانَ، فقال - وهو آخذٌ بيدي -: "أَفطَر الحَاجِمُ والمحجُومُ".
- وقال أيضًا: - أخبَرَنا سُفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زِيادٍ، عن مِقسَمٍ،
стр. 394
عن ابن عبَّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ احتَجَمَ مُحرِمًا صائمًا.
- قال الشَّافعيُّ ﵀: وسَمَاعُ ابن أَوسٍ عن رسُول الله ﷺ عامَ الفَتحِ، ولم يَكُن يومئذٍ مُحرِمًا، ولَم يَصحَبهُ مُحرِمًا قبل حجَّة الإِسلامِ. فذَكَرَ ابنُ عبَّاسٍ حِجامَةَ النَّبيِّ ﷺ عام حَجَّة الإِسلامِ سنةَ عَشرٍ. وحديثُ: "أَفطَرَ الحاجِمُ والمَحجُومُ" في الفَتحِ سنةَ ثمانٍ، قبلَ حَجَّة الإسلامِ بسَنَتَين. فإن كانا ثابتين، فحديثُ ابن عبَّاسٍ ناسخٌ، وحديثُ إفطارِ الحاجِمِ والمَحجُومِ منسُوخٌ، وإسنادُ الحدِيثَينِ معًا مُشتَبِهٌ. وحديثُ ابن عبَّاسٍ أَمثَلُهُما إسنادًا".
٤ - وقال الشَّافعيُّ في كتاب "صلاة العيدين" (٢/ ٤٨٢): "أخبَرَنا إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ الله، عن عُمَر بن عبدِ العزيز، أنَّهُ كان لا يُجِيزُ في الفِطرِ إلَّا شاهِدَين.
- قال الشَّافعيُّ - رحمةُ اللهِ عليهِ -: - فإنِ شَهِدَ شاهدانِ في يومِ ثلاثِينَ أن الهلالَ كان بالأمسِ، أفطَرَ النَّاسُ أيَّ ساعةٍ عُدِّلَ الشَّاهدان، فإن عُدِّلا قبل الزَّوالِ صلَّى الإمامُ بالنَّاس صلاةَ العيدِ، وإن لم يُعدَّلا حتَّى تزُولَ الشَّمسُ لم يَكُن عليهم أن يُصَلُّوا يَومَهم بعد الزَّوال ولا الغَدِ؛ لأنَّه عملٌ في وقتٍ، فإذا جاوَزَ ذلكَ الوقتَ، لم يُعمَل في غيره.
فإن قال قائلٌ: ولِمَ لا يكُونُ النَّهارُ وقتًا له؟ قيلَ - إن شاء اللّهُ تعالى -: إنَّ رسُولَ اللّه ﷺ سَنَّ صلاةَ العِيدِ بعدَ طُلوعِ الشَّمشِ، وسَنَّ مواقيتَ الصَّلاة، وكان فيما سَنَّ دلالةٌ على أنَّهُ إذا جاء وقتُ صَلَاةٍ، مَضَى وقتُ التي قَبلَهَا، فلم يَجُز أن يكُونَ آخرُ وَقتِها إلَّا إلى وقت الظُّهرِ؛ لأنَّها صلاةٌ
стр. 395
تُجمَع فيها. ولو ثَبتَ أن رسولَ اللّه ﷺ خَرَجَ بالنَّاس من الغَدِ إلى عِيدِهِم، قلنا به. وقُلنا أيضًا: فإن لم يَخرُج بهم من الغَدِ خرَجَ بهم من بعد الغد، وقُلنَا: يُصلِّي في يَومِه بعد الزَّوال، إذا جَازَ أن يَزُولَ فيه، ثُمَّ يُصلِّي، جاز في هذه الأحوالِ كُلِّها. ولكنَّهُ لا يَثبُت عندنا. واللّهُ تعالى أعلَمُ".
٥ - وقال في كتابِ "الحَجِّ" (٣/ ٣٩٧): "أخبَرَنا سُفيانُ، عن هشامِ بن عُروَة، عن أبيه، قال: قالت لي عائشَةُ: هل تَستَثنِي إذا حَجَجتَ؟ فقلتُ لها: ماذا أقُولُ؟ فقالت: قُل: اللَّهُمَّ! الحَجَّ أردتُ، ولهُ عَمَدتُ، فإن يَسَّرتَ فهو الحَجُّ، وإن حَبَسَتَني بحابسٍ فهي عُمرَةٌ.
- قال الشَّافعيُّ: - ولو ثبَتَ حديثُ عُروَة عن النَّبيِّ ﷺ في الاستثناء لم أَعدُهُ إلى غيرِهِ، لأنَّهُ لا يَحِلُّ عندي خلافُ ما ثَبَتَ عن رسُول الله ﷺ ، وكانت الحُجَّةُ فيه أن يَكُونَ المُستثَنِي مُخالِفًا غَيرَ المُستَثنِي من مُحصَرٍ بعدُوٍّ أو مَرَضٍ، أو ذَهاب مالٍ، أو خَطَإِ عددٍ، أو تَوَانٍ. وكان إذا اشترَطَ فحُبِسَ بعدوٍّ، أو مَرَضٍ، أو ذَهاب مالٍ، أو ضَعفٍ عن البُلوغ، حَلَّ في المَوضِع الذي حُبِسَ فيه بلا هَديٍ ولا كفَّارةٍ غيره، وانصَرَفَ إلى بلاده ولا قَضَاء عليه، إلَّا أن يكُونَ لم يحجَّ حَجَّة الإسلام، فيَحُجَّها. وكانت الحُجَّةُ فيه أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَأمُر بشَرطٍ إلَّا أن يكُون على ما يَأمُر به. وكان حديثُ عُروَة عن عائشة يُوافِقُهُ في معنى: أنَّها أَمَرَت بالشَّرط. وكان وَجهُ أَمرِها بالشَّرط إن حُبِسَ عن الحَجِّ فهي عُمرَةٌ، أن يقُولَ: إن حَبَسَنِي حابسٌ عن الحَجِّ، ووجدتُ سبيلًا إلى الوُصُول إلى البَيت فهي
стр. 396
عُمرَةٌ. وكان موجُودًا في قولها: أنَّه لا قضاءَ، ولا كفَّارةَ عليه. واللّه أعلَمُ".
٦ - وقال في كتاب "الصَّيد والذَّبائَح" (٣/ ٥٩٤ - ٥٩٥): "وقد سُئِلَ ابنُ عبَّاس، فقال له قائلٌ: إنِّي أرمي فأُصمِي وأُنمِي؟ فقال لهُ: كُلْ ما أَصمَيتَ، ودعَ ما أَنمَيتَ.
- قال الشافعيُّ: - "ما أصميتَ": ما قَتَلَه الكَلبُ وأنتَ ترَاهُ، و"ما أنمَيتَ": ما غابَ عنكَ مَقتَلُهُ، فإنْ كان قد بَلَغَ وهُو يراه مثلَ ما وَصَفتُ من الذَّبح، ثُمَّ تردَّى فتوارى أَكَلَهُ، فأمَّا إنقاذُ المَقاتَل فقد يعيشُ بعد ما يَنفَذُ بعضُ المَقَاتِل، ولا يجُوزُ فيه عندي إلَّا هذا، إلَّا أن يكُونَ جاء عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ فإنِّي أتَوهَّمُهُ، فيَسقُطُ كلُّ شيءٍ خَالَف أمرَ النَّبيِّ ﷺ ولا يقُومُ معه رأيٌ ولا قياسٌ؛ فإنَّ الله قَطَعَ العُذرَ بقولِهِ ﷺ ".
٧ - وقال في كتاب "الأطعمة" (٣/ ٦٣٥ - ٦٣٦): "أخبَرَنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، أن رسُول الله ﷺ قال: "لا يَحلِبَنَّ أحدُكم مَاشِيَةَ أخيه بغَيرِ إذنِهِ، أَيُحبُّ أحدُكُم أن تُؤتَي مَشرَبتُهُ، فتُكسَرَ، فينتَقِلُ متاعُهُ؟ ".
وقد رُوِي حديثٌ لا يَثبُتُ مثلُهُ: "إذا دَخَلَ أحدُكُم الحائطَ، فليَأكُل ولا يَتَّخِذْ خُبنَةً".
- قال الشَّافعيُّ: - وما لا يَثبُتُ لا حُجَّةَ فيه. ولَبَنُ الماشية أولَى أن يكُونَ مُباحًا. فإن لم يَثبُت هكذا من ثَمَرِ الحائط، لأنَّ ذلك اللَّبنَ يُستخلَفُ في كلِّ يومٍ، والذي يَعرِفُ النَّاسُ أنَّهُم يبذُلُون منه ويُوجِبُون
стр. 397
مِن بَذلِهِ ما لا يَبذُلُون من الثَّمَر، ولو ثَبتَ عن النَّبيِّ ﷺ قُلنَا به، ولم نُخالِفُه".
٨ - وفي كتاب "البُيُوع" (١٤/ ١٤١ - ١٤٢): قال: نا الرَّبيعُ: قلتُ للشَّافعيِّ - رَحِمَةُ الله عليه -: إنَّ عليَّ بنَ مَعبَدٍ رَوَى لنا حديثًا عن أنسٍ، أن رسُول الله ﷺ أجازَ بَيعَ القَمحِ في سُنبُلِه إذا ابيَضَّ. فقال الشَّافعيُّ: "إنْ ثَبَتَ الحديثُ قُلنا به، فكان الخَاصُّ مُستخرَجًا من العَامِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيع الغَرَرِ، وَبَيعُ القَمحِ في سُنبُلِه غَرَرٌ؛ لأنَّهُ لا يُرَى، وكذلك بَيعُ الدَّارِ والأساسُ لا يُرَى، وكذلك بَيعُ الصُّبرَةِ بعضُهَا فوق بعضٍ، أَجَزنَا ذلك كما أجازَهُ النَّبيُّ ﷺ ، فكان هذا خاصًّا مُستَخرَجًا من عامٍّ، وكذلك نُجِيزُ بيعَ القَمحِ في سُنبُله إذا ابيضَّ، إن ثَبَتَ الحديثُ، كما أجَزنا بَيعَ الدَّار والصُّبرَةِ".
٩ - وفي كتاب "البُيُوع" أيضًا (٤/ ١٦٩): قال الشَّافعيُّ ﵀: "ولا بأسَ بالسَّلَف في الحَيَوان كُلِّه: في الرَّقيق، والماشية، والطَّيرِ، إذا كان تُضبَطُ صفَتُهُ، ولا يَختَلِفُ في الحين الذي يَحِلُّ فيه، وسواءٌ كان ممَّا يُستَحيَا، أو ممَّا لا يُستَحيَا، فإذا حلَّ من هذا شيءٌ، وهو من أيِّ شيءٍ ابتيع، لم يُجِز لصاحبِهِ أن يَبِيعَهُ قبل أن يَقبِضَهُ، ولا يَصِرفَهُ إلى غيره، ولكنَّه لا يجُوزُ له أن يُقِيلَ من أصل البَيعِ، ويأخذَ الثَّمَن.
ولا يَجُوزُ أن يبيع الرَّجلُ الشَّاة ويَستَثنِي شيئًا منها، جلدًا ولا غيرَهُ، في سَفَرٍ ولا حَضَرٍ، ولو كان الحديثُ ثَبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في السَّفَر أجَزناهُ في السَّفَر والحَضَر".
стр. 398
١٠ - وقال في كتاب "الصَّداق" (٦/ ١٧٤ - ١٧٦): "وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قضَى في بَرُوعَ بنتِ وَاشِقٍ، ونُكِحت بغير مَهرٍ، فمات عنها زوجُهَا، فقضَى لها بمهرِ نِسائِهَا، وقضَى لها بالميرَاثِ. فإن كان ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ فهو أَولَى الأُمُور بنا، ولا حُجَّة في قول أَحَدٍ دون النَّبيِّ ﷺ وَإِن كَثُرُوا، ولا في قياسٍ، فلا شيءَ في قوله إلَّا طاعةُ الله بالتَّسليم له. وإن كان لا يَثبُت عن النَّبيِّ ﷺ لم يَكُن لأحدٍ أن يُثبِتَ عنه ما لا يَثبُتُ، ولم أَحفَظهُ بَعدُ من وجهٍ يَثبُتُ مِثلُهُ، وهو مرَّةً يُقال: عن مَعقِل بن يَسَارٍ، ومرَّةً: عن مَعقِلِ بن سِنانَ، ومرَّةً: عن بعضِ أَشجَعَ لا يُسمَّى. وإن لم يَثبُت، فإذا ماتَ أو مَاتَت فلا مَهرَ لها، وله منها الميراثُ إن مَاتَت، ولها منه الميراثُ إن مات، ولا مُتعَةَ لها في الموت؛ لأنَّها غيرُ مُطَلَّقَةٍ، وإنَّما جُعِلت المتعةُ للمُطَلَّقَة".
١١ - وقال في كتاب "اختلاف عليٍّ وعبدِ الله بن مسعُودٍ" (٨/ ٤٤٩ - ٤٥٠): "أخبَرَنا شُعبةُ (١)، عن سَلَمَة بن كُهَيلٍ، قال: سمعتُ الشَّعبِيَّ يحدِّثُ، عن أبي الخَلِيل - أو: ابن الخليل -، أن ثلاثةَ نَفَرٍ اشتَرَكوا في طُهرٍ، فلم يُدرَ لمن الولَدُ، فاختَصَمُوا إلى عليٍّ ﵇، فأمَرَهُم أن يَقتَرِعُوا، وأمَر الذي أصابَتهُ القُرعَةُ أن يعطى للآخَرَين ثلثي الدِّيَّةِ. وليسُوا يقُولُون بهذا وهم يُثبتُون هذا عن عليٍّ ﵇، عن النَّبيِّ ﷺ ويُخالفونَه. والذي
стр. 399
يقُولُون هم ما يَثبُتُ عن النَّبيِّ ﷺ ، فلَيسَ لأحدٍ أن يُخالِفَهُ، ولو ثَبَتَ عندنا عن النَّبِيِّ ﷺ قُلنا به، ونحنُ نقُولُ: ندعُو القَافَةَ له، فإن ألحَقُوهُ بأحدِهِم فهو ابنُهُ، وإن ألحَقُوهُ بكُلِّهِم، أو لم يُلحِقُوه بأحدِهِم، فلا يكُونُ له، ويُوقَف حتَّى يَبلُغَ، فيَنتَسِبُ إلى أيِّهم شاءَ، ولا يكُونُ له أبوانِ في الإِسلامِ، وهم يقُولُون: هو ابنُهُم، يَرِثُهُم ويَرِثُونَه، وهو للبَاقِي منهم".
١٢ - وقال أيضًا في "اختلاف عليٍّ وابنِ مسعُودٍ" (٨/ ٤١٢): "أخبَرَنا عبَّادُ، عن عاصمٍ الأحوَلِ، عن قَزَعَةَ، عن عليٍّ ﵇ أنَّه صلَّى في زَلزَلَةٍ سِتَّ ركعاتٍ في أربع سجدَاتٍ، خمسَ ركعاتٍ وسجدتين في ركعَة، وركعةً وسجدتين في ركعَةٍ.
ولَسنا نقُولُ بهذا. نقُولُ: لا يُصلِّي بشيءٍ من الآيات إلَّا في كُسُوف الشَّمس والقَمَر، ولو ثَبَتَ في هذا الحديث عندنا عن عليٍّ ﵇ لقُلنا به، وهُم يُثبِتُونه ولا يأخذون به، ويقُولُون: يصلِّي ركعتين في الزَّلزَلة، في كلِّ ركعَةٍ ركعَةً.
وقال: أخبَرَنا هُشَيمٌ، عن يُونُسَ، عن الحَسَن، أن عليًّا ﵇ صلَّى في كُسُوف الشَّمس خمسَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ. ولَسنا ولا إيَّاهُم نقُولُ بهذا.
وأمَّا نحنُ فنقولُ بالذي رُوِّينا عن رسُول الله ﷺ : أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ. أخبَرَنا بذلك مالكٌ، عن يحيَى، عن عَمرَة، عن عائشَةَ، أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى في كُسُوفِ الشَّمس ركعَتَين وسجدَتَين، في كلِّ ركعةٍ ركعَتَين.
стр. 400
وقال: أخبَرَنا مالكٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ بمِثلِه.
وقال: أخبَرَنا مالكٌ، عن زَيد بن أسلَمَ، عن عطاء بن يَسارٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ بمِثلِه.
وقالُوا هُم: يُصلِّي رَكعَتين كما يُصلِّي سائرَ الصَّلَوات، ولا يَركَعُ في كلِّ ركعةٍ ركعتين، فخالَفُوا سُنَّة رسُول الله ﷺ ، وخَالَفوا ما رَووه عن عليٍّ ﵇.
١٣ - وقال في كتاب "سِيَر الأَوزَاعِيِّ" (٩/ ١٩٦) يرُدُّ على أبي يُوسُف صاحبِ أبي حنيفة ﵀: "احتَجَّ أبو يُوسُف أن النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ أبا عامِرٍ إلى أَوطَاسَ، فَغَنِمَ غَنائِمَ، فَلَم يُفَرِّق النَّبيُّ ﷺ بين مَن كَانَ مع أبي عامرٍ، وبَينَ مَن كان مُتخلِّفًا مع النَّبيِّ ﷺ عن أبي عامِرٍ. وهذا كما قال، ولَيسَ ممَّا قال الأَوزَاعِيُّ وخَالَفَه هو فيه بسَبِيلٍ؛ أبُو عامِرٍ كان في جيش النَّبيِّ ﷺ ومَعَهُ بحُنَينٍ، فبَعَثَهُ النَّبيُّ ﷺ في اتِّبَاعِهم. وهذا جيشٌ واحدٌ كلُّ فرقَةٍ مِنهُم رِدءٌ للأُخرَى، وإذا كان الجيشُ هكذا، فلو أصاب الجَيشُ شيئًا دُون السَّرِيَّةِ أو السَّريَّةُ شيئًا دون الجيشِ كانُوا فيه شُركاءَ؛ لأنَّهم جيشٌ واحدٌ، وبعضُهُم رِدءٌ لبعضٍ. وإن تفَرَّقوا، فسارُوا أيضًا في بلاد العَدُوِّ، فكذلك شَرِكَت كلُّ واحدةٍ من الطَّائفتَين الأُخرَى فيما أصابوا. فأمَّا جيشان مُفتَرِقَان، فلا يَرُدُّ واحدٌ منهما على صاحبِهِ شيئًا، وليسا بجيشٍ واحدٍ، ولا أحدُهُما رِدءٌ لصاحبِهِ مُقيمٌ له عليه. ولو جاز أن يَشرِكَ واحدٌ من هذين الجَيشَين الآخرَ كان أن يُشرِكَ أهلَ طَرَسُوسَ وعَيْنِ زَرْبَى مَن دَخَلَ بلادَ العدُوِّ؛ لأنَّهم قد يُعِينُونَهُم أو استُنفِرُوا إِلَيهِم
стр. 401
حينَ ينالونَ نُصرَتَهُم في أدنى بلاد الرُّوم. وإنَّما يَشتَرِكُ الجيشُ الواحدُ الدَّاخلُ واحدًا وإن تفرَّقَ في ميعاد اجتماعٍ في موضعٍ.
وأمَّا ما احتجَّ به من حديث مُجالِدٍ أن عُمَرَ كَتبَ: "فمن أتاك مِنهُم قبل تتفَقَّأ القتلَى فأَشرِكهُم في الغَنِيمَة"، فهذا غيرُ ثابتٍ عن عُمَر، ولو ثَبَتَ عنه كُنَّا أَسرَع إلى قَبُوله مِنهُ. وهو إن كان يُثبِتُهُ عنه فهو محجُوجٌ به، لأنَّهُ يُخَالِفُه، وهو يَزعُم … الخ".
وقال في كتاب "الرَّدِّ على مُحمَّد بن الحَسَن" (٩/ ١٤٠ - ١٤١): "أخبَرَنا ابنُ عُيَينَة، عن صدَقَةَ بن يَسارٍ، قال: أَرسَلنَا إلى سعيدِ بن المُسيَّب نسألُهُ عن دِيَةِ المُعَاهَد. فقال: قضَى فيه عُثمانُ بنُ عفَّانَ ﵁ بأربعةِ آلافٍ، قال: فقُلنا: فمَن قَتَلَه؟ قال: فحَصَبَنا.
- قال الشَّافعيُّ: - هم الذين سألُوهُ آخِرًا (١)، قال: سعيدُ بنُ المُسيَّب، عن عُمَر: مُنقطعٌ. قلنا: إنَّهُ لَيَزعُمُ أنَّهُ قد حَفِظ عنه، ثُمَّ تزعمُونَهُ أنتم خاصَّةً، وهو عن عُثمانَ غيرُ مُنقطِعٍ. قال: أَفَبِهَذا قلت؟ قُلتُ: نعم، وبغيره.
قال: فلِمَ قال أصحابُك: نصفُ دية المُسلِم؟ قلتُ: رُوِّينا عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يُقتَلُ مُسلَمٌ بكافرٍ، ودِيَتُهُ نصفُ دِيَةِ المسلِمِ"، فلم لا تأخُذ به أنتَ؟ قلتُ: لو كان ممَّن يَثبُت حديثُهُ لأَخَذنَا به، وما كان في أحدٍ مع رسُولِ الله ﷺ حُجَّةٌ. قُلنا: فيكُونُ لنا مِثلُ ما لهم؟ قال: نعم".
стр. 402
١٤ - وقال في كتاب "اختلاف الحَديث" (ص ١٥١ - ١٥٢): ويُستَحَبُّ له - يعنى: للرَّجُل إذا أَعطَى أولادَهُ عطيَّةً - أن يُسَوِّي بَينَهُم، لئلَّا يُقَصِّرُ واحدٌ مِنهُم في بِرِّهِ، فإنَّ القَرابَةَ تَنفَسُ بعضُها بعضًا ما لم تَنفَسِ البَعَادَةُ"، قال الرَّبيعُ: يريدُ البُعَدَاءَ.
وقد فضَّلَ أبو بكرٍ عائشةَ بنُحْلٍ.
وفضَّلَ عُمَرُ عاصِمَ بنَ عُمَرَ بشَيءٍ أعطاه إيَّاه.
وفضَّلَ عبدُ الرَّحمن بنُ عَوفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلثوم.
قال الشَّافِعِيُّ: "ولو اتصَّلَ حديثُ طَاوُوس أنَّه لا يَحِلُّ لواهبٍ أن يَرجِعَ فيما وَهَبَ إلَّا الوَالدَ فيما وَهَبَ لولده، لزَعَمتُ أن مَن وَهَبَ هِبَةً لمن يَستَثِيبُهُ مِثلَهُ أو لا يَستَثِيبُهُ وقُبِضَت الِهبَةُ، لم يكن للواهب أن يَرجِعَ في هِبَتِه، وإِن لم يُثِبهُ الموهُوبُ لهُ. واللهُ أعلمُ".
• قُلتُ: فهذه بعضُ المَوَاضِعِ التي ظَفَرتُ بها من كلام هذا الإِمامِ، وهي دالَّةٌ على أنَّهُ كان جديرًا بأن يلَقَّبَ: "ناصرَ الحديث" كما سمَّاهُ أهلُ مكةَ.
وكانَ الإمامُ أحمدُ يقُولُ: "كانت أُقضِيَاتُنا في أَيدِي أهلِ العِراقِ، فانتَزَعَهَا الشَّافِعِيُّ، فرَحمَةُ الله تَترَى عليه إلى يوم القيامة".
أمَّا شيخُنا الألبانيُّ ﵀ فلهُ بحثٌ مُمتِعٌ في الرَّدِّ على من يقُول: إنَّ الضَّعيفَ يُعمَلُ به عندَ المُحدِّثِين والأُصُولِيِّين في فضائلِ الأعمال.
قال شيخُنا في مُقدِّمَتِه على "صحيح الجامع الصَّغير":
"إنَّ كثيرًا من النَّاس يَفهَمُون مِن مِثلِ هذا الإطلاقِ، أن العَمَل
стр. 403
المَذكُورَ لا خِلافَ فيه عند العُلَماء. وليس كذلك، بل فيه خلافٌ معرُوفٌ، كما هو مبسُوطٌ في كُتب مُصطَلَحِ الحديث، مثلِ "قواعد التَّحديث" للعلَّامة الشَّيخ جمالِ الدِّين القَاسِمِي ﵀، فقد حَكَى فيه (ص: ١١٣) عن جماعةٍ من الأَئِمَّة أنَّهم لا يَرَونَ العَمَلَ بالحديثِ الضَّعيفِ مُطلقًا كابنِ مَعِينٍ، والبُخارِيِّ، ومُسلِمٍ، وأبي بَكرٍ بن العَرَبِيِّ الفقيهِ، وغيرِهم. ومِنهُم ابنُ حَزمٍ، فقال في "المِلَل والنِّحَل": "ما نَقَلَ أهلُ المَشرِقِ والمَغرِبِ، أو كافَّةٌ عن كافَّةٍ، أو ثِقَةٌ عن ثِقَةٍ، حتَّى يَبلُغ إلى النَّبيِّ ﷺ ، إلَّا أن في الطَّريق رَجُلًا مجرُوحًا بكَذِبٍ، أو غَفلَةٍ، أو مجهُولَ الحالِ، فهذا يقُولُ به بعضُ المُسلِمِين، ولا يحلَّ عِندَنَا القَولُ به ولا تَصدِيقُهُ، ولا الأَخذُ بشيءٍ منه".
قُلتُ: وقال الحافظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ في "شرح التِّرمذِيِّ" (ق ١١٢/ ٢): "وظاهرُ ما ذَكَرَه مُسلِمٌ في مُقدِّمَة كتابه - يعني: "الصَّحيحَ" يقتَضِى أنَّهُ لا تُروَى أحاديثُ التَّرغيب والتَّرهيبِ، إلَّا عمَّن تُروَى عنه الأحكَامُ".
قُلتُ: وهذا الذي أَدِينُ به، وأَدعُو النَّاسَ إليه، أن الحديثَ الضَّعيفَ لا يُعمَلُ به مُطلَقًا، لا في الفَضَائِل والمُستَحَبَّاتِ، ولا في غَيرِهما؛ ذلك لأنَّ الحديثَ الضَّعيفَ إنَّما يُفِيدُ الظَّنَّ المَرجُوحَ بلا خلافٍ أعرفُهُ بينَ العُلَماء، وإذا كان كذلك، فَكيف يُقالُ بجوازِ العَمَل به، واللهُ قد ذمَّهُ في غَيرِ ما آيةٍ من كتابِهِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]. وقال رسُولُ الله
стр. 404
- ﷺ : "إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديث". أخرَجَهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ.
واعلَم! أنّهُ ليسَ لَدَى المُخالِفِين لهذا القَولِ الذي اختَرتُهُ أيُّ دليلٍ من الكتاب والسُّنَّةِ. وقد انتَصَر لهم بعضُ العُلَماء المُتأخِّرين في كتابه "الأجوبَة الفَاضِلَة" في فَصلٍ عَقَدَهُ لهذه المسأَلَةِ (٣٦ - ٥٩). ومع ذلك، فإنَّهُ لم يَستَطِع أن يَذكُر لهم، ولا دليلًا واحدًا يَصلُح للحُجَّة! اللهُمَّ إلَّا بعض العِبارَات، نَقَلَها عن بَعضِهم لا تَنفَقُ في سُوقِ البَحثِ والنِّزاع، مع ما في بعضِها من تعارُضٍ، مثلُ قولِه (ص: ٤١) عن ابن الهُمَام: "الاستِحبَابُ يثبُتُ بالضَّعيفِ غيرِ الموضوعِ"! ثُمَّ نَقَلَ (ص: ٥٥ - ٥٦) عن المُحقِّقِ جلال الدين الدَّوَّانِيِّ أنَّهُ قال: "اتَّفَقُوا على أن الحديثَ الضَّعيفَ لا يَثبُتُ به الأحكامُ الخَمسَةُ الشَّرعيَّةُ، ومنها الاستحبابُ".
قُلتُ: وهذا هو الصَّوابُ؛ لما تقدَّمَ من النَّهي عن العَمَل بالظَّنِّ الذي يُفيدُهُ الحديثُ الضَّعيفُ. ويؤيِّده قولُ شَيخِ الإسلام ابن تَيمِيَةَ في "القاعدة الجليلة" (ص ٨٤ - المطبعة السَّلَفيَّة): "ولا يجُوزُ أن يَعتَمِدَ في الشَّريعة على الأَحادِيثِ الضَّعيفَةِ التي ليسَت صحيحةً ولا حسَنَةً. لكن أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ وغيرَهُ من العُلَماء، جَوَّزُوا أن يُروَى في فضائلِ الأعمال ما لم يُعلَمْ أنَّهُ ثابتٌ، إذا لم يُعلَم أنَّه كَذِبٌ، وذلك أن العَمَل إذا عُلِمَ أنَّه مشرُوعٌ بدليلٍ شرعيٍّ، ورُوِي في فَضلِهِ حديثٌ لا يُعلَمُ أنَّهُ كَذِبٌ، جازَ أن يَكونَ الثَّوابُ حقًّا، ولَم يَقُل أحدٌ من الأئمَّة أنَّه يجُوزُ أن يُجعَل الشَّيءُ واجبًا أو مُستحبًّا بحديثٍ ضعيفٍ، ومَن قال هذا فقد خَالَف الإِجماعَ".
стр. 405
ثمَّ قال (ص ٨٥): "وما كان أحمدُ بنُ حَنبَلٍ، ولا أمثالُهُ من الأئمَّةِ يَعتَمِدُون على مثلِ هذه الأحاديثِ في الشَّرِيعَةِ. ومن نَقَلَ عن أحمدَ أنَّهُ كان يَحتَجُّ بالحديثِ الضَّعيفِ الذي لَيسَ بصحيحٍ ولا حَسَنٍ، فقد غَلَطَ عليه … ".
وقال العلَّامَةُ أحمد شاكر في "الباعث الحثيث" (ص ١٥١): "وأمَّا ما قالَهُ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ وعبدُ الله بنُ المُبارَك: "إذا رَوَينَا في الحَلَالِ والحَرَام شَدَّدْنا، وإذا رَوَينَا في الفَضَائلِ ونَحوِهَا تَسَاهَلنا"، فإنَّما يُرِيدُون به - فيما أُرَجِّحُ، واللهُ أعلَمُ - أن التَّسَاهُلَ إنَّما هو في الأخذ بالحديثِ الحَسَن الذي لم يَصِل إلى درجَةِ الصِّحَّة، فإنَّ الاصطلاحَ في التَّفرقَة بينَ الصَّحيحِ والحَسَنِ، لم يَكُن في عَصرِهم مُستَقِرًّا واضحًا، بل كان أكثَرُ المُتقدِّمِين لا يَصِفُ الحديثَ إلَّا بالصِّحَّةِ أو بالضَّعفِ فقط".
قُلتُ: وعِندِي وجهٌ آخَرُ في ذلك، وهو أن يُحمَلَ تساهُلُهم المَذكُورُ على روايَتِهم إيَّاها مقرُونَةً بأسانِيدِها - كما هي عادَتُهُم - هذه الأسانيدُ التي بها يُمكِنُ معرفَةُ ضَعفِ أحادِيثِها، فيكُونُ ذِكرُ السَّنَد مُغنيًا عن التَّصريح بالضَّعف، وأمَّا أن يَروُوها بدُون أسانِيدِها، كما هي طريقَةُ الخَلَف. ودون بيان ضعفَها، كما هو صَنيعُ جُمهُورِهِم، فَهُم أجَلُّ وأتقَى لله مِن أن يَفعَلُوا ذلك. والله تعالى أعلَم".
ثم تكلَّم الشَّيخُ عن شُروط العمل بالحديث الضَّعيف، فقال:
وأَرَى لِزامًا عليَّ بهذِهِ المُناسَبَة، أن أُسجِّلَ هنا تِلكَ الشُّرُوطَ من مَصدَرٍ موثُوقٍ، ليُرَى مَبلَغَ بُعدِ النَّاس عن التِزامِهَا، الأمرُ الذي أدَّى بِهِم إلى
стр. 406
تَوسِيعِ دَائرة التَّشرِيعِ والتَّكليفِ بالأحاديثِ الوَاهِيَةِ والموضُوعَة.
قال الحافظُ السَّخاوِيُّ في "القَولُ البديعُ في الصَّلاةِ على الحبيب الشَّفيع" (ص ١٩٥ - طبع الهند): "سمعتُ شيخَنا مرارًا يقُولُ [يعنى: الحافظَ ابن حَجَرٍ العَسقَلانِيَّ، - وَكَتَبَهُ لي بخَطِّهِ - إنَّ شَرائطَ العَمَل بالضَّعيف ثلاثَةٌ:
الأوَّلُ: متَّفَقٌ عَلَيهِ أن يكُونَ الضَّعفُ غيرَ شديدٍ، فيخرُج مَن انفَرَدَ من الكذَّابين، والمُتَّهَمِين بالكَذِب، ومَن فَحُشَ غَلَطُهُ.
الثَّاني: أن يكُونَ مُندَرِجًا تحت أصلٍ عامٍّ، فيَخرُجُ ما يُختَرَعُ بحيثُ لا يكُونُ لهُ أصلٌ أصلًا.
الثَّالث: أن لا يُعتَقدُ عند العَمَل به ثُبوتَهُ، لئلَّا يُنسَب إلى النَّبيِّ ﷺ ما لم يَقُلهُ.
قالَ: والأخيرَان عن ابن عبدِ السَّلام، وعن صاحِبِه ابن دقِيقٍ العِيدِ.
والأوَّلُ نقَلَ العَلَائِيُّ الاتفاقَ عليه".
قُلتُ: وهذه شُروطٌ دقِيقَةٌ وهامَّةٌ جدًّا، لو التزَمَها العامِلُون بالأَحاديث الضَّعيفَةِ، لَكَانت النَّتيجَةُ أن تُضَيِّقَ دَائرةَ العَمَلِ بها أو تُلغَى من أصلِهَا. وبيانُهُ من ثلاثَةِ وجوهٍ:
أولًا: يدُلُّ الشَّرطُ الأوَّلُ على وُجوبِ معرِفَة حالِ الحديث الذي يُريدُ أحدُهُم أن يَعملَ به، لكي يتَجنَّبَ العملَ به إذا كان شَدِيدَ الضَّعفِ. وهذه المعرِفَةُ ممَّا يصعُبُ الوُقوفُ عليها مِن جَماهِيرِ النَّاس، وفي كُلِّ حديثِ ضعيفٍ يُريدُونَ العَمَل به، لقِلَّة العُلَماء بالحديث، لاسيَّما في
стр. 407
العَصر الحَاضِر، وأَعنِي بهم أهلَ التَّحقيق الذين لا يُحدِّثُونَ النَّاسَ إلَّا بما ثَبَتَ من الحديثِ عن رسُول الله ﷺ ، ويُنبِّهُونَهُم على الأحاديث الضَّعيفة، ويحذِّرُونَهم منها، بل إنَّ هؤُلاء هم أقلُّ من القَلِيلِ. فاللهُ المُستَعان.
من أجل ذَلك تَجدُ المُبتَلِينَ بالعَمَل بالأحاديث الضَّعيفَةِ، قد خالَفُوا هذا الشَّرطَ لمخالَفَةً صَرِيحَةً، فإنَّ أحدَهُم - ولو كان من أهل العِلمِ بغير الحديثِ - لا يكادُ يَقِفُ على حديثٍ في فضائل الأَعمَالِ، إلَّا ويُبَادِرُ بالعَمَلِ به دُونَ أن يَعرِف سلامَتَهُ من "الضَّعف الشَّديد" فإذا قُيِّضَ لَهُ من يُنَبِّهُهُ إلى ضَعفِهِ، رَكَنَ فورًا إلى هذه القَاعِدَة المزعُومَة عندهُم: "يُعمَل بالحديث الضَّعيفِ في فضائلِ الأعمال"، فإذا ذُكِّرَ بهذا الشَّرط، سَكَتَ ولم يَنبِس ببِنتِ شِفَةٍ!
ولا أُريدُ أن أذهبَ بعيدًا في ضَربِ الأَمثِلَةِ على ما قُلتُ، فهذا هو العلَّامَةُ أبُو الحَسَنَات اللَّكنَوِيُّ يَنقُلُ في كتابه السَّابق "الأجوبة" (ص:٣٧) عن العلَّامة الشَّيخِ على القَارِي أنَّه قال في حديثِ: "أَفضَلُ الأيَّامِ يومُ عَرَفَةَ إذا وَافَقَ يومَ الجُمُعَة، فهو أفضَلُ من سبعينَ حَجَّةً"، رواهُ رَزِينُ: "أمَّا ما ذكَرَهُ بعضُ المُحدِّثِين في إسنادِ هذا الحديثِ أنَّه ضعيفٌ، فعلَى تقديرِ صِحَّتِهِ (١) لا يضُرُّ المقصُودَ، فإنَّ الحديثَ الضَّعيفَ مُعتَبَرٌ في فضائلِ الأعمال" وأقرَّهُ اللَّكنَوِيُّ.
فتأمَّل أيُّها القارئُ الكريمُ، كيف أَخَلَّ هذان الفَاضِلَان بالشَّرط
стр. 408
المَذكُورِ، فإِنهَّما حتمًا لم يَقِفَا على إِسنادِ الحديثِ المَذكُورِ، وإلَّا لبيَّنَا حالَهُ، ولم يَسلُكَا في الجواب عنه طَرِيقَ الجدَل: "فعلى تَقدِيرِ صِحَّتِه"، أي: صِحَّة القَولِ بِضَعفِهِ! وأنَّى لهُما ذلك، والعلَّامةُ المُحَقِّقُ ابنُ القَيِّم قد قال عنه في "زاد المَعَاد" (١/ ١٧): "باطلٌ، لا أصلَ لهُ عن رسُول الله ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصَّحابَة والتَّابِعِين".
ونحوُ ذلك ما نَقَلَهُ الفاضلُ المذكُورُ (ص ٢٦) عن "شرح المَوَاهِب" للزُّرقَانِيِّ: "أخرَجَ الحاكمُ و … عن عليٍّ موقُوفًا: "إذا كتبتُمُ الحديثَ فاكتُبُوه بإسنادِهِ، فإن يَكُ حقًّا كُنتُم شُرَكاءَ في الأجر، وإن يَكُ باطلًا كان وِزرُهُ عليه" يعنى ولا وِزرَ على نَاقِلِه"، وهذا خلافُ ما عَلَيه أهلُ العلم أنَّهُ لا يجُوزُ روايةُ الحديثِ المَوضُوع إلَّا مع بيان وَضعِهِ، وكذلك الحديثِ الضَّعيفِ عِندَ أهل التَّحقيق مِنهُم كابنِ حِبَّان (١) وغيرِهِ، على ما بيَّنتُهُ في مُقدِّمة "سلسلة الأحاديث الضَّعيفة". وقد قال العلَّامَةُ أحمد محمد شاكر في "الباعث الحثيث" (ص: ١١٠) بعد أن ذكَر الشُّرُوطَ الثَّلاثةَ المُتقدِّمةَ: "والذي أَرَاهُ أن بَيَانَ الضَّعفِ في الحديثِ الضَّعيف وَاجبٌ في كلِّ حالٍ، لأنَّ تَركَ البَيَان يُوهِمُ المُطَّلَعَ عليه أنَّه حديثٌ صحيحٌ، خصُوصًا إذا كان النَّاقلُ له من عُلماءِ الحديثِ الذين يُرجَعُ إلى
стр. 409
قَولهِم في ذلك، وأنَّهُ لا فَرقَ بين الأَحكَام، وبينَ فَضائِل الأَعمَال ونَحوِها، في عدم الأَخذِ بالرِّوايَة الضَّعيفَة، بل لا حُجَّة لأحدٍ إلَّا بما صحَّ عن رسُول الله ﷺ ، من حديثٍ صحيحٍ أو حَسَنٍ".
قُلتُ: والخُلاصَةُ أن التزامَ هذا الشَّرط يؤدِّي عمليًّا إلى تَركِ العَمَلِ بما لم يَثبُت من الحديث، لصُعُوبَةِ معرِفَةِ الضَّعفِ الشَّدِيدِ على جماهير النَّاس، فهو في النَّتيجَةِ يَجعَلُ القَولَ بهذه الشُّروطِ يكادُ يَلتَقِي مع القَولِ الذي اختَرنَاهُ. وهو المُرادُ.
ثانيًا: أَنَّه يَلزَمُ من الشَّرط الثَّاني: "أن يكُونَ الحديثُ الضَّعيفُ مُندَرِجًا تحتَ أصلٍ عامٍّ … "، أن العَمَل في الحقيقَةِ ليس بالحديثِ الضَّعيف، وإنَّما بالأَصلِ العامِّ، والعَمَلُ به واردٌ، وُجِدَ الحديثُ الضَّعيفِ أو لم يُوجَد، ولا عَكسَ، أعنى العمَلَ بالحديثِ الضَّعيف إذا لم يُوجَد الأصلُ العامُّ.
فثبت أن العَمَلَ بالحديثِ الضعيفِ بهذا الشَّرط شَكِليٌّ، غيرُ حقِيقِيٍّ. وهو المُرادُ.
ثالثًا: أن الشَّرطَ الثَّالثَ يَلتَقِي مع الشَّرط الأوَّلِ في ضَرُورَة معرِفَةِ ضَعفِ الحديثِ، لكي لا يُعتَقَدَ ثُبُوتُهُ. وقد عَرفَتَ أن الجماهيرَ الذين يَعمَلُونَ في الفَضَائِل بالأَحَادِيث الضَّعيفة لا يَعرِفُون ضَعفَها. وهذا خلاف المُرَادِ.
وجُملةُ القَولِ أنَّنَا ننصَح إخوانَنَا المُسلِمينَ في مَشارِق الأرضِ ومَغَارِبِها أن يَدَعُوا العملَ بالأحاديثِ الضَّعِيفَةِ مُطلَقًا، وأن يوَجِّهُوا هِمَّتهُم إلى
стр. 410
العَمَلِ بما يَثبُت منها عن النَّبيِّ ﷺ ففيها ما يُغنِي عن الضَّعِيفَة، وفي ذلك مَنجَاةٌ من الوُقُوع في الكَذِبِ على رسُولِ الله ﷺ ؛ لأنَّنَا نَعرِفُ بالتَّجرِبَة، أن الذين يُخَالِفُون في هذا قد وَقَعُوا فيما ذَكَرنَا من الكَذِبِ، لأنَّهم يَعمَلُون بكُلِّ ما هبَّ ودَبَّ من الحديث، وقد أشارَ ﷺ إلى هذا بقوله: "كَفَى بالمَرءِ كَذِبًا أنْ يحدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع". رواهُ مُسلِمٌ في مقَدِّمة "صحيحه".
وعليه أقول: كَفَى بالمرء ضلالًا أن يَعمَلَ بكُلِّ ما سَمِع! " انتهَى كلامُ شيخِنَا - حفظه الله -.
стр. 411
١١٦ - سُئلتُ عن حديث: "كُلُّ مَا يَلهُو بِهِ الرَّجُلُ المُسلِمُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَميَهُ بِقَوسٍ، وَتَأدِيبَهُ فَرسهُ، وَمُلَاعَبَته أَهلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
وأقرَبُ الألفاظ إلى ما ذُكِر في السُّؤال، هو ما أخرَجَهُ أبُو عُبيدٍ في كتاب "الخيل" - كما في "الدُّرِّ المنثور" (٣/ ١٩٣) - عن أبي الشَّعثاء جابر بن زيدٍ مرفُوعًا فذَكَر نحوَهُ.
وسَنَدُه ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ.
ولكن له شواهدُ، منها: عن عُقبة بن عامرٍ ..
أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٥١٣)، والنَّسائيُّ (٦/ ٢٨، ٢٢٢ - ٢٢٣)، وأحمدُ (٤/ ١٤٦، ٢٢٢)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (١٠٦٢)، وآخرُون.
وسَنَدُه صالحٌ، كما حقَّقتُه في "غوث المَكدُود بتخريجِ مُنتقَى ابن الجارُود".
وشاهِدٌ آخرُ، عن جابر بن عبد الله الأنصاريِّ ﵄ ..
أخرَجَهُ إِسحاقُ بنُ رَاهَوَيْه في "مُسنَده" - كما في "نَصب الرَّاية" (٤/ ٢٧٤) -، والنَّسائيُّ في "عِشرة النِّساء"، - كما في "أطراف المِزِّيِّ" (٢/ ٤٠٤) -، والبَزَّارُ (١٧٠٤ - زوائده)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢/ رقم ١٧٨٥) مِن طريق أبي عبد الرَّحمن خالدِ بن يزيد، عن عبد الوهَّاب
стр. 412
ابن بُخْتٍ المكِّيِّ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: رأيتُ جابرَ بن عبد الله، وجابر بن عُميرٍ الأنصاريَّين يرميان، فمَلَّ أحدُهما، فقال الآخرُ: أَكَسَلتَ؟ قال: نَعَم! فقال أحدُهُما للآخر: أَمَا سَمِعت رسُول الله ﷺ يقولُ: "كُلُّ شيءٍ ليسَ مِن ذكرِ الله فهُو لهَوٌ ولعبٌ - وفي لفظٍ: فهو سَهوٌ ولَغوٌ -، إلَّا أربعةً: مُلاعَبةُ الرَّجل امرأتَه، وتأديبُ الرَّجل فَرَسَه، ومشيُ الرَّجل بين الغَرَضين، وتَعَلُّمُ الرَّجل السِّباحة".
قال الهَيثميُّ في "مجَمَع الزَّوائد" (٥/ ٢٦٩): "رجالُه رجالُ الصَّحيح، خَلَا عبدِ الوهَّاب بن بُخْتٍ، وهو ثقةٌ"، وهُو كما قالَ؛ ولذلك صحَّحَ إسنادَه الحافظُ في "الإصابة" (١/ ٣٣٩). واللهُ أعلَمُ.
وثمَّةَ شواهدُ أخرَى ضعيفةٌ، ذكرتُها في "غوث المكدود" (٣/ ٣١٤ - ٣١٧)، فراجِعهُ غيرَ مأمُورٍ.
стр. 413
١١٧ - سُئلتُ عن حديث: "اجْعَل بَينَ الأَذَانِ وَالإِقامَةِ نَفَسًا؛ حَتَّى يَنتَهِيَ الآكِلُ مِن أَكَلِهِ، وَالمُتَوَضِّئُ مِن وُضُوئِهِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجَهُ التِّرمذيُّ (١٩٥، ١٩٦)، وعَبدُ بن حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (١٠٠٨)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٦٤٩)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ١١١)، والسَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجَانَ" (ص ١٥٣ - ١٥٤)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (١٩٥٢)، والبَيهقيُّ (١/ ٤٢٨، و ٢/ ١٩)، والخطيبُ في "تلخيص المُتشابِه" (٥٧/ ١) من طريق عبدِ المُنعم بن نُعيمٍ صاحبِ السِّقَاءِ، قال: حدَّثَنا يحيَى بنُ مُسلِمٍ، عن الحَسَنِ، وعطاءٍ، عن جابرٍ، أن رسُول الله ﷺ قال لبلالٍ: "يا بِلالُ! إذَا أَذَّنتَ، فترَسَّل في أَذَانِك، وإِذَا أقَمتَ فاحدُر، واجعَل بينَ أذانِكَ … الخ".
قال التِّرمذيُّ: "حديثُ جابرٍ هذا، حديثٌ لا نَعرِفُه إلَّا مِن هذا الوَجه مِن حديث عبد المُنعِم، وهو إسنادٌ مجهولٌ" كذا قال!
ولا أدرِي، لِم قال: "مجهولٌ"! وعبدُ المُنعِم قال البُخاريُّ والعُقيليُّ: "مُنكَرُ الحديث".
ولم يتفَرَّد به، كما قال الترمذيّ.
فتابَعَهُ عمرُو بنُ فائدٍ الأَسْوَارِيُّ، ثنا يحيى بنُ مُسلِمٍ، بسَنَده سواءٌ.
стр. 414
أخرجَهُ الحاكمُ (١/ ٢٠٤) مِن طريق عبدِ المُنعم بن نُعيمٍ، ثنا عمرُو بنُ فائدٍ، ثنا يحيَى بن مُسلمٍ.
هكذا رَواهُ الحاكِمُ عن عبد المُنعِم نازلًا (١).
وعمرُو بنُ فائدٍ ترَكَهُ الدَّارَقُطنيُّ.
ويحيى بن مُسلِمٍ تَرَكَهُ النَّسَائِيُّ.
فالإسناد ضعيفٌ جدًّا.
ولَهُ شاهِدٌ مِن حديث أُبيِّ بن كعبٍ ..
أخرَجَهُ عبدُ الله بن أحمدَ في "زيادات المُسنَد" (٥/ ١٤٣) بسَنَدٍ فِيهِ مجَهولٌ، وضعيفٌ.
وآخرُ مِن حديثِ أبي هُريرة ..
عند البَيهقيِّ، وقال: "إسنادُهُ ليس بالمعرُوفِ".
وفي إسنادِه صُبَيحُ بن عُمَيرٍ السِّيْرَافِيُّ، قال الأزدِيُّ: "فيه لينٌ"، وقال الحافِظُ في "اللِّسان" (٤/ ١٨٣): "مجهولٌ"، فلا أدرِي، أَهذَا حُكمُ الحافظِ، أَم هو تمَامُ كلام الأزديِّ، مع أنَّهُ يلُوحُ لي الاحتمالُ الثَّانِي بدلالة السِّياق.
ونَقَلَ الحافِظُ حُكمَ البَيهقيِّ السَّابقَ، وقالَ: "وَأَشَارَ إلى أن صُبَيحًا مجهولٌ".
واللهُ أعلَمُ.
стр. 415
١١٨ - سُئلتُ عن حديثٍ: رواه مُسلِمٌ في "صحيحه" عن أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا، أَقَامَ عِندَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ لَهَا: "إِنَّهُ لَيسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهلِكِ، إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ، وَإِن سَبَّعتُ لَكِ سَبَّعتُ لِنِسَائِي".
وقال السَّائلُ: إنَّه قرأ لبعض الباحثين أن العُلماء تكلَّمُوا في هذا الحديث. وذكر أَنَّهُ مُحتاجٌ للفَصل فيه، لا سيَّما وقد صادَفَهُ في دراسته، وَيرجُو أن نشفيه بالكلام عنه.
• قلتُ: نعم!
فقد اختُلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، لكنَّهُ لا يُؤثِّر على صِحَّة الحديث.
والاختلاف عند العُلماء نوعان: اختلاف تنوُّعٍ، وهو لا يَضُرُّ الحديثَ، واختلاف تضادٍّ، وهو يُؤثِّر على صِحَّة الحديث، إلَّا مع التَّرجيح، فيُقدَّم الرَّاجحُ على المرجوحِ، وينتَفِي الاضطرابُ. وأغلَبُ الأحاديث المُختَلَفِ فيها في أحد "الصَّحيحين" هو مِن النَّوع الأوَّل.
أمَّا الحديثُ المسئُولُ عنه:
فأخرجه مُسلِمٌ (١٤٦٠/ ٤١)، والبُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ٤٧)، وأبو داوُد (٢١٢٢)، والنَّسَائيُّ في "الكُبرَى"
стр. 416
(٥/ ٢٩٣)، وابنُ ماجَة (١٩١٧)، والدَّارِميُّ (٢/ ٦٨)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٨/ ٩٤)، وابنُ حِبَّانَ (٤٢١٠)، والطَّحاوِيُّ في "شرح المعاني" (٣/ ٢٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٥٩٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١٧/ ٢٤٥)، والبيهقيُّ (٧/ ٣٠١)، وأبو نُعيمٍ في "الحلية" (٧/ ٩٥) من طُرُقٍ عن يحيى بن سعيدٍ القَطَّان، ثنا سُفيان الثَّوريُّ، عن مُحمَّد بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمَة فذَكَرَتهُ.
قال أبو نُعيمٍ: "لم يَروِهِ عن الثَّوريِّ مُجوَّدًا، إلَّا يحيى بن سعيد".
وخالَفَهُ عبدُ الرَّزَّاق ..
فأخرجه في "مُصنَّفه" (٦/ ٢٣٦)، ومن طريقه الطَّبَرانيُّ في "المُعجَم الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٥٩١) عن الثَّوريِّ، عن مُحمَّدِ بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الملِك، عن أبيه، قال: مَكَثَ رسُول الله ﷺ عِند أُمِّ سَلَمة ثلاثًا … وذكرَهُ بنحوِهِ، هكذا مُرسَلًا.
وهو محمُولٌ على أن أبا بكرٍ بنَ عبد الرَّحمن أخذه مِن أُمِّ سَلَمة، كما تقدَّم.
ومِمَّا يُرجِّحُ رواية يحيى القَطَّان، أن يعلَى بنَ عُبيدٍ رَوَى هذا الحديثَ، عن مُحمَّدِ بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمة، مِثلَ رواية الثَّوريِّ.
أخرجَهُ ابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (٤/ ٢٧٧) عن يَعلَى.
وقد خُولِف مُحمَّدُ بنُ أبي بكرٍ فيه.
стр. 417
خالفَهُ عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، فرواه عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ، قال: تَزَوَّج رسُول الله ﷺ أُمَّ سَلَمة في شوالَ … وساق الحديث.
ورَوَاهُ عن عبد الله بن أبي بكرٍ هكذا: مُحمَّدُ بنُ إسحاق بن يَسارٍ.
أخرجَهُ الدَّارَقُطنيُّ (٣/ ٢٨٣).
وتُوبِع ابنُ إسحاقَ عليه هكذا، فتابعه سُفيانُ بن عُيَيْنة، مثلَهُ سواءٌ.
أخرجه سعيدُ بن مَنصُورٍ في "سُنَنه" (٧٧٦)، والطَّحاوِيُّ في "شرح المعاني" (٣/ ٢٨).
وتابَعَهُ سُفيان الثَّوريُّ، فرواه عن عبد الله بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك مثلَهُ سواء.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ" (١/ ١/ ٤٧)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩٢ - ٩٣) مِن طريق وكيع بن الجرَّاح، ثنا الثَّورِيُّ به.
وخالَفَهُ يحيى القَطَّانُ، كما مرَّ ذِكرُهُ.
وتابعه أيضًا مالكٌ، فرواه عن عبد الله بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك به.
أخرجه مُسلِمٌ، والبُخاريُّ في "التَّاريخ" (١/ ١/ ٤٧) من طريق يحيى بن يحيى، وإسماعيلَ بن أبي أُويسٍ، كلاهُما عن مالكٍ.
قال البُخاريُّ: "وهذا هو الصَّحيح".
• قُلْتُ: لَعلَّهُ يعني مِن رِواية مالكٍ. وفيه نَظَرٌ يأتِي بيانُه، إن شاء الله تعالى.
فقد خالَفَهُما يحيى بنُ يحيى اللَّيثِيُّ، وابنُ وهبٍ، والقَعْنَبيُّ، ومَعنُ بنُ عيسى، والواقِدِيُّ فرَوَوْهُ عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ، عن أبيه فذكرَهُ مُرسَلًا.
стр. 418
أخرَجَهُ مالك في "المُوطَّأ" (٢/ ٥٢٩/ ١٤)، والشَّافعيُّ (٢/ ٢٦)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩٢)، والطَّحاوِيُّ في "الشَّرح" (٣/ ٢٨ - ٢٩)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٣٠٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٩/ ١٥٥).
وقد تُوبِعَ مالكٌ على هذا الوجه.
فتابعه ابنُ عيَينةَ، فرواه عن عبد الله بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك، عن أبيه مُرسَلًا.
أخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٦/ ٢٣٦) عن ابن عُيينةَ.
وخالَفَهُ سعيدُ بن مَنصُورٍ وغيرُه، عن ابن عُيَيْنة، كما تقدَّم.
وخالَفَ كلَّ أصحاب مالكٍ المُتقدِّم ذكرُهم: الوَاقِديُّ فرَوَاهُ عن مالكٍ، عن عبد الله بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمة فذَكَره موصُولًا.
أخرجَهُ الدَّارَقُطنيُّ (٣/ ٢٨٤).
والواقِدِيُّ مترُوكٌ.
والصَّحيحُ في رواية مالكٍ: الإرسالُ.
وقد تُوبِع عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ على إرسالِهِ.
فتابَعَهُ عبدُ الرَّحمن بنُ حُميدٍ، فرواه عن عبد الملِك، عن أبيه مُرسَلًا.
أخرجَهُ مُسلِمٌ (١٤٦٠/ ٤٢)، والبُخاريُّ في "التَّاريخ" (١/ ١/ ٤٧ - ٤٨)، والبَيهَقيُّ (٧/ ٣٠٠ - ٣٠١).
ورواه عن عبد الرَّحمن بن حُميدٍ هكذا: أبو ضَمرةَ أنسُ بن عياضٍ، وسُليمانُ بنُ بِلالٍ، وعبدُ العزيز بنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ.
стр. 419
وخالَفَهُم الفُضيلُ بنُ سُليمان، فرواه عن عبد الرَّحمن بن حُميدٍ، عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ، عن أُمِّ سَلَمة نحوَهُ.
أخرجَهُ الدَّارَقُطنيُّ (٣/ ٢٨٣).
ورِوَايَةُ الجَمَاعة أَرجَحُ؛ وفُضيلُ بنُ سُليمان ليس بِالقويِّ.
ونَظَرَ الدَّارقُطنِيُّ في هذا الاختلاف، فقال في كتاب "التَّتَبُّع" (ص ٣٦٣ - ٣٦٤): "وأخرج مُسلِمٌ مِن حديث الثَّوريِّ، عن مُحمَّد بن أبي بكرٍ، عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أُّمِّ سلَمَة مُتَّصلًا: "إِن شِئتِ سَبَّعتُ لك". وحديثَ حفصِ بن غِيَاثٍ، عن عبد الواحد بن أيمنَ، عن أبي بكرٍ، عن أُمِّ سَلَمة مُتَّصلًا. وقد أرسَلَهُ عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، وعبدُ الرَّحمن بنُ حُميدٍ، عن عبد الملِك بن أبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ مُرسَلًا. قاله سليمان بن بلالٍ، وأبُو ضَمرة، عن عبد الرَّحمن بن حُميدٍ" انتهى.
فتعقَّبَهُ النَّوويُّ في "شرح مُسلِمٍ" (١٠/ ٤٣)، بقوله: "وهذا الذي ذَكَرَه الدَّارَقُطنيُّ من استدراكه على مُسلِمٍ فاسدٌ!! لأنَّ مُسلِمًا ﵀ قد بيَّن اختلاف الرُّواةِ في وَصلِهِ وإرسالِهِ. ومذهبُه ومَذهَبُ الفُقهاء والأُصولِيِّين ومُحقِّقِي المُحدِّثين، أن الحديث إذا رُوِي مُتَّصِلًا ومُرسَلًا حُكم بالاتِّصال، ووَجَب العَمَلُ به؛ لأنَّها زيادةٌ من ثقةٍ، وهي مقبولةٌ عند الجماهير، فلا، يصحُّ استدراكُ الدَّارَقُطنيُّ. والله أعلم" ا. هـ.
• قلتُ: أمَّا الحديثُ الموصولُ، فصحيحٌ لِمَا يأتِي، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 420
وأمَّا قولُه "بأنَّ مَذهَب مُسلِمٍ ومُحقِّقي المُحدِّثين أنَّه إذَا تعارض الوصلُ والإرسالُ، يُقدَّمُ الوَصلُ؛ لأنَّ زيادة الثِّقة مقبولةٌ" فغيرُ صحيحٍ.
والمُحَدِّثون - ومُسلِمٌ من أئمتهم - يحكُمُون بالوصل أو الإرسال بحسب ثِقةِ الرُّواة، وضبطهم، وكثرَتِهم، ونحو ذلك. وَمَن نَظَرَ إِلَى "كتاب التَّميِيز" للإمام مُسلِمٍ عَلِمَ صِحَّة ما أقولُ. وكذلك النَّاظِرُ إلى كُتُب العِلَل، مثل "علل أحمدَ"، و "علل ابن أبي حاتمٍ"، و "علل الدَّارَقُطنيِّ"، عَلِمَ أن المُحدِّثين لا يَقبَلون زيادةَ الثِّقة بإطلاقٍ، وكَم من أحاديثَ ردُّوها لأكابرِ المُحدِّثين والرُّواة؛ لأنَّهُم تفرَّدُوا بها، ولَو كانت زيادةُ الثِّقَةَ تُقبَل بإطلاقٍ لَانْتَفَى القولُ بوُجُود الشُّذُوذ.
وإِنِّي سَأُوقِفُكَ على مثالٍ عجيبٍ خالف فيه النَّووِيُّ مذهبَه هنا.
فقد أخرَجَ مُسلِمٌ (٤٠٤/ ٦٣) حديثًا لأبي مُوسَى الأشعريِّ في صِفة صلاة النَّبيِّ ﷺ ، وأَشَارَ عقِبَه إلى قَولِ النَّبيِّ ﷺ : "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا"، فأعلَّ الدَّارقُطنيُّ في "التَّتَبُّع" (ص ٢٣٩ - ٢٤٠) هذه الزِّيادة بقوله: "قد خالَفَ التَّيميَّ جماعةٌ، مِنهُم: هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وشُعبةُ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبة، وأبانُ بنُ يزيدَ، وهمَّامُ بنُ يحيى، وأبُو عَوَانة، ومَعمرٌ، وعَدِيُّ بنُ أبي عُمارة، رَوَوهُ عن قَتادةَ، ولَم يَقُل واحدٌ مِنهُم: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا"، - قال: - وفي اجتماع أصحاب قَتادة على خِلاف التَّيمِيِّ دليل على وهمِهِ".
وكان المُنتَظَرُ مِنَ النَّوويِّ أن يَرُدَّ إِعلالَ الدَّارَقُطنيِّ، لِسَبَبَينِ:
стр. 421
الأوَّل: أن مذهَبَهُ أن زيادة الثِّقة مقبُولَةٌ.
والثاني: أن أبا بكرٍ ابنَ أخت أبي النَّضر كَلَّم مُسلِمًا في هذا الحديثِ، وما يُثارُ حولَهُ مِن كلامٍ، فقال له أبو بكرٍ: "هو صحيحٌ - يعني: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا" -؟ "، فقال - يعني: مسلمًا -: "هُو عِندي صحيحٌ"، فقال: "لِمَ لَمْ تَضَعهُ هاهنا؟ "، قال: "لَيسَ كُلُّ شيءٍ عندي صحيحٌ وضعتُهُ هاهنا، إنَّمَا وضعتُ هاهنا ما أَجمَعوا عليه".
فأنت ترَى أن مُسلِمًا صحَّحَ هذا اللَّفظَ نصًّا، فهذا كافٍ في أن يَرُدَّ النَّووِيُّ قولَ الدَّارقُطنيِّ، ولكنَّهُ لم يفعل، فقال في "شرح مُسلِمٍ" (٤/ ١٢٣): "وَاعلَم، أَنَّ هذه الزِّيادة مِمَّا اختَلَف الحُفَّاظُ في صِحَّتها، فرَوَى البَيهقيُّ في "السُّنَن الكُبرَى"، عن أبي داوُد السِّجِستَانيِّ، أن هذه اللَّفظَةَ ليستَ بمحفُوظَةٍ، وكذلِكَ رواه عن يَحيَى بن مَعِينٍ، وأبي حاتمٍ الرَّازِيِّ، والدَّارَقُطنيِّ، والحافظِ أبي عليٍّ النَّيسابُوريِّ شيخٍ الحاكم أبي عبد الله. قال البَيهقِيُّ: "قال أبُو عليٍّ الحافظُ: هذه اللّفظةُ غيرُ محفوظَةٍ، قَد خالَف سُليمانُ التَّيميُّ فيها جميعَ أصحاب قَتَادةَ. واجتِمَاعُ هؤُلاء الحُفَّاظ على تضعيفِهَا مُقدَّمٌ على تَصحيحِ مُسلِمٍ، لاسِيَّما ولَم يَروِها مُسنَدةً في "صحيحه". واللهُ أعلمُ" ا. هـ.
هذا، مع أن مُسلِمًا لم يتفرَّد بتصحيحها، فقَد صحَّحها الإمامُ أحمدُ، والطَّبَريُّ، وابنُ المُنذِر، وأكثر المُتأخِّرين.
وإِنَّما اشتدَّ نَفَسُ النَّوويِّ هُنا؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على خلاف المذهب. واللهُ أعلَمُ.
стр. 422
والحاصِلُ أن القولَ بأنَّ زِيادة الثِّقة مقبولَةٌ بإطلاق لا يقولُهُ مُمارسٌ للحديث، وإنَّما يقولُ بِهِ مَن لم يتمَهَّر في الحديث، مثلُ سائر الفُقهاء الذين دَرَسُوا الحديثَ ليَخدُمَهم في الفقه، ولم يُمعِنُوا في دراسة الحديث، حتَّى تصيرَ لهُم المَلَكَة الخاصَّةُ فيه.
عَودٌ على بَدءٍ.
فلعلَّ الدَّارقُطنِيَّ في كلامه السَّابق حَكَمَ حُكمًا جُزئِيًا على بعض طُرُقه، وليس عليه كُلِّه. واللهُ أعلَمُ.
وممَّا يُؤكِّدُ صِحَّةَ الموصول: ما رواه حفصُ بنُ غِيَاثٍ، ومَرْوانُ بنُ مُعاويةَ الفَزَاريُّ، كلاهُما عن عبدِ الواحد بن أيمنَ، عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سَلَمَة به.
أخرجه مُسلِمٌ، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٤٩٩، ٥٨٧)، والبَيهقيُّ (٧/ ٣٠١).
وخَالَفَهُما الفَضلُ بنُ دُكينٍ، ومُحمَّدُ بنُ عبد الله الأَسَدِيُّ، فرَوَيَاهُ عن عبد الواحد بن أيمنَ، حدَّثَني أبو بكرٍ بنُ الحارث، أن النَّبيَّ ﷺ قال لأُمِّ سَلَمة … فذَكَرَه بنحوِه.
أخرجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ" (١/ ١/ ٤٧ - ٤٨)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩١).
وله طريقٌ آخر.
يرويه ابنُ جُريجٍ، قال: أَخبَرَني حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، أن عبدَ الحميد بنَ عبد الله بن أبي عمرٍو، والقاسمَ بنَ مُحمَّدِ بن عبد الرَّحمن أخبَرَاه،
стр. 423
عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سَلَمَة فذَكَره بنحوِه.
أخرجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٥/ ٢٩٣)، والبُخاريُّ في "الكبير" (١/ ١ / ٤٧)، وأحمدُ (٦/ ٣٠٧، ٣٠٨)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩٣ - ٩٤)، وعبدُ الرَّزَّاق (٦/ ٢٣٥)، والطَّحاوِيُّ في "الشَّرح" (٣/ ٢٩)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٥٨٥)، والبَيهقيُّ (٧/ ٣٠١).
ورواه عن ابن جُريجٍ هكذا: هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعورُ، ورَوحُ بنُ عُبادةَ، وعبدُ الرَّزَّاق، ويحيى بنُ سعيدٍ الأُموِيُّ.
وخالَفَهُم سُفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، فرواه عن ابن جُريجٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سلَمَة به.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ (٥٨٦).
ورِوَايَةُ الجماعة، عن ابن جُريجٍ أرجَحُ.
وخُولِفَ ابن جُريجٍ.
خالَفَهُ أبُو حيَّانَ التَّيميُّ، فرَوَاهُ عن حبيبٍ، قال: قالت أُمُّ سَلَمَة فذَكَرَه.
أخرجَهُ ابن سعدٍ (٨/ ٩٠).
وهي روايةٌ معضلةٌ.
ورَوَاهُ حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن ابن عُمَر بن أبي سَلَمَة، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمة نحوه.
أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ٢٩٥)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٨٩، ٩٠)، والطَّبَرانيُّ
стр. 424
(ج ٢٣/ رقم ٥٠٦)، وابنُ عبد البَرِّ (١٧/ ٢٤٤)، والطَّحاوِيُّ (٣/ ٢٩).
ورواه عن حَمَّادٍ: عَفَّانُ بن مُسلِمٍ، ويزيدُ بن هارون، وأبُو عُمَر الضَّريرُ.
وحاصِلُ البحثِ، أن الحديثَ صحيحٌ موصولًا.
والمقامُ يحتَمِلُ البَسطَ، وفيما ذكرتُهُ كفايةٌ.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
١١٩ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يَدخُلُ أَحَدٌ الجَنَّة، إِلَّا بِجَوَازِ مُرُورٍ"، قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُوَ؟ "، قَالَ: "بِسمِ اللهِ الرَّحمَن الرَّحِيمِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٣٨)، وابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (١١٩١)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٦١٩١)، وفي "الأوسط" (٢٩٨٧)، وتَمَّامٌ الرَّازيُّ في "الفوائد" (١٧٧٠ - ترتيبه)، وأبُو يَعلَى الخَليليُّ في "الإرشاد" (١/ ٤٢٣)، والخطيبُ في "تاريخه" (٥/ ٤ - ٥، و ٧/ ٩٥)، وابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (١٥٤٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيِّ، نا عبدُ الرَّزَّاق، عن الثَّوريِّ، عن عبد الرَّحمن بن زياد بن أنعُمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن سَلمانَ الفارسيِّ مرفُوعًا: "لَا يَدخلُ أحدٌ الجنَّةَ، إلَّا بجوازِ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا كتابٌ مِن ربِّ العالمين، لفُلان بن فُلان، أَدخِلُوه جنَّةً عاليةً، قُطوفُها دانيةٌ".
وأورَدَهُ ابنُ عديٍّ في ترجمة "الدَّبَريِّ"، إشارةً منه إلى أنه علَّةُ الحديث.
وقد قال الخَليليُّ: "تَفرَّدَ به عبدُ الرَّزَّاق، عن الثَّوريِّ. والدَّبَريُّ به مشهورٌ".