← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١٥٧ - سُئلتُ عن حديث: " آفَةُ الدِّينِ الأَنوَاءُ ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ حمزَةُ بنُ يُوسُف السَّهمِيُّ في " تاريخ جُرجانَ " (ص ٣٥٩) مِن طريق عَمَّار بن رجاءٍ الجُرجانيِّ - وَثَّقَهُ السَّهمِيُّ (ص ٥٣٤) -، حدَّثَنا القاسِمُ بنُ الحكَم العُرَنيُّ، حدثنا عُبيدُ الله - هُو ابنُ الوليد الوَصَّافِيُّ -، عن كُرْزِ بن وَبَرَةَ الحارثيِّ، مرفُوعًا: " إِنَّ لكُلِّ شيءٍ آفةً، وآفَةُ هذا الدِّين هذه الأنواءُ ". وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا، فالقاسمُ العُرَنِيُّ صدوقٌ مُتماسِكٌ، ليَّنَهُ أبو حاتمٍ، فقال: " محَلُّه الصِّدقُ. يُكتَبُ حديثُهُ ولا يُحتَجُّ به"، وقال العُقيليُّ: " في حديثهِ مناكيرُ. لا يُتابَعُ على كثيرٍ من حديثه". وعُبيد الله بنُ الوليد تركه النَّسائيّ، وعمرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ، وضَعَّفَهُ أبُو زُرعة، وابن مَعِينٍ، والدَّارَقُطنيُّ، وغيرُهُم، ووَكَزَه ابنُ حِبَّانَ، فقال: " يَروِي عن الثِّقات ما لا يُشبِهُ حديثَ الأثباتِ، حتَّى يَسبِقَ إلى القلب أنَّهُ المُتعمِّدُ له، فاستَحقَّ التَّرك " ا. هـ. ثُمَّ هُو مُعضَلٌ وَكُرْزُ بن وَبَرَةَ يَروِي عن التَّابِعِينَ أَمثالِ رِبعيِّ بن حِراشٍ، وشقيقِ بن سَلَمة، وأبي حازِمٍ الأشجعيِّ وغيرهِم. فالسَنَد ضعيفٌ جدًّا. واللهُ أعلَمُ.

стр. 527

١٥٨ - سُئلتُ عن حديث: " كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى بَعدَ الجُمُعَةِ فِي المَسجِدِ صَلَّى أَربَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيتِهِ صَلَّى رَكعَتَينِ ". • قلتُ: لا أَعلَمُ له أصلًا. وقد بَحثتُ عنه فَلَم أَجِده. وإِنَّما أَشَارَ إليه ابنُ القيِّم ﵀ في "زَاد المعاد "، على ما أَذكُر. واللهُ أعلَمُ.

стр. 528

١٥٩ - سُئلتُ عن حديث: " رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَبُولُ قَائِمًا، فَنَهَاهُ عَن ذَلِكَ ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ (ج ٢/ رقم ١٤٢٠) قال: أخبَرَنا أبو جابرٍ زيدُ بن عبد العزيز بالمَوصِل، قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ الجوهَرِيُّ، قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ موسَى الفرَّاءُ، قال: حدَّثَنا هِشامُ بنُ يُوسُف، عن ابن جُريج، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: " لَا تَبُل قَائِمًا ". قال ابنُ حِبَّانَ: " أَخافُ أنّ ابنَ جُريجٍ لم يَسمَع مِن نافعٍ هذا الخبر ". • قلتُ: وقد صحَّ ظنُّ ابنِ حِبَّانَ .. فقد رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاق، عن ابن جُريجٍ، عن عبد الكَريم بن أبي المُخارِق، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر، عن عُمَر، قال: رآني رسُولُ الله ﷺ أبُولُ قائمًا، فقال: " يا عُمرُ! لا تَبُل قائمًا "، فما بُلتُ قائمًا بعدُ. أخرجَهُ التِّرمِذيُّ (١/ ١٧) مُعلَّقًا، ووصَلَه ابنُ ماجَهْ (٣٠٨)، وابنُ المُنذِر في " الأوسط " (ج ١/ رقم ٢٨٤)، وابنُ عديٍّ في " الكامل " (٥/ ١٩٧٨)، وتمَّامٌ الرَّازِيُّ في " الفوائد " (١٤٨)، والحاكِم في " المُستَدرَك " (١/ ١٨٥)، والبيهَقِيُّ في " السُّنَن الكبير " (١/ ١٠٢). قال البُوصِيريُّ في " مِصباح الزُّجاجة " (١/ ١٣١): " هذا إسنادٌ

стр. 529

ضعيفٌ. عبدُ الكَريم مُتَّفَقٌ على تضعيفه، وقد تفرَّد بهذا الخبر. وعارَضَهُ خبرُ عُبيدِ اللّه بن عُمر العُمَرِيِّ الثِّقةِ المأمونِ المُجمَعِ على تثبُّتِه. ولا يُغتَرُّ بتصحيح ابنِ حِبَّان (١) هذا الخبرَ عن طريق هشام بن يُوسُف، عن ابن جُريجٍ، عن نافِعٍ، عن ابن عُمر؛ فإنَّه قال بعدَهُ: " أخافُ أن يكون ابنُ جُرَيجٍ لم يسمعه من نافِعٍ "، وقد صحَّ ظنُّهُ؛ فإنَّ ابنَ جُرَيجٍ إنَّمَا سمعه من ابن أبي المُخارِقِ، كما ثبتَ في رواية ابنِ ماجَهْ هذه والحاكمِ في " المُستدرَك "، واعتذر عن تخريجهِ بأنَّه إنَّما أخرجَهُ في المُتابَعات " انتهَى. • قلتُ: فظَهَر مِن هذا التَّخريج أنَّ ابنَ جُريج دلَّس ابنَ أبي المُخارِق وأسقَطَه، وكان قَبِيحَ التَّدليسِ، كما قال الدَّارَقطنيُّ: " تَجنَّب تَدلِيسَ ابن جُريجٍ؛ فإِنَّه قبيحُ التَّدليس، لا يُدلِّس إلَّا ما سَمِعَهُ مِن مجَرُوح ". وعبدُ الكريم ضعيفٌ، وترَكَهُ جماعةٌ من النُّقَّاد. ولذلك قال ابنُ المُنذِر: " هذا لا يَثبُت ". أمَّا الشَّوكانيُّ، فنَقَل في " السَّيل الجرَّار " (١/ ٦٧) أنَّ السِّيُوطيَّ صحَّحه!! فرُبَّما نَظَرَ السِّيُوطيُّ إلى رواية ابنِ حِبَّانَ، وأهمَلَ تدليس ابن جُريجٍ، والسِّيوطيُّ مُتساهِلٌ كما هو مَعلُومٌ. ثُمَّ إنَّ الحديث عند ابنِ حِبَّانَ عن ابن عُمر. والمعرُوفُ أنَّه عن عُمَر، فلا أَدرِي: أَهَذَا اختلافٌ في السَّنَد، أم وَقَع سقطٌ في كتاب ابن حِبَّانَ؟!

стр. 530

والحديثُ ضَعَّفه النَّوَوِيُّ في " المجموع " (٢/ ٨٤). وقال التِّرمذيُّ: " وإِنَّما رَفع هذا الحديثَ عبدُ الكَريم … وهُو ضعيفٌ عند أهل الحديث " ا. هـ. • قلتُ: والتِّرمذيُّ يُشيرُ بكلامِهِ هذا إلى أنَّ الصَّوابَ وقفُه. فأخرَجَهُ ابنُ أبي شيبة في " المُصنَّف " (١/ ١٢٤)، وابنُ المُنذِر في " الأوسط " (١/ ٣٣٨)، والبَزَّار (ج ١/ رقم ٢٤٤)، وأبو بكرٍ النَّجَّاد في " مُسنَد عُمَر " (ق ١٦٦/ ٢)، والطَّحاويُّ في " شرح المعاني " (٤/ ٢٦٨) من طُرُقٍ عن عُبيد الله بن عُمَر، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر، عن عُمَر، قال: " ما بُلتُ قائمًا مُنذُ أسلمتُ ". قال ابنُ المُنذِر: " ثَبَتَ عن عُمَر ". وقال الهيثمِيُّ في " مجَمَع الزَّوائد " (١/ ٢٠٦): " رجالُه ثقاتٌ ". وسَنَدُه صحيحٌ. لكن أخرَجَ ابنُ أبي شَيبة (١/ ١٢٣)، والطَّحاوِيُّ (٤/ ٢٦٨) من طريقَين عن الأعمش، عن زيدِ بن وهبٍ، قال: " رأيتُ عُمَر بن الخطَّاب بال قائمًا ". زاد الطَّحاوِيُّ: " فأَنجحَ - يعني: مال - حَتَّى كاد يُصرَعُ ". وسَنَدُه صحيحٌ أيضًا، ولا يُعَلُّ بتدليس الأعمش؛ لأنَّ شُعبة رواه عَنهُ عند الطَّحاوِيِّ، وقد ثَبَتَ عن شُعبةَ، أنَّهُ قال: " كَفَيتُكُم تدليس ثلاثةٍ: الأعمش، وقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعِيِّ ". فظاهِرُ الأَثَرين التَّناقُضُ، وقد جَمَع بينهما بعضُ أهل العِلم ..

стр. 531

فقال ابنُ المُنذِر في " الأوسط " (١/ ٣٣٨): " فقد يجُوزُ أن يكُون عُمَرُ إلى الوقت الذي قال فيه هذا القولَ - يعني: " ما بُلتُ قائمًا " - لم يَكُن بال قائما، ثم بال بعد ذلك، فرآه زيدُ بنُ وَهبٍ، فلا يَكُونُ حديثَاه متضادَّيْن "، وكذلك قال الطَّحاوِيُّ.

стр. 532

١٦٠ - سئلتُ عن حديث: " ثَلَاثٌ مِنَ الجَفَاءِ: أَن يَبُولَ الرَّجُلُ قَائمًا، أَو يَمسَحَ جَبهَتَةُ قَبلَ أَن يَفرَغَ مِن صَلَاتِهِ، أَو يَنفُخَ فِي سُجُودِهِ ". • قلتُ: هذا الحديثُ لا يَصِحُّ مرفُوعًا. أخرجه البُخاريُّ في " التَّاريخ الكبير " (٢/ ١/ ٤٩٦)، وابنُ قانعٍ في " الفوائد " (ق ٣/ ٢ - ٤/ ١)، والطَّبَرانيُّ في " الأوسط " (ج ٢/ ق ٦٩/ ٢)، والبَزَّار (ج ١/ رقم ٥٤٧) مِن طريق سَعيدِ بن عُبيد الله، ثنا ابنُ بُريدةَ، عن أبيه مرفُوعًا فذكره. ولم يَذكُر الطَّبَرانيُّ النَّفخَ في السُّجودِ. وزَادَ البُخاريُّ، مِن رواية نصر بن عليٍّ، عن سعيدٍ: ". أَربَعٌ مِن الجَفَاء … وأَن يَسمَع المُنادِي، ثُمَّ لا يتَشَهَّدُ مِثل ما يَتَشَهَّدُ ". قال البَزَّارُ: " لا نَعلَمُ رواه عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، إلَّا سعيدٌ، ورواه عن سعيدٍ: عبدُ الله بنُ داوُد، وعبدُ الواحد بنُ واصلٍ ". وقال الهيَثميُّ في " المَجمَع " (٢/ ٨٣): " رِجالُ البَزَّار رجال الصَّحيح ". وتَوسَّع البدرُ العَينيُّ في الحُكم، فقال في " عُمدة القارِي " (٣/ ١٣٥): " إسنادُه صحيحٌ، وقَولُ التِّرمذيِّ يُردُّ". • قلتُ: وقولُ التِّرمذيِّ، أَنَّ حديث بُريدةَ غيرُ محفُوظٍ، هو الصَّوابُ

стр. 533

عندي كما يأتي. أمَّا البدرُ العينيُّ ﵀، فجَرَى على ظاهِر السَّنَد، وخَفِيَت عليه العِلَّةُ الحقيقيَّة. قال المُبَارَكفُورِيُّ في " تُحفة الأحوذيِّ " (١/ ٦٨)، يَرَدُّ عَلَى البدر العينيِّ: " التِّرمذيُّ مِن أئِمَّة هذا الشَّأن، فقولُه: " حديثُ بُريدةَ غيرُ محفُوظٍ " يُعتمَدُ عليه، وأمَّا إِخراجُ البَزَّارِ حديثَه بسَنَدٍ ظاهرِهُ الصِّحَّة فلا يُنافِي كونَه غيرَ محفوظٍ " ا. هـ. أمَّا عِلَّة الحديث، فهي المُخالَفة. فقد خُولِف سعيدُ بن عُبيد الله فيه .. فقد خالَفَهُ قتادةُ، فرواه عن ابن بُريدة، عن ابن مَسعُودٍ، أنَّهُ كان يقولُ: " أربَعٌ مِنَ الجفاء: أن يَبُول الرَّجُل قائمًا، وصلاةُ الرَّجُل والنَّاسُ يَمُرُّون بين يدَيهِ وليس بين يديه شيءٌ يستُرُه، ومَسحُ الرَّجُل التُّراب عن وجهِهِ وهو في صلاتِهِ، وأن يَسمَعَ المُؤذِّنَ فلا يجيبُه في قولِه ". أخرجه ابنُ المُنذِر في " الأوسط " (ج ١/ رقم ٢٨١) بالفَقرة الأُولى، والبيهقيُّ (٢/ ٢٨٥)، وقال: " وكذلك رواه الجُرَيرِيُّ، عن ابن بُريدة، عن ابن مسعُودٍ ". وطريق الجُرَيرِيِّ هذا: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الكبير "، وقال: " قال نَصرٌ: حدَّثَنا عبد الأعلى، عن الجُرَيرِيِّ، عن ابن بُريدة، عن ابن مَسعُودٍ، نحوَه " ا. هـ. ونَقَلَ البيهقيُّ عن البُخاريِّ أنَّه قال: " هذا حديثٌ مُنكَرٌ، يَضطرِبُون فيه ".

стр. 534

• قلتُ: وقد مرَّ وجهان لهذا الاضطراب: الأوَّلُ: أنَّ سعيدَ بنَ عُبيدِ الله رَفَعَه. الثَّاني: أنَّ قتادةَ، والجُرَيرِيَّ - واسمُه: سَعِيدُ بنُ إياسٍ - خالَفَاه في موضِعَين: أ. أنَّهُما أوقَفَاه .. ب. أَنَّهُما نقلَاه من " مُسنَد بُريدة " إلى " مُسنَد ابن مَسعُودٍ " .. وهُمَا يترَجَحَّان عليه، لاسِيَّما وقد قال الدَّارَقُطنيُّ في سعيد بن عُبيد الله: " ليس بالقويِّ، يُحدِّث بأحاديثَ، يُسنِدُها، ويُوقِفُها غيرُه "، وهذا الحديثُ مثالٌ لذلك. وقد أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبة (١/ ١٢٤)، وابنُ المُنذِر في " الأوسط " (ج ١/ رقم ٢٨٠) مِن طريق عَاصِم بن أبي النَّجُود، عن المُسيَّب بن رافعٍ، عن ابن مَسعُودٍ، قال: " من الجفاء أن يَبُول قائمًا ". ورجالُه ثقاتٌ، غيرَ أنَّهُ مُنقَطِع، بين المُسيَّب بنِ رافعٍ، وابن مَسعُودٍ، كما صرَّح بذلك أبو حاتمٍ، وأبو زُرعة الرَّازِيان. الوجه الثَّالث: أنَّ كَهْمَسَ بنَ الحسن رواه عن ابن بُريدة مِن قولِه، ولم يَذكُر ابنَ مسعُودٍ. أخرجه ابنُ أبي شيبة (١/ ١٢٤) حدَّثَنَا وكيعٌ، عن كَهْمَسٍ. وسَنَدُه صحيحٌ. فالصَّوَابُ في الحديث الوَقفُ، وأنَّه ليس بمرفُوعٍ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 535

١٦١ - سُئلتُ عن حديث: " كَانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ إِذَا وَقَعَ عَلَيهِ بَولٌ قَرَضَهُ بِالمَقَارِيضِ ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٢)، والنَّسائيُّ (٣٠ - بذل الإحسان)، وابنُ ماجَهْ (٣٤٦)، وأحمدُ (٤/ ١٩٦)، وابنُ أبي شَيبة (١/ ١٢٢، و ٣/ ٣٧٥)، وعنه ابنُ أبي عاصمٍ في " الآحاد والمَثَاني " (ج ٢/ ق ٩٨/ ١)، والحُمَيدِيُّ (٨٨٢)، وابنُ الجارُود (١٣١)، وابنُ قانعٍ في " مُعجَم الصَّحابة " (ج ٧/ ق ١٠٦/ ٢)، وأبُو يَعلَى (ج ٢/ رقم ٩٣٢)، ويَعقُوبُ بنُ سُفيان في " المعرفة " (١/ ٢٨٤)، وابنُ حِبَّانَ (١٣٩)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في " مُعجَم الصَّحابة " (ج ١٦/ ق ٢١٠/ ٢)، وابنُ المُنذِر في " الأوسط " (ج ١/ رقم ٢٨٣، و ج ٢/ رقم ٦٨٧)، والحاكِمُ (١/ ١٨٤)، والسَّهْمِيُّ في " تاريخ جُرْجَان " (ص ٤٩٢)، والبَيهقيُّ في " السُّنَن الكبير " (١/ ١٠٤)، وفي "عذاب القبر" (رقم ١٤٤) مِن طُرُقٍ عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن عبد الرَّحمن بن حَسَنة، قال: خَرَج علينا رسُولُ الله ﷺ وفي يده كهيئة الدَّرَقَةِ، فوَضَعها، ثُمَّ جَلَس خلفَها، فبال إِلَيها، فقال بعضُ القوم: " انظُروا! يبُولُ كما تبُولُ المرأةُ! "، فسَمِعَهُ فقال: " أَوَمَا عَلِمتَ ما أَصاب صاحبَ بني إسرائيل؟ كَانُوا إذا أَصابَهُم شيءٌ مِن البَولِ قَرَضُوه بالمقاريض، فنَهَاهُم صاحبُهم، فعُذِّب في قَبرِه ".

стр. 536

قال الحافِظُ في " الفتح " (١/ ٣٢٨): " حديثٌ صحيحٌ، صحَّحَهُ الدَّارَقُطنيُّ، وغيرُه ". وقال الحاكِم: " صحيحُ الإسناد، ومن شَرط الشَّيخَين أن يَبلُغ ". وصَرَّح الذَّهَبيُّ به تصريحًا، فقال: " عَلَى شرطِهِما ". وقد رَوَاه عن الأعمش جماعةٌ، منهم: " وَكِيعٌ، وأبو مُعاوِية، وسُفيانُ، وزائِدَةُ بنُ قُدَامَة، وعُبيدُ الله بنُ مُوسَى، وعبدُ الواحد بنُ زِيادٍ، ويَعلَى بنُ عُبيدٍ ". وقال ابنُ المُنذِر: " خَبرٌ ثابتٌ ".

стр. 537

١٦٢ - سُئلتُ عن حديثٌ: " لَا تَحلِفُوا بِغَيرِ الله، وَإِدا تَخَلَّيتُم فَلَا تَستَقبِلُوا القِبلَةَ، وَلَا تَستَدبِرُوهَا، وَلَا تَستَنجُوا بِعَظمٍ، وَلَا بِيَعرَةٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ أحمد (٣/ ٤٨٧) حدَّثَنَا رَوْحٌ، وعبدُ الرَّزَّاق، قالَا: أنا ابنُ جُريجٍ، قال: حدَّثَني عبدُ الكريم بنُ أبي المُخارِق، أنَّ الوليدَ بنَ مالك بن عبد القَيس أخبره - وقال عبدُ الرَّزَّاق: مِن عبدِ القَيس -، أنَّ مُحمَّدَ بنَ قيسٍ مولى سهلِ بن حَنيفٍ - مِن بني ساعدة - أخبَرَه، أنَّ سهلًا أخبره، أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَه، قال: " أَنتَ رسُولِي إلى أهل مَكَّة، قُل: إنَّ رسُول الله ﷺ أَرسَلَني، يقرَأُ عليكُم السَّلَامَ، ويأمُرُكم بثلاثٍ: لا تَحلِفُوا … الحديث ". وأخرَجَهُ الدَّارِميُّ (١/ ١٣٥)، والحاكِمُ (٣/ ٤١٢) من طريق ابن جُريجٍ، عن عبد الكريم به. واقتَصَر الدَّارِميُّ على الفِقرة الثَّانِية منه. • قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ، بل واهٍ وعبدُ الكَريم بنُ أبي المُخارِق ضعَّفه النُّقَّاد، وتَرَكَهُ بعضُهم. والوليدُ بنُ مَالِكٍ ترجَمَهُ البُخاريُّ في " الكبير " (٤/ ٢/ ١٥٢)،

стр. 538

وابنُ أبي حاتمٍ في " الجرح والتَّعديل " (٤/ ٢/ ١٧ - ١٨)، ولم يَذكُرَا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في " الثِّقات" (٧/ ٥٥٢) على عادَتِه، ولَم يَعبَأ الحُسينِيُّ بذلك، فقال كما في " التَّعجيل " (١١٥٥): " مجهُولٌ، غيرُ مَشهُورٍ". ومحُمَّدُ بنُ قَيسٍ قال الحُسينيُّ أيضًا (٩٦٩): " ليس بمشهُورٍ ". واللهُ أعلَمُ. ﴿تنبيهٌ﴾ تعقَّبَنِي شيخُنا الألبانيُّ ﵀ في هذا الحديثِ في الجُزء السَّابع (ص ١٦٧٦ - ١٦٧٧) من " الصَّحيحة " والذي نُشِر بعد وفاته بعامَين، فخرَّج هذا الحديثَ مثلَمَا فعلتُ أنا، ثُمَّ قال: " هذا، ولقد كان مِن دَواعِي تخريجِ حديثِ التَّرجَمَة بهذا التَّحقيقِ الذي رأيتَه أنَّ أخانا الفاضلَ أبا إسحاقَ الحُوَينيَّ سُئل في فصله الخاصِّ الذي تنشُرُهُ له " مجلَّةُ التَّوحيد " الغرَّاءُ في كُلِّ عددٍ من أعدادِها، فسُئل - حفظه الله وزادهُ عِلمًا وفضلًا - عن هذا الحديث في العَدَدِ الثَّالث (ربيع أوَّل - ١٤١٩) فضعَّفَهُ، وبيَّن ذلك مُلتَزِمًا عِلمَ الحديث وما قالَهُ العُلماء في رُواة إسنادِهِ، فأحسَنَ في ذلك أحسَنَ البَيان، جزاهُ اللهُ خيرًا. لكِنِّي كُنتُ أَوَدُّ وأتَمَنَّى له أن يُتبع ذلك ببيانِ أنَّ الحديثَ بأطرافِهِ الثَّلاثةِ صحيحٌ؛ حتَّى لا يتوهَّمنَّ أحدُ قُرَّاء فَصلِهِ أنَّ الحديث ضعيفٌ مُطلَقًا سنَدًا ومَتنًا، كما يُشعِر بذلك سكوتُهُ عن البَيانِ المُشارِ إليه. أقُول هذا، مع أنَّني أعتَرِفُ له بالفَضل في هذا العِلم، وبأنَّه يَفعَلُ هذا الذي تمنَّيتُهُ له في كثيرٍ

стр. 539

من الأحاديث التي يتكلَّمُ على أسانيدِها، ويُبيِّنُ ضَعفَها، فيُتبعُ ذلك ببيان الشَّواهد التي تُقَوِّي الحديثَ. لكنَّ الأمر، كما قيل: كفى المرءَ نُبلًا أن تُعدَّ معايِبُهُ " انتهَى. • قلتُ: رحمةُ الله على شيخِنا! فوالله! لقد ترَكت كلماتُهُ هذه أثرًا بعيد الغَور في نفسي، وكُنتُ في نَفسِي لَأَقلَّ من أن يقُول شيخُنا هذا فيَّ، فالحمد لله على ما أنعَمَ. ولكنَّ الذي جَعَلنِي أُحجِمُ عن فِعل ذلك أنَّ المساحةَ المَسمُوحةَ لي في " مجلَّة التَّوحيد " لا تَفِي بهذا، وكان يأتيني في الشَّهر الواحد أكثرُ من مئتي سؤالٍ عن دَرَجة الأحاديث، فلا أستطيعُ أن أُجيب إلَّا عن خَمسةٍ منها أو ستَّةٍ، ورُبَّما أجبتُ عن حديثٍ واحدٍ دَعَت الحاجةُ إلى بسط الكلام عنه. وقد زِدتُ في الكلام عن الأحاديث في هذا الكتاب زياداتٍ كثيرةً، ولم أتمكَّن من فِعل ذلك في كثيرٍ من المواضع؛ نَظَرًا لمَرَضِي وقِلَّةِ جَلَدِي على البحث، وفي النَفس غُصَّةٌ من هذا، وإنِّي لَأَرجُو إن عافانِي اللهُ تعالى أن أَزيدَ المَقامَ بَسطًا في بعض الأحاديثِ التي اختَلَفَت فيها أنظارُ النُّقَّاد، فلعل ذلك يكون قريبًا. والحمدُ لله على كل حالٍ.

стр. 540

١٦٣ - سُئلتُ عن حديثٌ: " تَنَامُ عَينَايَ، وَلَا يَنَامُ قَلبِي ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ في " التَّهجُّد " (٣/ ٣٣)، وأبُو نُعَيمٍ في " المُستَخرَج " (١٦٧٥) عن عبدِ الله بنِ يُوسُف .. وأيضًا في " صلاة التَّراويح " (٤/ ٢٥١)، والبَيهَقِيُّ (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦) عن إسماعيلَ بنِ أبي أُوَيسٍ .. والبُخارِيُّ في " المَناقِب " (٦/ ٥٧٩)، وأبُو داوُد (١٣٤١)، وابنُ حِبَّان (٢٦١٣)، وأبُو نُعَيمٍ في " الحِلية " (١٠/ ٣٨٤)، والبيهَقِيُّ في " سُنَنِه الكَبير " (١/ ١٢٢، و ٣/ ٦، و ٧/ ٦٢)، وفي " المَعرِفة " (٤/ ٢٩)، وفي " الدَّلائِل " (١/ ٣٧١ - ٣٧٢) عن عبدِ الله بنِ مَسلَمَة القَعنَبِيِّ .. ومُسلِمٌ (٧٣٨/ ١٢٥)، والبيهَقِيُّ (١/ ١٢٢، و ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦، و ٣/ ٦، و ٧/ ٦٢) عن يَحيَى بنِ يَحيَى .. والنَّسائِيُّ في " الكُبرَى " (١٤٢١)، وِمن طريقه ابنُ عبد البَرِّ في " التَّمهيد " (٢/ ٢٦٦ - موسوعة المُوطَّإ)، وابنُ بِشرانَ في " الأمالِي " (ج ٢٢/ ق ٢٤٦/ ٢ - ٢٤٧/ ١) قال: أخبَرَنا قُتيبَةُ بنُ سعيدٍ .. والنَّسائِيُّ أيضًا في " المُجتبَى " (٣/ ٢٣٤) عن عبدِ الرَّحمن بن القاسمِ .. والتِّرمِذيُّ في " سنَنِه" (٤٣٩)، وفي " الشَّمائل " (٢٦٧)، والطَّبَرانِيُّ

стр. 541

في " الأوسط " (٧٦٣٤) عن مَعنِ بن عيسَى .. وعبدُ الرَّزَّاق في " المُصنَّف " (ج ٣/ رقم ٤٧١١) .. والنَّسائِيُّ في " الكُبرى " (٤٥٣/ ٤)، وأحمدُ (٦/ ٣٦)، وأبُو نُعيمٍ في " الحِلية " (١٠/ ٣٨٤) عن عبد الرَّحمن بنِ مَهدِيٍّ .. وأحمدُ أيضًا (٦/ ٧٣، ١٠٤) قال: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ عيسَى، وأبُو سلَمَةُ منصُورُ بنُ سَلَمَة - فرَّقَهُما - .. وإسحاقُ بنُ راهَوَيهِ في " المُسنَد " (١١٣٠/ ٥٨٧) قال: حدَّثَنا بِشرُ ابنُ عُمر الزَّهرانِيُّ .. وابنُ خُزيمة (٤٩، ١١٦٦)، وأبُو عَوانَةَ (٢/ ٣٢٧)، والطَّحاوِيُّ في " شرح المَعانِي " (١/ ٢٨٢)، وفي " المُشكِل " (٩/ ٥٣) عن عبد الله بن وهبٍ .. وابنُ حِبَّان (٢٤٣٠)، والبَغَوِيُّ في " شرح السُّنَّة " (٤/ ٤ - ٥) عن أبي مُصعبٍ أحمدَ بنِ أبي بكرٍ .. وابنُ بِشرانَ في " الأمالِي " (٢٢/ ق ٢٤٧/ ١) عن مُوسى بن أعينَ الجزَرِيِّ .. والبَيهَقِيُّ في " المَعرِفة " (٤/ ٢٩) عن يَحيَى بن أبي بُكيرٍ، قالُوا جميعًا: ثنا مالكٌ - وهو في مُوطَّئِهِ (١/ ٩/١٢٠) -، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرَّحمن، أَّنهُ سألَ عائشَةَ: كيف كانت صلاةُ رسول الله ﷺ في رَمَضانَ؟ قالت: ما كان رسولُ الله ﷺ يزيدُ في رمضانَ ولا في غَيره على إحدَى عشرةَ ركعةً: يُصلِّي أربَعًا، فلا تسأل عن

стр. 542

حُسنِهِنَّ وطُولِهنَّ، ثُمَّ يُصلِّي أربَعًا، فلا تسأل عن حُسنِهِنَّ وطُولِهنَّ، ثُمَّ يُصلِّي ثَلاثًا. فقالَت عائشةُ: فقلتُ: " يا رَسُول الله! أتنَامُ قبل أن تُوتِرَ؟ "، فقال: " يا عائشةُ! إنَّ عَينَيَّ تنامان، ولا يَنَامُ قلبي ". وَذَكَر ابنُ عبد البَرِّ في " التَّمهيد " (٢١/ ٦٩)، أنَّ مُحمَّدَ بنَ معَاذ بن المُستَهِلِّ رواهُ عن القَعنَبِيِّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمَة، عن عائِشةَ. فخالفَ ابنُ المُستهِلِّ: البُخاريَّ، وأبا داوُد، ومُحمَّدَ بنَ غالبٍ تَمتامَ، وعُثمانَ بنَ سعيدٍ الدَّارِمِيَّ، والسَّرِيَّ بنَ خُزَيمَةَ. فهؤلاء رووه عن القَعنَبِيِّ، عن مالكٍ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن أبي سلَمَة، عن عائِشة. بينَما جعل ابنُ المُستهِلِّ شيخَ مالكٍ فيه: الزُّهريَّ. وروايَتُهُ وَهَمٌ مُحقَّقٌ؛ لأنَّهُ لو كان ثقةً لَتَرَجَّحَت روايَةُ هؤلاء عليه، لاسيَّما وفيهم البُخارِيُّ، كيف ولم يَذكُرهُ إلَّا ابنُ حِبَّان فيما وقفتُ عليه .. فقد تَرجَمه في " الثِّقات " (٩/ ١٥٣)، قال: " مُحمَّدُ بنُ مُعاذ بن المُستهِلِّ البَصريُّ. سَكَنَ حلَبَ. يُقال له: دُوْدَانُ. يَروِي عن أبي داوُد الطَّيالِسِيِّ، والبَصرِيِّين. رَوَى عنه أهلُ الشَّام"، ولم يَزِد على ذلك. فإذا أضفتَ إلى ذلك أنَّ سائِرَ الرُّواة عن مالكٍ وافَقُوا القَعنَبِيَّ على جَعل شيخ مالكٍ: سعيدَ بنَ أبي سعيدٍ، بدل: الزُّهريِّ، علمتَ أنَّ ابنَ المُستهِلَّ وَهِمَ فيه قَطعًا. ولذلك قال ابنُ عبد البَرِّ: " والصَّوابُ ما في المُوطَّإِ ". وله شاهدٌ من حديثٌ ابن عبَّاسٍ ﵄ ..

стр. 543

أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٢٧٤)، ومن طريقه الضِّياءُ في " المُختارَة " (١٠/ ٦٩ - ٧٠) قال: حدَّثَنا أبُو أحمدَ، حدَّثَنَا عبدُ الله بنُ الوليد العِجليُّ - وكانت له هيئةٌ. رأيناهُ عند حَسَنٍ -، عن بُكَير بن شهابٍ، عن سعيد ابن جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: أقبَلَت يهودُ إلى رسُول الله ﷺ ، فقالُوا: " يا أبا القاسمِ! إنَّا نَسألُك عن خَمسةِ أشياءَ، فإن أنبأتنا بِهِنَّ عرَفنا أنَّك نبيٌّ واتَّبَعناك "، فأخَذَ عليهِم ما أَخَذَ إسرائِيلُ على بنيه، إذ قالُوا: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، قال: " هاتُوا "، قالُوا: " أخبِرنا عن علامَة النَّبيِّ "، قال: " تنامُ عيناهُ ولا ينامُ قلبُهُ "، قالوا: " أخبِرنا كيف تُؤنِثُ المرأةُ وكيف تُذكِر "، قال: " يلتَقِي الماءانِ، فإذا علا ماءُ الرَّجلِ ماءَ المرأة أذكَرَت، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرَّجل آنَثَت "، قالُوا: " أخبِرنا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسه "، قال: " كان يَشتَكِي عِرقَ النَّسا، فلم يَجِد شيئًا يُلائِمُهُ إلَّا ألبانُ كذا وكذا - قال أبي: قال بعضُهمُ: يعني الإبِلَ -، فحرَّم لحُومَها "، قالُوا: " صدقتَ. - قالُوا: - أخبِرنا ما هذا الرَّعدُ؟ "، قال: " مَلَكٌ من ملائكة الله مُوكلٌ بالسَّحاب، بيده - أو: في يده - مخِراقٌ من نارٍ، يَزجُرُ به السَّحابُ، يَسُوقُهُ حيثُ أَمَر الله "، قالوا: " فما هذا الصَّوتُ الذي نسمعُ؟ "، قال: " صوتُهُ "، قالوا: " صدقتَ. إنَّما بقيَت واحدةٌ، وهي التي نُبايِعُك إن أخبَرتَنا بها. فإنَّه ليس مِن نبِيٍّ إلَّا له مَلَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبِرنا مَن صاحبُك؟ "، قال: " جبريلُ ﵇ "، قالُوا: " جبريلُ! ذاك الذي يَنزِلُ بالحَرب والقِتالِ والعَذابِ. عدُوُّنا. لو قُلتَ: ميكائيلُ الذي ينزل بالرَّحمة والنَّبَات والقَطر، لكانَ "، فأنزَلَ اللهُ :

стр. 544

﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … إلى آخر الآية﴾ البقرة: ١٩٧. وأخرَجَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ في " تفسيره " (٣٨١٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ مَحمَّد بن يَحيَى بن سعيدٍ القَطَّانُ، ثنا أبُو أحمدَ - هو: محُمَّدُ بنُ عبد الله الزُّبيرِيُّ -، بهذا بتَحريم لحُوم الإبل وألبانِها. ووقع عنده " الأُتُنَ " بدل " الإبل ". ولعلَّها تصحَّفَت. وأخرَجَهُ أبُو الشَّيخ في " كتاب العَظَمة " (٧٦٥) عن أحمد بن أبي سرَيجٍ الرَّازِيِّ .. وابنُ مندَهْ في " التَّوحيد " (٤٨) عن أحمد بن الوليد الفحَّام، قالا: ثنا أبُو أحمدَ بهذا بقصَّة الرَّعد. وتُوبع أبُو أحمدَ .. تابَعَهُ أبُو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، فرَوَاهُ عن عبد الله بن الوليد - وكان يُجالِس الحَسَن بن حَيٍّ - بهذا الإسناد بتمامه. أخرَجَه النَّسائِيُّ في " عِشرة النِّساء " (٩٠٧٢ - الكُبرى) قال: أخبَرَنا أحمدُ بن يَحيَى الصُّوفيُّ .. والطَّبَرانِيُّ في " الكبير " (ج ١٢/ رقم ١٢٤٢٩)، ومن طريقه أبُو نُعيمٍ في " الحِلية " (٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، والضِّياءُ في " المُختارَة " (١٠/ ٦٧ - ٦٨) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قالا: ثنا أبُو نُعيمٍ بهذا. وأخرَجَه التِّرمِذِيُّ (٣١١٧) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن - هو الدَّارِمِيُّ -، قال: أخبَرَنا أبُو نُعيمٍ بهذا بقصَّة الرَّعد وحدها. وقال: " حَسَنٌ غريبٌ ".

стр. 545

وأخرَجَه البُخاريُّ في "الكبير" (١/ ٢/ ١١٤) قال: قال لي أبُو نُعيمٍ: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ الوليد بهذا بتحريم لحوم الإبل وألبانِها. قال ابنُ مندَهْ: "هذا إسنادٌ مُتَّصلٌ، ورُواتُه مَشاهيرُ ثقاتٌ". وصحَّح إسنادَه الشيخُ أبو الأشبال أحمد شاكر (١) في "تخريج المُسند" (٤/ ١٦١). وحسَّن إسنادَه شيخُنا أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ في "الصَّحيحة" (١٨٧٢). * قلتُ: وفي هذا نَظَرٌ عندي؛ فإنَّ بُكَيرَ بنَ شهابٍ تفرَّد به عن سعيد ابن جُبير، كما قال أبُو نُعيمٍ الأصبَهانِيُّ، فلذلك استغرَبَهُ مِن حديث سعيدٍ. وبُكَيرُ بن شهابٍ لا يُقبَل التَّفرُّدُ منه؛ فقد وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال أبُو حاتِمٍ: "شيخٌ"، فإذا تفرَّد بحديثٍ عن مِثل سعيدِ بنِ جبيرٍ في شُهرَتِه وكَثرة أصحابِهِ فلابُدَّ من التَّوقُّف في روايَته على أقلِّ تقديرٍ. هذا في حالَة التَّفرُّد. أمَّا إذا خالَفَهُ مَن هو أمكَنُ منه فتكُونُ روايتُهُ أضعَفَ. وقد خالَفَهُ حبيبُ بن أبي ثابِتٍ، فرواه عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: "كان إسرائيلُ أَخَذَهُ عِرقُ النَّسا، فكان يَبيتُ له زُقَاءٌ، فجَعَل لله عليه إن شفاه ألَّا يأكل العُروقَ، فأنزَلَ الله : ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] ".

стр. 546

أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "تفسِيرِه" (١/ ١٢٦)، ومِن طريِقِهِ ابنُ جَريرٍ (٧٤١١ - شاكر) قال: أخبَرَنِي الثَّورِيُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ. وأخرَجَهُ البُخارِيُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ٢/ ١١٤ - ١١٥) قال: حدَّثَناه محُمَّدُ بنُ يُوسُف، وغيرُ واحدٍ .. وأخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٧٤١٧) عن يحيَى بن سعيدٍ القَطَّان، كُلُّهم، عن سُفيان بهذا. وتابَعهُ الأعمَشُ، فرواه عن حبيب بن أبي ثابتٍ بسنده سواء. أخرَجَه ابنُ جَريرٍ (٧٤١٨) قال: حدَّثَنا أبُو كُريبٍ، حدَّثنا يحيَى بنُ عيسَى، عن الأعمش به. وأخرَجَه ابنُ أبِي حاتِمٍ في "تفسيرِه" (٣٨١٨) قال: حدَّثَنا أبُو سعيدٍ الأشجُّ، ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن الأعمَشِ، وسُفيانَ معًا، عن حبيب بن أبي ثابتٍ بهذا. فالصَّوابُ في هذا الحديثِ الوقفُ، وهو ظاهِرُ ترجيحِ البُخارِيِّ. واللهُ أعلم. وله طريقٌ آخَرُ عن ابن عبَّاسٍ .. أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٢٧٨)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (١/ ١٧٤ - ١٧٥) قالا: حدَّثَنا هاشِمُ بنُ القاسم .. وأخرَجَهُ أحمدُ أيضًا (١/ ٢٧٣) قال: حدَّثَنا حُسينُ بنُ محُمَّدٍ .. وعبدُ الله بنُ أحمد (٢٥١٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ بكَّارٍ .. وابنُ أبي حاتمٍ في "تفسير" (٣٨١٦)، والبيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٦/ م (١٩) (الفتاوى الحديثية) ج ٢

стр. 547

٢٦٦ - ٢٦٧) عن أبي داوُد الطَّيالِسِيِّ - وهذا في "مُسنَده" (٢٧٣١) - .. وابنُ جَريرٍ (١٦٠٥) عن يُونُس بن بُكَيرٍ .. والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٢) عن محُمَّدَ بنِ يُوسُف الفِريابِيِّ، كُلُّهم عن عبد الحميد بن بَهرَامَ، عن شهر بن حَوشَبٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: حَضَرَت عصابةٌ من اليَهُودِ نبيَّ الله ﷺ يومًا، فقالُوا: "يا أبا القاسِمِ! حدِّثنا عن خِلالٍ نسألُك عنهُنَّ لا يعلَمُهُنَّ إلَّا نبيُّ"، قال: "سَلُونِي عمَّا شئتُم، ولكن اجعَلُوا لي ذِمَّة الله، وما أَخَذَ يعقُوبُ على بنيه، لَئِن أنا حدَّثتُكُم شيئًا فعرَفتُمُوه لتُتَابِعُنِّي على الإسلام"، قالُوا: "فذلك لك"، قال: "فَسَلُوني عمَّا شِئتُم"، قالُوا: "أخبِرنَا عن أربعِ خِلالٍ نسألُك عنهُنَّ: أخبِرنَا أيَّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِهِ من قبل أن تُنزَّل التَّوراةُ؟ وأخبِرنا كيف ماءُ المرأة وماءُ الرَّجُل؟ كيف يكُونُ الذَّكرُ منه؟ وأخبِرنا كيف هذا النَّبيُّ الأُمِّيُّ في النَّوم؟ ومَن وَلِيُّه من الملائكة؟ "، قال: "فعليكُم عهدُ الله وميثاقُهُ لَئِن أنا أخبَرتُكُم لَتُتَابِعُنِّي؟ "، - قال: - فأعطَوه ما شاء من عهدٍ وميثاقٍ، قال: "فأنشُدُكُم بالذي أنزل التَّوراة على مُوسَى ﷺ ! هل تَعلَمُون أنَّ إسرائيلَ يعقُوبَ ﵇ مَرِض مَرَضًا شديدًا وطال سَقَمُهُ، فنَذَرَ لله نذرًا: لئن شَفَاهُ الله تعالَى من سَقَمِهِ ليُحرِّ منَّ أحبَّ الشَّراب إليه وأحبَّ الطَّعام إليه، وكان أحبَّ الطَّعام إليه لحُمانُ الإبل وأحبَّ الشَّراب إليه ألبانُها؟ "، قالُوا: "اللهُمَّ نعم! "، قال: "اللهمَّ! اشهَد عليهِم. فأنشُدُكم بالله الذي لا إله إلَّا هو الذي أنزَلَ التَّوراة على مُوسَى! هل تعلَمُون أنَّ ماءَ الرَّجُل

стр. 548

أبيضُ غليظٌ، وأنَّ ماءَ المرأةِ أصفرُ رَقيقٌ، فأيُّهما علا كان له الوَلَدُ والشَّبَهُ بإذن الله، إن عَلا ماءُ الرَّجُل على ماءِ المرأة كان ذَكَرًا بإذن الله، وإن عَلا ماءُ المرأة على ماءِ الرَّجُل كان أُنثَى بإذن الله؟ "، قالُوا: " اللهُمَّ نعم! "، قال: "اللَّهم! اشهَد عليهم. فأَنشُدُكُم بالذي أنزل التَّوراة على مُوسَى! هل تَعلَمُون أنَّ هذا النَّبيَّ الأُمِّي تنامُ عيناهُ ولا ينامُ قلبُه؟ "، قالُوا: "اللَّهُم نعم! "، قال: "اللَّهُمَّ! اشهد"، قالُوا: "وأنتَ الآن تُحَدِّثُنا، مَن ولِيُّك من الملائِكة؟ فعِندَهَا نُجامِعُك أو نُفارِقُك"، قال: "فإنَّ وليِّي جبريلُ ﵇، ولم يَبعَث اللهُ نبيًّا قطُّ إلَّا هو وليُّه"، قالُوا: "فعندها نُفارِقُك؛ لو كان وليُّك سواهُ من المَلائكة لَتَابَعناك وصدَّقناك"، قال: "فما يمنعُكُم مِن أن تُصَدِّقُوه؟ "، قالُوا: "إنَّه عدُوُّنا"، - قال: - فعند ذلك قال اللهُ : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ … [إلى قوله ]، … كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ١٠١]، فعند ذلك ﴿بَاءُ وبِغَضبٍ عَلَى غَضَبٍ … الآية﴾ [البقرة: ٩٠]. * قلتُ: وعبدُ الحميد بن بَهرَامَ صَدُوقٌ مُتماسِكٌ، وثَّقَهُ أحمدُ، وابنُ مَعينٍ، وأبُو داوُد .. وقال النَّسائِيُّ، والعِجِليُّ، وابنُ عَدِيٍّ: "لا بأس به" .. وقال أبُو حاتِمٍ الرَّازِيُّ: "عبدُ الحميد في شَهْرِ بن حَوشَبٍ، مثلُ الليثِ في سعيدٍ المَقبُريِّ … أحادِيثُهُ عن شهرٍ صِحاحٌ، لا أعلَمُ رَوَى عن شهر بن حَوشَبٍ أحاديثَ أحسنَ منها ولا أكثر منها … لا يُحتَجُّ بحديثه

стр. 549

ولا بحديث شَهر بن حَوشَبٍ، ولكن يُكَتبُ حديثُهُ" .. وقال أحمدُ بنُ صالحٍ: "أحادِيثُهُ عن شَهرٍ صحيحةٌ" .. وقال الخطيبُ: " الحَملُ في الصَّحيفة التي رواها عبدُ الحميد: على شَهرٍ، لا على عبد الحميد" .. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "إنَّما عابُوا عليه كثرةَ رواياتِهِ عن شهرٍ. وشهرٌ ضعيفٌ". وقد خالَفَهُ عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن بنِ أبي حُسينٍ، فرواه عن شَهر بن حَوشَبٍ، قال: إنَّ نَفرًا من اليهُود جاؤوا رسول الله ﷺ … وساقَهُ. فسَقَط ذِكرُ: ابنِ عبَّاسٍ. أخرَجَهُ ابنُ إسحاق في "سيرَة ابنِ هشامٍ" (٢/ ١٩١ - ١٩٢)، ومن طريقه ابنُ جَريرٍ (١٦٠٦) قال: حدَّثَنِي عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن بهذا الإسناد. وعبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن ثقة، وثَّقَهُ أحمدُ، والنَسائِيُّ، وأبُو زُرعَةَ، والعِجِليُّ، وابنُ سعدٍ، وابنُ حِبَّانَ. وقال أبو حاتِمٍ: "صالِحٌ"، وقال ابنُ عبد البَرِّ: "ثقةٌ عند الجميع، فقيهٌ عالِمٌ بالمَنَاسِك". فروايتُهُ تترجَّحُ على رواية ابن بَهرَامَ. ولعلّ هذا الاختلافَ من شَهر بن حَوشَبٍ، فقد اختَلف النُّقَّادُ في شأنه اختلافًا كثيرًا، والذي يترجَّحُ لديَّ من حاله: قبُولُ حديثِهِ في حال المُتابَعة، وإن تابَعَهُ مِثلُهُ، بشوط عدم وُجود المُخالِف الأقوَى. والله أعلم.

стр. 550

وصحَّح الشَّيخُ أبُو الأشبال أحمدُ شاكر ﵀ روايةَ شهر بن حَوشَبٍ؛ لأنَّ هذا عنده ثقةٌ، وقال في تعليقه على "تفسير الطَّبَرِيِّ" (٢/ ٣٢١): "ومَن تكلَّم فيه فلا حُجَّةَ له"!! وهي كلمةٌ دارجةٌ على لسان الشَّيخ في سائر الرُّواة المُتكلَّم فيهم، فيَرُدُّ قول الجارِحين مع كَثرَتِهم وجَلالَتِهم بمثل هذه الكَلِمة المُجمَلة، التي لا تُكلِّف قائِلَها شيئًا، ولسنا نُوافِقُ على إطلاقِها في حقِّ الأئمَّة الكبار؛ فما كانُوا يتكلَّمُون بالجُزاف، وهُم أدرَى بمَروِيَّات الرَّاوِي الذي تكلَّمُوا فيه من كثيرٍ ممَّن جاء بعدَهُم. والمَشهُور عند المُحقِّقين مِن أهل عَصِرنا تساهُلُ الشَّيخ أبي الأشبال في كلامه على الرُّواة، مع جلالة الشَّيخ وتقدُّمِه. ﵀. وله شاهدٌ ثانٍ من حديث أبي هُريرَة ﵁ .. أخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ٢٥١، ٤٣٨) .. وابنُ خُزَيمَة (٤٨) قال: أخبَرَنا محُمَّدُ بنُ بشَّارٍ، ويحيَى بنُ حَكيمٍ .. وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (١٢) قال: حدَّثَنا يعقُوبُ بنُ إبراهيم الدَّورَقِيُّ .. وابنُ حِبَّان (٦٣٨٦) عن أبي قُدامَة السَّرخْسِيِّ عُبيدِ الله بنِ قُدامةَ، قال خمسَتُهُم: ثنا يَحيَى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن ابن عَجلانَ، قال: سمعتُ أبي يُحدِّثُ، عن أبي هُريرَة ﵁ مرفُوعًا: "تنامُ عيناي، ولا ينامُ قلبي". وإسنادُهُ قوِيٌّ. وشاهدٌ ثالثٌ من حديث أنسٍ ﵁ في "الإسراء"، وفيه: إنَّه جاءه ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يُوحَى إليه وهو نائمٌ في المَسجد الحَرام، فقال أوَّلهُم:

стр. 551

"أيُّهُم هو؟ "، وقال أوسطُهُم: "هو خَيرُهُم"، فقال آخِرُهُم: "خُذُوا خَيرَهُم"، وكانت تلك، فلم يَرَهُم حتَّى جاؤوا ليلةً أُخرَى فيما يَرَى، ثلاثةً، والنَّبيُّ ﷺ تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُهُ، وكذلك الأنبياءُ تنامُ أعيُنُهم ولا تنامُ قُلُوبُهُم، فلم يُكلِّمُوه، حتى احتَمَلُوهُ فوَضَعُوه عند بئر زمزمَ، فتولَّاه منهم جبريلُ ﵇، فشقَّ جبريلُ - صلواتُ الله عليه - بطنَهُ مِن نَحرِهِ إلى لَبَّتِهِ، حتَّى فَرَج عن صدره وجَوفِهِ، فغَسَلَهُ من ماء زمزمَ حتَّى أنقَى جوفَهُ، ثُمَّ أتَى بطَستٍ من ذهبٍ فيه تَوْرٌ محشُوٌّ إيمانًا وحِكمةً، فحُشِي به صدرُهُ وجَوفُهُ ولَغادِيدُهُ، ثُمَّ أطبَقَه … الحديث. وهذا الحديثُ الذي يرويه شريكُ بنُ عبدِ الله بن أبي نَمِرٍ، عن آنسٍ، وهُو مخُرَّجٌ في "الصَّحيحَين" وغيرِهما من كُتب السُّنَّة، ووقَعَ فيه عشرةُ أوهامٍ، ذكرها الحافظُ في "الفتح" وغيرُهُ.

стр. 552

١٦٤ - سُئلتُ عن حديث: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". * قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقد وَرَدَ من حديث أبي هُريرَة، وعبدِ الله بن عمرٍو ﵃. ١ - أمَّا حديثُ أبي هُريرَة. فأخرَجَهُ النَّسَائيُّ (٥/ ٩٩)، وابن ماجَهْ (١٨٣٩)، وأحمد (٢/ ٣٧٧، ٣٨٩)، وابن أبي شَيبَة (٣/ ٢٥٧، و ١٤/ ٢٧٤)، وابن الجَارُود في "المُنتقَى" (٣٦٤)، وابن حِبَّانَ (٨٠٦)، وأبو يعَلَى (ج ١١/ رقم ٦٤٠١)، والبزَّار في "مُسنده" (ج ٢/ ق ٢٤٩/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٢/ ١٤)، والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١١٨)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٤)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٣٠٨) من طُرُقٍ عن أبي بكرٍ بنِ عيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سالم بن أبي الجَعد، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذكره. وأبُو حَصينٍ - بفتح الحاء المُهمَلة - هو عُثمانُ بنُ عاصمٍ، كان في الثَّبت كالأسطوانة. ورواه عن أبي بكرٍ بنِ عيَّاشٍ جماعة، مِنهُم: "الحَسَنُ بنُ عَرَفة، وهنَّادُ ابنُ السَّرِيِّ، ومحُمَّدُ بنُ الصَّبَّاح، ويحيى بنُ إسحاق، وحَسَنُ بنُ مُوسَى الأَشيبُ، وأَسوَدُ بُن عامرٍ، ومُعلَّى بنُ منصُورٍ، وعبدُ الله بنُ عُمَر بن

стр. 553

أبانَ، وأبو داوُدَ الطَّيالِسيُّ، وأبو غَسَّانَ، وابنُ أبي شَيبة، وإِبراهيمُ بنُ مُجَشِّرٍ، وعمَّارُ بنُ خالدٍ التَّمَّارُ، وإسحاقُ بنُ يَحيَى الطَّبَّاعُ، ويحيى بنُ أبي بُكَيرٍ". وخالف هذا الجمعَ: فُراتُ بنُ محَبُوبٍ، ومُعلَّى بنُ مَنصُورٍ فروَيَاهُ عن أبي بكرٍ بن عيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صَالحٍ، عن أبي هُريرَة ﵁ مرفُوعًا مثلَه. أخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤)، وأبُو نُعَيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٣٠٨). قال أبو نُعيمٍ: "لم يَروِهِ عن أبي حَصِينٍ، عن سالمٍ، وأبي صالحٍ، إلَّا أبو بكرٍ"، ونوَّهَ البَيهَقِيُّ بنحو ذلك. * قلتُ: وفُراتُ بنُ محَبُوبٍ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات" (٩/ ١٣)، وترجَمَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "الجَرح والتَّعديل" (٣/ ٢/ ٨٥)، ولَم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (١/ ١٨٤): "لا بأس به"، وَوَهَّمَه في حديثه، ووَثَّقَه الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ٢٨٨)، وكأَنَّه اتَّكأَ على توثيقِ ابن حِبَّانَ. ومُعلَّى بنُ مَنصُورٍ ثقةٌ، ولكنَّه رواه على الوجه الأوَّلِ أيضًا. وكأنَّ هذا الاضطرابَ من أبي بكرٍ بنِ عيَّاشٍ؛ فقد تكَلَّم العُلماءُ في حِفظِه، وإِن كانَ الأشبهُ هو روايةُ الجماعة عنه. وتابَعَه قَيسُ بنُ الرَّبيع، فرواهُ عن أبي حَصينٍ بهذا مثلَهُ. أخرَجَه الدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١١٨) قال: حدَّثَنا الحُسَينُ بنُ يحيى بن عيَّاشٍ، حدَّثَنا عليُّ بنُ مسلمٍ، ثنا أبُو داوُد، ثنا قيسُ بنُ الرَّبيع بهذا.

стр. 554

وكذلك رواهُ يحيى بنُ أبي بُكَير، عن قيسٍ، كما في "علل الدَّارَقُطنيِّ" (١٠/ ١٢٨). وقيسٌ مُتكَلَّمٌ في حِفظه، ولكن روايتُهُ تشُدُّ رواية أبي بكرٍ بن عيَّاشٍ. والله أعلم. وهذا سَنَدٌ لا بَأسَ به، لولا ما نَقَلَه الزَّيلَعِيُّ في "نصب الرَّاية" (٢/ ٣٩٩)، عن ابن دَقيقِ العِيدِ، أنَّهُ قال في "التَّنقيح": "رُوَاتُه ثِقاتٌ، إلَّا أنَّ أحمَد بن حنبَلٍ قال: سالمُ بن أبي الجَعد لم يَسمَع مِن أبي هُريرَة"، وسالمٌ ذَكَرُوه بالتَّدليس والإرسال. لكن له طريقٌ آخرُ .. أخرَجَهُ أبُو يَعلَى (ج ١١/ رقم ٦١٩٩) قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ عَبَّادٍ .. والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣ - ١٤) مِن طريق سَعدَانَ بن نَصرٍ، قالا: ثنا سُفيان - يعني: ابنَ عُيينة -، عن مَنصُورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة - قيل لسُفيان: "رَفَعَهُ؟ "، قال: "لَعَلَّهُ" -: "لَا تحلُّ الصَّدَقَةُ لِغنيِّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ". هكذا على الشَّكِّ في رفعه. ولكن أخرَجَهُ ابنُ خُزيمة في "صحيحه" (ج ٤/ رقم ٢٣٨٧) قال: حدَّثَنَا عبدُ الجَبَّار بنُ العلاء .. وأخرَجَه الحاكِمُ (١/ ٤٠٧) مِن طريق عليِّ بن حَرْبٍ، قالا: ثنا سُفيانُ، عن مَنصُورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة يبلُغُ به. ومعنى: "يَبلُغ به" يَعنِي رَفَعَه إلى النَّبيِّ ﷺ .

стр. 555

وذَكَر البَيهقيُّ أنَّ الحُمَيدِيَّ رواه عن سُفيانَ، فجَزَمَ برفعِهِ. وهؤُلاء الثَّلاثةُ أَثبتُ في سُفيان، ولاسيَّما الحُمَيدِيَّ، فهو مِن أوثق أصحابِهِ. وقال الحاكِم: "صحيحٌ على شرط الشَّيخَين، ولم يُخَرِّجاه". كذا قال! وعليُّ بنُ حربٍ الطَّائِيُّ مِن شيوخ النَّسائيِّ الثِّقاتِ، ولم يروِ عنه أحدُ الشَّيخَين شيئًا، وليس له عن الثَّوريِّ شيءٌ في الكُتب السِّتَّة. فالسَّنَدُ صحيحٌ فقط. والحمدُ لله. وقد رواه الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغرَائب" (٥٤٤٦) -، وقال: "تفرَّد به ابنُ عُيَينَة، عن منصورٍ، عن أبي حازِمٍ. رواه عنه عبدُ الجبَّار، فأسنَدَهُ. ورواه محُمَّدُ بنُ ميمونَ عنه، وقال في موضعٍ: مرفوعٌ، وفي موضعٍ: موقوفٌ". ويُفهَم من كلام الدَّارَقُطنِيِّ كأنَّ عبدَ الجَبَّار بنَ العَلاء تفرَّد به عن ابن عُيَينَةَ مُسنَدًا. وهذه عبارَةٌ دارِجَةٌ عندهم في مَعنَى التَّفرُّد. فإن يَكُن كذلك، فقد تُوبع عبدُ الجَبَّار كما مرَّ بك آنِفًا. والله أعلم. وقد خُولِف ابنُ عُيَينة في إسنادِهِ .. خالَفَه إسرائيلُ بنُ يُونُس، فرواهُ عن منصُورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعد، عن أبي هُريرَة مرفوعًا: "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ … ". أخرَجَه البزَّار في "مُسندَه" (ج ٢/ ق ٢٤٩/ ٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عُثمانَ بنِ كَرامةَ، نا عُبيدُ الله بنُ موسَى، عن إسرائيلَ بهذا. وتابَعَهُ عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، ثنا إسرائيلُ بهذا.

стр. 556

أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١١٨) قال: حدَّثَنا أبُو شَيبَة عبدُ العزيزِ بنُ جَعفَرٍ، ثنا محُمَّدُ بنُ عبد الله المُخرَّميُّ، ثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ بهذا. وذَكَر الدَّارَقُطنِيُّ في "عِلَلِه" (١١/ ١٨٥) هذه المُخالَفةَ ولم يُرجِّح. قال البزَّارُ: "هذا الحديثُ رواهُ ابنُ عُيَينة، عن مَنصُورٍ، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هُريرَة. والصَّوابُ: حديثُ إسرائيل، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن أبي هُريرَة. وقد تابع إسرائيلَ على روايَتِه أبو حَصينٍ، فرواهُ عن سالمٍ، عن أبي هُريرَة" انتَهى. ثمَّ رواه البزَّارُ مِن طريق أبي بكرٍ بنِ عيَّاشٍ الماضيةَ. * قلتُ: وفي ترجيحِ البزَّارِ روايَةَ إسرائيلَ نَظَرٌ مِن وَجهَين: الأوَّلُ: أنَّ ابنَ عُيَينَة أوثقُ من إسرائيلَ، ومَن طالَع ترجمةَ الرَّجُلَين عرفَ الفرقَ بينَهُما، مع ثقةِ إسرائيلَ ﵀. وليس مَعنَى أنَّه اختُلِف على ابنِ عُيَينة في رفعه أن يُوَهَّنَ حديثُهُ، لاسيَّما وقد رجَّحنا أنَّه عنه مرفوعٌ. الثَّاني: أنَّ البزَّار تَسَامَحَ في عَدِّ رواية أبي حَصينٍ مُتابَعةً، بل البحثُ في الاختلاف على منصورٍ كما هو ظاهر. والله أعلم. ثمَّ رأيتُ الدَّارقُطنيَّ في موضعٍ آخر من "العِلل" (١٠/ ١٢٨) سُئل عن حديث أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفوعًا: "لا تَحِلُّ الصَّدقة لغنيٍّ … "، فقال: "يرويه أبو حَصينٍ. واختُلِف عنه"، ثمَّ خَتَم بحثَه بقوله: "والمَحفوظُ: عن أبي بكرٍ بنِ عيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سالمٍ ابن أبي الجَعد، عن أبي هُريرَة". فلا يَتَوَهَّمن أحدٌ أنَّه يوافِقُ البزَّارَ في حُكمه؛ لأنَّ البزَّار نَصَبَ

стр. 557

المُعارَضة بين رواية: "ابن عُيَينة، عن منصورٍ، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هُريرَة"، وبين رواية: "إسرائيل، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن أبي هُريرَة". ولم يذكُر الدَّارَقُطنِيُّ روايَةَ أبي حازِمٍ هنا. والله أعلمُ. وأخرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في "الأوسَط" (٧٨٥٩) قال: حدَّثَنا محمُودُ بنُ محُمَّدٍ الواسِطِيُّ .. والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٨٨٥) مِن طريق مُحَمَّد بن عَبدُوسَ، قالا: ثنا وَهبٌ، أبنا خالدٌ، عن حُصَين، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا مثله. قال الطَّبَرانِيُّ: "لم يروه عن حُصينٍ إلَّا خالدٌ". وهذا سَنَدٌ صحيحٌ؛ ومحُمَّدُ بنُ عَبدُوسَ ترجمَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وقال: "كان مِن أهل العِلمِ والعرِفَةِ والفضل"، ونقل عن ابن المُنادِي، قال: "كانَ مِنَ المَعدُودِين في الحِفظ، وحُسنِ العرِفة بالحديث، أَكثَرَ النَّاسُ عنه لثِقَتِهِ وضَبطِه، وكان كالأخِ لعبد الله بن أحمد بن حنبلٍ"، ونَقَلَ أيضًا عن أحمدَ بنِ كاملٍ القاضي، قال: "كان حَسَنَ الحديث، كثيرَه". ووهبٌ هُو ابن بَقِيَّة، أحدُ الثِّقات. وبقِيَّةُ السَّند مشهورُون. وصرَّح الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (١١/ ١٨٥) أنَّ حُصَينًا رواه عن أبي حازِمٍ، عن أبي هُريرَة، موقُوفًا. ولا أعلَمُ مَن رواهُ عن حُصَينٍ هكذا.

стр. 558

وله طريقٌ آخَرُ وَرَد في حِكايةٍ طريفةٍ .. أخرَجَه ابنُ حِبَّان في مُقدِّمة "المَجروحِين" (١/ ٨٢ - ٨٣ - طبع السَّلفيِّ) قال: أخبَرَنا عُمرُ بنُ محُمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قال: حدَّثَنا أبو يحيى المُستمِلي، قال: حدَّثَنا أبُو جَعفَرٍ الجُوْزْجانِيُّ، قال: حدَّثَنِي أبُو عبد الله البَصريُّ، قال: أتيتُ إسحاقَ بن راهَوَيهِ، فسألتُهُ شيئًا، فقال: "صَنَع الله لك"، فقلتُ: "لَم أسألك صُنعَ الله، إنَّما سألتُكَ صدقةً"، قال: "لَطَفَ الله لك"، فقلتُ: "لَم أسألك لُطفَ الله، إنَّما سألتُكَ صدقة"، - قال: - فغضِبَ، وقال: "أيُّها الرَّجُلُ! إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لك"، قلتُ: "ولِمَ يَرحَمُك الله؟ "، قال: "لأنَّ جَرِيرًا حدَّثَنا، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَحِلُّ الصَّدَقة لغَنيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"، وأنتَ صحيحٌ قوِيٌّ ذُو مِرَّةٍ سوِيٌّ"، - قال: - فقال: "ترفَق رَحِمَك الله! فإنَّ معي حديثًا في كراهية العَمَل"، فقال إسحاقُ: "وما هو؟! "، فقلتُ: "حدَّثَنِي أبُو عبد الله الصَّادقُ النَّاطقُ، عن أفشين، عن أنباح، عن بان مان، عن سيماء الصَّغير، عن سيماء الكبير، عن عُجيف بن عنبسة، عن زعلمج ابن أمير المُؤمنين، أنَّه قال: العَمَلُ شؤمٌ، وتَركُهُ خيرٌ، تَقعُدُ تَهنَّى خيرٌ من أن تَعمَلَ تَعَنَّى"، فقلنا: "لا إله إلا الله! "، - قال: - فَضحك إسحاقُ وذَهَبَ غضبُهُ، وقال: "زِدنا مِن هذا الحديث! "، فقلتُ: " حدَّثَنِي أبُو عبد الله الصَّادقُ النَّاطقُ بإسناده، عن عُجَيفٍ، قال: قعد زعلمجُ في جُلَسائِه، فقال: أخبِرُوني بأعقل النَّاس عندكم. فأخبَرَ كلُّ واحدٍ منهم بما عنده، فقال

стр. 559

لهم: لم تُصيبُوا. قالوا له: فأخبِرنا بأعقل النَّاس عندك. قال: أعقلُ النَّاس الذي لا يعمل؛ لأنَّ من العَمَلِ يجيءُ التَّعَبُ، ومِن التَّعبِ يجيءُ المَرَضُ، ومن المَرَضِ يجيءُ الموتُ، ومَن عَمِل فقد أعان على نفسه، وقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] "، قال إسحاقُ: "زَدنا مِن حديثِك! "، قال: "وحدَّثَني أبُو عبد الله الصَّادقُ النَّاطقُ بإسناده، عن زعلمج، قال: مَن أطعَمَ أخاه شوَا غفر الله له عدد النَّوَى، ومَن أطعم أخاه هريسة غفر الله له مثل الكنيسة، ومَن أطعم أخاه جُبنًا غَفَر الله له كُل ذنب"، قال: فضَحِك إسحاقُ، وأَمَر له بلِباسَين ورَغِيفَين وعُودَين. [وعلَّق ابنُ حِبَّان على هذه الحكايةِ قائِلًا:] "فإذا كان مِثلُ هؤلاء يَجتَرِئُون على أحمدَ ويَحيَى وإسحاقَ حتَّى يَضَعُوا الحديثَ بين أيديهم من غير مُبالاةٍ بهم". كانوا إذا خَلَوا بمساجد الجَماعَاتِ ومحَافِل القبائل مع العوامِّ والرِّعاع أَكثَرَ جَسارةً في الوضع، فالقوم إنَّما كانت لُغَتَهُم العربيَّة، فكان يَعلَقُ بقُلوبِهِم ما سَمِعُوا، فرُبَّما سمع المُستَمِعُ من أحدهم حديثًا قد وَضَعَهُ في قصصه بإسنادٍ صحيحٍ على قومٍ ثقاتٍ، فيرويها عنه على جهة التَّعجُّب، فيَحمِلُونه عند ذلك، حتَّى وَقَع في أيدي النَّاس. من هاهنا وَجَب التَّفتيشُ والتَّنقيرُ عن أصل كُلِّ روايةٍ، والبحثُ عن كلِّ راوٍ في النَّقل، حتى لا يُتقوَّل على رسول الله ﷺ ما لم يقُل. وأرجو أن تكون هذه الطَّائفةُ الذَّابَّةُ الكذبَ عن رسول الله ﷺ في أوَّلَ زُمرَةٍ يَدخُلون الجنان مع المُصطَفَى ﷺ ، إذ الجنَّةُ حرامٌ على الأنبياء أن يدخُلوها قبل

стр. 560

نبيِّنا ﷺ ، وعلى الأُمَمِ قبل هذه الأُمَّة، فالأَولَى أن يكون أقربُ هذه الأُمَّة مِن رسول الله ﷺ من كان يَذُبُّ الكَذِب عنه في دار الدُّنيا. نسألُ الله الحُلُول في تلك المَرتَبة، إنَّه الفعَّال لما يُريدُ" انتهَى. ٢ - حديثُ عبد الله بن عمرِو بن العاص ﵁ -. أخرَجَه التِّرمِذِيُّ (٦٥٢)، ومِن طريقه البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٦/ ٨٢) عن أبي داوُد الطَّيالِسيِّ .. والتِّرمِذِيُّ أيضًا (٦٥٢)، ومِن طريقِهِ البَغَوِيُّ (٦/ ٨٢)، والبيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (٧/ ١٣)، وفي "السُّنَن الصَّغير" (٢/ ٧٦) عن عبد الرَّزَّاق - وهذا في "مُصنَّفه" (٧١٥٥) - .. وأحمدُ (٢/ ١٦٤، ١٩٢)، وابنُ أبي شَيبةَ (٣/ ٢٠٧، و ١٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥) قالا: ثنا وكيعٌ .. وأبُو عُبيدٍ في "الأموال" (١٥٢١) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ .. والدَّارِمِيُّ (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وابنُ الجَارُود في "المُنتَقَى" (٣٦٣)، والطَّحاوِيُّ في "شرح المَعانِي" (٢/ ١٤)، وابنُ المُنذِر في "الإقناع" (٦٠)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن أبي نُعَيمٍ الفضلِ بنِ دُكَينٍ .. والدَّارِمِيُّ (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) قال: أخبَرَنا محُمَّدُ بنُ يُوسُف الفِريابِيُّ .. والطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤) عن أبي حُذَيفة النَّهْدِيِّ، قالُوا: ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن سعد بن إبراهِيمَ، عن رَيحانَ بن يزيدَ العامِرِيِّ، عن عبد الله ابن عمرٍو مرفوعًا: "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سوِيٍّ". وفي لفظٍ: "إنَّ الصَّدقة لا تَحِلُّ … ".

стр. 561

وأخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ١٩٢) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن - يعني: ابنَ مَهدِيٍّ - .. والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١١٩)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن الطَّيالِسِيِّ - وهذا في "مُسنَده" (٢٢٧١) - .. والبُخارِيُّ في "التَّاريخ الكَبير" (٢/ ١/ ٣٢٩)، والحَربِيُّ في "الغَريب" (١/ ٨١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١٣/ رقم ٢ - قطعةٌ منه)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٨٨٤) عن أبي نُعَيمٍ الفضلِ بن دُكَينٍ .. وابن زَنجَوَيهِ في "الأموال" (٢٥٧١) قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ يُوسُف الفريابِيُّ .. والحاكِمُ (١/ ٤٥٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن محُمَّدِ بنِ كَثيرٍ، قالُوا: ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ بهذا الإسناد، غير أنَّهم قالُوا: "قويٍّ" بدل "سَوِيٍّ"، وهُما بِمَعنى. وقد رَوَى اللفظَين جميعًا عن الثَّورِيِّ: أبُو نُعَيمٍ، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، والطَّيالِسِيُّ، والفرِيابِيُّ. وقد تُوبع الثَّوريُّ على لفظة: "سَوِيٍّ" .. تابَعَهُ إبراهيمُ بنُ سعد بنِ إبراهيمَ، فرواه عن أبيه بهذا الإسناد سواء. أخرَجَهُ أبُو داوُد (١٦٣٤) قال: حدَّثَنا عبَّادُ بنُ مُوسى الأنباريُّ .. والحاكِمُ (١/ ٤٠٧) عن أبي بكرٍ ابنِ أبي العوَّام، قالا: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ بهذا. ونَقَل الإمامُ أحمدُ (٢/ ١٩٢) عن عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ، قال: "لم يَرفعهُ سعدٌ، ولا ابنُهُ - يعني: إبراهيم بن سعدٍ - ".

стр. 562

وكذلك قال البُخاريُّ في "تاريخِهِ" (٢/ ١/ ٣٢٩). "قلتُ: قد رَفَعَهُ عنهُما غيرُ عبد الرَّحمن. والرَّاوِي قد لا يَنشَطُ فيُوقف الحديثَ المَرفُوعَ. ولم يُختَلَف على سُفيانَ في رفعه. قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ". وهو كما قال؛ ورَيحانُ بنُ يزيدَ، وإن جَهَّله أبو حاتِمٍ، فقد قال سعد ابن إبراهيم الرَّاوِي عنه: "كان أعرابِيَّ صِدقٍ"، ووثَّقه ابنُ مَعينٍ، وابنُ حِبَّان. قال التِّرمِذِيُّ: "وقد رَوَى شُعبةُ، عن سعد بن إبراهيمَ هذا الحديثَ بهذا الإسناد، ولم يرفعه". * قلتُ: لم يَتَّفِقُوا على شعبة في ذلك، فمنهم مَن وَقَفَهُ ومِنهم من رفَعَه .. أمَّا الرَّفع. فأخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ٤٠٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن آدم بن أبي إياسٍ .. والبَيهَقِيُّ (٣/ ١٧) عن عبدِ الصَّمَد بن عبدِ الوارِث، قالا: ثنا شُعبةُ، عن سعد بن إبراهيم، عن رَيحانَ، عن عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا. وفي رواية آدم: "سَوِيٍّ". وفي رواية عبد الصَّمَد: "قَوِيٍّ". أمَّا روايَةُ الوَقف .. فأخرَجَها البُخارِيُّ في "تاريخِهِ" (٢/ ١/ ٣٢٩)، والطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤) عن حجَّاج بن مِنهالٍ، ثنا شُعبَةُ بهذا موقُوفًا. وأخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤) عن وَهب بن بقيَّة، ثنا شُعبَةُ، عن سعدٍ، عن رَجُلٍ مِن بني عامِرٍ، عن عبد الله بن عمرٍو موقُوفًا أيضًا.

стр. 563

وروايَةُ الوَقف لا تُعارِضُ روايَةَ الرَّفع في خُصوص حديث شُعبة؛ فقد صحَّ مرفُوعًا وموقُوفًا. ولو قدَّرنا أنَّ الوَقفَ يُعِلُّ الرَّفعَ، فهذا لا يَضُرُّ روايَةَ الثَّورِيِّ ولا إبراهيمَ بنِ سعدٍ. والحمدُ لله تعالى. قال البَيهَقِيُّ: "وفي رواية مَن رَفَعَه كفايَةٌ". وقد وَرَد موقُوفًا مِن وجهٍ آخرَ .. فقال أبُو داوُد بعد أن رَوَى حديثَ إبراهيمَ بنِ سعدٍ: "رواهُ سُفيانُ، عن سعد بن إبراهيم كما قال إبراهيمُ. ورواه شُعبةُ، عن سعدٍ، قال: لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ. والأحاديثُ الأُخَرُ عن النَّبيِّ ﷺ بعضُها: لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ، وبَعضُها: لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ. وقال عطاءُ بن زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبد الله ابن عمرٍو، فقال: إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لقوِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ". وقولُ أبي داوُد: "قال عطاءُ بنُ زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبدَ الله بن عَمرٍو … الخ" استَشكَلَهُ الشَّيخُ العلَّامةُ أبُو الأشبال أحمد شاكر ﵀، فأطال الكلامَ عنها في "تَخريج المُسنَد" (١٠/ ٣٨ - ٤٠) استيضاحًا للصَّواب واستِرباحًا للثَّواب - إن شاء الله تعالى -، فقال: "بقيَت كلمَةُ أبي داوُد: "وقال عطاءُ بن زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبدَ الله بن عمرٍو، فقال: إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لقوِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ"، فهذا شي ءٌ لا أدري ما هو وما وَجهُهُ؟ مِن جهة الإسناد، ومِن جهة اللفظ؟! فعَطاءُ بن زُهيرٍ هذا لم أجد له ترجَمةً في "التَّهذيب" وفُروعِه، ولا أدري كيف ترَكُوه، وهو في سُنَن أبي داوُد أحدِ الكُتبِ السِّتَّة؟ ولم أجد له ترجمةً في "التَّعجيل" ولا "الميزان" ولا "لسان الميزان"؟ نعم!

стр. 564

ترجمه ابنُ أبي حاتِمٍ في "الجَرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ٣٣٢)، قال: "عطاءُ ابنُ زُهيرِ بن الأصبَغ. رَوَى عن أبيه. رَوَى عنه شُمَيطٌ والأخضرُ ابنا عجلان. سمعتُ أبي يقُولُ ذلك". فهذا هو الذي ذكره أبُو داوُد، ولكنَّه أخطأ الحِفظ، أو سَمِع بإسنادٍ أخطأ بعضُ رُواتِه، فذَكَره هكذا مُعلَّقًا مُنقَطِعًا، وأخطأ هو أو مَن فوقه لفظَ الحديث المَوقوف، إذ قال: "لا تَحِلُّ لقَوِيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ"!! وذُو المِرَّة السَّوِيِّ هو القوِيُّ، كما سيجيء. والدَّليلُ على خطإ رواية أبي داوُد هذه أنَّ البُخاريَّ ترجم في "الكَبير" (٢/ ١/ ٣٩٢) لزُهيرٍ والِدِ عطاءٍ هذا، قال: "زُهيرُ بنُ الأصبغ العامِرِيُّ. سَمِع عبدَ الله بن عَمرٍو. روَى عنهُ ابنُهُ عطاءٌ"، ثُمَّ ترجم فيه (٢/ ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٣) لشُمَيطِ بن عَجلانَ (١) الذي ذكر ابنُ أبي حاتِمٍ أنَّه رَوَى عن عطاء بن زُهيرٍ، قال: "شُمَيطُ بن عَجلانَ، أبُو عُبيد الله البَصريُّ، أخُو الأخضر الشَّيبانِيِّ، ويُقال: التَّيمِيُّ. روى عنه ابنه عُبيدُ الله. وقال سيَّارُ بنُ حاتِمٍ: هو القَيسِيُّ. روى عن عطاء بن زُهيرٍ، عن أبيه: لقيتُ عبد الله بن عَمرٍو، قلتُ: "أخبِرنِي عن الصَّدقة؟ "، قال: "شَرُّ مالٍ، مالُ العميان والعرجان والكسحان واليَتامَى وكُلِّ مُنقَطَعٍ به"، قلتُ: " إنَّ للعامِلين عليها حقًّا؟ "، قال: " بقدر عَمَالتِهم "، قلتُ: "والمُجاهدين؟ "، قال: "قومٌ قد أُحلَّ لهم. إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". حدَّثَنِي عِيسى بنُ إبراهيم، حدَّثَنا عبدُ العزيز بنُ

стр. 565

مُسلمٍ، حدَّثَنا شُميطُ بنُ عَجلانَ، عن أبيه، سمع ابن عُمَر" وهذا الإسنادُ الأخيرُ في "الكبير" مَغلُوطٌ محُرَّفٌ، كتب عليه مُصَحِّحُه العلَّامةُ الشَّيخُ عبدُ الرَّحمن بنُ يحيَى اليَمانيُّ ما نَصُّهُ: "كذا، ويُمكن أن يكون الصَّواب … حدَّثنا شُميطُ بن عَجلانَ، عن عطاءٍ، عن أبيه، سَمِعَ ابن عَمْرٍو"، وهذا التَّصويبُ مُتعيِّنٌ، كما هو ظاهرٌ من سياق التَّرجَمة. فهذا السِّياقُ الذي ساقه البُخاريُّ ورواه بإسنادِهِ، يدُلُّ على الخطإِ الذي وَقَعَ في روايةِ أبِي داوُد المُعلَّقةِ، الخطإِ في الإسناد المُنقَطِع، ثُمَّ الخطإِ في المَتن، فهو يدُلُّ على أنَّ عطاءَ بنَ زُهيرٍ لم يلق عبدَ الله بنَ عمرٍو، بل الذي لقيه هو أبُوه زُهيرُ بنُ الأصبغ، وإنَّما روى عطاءُ بنُ زُهير ذلك عن أبيه، ورواه شُميطُ بن عَجلانَ عن عطاءٍ هذا عن أبيه، وأنَّ زهَيرًا أبا عطاءٍ سأل عبدَ الله بنَ عمرٍو عن الصَّدقة، فحطَّ مِن شأنِها؛ تنفيرًا مِن قَبُولها وتنزيهًا، حتَّى جادَلَه في استِحقاق العامِلين عليها والمُجاهِدين، فأبان له أنَّ ذلك بقدر ما أَذِن الله به؛ تحذيرًا مِن تجاوُزِ ما أحلَّ الله فيها، ثُمَّ وكَّد ذلك بأنْ ذَكَر له أنَّها "لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". فلا يدُلُّ هذا على أنَّ روايَتَهُ موقُوفةٌ غيرُ مرفُوعَةٍ، كما يُوهِمُ كلامُ أبي داوُد، إذ كأنَّهُ يُشيرُ إلى تعليل الرِّوايَة المَرفُوعة بهذه الرِّوايَة المَوقُوفَة التي رَوَاهَا مُعلَّقَةً، ورواها على وجهٍ كلُّهُ خطأٌ. ولعلَّ أبا داوُد ذَكَرَها مُعلَّقةً لهذا السَّبب، لَمَح فيها الخَطأَ في الإسنادِ والمَتنِ، فأعرَضَ عن أن يَسُوقَها بإسنادِهَا مَساقَ رواياتِهِ في كتابِهِ، إذ
следующие страницы →