← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الأوَّل: أن مذهَبَهُ أن زيادة الثِّقة مقبُولَةٌ. والثاني: أن أبا بكرٍ ابنَ أخت أبي النَّضر كَلَّم مُسلِمًا في هذا الحديثِ، وما يُثارُ حولَهُ مِن كلامٍ، فقال له أبو بكرٍ: "هو صحيحٌ - يعني: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا" -؟ "، فقال - يعني: مسلمًا -: "هُو عِندي صحيحٌ"، فقال: "لِمَ لَمْ تَضَعهُ هاهنا؟ "، قال: "لَيسَ كُلُّ شيءٍ عندي صحيحٌ وضعتُهُ هاهنا، إنَّمَا وضعتُ هاهنا ما أَجمَعوا عليه". فأنت ترَى أن مُسلِمًا صحَّحَ هذا اللَّفظَ نصًّا، فهذا كافٍ في أن يَرُدَّ النَّووِيُّ قولَ الدَّارقُطنيِّ، ولكنَّهُ لم يفعل، فقال في "شرح مُسلِمٍ" (٤/ ١٢٣): "وَاعلَم، أَنَّ هذه الزِّيادة مِمَّا اختَلَف الحُفَّاظُ في صِحَّتها، فرَوَى البَيهقيُّ في "السُّنَن الكُبرَى"، عن أبي داوُد السِّجِستَانيِّ، أن هذه اللَّفظَةَ ليستَ بمحفُوظَةٍ، وكذلِكَ رواه عن يَحيَى بن مَعِينٍ، وأبي حاتمٍ الرَّازِيِّ، والدَّارَقُطنيِّ، والحافظِ أبي عليٍّ النَّيسابُوريِّ شيخٍ الحاكم أبي عبد الله. قال البَيهقِيُّ: "قال أبُو عليٍّ الحافظُ: هذه اللّفظةُ غيرُ محفوظَةٍ، قَد خالَف سُليمانُ التَّيميُّ فيها جميعَ أصحاب قَتَادةَ. واجتِمَاعُ هؤُلاء الحُفَّاظ على تضعيفِهَا مُقدَّمٌ على تَصحيحِ مُسلِمٍ، لاسِيَّما ولَم يَروِها مُسنَدةً في "صحيحه". واللهُ أعلمُ" ا. هـ. هذا، مع أن مُسلِمًا لم يتفرَّد بتصحيحها، فقَد صحَّحها الإمامُ أحمدُ، والطَّبَريُّ، وابنُ المُنذِر، وأكثر المُتأخِّرين. وإِنَّما اشتدَّ نَفَسُ النَّوويِّ هُنا؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على خلاف المذهب. واللهُ أعلَمُ.

стр. 422

والحاصِلُ أن القولَ بأنَّ زِيادة الثِّقة مقبولَةٌ بإطلاق لا يقولُهُ مُمارسٌ للحديث، وإنَّما يقولُ بِهِ مَن لم يتمَهَّر في الحديث، مثلُ سائر الفُقهاء الذين دَرَسُوا الحديثَ ليَخدُمَهم في الفقه، ولم يُمعِنُوا في دراسة الحديث، حتَّى تصيرَ لهُم المَلَكَة الخاصَّةُ فيه. عَودٌ على بَدءٍ. فلعلَّ الدَّارقُطنِيَّ في كلامه السَّابق حَكَمَ حُكمًا جُزئِيًا على بعض طُرُقه، وليس عليه كُلِّه. واللهُ أعلَمُ. وممَّا يُؤكِّدُ صِحَّةَ الموصول: ما رواه حفصُ بنُ غِيَاثٍ، ومَرْوانُ بنُ مُعاويةَ الفَزَاريُّ، كلاهُما عن عبدِ الواحد بن أيمنَ، عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سَلَمَة به. أخرجه مُسلِمٌ، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٤٩٩، ٥٨٧)، والبَيهقيُّ (٧/ ٣٠١). وخَالَفَهُما الفَضلُ بنُ دُكينٍ، ومُحمَّدُ بنُ عبد الله الأَسَدِيُّ، فرَوَيَاهُ عن عبد الواحد بن أيمنَ، حدَّثَني أبو بكرٍ بنُ الحارث، أن النَّبيَّ ﷺ قال لأُمِّ سَلَمة … فذَكَرَه بنحوِه. أخرجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ" (١/ ١/ ٤٧ - ٤٨)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩١). وله طريقٌ آخر. يرويه ابنُ جُريجٍ، قال: أَخبَرَني حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، أن عبدَ الحميد بنَ عبد الله بن أبي عمرٍو، والقاسمَ بنَ مُحمَّدِ بن عبد الرَّحمن أخبَرَاه،

стр. 423

عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سَلَمَة فذَكَره بنحوِه. أخرجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٥/ ٢٩٣)، والبُخاريُّ في "الكبير" (١/ ١ / ٤٧)، وأحمدُ (٦/ ٣٠٧، ٣٠٨)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٩٣ - ٩٤)، وعبدُ الرَّزَّاق (٦/ ٢٣٥)، والطَّحاوِيُّ في "الشَّرح" (٣/ ٢٩)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٥٨٥)، والبَيهقيُّ (٧/ ٣٠١). ورواه عن ابن جُريجٍ هكذا: هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعورُ، ورَوحُ بنُ عُبادةَ، وعبدُ الرَّزَّاق، ويحيى بنُ سعيدٍ الأُموِيُّ. وخالَفَهُم سُفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، فرواه عن ابن جُريجٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، عن أُمِّ سلَمَة به. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ (٥٨٦). ورِوَايَةُ الجماعة، عن ابن جُريجٍ أرجَحُ. وخُولِفَ ابن جُريجٍ. خالَفَهُ أبُو حيَّانَ التَّيميُّ، فرَوَاهُ عن حبيبٍ، قال: قالت أُمُّ سَلَمَة فذَكَرَه. أخرجَهُ ابن سعدٍ (٨/ ٩٠). وهي روايةٌ معضلةٌ. ورَوَاهُ حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن ابن عُمَر بن أبي سَلَمَة، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمة نحوه. أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ٢٩٥)، وابنُ سعدٍ (٨/ ٨٩، ٩٠)، والطَّبَرانيُّ

стр. 424

(ج ٢٣/ رقم ٥٠٦)، وابنُ عبد البَرِّ (١٧/ ٢٤٤)، والطَّحاوِيُّ (٣/ ٢٩). ورواه عن حَمَّادٍ: عَفَّانُ بن مُسلِمٍ، ويزيدُ بن هارون، وأبُو عُمَر الضَّريرُ. وحاصِلُ البحثِ، أن الحديثَ صحيحٌ موصولًا. والمقامُ يحتَمِلُ البَسطَ، وفيما ذكرتُهُ كفايةٌ. والحمد لله رب العالمين.

стр. 425

١١٩ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يَدخُلُ أَحَدٌ الجَنَّة، إِلَّا بِجَوَازِ مُرُورٍ"، قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُوَ؟ "، قَالَ: "بِسمِ اللهِ الرَّحمَن الرَّحِيمِ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٣٨)، وابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (١١٩١)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٦١٩١)، وفي "الأوسط" (٢٩٨٧)، وتَمَّامٌ الرَّازيُّ في "الفوائد" (١٧٧٠ - ترتيبه)، وأبُو يَعلَى الخَليليُّ في "الإرشاد" (١/ ٤٢٣)، والخطيبُ في "تاريخه" (٥/ ٤ - ٥، و ٧/ ٩٥)، وابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (١٥٤٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيِّ، نا عبدُ الرَّزَّاق، عن الثَّوريِّ، عن عبد الرَّحمن بن زياد بن أنعُمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن سَلمانَ الفارسيِّ مرفُوعًا: "لَا يَدخلُ أحدٌ الجنَّةَ، إلَّا بجوازِ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا كتابٌ مِن ربِّ العالمين، لفُلان بن فُلان، أَدخِلُوه جنَّةً عاليةً، قُطوفُها دانيةٌ". وأورَدَهُ ابنُ عديٍّ في ترجمة "الدَّبَريِّ"، إشارةً منه إلى أنه علَّةُ الحديث. وقد قال الخَليليُّ: "تَفرَّدَ به عبدُ الرَّزَّاق، عن الثَّوريِّ. والدَّبَريُّ به مشهورٌ".

стр. 426

ولم يتفرَّد به الدَّبَرِيُّ. فتابَعَهُ مُحمَّدُ بنُ عليِّ بن النَّجَّار الصَّنعانيُّ، قال: ثنا عبدُ الرَّزَّاق بسَنَدِه سواءٌ. أخرَجَهُ أبو يَعلَى الخَلِيليُّ في "الإرشاد" (١/ ٤٢٤)، وتَمَّامٌ الرَّازيُّ (١٧٧١ - ترتيبه). فتَخلَّصَ منه الدَّبريُّ. وعِلَّةُ الحديثِ عندي من عبد الرَّحمن بن زياد بن أنعُمَ الإِفريقيِّ؛ فقد تكلَّم أهلُ العلم في حِفظه. وقد وجدتُ له طريقًا آخر. أخرجه ابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (١٥٤٨)، والضِّياءُ المَقدِسيُّ في "صفة الجَنَّة" - كما في "تفسير ابن كَثيرٍ" (٨/ ٢٤٢) -، مِن طريق مُحمَّدِ بن خشامٍ، عن العبَّاس بن زيادٍ البَلْخِيِّ، عن سَعدَانَ بن سعدٍ الحَكَمِيِّ، عن سُليمان التَّيميِّ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن سَلمان مرفُوعًا: "إِنَّ الله يُعطِي المؤمنَ جوازًا على الصِّراط: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا كتابٌ مِنَ العزيز الحكيم، لفُلان بن فُلان: أَدخِلُوه جنَّةً عاليةً، قُطوفُها دانيةٌ". قال ابن الجَوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يَصحُّ عَن رسُول الله ﷺ ". قال الدَّارَقُطنيُّ: "تَفرَّدَ به سَعدَانُ، عن التَّيميِّ". قال ابنُ الجوزيِّ: "سَعدَانُ مجهولٌ. وكذلك مُحمَّد بن خشامٍ". وسبق ابنَ الجوزيِّ: أبو حاتمٍ الرَّازيُّ إلى تجهيل سَعدَان هذا، كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٢٩٠).

стр. 427

١٢٠ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ كَبشًا، وَعَنِ الحُسَينِ كَبشًا. • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٨٤١)، والحربيُّ في "الغريب" (١/ ٤٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٤/ ٣١٤)، وابنُ الأعرابِيِّ في "مُعجَمه" (ج ٩/ ق ١٦٩/ ١ - ٢)، والطَّحاوِيُّ في "المشكل" (١/ ٤٥٧)، والدُّولابِيُّ في "الذُّرِّيَّة الطَّاهرَة" (١٠٥)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٨٥٦)، وأبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهانَ" (٢/ ١٥١)، والبَيهقِيُّ (٩/ ٢٩٩)، وابنُ حَزمٍ في "المُحلَّى" (٧/ ٥٣٠) مِن طريق عبد الوَارِث بن سعيدٍ، عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ عَقَّ عن الحَسَنِ والحُسين كبشًا كبشًا. وتُوبِع عبدُ الوارث على وَصلِهِ. فتابَعَهُ سُفيان الثَّوْريُّ، فرواه عن أَيُّوب بسَنَده سواء. أخرَجَهُ أبُو نُعيمٍ في "الحلية" (٧/ ١١٦) من طريق يَعلَى بن عُبيدٍ، عن الثَّوريِّ به. قال أبُو نُعيمٍ: "تَفرَّد بروايته موصُولًا، عن الثَّوريِّ، عن أيُّوب … : يَعلَى". ووقع خطأً في "الحِلية"، ولعلَّ ما ذكرتُه هو الصَّوابُ.

стр. 428

وهَذِهِ المُتابَعة لا تَثبُت؛ لأنَّ يعلَى بن عُبيدٍ، وإن كان ثِقةً، إلَّا أنَّهُ كان كَثيرَ الأوهامِ على الثَّوْريِّ؛ ولذلك ضَعَّفه ابنُ مَعِينٍ في روايتِهِ عن سُفيان الثَّوريِّ. وذَكَرَ ابن الجارُود في "المُنتقَى" (٩١٢) أن الثَّورِيَّ يرويه عن أيُّوب، عن عِكرِمة مُرسَلًا. وتُوبِعَ عبدُ الوارث أيضًا. تابَعَهُ حفصُ بنُ عُمَر البصريُّ، فرواه عن أيُّوب به موصُولًا. أخرَجَهُ الخطيبُ في "تاريخه" (١٠/ ١٥١) مِن طريق عبد الله بن مَرْوان أبُو شيخٍ - وَثَّقَهُ أبو حاتمٍ -، حدَّثَنا مُوسى بنُ أعيَنَ، عن حفص بن عُمَر. وهذ المُتابَعة أيضًا لا تَثبُت؛ لأنَّ حفص بنَ عُمر - ووقع في "التَّاريخ": مُحمَّدٌ، وهُو خطأٌ - تَرجَمَهُ الذَّهبيُّ في "الميزان" (١/ ٥٦٧)، والحافِظُ في "اللِّسان" (٢/ ١٣٩)، وذَكَرَا أن له حديثًا في العقيقة وهو هذا، قال فيه الأزدِيُّ: "مُنكَرُ الحديث". فأجْودُ طريقٍ لهذا الحديث، هُو ما رواه عبدُ الوارث بن سعيدٍ، عن أيُّوب. وعبدُ الوارث أحَدُ الثِّقات. ولكِنَّهُ خُولِف في وصله. فقال ابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٩١٢): "رواه الثَّوريُّ، وابنُ عُيَيْنة، وحَمَّاد بن زيدٍ، وغيرُهم، عن أيُّوب، لم يُجاوِزُوا به عِكرمة" ا. هـ.

стр. 429

وقد رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٤/ ٣٣٠) عَن الثَّوريِّ، ومَعمَرِ بن راشدٍ، عن أيُّوب، عن عِكرِمة، أن النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن حَسَنٍ وحُسين كَبشَين، ولم يَقُولُوا: "كبشًا كبشًا". فهؤلاء أربعةٌ مِمَّن وقفتُ على أسمائِهِم، خَالَفُوا عبدَ الوارث فأرسلُوه، وهُم يَتَرَجَّحُون عليه في أيُّوب، خاصةً ابنُ عُيَيْنة، وَحَمَّادُ بنُ زيدٍ، لاسِيَّما الأخيرُ مِنهُما، فقد قال ابنُ مَعِينٍ: "لَيسَ أحَدٌ في أيُّوبَ أثبتَ من حمَّاد بن زيدٍ"، وقال يعقُوبُ بنُ سُفيان الفَسَويُّ: "سمِعتُ سُليمانَ بن حَربٍ يقولُ: حمَّادُ بن زيدٍ في أيُّوبَ أَكبرُ مِن كُلِّ مَن روَى عن أيُّوب. - قال: - أمَّا عبدُ الوارِث، فقد قال: كَتبتُ حديثَ أيُّوبَ بعد موتِهِ بحِفظِي. ومثلُ هذا يجِيءُ فيه ما يَجِيءُ". وكُنتُ صَحَّحتُ إسنادَ حديث عبد الوارث في "غَوث المَكدُود" (رقم ٩١١، ٩١٢)، فقد رَجَعتُ عنه الآن، واللهُ يَغفِرُ لي جهلي وإسرافي في أمري. وله طريقٌ آخرُ عن عِكرمة. أخرَجَهُ ابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (٩/ ١٦٩/ ١) قال: نا سُليمانُ بنُ أحمد بن ياسين، نا مُحمَّدُ بنُ عبد الله المُخَرَّمِيُّ، نا أحمَدُ بنُ عُمَر، نا مَسلَمَةُ بنُ مُحمَّدٍ الثَّقَفيُّ، عن يُونسَ بن عُبيدٍ، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن الحَسَن كبشًا، وأَمَرَ برأسِه فحَلَقَه، وتَصدَّق بوزن شَعرِه فضَّةً، وكذلك الحُسين أيضًا. وهذا حديثٌ مُنكَرٌ، وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا.

стр. 430

وشَيخُ ابن الأعرابيِّ لم أعرِفْهُ. وأحمدُ بن عُمَر هو القَصَبيُّ، ترجمَهُ ابن أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (١/ ١/ ٦٢) ونَقَلَ عن أبيه قال: "مجهولٌ". ومَسلَمَةُ بنُ مُحمَّدٍ الثَّقفيُّ ضعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ، وقال أبُو حاتمٍ: "ليس بمشهورٍ. شيخٌ يُكتَب حديثُه"، ووثَّقه ابنُ حِبَّانَ، ومَشَّاهُ أبُو داوُد. وله طريقٌ ثالثٌ عن عِكرمة. أخرجَهُ النَّسائيُّ (٧/ ١٦٦) مِن طريق إبراهيم بن طَهمانَ - وهذا في "سُنَنه" (٥٣) - عن حَجَّاجِ بن الحَجَّاج - وسقط ذِكرُه من كتاب ابن طهمان -، عن قتادة، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن الحَسَن والحُسَين كبشين كبشين. ومِن هذا الوجه أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٨٣٨)، وفي "الأوسط" (٨٠١٨) ولَم يَذكُر العددَ. قال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن قتادة، إلَّا الحجَّاجُ بنُ الحجَّاج، تَفرَّد به إبراهيمُ بنُ طَهمانَ". وهذا سَنَدٌ جيِّدٌ، لولا عنعنةَ قتادةَ. وحاصِلُ البحث، أن حديث ابن عبَّاسٍ أن النَّبيَّ ﷺ عقَّ بكبشٍ واحدٍ، هذا لا يَصِحُّ، ولم أَجِد حديثًا يُعوَّلُ عليه أن النَّبيَّ ﷺ عقَّ بكبشٍ واحدٍ. وإلى حديثِ ابن عبَّاسٍ هذا ذَهَبَ مالِكٌ .. فقال ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٤/ ٣١٤): "واختَلَفُوا في عَدد ما

стр. 431

يُذبَح عن المولود من الشِّياه في العقيقة عنه، فقالَ مالِكٌ: "يُذبَح عن الغُلام شاةٌ واحدةٌ، وعن الجارية شاةٌ. والغُلامُ والجاريةُ في ذلك سواءٌ"، والحُجَّةُ له ولمن قال بقوله - وذكر حديثَ ابن عبَّاسٍ. ثُمَّ قال: وقالَ الشَّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ: "يُعَقُّ عن الغُلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ" وهُو قولُ ابن عبَّاسٍ، وعائشةَ، وعليه جماعةُ أهل الحديث" انتهى. والصَّوابُ ما ذَهَب إليه الشَّافعيُّ ومَن مَعَهُ؛ وحديثُ ابن عبَّاسٍ، والذي اعتَمَد عليه مالكٌ، قد عرَّفناك ما فيه. واحتجَّ ابنُ عبد البَرِّ بآثارٍ صحيحةٍ عن ابن عُمَر وغيرِه، ولا حُجَّة في كُلِّ هذا، في مُقابَلة الأحاديث المرفُوعة، المُصرِّحة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "عن الغُلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ". وذَهَبَ بعضُ أهل العِلم إلى النَّسخ، وأنَّ الأحاديث التي فيها أن يَعُقَّ عن الغُلام شاتَين ناسخٌ لحديث ابن عبَّاسٍ أنَّه يُعَقُّ عنه بكبشٍ. وهذا مَسلكٌ ضعيفٌ أيضًا، ولا يَثبُت النَّسخُ إلَّا بعد معرفة التَّاريخ، وأين هو؟! ولو صَحَّ حديثُ ابن عبَّاسٍ لكان القولُ بجواز الأمرَين هُو الأقربُ إلى الأصول. واللهُ تعالى أعلَمُ.

стр. 432

١٢١ - سُئلتُ عن حديث: "أَشقَى الأَشقِيَاءِ مَنِ اجتَمَعَ عَلَيهِ فَقرُ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرجَهُ الحاكمُ (٤/ ٣٢٢)، والبيهقيُّ في "السُّنن الكبير" (٧/ ١٣)، وفي "الشُّعَب" (٥١١١)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٩٢٦٩)، وابن عديٍّ في "الكامل" (٣/ ١١ - ١٢) من طريق سُليمان بن عبد الرَّحمن، عن خالد بن يزيدَ بن أبي مالكٍ، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا فذَكَره. وخالِدُ بنُ يزيدَ: ضَعَّفُوه. وله طُرُقٌ أخرى ساقِطَةٌ. وقد حَكَمَ أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ على الحديث بالبُطلان - كَمَا في "عِلَلِ ولده" (٢/ ٢٧٨) -. وحَكَمَ عليه شَيخُنا الألبانيُّ - حفظه الله - في "الضَّعيفة" (١٣٩) بالوضع. والحُكمُ بالبُطلان أدقُّ. والله أعلم. وقد ساق شيخُنا طُرقَه في "الضَّعيفة"، فراجِعهَا غير مأمُورٍ.

стр. 433

١٢٢ - سُئلتُ عن حديث: "أَمَانُ العَبدِ جَائِزٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ مرفُوعًا. أخرَجَهُ أبو عَمرٍو السَّمَرقَنديُّ في "الفوائد المُنتَقاة" (رقم ٧٢ - بتحقيقي) مِن طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن، عن مِسعَر بن كِدامٍ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن سَلمان الفارسيِّ مرفُوعًا به. وهذا سندٌ منقطعٌ؛ فنقل ابنُ أبي حاتمٍ في "المراسيل" (ص ٧٦) عن أبيه، قال: "أبو البَخْتَرِيِّ الطَّائيُّ لم يلق سَلمانَ. وأمَّا قولُ أبي البَخْتَرِيِّ: "أنَّهُم حاصَرُوا نَهاوَندَ" يعني أن المُسلمين حاصَرُوا". وذَكَرَهُ الزَّيلَعِيُّ في "نصب الرَّاية" (٣/ ٣٩٦) عن أبي مُوسَى الأشعريِّ مرفُوعًا، بلفظ: "أَمَانُ العبد أمانٌ"، وقال: "غريبٌ"، يعني: لا أصل له، وهو اصطلاحٌ خاصٌّ به، يُطلِقُه على الأحاديث التي وَقَعَت في "الهداية" وليس لها أصلٌ، كما صرَّح بذلك شيخُنا العلَّامة أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ - حفظه الله - في "الضَّعيفة" (٢/ ٤٤). وصَرَّح ابنُ الهُمام في "فتح القدير" (٤/ ٣٠٢) بأنه: "لا يُعرَف لها أصلٌ". وأَخرَجَ البيهقيُّ (٩/ ٩٤) بسَنَدٍ ضعيفٍ - كما قال الزَّيلَعيُّ -، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ مرفُوعًا: "لَيس للعبدِ من الغَنيمة شيءٌ، إلَّا خُرْثِيُّ المتاع، وأمانُه جائزٌ إذا هُو أعطَى القومَ الأمانَ".

стр. 434

وأخرج عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٥/ ٢٢٢) قال: حدَّثَنا مَعمَرٌ .. وسعيدُ بنُ مَنصُورٍ في "سُنَنه" (٢٦٠٨، ٢٦٠٩) قال: نا أَبُو شِهابٍ، وأبُو مُعاوِية .. ثلاثَتُهُم، عن عاصم بن سُليمان الأحولِ، عن فُضيل بن زيدٍ الرَّقَاشِيِّ، قال: شهِدتُ قريةً مِن قُرى فارس، يُقال لها: "شاهرتا"، فحَاصَرْنَاها شهرًا، حتَّى إذا كان ذاتَ يومٌ، وطَمِعنا أن نُصَبِّحَهم، انصرَفنَا عَنهُم عِندَ المقيل، فتَخلَّف عبدٌ مِنَّا، فاستَأمَنُوه، فكَتَبَ إِلَيهم في سهمٍ أمانًا، ثُمَّ رَمَى به إليهم، فلمَّا رَجَعنَا إليهم خَرَجُوا في ثِيابِهم، وَوَضَعُوا أسلِحَتَهم، فقُلنَا: "ما شأنُكم؟ "، فقالُوا: "أَمَّنتُمونا"، وأخرَجُوا إِلينا السَّهمَ فيه كتابُ أَمانِهم، فقُلنا: "هذا عبدٌ، والعَبدُ لا يَقدِر على شيءٍ"، قالُوا: "لا ندري عبدَكم مِن حُرِّكم، وقد خَرَجنا بأمانٍ". قال: فكَتَبنَا إلى عُمَر بعضَ قِصَّتِهم، فكتب عُمَر: "إنَّ العبدَ المُسلِم من المُسلِمين أمانُهُ أمانُهُم". قال: فَفاتَنَا ما كُنَّا أشرفنا عليه من غنائِمهم. وهذا لَفظُ مَعمرٍ. وأخرَجَهُ البَيهقيُّ (٤/ ٩٤) عن شُعبة، عن عاصمٍ الأحولِ مُختصَرًا. وهذا سندٌ صحيحٌ. فالصَّوابُ في هذا الحديثِ الوقفُ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 435

١٢٣ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ أَن يُكَبِّرَ مِن سُورَةِ ﴿وَالضُّحَى﴾ إِلَى آخِرِ القُرآنِ. • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ الحاكمُ في "المُستَدرَك" (٣/ ٣٠٤) قال: حدَّثَنا أبو يحيى محمَّد بنُ عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المُقرِئُ الإمامُ بمكَّةَ في المسجد الحرام، ثنا أبو عبد الله مُحمَّدُ بنُ عليِّ بن زيدٍ الصَّائغُ، ثنا أحمدُ بن مُحمَّد بن القاسم بن أبي بزَّةَ، قال: سمعتُ عِكرمةَ بنَ سُليمان، يقولُ: قرأتُ على إسماعيل بن عبدِ الله بن قُسطَنطِينَ، فلمَّا بلغتُ: ﴿وَالضُّحَى﴾ قال لي: "كبِّرْ كبِّرْ عند خَاتِمةِ كُلِّ سورةٍ حتَّى تختمَ"، وأخبَرَنِي عن عبد الله بن كثيرٍ أنَّهُ قرأ على مُجاهدٍ فأمَرَه بذلك، وأخبَرَهُ مجاهدٌ أن ابنَ عبَّاسٍ أمرَهُ بذلك، وأخبرَهُ ابنُ عبَّاسٍ أن أبيَّ بنَ كعبٍ أمرَهُ بذلك، وأخبَرَهُ أبيُّ بنُ كَعبٍ أن النَّبيَّ ﷺ أمرهُ بذلك. قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد"، وتعقَّبَه الذَّهبيُّ بقوله: "البَزِّيُّ قد تُكُلِّم فيه". وأخرَجَهُ الفاكِهِيُّ في "أخبار مَكَّة" (١٧٤٤)، والمخلِّصُ في "الفوائد" (ج ١/ ق ١٦٨/ ١ - ٢)، ومن طريقه الذَّهبيُّ في "الميزان" (١/ ١٤٥)، وفي "معرفة القُرَّاء" (١/ ١٧٥ - ١٧٦)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٩١٢،

стр. 436

١٩١٣، ١٩١٤)، وابنُ الجزَرِيِّ في "النَّشر" (٢/ ٤١٤) من طريق البَزِّيِّ أحمدَ بن محمَّد بن القاسم به. وعند المُخلِّص: "وقال مرَّةً أُخرى ابنُ أبي بَزَّةَ: سمعتُ عكرَمَةَ بن سُليمان بن كَثيرِ بن عامرٍ مَولى بني شيبةَ المَكِّيَّ، قال: قرأتُ على إسماعيلَ بن عبد الله بن قُسطنطينَ مولى بني مَيسَرَة موالي العَاصِ بن هشامٍ المَخزُومِيِّ، فلمَّا بلغتُ: ﴿وَالضُّحَى﴾، قال لي: "كبِّرْ مع خاتِمَةِ كلِّ سورةٍ حتَّى تَختِمَ القرآنَ، فإنِّي قرأتُ على شِبلِ بن عبَّادٍ مَولى عبدِ الله بن عامرٍ الأُمَوِيِّ، وعليِّ بن عبدِ الله بن كثيرٍ مولَى بني عَلقَمَةَ الكِنَانِيِّينِ، وأخبَرَني عبدُ الله بنُ كثيرٍ أنَّه قرأ على مجُاهِدِ بن جَبرٍ أبي الحجَّاج مولى عبدِ الله بن السَّائبِ المَخزُومِيِّ فأمَرَهُ بذلك، وأخبره مُجاهِدٌ أنَّه قرأَ على ابن عبَّاسٍ فأمرَهُ بذلك، وأخبرهُ ابنُ عبَّاسٍ أنَّه قرأ على أُبَيِّ بن كعبٍ فأمره بذلك، وأخبره أُبَيٌّ أنَّه قرأ على النَّبيِّ ﷺ فأمره بذلك". قال الذَّهبيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ. وهو ممَّا أُنكِر علي البَزِّيِّ. قال أبو حاتمٍ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ". ومعني كلامِ الذَّهبيِّ أن البَزِّيَّ تفرَّد به. وقد صرَّح بذلك ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٨/ ٤٤٥) فقال: "فهذه سُنَّةٌ تفرَّد بها أبو الحَسَن أحمدُ بنُ مُحمَّد بن عبدِ الله البَزِّيُّ من ولد القاسِمِ بن أبي بزَّةَ، وكان إمامًا في القراءات، فأمَّا في الحديث فقد ضعَّفه أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ، وقال: لا أُحدِّثُ عنه. وكذلك أبو جَعفَرٍ العُقيليُّ، قال: هو مُنكَرُ الحديث".

стр. 437

• قلتُ: لم يتفرَّد به البَزِّيُّ، فقد تابَعَهُ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀، قال: قرأتُ على إسماعيلَ بن عبد الله بن قُسطَنطِينَ فذكر مثلَهُ. أخرَجَهُ أبو يَعلَي الخَلِيلُّي في "الإِرشادِ" (ص:٤٢٧ - ٤٢٨) قال: حدَّثنا جَدِّي، حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن بنُ أبي حاتِمٍ، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله بن عبد الحَكَم، حدَّثَنا الشَّافِعِيُّ به. وهذا سَنَد جيِّدٌ. وقال ابنُ كَثِيرٍ أيضًا: "حَكَى الشَّيخُ شهابُ الدِّين أبو شامَةَ في "شرح الشَّاطبيَّة" عن الشَّافعِيِّ أنَّهُ سَمِع رجلًا يُكَبِّرُ هذا التَّكبيرَ في الصَّلاة، فقال له: أحسنتَ وأصبتَ السُّنَّة … وهذا يقتضي صِحَّةَ هذا الحديثِ". • قلتُ: فواضحٌ أن ابنَ كثيرٍ لم يَقِف على رواية الشَّافِعِيِّ المُسنَدةِ في ذلك، وإنَّما صحَّح الحديثَ بناءً على قولِ الشَّافِعيِّ: "أصبتَ السُّنَّةَ". وتصحيحُ الحديث بمِثلِ هذا القَولِ فيه نَظَرٌ لا يَخفَى على مَن تأمَّلَهُ. والله أعلم. • قلتُ: ثُمَّ تبيَّن لي أنَّه وَقَع لي وهمٌ أثناء النَّقل من "المُستدرَك" فسَقَطَ ذِكرُ "عِكرمةَ بن سُليمَان" القَارِئِ على ابن قُسطَنطِينَ وصار الشَّافِعِيُّ بهذا مُتابِعًا لعكرَمَةَ لا للبَزِّيِّ. وكنتُ حكمتُ على إسناد الشَّافِعِيِّ بالجودَةِ لمَّا نُشر البحثُ في "مجلَّة التَّوحيد"، وكذلك في "تنبيهِ الهَاجِدِ"، وليس كذلك؛ لأنَّ إسماعيلَ بنَ عبدِ الله بن قُسطَنطينَ لا أَعرِفُ أحدًا وثَّقَهُ، ولم أَجِدهُ في "ثقاتِ ابن حِبَّان"، وتَرجَمَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ في "الجَرح والتَّعديل" (١/ ١/ ١٨٠) ولم يَحكِ فِيهِ

стр. 438

شيئًا، ففي ثُبُوت هذا الخَبَرِ نظرٌ، وقد أنكَرَهُ أبو حاتِمٍ، كما في "العِلَل" (١٧٢١). والحمدُ لله على ما أَنعَمَ. ﴿تنبيه﴾ رَوَى ابنُ الجزَرِيِّ هذا الخبرَ من طريق ابن خُزيمَةَ، ونقل عنه قَولَه: "إنِّي أنا خائفٌ أن يكُونَ قد أَسَقَط ابنُ أبي بَزَّة أو عِكرمةُ بنُ سُليمانَ من هذا الإسناد: شبلًا"، فردَّ ابنُ الجَزَرِيِّ قائلًا: "قلتُ: يعني ابنَ إسماعيل وابنَ كثيرٍ. ولم يُسقِط واحدٌ منهم شبلًا؛ فقد صحَّت قِراءَةُ إسماعيلَ على ابن كَثيرٍ نفسِه، وعلى شبلٍ. وعليٌّ معرُوفٌ عند ابن كَثيرٍ. واللهُ أعلمُ" انتهَى.

стр. 439

١٢٤ - سُئلت عن حديث: "القَنَاعَةُ كَنزٌ لَا يَنفَدُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. ولَم أَقِف عليه بلفظ: "كنز"، وإِن كان هُو المشهورَ بين النَّاس، ووقفتُ عليه مرفُوعًا بلفظ: "القَنَاعَةُ مالٌ لا ينفد". أخرَجَهُ ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٤/ ١٥٠٧)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ٢٣٣)، وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (٨٣)، والقاضي أبو عبد الله الفَلَّاكِيُّ في "الفوائد" (ق ١٠٨/ ١)، وابنُ شاهين في "التَّرغيب" (٣٠٥/ ٣)، والبَيهَقيُّ في "الزُّهد" (١٠٥)، والشَّجريُّ في "الأمالي" (٢/ ١٩٨) مِن طريق عبد الله بن إبراهيم الغِفاريِّ، ثنا المُنكَدِرُ بنُ مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن أبيه، عن جابرٍ مرفُوعًا به. قال ابنُ عديٍّ: "وهذا الحديثُ بهذا الإسناد، لا يَروِيه عن المُنكدِر غيرُ عبد الله بن إبراهيم" كذا قال. وقد تابَعَهُ مُحرِزُ بنُ سَلَمة، نا المُنكَدِر بسَنَدِه سواءٌ. أخرَجَهُ الخطيبُ في "الفقيه والمُتفَقِّه" (رقم ٨٣٦) من طريق أحمد بن أبي صلابَةَ، نا مُحرِزُ بنُ سَلَمة. ومُحرِزٌ وثَّقه ابنُ حِبَّانَ. ولكن ابنُ أبي صلابة لم أَقِف له على ترجمةٍ.

стр. 440

والمُنكَدِرُ بنُ مُحمَّد بن المُنكَدِر اختَلف فيه اجتهادُ النُّقَّاد، وهو ضعيفٌ. وقد تابَعَهُ أخُوه يُوسُفُ بنُ مُحمَّد بن المُنكَدِر، فرواه عن أَبيه، عن جابرٍ مرفُوعًا: "عَلَيكُم بالقَنَاعة؛ فإنَّ القناعة مالٌ لا ينفدُ". أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦٩٢٢) مِن طريق أبي يُوسُف الصَّيدلانيِّ، ثنا خَالدُ بنُ إسماعيل المَخزُوميُّ، عن يُوسُف بن مُحمَّد بن المُنكَدِر به. وقال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديث عن مُحمَّد بن المُنكَدِر إلَّا ابنُه يُوسُفُ، ولا عن يُوسُفَ إلَّا خَالِدُ بنُ إِسماعيل. تفرَّد به: أبو يُوسُف الصَّيدلاني". • قلتُ: وأبُو يُوسُفَ الصَّيدلانيُّ ما عَرَفتُه. وخالدُ بنُ إسماعيل ساقطٌ مطرُوحٌ. ويُوسُفُ بنُ المُنكَدِر ضعيفٌ. ولكِنَّهُ لم يتَفَرَّد بالحديث عن أبيه، كما قال الطبراني، بل تابَعَهُ أخُوه المُنكَدِر، كما تَقدَّم ذِكرُه .. وسُئل أبُو حاتمٍ عن هذا الحديث، فقال: "هذا حديثٌ باطلٌ" - نَقَلَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلَل" (١٨١٣) -.

стр. 441

١٢٥ - سُئلتُ عن حديث: "اتَّقُوا حُسَّادَ النِّعَمِ". • قلتُ: لَم أَقِف عليه بهذا اللَّفظِ. ولكن في معنَاهُ حديثُ ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "إِنَّ لِأَهلِ النِّعمة حُسًّادًا، فاحذَرُوهُم". أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٢٧٧)، وأبُو الشَّيخ في "الأمثال" (٢٠١) قالا: حدَّثَنَا مُحمَّد بن نُصَيرٍ، حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ عمرٍو، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ مَرْوان، عن ابن جُريجٍ، عَّنَ عطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ أمَّا مُحمَّدُ بنُ نُصيرٍ فترجَمَهُ أبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٤١)، وقال: "ثِقَةٌ مأمونٌ". وإسماعيلُ بنُ عمرٍو البَجليُّ ضعيفٌ. ومُحمَّدُ بنُ مَرْوان يُشبِهُ أن يَكُونَ العُقيليَّ؛ فهو في طَبَقة تلاميذ ابن جُريجٍ، فإن يَكُنهُ، ففي حِفظِهِ ضعفٌ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 442

١٢٦ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ أَطلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ، وَأَعطَى كُلَّ سَائِلٍ. • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ البزَّارُ (٩٦٨ - كشف)، وابنُ حِبَّانَ في "المجروحين" (١/ ٣٦٠)، والإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (رقم ٣٦ - بتحقيقي)، وأبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهانَ" (١/ ١٢٣)، والبَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٣/ رقم ٣٦٢٩)، وابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٩) من طريق عبد الحمِيد الحِمَّانِيِّ، ثنا أبُو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاسٍ فذَكَرَه. قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ رواه هكذا إلَّا أبُو بكرٍ الهُذَليُّ، ولم يَكُن حافظًا، وقد حدَّث عنه جماعةٌ مِن أهل العلم". وقال ابنُ الجوزيِّ: "أبُو بكرٍ الهُذَليُّ اسمُه: سلمى بنُ عبد الله، يَروِي عن الأثبات الأشياء الموضوعاتِ، قال غُندَرٌ: كان يكذِبُ". وذكر الخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ٢٢٥) بسَنَدِه إلى ابن المَدينيِّ، وذَكَرَ له هذا الحديث فقال: "أبو بكر ضعيفٌ جدًّا". • قلتُ: ومَعَ سُقوط أبي بكرٍ الهُذَليِّ، فقد خالَفَهُ جماعةٌ مِن أصحاب الزُّهريِّ الثِّقات.

стр. 443

فروَوْهُ عنه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبَّاس، قال: كان رسُولُ الله ﷺ أجوَدَ النَّاس، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاهُ في كُلِّ ليلةٍ مِن شهر رمضان، فيُدارِسُه القُرآنَ. قال: وكان رسُولُ الله ﷺ حين يلقاه جِبريلُ ﵇ أجوَدَ بالخير مِنَ الرِّيح المُرسَلة. أخرجه البُخاريُّ (٤/ ١١٦، و ٦/ ٣٠٥، ٥٦٥، و ٩/ ٤٣)، ومُسلِمٌ (١٥/ ٨٩ - ٩٠ شرح النَّوَويِّ)، والنَّسَائيُّ (٤/ ١٢٥)، والتِّرمذيُّ في "الشَّمائل" (١٩٠)، وأحمدُ في "المُسنَد" (١/ ٢٣١، ٢٨٨، ٣٢٦، ٣٦٣، ٣٦٦ - ٣٦٧، ٣٧٣) وآخَرُون. ورواه عن الزُّهريِّ جماعةٌ مِن أعيان أصحابِهِ، منهم: مَعمَرُ بنُ راشدٍ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، ويُونُسُ بنُ يزيدَ. فأين أبُو بكرٍ الهُذَليُّ مِن هؤلاء. ولذلك سُئل أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ - كما في "العِلل" (٦٦١) - عن حديث الهُذَليِّ هذا، فقال: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ". والله أعلمُ.

стр. 444

١٢٧ - سُئلتُ عن حديث: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبعَدَهُ اللهُ! إِنَّهُ كَانَ يُبغِضُ قُرَيشًا". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرجه الإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (٣٨)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٣٥٠) مِن طريق هلال بن عبد الرَّحمن، قال: كُنتُ أنا وأيُّوبُ السَّختِيانِيُّ بِمِنًى، فأَخَذ بِيَدِي، فأَدخَلَنِي على مُحمَّد بن المُنكَدِر، فحَدَّثَنا عن جابرٍ، أن رجُلًا قُتِلَ بالمدينة، لا يُدرَى مَن قَتَله، فأُعلِمَ رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "أَبعَدَهُ اللهُ … الخ". وهذا سياقُ العُقَيليُّ. وعِند الإسماعيلي ذكر: "العَرَب" بدل: "قريشٍ". قال العُقيليُّ: "هلالُ بنُ عبد الرَّحمن الحنفيُّ مُنكَرُ الحديث. وهذا مُنكَرٌ لا أصل له، ولا يُتابَعُ عليه". وله شاهدٌ من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁. أخرجه البزَّارُ (١١٤ - مسند سعد)، ومن طريقه العراقيُّ في "مَحَجَّة القُرَبِ إلى محَبَّة العَرَب" (١٢٩) قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّد التَّيمِيُّ، حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن بنُ عياضٍ، حدَّثني عمِّي عُتَيبةُ، عن عبد الملك بن يحيى، عن محمَّد بن سعدٍ، عن أبيه، قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ فُلانًا الثَّقفيَّ قُتِلَ، وقد كان أَسلَم"، فقال: "أَبعَدَهُ اللهُ! إِنَّهُ كَانَ يُبغِضُ قُريشًا".

стр. 445

قال العراقيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ، أخرَجَهُ هكذا أبُو بكرٍ البزَّارُ في "مُسنَده"، وليس في إسناده من اتُّهم بالكذب. وقد رُوي من وجهين آخَرين: المرسلِ الصَّحيحِ الإسناد، والمُتَّصِلِ المتقدِّمِ، فصار ذا طُرُقٍ، فاعتَضَدَ". • قلتُ: أبعَدَ النُّجْعَةَ ﵀، فإنَّه لم يَقُل لنا مَن عبدُ الرَّحمن بنُ عياضٍ، ومن عمُّهُ عُتَيبةُ الواقعان في هذا الإسناد، فإنِّي لم أجد لهما ترجَمةً. وأشار تلميذُهُ الهَيثميُّ إلى هذا، فقال في "المَجمَع" (١٠/ ٣٠): "فيه مَن لم أعرفه". وعبدُ الملِك بنُ يحيَى أَظُنُّه المُترجَمَ في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ٢/ ٣٧٥) وقال: "رَوَى عن عُروةَ بن الزُّبير. رَوَى عَنهُ الوليدُ بنُ مُسلِم". فهذا أيضًا لا أعرف من حاله شيئًا، فالسَّنَدُ واهٍ. أمَّا الحديثُ الموصولُ الذي عَناهُ العراقِيُّ، فهو الآتي عن المُغيرةَ بن شُعبةَ، وسيأتي الكلامُ عنه. وأمَّا المُرسَلُ الذي عناه، فقد أخرَجَه هو في "مَحَجَّة القُرَب" (١٢٨) من طريق عبدِ الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث، حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بن كَيسانَ، عن ابن شهابٍ، قال: بَلَغنِي أن رسُول الله ﷺ ذُكِرَ له رجلٌ من ثقيفٍ مات يوم حُنينٍ وهو كافرٌ، فقال: "أبعَدَهُ اللهُ! إنَّه كان يُبغضُ قريشًا". وقد تُوبِع صالحُ بنُ كَيسَانَ. تابَعَهُ مَعمرُ بنُ راشدٍ، فرواه عن الزُّهريِّ، أن رجُلًا من ثقيفٍ قُتل يوم أُحُدٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ … فذَكَره.

стр. 446

أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "مُصَنَّفه" (ج ١١/ رقم ١٩٩٠٤). كذا وقع عند عبد الرَّزَّاق: "يوم أُحُدٍ". وخالَفَهُما جُبَيرُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن الزُّهريِّ، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، قال: إنَّ رجُلًا قُتِل، فقال النَّبيُّ ﷺ … فذكر مثله. أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبة (١٢/ ١٧٣)، وعَنهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (٢/ ٦٣٨) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله الأَسَدِيُّ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن جُبير بن أبي صالحٍ بهذا. وإسنادهُ منقطِعٌ؛ والزُّهريُّ لَم يُدرِك سعدًا. وروايةُ مَعمَرٍ وصالحٍ أرجحُ. وجُبَيرٌ ليس فيه توثيقٌ مُعتبَرٌ. واللهُ أعلَمُ. ولكنْ تقويةُ المَوصولِ الذي عناه العراقِيُّ بمُرسَلِ الزُّهريِّ، فيه نظرٌ؛ فإنَّ مراسيلَ الزُّهريِّ شبهُ الرِّيح، كما نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من أهل العلم؛ ذلك لأنَّ الزُّهريَّ من صغار التَّابعين، فالغالبُ على روايته الإعضالُ؛ إذ أغلبُ شُيوخِهِ من التَّابعين، فيكون بينهُ وبين النَّبيِّ ﷺ في الغالب واسطتان، وإن كُنَّا نُسمِّي مُرسلَه مُرسَلًا فذلك من جهة التَّسمية، لا التَّقوية. والله أعلم. أمَّا الشَّاهدُ الموصولُ الذي عناه العراقيُّ: فأخرجَهُ هو في "المَحَجَّة" (١٢٧)، من طريق الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ٨٩٥) قال: حدَّثَنا أبُو غسَّانَ أحمدُ بنُ سهلِ بن الوليد الأَهوَازِيُّ، قال: حدَّثَنا الجَرَّاحُ بنُ مَخلَدٍ، حدَّثَنا يَعقُوب بن مُحمَّدٍ الزُّهريِّ، ثنا نَوفَلُ بنُ عِمَارةَ، حدَّثَني عبدُ الله بنُ الأسود بن أبي عاصمٍ

стр. 447

الثَّقَفيُّ، عن أبيه، عن المغيرةَ بن شُعبة، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يوم حُنينٍ وَقَفَ على رَجُلٍ مقتُولٍ، فقال: "أَبعَدَكَ اللهُ! فَإِنَّكَ كنتَ تُبغضُ قريشًا". قال العراقيُّ: "هذا حديثٌ في إسنادِهِ مقالٌ. ويعقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ الزُّهريُّ أحدُ الحُفَّاظ، ضعَّفهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبُو زُرعةَ، وقال ابنُ مَعينٍ: ما حدَّثَكم عن الثِّقات فاكتُبُوه، وما لا يُعرَفُ من الشُّيوخ فدعوه. وشيخُهُ نَوفلُ بنُ عِمارَةَ، والجَرَّاحُ بنُ مَخلَدٍ، ذَكَرهما ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٧/ ٥٤٠ و ٨/ ١٦٤) ". • قلتُ: كذا قال! وقد تَسامَحَ في أمر يعقوبَ بن مُحَمَّدٍ، فإنَّه شبهُ المتروك. قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: "ليس بشيءٍ، ليس يسوي شيئًا". وقال أبُو زُرعةَ: "واهي الحديث"، وقال في موضعٍ آخر: "ليس عليه قياسٌ. يعقُوبُ الزُّهريُّ، وابنُ زَبَالَةَ، والواقديُّ، وعُمرُ بنُ أبي بكرٍ المُؤمَّليُّ: يتقارَبُون في الضَّعف". فهذا يدُلُّ على أنَّه شديدُ الضَّعف عند أبي زُرعةَ. وقال أبُو حاتِمٍ: "هو على يدَي عدلٍ" وهي صيغة جرحٍ عنده. أمَّا ابنُ مَعينٍ فلم ينقل العراقيُّ قولَه الآخر في يعقوب وهو: "أحاديثُهُ تُشبهُ أحاديثَ الواقديِّ" يعني: متروكٌ. فظاهرٌ من عبارات العُلماء أنَّه واهٍ، ولم يُوَثِّقهُ إلَّا المتساهِلون كابنِ حِبَّان، أو الذين لم يُعرَفُوا بنقد الرِّجال مثلُ حجَّاجِ بن الشَّاعر. أمَّا قولُ بن سعدٍ: "كان حافظًا" فهذا لا يعني أنَّه ثقةٌ؛ إذ أن كثيرا من الرُّواة يصفُهُم النُّقَّاد بالحفظ ويُضعِّفونهم كابن عُقدةَ والكُدَيمِيِّ وغيرهما، فالحفظُ غيرُ مُستلزِمٍ للثِّقة. ولو قبلنا

стр. 448

القولَ الذي نَقَلهُ العراقيُّ عن ابن مَعينٍ: "ما حدَّثَكم عن الثِّقات فاكتُبُوه" فلا ينطبق على هذا الحديث؛ إذ أن شيخَهُ فيه هو: نَوفَلُ بنُ عِمارَةَ، وهذا لم يُوثِّقهُ إلَّا ابنُ حِبَّان، ولم يَذكُر عنه راويًا غيرَ يعقوبَ، فالصَّحيحُ أنَّه مجهُولٌ. أضِف إلى ذلك أن شيخَ نَوفلٍ وهو: عبدُ الله بنُ الأَسْوَدِ لم أجد له ترجمةً. وشيخَ الطَّبرانِيِّ أحمدَ بنَ سهلٍ لا أعرف فيه جَرحًا ولا تَعديلًا، وذَكَره السَّمعانِيُّ في "الأنساب (٣/ ٢٦٧) ولم يذكُر فيه شيئًا. فإسنادُ الحديثِ ضعيفٌ جدًّا، ولو سلَّمنا أن مُرسَلَ الزُّهرِيِّ السَّابقَ صحيحٌ فلا يُقوِّي هذا الموصُولَ، كيف والمُرسَلُ شبهُ الرِّيح كما ذكرتُ؟ وقال الهيثميُّ في "المَجمَع" (١٠/ ٢٧): "فيه يَعقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ الزُّهريُّ، وهو ضعيفٌ، وقد وُثِّق". ويُروَى أن هذا المَقتُولَ الذي عناه المغيرةُ هو: عُثمان بنُ عبد الله بن ربيعة. فقد ذَكَرَ ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٥/ ٥١٩) في ترجمة: "عبد الرَّحمن بن عبد الله بن عُثمان بن عبد الله بن رَبيعة"، أن جدَّهُ عُثمانَ بنَ عبد الله كان يحمِلُ لواءَ المُشركين يوم حُنينٍ، فقَتَلَهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَبعَدَهُ اللهُ! إِنَّه كانَ يُبغِضُ قُرَيشًا". هكذا عَلَّقَهُ ابنُ سعدٍ بغيرِ إسنادٍ. والله أعلم.

стр. 449

١٢٨ - سُئلتُ عن حديث: "إِذَا جَلَسَ القَومُ عَلَى شَرَابِهِم، وَدَارَت عَلَيهِمُ الكَأسُ، دَارَت عَلَيهِم لَعنَةُ اللهِ ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ الإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (٤٤)، وعنهُ السَّهميُّ في "تاريخ جُرجانَ" (٨٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ بنُ الفُرَات الخُوَارَزمِيُّ من الجُرجانيَّةِ - قَدِمَ علينا حاجًّا -، قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ عبد الوَهَّاب الأحنفيُّ الخُوَارَزمِيُّ من الجُرجانيَّةِ، حدَّثَنا سَلَمةُ بنُ حَيَّانَ البصريُّ، حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سُليمان، حدَّثَنِي يزيدُ بنُ عياضٍ المَدَنيُّ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي الدَّرداء مرفُوعًا فذكره. وشيخُ الإسماعيليِّ ترجمَهُ السَّهميُّ في "تاريخه"، ولم أَقِف على حالِهِ. ويَزِيدُ بنُ عِياضٍ المَدنيُّ كذَّبَهُ مالكٌ، وتَرَكَهُ النَّسائيُّ، وقال البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث". واللهُ أعلَمُ.

стр. 450

تم بحمد الله تعالى السِّفرُ الأوَّل من: "إسعاف اللَّبيث"، ويتلوه السِّفرُ الثَّاني، وأوَّلُهُ: "لا يزال أربعون رجلا من أمتي … الحديث".

стр. 451

تمَّ بحمد الله تعالى السِّفرُ الأوَّلُ من: "إسعاف اللَّبيث" ويتلُوه السِّفرُ الثَّاني وأوَّلُهُ: "لا يزال أربعُون رجلًا من أمَّتِي … الحديث"

стр. 452

١٢٩ - سُئلتُ عن حديثٍ: وَرَد كتاب "إبراهيمُ الدُّسُوقيُّ، وأولياءُ الله". وهو عن ابن مسعُودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَزَالُ أَربَعُونَ رَجُلًا مِن أُمَّتِي، قُلُوبُهُم عَلَى قَلبِ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ ﵇، يُدفَعُ بِهِم عَن أَهلِ الأَرضِ البَلَاءُ، يُقَالُ لَهُم: "الأَبدَالُ"، إِنَّهُم لَم يُدرِكُوهَا بصَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا بِصَدَقَةٍ"، قَالُوا: "يَا رَسُولَ الله! بِمَ أَدرَكُوهَا؟ "، قَالَ: "بِالسَّخَاءِ، وَالنُّصحِ لِلمُسلِمِينَ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرجَهُ الطَّبَرانيُّ في "المُعجَم الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٣٩٠)، وعنه أبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ١٧٢ - ١٧٣) قال: حدَّثَنا أحمدُ بن داوُد المكِّيُّ، ثنا ثابتُ بن عيَّاشٍ الأحدَبُ، ثنا أبُو رجاءٍ الكَلبيُّ، ثنا الأعمشُ، عن زيد بن وَهبٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذَكَرَه. قال أبُو نُعيمٍ: "غَريبٌ مِن حديثِ الأعمش، عن زيدٍ. ما كتبناه إلَّا مِن حديث أبي رجاءٍ". قال الهَيَثَمِيُّ في "مَجمَع الزَّوائد" (١٠/ ٦٣): "رواه الطَّبَرانِيُّ مِن رواية ثابت بن عيَّاشٍ الأحدبِ، عن أبي رجاءٍ الكلبيِّ، وكِلاهُما لَم أعرِفهُ. وبقيَّةُ رجالِه رجالُ الصَّحيح" ا. هـ.

стр. 453

• قلتُ: وشيخُ الطَّبَرانيِّ أحمدُ بنُ داوُد بن يزيدَ بن مَاهَانَ، ذَكَرَ الحاكمُ في "سُؤالاتِه للدَّارَقُطنيِّ" (ص ٩٢) أن الدَّارَقطنيَّ قالَ: "لا بأس به"، وَنَقَلَ الخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ١٤٠ - ١٤١)، عن العَتِيقِيِّ، عن الدَّارقُطنيِّ أنَّهُ قال: "ليس بقويٍّ، يُعتَبرُ به"، ولا تَنَافِي بينَ العِبارَتَين، والجَمعُ بَينَهُمَا: أنَّهُ لا بأس به في المُتابَعات والشَّواهِد. ولا يَصِحُّ في ذِكرِ الأبدال حديثٌ مرفُوعٌ. وما ذَكَرَه السِّيوطيُّ، والهَيثَمِيُّ وغيرُهُما، مِن حُسن بعضِ الأحاديثِ الوَارِدة، فتسامحٌ مِنهُما في النَّقد، ومَن عَلِمَ قَدرَهُما في النَّقد لَم يُنكِر هذا التَّسامُحَ. واللهُ أعلَمُ. • قلتُ: قلتُ: ثُمَّ استدركتُ أن شيخَ الطَّبَرَانِيِّ ليس هو ابنَ يزيدَ بن مَاهَانَ، بل هو أحمدُ بنُ داوُد بن مُوسَى أبو عبد الله المَكِّيُّ، وهو مِمَّن أَكثَرَ عنهم الطَّبَرَانِيُّ. وله مَشيَخَةٌ حافلةٌ .. يروي عن: إبراهيمَ بن بشَّارٍ الرَّمَادِيِّ، وإبراهيمَ ينِ الحجَّاجِ السَّامِيِّ، وإيراهيمَ بن زكريَّا، وإبراهيمَ بن سُوَيدٍ، وإبراهيمَ بن عُمَر العَلَّافِ الرَّازِيِّ، وإبراهيمَ بن مُحمَّد بن عَرعَرَة، وإبراهيمَ بن المُنذِرِ، وأحمدَ بن حاتمٍ، وأحمدَ بن عُبيد الله، وأحمدَ بن عُمَر الرَّازِيِّ، وإسحاقَ بنِ عُمَر بن سليطٍ، وإسماعيلَ بن مُحَمَّدٍ الصَّائغِ، وإسماعيل بن عبدِ الله بن زُرَارة، وإسماعيلَ بن مَروَان الوَاسِطِيِّ. وثابتِ بن عيَّاشٍ الأَحدَبِ، وثَوبانَ بن سعيدٍ. وحَبِيبٍ كاتبِ مالكٍ، وحَرمَلةَ بن يحيى، وحفصِ بن عُمَر الحَوضِيِّ، وحفصِ بن عُمَر المَازِنِيِّ، وحمزةَ بن عُبيد الله الثَّقَفِيِّ. وداوُدَ بن شَبِيبٍ. والرَّبيعِ بن يحيى الأُشنَانِيِّ، ورَوحِ بن عبدِ المؤمن. وزُهيرِ

стр. 454

ابن عَبَّادٍ الرُّؤَاسِيِّ. وسعيدِ بن سُليمان النَّشِيطِيِّ، وسلمةَ بن صُبَيحٍ، وسُليمانَ بن داوُد الشَّاذَكُونِيِّ، وسهلِ بن بكَّارٍ. وشاذِّ بن الفضلِ. وعبَّادِ بن عيسى، والعبَّاسِ بن الفَضلِ الأَسفَاطِيِّ، وعبدِ الرَّحمن بن بَكر بن الرَّبيع، وعبدِ الرَّحمن بن صالحٍ الأَزدِيِّ، وعبدِ الرَّحمن بن المُبارَك العَيشِيِّ، وعبدِ السَّلامِ بن مطَهِّرٍ أَبِي ظَفَرٍ، وعبدِ العزيز بن الخطَّاب الكُوفيِّ، وعبدِ العَزِيز بن يحيى المَدَنِيِّ، وعبدِ الله بن أبي بكرٍ العَتكِيِّ، وعبدِ الله بن مُحمَّد بن أسماءَ، وعبدِ الله بن مُحمَّدٍ أبي مَعمَرٍ، وعبدِ الوهَّاب بن نَجدَة الحَوْطِيِّ، وعُبيدِ الله بن مُحمَّد بن أبي عائشة، وعُبيد الله بن مُعاذٍ، وعُثمانَ بن عبدِ الله بن عُثمان الشَّامِيِّ، وعُثمانَ بن عُمَر الضَّبِّيِّ، وعليِّ بن بَحرٍ، وعليِّ بن قُتيبَة الرِّفَاعِيِّ، وعمَّارِ بن مَطرٍ، وعِمرانَ بن مَيسَرة، وعَمرِو بن الحُصين العُقَيليِّ، وعَمرِو بن مالكٍ الرَّاسِبِيِّ، وعَمرِو بن مَرزُوقٍ، وعَوْنِ بن الحكَم بن سيَّارٍ البَاهِليِّ، وعيَّاشِ بن الوليد الرَّقَّامِ. والقاسمِ بن سَلَّامِ بن مِسكينٍ، وقُرَّةَ بن حبيبٍ، وقيس بن جَعفَرٍ الدَّارِمِيِّ. وكاملِ بن طَلحَة الجَحدَرِيِّ. ومُحمَّدِ بن إسماعيلَ الوساوسيِّ، ومُحمَّدِ بن إسماعيلَ بن عَونٍ، ومُحمَّدِ بن أبي بَكرٍ المُقَدَّميِّ، ومُحمَّدِ بن جامعٍ العَطَّارِ، ومُحمَّدِ بن الصَّلت أبي يَعلَى التَّوَّزِيِّ، ومُحمَّدِ بن الطُّفَيل النَّخْعِيِّ، ومُحمَّدِ بن عُثمان بن خالدٍ أبي غَزْوَانَ العُثمَانِيِّ، ومُحمَّدِ بن عُقبَة السُّدُوسيِّ، ومُحمَّدِ بن أبي عُمَر العَدَنِيِّ، ومُحمَّدِ بن عونٍ الزَّيَّادِيِّ، ومُحمَّدِ بن كثيرٍ، ومُحمَّدِ بن مُوسَى بن نُفيعٍ، ومُحمَّدِ بن هشامٍ السُّدُوسِيِّ، ومُسلمِ بن إبراهيمَ، ومُعاذِ بن أَسدٍ، ومُعاويةَ بن عطاءٍ

стр. 455

الخُزاعِيِّ، ومُوسى بن إسماعيلَ التَّبُوذَكِيِّ، ومُوسى بن أيُّوب النَّصِيبِيِّ. والنُّعمانَ بن شبلٍ البَاهِليِّ. وهُدبَةَ بن خالدٍ، وهُريم بن عُثمانَ أبي المُهلَّبِ. ووهبِ بن مُحَمَّدٍ البُنانِيِّ البَصريِّ. ويحيَى بن عُمَر اللَّيثِيِّ، ويحيَى بن كثيرٍ، ويزيدَ بن مَوهِبٍ الرَّمِليِّ، ويعقُوبَ بن حُميدِ بن كاسبٍ (١). قال الهَيثَمِيُّ في "المجمع" (٨/ ١٥٥) عن شيخ الطَّبرانيِّ هذا: "لم أعرِفهُ" كذا قال! وقد وَثَّقه ابنُ يُونُس. ولا أعلمُ أحدًا جَرَحَهُ. أمَّا آفة هذا الإسناد فأبُو رجاءٍ الكلبيُّ، ولم يعرفه الهيثميُّ لأنَّه ورد بكنيته، وأظنُّ أنَّه لم يجتهد في البحث عنه. واسمه: روح بن المسيَّب، وهو معروفٌ، ولكن بالضَّعف. فترجمه ابنُ أبي حاتمٍ (٢/ ١/ ٤٩٦)، ونقل عن ابن مَعِينٍ قال: "صُويلحٌ"، وعن أبيه قال: "صالحٌ، وليس بالقويِّ". وترجمه ابنُ عدِيٍّ (٣/ ١٠٠٣) وقال: "روى عن ثابتٍ

стр. 456

ويزيدَ الرَّقَاشيِّ أحاديثَ غيرَ محفوظةٍ". وترجمه ابنُ حِبَّان في "المَجرُوحين" (١/ ٢٩٩) وقال: "كان ممَّن يَروِي عن الثِّقات الموضُوعاتِ، ويقلِبُ الأَسانِيد ويَرفَعُ الموقوفات، لا تحِلُّ الرِّواية عنه، ولا كتابة حديثه إلَّا للاعتبار"، وأَوْرَدَ له - وكذلك ابنُ عَديٍّ - حديثًا مُنكَرًا جدًّا، وهو حديثُ أَنَسٍ مرفُوعًا: "مِهنَةُ إحداكُنَّ في بَيتِها تُدرِكُ به عَمَلَ المُجاهِدِين في سَبِيلِ الله". وذَكَرَ الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٢٨٠٧) أن رَوْحًا هذا تفرَّد به عن ثابتٍ البُنانِيِّ. ثُمَّ رأيتُ الهَيثَمِيَّ ذَكَرَ رَوْحَ بنَ المُسيَّب هذا في "المَجمَع" (٤/ ٣٠٤) وقال: "وثَّقهُ ابنُ مَعينٍ، والبزَّارُ. وضعَّفه ابنُ حِبَّان، وابنُ عَدِيٍّ". ونقلُهُ التَّوثيقَ عَنهُما غيرُ صحيح؛ لأنَّ ابنَ معينٍ قال: "صُوَيلِحٌ"، ولم يَقُل: "ثقةٌ". أمَّا البَزَّارُ فإنَّه لم يُوَثِّقه، ولكنْ وَرَدَ توثيقُهُ في إسناد الحديثِ الماضي عِندَهُ - وهو برقم (١٤٧٥ - كشف) - قال: "حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، ثنا أبُو رجاءٍ الكَلبِيُّ رَوْحُ بنُ المُسيَّب - ثقةٌ -"، فالذي وثَّقه هو شَيخُ البَزَّار، وليس مشهُورًا بنقد الرُّواةِ، فرأيُهُ غيرُ مُعتبَرٍ. فمِثلُ أبي رجاءٍ هذا، وقد عَرَفتَ حالَهُ، إذا تفرَّدَ عن الأَعمَشِ، مع شُهرَتِه وكَثرَةِ تلامِيذ الثِّقاتِ، بمِثلِ هذا الخَبرِ، فلا يكُونُ إلَّا باطلًا. ثُمَّ ثابتُ بنُ عيَّاشٍ: قال الهَيثَمِيُّ: "لم أعرفه". • قلتُ: ولم أَجِد له ترجمةً. فالإسنادُ ضعيفٌ جِدًّا. وسائرُ الأحاديث التي وَرَدَت في "الأبدال" لا تَقِلُّ بُطلانًا عن هذا. واللهُ أعلَمُ.

стр. 457

١٣٠ - سُئلت عن حديث: "مَن غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا، وَالمَكرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النَّارِ". • قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ (١١٠٧)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٢٣٤)، وفي "الصَّغير" - (٧٣٨)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ١٨٨) مِن طريق أبي خَلِيفَة الفضلِ بن الحُبابِ، ثنا عُثمانُ بنُ الهيثم المؤذِّنُ، ثنا أبِي، عن عاصمِ بن بهدَلَة، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذَكَرَه. قال أبُو نُعيمٍ: "غريبٌ مِن حديث عاصمٍ. تفرَّدَ به عُثمانُ. ولم نكتُبهُ إلَّا مِن حديث الفَضلِ بن الحُباب". وقال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِهِ عن عاصمٍ إلَّا الهَيثَمُ بن الجَهمِ، ولا عَنهُ. إلَّا ابنُه عُثمانُ". وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٥٧٢): "إِسنادُه جيِّدٌ". وَهُو حرِيٌّ بذلك، لَولَا أن عُثمانَ بنَ الهيثم كان يُلَقَّنُ في آخر عُمره، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ؛ لذلك وصَفَهُ الدَّارَقُطنيُّ بكثرة الخطإِ، وقد تفرَّدَ به، كما قال الطَّبَرانيُّ، وأبُو نُعيمٍ. وأمَّا أبُوه هيثمُ بنُ الجَهمِ فصدُوقٌ مُتماسِكٌ، قال ابن أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ٢/ ٨٣): "سألتُ أبي عنه، فقالَ: لَم أَرَ فِي

стр. 458

حديثِهِ مكرُوهًا"، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات" (٩/ ٢٣٥). وطَرَفُ الحديثِ الأوَّلُ ثابتٌ مِن حديث أبي هُريرة. أخرَجَهُ مُسلِمٌ، وغيرُه. وللشَّطر الثَّاني شواهدُ، ذكرَهَا شيخُنا أبُو عبد الرَّحمنِ الألبانيُّ - حفظه الله - في "الصَّحيحة" (١٠٥٧)، وانفصل على تصحيحه. واللهُ أعلَمُ.

стр. 459

١٣١ - سُئلتُ عن حديث: سَمَّى فِيهِ النَّبيُّ ﷺ الفأرَ فاسِقًا، وأَمَرَ بِقَتلِهِ. • قلتُ: قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ. فأخرج البُخاريُّ (٦/ ٣٥١) مِن طريق يُونُسَ بن يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، عن عُروة يُحدِّث، عن عائِشة ﵂، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال للوزَغِ: "الفُوَيسِق" ولم أَسمَعهُ أَمَرَ بِقَتلِهِ. وزَعَمَ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتلِهِ. وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٢٣٩/ ١٤٥)، من هذا الوجه، دُون قولِه: "وَزَعَمَ .. . الخ". قال الحافظُ في "الفتح" (٦/ ٣٥٤): "قوله: "وَزَعَمَ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ … "، قائل ذلك يُحتَمَل أن يَكُون عُروةَ، فيكونُ مُتَّصلًا؛ فإِنَّه سمِع من سعدٍ. ويُحتَمَل أن تكون عائِشةَ، فيكونُ من رواية القرين عن قَرِينه. ويُحتَمَلَ أن يكونَ مِن قولِ الزُّهريِّ، فيكُونُ مُنقَطِعًا. وهذا الاحتمالُ الأخيرُ أرجَحُ؛ فإنَّ الدَّارَقُطنيَّ أخرَجَهُ في "الغرائب" من طريق ابن وهبٍ، عن مالكٍ، ويُونُسَ معًا، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، عن عائِشة، أن النَّبيَّ ﷺ قال لِلوَزَغِ: "فُوَيسِقٌ". وعن ابن شِهابٍ، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتلِ الوَزَغِ" انتهَى. • قلتُ: والاحتمالُ الثَّاني أن عائشةَ هي القائِلةُ وَرَدَ ما يُؤيِّدُه.

стр. 460

فأخرج الإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (١٥٥ - بتحقيقي) مِن طريق عُمَر بن حبيبٍ، قال: حدَّثَنا شُعبةُ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه، عن عائِشةَ، قالت: لَم أسمَع النَّبيَّ ﷺ يأمُرُ بقتل الفأرةِ، وسمعتُه يُسمِّيها الفُويسِقَةَ، ولَكِن حَدَّثَني سعدُ بنُ مالكٍ أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتل الفُويسِقَةَ. ولَكِن سَنَدُه ضعيفٌ أو واهٍ؛ وعُمَر بن حبيبٍ ضعَّفَه ابنُ مَعِينٍ، وقال: "يَكذِب"، وكان أحمدُ يستَخِفُّ به جدًّا، وضعَّفَهُ النَّسَائيُّ. وغالبُ كلام النُّقَّاد على أنّهُ كان كَثيرَ الوَهَمِ والخَطإِ. والرَّاوي عنه أَبو قِلابَة الرَّقَاشِيُّ عبدُ الملِك بنُ مُحَمَّدٍ، قال الدَّارَقُطنيُّ: "صَدُوقٌ، كثيرُ الخطإِ"، وهذا أجمعُ قولٍ فيه. وقد وَرَدَ صريحًا ما يَدُلُّ على قتلِه .. فأخرج ابنُ ماجَهْ (٣٢٣١) واللَّفظ لَهُ، وأحمدُ (٦/ ٨٣، ١٠٩)، وابنُ حِبَّانَ (١٠٨٢)، وابنُ أبي شَيبةَ (٥/ ٤٠٢) من طريق جرير بن حازمٍ، عن نافعٍ، عن سائِبَةَ مولاةٍ للفَاكِهِ بن المُغيرة، أنَّهَا دَخَلت على عائِشة، فرَأَت في بيتِهَا رُمحًا موضُوعًا، فقَالَت: "يا أُمَّ المؤمنين! ما تصنعين بهذا؟ "، قَالَت: "نَقتُلُ بها هذهِ الأوزَاغَ؛ فإِنَّ نبيَّ الله ﷺ أخبَرَنَا أن إبراهيم لمَّا أُلقِي في النَّار لَم تَكُن في الأَرضِ دابَّةٌ إلَّا أَطفأَت النَّار، غيرُ الوَزَغِ، فإِنَّها كانَت تَنفُخُ عليه، فأَمَرَ رسولُ الله ﷺ بقتِلِه". وتابعه أيُّوبُ السَّختيانيُّ، عن نافعٍ مثلَه. أخرجَهُ أحمدُ (٦/ ٢١٧).
следующие страницы →