وأخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ١٩٢) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن - يعني: ابنَ مَهدِيٍّ - .. والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١١٩)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن الطَّيالِسِيِّ - وهذا في "مُسنَده" (٢٢٧١) - ..
والبُخارِيُّ في "التَّاريخ الكَبير" (٢/ ١/ ٣٢٩)، والحَربِيُّ في "الغَريب" (١/ ٨١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١٣/ رقم ٢ - قطعةٌ منه)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٨٨٤) عن أبي نُعَيمٍ الفضلِ بن دُكَينٍ ..
وابن زَنجَوَيهِ في "الأموال" (٢٥٧١) قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ يُوسُف الفريابِيُّ ..
والحاكِمُ (١/ ٤٥٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن محُمَّدِ بنِ كَثيرٍ، قالُوا: ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ بهذا الإسناد، غير أنَّهم قالُوا: "قويٍّ" بدل "سَوِيٍّ"، وهُما بِمَعنى.
وقد رَوَى اللفظَين جميعًا عن الثَّورِيِّ: أبُو نُعَيمٍ، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، والطَّيالِسِيُّ، والفرِيابِيُّ.
وقد تُوبع الثَّوريُّ على لفظة: "سَوِيٍّ" ..
تابَعَهُ إبراهيمُ بنُ سعد بنِ إبراهيمَ، فرواه عن أبيه بهذا الإسناد سواء.
أخرَجَهُ أبُو داوُد (١٦٣٤) قال: حدَّثَنا عبَّادُ بنُ مُوسى الأنباريُّ ..
والحاكِمُ (١/ ٤٠٧) عن أبي بكرٍ ابنِ أبي العوَّام، قالا: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ بهذا.
ونَقَل الإمامُ أحمدُ (٢/ ١٩٢) عن عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ، قال: "لم يَرفعهُ سعدٌ، ولا ابنُهُ - يعني: إبراهيم بن سعدٍ - ".
стр. 562
وكذلك قال البُخاريُّ في "تاريخِهِ" (٢/ ١/ ٣٢٩).
"قلتُ: قد رَفَعَهُ عنهُما غيرُ عبد الرَّحمن. والرَّاوِي قد لا يَنشَطُ فيُوقف الحديثَ المَرفُوعَ. ولم يُختَلَف على سُفيانَ في رفعه.
قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ".
وهو كما قال؛ ورَيحانُ بنُ يزيدَ، وإن جَهَّله أبو حاتِمٍ، فقد قال سعد ابن إبراهيم الرَّاوِي عنه: "كان أعرابِيَّ صِدقٍ"، ووثَّقه ابنُ مَعينٍ، وابنُ حِبَّان.
قال التِّرمِذِيُّ: "وقد رَوَى شُعبةُ، عن سعد بن إبراهيمَ هذا الحديثَ بهذا الإسناد، ولم يرفعه".
* قلتُ: لم يَتَّفِقُوا على شعبة في ذلك، فمنهم مَن وَقَفَهُ ومِنهم من رفَعَه .. أمَّا الرَّفع.
فأخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ٤٠٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ١٣) عن آدم بن أبي إياسٍ .. والبَيهَقِيُّ (٣/ ١٧) عن عبدِ الصَّمَد بن عبدِ الوارِث، قالا: ثنا شُعبةُ، عن سعد بن إبراهيم، عن رَيحانَ، عن عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا.
وفي رواية آدم: "سَوِيٍّ". وفي رواية عبد الصَّمَد: "قَوِيٍّ".
أمَّا روايَةُ الوَقف ..
فأخرَجَها البُخارِيُّ في "تاريخِهِ" (٢/ ١/ ٣٢٩)، والطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤) عن حجَّاج بن مِنهالٍ، ثنا شُعبَةُ بهذا موقُوفًا.
وأخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ (٢/ ١٤) عن وَهب بن بقيَّة، ثنا شُعبَةُ، عن سعدٍ، عن رَجُلٍ مِن بني عامِرٍ، عن عبد الله بن عمرٍو موقُوفًا أيضًا.
стр. 563
وروايَةُ الوَقف لا تُعارِضُ روايَةَ الرَّفع في خُصوص حديث شُعبة؛ فقد صحَّ مرفُوعًا وموقُوفًا. ولو قدَّرنا أنَّ الوَقفَ يُعِلُّ الرَّفعَ، فهذا لا يَضُرُّ روايَةَ الثَّورِيِّ ولا إبراهيمَ بنِ سعدٍ. والحمدُ لله تعالى.
قال البَيهَقِيُّ: "وفي رواية مَن رَفَعَه كفايَةٌ".
وقد وَرَد موقُوفًا مِن وجهٍ آخرَ ..
فقال أبُو داوُد بعد أن رَوَى حديثَ إبراهيمَ بنِ سعدٍ: "رواهُ سُفيانُ، عن سعد بن إبراهيم كما قال إبراهيمُ. ورواه شُعبةُ، عن سعدٍ، قال: لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ. والأحاديثُ الأُخَرُ عن النَّبيِّ ﷺ بعضُها: لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ، وبَعضُها: لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ. وقال عطاءُ بن زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبد الله ابن عمرٍو، فقال: إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لقوِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ".
وقولُ أبي داوُد: "قال عطاءُ بنُ زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبدَ الله بن عَمرٍو … الخ" استَشكَلَهُ الشَّيخُ العلَّامةُ أبُو الأشبال أحمد شاكر ﵀، فأطال الكلامَ عنها في "تَخريج المُسنَد" (١٠/ ٣٨ - ٤٠) استيضاحًا للصَّواب واستِرباحًا للثَّواب - إن شاء الله تعالى -، فقال:
"بقيَت كلمَةُ أبي داوُد: "وقال عطاءُ بن زُهيرٍ: إنَّه لَقِيَ عبدَ الله بن عمرٍو، فقال: إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لقوِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ"، فهذا شي ءٌ لا أدري ما هو وما وَجهُهُ؟ مِن جهة الإسناد، ومِن جهة اللفظ؟! فعَطاءُ بن زُهيرٍ هذا لم أجد له ترجَمةً في "التَّهذيب" وفُروعِه، ولا أدري كيف ترَكُوه، وهو في سُنَن أبي داوُد أحدِ الكُتبِ السِّتَّة؟ ولم أجد له ترجمةً في "التَّعجيل" ولا "الميزان" ولا "لسان الميزان"؟ نعم!
стр. 564
ترجمه ابنُ أبي حاتِمٍ في "الجَرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ٣٣٢)، قال: "عطاءُ ابنُ زُهيرِ بن الأصبَغ. رَوَى عن أبيه. رَوَى عنه شُمَيطٌ والأخضرُ ابنا عجلان. سمعتُ أبي يقُولُ ذلك".
فهذا هو الذي ذكره أبُو داوُد، ولكنَّه أخطأ الحِفظ، أو سَمِع بإسنادٍ أخطأ بعضُ رُواتِه، فذَكَره هكذا مُعلَّقًا مُنقَطِعًا، وأخطأ هو أو مَن فوقه لفظَ الحديث المَوقوف، إذ قال: "لا تَحِلُّ لقَوِيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ"!! وذُو المِرَّة السَّوِيِّ هو القوِيُّ، كما سيجيء.
والدَّليلُ على خطإ رواية أبي داوُد هذه أنَّ البُخاريَّ ترجم في "الكَبير" (٢/ ١/ ٣٩٢) لزُهيرٍ والِدِ عطاءٍ هذا، قال: "زُهيرُ بنُ الأصبغ العامِرِيُّ. سَمِع عبدَ الله بن عَمرٍو. روَى عنهُ ابنُهُ عطاءٌ"، ثُمَّ ترجم فيه (٢/ ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٣) لشُمَيطِ بن عَجلانَ (١) الذي ذكر ابنُ أبي حاتِمٍ أنَّه رَوَى عن عطاء بن زُهيرٍ، قال: "شُمَيطُ بن عَجلانَ، أبُو عُبيد الله البَصريُّ، أخُو الأخضر الشَّيبانِيِّ، ويُقال: التَّيمِيُّ. روى عنه ابنه عُبيدُ الله. وقال سيَّارُ بنُ حاتِمٍ: هو القَيسِيُّ. روى عن عطاء بن زُهيرٍ، عن أبيه: لقيتُ عبد الله بن عَمرٍو، قلتُ: "أخبِرنِي عن الصَّدقة؟ "، قال: "شَرُّ مالٍ، مالُ العميان والعرجان والكسحان واليَتامَى وكُلِّ مُنقَطَعٍ به"، قلتُ: " إنَّ للعامِلين عليها حقًّا؟ "، قال: " بقدر عَمَالتِهم "، قلتُ: "والمُجاهدين؟ "، قال: "قومٌ قد أُحلَّ لهم. إنَّ الصَّدَقة لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". حدَّثَنِي عِيسى بنُ إبراهيم، حدَّثَنا عبدُ العزيز بنُ
стр. 565
مُسلمٍ، حدَّثَنا شُميطُ بنُ عَجلانَ، عن أبيه، سمع ابن عُمَر" وهذا الإسنادُ الأخيرُ في "الكبير" مَغلُوطٌ محُرَّفٌ، كتب عليه مُصَحِّحُه العلَّامةُ الشَّيخُ عبدُ الرَّحمن بنُ يحيَى اليَمانيُّ ما نَصُّهُ: "كذا، ويُمكن أن يكون الصَّواب … حدَّثنا شُميطُ بن عَجلانَ، عن عطاءٍ، عن أبيه، سَمِعَ ابن عَمْرٍو"، وهذا التَّصويبُ مُتعيِّنٌ، كما هو ظاهرٌ من سياق التَّرجَمة.
فهذا السِّياقُ الذي ساقه البُخاريُّ ورواه بإسنادِهِ، يدُلُّ على الخطإِ الذي وَقَعَ في روايةِ أبِي داوُد المُعلَّقةِ، الخطإِ في الإسناد المُنقَطِع، ثُمَّ الخطإِ في المَتن، فهو يدُلُّ على أنَّ عطاءَ بنَ زُهيرٍ لم يلق عبدَ الله بنَ عمرٍو، بل الذي لقيه هو أبُوه زُهيرُ بنُ الأصبغ، وإنَّما روى عطاءُ بنُ زُهير ذلك عن أبيه، ورواه شُميطُ بن عَجلانَ عن عطاءٍ هذا عن أبيه، وأنَّ زهَيرًا أبا عطاءٍ سأل عبدَ الله بنَ عمرٍو عن الصَّدقة، فحطَّ مِن شأنِها؛ تنفيرًا مِن قَبُولها وتنزيهًا، حتَّى جادَلَه في استِحقاق العامِلين عليها والمُجاهِدين، فأبان له أنَّ ذلك بقدر ما أَذِن الله به؛ تحذيرًا مِن تجاوُزِ ما أحلَّ الله فيها، ثُمَّ وكَّد ذلك بأنْ ذَكَر له أنَّها "لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". فلا يدُلُّ هذا على أنَّ روايَتَهُ موقُوفةٌ غيرُ مرفُوعَةٍ، كما يُوهِمُ كلامُ أبي داوُد، إذ كأنَّهُ يُشيرُ إلى تعليل الرِّوايَة المَرفُوعة بهذه الرِّوايَة المَوقُوفَة التي رَوَاهَا مُعلَّقَةً، ورواها على وجهٍ كلُّهُ خطأٌ.
ولعلَّ أبا داوُد ذَكَرَها مُعلَّقةً لهذا السَّبب، لَمَح فيها الخَطأَ في الإسنادِ والمَتنِ، فأعرَضَ عن أن يَسُوقَها بإسنادِهَا مَساقَ رواياتِهِ في كتابِهِ، إذ
стр. 566
كانت عنده على نحوٍ لَم يَطمئنَّ إليه.
ثُمَّ بعد هذا، لو كان الحديثُ موقُوفًا لفظًا فقط، كان مَرفُوعَ المَعنَى؛ لأنَّ الصَّحابِيَّ إذا حَكَى التَّحريمَ أو التَّحليل، أو الأمرَ أو النَّهيَ، كان محَمَلُهُ على النَّقل عن النَّبيِّ ﷺ . وقد تكلَّمنا في هذا المَعنَى فيما مَضى، في شرح حديث "أُحِلَّت لنا مَيتَتَان" (٥٧٢٣)، وأَشَرنا إلى بعض أقوال الأئِمَّة في ذلك، ونَزِيدُ هنا قولَ الخَطيبِ البَغدادِيِّ في كتاب "الكِفاية في عِلم الرِّوايَة" (ص ٤٢١)، قال:
"قال أكثرُ أهل العِلم: يجبُ أن يُحمَل قولُ الصَّحابِيِّ: "أُمِرنا بكذا" على أنَّه أمرُ الله ورسولِهِ. وقال فريقٌ منهم يجبُ الوَقفُ في ذلك؛ لأنَّه لا يُؤمَن أنْ يَعنِي بذلك أمرَ الأئمَّة والعُلماء، كما أنَّه يَعنِي بذلك أمر رسول الله ﷺ . والقَولُ الأوَّل أولَى بالصَّواب".
"والدَّليلُ عليه: أنَّ الصَّحابِيَّ إذا قال: "أُمِرنا بكذا" فإنَّما يَقصِدُ الاحتِجاج لإثبات شرعٍ وتَحليلٍ وتحريمٍ وحُكمٍ يجبُ كونُهُ مَشرُوعًا".
"وقد ثَبَتَ أنَّه لا يَجِبُ بأمر الأئمَّة والعُلَماءِ تحليلٌ ولا تَحريمٌ إذا لَم يكُن أمرًا عن الله ورسولِهِ. وثَبَتَ أنَّ التَّقليد لهم غيرُ صحيحٍ. وإذا كان كذلك، لم يَجُز أن يقول الصَّحابِيُّ: "أُمِرنا بكذا" أو "نُهينا عن كذا"، لِيُخبِرَنَا بإثبات شرعٍ، ولُزوم حُكمٍ في الدِّين، وهُو يُريدُ أمرَ غيرِ الرَّسُول ومَن لا يجبُ طاعتُهُ ولا يَثبُتُ شرعٌ بقولِهِ، وأنَّه متى أراد مَن هذه حالُهُ وَجَبَ تقييدُهُ له بما يدلُّ على أنَّه لم يُرِد أمرَ مَن يَثبُتُ بأمرِهِ شرعٌ. وهذه الدِّلالَةُ بعَينِها تُوجِبُ حَملَ قوِلِه: "من السُّنَّة كذا" على أنَّها
стр. 567
سنَّة الرَّسول ﷺ ".
فهذا مِن قوِلهِم في قول الصَّحابِيِّ "أُمِرنا بكذا" أو "نُهِينا عن كذا"، بصيغَة المَبنِيِّ لما لَم يُسَمَّ فاعلُهُ. فأولَى ثُمَّ أولَى إذا صرَّح بالتَّحليل أو التَّحريم، كقول عبدِ الله بن عَمرٍو هنا، في الرِّواية المَوقُوفة: "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ … الخ". فهو حين يُحاوِرُ زُهيرَ بنَ الأصبَغ في الصَّدقة، ويَحتجُّ عليه ويُحُجُّه، بأنَّ الصَّدقةَ لا تَحِلُّ لِغنِيِّ ولا لِذي مِرَّةٍ سوِيٍّ، إنَّما يَحُجُّه بالسُّنَّة الصَّحيحةِ عن رسول الله ﷺ ، المُبَلِّغِ عن الله التَّحليلَ والتَّحريمَ، لا يَحُجُّه بقولِ نفسِهِ، ولا برأي نفسه، ولا بقولِ أحدٍ ولا برأي أحدٍ دون رسول الله ﷺ .
فهذا الحديثُ إذن حديثٌ صحيحٌ مرفُوعًا أو موقُوفًا، ليست له عِلَّةٌ، وقد أخطأ كُلُّ مَن أَعلَّهُ" انتهَى.
* قلتُ: وأخرَجَ ابنُ أبي شَيبَةَ (٣/ ٢٠٨) قال: حدَّثَنا ابنُ مَهدِيٍّ، عن مُوسَى بنِ عُليٍّ، عن أبيه - هو: عُلَيُّ بنُ رَباحٍ -، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: "لا تَنبغِي الصَّدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سويِّ".
وهو صحيحٌ موقوفٌ مِن هذا الوَجه. والحمدُ لله تعالَى.
وللحديثِ شواهدُ عن جماعَةٍ من الصَّحابَة ﵀، أشار إليها التِّرمِذِيُّ، وقد فاتَهُ بعضُها، وذَكَرتُهُ في "تَعِلَّة المَفؤُود بشرح مُنتَقَى ابن الجارُود" (رقم ٤٠٠)، يسَّر اللهُ إتمامَهُ على الوَجه الذي يُرضيه.
стр. 568
١٦٥ - سُئلتُ: هل صحَّ أنَّ النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الجنازة، وأنَّه قرأ سورةً مع الفاتحة؟
* قلتُ: لا أَعلَمُه صحيحًا عن النَّبيِّ ﷺ ، ولكن صحَّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄.
أخرَجَهُ النَّسائيّ (٤/ ٧٤ - ٧٥) قال: أخبَرَنا الهَيثَمُ بنُ أيُّوب ..
وأبو يَعلَى في "مُسنَده" (ج ٥/ رقم ٢٦٦١) قال: حدَّثَنا مُحْرِزُ بن عَون ..
وابنُ الجَارُود في "المُنتقَى" (٥٣٧) من طريق سليمان بن داوُد الهاشميِّ، وإبراهيم بن زِيادٍ، أربعَتُهم عن إبراهيم بن سعدٍ، قال: حدَّثَنِي أبي، عن طلحة بن عبد الله بن عَوفٍ أخي عبد الرَّحمن بن عوفٍ، قال: صَلَّيتُ خلف ابن عبَّاسٍ على جِنازةٍ، فقرأ بفاتِحَةِ الكتاب وسورَةٍ، فجَهَرَ حتَّى سَمِعنا، فلمَّا انصرف، أخَذتُ بيده، فسألتُه عن ذلك، فقال: "سنَّةٌ وحقٌّ".
وقال البَيهقِيُّ: "ورواه إبراهيمُ بنُ حَمزة، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، وقال في الحديث: فقرأ بفاتِحة الكتاب وسورةٍ"، ثُمَّ قال البَيهقيُّ: "وذِكرُ السُّورَة فيه غيرُ محَفُوظٍ".
وأخرَجَهُ عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن سعيد بن أبي مريمَ في "ما أَسنَدَ سُفيانُ الثَّوريُّ" (١/ ٤٠/ ٢).
стр. 569
وابنُ الجَارُود في "المُنتقَى" (٥٣٦) قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ يحيَى، قالا: ثنا محُمَّدُ بنُ يُوسُف الفِريابيُّ، قال: ثنا سفيانُ الثَّوريُّ، عن زيد بن طلحة التَّيميِّ، قال: سَمِعتُ ابن عبَّاسٍ قرأ على جِنازةٍ فاتحةَ الكتاب وسُورةً، وجَهَر بالقراءة، وقال: "إِنَّما جهرتُ لِأُعْلِمَكُم أنَّها سُنَّةٌ، والإمامُ كَفَاهَا".
وسَنَدُه صحيحٌ؛ وزيدُ بنُ طلحة وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وقال أبو حاتمٍ: "لا بأس به"، كما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
وأخرَجَهُ الشَّافِعيُّ في "الأُمِّ" (١/ ٢٧٠)، ومِن طريقِهِ البَيهقِيُّ (٤/ ٣٩) قال: أنبأنا ابنُ عُيينة، عن محُمَّد بن عَجلَانَ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يجهرُ بفاتحة الكتاب في الجنازةِ، ويقول: "إِنَّمَا فعلتُ لتَعلَمُوا أنَّها سُنّةٌ".
وسَنَدُه جيِّدٌ.
стр. 570
١٦٦ - سُئلتُ عن حديث: "الجَارُ أَحَقُّ بِدَارِ الجَمارِ أَو الأَرضِ".
* قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ ثابتٌ.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٣٥١٧)، والنَّسائيُّ في "الشُّروط" من "السُّنن الكُبرى" - كما في "أطراف المِزِّيِّ" (٤/ ٦٩) -، والتِّرمذيُّ (١٣٦٨)، وأحمَدُ (٥/ ٨، ١٢، ١٣، ١٧، ١٨)، والطَّيالسِيُّ (٩٠٤)، وابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (١/ ٤٨٠)، والدَّارَقُطنيُّ في " الجُزء الثَّالِث والعشرين مِن حديث أبي طاهرٍ الذُهِليِّ" (رقم ٥١)، والبَيهقِيُّ (٦/ ١٠٦) من طُرُقٍ عن قتادة، عن الحسَن، عن سمُرة مرفُوعًا.
قال التِّرمذيُّ: "حديثُ سمُرةَ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ورَوَى عيسى ابنُ يُونُس، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . والصَّحيحُ عند أهل العِلم حديثُ الحَسَنِ، عن سَمُرة. ولا نَعرِفُ حديثَ قتادة، عن أنسٍ إلَّا مِن حديث عيسَى بن يُونُس" ا. هـ.
* قلتُ: أمَّا حديثُ قتادة، عن أنسٍ ..
فأخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (١/ ٤٨٠)، وابن حِبَّانَ (١١٥٣)، والطَّحَاوِيُّ في "شَرح المعاني" (٤/ ١٢٢) مِن طريق عِيسَى بن يُونُس، حدَّثَنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنَسٍ به.
وقد رواه عيسَى بنُ يُونُس، عن سعيدٍ. فجَعَلَه من: "مُسنَد سَمُرَةَ".
стр. 571
أخرَجَه النَّسائِيُّ - كما في " الأطراف" -، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يُونُس، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحَسَن، عن سَمُرة.
وكذلك رواه قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ إسماعيل، ثنا نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ، ثنا عيسى بنُ يُونُس، عن ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنسٍ.
وبه عن قتادة، عن الحَسَن، عن سَمُرة مرفُوعًا فذَكَره.
ولكِن تَكَلَّم العُلماءُ في حديث قتادة، عن أنسٍ، ووَهَّمُوا عيسَى بن يُونُسَ فيه.
قال الدَّارَقُطنيُّ: "وَهِمَ فيه عيسى بنُ يُونُس. وغيرُه يرويه عن قتادة، عن الحَسَن، عن سَمُرة. هكذا رواه شعبةُ وغيرُهُ، وهو الصَّوابُ" ا. هـ.
وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "عِلل الحديث" (١/ ٤٧٧): "سألتُ أبي، وأبا زُرعَة، عن حديث عِيسَى بنِ يُونُس، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "جارُ الدَّار أَحَقُّ بالدَّار"، قالا: هذا خَطَأٌ؛ رَوَى هذا الحديث هَمَّامٌ، وحمَّادُ بنُ سَلَمة، فقال حمَّادٌ: عن قتادَة، عن الشَّريد. وقال همامٌ: عن قَتادة، عن عَمرو بن شُعيب، عن الشَّريد. وقالا: نَظُنُّ أنَّ عِيسَى وَهِمَ فيه، فَشَبَّه الشَّريد بأنَسٍ. وقال أبو زُرعة: الصَّحيحُ عندنا: قتادة، عن عَمرو بن شُعيب، عن الشَّريد، ووَهِمَ فيه عيسى" انتهى.
ونحا ابنُ القَطَّان نحوًا آخرَ ..
стр. 572
فقال يَرُدُّ على الدَّارَقُطنيِّ - كما في "نصب الرَّاية" (٤/ ١٧٣) -: "وقد مَالَأَ بهذا القول على عِيسَى بنِ يُونُس، فإِنَّه ثقةٌ، ولا يَبعُد أن يَكون جَمَعَ بين الرِّوايتين، أعني: عن أنسٍ، وعن سمُرة، … - ثُمَّ ذَكَرَ رواية قاسم ابن أَصبَغَ السَّالفةَ الذِّكر، وقال: - وعيسى بنُ يُونُس ثقةٌ، فوَجَبَ تصحيحُ ذلك منه" ا. هـ.
* قلتُ: ولكن أَنكَرَ الإمامُ أحمدُ هذا الجَمعَ ..
ففي "مسائل أبي داوُد" (ص ٣٠٠): "سمِعتُ أحمدَ، قال: عند عيسى حديثُ أنسٍ، يعني عن سعيدٍ، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ في الشُّفْعَة؟ قال أحمدُ: "ليس بشئٍ"، قُلتُ لأحمد: "كلاهما عندَه، أعني عند عِيسَى بن يُونُس، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن الحَسَن، عن سمُرة، عن النَّبيِّ ﷺ في الشُّفْعَة؟ "، فلم يَعبَأ إلى جَمعِه الحديثين، وأنكر حديث أنسٍ" ا. هـ.
* قلتُ: ومع ما مَرَّ ذِكرُه، فقد اختُلِف في إِسناده.
فأخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١/ ٤٧٩ - ٤٨٥) عن عيسى، عن شُعبة، عن يُونُسَ، عن الحَسَن، عن سَمُرة مرفُوعًا.
قال أبو زُرعة: "ورواه يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، وعَبَّادُ بنُ العَوَّام، وجماعة، عن يُونُسَ، عن الحَسَن، عن النَّبيِّ ﷺ ليس فيه "سَمُرةُ"، - وصوَّب أبو زُرعة روايةَ قَتادة عن الحسَن، عن سمُرةَ - " انتهى.
وخُلاصَةُ البحث ..
أنَّ الحديثَ عن سَمُرةَ ثابتٌ، وهو غيرُ محفوظٍ عن أنَسٍ. واللهُ أعلَمُ.
стр. 573
١٦٧ - سُئلتُ عن حديث: أنَّ امرأةً حَجَّت مع صبيٍّ لها، فسأَلَت النَّبيَّ ﷺ : "أَلِهَذَا حَجٌّ؟ "، قال: "نَعَم! وَلَكِ أَجرٌ".
* قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ مالكٌ في "المُوطَّأ" (١/ ٤٢٢/ ٢٤٤)، ومُسلِمٌ (١٣٣٦)، وأبو داوُد (١٧٣٦)، والنَّسائيُّ (٥/ ١٢٠، ١٢١) والشَّافعيُّ في "مُسنَده" (١/ ٢٨٢، ٢٨٣)، وأحمَدُ (١/ ٢١٩، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٨٨، ٣٤٤)، والحُميدِيُّ في "مُسنَده" (٥٠٤)، وابنُ خُزَيمة (ج ٤/ رقم ٣٠٤٩)، وابنُ حِبَّانَ (١٤٤، ٣٧٩٧، ٣٧٩٨)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٢/ ٢٥٦)، وابنُ الجَارُود في "المُنتقَى" (٤١١)، وابنُ نُجيدٍ في "أحاديثه" (ق ٥/ ١)، وأبُو الفَضلِ الزُّهرِيُّ في "حديثه" (ق ١١٦/ ٢)، وأبُو عمرٍو السَّمَرقَندِيُّ في "الفوائد المنتقاة" (رقم ١٦ - بتحقيقي)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢١٧٦، ١٢١٧٧، ١٢١٨٢، ١٢١٨٣)، والبَيهقِيُّ (٥/ ١٥٥)، وأبو عُثمان البَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ق ٢/ ٢)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٧/ ٢٢ - ٢٣) من طُرُقٍ عن كُريبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَقِيَ ركْبًا بالرَّوحاءِ - وهو مكان على ستَّةٍ وثلاثين مِيْلًا من المدينة -، فقال: "مَن القَومُ؟ "، قالوا: "المُسلِمُون"،
стр. 574
فقالُوا: "من أنت؟ "، قال: "رَسُول الله"، فرَفَعَت إليه امرأَةٌ صَبِيًّا، فقالَت: "أَلِهَذَا حجٌّ؟ " قال: "نَعَم! وَلَكِ أجرٌ".
وهذا سِياق مُسلِمٍ، وهو عِند بعضِهم مخُتصَرٌ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 575
١٦٨ - سألني سائلٌ فقال: سمِعتُ شيخًا ذائعَ الصِّيْتِ يقُول في أحد المساجد: "إنَّ حديث الذُّبابة مكذوبٌ على النَّبيِّ ﷺ "، ووَصَفه بأنَّه حديثٌ مُقزِّزٌ! مع أنِّي أعلَمُ أنَّ أهلَ العِلم صحَّحُوه، وقد جادَلتُ كثيرًا مِن النَّاس بعد هذه المحاضرة، فقالوا: "إنَّ كلام الشَّيخ مُقنِعٌ" ..
فنرجو أن تَبسُطُوا الكلام عن صِحَّة الحديثِ.
* قلتُ: أعلم أيُّها السَّائلُ! أنَّ مَن تكلَّم في غير فنِّه أتى بمِثل هذِه العجائبِ، وَيرحَمُ اللهُ ابنَ حِبَّانَ، إذ نَقَلَ قَولًا ساقطًا عن بعض النَّاس في مُقدِّمَةِ كتابه "المجروحين" (١/ ١٧)، ثُمَّ ردَّ عَليه قائلًا: "لو تملَّق قائلُ هذا القول إلى بَارِيهِ في الخَلوَة، وسأَلهُ التَّوفِيقَ لإصابة الحقِّ، لكان أولى به مِنَ الخَوضِ فيما لَيس مِن صِنَاعَتِه". والذين طَعَنُوا على هذا الحديث لا يَعلَمُون شيئًا عن شرائط نقل الأخبار، ولا عن قوانين الرِّواية، لذلِكَ فكلامُهُم خَلْفٌ ساقِطٌ؛ لأنَّ العُقَلاء اتَّفَقُوا أن يُرجَعَ في كُلِّ عِلمٍ إلى أهلِهِ والمُتَخصِّصين فِيهِ، ولا يَتكلَّمُ في تَصحيحِ الأخبارِ وتضعيفِها إلَّا أهلُ الحديثِ وحدهُم دُون غيرِهم.
وهاك حاصِلُ الكلام في إثبات صِحَّة الحديث ..
стр. 576
فاعلم!
أنَّهُ قد رَوَى هذا الحديثَ ثلاثةٌ مِنَ الصَّحابة، هُم: أبو هُريرَة، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وأنَسُ بن مالِكٍ ﵃.
* أوَّلًا: حديثُ أبي هُريرَةَ ﵀.
وله عَنهُ طُرُقٌ:
١ - عُبيد بن حُنَينٍ، عنه.
أخرَجَهُ البُخاريُّ (٦/ ٣٥٩، و ١٠/ ٢٥٠)، وابنُ ماجَهْ (٣٥٠٥)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٩٩)، وأحمدُ (٢/ ٣٩٨)، وابنُ المُنذِر في "الأوسط" (١/ ٢٨١)، والطَّحَاوِيُّ في "المشكِل" (٤/ ٢٨٣)، وابن عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١/ ٣٣٧)، والبَيهقِيُّ (١/ ٢٥٢)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١١/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
ولفظُهُ عند البُخاريِّ: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدكُم فَليَغمِسْهُ، ثُمَّ ليَنزِعهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحدَى جَنَاحَيهِ دَاءً، والأُخرَى شِفَاءً".
وعزاه ابنُ القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٣/ ٢٠٩) لمُسلِمٍ، فوَهِمَ.
٢ - سعيدُ بن أبي سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عنه.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٣٨٤٤)، وأحمدُ (٣/ ٢٢٩، ٢٤٦)، وابنُ خُزَيمَة (ج ١/ رقم ١٠٥)، وابنُ حِبَّانَ (١٢٤٣، ٥٢٢٦)، والطَّحَاوِيُّ في "المشكِل" (٤/ ٢٨٣)، والحَسَنُ بن عَرَفَة في "جُزئه" (٢١)، ومن طريقه البَيهقِيُّ (١/ ٢٥٢)، والخطيبُ في "تالي التَّلخيص" (ق ٦٩/ ٢)، والذَّهَبيُّ في "السِّيَر" (٦/ ٣٢٢) مِن طريق محُمَّد بن عَجلَانَ، عن سعيدِ
стр. 577
ابن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرَة، مرفُوعًا: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، وَفي الآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِي جَنَاحَهُ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، فَليَغمِسهُ كُلَّهُ".
قال الذَّهَبيُّ: "هذا الحديث حَسَنُ الإسناد" ا. هـ.
ورواه عن ابن عَجلَان هكذا: "بِشرُ بن المُفَضَّل، وسفيانُ بنُ عُيَينةَ". وخالَفَهُما يحيى بنُ أيُّوب، فرَوَاهُ عن محُمَّد بن عَجلَان، أنَّ القَعقَاع بن حكيمٍ أخبَرَهُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا مثلَه.
أخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المشكِل" (٤/ ٢٨٣) مِن طريق إسماعيل بن مرزُوقٍ، أنا يَحيَى بنُ أيُّوبَ.
قال الدَّارَقُطنيُّ في "العِلل" (ج ٣/ ق ٣٣/ ١): "ولَعلَّهُ - يعني: ابن عَجلَان - حَفِظَهُ عنهُما" ا. هـ.
وقد تُوبع ابنُ عَجلَانَ على الوجه الأول ..
تابَعَهُ إبراهيمُ بنُ الفضل، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة به.
أخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ٤٤٣) قال: حدَّثَنا وكيعٌ، عن إبراهيم.
وإبراهيمُ بنُ الفضل ضعيفٌ، بل هو أقربُ إلى التَّركِ.
وأمَّا الوجه الثَّاني، فتُوبع يحيى بنُ أيُّوب عليه.
تابَعَهُ اللَّيثُ بنُ سعدٍ، فرواه عن محُمَّد بن عَجلَانَ، عن القَعقَاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة به.
أخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ٣٤٠) قال: حدَّثَنا يُونُس، ثنا لَيثٌ.
وأخرَجَهُ أبو عَمرٍو السَّمَرقَندِيُّ في "الفوائد المنتقاة" (ق ٧٠/ ١) من
стр. 578
طريق آدم بن أبي إِيَاسٍ، ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ به.
وتابَعَهُ أيضًا الدَّرَاوَردِيُّ، عن ابن عَجلَان به.
أخرَجَهُ أبو محُمَّدٍ الفَاكِهِيُّ في "حديث يحيى بن أبي مَسَرَّةَ عن شُيوخه" (ج ٢/ ق ١٥١/ ١) قال: حدَّثَنِي يحيى بنُ محُمَّدٍ الجَارِيُّ، أنا عبدُ العزيز الدَّرَاوَردِيُّ.
فهو كما قالَ الدَّارَقُطنيُّ، أنَّ ابنَ عَجلَانَ رواه على الوَجهَين معًا، وإن كان الوَجهُ الثَّانِي أقوَى. واللهُ أعلَمُ.
٣ - مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، عنه.
أخرَجَهُ السَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجَان" (٨٥ - ٨٦) من طريق محُمَّد ابن حُميدٍ الرَّازِيِّ، حدَّثَنا مِهرَانُ بنُ أبي عُمَر، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرِين، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي المَرَقِ، فَاغمِسُوهُ فِيهَا، فَإِنَّ شِفَاءً فِي أَحَدِ جَنَاحَيهِ، وَفِي الآخَرِ سُمًّا".
وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ ومِهرَانُ بنُ أبي عُمَر قال فيه ابنُ مَعِينٍ: "كان عِندَهُ غَلَطٌ كثيرٌ في حديث سُفيان"، ووَثَّقَهُ مرَّةً، وكذلك وَثَّقَهُ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وليَّنَهُ النَّسائِيُّ.
وأمَّا محُمَّدُ بنُ حُميدٍ الرَّازِيُّ فهو واهٍ، والحَملُ عَليه أولَى.
ولكن لَهُ طريقٌ آخرُ ..
أخرَجَهُ الخطيبُ في "الموضح" (٢/ ٣٧٥) من طريق محُمَّد بن الوليد البُسرِيِّ، حدَّثَنَا محُمَّد بن مَروانَ، حدَّثَنا هِشامُ بنُ حَسَّان بسَنَدِه سواء.
والبُسرِيُّ ثِقةٌ.
стр. 579
ومحُمَّدُ بن مَروان إمَّا أن يكُون البَاهِليَّ أو العِجِليَّ، وكِلاهُما صدوقٌ، في حِفِظِه مقالٌ خَفِيفٌ.
فالسَّنَد جيِّدٌ.
وله طريقٌ آخَرُ إلى ابن سيرين ..
أخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ٣٥٥، ٣٨٨) قال: حدَّثنا أسودُ بنُ عامرٍ، وعفَّانُ ابنُ مُسلمٍ - فرَّقهما -، قالا: ثنا حمَّادُ بن سَلَمَة، عن حَبيب بن الشَّهيد، عن محُمَّد بن سِيرِين عن أبي هُريرة مرفُوعًا.
وتُوبع حبيبُ بنُ الشَّهيد ..
تابعه هشامُ بنُ حسَّانَ القُردُوسِيُّ، فرواه عن ابنِ سيرينَ بهذا. أخرجَهُ الطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤/ ٢٨٣) قال: حدَّثَنا ابنُ أبي داوُد، ثنا أبُو عُمر الحَوضِيُّ، ثنا مُرَجَّى بنُ رَجاءٍ، ثنا هشامٌ بهذا.
وهذا سَنَدٌ صحيحٌ.
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ١٣٥/ ١) من طريق أبي عُمَر الضَّرِير، قال: حدَّثَنا حَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن أيُّوبَ، وحبيبٍ، وهِشامٍ، عن محُمَّد بن سِيرِين، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا به.
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ أيضًا في "الأوسط" (ج ١/ ق ١٧٠/ ١) أيضًا مِن طريق إبراهيم بن الحجَّاج السَّامِيِّ، قال: نا حَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن حبيبٍ، وهِشامٍ، وحُميدٍ، عن ابن سِيرِين بسَنِدِه سواء.
وقال الطَّبَرانيُّ: "لَم يروِهِ عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن حُميدٍ، إلَّا إبراهيمُ ابنُ الحجَّاج السَّامِيُّ".
стр. 580
٤ - ثُمَامَةُ بنُ عبد الله بن أنَسٍ، عنه.
أخرَجَهُ أحمد (٢/ ٢٦٣، ٣٥٥، ٣٨٨)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٩٩)، وإِسحاقُ بن رَاهَوَيهِ في "مُسنَده" (١٢٥)، والطَّحاوِيُّ (٤/ ٢٨٣) من طريق حَمَّاد بن سلَمة، عن ثُمَامَة به.
واختُلِف في إسناده ..
فرواه سَهلُ بنُ حَمَّادٍ أبو عتَّابٍ الدَّلالُ، عن عبد الله بن المُثَنَّى، عن ثُمامَة، عن أنسٍ مرفُوعًا فذكره.
ذكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (ج ١/ رقم ٤٦)، وقال: "قال أبي، وأبُو زُرْعَة جميعًا: رواه حَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن ثُمَامة بن عبد الله، عن أبي هُريرَة. قال أبو زُرعَة: وهذا الصَّحيحُ. وقال أبي: هذا أَشبَهُ، عن أبي هُريرَة، عن النَّبيِّ ﷺ ، ولَزِمَ أبو عتَّابٍ الطَّريق، فقال: "عن عبد الله، عن ثُمامة، عن أنَسٍ". وقال أبو زُرْعَة: هذا حديثُ عبد الله بن المُثنَّى، أخطَأَ فيه عبدُ الله، والصَّحيحُ: ثُمامَةُ، عن أبي هُريرَة" ا. هـ.
وكذلك قال الدَّارَقُطنيُّ في "العِلل" (٣/ ٣٩/ ١) مُرَجِّحًا حديثَ حمَّادِ بنِ سَلَمة.
* قلتُ. وبعد تَرجِيحِ طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمة، نقولُ: إِنَّه ضعيفٌ؛ وذلك لأنَّ ثُمامةَ لَم يُدرِك أبا هُريرَة، كما قال المِزِّيُّ في "التَّهذيب".
٥ - قَيسُ بنُ خالد بن حَسَنٍ، عن أبي هُريرَة.
أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (ج ١/ رقم ٧٩) قال: "سَمِعتُ أَبِي، وحَدَّثَنا عن محُمَّد بن إِكليلَ، عن إِسماعِيلَ بن عيَّاشٍ، عن ثَعلَبة بن
стр. 581
مُسلِمٍ، عن قَيس بن خالد بن حسنٍ، عن أبي هُريرة مرفُوعًا. فقال أبي: هذا حديثٌ مُضطربُ الإسنادِ" ا. هـ.
وقولُه: "محُمَّد بن إِكليلَ" خطأٌ، صوابُه عندي: "محُمَّدُ بنُ الخليل"، وهو محُمَّدُ بنُ الخليل بن حَمَّادٍ الدِّمَشقِيُّ؛ وهو صدوقٌ.
أَمَّا قَيسُ بن خالدٍ فلَم أَجِد له تَرجمةً، ثُمَّ راجَعتُ نُسخةَ "أحمد الثَّالث" من "عِلل ابن أبي حاتمٍ" (ق ٩/ ٢)، لعلَّ الاسم تَصحَّف في "المطبوعة" فوجدتُهُ: "قَيس بن خالدٍ بن جُبَيرٍ - أو: حُنَينٍ - "، فاللهُ أعلَمُ.
ثانيًا: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵀ -.
أخرَجَهُ النَّسائيّ (٧/ ١٧٨، ١٧٩)، وفي "الكُبرى" (٣/ ٨٨)، وابنُ ماجَهْ (٣٥٠٤)، وأحمَدُ (٣/ ٢٤، ٦٧)، والطَّيَالِسِيُّ (٢١٨٨)، وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (٨٨٤)، وأبو يَعلَى (ج ٢/ رقم ٩٨٦)، وابنُ حِبَّانَ (١٣٥٥)، وفي "الثِّقات" (٦/ ٣٥٨)، والبَيهقِيُّ (١/ ٢٥٣)، والطَّحاوِيُّ في "المشكل" (٤/ ٢٨٢)، وابن عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١/ ٣٣٧)، والبَغَوِيُّ في "شَرح السُّنَّة" (١١/ ٢٦١)، والمِزِّيُّ في "التَّهذيب" (١٠/ ٤٠٧) من طُرُقٍ عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن خالدٍ، قال: دخلتُ على أبي سَلَمَة، فأَتَانَا بزُبدٍ وكُتْلَةٍ - وهو خليطٌ من التَّمر والطَّحِين -، فأُسقط ذبابٌ في الطَّعام، فجَعَلَ أبو سَلَمة يَمقُلُه بأُصبُعه فيه، فقلتُ: يا خالُ! ماذا تَصنَع؟! فقال: إِنَّ أبا سعيدٍ الخُدريَّ حدَّثَنِي، عن رسُول الله ﷺ ، قال: "إِنَّ أحدَ جَنَاحَي الذُّباب سُمٌّ، والآخرَ شفاءٌ، فإذا وَقَعَ في الطَّعام، فامقُلُوه؛ فإِنَّه يُقَدِّم السُّمَّ،
стр. 582
ويُؤَخِّر الشِّفاء".
وهو عند بَعضِهم دُون القِصَّة.
وسَنَدُه قويٌّ، وسعيدُ بنُ خالدٍ وثَّقَه النَّسائيّ، وابنُ حِبَّانَ، وقال الدَّارَقُطنيُّ: "يُحتَجُّ به"، ولم يَثبُت عن النَّسائِيِّ تضعيفُه. واللهُ أعلَمُ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: "رُوِيَ هذا الحديثُ من وُجُوهٍ كثِيرَةٍ، عن أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ، كُلُّها ثابتَةٌ".
ثالثًا: حديثُ أنَسٍ ﵀ -.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ١٥٤/ ٢) مِن طريق عمرِو ابن هاشمٍ أبِي مالِكٍ الجَنْبِيِّ، عن عبَّاد بن مَنصورٍ، عن عبد الله بن المُثنَّى، عن أنَس بن مالِكٍ مرفُوعًا: "إذا وَقَعَ الذُّبابُ في إناء أحَدِكُم، فَليَغمِسهُ؛ فإِنَّ في أَحَدِ جناحَيه سُمًا، والآخَرِ شفاءً".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عبَّادٍ، إلَّا عمرٌو" ا. هـ.
وهو لَيِّنُ الحديث.
وقد خُولِفَ فيه عبَّادٌ ..
خالَفَهُ أبو عتَّابٍ الدَّلَّالُ سهلُ بنُ حَمادٍ، ثنا عبدُ الله بنُ المُثنَّى، عن ثُمامَة، عن أَنَسٍ مرفُوعًا.
فزاد "ثُمامةَ" في الإسناد.
أخرَجَهُ البَزَّار (ج ٣/ رقم ٢٨٦٦) حدَّثَنا زيادُ بنُ يحيَى، ومحُمَّدُ بنُ مَعمَرٍ، قالا: حدَّثَنَا أبو عَتَّابِ.
وأخرَجَهُ الضِّياءُ في "المُختَارَة" (١٨٣٥) من طريق يحيى بنِ صاعدٍ،
стр. 583
ثنا محُمَّدُ بنُ مَعمَرٍ بسَنَدِه سواء.
قال البَزَّار: "لا نَعلَمُه يُروَى عن أنسٍ إلَّا بهذا الإِسناد".
وهو مُتَعَقَّبٌ برواية الطَّبَرانيِّ السَّابقة.
وروايةُ أبي عتَّابٍ الدَّلَّالِ أَقوَى.
وقال شيخُنا في "الصحيحة": "إسنادُهُ صحيحٌ".
وقد اختُلِف فيه، كما يأتي إن شاء الله.
وعبَّادُ بنُ مَنصُورٍ ضعيفٌ.
ولكن خُولِف فيه سهلُ بنُ حمَّاد، على نحو ما مرَّ ذِكرُه في "حديث أبي هُريرَة".
أمَّا الهيثمِيُّ، فجَرَى على ظاهرِ السَّنَد فقال (٥/ ٣٨): "رِجالُهُ رجالُ الصَحيح".
فقد ثَبَتَ بهذا التَّخريجِ والتَّحقيق، أنَّ الحديث في غايَة الصِّحَّة، ولا مَطعنَ فيه.
والحمدُ لله ربِّ العالمَين.
(تَنبِيهٌ)
وقع بسبب هذا الحديثِ لَغَطٌ، قديمًا وحدِيثًا، وردَّ علماؤُنَا على هذه الاعتراضاتِ، وفنَّدُوها روايةً ودِرايةً ..
فمن هؤُلاء شيخُ شُيوخِنا الشَّيخُ العلَّامةُ المحدِّثُ أبو الأشبال أحمد ابن محُمَّد شاكر، فقال في "تخريج المُسنَد" (١٢/ ١٢٤ - ١٢٩):
"وهذا الكلامُ ممَّا لَعِب به بعضُ مُعاصِرينا، ممَّن عَلِم وأخطَأَ، وممَّن
стр. 584
عَلِم وعَمَد إلى عداء السُّنَّة، وممَّن جَهِل وتجرَّأ.
فمنهم من حَمَل على أبي هُريرَة، وطَعَن في روايَاتِه وحفظِه، بل مِنهُم من جَرُؤ على الطَّعن في صِدقِه فيما يَروِي! حتى غَلَا بعضُهم، فزَعَم أنَّ في "الصَّحيحين" أحاديثَ غيرَ صحيحةٍ، إنْ لم يَزعُم أنَّها لا أصل لها! بما رَأَوا من شُبهاتٍ في نقد الأئمَّة لأسانيدَ قليلةٍ فيهما، فلَم يَفهَمُوا اعتراضَ أولئك المُتقدِّمين، الذِين أرادُوا بنَقدِهم أنَّ بعض أسانيدِهِما خارجةٌ عن الدَّرجة العُليا من الصِّحَّة التي التزَمَها الشيخان، لم يُرِيدُوا أنَّها أحاديثُ ضعيفةٌ قطُّ.
ومِن الغَرِيب أنَّ هذا الحديثَ بِعينِه - حديثَ الذُّباب - لم يَكُن ممَّا استدرَكَهُ أحدٌ من أئمة الحَدِيث على البُخارِيِّ، بل هو عِندَهُم جميعًا ممَّا جاء على شَرطِه، في أعلَى درجات الصِّحَّةِ.
ومن الغَرِيب أيضًا أنَّ هؤُلاء الذين حَمَلُوا على أبي هُريرَة، على عِلمِ كثيرٍ منهم بالسُّنَّة وسعة اطِّلاعِهِم ﵏، غَفَلُوا، أو تغافَلُوا، عن أنَّ أبا هُريرَة ﵁ لم يَنفَرِد بروايتِه. بل رواه أبُو سعيدٍ الخُدرِيُّ أيضًا، عن النَّبيِّ ﷺ ، عند أحمد في "المُسنَد" (١١٢٠٧، ١١٦٦٦)، والنَّسائِيِّ (٢/ ١٩٣)، وابن ماجَهْ (٢/ ١٨٥)، والبَيهقِيِّ (١/ ٢٥٣)، بأسانيدَ صِحاحٍ. ورواه أنَسُ بن مالكٍ أيضًا، كما ذكرَهُ الهيثَمِيُّ في "مجَمَع الزَّوائد" (٥/ ٣٨)، وقال: "رواه البَزَّار، ورجالُه رجالُ الصَّحيح، ورواه الطَّبرَانِيُّ في الأوسط"، وذكره الحافظُ في "الفتح" (١٠/ ٢١٣)، وقال: "أخرَجَهُ البَزَّارُ، ورجالُهُ ثقاتٌ".
стр. 585
فأبُو هُريرَة لم ينفَرِد برواية هذا الحديث عن رسُول الله ﷺ ، ولكنَّه انفَرَد بالحَمل عليه مِنهُم، بما غَفَلُوا أنَّه رواه اثنان غيرُه من الصَّحابة.
والحقُّ، أنَّه لم يُعجِبهُم هذا الحديثُ، لِمَا وَقَر في نُفوسِهم من أنَّهُ يُنافي المُكتشَفاتِ الحديثةَ، من المِكرُوبَاتِ وغيرِها. وعَصَمَهُم إيمانُهم عن أن يَجرَؤُا على المقام الأسمَى، فاستَضعَفُوا أبا هُريرَة.
والحقُّ أيضًا، أنَّهُم آمَنُوا بهذه المُكتشَفاتِ الحديثةِ أكثرَ مِن إيمانهم بالغَيب، ولكنَّهم لا يُصَرِّحُون! ثُمَّ اختَطُّوا لأنفُسِهم خُطَّةً عجيبةً: أنّ يُقَدِّمُوها على كلِّ شيءٍ، وأن يُؤَوِّلُوا القرآنَ بما يُخرِجُه عن معنى الكلام العربيِّ، إذا ما خالف ما يُسَمُّونَه "الحقائقَ العِلميَّةَ"! وأن يَرُدُّوا من السُّنَّة الصَّحيحة ما يظُنُّون أنَّه يُخالِف حقائِقَهُم هذه! افتراءً على الله، وحُبًّا في التَّجديد!
بل إنَّ مِنهُم لَمَن يُؤمِنُ ببعض خُرافات الأُورُبِّيِّين، ويُنكِر حقائقَ الإسلامِ، أو يتأوَّلهُا. فمِنهُم من يُؤمِن بخُرافَات استحضار الأَروَاح، ويُنكِرُ وجُودَ الملائكة والجِنِّ بالتَّأوُّل العَصرِيِّ الحديث. ومِنهُم من يُؤمِن بأساطير القُدمَاء، وما يُنسَب إلى "القِدِّيسين والقِدِّيسَاتِ"! ثُمَّ يُنكِر مُعجزاتِ رسُولِ الله ﷺ كُلَّها، ويتأوَّلُ ما ورد في الكِتابِ والسُّنَّة من مُعجِزات الأنبياء السَّابِقين، يُخرِجُونها عن معنى الإعجاز كُلِّه!! وهكذا وهكَذا …
وفي عَصرِنا هذا صديقٌ لنا، كاتبٌ قديرٌ، أديبٌ جيِّدُ الأداء، واسعُ الاطِّلاع، كُنَّا نُعجَب بقَلَمِه وعِلمِه واطِّلاعِه. ثُمَّ بدت منه هنَاتٌ
стр. 586
وَهَنَاتٌ، على صفحات الجَرائد والمَجَلَّات، في الطَّعن على السُّنَّة، والإِزراءِ برُوَاتِها، من الصَّحابة فمَن بَعدَهم. يَستَمسِكُ بكلماتٍ للمتقدِّمِين في أسانيدَ مُعيَّنةٍ، يجعَلُها - كما يصنع المُستَشرِقُون - قواعد عامَّةً، يُوسِّعُ من مداها، ويَخرُج بها عن حَدِّها الذي أراده قائِلُوها. وكانت بَينَنَا في ذلك مُسَاجَلَاتٌ شفويَّةٌ، ومُكاتَباتٌ خاصَّةٌ؛ حرصًا مِنِّي على دينه وعلى عقِيدَتِه.
ثمَّ كَتَب في إحدى المَجلَّات - منذ أكثرَ مِن عامَين - كلمةً، على طريقَتِه التي ازدادَ فيها إمعانًا وغُلُوًّا. فكتبتُ له كتابًا طويلًا، في شهر جُمادى الأوَّل سنة ١٣٧٠، كان ممَّا قُلتُ له فيه، مِن غير أن أُسَمِّيه هنا، أو أُسَمِّي المَجلَّة التي كَتَب فيها، قُلتُ له:
"وقد قرأتُ لك، منذُ أُسبُوعَين تقريبًا، كلمةً في مجلَّةِ … لم تَدَع فيها ما وَقَر في قَلبِك من الطَّعن على الرِّوايات الصَّحِيحة. ولستُ أَزعُمُ أنِّي أستطيعُ إِقناعَك، أو أَرضَى إحراجَكَ بالإقلاع عمَّا أنتَ فيه.
وليتَكَ - يا أخي! - دَرَستَ عُلومَ الحديثِ وطُرُقَ رِوايَتِه، دراسةً وافيةً، غير مُتَأَثِّرٍ بسخَافاتِ فُلانٍ ﵀، وأمثالِهِ ممَّن قلَّدَهُم وممَّن قلَّدُوه. فأنتَ تبحَثُ وتُنقِّبُ على ضَوءِ شيءٍ أستقرَّ في قلبك من قبلُ، لا بحثًا حُرًّا خاليًا من الهَوَى.
وَثِقْ أنِّي لك ناصحٌ مخلصٌ أمينٌ. لا يهُمُّنِي ولا يُغضِبُني أن تقُولَ في السُّنَّة ما تشاءُ. فقد قرأتُ من مثل كلامِك أضعافَ ما قرأتَ. ولكنَّك تَضرِبُ الكلام بعضَه ببعضٍ.
стр. 587
وَثِقْ - يا أخي! - أنَّ المُستَشرِقين فَعَلُوا مثلَ ذلك في السُّنَّة، فقلتَ مثل قَولهِم، وأعجَبَك رأيُهُم، إذْ صادَفَ منك هوًى. ولكنَّك نسيتَ أنَّهُم فَعَلُوا مثلَ ذلك وأكثرَ منه في القُرآن نفسِهِ. فما ضارَّ القُرآنَ ولا السُّنّةَ شيءٌ ممَّا فَعَلُوا.
وقبلَهُم قام المُعتَزِلَةُ وكثيرٌ من أهل الرَّأي والأهوَاءِ، ففَعَلُوا بعضَ هذا أو كُلَّه، فما زادت السُّنَّة إلَّا ثُبوتًا كثُبوت الجِبال، وأَتعَبَ هؤُلاء رُؤوسَهم وحدَها وأَوْهَوْهَا.
بل، لم نَرَ فيمن تقدَّمَنا مِن أهل العِلمِ من اجتَرَأ على ادِّعاءِ أنَّ في "الصَّحيحين" أحاديثَ موضُوعةً، فضلًا عن الإِيهامِ والتَّشنيع الذي يَطوِيه كلامُك، فيُوهِم الأَغرَارَ أنَّ أكثرَ ما في السُّنَّة موضوعٌ! هذا كلامُ المُستشرِقِين.
غايَةُ ما تَكلَّم فيه العُلماء نقدُ أحاديثَ فيهِما بأعيَانِها، لا بادِّعاءِ وَضعِها والعياذُ بالله، ولا بادِّعاء ضَعفِها، إنَّما نَقَدُوا عليهِمَا أحاديثَ ظَنُّوا أنَّها لا تَبلُغ في الصِّحَّة الذِّروَة العُليا التي التَزَمها كلٌّ مِنهُم.
وهذا ممَّا أخطَأَ فيه كثيرٌ من النَّاس، ومِنهُم أستاذُنا السَّيد رشيد رضا ﵀، على عِلمِه بالسُّنَّة وفِقهِهِ، ولم يستَطِع قطُّ أن يُقِيم حُجَّتَه على ما يَرَى، وأفلَتَت منه كلماتٌ يَسمُو على عِلمِه أن يَقَعَ فيها. ولكنَّهُ كان متأثِّرًا أشدَّ التَّأثُّر بجمال الدِّين ومحُمَّد عبدُه، وهما لا يعرِفَان في الحديث شيئًا، بل كان هُو بعد ذلك أعلمَ منهُما، وأعلى قَدَمًا وأثبتَ رأيًا، لولا الأثرَ الباقي في دخيلة نفسِهِ. والله يغفِرُ لنا وله.
стр. 588
وما أفضتُ لك في هذا إلَّا خَشيةً عليك مِن حساب الله. أمَّا النَّاس في هذا العَصر فلا حِساب لهم، ولا يُقَدِّمُون في ذلك ولا يُؤَخِّرُون. فإنَّ التَّربية الإفرِنجِيَّة الملعُونَة جعَلَتهُم لا يَرضَعون بالقُرآن إلَّا على مَضَضٍ، فمِنهُم من يُصرِّح، ومنهم من يتأوَّل القُرآن أو السُّنَّة، ليُرضِي عقلَه المُلتَوِي، لا ليَحفَظهما من طعن الطَّاعِنين. فهُم في الحقيقة لا يُؤمِنُون، ويَخشَون أن يُصَرِّحُوا، فيَلتَوُون. وهكذا هم حتى يأتِيَ اللهُ بأمره.
فاحْذَر لنَفسِك مِن حساب الله يوم القيامة. وقد نَصحتُك وما أَلوتُ. والحمدُ لله".
وأمَّا الجاهلون الأَجرِيَاء فإنَّهُم كُثُرٌ في هذا العَصر. ومِن أعجَب ما رأيتُ من سَخَافَاتِهم وجُرأتهم: أن يَكتُب طبيبٌ، في إِحدَى المجلَّات الطِّبِّيَّة، فلا يَرَى إلَّا أنَّ هذا الحديثَ لم يُعجِبه، وأنَّه يُنافِي عِلمَه! وأنَّه رواه مؤلِّفٌ اسمُه "البُخارِيُّ"! فلا يجد مجالًا إلَّا الطَّعن في هذا "البُخارِيِّ"، ورَميَهُ بالافتراء والكَذِب على رسول الله ﷺ !
وهو لا يَعرَفُ عن "البُخارِيِّ" هذا شيئًا، بل لا أظُنُّه يعرفُ اسمَه ولا عَصرَهُ ولا كتابَهُ! إلَّا أنَّه روَى شيئًا، يراهُ هُو - بعِلمِه الواسع - غيرَ صحيحٍ! فافترَى عليه ما شاء، ممَّا سيُحاسَب عليه بين يدي الله حِسابًا عَسيرًا.
ولم يَكُن هؤُلاء المُعتَرِضُون المُجتَرِئُون أوَّلَ من تكلَّم في هذا، بل سَبقَهُم مِن أمثَالهِم الأَقدَمُون، ولكنَّهم كانُوا أكثَرَ أدَبًا من هؤلاء!
فقال الخطَّابِيُّ في "معالم السُّنَن" (رقم ٣٦٩٥ من "تهذيب السُّنَن"):
стр. 589
"وقد تكلَّم في هذا الحديثِ بعضُ من لا خَلَاق له، وقال: كيف يكُونُ هذا؟ وكيف يَجتَمِعُ الدَّاء والشِّفَاءُ في جناحَي الذُّبَابة؟ وكيفَ تَعلَمُ ذلك مِن نَفسِها حتى تُقَدِّم جناح الدَّاء، وتُؤخِّر جناح الشِّفاء؟ وما أرَبُها في ذلك؟!
قلتُ [القائل الخطَّابيُّ]: وهذا سؤالُ جاهلٍ أو مُتجاهِلٍ؛ وإنَّ الذي يَجِدُ نفسَه ونُفوسَ عامَّة الحيوان قد جُمع فيها بين الحَرَارة والبُرُودة، والرُّطُوبة واليُبُوسَة، وهي أشياءُ مُتضادَّةٌ، إذا تَلاقَت تَفاسدَت، ثمَّ يَرَى أنَّ الله سُبحانَهُ قد ألَّف بينها، وقَهَرَها على الاجتماع، وجَعَل مِنهَا قُوي الحيوانِ التي بها بَقاؤُها وصلاحُهَا، لجَدِيرٌ أن لا يُنكِر اجتماعَ الدَّاء والشِّفاء في جُزأَين من حيوانٍ واحدٍ، وأنَّ الذي أَلهَمَ النَّحلَة أن تتَّخِذ البيتَ العجيبَ الصَّنعةِ، وأن تَعْسِلَ فيه، وأَلهَمَ الذَّرَّة أن تكَتِسَب قُوَّتها وتدَّخِرَه لِأوان حاجَتِها إليه، هو الذي خَلَق الذُّبَابة، وجَعَل لها مِن الهِدَاية إلى أن تُقَدِّم جَناحًا وتُؤَخِّر جَناحًا، لما أَرادَهُ اللهُ من الابتلاء، الذي هو مَدرَجَةُ التَّعبُّد، والامتحانِ الذي هو مِضمَارُ التَّكليف. وفي كُلِّ شيءٍ عِبرةٌ وحِكمَةٌ. وما يَذَّكَّر إلَّا أُولُوا الألباب".
وأمَّا المعنى الطِّبِّيُّ، فقال ابنُ القَيِّم - في شأن الطِّبِّ القديم - في "زاد المَعاد" (٣/ ٢١٠ - ٢١١): "واعلَم! أنَّ في الذُّباب قُوَّةً سُمِّيَّةً، يدُلُّ عليها الوَرَمُ والحَكَّةُ العارِضةُ مِن لَسعِه. وهي بمنزِلَةِ السِّلاح، فإذا سَقَط فيما يُؤذِيهِ اتَّقاهُ بسِلاحِهِ. فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ أن يُقابِل تلك السُّمِّيَّةَ بما أَودَعَهُ الله في جَناحِه الآخر من الشِّفاء، فيُغمَس كلُّه في الماء والطَّعام،
стр. 590
فيُقابِل المادَّةَ السُّمِّيَّةَ بالمادَّة النَّافِعة، فيزُولُ ضَرَرُها. وهذا طِبٌّ لا يَهتَدِي إليه كِبارُ الأطبَّاء وأئِمَّتُهم، بل هو خارجٌ من مِشكاة النُّبُوَّة. ومع هذا، فالطَّبيبُ العالِمُ العارِفُ الموفَّقُ، يخضَعُ لهذا العِلاج، ويُقِرُّ لمن جاء به بأنَّهُ أَكمَلُ الخَلق على الإطلاق، وأنَّهُ مؤيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن القُوَى البشِريَّةِ".
وأقُولُ - في شأن الطِّبِّ الحديث -: إنَّ النَّاس كانُوا ولا يزالون تقذر أنفُسُهم الذُّبابَ، وتنفرُ بما وَقَع فيه من طعامٍ أو شَرابٍ، ولا يكادُون يرضَونَ قُربانَه. وفي هذا من الإِسرافِ - إذا غلا النَّاسُ فيه - شيءٌ كثيرٌ. ولا يزالُ الذُّبابُ يُلِحُّ على النَّاس في طعامهم وشرابهم، وفي نَومِهمْ ويَقظَتِهم، وفي شَأنِهِم كلِّه. وقد كَشَف الأطبَّاءُ والباحِثُون عن المِكرُوبات الضَّارَّة والنَّافِعة، وغَلَوا غُلُوًّا شديدًا في بَيَان ما يَحمِلُه الذُّبابُ من مِكرُوباتٍ ضارَّةٍ، حتى لقد كادُوا يُفسِدُوا على النَّاس حياتَهم لو أطاعُوهُم طاعةً حرفيَّةً تامَّةً. وإنَّا لَنرَى بالعَيان أنَّ أكثَرَ النَّاس تأكُلُ ممَّا سقط عليه الذُّبابُ وتشرَبُ، فلا يُصِيبُهُم شيءٌ إلَّا في القليل النَّادِر. ومَن كابَر في هذا فإنَّما يَخدَعُ النَّاس ويَخدَع نَفسَه. وإئا لَنرَى أيضًا أنَّ ضَرَر الذُّبَاب شديدٌ حين يَقَعُ الوباءُ العَامُّ، لا يُمارِي في ذلك أحدٌ. فهناك إذن حالان ظَاهِرَتان، بينَهُما فرُوقٌ كبيرةٌ. أمَّا حالُ الوَبَاء، فممَّا لا شك فيه أنَّ الاحتِيَاط فيها يَدعُو إلى التَّحرُّز من الذُّباب وأَضرابِهِ ممَّا يَنقُل المِكرُوبَ أشدَّ التَّحرُّزِ. وأمَّا إذا عُدم الوَبَاء، وكانت الحياةُ تَجرِي على سَنَنِها فلا معنى لهذا التَّحرُّزِ. والمُشاهَدة تَنفِي ما غَلَا فيه الغُلاةُ من
стр. 591
إفساد كُلِّ طعامٍ أو شرابٍ وَقَع عليه الذُّبابُ. ومَن كابَر في هذا فإنَّما يُجادِل بالقَول لا بالعَملِ، ويُطيعُ داعي التَّرَف والتَّأنُّق، وما أظنُّهُ يُطبِّقُ ما يَدعُو إليه تطبيقًا دقيقًا. وكثير منهم يقُولُون ما لا يَفعلُون" انتهَى.
* وقال شيخُنا الألبانيُّ - حفظه الله -، بعد أن صحَّح الحديثَ في "الصَّحيحة" (٣٨):
"فقد ثَبَتَ الحديثُ بهذه الأسانيدِ الصَّحِيحَةِ، عن هؤلاء الصَّحابة الثَّلاثة: أبي هُريرَة وأبي سعيدٍ وأنَسٍ، ثُبوتًا لا مجال لرَدِّه ولا للتَّشكِيكِ فيه. كما ثَبَت صدقُ أبي هُريرَة ﵀ في روايتِهِ إيَّاه عن رسُول الله ﷺ ، خِلافًا لبعض غُلاة الشِّيعةِ من المُعاصِرين، ومَن تَبِعه من الزَّائِغين، حيثُ طَعَنُوا فيه ﵀ لرِوَايِته إيَّاه، واتَّهَمُوه بأنَّهُ يَكذِبُ فيه على رسُول الله ﷺ ، وحَاشَاهُ مِن ذلك. فهذا هو التَّحقِيقُ العِلميُّ يُثبِتُ أنَّهُ بريءٌ مِن كلِّ ذلك وأنَّ الطَّاعِنَ فيه هو الحقيقُ بالطَّعن فيه؛ لأنَّهُم رَمَوا صحابِيًّا بالبُهتِ، ورَدُّوا حديثَ رسُولِ الله ﷺ لمُجرَّد عدم انطِبَاقِه على عُقولِهم المريضة!
وقد رَوَاهُ عنه جماعة من الصَّحابَة كما علِمتَ. وليت شِعرِي! هل عَلِمَ هؤُلاء بعدم تفرُّد أبي هُريرَة بالحديثِ، وهو حُجَّةٌ ولو تفرَّدَ، أَم جَهِلُوا ذلك. فإن كان الأَوَّلُ فلماذا يتَعَلَّلُون برِوايَة أبي هُريرَة إيَّاه، ويُوهِمُون النَّاس أنَّه لم يُتابِعهُ أحدٌ من الأصحاب الكِرامِ؟! وإن كان الآخَرُ فهلَّا سَأَلُوا أهلَ الاختصاصِ والعِلمِ بالحَدِيث الشَّريف؟
وما أحسنَ ما قِيل:
стр. 592
فإن كُنتَ لا تَدرِي فتِلكَ مُصِيبَةٌ … وإن كُنتَ تَدرِي فالمُصِيبَةُ أعظَمُ
ثُمَّ إنَّ كثيرًا من النَّاس يَتَوَهَمُون أنَّ هذا الحديثَ يُخالِفُ ما يُقرِّرُه الأطبَّاءُ، وهو أنَّ الذُّبَاب يَحمِلُ بأطرَافِهِ الجَراثِيمَ، فإذا وَقَع في الطَّعَام أو في الشَّرَاب عَلِقَت به تِلكَ الجَرَاثِيم. والحقِيقَةُ أنَّ الحديثَ لا يُخالِفُ الأطباءَ في ذلك، بل هُو يُؤَيِّدُهم، إذ يُخبِرُ أنَّ في أحد جَناحَيه داءً، ولكنَّهُ يَزِيدُ عليهم فيقُولُ: "وفي الآخر شِفاءً" فهذا ممَّا لم يُحِيطُوا بعِلمِه، فوَجَبَ عليهم الإِيمانُ به إن كانُوا مُسلِمِين، وإلَّا فالتَّوقُّفُ إذا كانوا مِن غَيرِهم إن كانُوا عُقَلاءَ عُلماءَ! ذلك لأنَّ العِلمَ الصَّحيح يَشهَدُ أنَّ عَدَم العِلمِ بالشَّيءِ لا يَستَلزِمُ العِلم بعَدَمِه.
نقُولُ ذلك، على افتراض أنَّ الطِّبَّ الحديثَ لم يَشهَد لهذا الحديثِ بالصِّحَّة. وقد اختَلَفَت آراءُ الأطبَّاء حولَهُ، وقرأتُ مقالاتٍ كثيرةً في مجلَّاتٍ مُختَلِفةٍ، كلٌّ يُؤيِّدُ ما ذَهَب إليه تأيِيدًا أو رَدًّا. ونحنُ بصِفَتِنا مُؤمِنِين بصِحَّة الحديث، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما يَنطِقُ عن الهَوَى، إِن هُو إلَّا وحيٌ يُوحَى، لا يَهُمُّنا كثيرًا ثُبوتُ الحديثِ مِن وِجهَةِ نظر الطِّبِّ؛ لأنَّ الحديثَ بُرهانٌ قائمٌ في نِفسِه، لا يحتاجُ إلى دَعمٍ خارِجِيٍّ.
ومع ذلك، فإنَ النَّفسَ تزدادُ إيمانًا حين تَرَى الحديثَ الصَّحيحَ يُوافِقُهُ العلمُ الصَّحيحُ. ولذلك، فلا يَخلُو من فائدةٍ أن أَنقُل إلى القُرَّاء خُلاصَة محُاضَرةٍ ألقاها أحدُ الأطبَّاء في جمعيَّة الهِدايَة الإِسلاميَّة في مِصر، حولَ هذا الحديثِ، قال: "يَقَعُ الذُّبابُ على الموادِّ القَذِرة، المَملُؤَة بالجَرَاثيم التي تَنشَأُ منها الأمراضُ المُختَلِفَةُ، فيَنقلُ بعضَها بأطرافِهِ، ويأكُلُ بعضًا،
стр. 593
فيتكوَّنُ في جِسمِه من ذلك مادَّةً سامَّةً، يُسمِّيها عُلماءُ الطِّبِّ بـ "مُبعِد البِكتِرَيا"، وهي تَقتُل كثيرًا من جَراثِيم الأَمرَاض. ولا يُمكِنُ لتلك الجراثيمِ أن تَبقَى حيَّة، أو يَكُونُ لها تأثيرٌ في جسم الإنسان في حال وُجُود مُبعِد البِكتِريا. وأنَّ هُناك خاصيَّةً في أحد جَناحَي الذُّبَاب، هي أنَّهُ يُحوِّلُ البِكتِريا إلى ناحيته. وعلى هذا، فإذا سَقَط الذُّبَاب في شرابٍ أو طَعَامٍ، وأَلقَي الجراثيمَ العَالِقَةَ بأطرافِهِ في ذلك الشَّراب، فإنَّ أقرَبَ مُبيدٍ لتلك الجراثِيمِ، وأوَّلَ واقٍ منها هو مُبعِدُ البِكتِريا، الذي يَحمِلُه الذُّباب في جَوفِه قريبًا مِن أحد جَناحَيه. فإذا كان هُناك داءٌ فدَوَاؤُه قريبٌ منه، وغَمسُ الذُّباب كُلِّه وطرحُهُ كافٍ لقتل الجَراثِيم التي كانَت عَالِقَةً، وكافٍ في إبطال عَمَلِها".
وقد قرأتُ قديمًا في هذه المجلَّة بحثًا ضَافِيًا في هذا المَعنَى، للطَّبيب الأُستاذ سعيد السِّيُوطِيِّ (مجُلَّد العام الأوَّل)، وقرأتُ في مجُلَّد العام الفَائِت (ص ٥٠٣)، كلمةً للطَّبِيبَين محمُود كمال، ومحُمَّد عبد المُنعِم حُسين، نقلًا عن مجَلَّة الأَزهَر.
ثُمَّ وقفتُ على العَدَد (٨٢) من "مجلَّة العربيِّ" الكُويتيَّة (ص ١٤٤)، تحت عُنوان: "أنتَ تسألُ، ونحنُ نُجيبُ"، بقلم المدعُو عبد الوَارِث كبير، جوابًا له على سؤالٍ عمَّا لهذا الحديثِ من الصِّحَّة والضَّعف؟ فقال: "أمَّا حديثُ الذُّبَاب، وما في جَناحَيه من داءٍ وشِفاءٍ، فحديثٌ ضعيفٌ، بل هُو عقلًا حديثٌ مُفتَرًى. فمِنَ المُسَلَّمِ به أنَّ الذُّبَاب يَحمِلُ من الجَرَاثِيم والأَقذَار … ولم يَقُل أحدٌ قَطُّ أنَّ في جناحَي الذُّبابَة داءً، وفي
стр. 594
الآخَر شفاءً، إلَّا مَن وَضَع هذا الحديثَ أو افتَرَاه، ولو صحَّ ذلك لكَشَفَ عنه العِلمُ الحديثُ الذي يَقطَعُ بمَضارِّ الذُّبَاب، ويحُضُّ على مُكافَحتِه".
وفي الكَلام - على اختِصَارِه - من الدَّسِّ والجَهل ما لابُدَّ من الكَشف عنه، دِفاعًا عن حديث رسولِ الله ﷺ ، وصيانَةً له من أن يَكفُر به مَن قد يغتَرُّ بزُخرُف القَول!
فأقُولُ:
أوَّلًا: لقد زَعَم أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، يعني: من النَّاحيةِ العِلميَّةِ الحَدِيثِيَّةِ، بدليل قَولِه: "بل هُو عقلًا حديثٌ مُفترًى".
وهذا الزَّعمُ واضحُ البُطلانِ، تَعرِفُ ذلك ممَّا سبَق مِن تخريج الحَدِيثِ من طُرُقٍ ثلاثٍ عن رسُول الله ﷺ ، وكُلُّها صحيحةٌ. وحَسبُكَ دليلًا على ذلك أنَّ أحدًا مِن أهل العِلمِ لم يَقُل بضعف الحَدِيث كما فَعَل هذا الكَاتِبُ الجريءُ!
ثانيًا: لقد زَعَم أنَّهُ حديثٌ مُفترًى عقلًا!
وهذا الزَّعمُ ليس وُضُوحُ بُطلانِهِ بأقلَّ مِن سابِقِه؛ لأنَّهُ مُجرَّد دعوى لم يَسُق دليلًا يُؤَيِّدُه به سوى الجَهلَ بالعِلمِ الذي لا يُمكِنُ الإحاطةُ به، أَلستَ تراهُ يقولُ: "ولم يَقُل أحدٌ … ولو صحَّ لَكَشَفَ عنه العِلمُ الحديثُ … "؟!
فهل العِلمُ الحديثُ - أيُّها المِسكينُ! - قد أَحاطَ بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، أم أنَّ أهلَهُ الذين لم يُصابُوا بالغُرُور - كما أُصِيبَ مَن يُقَلِّدُهُم منَّا - يقُولُون: إنَّنا
стр. 595
كُلَّما ازدَدنَا عِلمًا بما في الكَونِ وأَسرَارِه، ازدَدنَا معرفةً بجَهلِنَا، وأنَّ الأمر بحَقٍّ كما قال اللهُ ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وأمَّا قولُه: "إنَّ العِلمَ يَقطَعُ بمَضارِّ الذُّباب، ويحُضُّ على مُكافَحَتِه"، فمُغالَطةٌ مكشُوفَةٌ؛ لأنَّنا نقُول: إنَّ الحديثَ لم يَقُل نقيضَ هذا، وإنَّما تحدَّثَ عن قضيَّةٍ أُخرَى، لم يَكُن العلمُ يَعرِفُ مُعالَجَتها، فإذا قال الحديثُ: "إِذَا وَقَع الذُّبابُ … " فلا أحدٌ يَفهَمُ - لا مِنَ العَرب ولا من العَجَم، اللَّهمَّ إلَّا العجم في عُقُولِهم وأَفهَامِهِم - أنَّ الشَّرعَ يُبارِكُ في الذُّباب ولا يُكافِحُه!
ثالثًا: قد نَقَلنَا لك فيما سَبَق ما أثبَتَهُ الطِّبُّ اليوم، من أنَّ الذُّباب يَحمِلُ في جَوقِه ما سَمَّوهُ بـ" مُبعِد البِكتِريا" القاتِل للجَراثِيم. وهذا، وإن لم يَكُن مُوافِقًا لما في الحديثِ على وجه التَّفصِيل، فهُو في الجُملَة مُوافِقٌ لما استَنكَرَهُ الكاتبُ المُشارُ إليه وأمثالُهُ من اجتِمَاع الدَّاء والدَّوَاءِ في الذُّباب. ولا يَبعُد أن يأتِي يَومٌ تَنجِلي فيه مُعجِزَةُ الرَّسول ﷺ في ثُبُوت التَّفاصِيلِ المُشارِ إِلَيها عِلميًّا، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
وإنَّ مِن عجِيبِ أَمرِ هذا الكاتِبِ وتَنَاقُضِه، أنَّه في الوَقت الذي ذَهَب فيه إلى تَضعِيفِ هذا الحديثِ، ذَهَب إلى تَصحِيح الحديثِ: "طَهُورُ الإِناءِ الذي يَلِغُ فيه الكلبُ أن يُغسَل سبعَ مرَّاتٍ إحداهُنَّ بالتُّراب"، فقال: "حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه". فإنَّهُ إذا كانت صِحَّتُهُ جاءَت من اتِّفاق العُلماء أو الشَّيخَين على صِحَّته، فالحديثُ الأوَّلُ أيضًا صحيحٌ عند العُلماء بدُون خلافٍ بَينَهُم، فكيف جازَ له تَضعِيفُ هذا وتَصحِيحُ ذاك؟! ثُمَّ تأوَّلَهُ تأويلًا باطِلًا يُؤَدِّي إلى أنَّ الحديثَ غيرُ صحيحٍ عندَهُ في مَعنَاه؛
стр. 596
لأنَّهُ ذَكَر أنَّ المَقصُودَ من العَدَد مجُرَّدُ الكَثرَةِ، وأنَّ المَقصودَ من التُّراب هو استِعمالُ مادَّةٍ مع الماء مِن شأنِهَا إزالَةُ ذلك الأَثَر!
وهذا تأويلٌ باطلٌ، بَيِّنُ البُطلَان، وإِن كَانَ عَزَاهُ للشَّيخ مَحمُود شَلْتُوت عفا الله عنه.
فلا أَدرِي أيَّ خَطايَاهُ أَعظَمُ، أَهُوَ تضعيفُهُ للحديث الأوَّلِ، وهو صحيحٌ، أم تأوِيلُهُ للحديث الآخَر وهو تأويلٌ باطلٌ!
وبهذه المُناسَبة، فإنِّي أَنصَحُ القُرَّاءَ الكِرامَ بأن لا يَثِقُوا بكُلِّ ما يُكتَب اليوم في بَعض المَجلَّات السَّائِرَةِ، أو الكُتب الذَّائِعَة، من البُحُوث الإسلاميَّة، وخُصُوصًا ما كان مِنهَا في علم الحَدِيث، إلَّا إذا كانَت بِقَلَم من يُوثَق بدِينِه أوَّلًا، ثُمَّ بعِلمِه واختِصاصِه فيه ثانيًا، فقد غَلَب الغُرورُ على كثيرٍ من كُتَّاب العصر الحَاضِر، وخُصُوصًا من يَحمِلُ منهم لقبَ "الدُّكتور"! فإنَّهُم يكتبون فيما ليس من اختِصَاصِهم، وما لا عِلمَ لهم به. وإنِّي لَأَعرِفُ واحدًا من هؤُلاء، أَخرَجَ حديثًا إلى النَّاس كِتابًا جُلُّه في الحديث والسِّيرَة، وزَعَم فيه أنَّهُ اعتَمَد فيه على ما صحَّ من الأحاديثِ والأَخبَارِ في كُتب السُّنَّةِ والسِّيرَة! ثُمَّ هو أَورَد فيه من الرِّوايَات والأَحَادِيث ما تفرَّد به الضُّعَفاء والمَترُوكُون والمُتَّهَمُون بالكَذِب من الرُّوَاة، كالوَاقِدِيِّ وغيرِه، بل أَورَد فيه حديثَ: "نَحنُ نَحكُمُ بالظَّاهر، والله يتولَّى السَّرائر"، وجَزَم بنِسبَتِه إلى النَّبيِّ ﷺ ، مع أنَّه ممَّا لا أَصلَ له عنه بهذا اللَّفظ، كما نبَّهَ عليه حُفَّاظُ الحديث، كالسَّخَاوِيِّ وغيرِه.
فاحذَرُوا أيُّها القُرَّاء أمثالَ هؤُلاء. والله المُستَعان" انتهَى.
стр. 597
١٦٩ - سُئلتُ عن حديث: "مَا مِن مُسلِمٍ يُصرَعُ صَرْعَةً مِن مَرَضٍ إِلَّا بُعِثَ مِنهَا طَاهِرًا".
* قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "المرض والكَفَّارات" (٢٣)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٤٨٥)، والبَيهقِيُّ في "شُعب الإيمان" (ج ٧/ رقم ٩٩٢٢)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٧/ ق ٣٧، ٣٨) من طريق خالد بن يزيدَ، عن سالم بن عبد الله المُحارِبِيِّ، عن سُليمانَ بن حبيبٍ المُحارِبِيِّ، عن أبي أُمَامَةَ البَاهِليِّ مرفُوعًا به.
وعزاه السِّيُوطِيُّ - كما في "فيض القدير" (٥/ ٤٨٧) - للضِّياء المَقدسيِّ في "المُختارَة".
قال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٤/ ٢٩٨): "رُواتُه ثقاتٌ"، وكذلك قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٢/ ٣٠٢).
ولكن نَقَل المُناوِيُّ في "الفيض" (٥/ ٤٨٨)، عن الهَيثَمِيِّ أنَّه قال: "فيه سالمُ بنُ عبد الله البُخارِيُّ الشَّامِيُّ، لم أَجِد مَن ذَكَرَه، وبَقِيَّةُ رجالِه ثِقاتٌ".
* قلتُ: وقولُه: "البُخاريُّ" تصحيفٌ، وصوابُهُ "المُحارِبِيُّ"، ولعلَّه تصحَّف على الهَيثَمِيِّ، لذلك قال: "لم أَجِد مَن ذَكَرَه"، مع أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ ذَكَرَه في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ١٨٥)، ونَقَلَ عن أبيه أنَّه قال: "صالِحُ الحديث"، ونقل ابنُ عساكر توثيقَه عن آخَرين.
стр. 598
١٧٠ - سُئلتُ عن حديث: "خَيرُ شَبَابِكُم مَن تَشَبَّهَ بِكُهُولكُم، وَشَرُّ كُهُولِكُم مَن تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُم".
* قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
وقد وَرَدَ مِن حديث أنَسٍ، وابن عبَّاسٍ، وعُمَرَ بنِ الخطَّاب، ووَاثِلَةَ ابن الأسقع ﵃.
* أوَّلًا: حديث أنَسٍ ﵁.
أخرَجَهُ البزَّارُ (٣٢١٩ - كشف)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٩٠٤)، وابن عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٢١)، والبَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (٦/ ١٦٨ - بيروت)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٣٧)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٢٥٥) من طُرُقٍ عن مُسلِم بن إبراهيم، نا الحَسَن بن أبي جعفرٍ، عن ثابتٍ البُنَانِيِّ، عن أنَسٍ مرفُوعًا به.
قال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن ثابتٍ، إلَّا الحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ، تفرَّد به مُسلِمُ بنُ إبراهيم".
وقال ابنُ عديٍّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، يرويه الحسَنُ بنُ أبي جعفرٍ".
* قلتُ: وهو مُنكَرٌ عن ثابتٍ.
والحَسَن ضعَّفَهُ ابنُ المَدِينيِّ، وأحمدُ، والنَّسائيُّ، وقال البُخاريُّ: "مُنكَر الحديث"، وهذا مِنهُ جرحٌ شديدٌ، يُساوِي التَّركَ عِند غيرِه، ويَبدُو أنَّه
стр. 599
كان شديد الغَفلَةِ، حتَّى وقَعَت مِنهُ المناكِيرُ الكثيرةُ.
أمَّا قولُ مُسلِم بن إبراهيم: "إنَّه كان مِن خيار النَّاس"، فهذا لا تَعَلُّقَ له بصِحَّة الحديثِ، وإنَّما وَصَف دِينَه، وقد صرَّح ابن حِبَّانَ بذلك في "المجروحين" (١/ ٢٣٦)، فقال: "كان مِن خِيار عِبَاد الله، مِنَ المُتَقَشِّفَةِ الخُشُن. ضَعَّفَهُ يحيى، وتَرَكَه أحمدُ بنُ حنبلٍ. وكان الحسَنُ بن أبي جعفرٍ من المُتَعبِّدين، المُجابِين الدَّعوةَ في الأوقات، ولكِنَّه مِمَّن غَفَل عن صناعة الحديث، وحفظِه، واشتَغَل بالعِبادَة عنها، فإذا حدَّث وَهِمَ فيما يَروِي، ويَقلِبُ الأسانيدَ، وهو لا يَعلَمُ، حتَّى صار مِمَّن لا يُحتجُّ به، وإِن كان فاضلًا" ا. هـ، فإذا رأينا مِثلَ هذا النَّمَط، مِمَّن ساء حِفظُهم، تَفرَّدُوا عن مشايخ ثقاتٍ مشهورين، بأحاديث دُون سائر أصحابهم الثِّقات، عَلِمنَا أنَّ هذا مِمَّا أخطَؤُوا فيه. واللهُ أعلَمُ.
* ثانيًا: حديثُ ابن عبَّاسٍ ﵄.
أخرَجَه البَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (٦/ ١٦٨) مِن طريق إبراهيم بن سُليمان الزَّيَّات، نا بَحرُ بن كُنَيزٍ، عن يَحيَى بن أبي كَثيرٍ، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ المُخَنَّثِين من الرِّجال، والمُذَكَّرات مِنَ النِّساء، قال: "أَخرِجُوهُم مِنَ البُيوت". وقال رسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ خَيرَ شَبَابِكُم مَن تَشَبّه بِشُيُوخِكُم، وشَرَّ شُيُوخِكُم مَن تَشَبَّه بِشَبَابِكُم، وَشَرَّ نِسَائِكُم مَن تَشَبَّهَ بِرِجَالِكُم، وَشَرَّ رِجَالِكُم مَن تَشَبَّهَ بِنِسَائِكُم".
قال البَيهقِيُّ: "تفرَّد به بَحرُ بن كُنَيزٍ السَّقَّاءُ، عن يَحيَى بهذه الزِّياداتِ".
стр. 600
* قلتُ: وبَحرٌ هذا شِبهُ المتروك، قال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ. لا يُكتَبُ حديثُه. كُلُّ النَّاس أحبُّ إليَّ منه"، وترَكَهُ النَّسائيّ، والدَّارَقُطنيُّ، وضَعَّفَهُ أبو حاتمٍ، ويزيدُ بنُ زُريعٍ، وقال: "لا شيء! مَا كتَبتُ عنه إلَّا حديثًا واحدًا، فجاءت السِّنَّورُ فأحدَثَت عليه"!!
* ثالثًا: حديثُ عُمَرَ بنِ الخطَّاب ﵁.
أخرَجَه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٢٥٤)، ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في "العِلل المُتناهِية" (١١٨٢) من طريق إبراهيم بن حَيَّان الأنصاريِّ، عن حمَّاد بن زيدٍ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن عُمَر بن الخطَّاب مرفُوعًا: "خَيرُ شَبَابِكُم من تشبَّه بكُهُولِكُم الصَّالحِين، وشرُّ كُهُولِكُم من تشبَّه بشبابِكُم الفاسِقين".
قال ابنُ عديٍّ: "وهذا الحديث مع أحاديث غيرِه بالأسانيد التي ذَكَرها إبراهيمُ بنُ حيَّان، عامَّتُها موضوعةٌ مناكيرُ، وهكذا سائِرُ أحاديثِه".
وقال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحٌّ. قال ابنُ عديٍّ: إبراهيمُ يَروِي أحاديثَ موضُوعةً".
وسَقَط ذِكرُ "زِرِّ بن حُبيشٍ" مِن "الكامل"، وإِثباتُهُ ضرورِيٌّ. واللهُ أعلَمُ.
* رابعًا: حديثُ وَاثِلَةَ بنِ الأَسقَع ﵁.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى في "مُسنَده" (ج ١٣/ رقم ٧٤٨٣) ..
والطَّبَرانيُّ في "المُعجَم الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٢٠٢) قال: حدَّثَنا عبدُ الله ابن أحمد بن حنبلٍ، قالا: ثنا سعيدُ بنُ أبي الرَّبيع، ثنا عَنبَسَةُ بنُ سعيدٍ،