Полный текст (1 434 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ويزيدَ الرَّقَاشيِّ أحاديثَ غيرَ محفوظةٍ". وترجمه ابنُ حِبَّان في "المَجرُوحين" (١/ ٢٩٩) وقال: "كان ممَّن يَروِي عن الثِّقات الموضُوعاتِ، ويقلِبُ الأَسانِيد ويَرفَعُ الموقوفات، لا تحِلُّ الرِّواية عنه، ولا كتابة حديثه إلَّا للاعتبار"، وأَوْرَدَ له - وكذلك ابنُ عَديٍّ - حديثًا مُنكَرًا جدًّا، وهو حديثُ أَنَسٍ مرفُوعًا: "مِهنَةُ إحداكُنَّ في بَيتِها تُدرِكُ به عَمَلَ المُجاهِدِين في سَبِيلِ الله".
وذَكَرَ الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٢٨٠٧) أن رَوْحًا هذا تفرَّد به عن ثابتٍ البُنانِيِّ.
ثُمَّ رأيتُ الهَيثَمِيَّ ذَكَرَ رَوْحَ بنَ المُسيَّب هذا في "المَجمَع" (٤/ ٣٠٤) وقال: "وثَّقهُ ابنُ مَعينٍ، والبزَّارُ. وضعَّفه ابنُ حِبَّان، وابنُ عَدِيٍّ".
ونقلُهُ التَّوثيقَ عَنهُما غيرُ صحيح؛ لأنَّ ابنَ معينٍ قال: "صُوَيلِحٌ"، ولم يَقُل: "ثقةٌ". أمَّا البَزَّارُ فإنَّه لم يُوَثِّقه، ولكنْ وَرَدَ توثيقُهُ في إسناد الحديثِ الماضي عِندَهُ - وهو برقم (١٤٧٥ - كشف) - قال: "حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، ثنا أبُو رجاءٍ الكَلبِيُّ رَوْحُ بنُ المُسيَّب - ثقةٌ -"، فالذي وثَّقه هو شَيخُ البَزَّار، وليس مشهُورًا بنقد الرُّواةِ، فرأيُهُ غيرُ مُعتبَرٍ.
فمِثلُ أبي رجاءٍ هذا، وقد عَرَفتَ حالَهُ، إذا تفرَّدَ عن الأَعمَشِ، مع شُهرَتِه وكَثرَةِ تلامِيذ الثِّقاتِ، بمِثلِ هذا الخَبرِ، فلا يكُونُ إلَّا باطلًا.
ثُمَّ ثابتُ بنُ عيَّاشٍ: قال الهَيثَمِيُّ: "لم أعرفه".
• قلتُ: ولم أَجِد له ترجمةً. فالإسنادُ ضعيفٌ جِدًّا.
وسائرُ الأحاديث التي وَرَدَت في "الأبدال" لا تَقِلُّ بُطلانًا عن هذا.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 457
١٣٠ - سُئلت عن حديث: "مَن غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا، وَالمَكرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النَّارِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ (١١٠٧)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٢٣٤)، وفي "الصَّغير" - (٧٣٨)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ١٨٨) مِن طريق أبي خَلِيفَة الفضلِ بن الحُبابِ، ثنا عُثمانُ بنُ الهيثم المؤذِّنُ، ثنا أبِي، عن عاصمِ بن بهدَلَة، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذَكَرَه.
قال أبُو نُعيمٍ: "غريبٌ مِن حديث عاصمٍ. تفرَّدَ به عُثمانُ. ولم نكتُبهُ إلَّا مِن حديث الفَضلِ بن الحُباب".
وقال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِهِ عن عاصمٍ إلَّا الهَيثَمُ بن الجَهمِ، ولا عَنهُ. إلَّا ابنُه عُثمانُ".
وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٥٧٢): "إِسنادُه جيِّدٌ".
وَهُو حرِيٌّ بذلك، لَولَا أن عُثمانَ بنَ الهيثم كان يُلَقَّنُ في آخر عُمره، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ؛ لذلك وصَفَهُ الدَّارَقُطنيُّ بكثرة الخطإِ، وقد تفرَّدَ به، كما قال الطَّبَرانيُّ، وأبُو نُعيمٍ.
وأمَّا أبُوه هيثمُ بنُ الجَهمِ فصدُوقٌ مُتماسِكٌ، قال ابن أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ٢/ ٨٣): "سألتُ أبي عنه، فقالَ: لَم أَرَ فِي
стр. 458
حديثِهِ مكرُوهًا"، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات" (٩/ ٢٣٥).
وطَرَفُ الحديثِ الأوَّلُ ثابتٌ مِن حديث أبي هُريرة.
أخرَجَهُ مُسلِمٌ، وغيرُه.
وللشَّطر الثَّاني شواهدُ، ذكرَهَا شيخُنا أبُو عبد الرَّحمنِ الألبانيُّ - حفظه الله - في "الصَّحيحة" (١٠٥٧)، وانفصل على تصحيحه.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 459
١٣١ - سُئلتُ عن حديث: سَمَّى فِيهِ النَّبيُّ ﷺ الفأرَ فاسِقًا، وأَمَرَ بِقَتلِهِ.
• قلتُ: قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ.
فأخرج البُخاريُّ (٦/ ٣٥١) مِن طريق يُونُسَ بن يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، عن عُروة يُحدِّث، عن عائِشة ﵂، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال للوزَغِ: "الفُوَيسِق" ولم أَسمَعهُ أَمَرَ بِقَتلِهِ. وزَعَمَ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتلِهِ.
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٢٣٩/ ١٤٥)، من هذا الوجه، دُون قولِه: "وَزَعَمَ .. . الخ".
قال الحافظُ في "الفتح" (٦/ ٣٥٤): "قوله: "وَزَعَمَ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ … "، قائل ذلك يُحتَمَل أن يَكُون عُروةَ، فيكونُ مُتَّصلًا؛ فإِنَّه سمِع من سعدٍ. ويُحتَمَل أن تكون عائِشةَ، فيكونُ من رواية القرين عن قَرِينه. ويُحتَمَلَ أن يكونَ مِن قولِ الزُّهريِّ، فيكُونُ مُنقَطِعًا. وهذا الاحتمالُ الأخيرُ أرجَحُ؛ فإنَّ الدَّارَقُطنيَّ أخرَجَهُ في "الغرائب" من طريق ابن وهبٍ، عن مالكٍ، ويُونُسَ معًا، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، عن عائِشة، أن النَّبيَّ ﷺ قال لِلوَزَغِ: "فُوَيسِقٌ". وعن ابن شِهابٍ، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتلِ الوَزَغِ" انتهَى.
• قلتُ: والاحتمالُ الثَّاني أن عائشةَ هي القائِلةُ وَرَدَ ما يُؤيِّدُه.
стр. 460
فأخرج الإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (١٥٥ - بتحقيقي) مِن طريق عُمَر بن حبيبٍ، قال: حدَّثَنا شُعبةُ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه، عن عائِشةَ، قالت: لَم أسمَع النَّبيَّ ﷺ يأمُرُ بقتل الفأرةِ، وسمعتُه يُسمِّيها الفُويسِقَةَ، ولَكِن حَدَّثَني سعدُ بنُ مالكٍ أن النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقتل الفُويسِقَةَ.
ولَكِن سَنَدُه ضعيفٌ أو واهٍ؛ وعُمَر بن حبيبٍ ضعَّفَه ابنُ مَعِينٍ، وقال: "يَكذِب"، وكان أحمدُ يستَخِفُّ به جدًّا، وضعَّفَهُ النَّسَائيُّ. وغالبُ كلام النُّقَّاد على أنّهُ كان كَثيرَ الوَهَمِ والخَطإِ.
والرَّاوي عنه أَبو قِلابَة الرَّقَاشِيُّ عبدُ الملِك بنُ مُحَمَّدٍ، قال الدَّارَقُطنيُّ: "صَدُوقٌ، كثيرُ الخطإِ"، وهذا أجمعُ قولٍ فيه.
وقد وَرَدَ صريحًا ما يَدُلُّ على قتلِه ..
فأخرج ابنُ ماجَهْ (٣٢٣١) واللَّفظ لَهُ، وأحمدُ (٦/ ٨٣، ١٠٩)، وابنُ حِبَّانَ (١٠٨٢)، وابنُ أبي شَيبةَ (٥/ ٤٠٢) من طريق جرير بن حازمٍ، عن نافعٍ، عن سائِبَةَ مولاةٍ للفَاكِهِ بن المُغيرة، أنَّهَا دَخَلت على عائِشة، فرَأَت في بيتِهَا رُمحًا موضُوعًا، فقَالَت: "يا أُمَّ المؤمنين! ما تصنعين بهذا؟ "، قَالَت: "نَقتُلُ بها هذهِ الأوزَاغَ؛ فإِنَّ نبيَّ الله ﷺ أخبَرَنَا أن إبراهيم لمَّا أُلقِي في النَّار لَم تَكُن في الأَرضِ دابَّةٌ إلَّا أَطفأَت النَّار، غيرُ الوَزَغِ، فإِنَّها كانَت تَنفُخُ عليه، فأَمَرَ رسولُ الله ﷺ بقتِلِه".
وتابعه أيُّوبُ السَّختيانيُّ، عن نافعٍ مثلَه.
أخرجَهُ أحمدُ (٦/ ٢١٧).
стр. 461
قال البُوصيرِيُّ في "الزَّوائد" (٦٦/ ٣): "هذا إسنادٌ صحيحٌ" كذا قال! وسائبةُ مولاةُ الفاكِهِ مجهولةٌ، قال الذَّهَبيُّ: "تفرَّد عنها نافعٌ".
ومَعَ ذَلِكَ، فَقَد اختُلِف على نافعٍ في إسنادِهِ ..
فرَوَاهُ عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن بن أبي أُميَّة، عن نافع، أن عائِشة أخبَرَتهُ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اقتُلُوا الوَزَغَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَنفُخ عَلَى إِبرَاهِيمَ ﵇ النَّارَ". قال: وكانت عائِشةُ تقتُلُهنَّ.
أخرجَهُ أحمدُ (٦/ ٢٠٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن بَكرٍ ..
والفَاكِهِيُّ في "أخبار مَكَّةَ" (٢٢٨٩) عن عبدِ المَجِيد بن أبي رَوَّادٍ ..
والأَزرَقِيُّ في "أخبار مَكَّةَ" (٢/ ١٥٠) عن مُسلِمِ بن خالِدٍ الزِّنجِيِّ .. قالُوا: أنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرَنِي عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن به.
وهذا الوجهُ أصحُّ من الأول.
وله طريقٌ آخرُ عن عائشةَ ..
أخرَجَه النَّسائيُّ (٥/ ١٨٩) من طريق هشامٍ الدَّستُوائيِّ، عن قتادة، عن سعيد بن المُسيَّب، أن امرأة دَخَلَت على عائِشة وبِيَدِهَا عكَّازٌ، فقالت: "ما هذا؟ "، فقالت: "لِهَذِهِ الوَزَغِ؛ لأنَّ نبيَّ الله ﷺ حدَّثَنَا أَنَّه لم يكُن شيءٌ إلَّا يُطفئُ على إِبراهيم ﵇، إلَّا هذه الدَّابةُ، فأَمَرَنَا بقتلِهَا. ونَهَى عن قتل الجِنَانِ، إلَّا ذا الطُّفيَتَينِ والأَبتَرِ؛ فإنَّهُما يطمِسان البصر، ويُسقِطان ما في بُطون النِّساء".
وقد خُولِف قتادةُ في إسناده ..
خالَفَهُ عبدُ الحميد بنُ جُبير، فرواهُ عن سعيد بن المُسيَّب، عن أُمِّ شريكٍ
стр. 462
- ﵂، أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بقتل الوَزَغِ - وفي رِوايَةٍ: الوُزغَان، وفي رِوايةٍ: الوَزغات، وفي رواية: الأَوزَاغ -.
فَجَعَلَ الحديثَ مِن مُسنَد أُمِّ شريكٍ.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "بَدء الخلق" (٦/ ٣٥١) قال: حدَّثَنا صدقةُ بن الفَضل ..
ومُسلِم (٢٢٣٧/ ١٤٢) قال: حدَّثنا عمرٌو النَّاقدُ، وإسحاقُ بنُ إبراهيم، وابنُ أبي عُمَر ..
وأبو عَوانة - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٨/ ٢٧٠) - عن إبراهيمَ بن بشَّارٍ الرَّمادِيِّ ..
والنَّسَائيُّ (٥/ ٢٠٩)، ومن طريقه ابنُ عبدِ البَرِّ في "التَّمهيد" (١٥/ ١٨٦) قال: أخبَرَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله بن يزيدَ ..
ومُسلِمٌ أيضًا، وابنُ ماجَهْ (٣٢٢٨)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمَثانِي" (٣٣٢٥) قالا: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبَة، وهو في "المُصنَّف" (٥/ ٤٠١).
وأحمدُ (٦/ ٤٢١، ٤٦٢)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٧٩٦٦) ..
وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٤/ رقم ٨٣٩٥)، ومن طريقه الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ٢٥/ رقم ٢٥٠).
وإسحاقُ بن راهوَيهِ في "المُسنَد" (٢٢١٠/ ٩).
والحُميدِيُّ في "مُسنَده" (٣٥٠)، ومن طريقه ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد"
стр. 463
(١٥/ ١٨٦) ..
والمَحَامِليُّ في "الأمالي" (١٠١) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ أبي عونٍ ..
وأبو الفَضل الزُّهرِيُّ في "حديثه" (ج ٧/ ق ١١٥/ ٢) قال: حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ عرفة، قالوا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينة، عن عبدِ الحميد بن جُبيرٍ بِهذا الإسناد.
وتابعه ابنُ جُريجٍ، فرواه عن عبدِ الحميد بن جُبيرٍ بسنده سواء.
أخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٢٣٧/ ٤٣)، وأبو عَوانة في "المُستخرَج" - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٨/ ٢٧٠) -، وابنُ حِبَّان (٥٦٣٤) عن ابن وهبٍ .. ومُسلِمٌ، وأبو عَوَانة، وأحمدُ (٦/ ٤٢١)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحَابة" (٧٩٦٤) عن رَوح بن عُبادةَ ..
ومُسلِمٌ، وأحمدُ (٦/ ٤٢١) عن مُحمَّد بن بكرٍ البُرْسَانِيِّ ..
وأحمدُ (٦/ ٤٢١)، والإِسمَاعِيليُّ في "المُستخرَج" - كما - في "الفتح" (٦/ ٣٩٤) -، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحَابة" (٧٩٦٥) عن يحيى القَطَّان ..
والفَاكِهِيُّ في "أخبار مَكَّة" (٢٢٨٩) عن عبدِ المجيد بن أبي رَوَّادٍ ..
والأَزرَقِيُّ في "أخبار مَكَّة" (٢/ ١٥٠) عن مُسلِم بن خالدٍ الزِّنجِيِّ ..
وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٨/ ١٥٧) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عمر الوَاقِدِيُّ ..
وأبو عَوَانة عن حجَّاج بن مُحَمَّدٍ الأعورِ، قالوا: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عبدِ الحميد بن جُبيرٍ بهذا.
стр. 464
وصرَّح ابنُ جُريج بالتَّحديث عند مُسلِمٍ، وأحمدَ، والفاكهيِّ، والأَزرَقِيِّ، والإسماعيليِّ.
وتابعهم أبو عاصمٍ النَّبيلُ، فرواه عن ابن جُريجٍ بهذا الإسناد.
أخرَجَه الدَّارِمِيُّ (٢/ ١٦) ..
وأبو عَوَانة - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٨/ ٢٧٠) - قال: حدَّثَنا عمَّار بنُ رجاءٍ، وأبو يُوسُف الفارسِيُّ، وأبو داوُد الحرَّانِيُّ ..
وابنُ شاهينَ في "النَّاسخ والمنسُوخ" (٦٤٥) عن إسحاقَ بن يسارٍ ..
وأبو نُعيم في "معرفة الصَّحابة" (٧٩٦٤) عن مُحمَّد بن أحمد بن أبي العوَّام، قالُوا: ثنا أبو عاصمٍ النَّبيلُ بهذا.
ورواه أبو مُسلمٍ الكَشِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ الحميد بن جعفرٍ، عن أبي إدريسَ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أُمِّ شريكٍ بهذا.
أخرَجَه الطَّبَرَانِيُّ (ج ٢٥/ رقم ٢٥١).
ولم أَجِد روايةً لأبي إدريسَ، عن سعيد بن المُسيَّب.
وأبو مُسلِمٍ، شيخُ الطَّبَرَانِيِّ، من الأثبات.
فلعلَّ لأبي عاصمٍ فيه إسنادان. والله أعلم.
وتابَعَهُم عُبيدُ الله بنُ مُوسَى، فرواه عن ابن جُريجٍ بهذا الإسناد، وزاد: "كَان يَنفُخ على إبراهيمَ ﵇".
أخرَجَهُ البُخارِيُّ في "الأنبياء" (٦/ ٣٨٩) قال: حدَّثَنا عُبيد الله بنُ مُوسَى - أو ابن سلامٍ - عنه، ومن طريقه البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧) ..
стр. 465
وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (١٥٥٩) ..
وأبو عَوَانة - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٨/ ٢٧٠) - قال: حدَّثَنا عليُّ بن حَربٍ، ويُوسُفُ بنُ مُسلمٍ، وعمَّارُ بنُ رجاءٍ ..
والبَيهَقِيُّ (٥/ ٢١١) عن أبي حاتمٍ الرَّازِيِّ، قالُوا: ثنا عُبيدُ الله بنُ مُوسَى بهذا.
قال أبو عَوانة: "زاد عُبيدُ الله بنُ مُوسَى وحدُه: "وكانت تَنفُخ على إبراهيمَ"، ولم يَزِدها غيرُه، ولا هي عند مُسلمٍ".
• قلتُ: قلتُ: وعُبيدُ الله ثقةٌ، لكنَّه كان مُحتَرِقًا في التَّشيُّع. ومِن ساقِط قولِه - كما حكاه عنه ابن مَعِين -: "ما كان أحدٌ يشُكُّ في أن عليًّا أفضلُ من أبي بكرٍ وعُمرَ"، فاللَّهُمَّ! غُفرًا! ولذلك تركَهُ أحمدُ، وغيرُه. أمَّا هو فلا يُدفَع عن الصَّدق. والله أعلَمُ.
ولا تَعَارُض بين الرِّوايتين؛ وسعيدُ بن المسيَّب كان واسعَ الرِّواية، ولا مانِع أن يكونَ الحديثُ عنده عن عائشة وأُمِّ شَريكٍ معًا، لولا ما قيل في رِواية قتادةَ عن سعيدِ بن المسيَّب، فقد ذَكَرَ إسماعيلُ القاضِي أن ابن المدينيِّ كان يُضعِّف أحاديثَ قتادةَ عن سعيدِ بن المُسيَّب تضعيفًا شديدًا، وقال: "أَحسَبُ أن أكثَرها بين قتادة وسعيدٍ فيها رجالٌ" انتهى؛ وذلك لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 466
١٣٢ - سُئلتُ عن حديث: "كُن فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ عرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفسَكَ مِن أَهلِ القُبُورِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ، ما عدا قولِهِ: "وَعُدَّ نَفسَكَ مِن أَهلِ القُبُورِ" كما يَأتِي تفصيلُهُ، إن شاء الله تعالى.
أخرَجَهُ البُخاريُّ (١١/ ٢٣٣)، وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" (٢/ ٥٧/ ٦٨٧)، وفي "رَوضة العُقلاء" (١٤٨)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (ق ١٥١/ ١)، والحكيمُ التِّرمذيُّ في "نوادر الأصول" (ج ٢/ ق ١٤٥/ ١)، وابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (ج ٥/ ق ٩٦/ ٢)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الزُّهد" (١٨٥)، والدَّارَقُطنيُّ في "الأفراد" (ق ٨٨/ ١)، والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٤٧٥)، والآجُرِّيُّ في "الغُرَباء" (ق ٣/ ١)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٣/ ٣٠١)، والخَطَّابيُّ في "العُزلة" (ص ٣٩/ ٣٠١)، والبَيهقِيُّ في "الأربَعُون الصُّغرَى" (٣٢ - بتحقيقي)، والقُضاعيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٦٤٤) مِن طريق الأعمَش، قال: حدَّثَني مُجاهِدٌ، عن ابن عُمَر ﵄، قال: أخَذَ رسُول الله ﷺ بِمِنكَبِي، فَقَالَ: "كُن فِي الدُّنيا كَأنَّك غريبٌ أو عابِرُ سبيلٍ".
وكان ابنُ عُمَر يقولُ: "إِذَا أمسيتَ فلا تَنتَظِر الصَّباحَ، وإذا أَصبَحتَ فلا تَنتَظِر المسَاءَ، وخُذ مِن صِحَّتِك لمَرَضِك، ومِن حياتِكَ لموتِك".
стр. 467
وهذا لفظُ البُخاريِّ.
قال ابنُ حِبَّانَ في "رَوضةُ العُقلاء" (١٤٩): "قد مَكثتُ بُرهةً من الدَّهر، مُتوهِّمًا أن الأعمشَ سَمِعَ هذا الخبرَ مِن ليثِ بن أبي سُليمٍ، فدَلَّسَهُ، حتَّى رأيتُ عليَّ بنَ المَدينِيِّ، حدَّث بهذا الخبرِ، عن الطُّفَاوِيِّ، عن الأعمشِ، قال: حدَّثَنِي مجاهِدٌ، فعلِمتُ حِينئذٍ أن الخبرَ صحيحٌ، لا شكَّ فِيهِ، ولا امتِرَاء في صِحَّتِه" ا. هـ.
وهُو يُشيرُ إِلَى روايةِ البُخاريِّ.
وقال الحافظُ في "الفتح" (١١/ ٢٣٣ - ٢٣٤): "أَنكَرَ العُقيليُّ هذه اللَّفظة، وهي: "حدَّثَنِي مُجاهِدٌ"، وقالَ: إِنَّما رواه الأعمشُ بصيغةِ: "عن مُجاهد"، كذلكَ رواه أصحابُ الأعمش عَنهُ، وكذا أصحابُ الطُّفَاوِيِّ عنه، وتَفَرَّدَ ابنُ المَدينيِّ بالتَّصريحِ، قال: ولَم يَسمَعهُ الأعمشُ عن مُجاهِدٍ، وإنَّما سَمِعَهُ من ليثِ بن أبي سُليمٍ عنه، فدَلَّسَهُ" ا. هـ.
• قُلتُ: ليس في نُسخَتي مِن "الضُّعَفاء" كلامُ العُقيليِّ، ولا في المطبُوعَة منه، وإِنَّما فيها أنَّ العُقيليَّ رَوَى هذا الحديثَ: "عن مُحمَّد بن عبد الله الحضرَمِيِّ المَعرُوفِ بـ "مُطَيَّنٍ"، قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ مُحمَّد بن بُكيرٍ النَّاقِدُ، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن الطُّفَاوِيُّ به، بالعنعنة بين الأعمش ومُجاهدٍ. - ثُمَّ قال: - وقال الحضرَمِيُّ: قال لنا عمرُو بنُ مُحَمَّدٍ - وذَكَرَ عليَّ بن المَدِينِيِّ، فقال -: زَعَمَ المَخذُولُ [!!] في هذا الحديث أنَّهُ قال: حدَّثَنا مُجاهِدٌ. وإِنَّما أخذَهُ الأعمش من ليث بن أبي سُليمٍ" ا. هـ.
وسَوَاءٌ كان المُنكِرُ هو العُقيليَّ، أو عَمرًا النَّاقد، فإِنَّهُ تَعقُّبٌ فيه نَظَرٌ؛
стр. 468
وعليُّ بن المدينيِّ أَحَدُ جبال الحفظ، الذين يُبدَأُ بذكرهم ويُعادُ في الضَّبط والإتقان، وقد حَفِظَ ما لم يَحفَظوه، فلا يَتَوَجَّه الإنكارُ إليه.
وقد قال الذَّهَبيُّ في "الميزان"، يُدافِع عن ابن المدينيِّ قال: "بل الثِّقةُ الحافظُ إذا انفرد بأحاديثَ كان أرفعَ له، وأَكمَلَ لرُتبَتِه، وأدَلَّ على اعتنائِهِ بعلم الأَثَر، وضبطِهِ دُون أقرانه لأشياءَ ما عَرَفُوها" ا. هـ.
وثَمَّ شيءٌ آخرُ ..
وهو رِوايَةُ البُخاريِّ لهذا الحديث من طريق ابن المدينيِّ، وكان البُخاريُّ حُجَّة في هذا الباب.
واللهُ المُوَفِّقُ.
ولِلحدِيثِ طُرُقٌ أُخرَى، ذكرتُها في "الثَّانِي من أَمَالي الوزير أبي القاسم بن الجرَّاح" (رقم: ٩٤).
стр. 469
١٣٣ - سُئلتُ عن حديث: "ذَاكِرُ الله فِي رَمَضَانَ مَغفُورٌ لَهُ، وَسَائِلُ اللهِ فِيهِ لَا يَخِيبُ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٣٤١)، وابنُ عدي في "الكامل" (٤/ ١٦٠١)، والبَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٧/ رقم ٣٣٥٥)، والأصبهانيُّ في "التَّرغيب" (١٧٥١) مِن طرقٍ عن أحمدَ بن منصورٍ المَروَزِيِّ المُلقَّبِ بـ "زاجٍ"، ثنا عبدُ الرَّحمن بنُ قيسٍ، ثنا هِلالُ بنُ عبد الرَّحمن، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن عُمَرَ بن الخطَّاب مرفُوعًا فذَكَرَه.
قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن سعيدِ بن المُسيَّب إلَّا عليُّ بنُ زيدٍ، ولا عن علي إلَّا هلالُ بنُ عبد الرَّحمن. تفرَّد به عبد الرَّحمن بن قيسٍ" ا. هـ.
• قلتُ: قلتُ: وعبدُ الرَّحمن كَذَّبه ابنُ مَهديٍّ، وأبُو زُرعة، وقال البُخاريُّ: "ذَهَبَ حديثُه"، وقال أحمدُ: "لم يَكُن بشيءٍ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان مِمَّن يَقلِبُ الأسانيدَ، وينفرد عن الثِّقات بما لا يُشبه حديثٌ الأثبات. ترَكَه أحمدُ بنُ حَنبلٍ" ا. هـ.
وهلالُ بنُ عبد الرَّحمن، قال العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ٣٤٢): "مُنكَر الحديث".
стр. 470
وعليُّ بنُ زيدٍ هو ابنُ جُدْعَانَ، ضعَّفُوهُ من قِبَل حِفظِه.
وضَعَّف الهيثمِيُّ الحديثَ في "مجَمَع الزَّوائد" (٣/ ١٤٣)، وأعَلَّه بهلالِ بن عبد الرَّحمن. وعبدُ الرَّحمن بنُ قيسٍ شرٌّ منه.
والحديثُ أيضًا ضعَّفَهُ المُنذريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ١٠٣ - ١٠٤)، إِذ صدَّرَه بقوله: "رُوِيَ"، كما نَصَّ عليه في مُقدِّمة الكتاب، وكان اللَّائِقُ بِهِ ﵀ أن يحذِفَهُ مِن كتابه؛ لشدَّةِ ضعفِه، فلو اكتفَى بالصَّحيح والحسَنِ وما يُقارِبُهما ممَّا ضعفُه مُحتَمَلٌ، لَهَانَ الأمرُ، ولكنَّهُ أدخَل الموضوعاتِ والبواطيلَ والمناكيرَ في كِتابه، والضَّعيفَ أيضًا، وصدَّر الكُلَّ بقولِه: "رُوِيَ"، فَضَاعَ علَى النَّاس مَعرِفَةُ شديدِ الضَّعف مِمَّا ضعفُه مُحتمَلٌ. فاللهُ المُستَعان.
стр. 471
١٣٤ - سُئلتُ عن حديث: "يَدخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الجَنَّةَ قَبلَ أَغنِيَائِهِم بِأَربَعِينَ خَرِيفًا"، قالُوا: "صِفهُم لَنَا يَا رَسُولَ الله"، قال: "هُمُ الشَّعَثَةُ رُؤُوسُهُم، الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُم، الَّذِينَ لَا يُؤَذَنُ لهُم عَلَى السُّدَّاتِ، وَلَا يَنكِحُونَ المُتَنَعِّماتِ، تُوكَلُ بِهِم مَشَارِقُ الأَرضِ وَمَغَارِبُهَا، يُعطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيهِم، وَلَا يُعطَوْنَ كلَّ الَّذِي لَهُم".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٢٢٣)، وفي "الأوسط" (ج ١/ ق ١٩٩/ ١) قال: حدَّثَنَا الحُسينُ بنُ إسحاقَ التُّستَرِيُّ ..
والإسماعيليُّ في "مُعجَمه" (رقم ٤٥ - بتحقيقي) من طريق أبي زُرعة الرَّازيِّ عُبيدِ الله بن عبد الكريم، قالا: ثنا عليُّ بنُ بحرٍ، ثنا قتادةُ بنُ الفضل، قال: سمِعتُ أبا حاضرٍ يُحدِّثُ، عن الوُضَيْنِ بن عطاءٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَرَهُ بتمامِهِ.
وسَنَدُه ضعيفٌ أو واهٍ؛ وقتادةُ بنُ الفضل ذكرَهُ ابن حِبَّانَ في "الثِّقات"، وقال أبُو حاتمٍ: "شيخ".
وأبُو حاضرٍ قال الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٤/ ٥١٢): "مجهُولٌ".
أمَّا الهيثميُّ فقال في "المَجمَع" (١/ ١٧٠): "أبو حاضرٍ عبدُ الملِك
стр. 472
ابن عبد ربِّه: مُنكَرُ الحديث"، وصنيع الذَّهَبيِّ التفريقُ بينهُما.
والوُضَيْنُ بنُ عطاءٍ في حفِظِه سوءٌ.
وقال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى عن ابن عُمَر إلَّا مِن هذا الوجهِ، ولم يُحدِّث به إلَّا عليُّ بنُ بحرٍ" ا. هـ.
وعليُّ بن بحرٍ ثقةٌ، والشَّأنُ في غيرِه كما تقدَّم.
وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٤/ ١٣٦)، والهَيثميُّ في "المَجمع" (١٠/ ٢٦٠) بعد ذِكر الحديث: "رُواتُه ثقاتٌ" كذا قالَا!
وقد رجَّح الهَيثميُّ أنَّ أبا حاضرٍ هو عبدُ الملِك بنُ عبد ربِّه، ووَصَمَهُ بأنَّهُ مُنكَرُ الحديث، فكيف يقولُ: "رُواتُه ثقاتٌ"! وحتَّى لو فرَّق بينَهُمَا كما فعل الذَّهبيُّ، فأبو حاضرٍ الذي يَروِي عن الوُضَينِ مجهولٌ.
هذا، مع ما قيل في حِفظ الوُضَينِ.
فقَولهُما، على جميع الوُجوه لا يستقِيمُ. واللهُ أعلَمُ.
ولكن، للحديث شواهدُ يصِحُّ بها ..
* فأمَّا أوَّلُه فصحَّ عن عبد الله بن عمرٍ ﵄.
أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "صحيحه" (٢٩٧٩/ ٣٧) من طريق ابن وهبٍ، أخبَرَنِي أبُو هانئٍ، سمعَ أبا عبد الرَّحمن الحُبُليَّ، قال: وجاء ثلاثةُ نَفَرٍ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا عِندَه، فقالُوا: يا أبَا مُحَمَّدٍ! إنَّا والله!، ما نَقدِرُ على شيءٍ، ولا نَفَقةٍ، ولا دابَّةٍ، ولا مَتاعٍ. فقال لَهُم: ما شِئتُم: إِن شِئتُم رَجَعتُم إلينا فأعطينَاكُم ما يَسَّرَ اللهُ لكم، وإن شِئتُم ذَكَرنَا أمرَكُم للسُّلطان، وإن شئتُم صَبَرتُم، فإِنِّي سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إِنَّ
стр. 473
فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَسبِقُونَ الأَغنِيَاءَ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَربَعِينَ خَرِيفًا".
قَالُوا: فَإِنَّا نصبِرُ، ولا نسألُ شيئًا.
وأخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ١٦٩)، وابنُ حِبَّانَ (ج ٢/ رقم ٦٧٨) من طريق حَيْوَةَ، حدَّثَنا أبو هانئٍ بسنده سواءٌ، بالمرفُوع وحدَهُ، دُون القِصَّة.
ولكن وَقَعَ عند ابن حِبَّانَ: "بسبعين - أو: أربعين - خريفًا"، هكذا وقَعَ الحديثُ عند ابن حِبَّانَ علَى الشَّكِّ.
وقد رواه أحمَدُ، قال: حدَّثَنا أبو عبد الرَّحمن، ثنا حَيْوَةُ - وهُو: ابن شُريحٍ -.
وأخرَجَهُ ابنُ حِبَّان من طريق أبي خَيثَمة زُهيرِ بن حربٍ - وهو ثِقَةٌ حافِظٌ -، ثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المقرئُ - وهو أبو عبد الرَّحمن، شيخُ أحمدَ فيه -.
فلعلَّ الشَّكَّ مِن أبي خَيثَمة، أو مِن أبي يَعلَى، راوِيهِ عنهُ. واللهُ أعلَمُ.
ففِي رِواية أحمدَ، عن المُقرئِ، قال: "بأربعين خريفًا"، ولم يشُكَّ.
وكذلك رواه هارُون بن مَلُّولٍ المصريُّ، عن المُقرئِ، مِثلَ رِواية أحمدَ.
أخرجَهُ الطَّبرانيُّ في "المُعجَم الكبير" (٤٢ - الجزء المُتَمِّم)، والنَّسائيُّ في "السُّنَن الكُبرَى" (٥٨٧٦)، والدَّارِميُّ (٢/ ٢٤٥)، وابنُ حِبَّانَ (٦٧٧)، والبَيهقِيُّ في "البعث والنُّشُور" (٤١١) من طريق مُعاوِية بن صالحٍ، عن عبد الرَّحمن بن جُبيرِ بن نُفيرٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: بينَمَا أنا جالسٌ في المسجِدِ وحلقَةٌ من فُقراء المُهاجِرين وسط المسجد جلوسٌ، فدخَلَ رسول الله ﷺ المسجدَ نِصفَ النَّهارِ،
стр. 474
فانطلقَ إِليهِم، فجَلَسَ معَهُم، فلمَّا رأيتُ النَّبيَّ ﷺ جَلَسَ إلَيهِم قُمتُ إليه، فأدرَكتُ مِن حديثِه وهُو يقولُ: "بَشِّر فُقَراءَ المُهاجِرين: إِنَّهم لَيَدخُلُون الجَنَّة قبل الأغنياء بأربعين عامًا".
وسَنَدُه صحيحٌ، وهذا لفظُ ابن حِبَّانَ.
وعِند الباقين: "قال عبدُ الله بنُ عمرٍو: فَلَقَد رأيتُ ألوانَهم أَسْفَرَت، حتَّى تمنَّيتُ أَن أكُون مِنهُم".
وعِند الدَّارِميِّ: " - أو: مَعَهُم - ".
وأخرَجَهُ الحاكِمُ في "المُستدرَك" (٢/ ٧٠)، وعَنهُ البيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ٨/ رقم ٣٩٥٥) مِن طريق مُحمَّد بن عبد الله بن عبد الحكَم، أخبَرَنَا ابنُ وهبٍ، أخبَرَنِي سعيد بن أبي أيُّوبَ، عن عيَّاش بن عبَّاسٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: قال لِي رسُول الله ﷺ : "أَتَعلَمُ أوَّلَ زُمرَةٍ تَدخُلُ الجَنَّة مِن أُمَّتِي؟ "، قال: اللهُ ورسُولُه أعلَمُ! .. فقال: "فُقَرَاءُ المُهاجِرِين. يأتُونَ يومَ القِيامَة بابَ الجنَّةِ، ويستَفتِحُون، فيَقُولُ لهم الخَزَنةُ: أَوَقَد حُوسِبتُم؟ قالُوا: بأيِّ شيءٍ تُحاسِبُونَا؟! وإنَّما كانت أسيافُنا على عواتِقِنَا في سبيلِ الله، حتَّى مُتنا على ذَلِك. - قال: - فَيُفتَح لهم، فيَقِيلُون فيه أربعين عامًا قبلَ أن يَدخُلَها النَّاسُ".
قال الحاكِمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين"، ووافَقَهُ الذَّهبيُّ.
وليس كما قالَا، والصَّوابُ أنَّه على شرط مُسلِمٍ؛ فهذه التَّرجمة: "سعيد بن أبي أيُّوب، عن عيَّاش بن عبَّاسٍ، عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُليِّ"، لَم
стр. 475
يُخرِّجها البُخاريُّ، ولم يَروِ البُخاريُّ شيئًا لعيَّاش بن عبَّاسٍ.
وأخرَجَهُ أحمد (٢/ ١٦٨)، وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (٣٥٢)، والمُعافَى بنُ عِمرَان في "الزُّهد" (٥٦)، وابنُ حِبَّانَ (٧٤٢١)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الأوائل" (٥٧)، وابنُ جَرِيرٍ في "تفسِيرِه" (٤/ ٢١٦)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (١/ ٣٤٧)، وفي "صِفَة الجَنَّة" (٨١، ٩٢)، والبَزَّار في "مُسنَدِه" (٣٦٦٥ - كشف الأستار)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١٣/ رقم ١٥٢ - قطعةٌ منه)، والبيهقيُّ في "البَعث" (٤١٤)، وفي "الشُّعَب" (ج ٨/ رقم ٣٩٥٤)، عن الحاكِم، وهو في "المُستدرَك" (٢/ ٧١ - ٧٢)، وأبو عَرُوبَةَ في "الأوائل" (١٠٣)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٨١٠) مِن طريق أبي عُشَّانَة حدَّثَه، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عمرٍو يقُول: … وسَاقَ الحديث بنحوِهِ، مع اختلافٍ في سياقِه.
ورواه عن أبي عُشَّانَةَ: عَمرُو بنُ الحارِث، وابنُ لهِيعَةَ، ومَعرُوفُ بنُ سوَيدٍ.
قال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠): "إسنادُهُ حسَنٌ، لكن متنُهُ غريبٌ".
• وأمَّا آخِرُ الحديثِ فلَهُ شواهدُ مِنهَا حديثُ ابن عُمَر، مرفُوعًا: "حَوضِي مَا بينَ عدنَ وعمَّانَ، أبرَدُ من الثَّلج، وأحلَى مِنَ العَسَلِ، وأطيبُ ريحًا من المِسك، أكوابُه مثلُ نُجوم السَّماء، مَن شَرِبَ مِنهُ شربةً لم يظْمَأْ بعدَهَا أبدًا، أوَّلُ النَّاس عليه وُرُوْدًا صعاليكُ المُهاجِرين"، قال قائل: وَمَن هُم، يَا رسول الله؟. قال: "الشَّعَثَةُ رُؤُوسُهم، الشُّحبَةُ
стр. 476
وُجُوهُهُم، الدَّنِسَةُ ثِيَابُهم، لا يُفتح لهُم السُّدَدُ، ولا يَنكِحُون المُتنَعِّمات، الذين يُعطُون كلَّ الذي عليهم، ولا يأخُذُون الذي لهم".
أخرجه أحمد (٢/ ١٣٢) قال: حدَّثنا أبو المُغيرة، ثنا عمرُو بنُ عمرٍو أبُو عُثمان الأُحمُوسِيُّ، حدَّثَني المُخارِقُ بنُ أبي المُخارِقِ، عن عبد الله بن عُمَرَ بن الخطَّاب ﵄.
قال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٤/ ٤٢٠): "إسنادُهُ حَسَنٌ".
وقال الهَيثميُّ في "المَجمَع" (١٠/ ٣٦٦): "رواه أحمدُ، والطَّبَرانيُّ، مِن رواية عمرو بن أبي عمرٍو الأُحمُوسِيِّ، عن المُخارِق بن أبي المُخارِق - واسمُ أبيه: عبدُ الله بنُ جابرٍ -، وقد ذكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في الثقات".
وله شاهدٌ آخرُ مِن حديث ثَوبَانَ ﵁.
أخرَجَهُ التِّرمذيُّ (٢٤٤٤)، وابنُ ماجَهْ (٤٣٥٣)، وأحمدُ (٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، والطَّيالسِيُّ (٩٩٥)، والحاكِمُ (٤/ ١٨٤)، وابنُ أبي الدُّنيَا في "الأولياء" (٧)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) مِن طرقٍ عن مُحمَّد بن المُهاجِر، عن العبَّاس بن سالمٍ اللَّخميِّ، عن أبي سلَّامٍ الحبشيِّ، قال: بَعَثَ إليَّ عُمَرُ بنُ عبد العزيز، فحُمِلتُ على البريدِ. قال: فلمَّا دَخَلَ عليه، قال: يا أَمِيرَ المؤمنين! لقد شَقَّ عليَّ مَركِبي البريدَ! فقال: يا أبا سلَّامٍ! ما أردتُ أن أَشُقَّ عليكَ، ولَكِن بَلَغَنِي عنك حديثٌ تُحدِّثُه، عن ثوبان، عن النَّبيِّ ﷺ في الحَوض، فأحببتُ أن تُشافِهَنِي به. قال أبو سلَّامٍ: حدَّثَنِي ثوبانُ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "حَوضِي من عدنَ إلى عمَّانَ البلقاءِ، ماؤُهُ أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلَى من العَسَلِ،
стр. 477
وأَكَاوِيبُهُ عدَدُ نجوم السَّماء، مَن شَرِبَ مِنهُ شربةً لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، أوَّلُ النَّاس وُرُودًا عليه فُقراءُ المُهاجِرين، الشُّعْثُ رُؤُوسًا، الدُّنُسُ ثيابًا، الذين لا يَنكِحُون المُتنعِّمات، ولا تُفَتَحُ لهُم السُّدَدُ". قال عُمَر: لكنِّي نَكَحتُ المُتنعِّماتِ، وفُتِح لي السُّدَدُ، ونكحتُ فاطمةَ بنتَ عبد الملِك، لا جَرَمَ! أَنِّي لا أَغسِلُ رَأسِي حتَّى يَشعَثَ، ولا أغسلُ ثوبي الذي يلي جسَدِي حتَّى يتَّسِخ.
وصَحَّحه الحاكِمُ، ووافَقَهُ الذَّهبيُّ، وهُو كما قالَا.
وقد اختُلف في سنَدِه، وشَرَحتُ ذلك في تَخرِيجِي على "مُعجَم الإسماعيليِّ"، فلِلَّهِ الحمدُ.
стр. 478
١٣٥ - سُئلتُ عن حديث: "لَا تُمَثِّلُوا بِالبَهَائِمِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ النسَائيُّ (٧/ ٢٣٨)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٦/ ق ٧٦٥) مِن طريق عبد العزيز بن أبي حازمٍ ..
وأبو عمرٍو السَّمَرقندِيُّ في "الفوائد المُنتقاة" (٨٠ - بتحقيقي) مِن طريق عبد العزيز بن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَردِيِّ، كِلاهُما عن يزيدَ بن الهادِ، عن مُعاوية بن عبد الله بن جَعفَرٍ، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ أمرَّ بقومٍ يرمُون كَبشًا بالنَّبل، فكَرِهَ ذلكَ، وقالَ: "لَا تُمُثِّلُوا بالبهائم".
وسَنَدُه جيِّدٌ.
وفي الباب عن ابن عُمَرَ.
أخرَجَهُ النَّسائِيُّ، وأحمد (٢/ ١٣)، بسَنَدٍ قويٍّ.
وأمَّا النَّهيُ عن التَّمثيل بذوات الأرواح ففيه حديثُ بُرَيدَةَ بن الحُصَيب، عند مُسلِمٍ، وأصحاب السُّنَن، إلَّا النَّسائيِّ، كما حقَّقتُه في "غَوْثِ المكدُود بتخريج مُنتَقَى ابن الجَارُود" (رقم ١٠٥٦)، وهو مطبوعٌ.
стр. 479
١٣٦ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ النَّبيُّ ﷺ أَكثَرَ صِيَامًا فِي شَعبَانَ، فَلَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِكَ، قَالَ: "ذَاكَ شَهرٌ بَينَ رَجَب وَرَمَضَانَ، تُرفَعُ فِيهِ الأَعمَالُ إِلَى اللهِ، وَأُحِبُّ أَن يُرفَعَ عَمَلي وَأَنَا صَائِم".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَهُ النَّسائيُّ (٤/ ٢٠٢)، وابن أبي شَيبة (٣/ ١٠٣)، والمَحامِليُّ في "الأمالي" (٤٨٦)، وأبو سَهلٍ بنُ زيادٍ القَطَّانُ في "الرَّابع من حديثه" (ق ٣٣/ ٢)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ٧/ رقم ٣٥٤٠)، وفي "فضائل الأوقات" (٢١)، والضِّياءُ المَقدسيُّ في "المُختارَة" (١٣١٩، ١٣٢٠) مِن طُرُقٍ عن زيد بن الحُباب، قال: حدَّثَنا ثابتُ بنُ قيسٍ، قال: حدَّثَنِي أبو سعيدٍ المَقبُرِيُّ، قال: حدَّثَنِي أبو هُريرَة، عن أُسامَةَ بن زيدٍ فذَكَرَهُ.
وهو عِند بعضِهِم مُطوَّلٌ.
وقد خُولِف زيدُ بنُ الحُباب في إسناده ..
خالَفَهُ عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ، فرواه عن ثابت بن قيسٍ، قال: حدَّثَنِي أبو سعيدٍ المَقبُريُّ، عن أُسامة بن زيدٍ، فذكره.
فسَقَطَ ذِكرُ: أبي هُريرَة.
أخرَجَهُ النَّسائيُّ (٤/ ٢٠١)، وأحمَدُ (٥/ ٢٠١)، والمَحامليُّ في "الأمالي" (٤٨٥)، وابنُ عديّ في "الكامل" (٢/ ٥١٩).
стр. 480
وتابع عبدَ الرَّحمن بنَ مهديٍّ: إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أبُو الغُصنِ ثابتُ بنُ قيسٍ مولى عُقيلٍ. فذكره بطولِه.
أخرَجَهُ البيهقيُّ في "الشُّعَب" (٣٥٤١) من طريق الحَسَن بن عليّ بن زيادٍ السَّرِيِّ، حدَّثنا ابنُ أبي أُويسٍ بهذا.
وعزاه الحافظُ في "الفتح" (٤/ ٢١٥) لأبي داوُد، وتَبِعَهُ على هذا العزوِ الصَّنعانيُّ في "سُبُل السَّلام" (٢/ ٦٧٣)، والشَّوكانيُّ في "نيل الأوطار" (٤/ ٢٤٦)، وما أَرَاهُ إلَّا وَهْمًا.
وعزاه الحافظُ أيضًا لابن خُزَيمة في "صحيحه".
وقال البيهقيُّ: "تَفرَّدَ به هذا الغِفاريُّ، وهو أبو الغُصن ثابتُ بنُ قيسٍ" انتهَى.
وأبُو الغُصن هذا اختلف فيه أهلُ العِلم. فوثَّقَهُ أحمدُ، وابنُ حِبَّانَ. ثُمَّ إنَّ ابنَ حِبَّانَ تناقَضَ فيه، وذكَرَهُ في "المجروحين" (١/ ٢٥٦)، وقال: "كان قليلَ الحديث، كثيرَ الوهَمِ فيما يَروِيه، لا يُحتَجُّ بخَبَرِه إذا لم يُتابِعه غيرُه عليه"، ثُمَّ نَقَلَ عن ابن مَعِينٍ أنَّهُ قال: "ضعيفٌ".
ونَقَلَ المِزِّيُّ في "تهذيب الكمال" (٤/ ٣٧٤)، عن ابن مَعِينٍ أنَّهُ قال: "لا بأس به"، وكذلك قال النَّسائيُّ.
وعن ابن معين أيضًا، قال: "حديثُهُ ليس بذاك، وهُو صالحٌ".
وقال الحاكِمُ: "ليس بحافظٍ، ولا ضابطٍ".
وختم ابنُ عديٍّ ترجَمَتَهُ بقولِه: "هو مِمَّن يُكتَبُ حديثُه".
وإيرَادُ ابن عديٍّ هذا الحديثَ في ترجمةِ ثابتٍ إشارةٌ مِنهُ إلى استنكارِهِ،
стр. 481
كما هي عادَتُه.
وعِندِي أن سَنَدَ هذا الحديث ضعيفٌ؛ لتَفرُّدِ أبي الغُصن به، كما قال البَيهقيُّ، فإِذَا أضفتَ إلى تَفرُّدِه أنَّه كان قليلَ الحديث، كثيرَ الوَهَم، كما قال ابنُ حِبَّانَ، تَرَجَّح لك ما قُلتُه، لاسِيَّما والأوهامُ قد تُغتَفَر لواسع الرِّواية مع الحِفظِ.
وأخيرًا: الاضطرابُ في سَنَدِه، وإن كُنتُ أُرجِّحُ روايةَ ابن مهديٍّ، وابن أبي أُوَيسٍ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 482
١٣٧ - سُئلتُ عن حديث: قَالَت عَائِشَةُ ﵂: "مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكثَرَ صِيَامًا فِي شهرٍ غَيرِ رَمَضَانَ إِلَّا شَعبَانَ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرجَهُ البُخاريُّ (٤/ ٢١٣)، ومُسلِمٌ (١١٥٦)، والنَّسائيُّ (٤/ ٢٠٠)، والتِّرمذيُّ (٧٣٧)، وابنُ خُزَيمة (٣/ ٢٨٣)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٤٠٠)، وابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (٣/ ١٠٣)، ومن طريقه أبُو طاهرٍ المُخلِّصُ في "سبعة مجالسَ من الأمالي" (ق ١٢٩/ ١)، والبَيهقيُّ في "الشُّعَب" (٧/ ٤٠٠، ٤٠١)، وفي "فضائل الأوقات" (١٨)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩) من طُرُقٍ عن أبي سَلَمَة بن عبد الرَّحمن، عن عائشة.
ولَهُ طُرُقٌ أُخرَى عند أبي داوُد (٢٤٣١)، والنَّسائيِّ (٤/ ١٩٩) وغيرِهما.
стр. 483
١٣٨ - سُئلتُ عن حديثٍ: ذَكَرَهُ الشُّوكانيُّ في "نيل الأوطار"، أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى وَجُلًا مُسبِلًا إِزارَه، فأمَرَ أن يُعِيد الوُضُوء، أو الصَّلاة.
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٦٣٨، ٤٠٨٦) قال: حدَّثَنا مُوسى بنُ إسماعيل، حدَّثَنا أبانُ، حدَّثَنا يحيَى - هو: ابنُ أبي كَثيرٍ -، عن أبي جعفرٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي هُريرة، قال: بينما رجلٌ يُصلِّي مُسبِلًا إزارَهُ، فقالَ لَهُ رسُول الله ﷺ : "اذهب، فتوضَّأ"، فذَهَبَ فتوضَّأ، ثُمَّ جاء، فقال: "اذهب، فتوضَّأ"، فقالَ له رجُلٌ: يا رسُول الله! ما لَكَ أمرتَهُ أن يتوضَّأَ، ثُمَّ سكَتَّ عنه؟ قال: "إِنَّه كان يُصلِّي وهو مُسبِلٌ إزارَه، وإنَّ الله لا يَقبَلُ صلاةَ رجُلٍ مُسبلٍ".
وأخرَجَهُ البيهقيُّ في "السُّنَن الكبير" (٢/ ٢٤١) من طريقِ أبِي إسماعيلَ التِّرمذيِّ - وليس هو التِّرمذيَّ صاحبَ "السُّنَن" -، قال: ثنا مُوسى بنُ إسماعيل بسَنَدِه سواءٌ.
ثُمَّ قال البيهقيُّ: "هكذا رَوَاهُ أبانُ العطَّارُ، عن يحيَى. وخالَفَهُ حربُ بنُ شدَّادٍ في إسناده".
ثمَّ رَوَاهُ مِن طريق حربِ بن شدَّادٍ، عن يحيَى بن أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثَنِي إِسحاقُ بنُ عبد الله بن أبي طَلحَةَ، أن أبا جعفرٍ المدنيَّ حدَّثه، أن
стр. 484
عطاءَ بنَ يسارٍ حدَّثَهُ، أن رَجُلًا مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ حدَّثَهُ، قال: بينَمَا نحنُ مَع رسُول الله ﷺ ، فجَعَلَ رجُلٌ يُصلِّي، فقال له رسُول الله ﷺ : "اذهب، فتوضَّأ"، وساق الحديث.
• قلتُ: قلتُ: هكذا رواه حربُ بنُ شدَّادٍ.
وخالَفَهُ هِشامٌ الدَّستُوائيُّ، فرواه عن يحيَى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي جَعفَرٍ، أن عطاء بن يَسارٍ حدَّثهم، قال: حدَّثَنِي رجلٌ مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّهُ لا تُقبَلُ صلاةُ رجلٍ مُسبلٍ إزارَه".
أخرَجَهُ النَّسائيُّ في "كتاب الزِّينة" (٥/ ٤٨٨ - السُّنَن الكُبرى) مِن طريق خالدِ بن الحارِث، قال: ثَنَا هِشامٌ ..
وأخرَجَهُ أحمدُ (٤/ ٦٧ و ٥/ ٣٧٩) قال: حدَّثَنَا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أبانُ. وعبدُ الصَّمَد، ثنا هشامٌ، عن يَحيَى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي جَعفَرٍ، عن عطاء بن يَسارٍ، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ فذَكَرَهُ مِثلَ رواية أبي داوُد.
فاختَلَفَ هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وحربُ بنُ شدَّادٍ ..
فأَسقَطَ هِشامٌ ذِكرَ "إِسحاقِ بن عبد الله"، وأثبَتَهُ حربٌ.
ويحيَى بنُ أبي كَثيرٍ مُدلِّسٌ، فكأنَّهُ لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبي جَعفَرٍ، بدَلالة رِواية حربِ بن شَدَّادٍ.
والصَّوابُ في هذا الإسناد، أنَّهُ عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن رَجُلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ .
وقد اختُلِفَ على أبانَ العطَّارِ في ذلك ..
стр. 485
فرواه إسماعيلُ بنُ مُوسَى التَّبُوذَكِيُّ عنه، فقال: "عن أبي هُريرَة".
ورواه يُونُس بن مُحمَّدٍ عنه، فأبهَمَ الصَّحابيَّ.
فهذا اضطرابٌ في سنَدِ الحديثِ.
ثُمَّ أبُو جعفرٍ هذا، قال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٣/ ٩٢): "وَأَبُو جعفرٍ المَدنيُّ، إِن كان مُحمَّدَ بن عليِّ بن الحُسين، فرِوايَتُه عن أبي هُريرَة مُرسَلَةٌ، وإِن كان غيرَ، فلا أعرفه" ا. هـ.
كذا قال! وأبو جعفرٍ لا يرويه في هذا الحديثِ عن أبي هُريرَة حتَّى يُقال ذَلك، وإِنَّما يروِيه عن عطاء بن يَسارٍ، عن أبي هُريرَة.
والصَّوابُ أنَّهُ ليس البَاقِرَ، بل هُو أبو جَعفَرٍ المُؤذِّنُ الأنصاريُّ: مجهولٌ. قال الحافِظُ في "التَّقريب" (رقم ٨٠٧٥): "ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُحمَّدُ بنُ عليِّ بن الحُسين فقد وَهِم".
وقد قال المُنذريُّ في "مُختصَر سُنَن أبي داوُد" (١/ ٣٢٤): "في إسناده أبو جَعفَرٍ: رَجُلٌ مِن أهل المدينة، لا يُعرَفُ اسمُه".
فَمِن عَجَبٍ، أن يَقُولَ الهَيثميُّ في "مَجمَع الزَّوائد" (٥/ ١٢٥): "رَوَاهُ أحمَدُ، ورجالُهُ رجالُ الصَّحيح"!!
وأَعجَبُ مِنهُ وأغربُ قولُ النَّوَوِيِّ في "رياض الصالحين" (ص ٣٥٨): "رواه أبو داوُد، بإسنادٍ على شرط مُسلِمٍ"!!
стр. 486
١٣٩ - سُئلتُ عن حديثٍ: عن أُمِّ رُومَانَ، قالَت: رآني أبُو بكرٍ ﵁ أَمِيلُ في الصَّلاة، فزَجَرَنِي زجرةً، كِدتُ أنصرفُ مِن صَلاتي، ثُمَّ قالَ: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُم إِلَى الصَّلَاةِ فَلْيُسَكِّن أَطرَافَهُ، وَلَا يَمِيلُ مَيلَ اليَهُودِ؛ فَإِنَّ تَسكِينَ الأَطرَافِ مِن تَمَامِ الصَّلَاةِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
أخرجَهُ ابن عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٦٢٠)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٩/ ٣٠٤) مِن طريق هِشام بن عَمَّارٍ، ثنا مُعاوِيةُ بُن يَحيَى الطَّرابُلسيُّ، ثنا الحَكَمُ بنُ عبد الله الأَيْليُّ، عن القَاسم بن مُحمَّد، عن أسماءَ بنت أبي بَكرٍ، عن أُمِّ رُومَانَ، وساقت الحديث.
وأخرَجَهُ أبُو نُعيمٍ أيضًا مِن طريق مُحمَّد بن المُبارَك الصُّورِيِّ، ثنا مُعاويةُ بنُ يَحيَى بسَنَدِه سواءٌ.
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ والحَكَم بنُ عبد الله تالفٌ البتَّة، قال أحمدُ: "أحاديثُهُ كلُّها موضوعةٌ"، وقال النَّسَائيُّ والدَّارَقُطنيُّ وآخَرُون: "مَترُوكُ الحديث"، وكَذبَهُ السَّعديُّ وأبُو حاتمٍ، ولذلك كان ابنُ المبارك شديدَ الحَملِ عليه.
وأورَدَ ابن عديٍّ هذا الحديث مِن مناكيرِهِ، ثُمَّ خَتَم ترجمَتَه بقوله: "وبهذا
стр. 487
الإسناد أيضًا، غيرَ ما ذَكَرتُ، أكثرُ مِن خمسةَ عشر حديثًا، كُلُّها مَعَ ما ذَكَرتُها موضُوعةٌ، وما هُو مِنهَا معرُوفُ المَتن فهُو باطلُ الإسنادِ، ومَا أملَيتُ للحَكَمِ، عن القَاسِم بن مُحَمَّدٍ، والزُّهريِّ وغَيرِهم، كُلُّها باطِلَةُ المتن … وكُلُّها مِمَّا لا يُتابِعُه الثِّقاتُ علَيه، وضَعفُهُ بيِّنٌ على حديثِه".
ثُمَّ مُعاوِيةُ بنُ يَحيَى الأَطرابُلسيُّ: ضعيفٌ.
стр. 488
١٤٠ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ لله مَلَائِكَةً الأَرضِ سِوَىَ الحَفَظَةِ يَكتُبُونَ مَا سَقَطَ مِن وَرَقٍ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكم شَيءٌ بِأَرضِ فَلَاةٍ، فَلْيُنَادِ: أَعِينُونِي".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجه البزَّارُ في "مُسنَده" (٣١٢٨ - كشف الأستار) من طريق حاتمِ بن إسماعيلَ، عن أُسامة بن زيدٍ، عن أبانَ بن صالحٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ فذَكَرَهُ مرفوعًا.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُهُ يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد".
قال الحافِظُ في "نتائج الأفكار" - كما في "الفُتُوحات الرَّبَّانيَّة" (٥/ ١٥١) -: "هذا حديثٌ حَسَنُ الإسنادِ، غريبٌ جدًّا".
وحَسَّنَهُ السَّخاوِيُّ في "الابتهاج".
وقال الهَيثميُّ: "رِجالُه ثقاتٌ"، وأُسامَةُ بن زيدٍ كان يَغلَطُ.
وقد أخرَجَهُ البيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ١/ رقم ١٦٥) من طريقِ عبد الله بن فرُّوخٍ، أخبَرَنِي أُسامة بنُ زيدٍ، حدَّني أبانُ بنُ صالحٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ موقُوفًا.
وتابَعَهُ أيضًا رَوحُ بن عُبادة، وجعفرُ بنُ عونٍ - وهُمَا مِن الثِّقاتِ الأثباتِ -، فَرَوَيَاهُ عن أسامة بن زيدٍ، بسنده سواءٌ موقُوفًا.
стр. 489
أخرجَهُ البَيهقِيُّ أيضًا (رقم ٧٦٩٧ - طبع بيروت).
فالصَّوابُ أنَّ الحديثَ مُعَلٌّ بالوقف، ولا يَصِحُّ مرفُوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ .
وله شواهدُ ذَكَرَهَا شيخُنا الألبانيُّ - حفظه الله - في "الضَّعيفَة" (٦٥٦)، فَرَاجِع بحثَه غيرَ مأمُورٍ.
стр. 490
١٤١ - سُئلتُ عن حديثٍ: عن الهيثمِ بن حَنَشٍ، قال: كُنَّا عند عبدِ الله بن عُمَر ﵄، فَخَدِرَتْ رِجلُه، فقال له رجُلٌ: "اذكُر أَحَبَّ النَّاسِ إِليكَ"، فذَكَرَ النَّبيَّ ﷺ ، فكأَنَّمَا نَشِطَ مِن عقالٍ.
• قلتُ: قلتُ: أخرَجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (١٦٩) من طريق مُحمَّد بن مُصعَبٍ، ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن الهيثم بن حَنَشٍ، قال: كُنَّا عِنَد عبد الله بن عُمَر فذكره.
ومُحمَّدُ بن مُصعَبٍ هو القُرْقُسَانِيُّ: ضعيفٌ.
وقد خُولِف إسرائيلُ ..
خالَفَهُ سُفيانُ الثُّوريُّ، فرواه عن أبي إِسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن سعدٍ، قال: خَدِرَت رِجْلُ ابن عُمَر، فقال له رجُلٌ: "اذكُر أحبَّ النَّاس إليك"، فقال: "مُحمَّدٌ".
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٩٦٤) قال: حدَّثَنَا أبو نُعيمٍ، ثنا سُفيانُ به.
والثَّورِيُّ أَثبَتُ في أبي إِسحاقَ مِن إسرائيلَ.
وعبدُ الرَّحمن بنُ سعْدٍ ثقةٌ.
فهذا الوجهُ قوِيٌّ.
стр. 491
وقَد رَواهُ أبُو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إِسحاقَ، عن أبي سعدٍ، قال: كُنتُ أَمشِي مع ابنِ عُمَرَ وذَكَرَ نحوَه.
أخرجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ (١٦٧).
والمُعتَمَدُ رِوايَةُ الثَّوريِّ.
والله أعلم.
стр. 492
١٤٢ - سُئلتُ عن حديثٍ: أحْرَجَهُ مُسلِمٌ في "صحيحه"، عن أبي هُريرة ﵁: "سَبعَةٌ، يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ … "، وفيه: " … وَرَجُلٌ تَصدَّقَ بِشِمَالِهِ، حَتَّى لَا تَعلَمَ يَمِينُهُ مَا أَنفَقَت شَمالُه" ..
وسُئلتُ عن: قول عُلماء الحديث: "إنَّ هذه الفقرةَ مقلوبَةٌ": هل هذا صحيحٌ؟ وهل هذا الخطأُ - إِن ثَبَتَ - من الإمام مُسلِمٍ أو مِمَّن دُونَه؟
• قلتُ: قلتُ: هذا الحديثُ يرويه يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، عن عُبيد الله بن عُمَر، قال: أخبَرَنِي خُبَيبُ بنُ عبد الرَّحمن، عن حَفْص بن عاصمٍ، عن أبي هُريرَة ﵁ مرفُوعًا: "سَبعَةٌ، يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه، يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه … "، وساق الحديث.
وقد وَقَعَت الفقرةُ التي سَألَ عنها السَّائلُ مقلوبةً في "صحيحٌ مُسلِمٍ"، وظنَّ بعضُ أهل العِلم أن هذا الوَهَمَ من الإمام مُسلِمٍ، ولم يُصِب في ذلك، ولا هو مِمَّن دُون مُسلِمٍ، فقد نَقَلَ الحافظُ في "الفتح" (٣/ ١٤٦)، عن الجَوْزَقِيِّ، قال: سمِعتُ أبا حامدٍ بنَ الشَّرقيِّ، يقولُ: "يحيَى القَطَّانُ عِندَنَا واهمٌ في هذا"، فتعقَّبَه الحافظ في "الفتح" قائلًا: "والجزمُ بكون يحيى هو الواهم نَظَرٌ؛ لأنَّ الإمامَ أحمدَ قد رواه عَنهُ على الصَّوَاب.
стр. 493
وكذَلِكَ أخرَجَه البُخاريُّ هنا، عن مُحمَّد بن بَشَّارٍ، وفي "الزَّكاة"، عن مُسَدَّدٍ. وكذا أخرَجَهُ الإسماعيليُّ، مِن طريق يَعقُوبَ الدَّورقيِّ، وحفصِ بن عُمَر، كُلِّهم عن يحيَى. وكأنَّ أبا حامِدٍ لَمَّا رأَى عبدَ الرَّحمن قد تابَعَ زُهيرًا، تَرَجَّحَ عِندَه أن الوهَم مِن يحيى، وهو مُحتَمَلٌ، بأن يكُون مِنهُ لَمَّا حدَّث به هذين خاصةً، مع احتمالِ أن يكُون الوهَمُ مِنهُما، تَوَارَدَا عَلَيه" انتهى كلامُه.
• قلتُ: قلتُ: وبحثُ الحافظ هذا يُرجِّحُ أن الوهَمَ مِن يحيى القَطَّان.
وكذلك قال ابنُ خُزَيمة في "صحيحه".
وبيانُه: أن أصحابَ يحيى القطَّان اختَلَفُوا عليه في هذا الحرف ..
فرواه مُسَدَّدُ بنُ مُسَرهَدٍ، وأحمدُ بنُ حَنبلٍ، وعمرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ، ومُحمَّدُ بنُ خلَّادٍ، ويعقُوبُ الدَّورقيُّ، وحفصُ بنُ عُمَرَ، ستَّتُهم عن يحيى القَطَّان بسَنَدِه، فقالُوا: "حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ".
ورواه زُهَيرُ بنُ حربٍ، ومُحمَّدُ بنُ المُثنَّى، وعبدُ الرَّحمن بنُ بِشر بن الحَكَم، ثلاثَتُهم عن يحيى القَطَّان، فرَوَوْا اللفظَ المَقلُوب.
ورواه مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، عن يحيَى القَطَّان، باللَّفظين.
فأخرَجَهُ البُخارِيُّ عنه، عن القَطَّان، على الصَّوَابِ.
وأخرَجَهُ ابنُ خُزَيمة عنه، عن القَطَّان باللَّفظ المَقلُوب.
وقد رَوَاهُ مُحمَّدُ بنُ المُثنَّى، عن يحيى القَطَّان، على الصَّواب أيضًا.
فأخرَجَهُ البَزَّار في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ١٥٩/ ١ - ٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ المُثنَّى، وعمرو بنُ عليٍّ، قالا: نا يَحيَى القَطَّانُ، بسنده سواءٌ، بلفظ:
стр. 494
"ورَجُلٌ تَصَدَّق بِصَدَقَةٍ، فأَخفَاهَا، حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعت يمينُه -أو: ما تُنفِقُ يمينُه-".
فالحاصل، أن مُحمَّدَ بنَ المُثنَّى، ومُحمَّدَ بنَ بَشَّارٍ، رَوَيَاهُ عن يَحيَى القَطَّان باللَّفظين معًا، فدلَّ على أن الاختلافَ في هذا اللَّفظ مِن يحيَى القَطَّان، دُون الرواة عَنهُ.
وهذا هُو الصَّوابُ، الموافقُ لقواعدِ المُحَدِّثين، خِلافًا لِمَا ادَّعاهُ البَيهقِيُّ، أن الاختلافَ هُو مِن الرُّواة عن يَحيى. واللهُ تعالى أعلَمُ.
وقد رَوَاهُ مالكُ بنُ أنسٍ، وشعبةُ بنُ الحَجَّاج وغيرُهُما، عن خُبَيبِ بن عبد الرَّحمن، مثلَهُ على الصَّوَاب، مِن غير قَلبٍ.
والحمدُ للهِ.
стр. 495
١٤٣ - سُئلتُ عن حديثٍ: في " تفسير القُرطُبيِّ "، وهو: " إِنَّ العَبدَ لَيُعَالِجُ كُرَبَ المَوتِ وَسَكَرَاتِ المَوتِ، وَإِنَّ مَفَاصِلَهُ لَيُسَلِّمُ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ، وَتَقُولُ: عَلَيكَ السَّلَامُ! تُفَارِقُنِي وَأُفَارِقُكَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ موضُوعٌ.
ذَكَرَهُ القُرطُبيُّ في " تفسيره " (١٧/ ١٣)، في تفسير سُورَة ﴿ق﴾. قال العِراقيُّ في "تخريج الإحياء" (٤/ ٤٦٣): " رُوِّينَاهُ في " الأربعين " لأبي هُدبةَ إبراهيمَ بنِ هُدبَة، عن أنسٍ. وأبُو هُدبَة هالكٌ ".
وذكر الزَّبيديُّ في " إتحاف السَّادة " (١٠/ ٢٦٣) أنَّ الدَّيْلَمِيَّ أخرَجَه في " مُسنَد الفردوس "، وأبُو الفضل الطُّوسِيُّ في " عُيون الأخبار "، والقُشَيريُّ في " الرِّسالة ".
وإبراهيمُ بنُ هُدبَة، قال الدَّارَقُطنيُّ: " مترُوكٌ "، وكذلك قال النَّسَائيُّ. وقال أبُو حاتمٍ وغيرُه: " كذَّابٌ ". وقال عليُّ بنُ ثابتٍ: " هو أكذبُ من حِمَارِي هذا "!! وكذلك كذَّبَهُ سيِّدُ النُّقَّاد يحيى بنُ مَعِينٍ. وله نُسخةٌ باطِلةٌ عن أنسٍ. وقال ابنُ حِبَّانَ في " المجروحين " (١/ ١١٤ - ١١٥): " دَجَّالٌ من الدَّجَاجِلة، وكان رَقَّاصًا بالبصرة، يُدعَى إلى الأعراس، فيرقُصُ فيها، فلمَّا كَبِرَ جعل يَروِي عن أنسٍ، ويضَعُ عليه "، ثُمَّ ساق لَهُ ابن حِبَّانَ أباطيلَ.
следующие страницы →