← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وعزاه الزَّبِيدِيُّ في "إتحاف السَّادَة" (١٠/ ٢٧٥) إلى ابن لَالٍ في "مكارِم الأخلاق"، والدَّيلَمِيِّ في "مُسنَد الفِردَوس". أمَّا قولُ العِرَاقِيِّ: "إِسنادُه جَيِّدٌ"، فلا يتوهَّمنَّ أحدٌ أنَّ العراقيَّ يجوِّدُ الإسنادَ؛ لأن فيه رَجُلًا مجهولَ العين والصِّفَة. ثُّمَّ إنَّ ابنَ أبي الزِّناد في حِفظِه لينٌ. واللهُ أعلمُ. (تنبيهٌ) فإن قال قائلٌ: "إذا كان الإسنادُ مُشتمِلًا على علَّةٍ كهذا المجهُولِ، فلِمَ يقول النُّقَادُ: إسنادُهُ جيِّدٌ أو صحيحٌ لولا كَذَا وكذَا؟ فهلَّا قالُوا: إسنادُهُ ضعيفٌ، وصرَّحوا بذلك؟ ". فالجَوَابُ: أنَّه إنَّما يَفعَلُ النَّاقدُ ذلك ليقُول لك: إِنْ جُبِرَت هذه العِلَّةُ، فأنا أَضمَنُ لك سَلَامَةَ بقيَّةِ الإِسنادِ مِن العِلَل. وهذا فائدةُ الاستِثنَاءِ الذي يَقَعُ في كَلامِهِم.

стр. 737

٢٠١ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ لله ﵎ عَمُودًا مِن نُورٍ، بَينَ يَدَيِ العَرشِ، فَإِذَا قَالَ العَبدُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ"، اهتَزَّ ذَلِكَ. العَمُودُ، فَيَقُولُ اللّهُ ﵎: "اُسكُن! "، فَيَقُولُ: "كيفَ أَسكُنُ وَلَم يُغفَر لِقَائِلِهَا؟! "، فَيَقُولُ: "إِنِّي قَد غَفَرتُ لَهُ"، فَيَسكُنُ عِندَ ذَلِكَ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرَجَهُ أبو نُعَيم في "الحِلية" (٣/ ١٦٤) مِن طريق محُمَّد بن يُونُس الكُدَيمِيِّ، ثنا عبدُ الله بنُ إبراهيم بن أبي عَمرٍو الغِفَارِيُّ، ثنا عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ بن المُنكَدِر، عن صَفوان بن سُلَيم، عن سُليمان بن يَسَارٍ، عن أبي هُريرَة مرفوعًا فذَكَرَه. قال أبو نُعيم: "غريبٌ من حديث صَفوان، تفرَّد به ابنُ المُنكَدِر. رواه محُمَّدُ بنُ أَشرَسَ، عن عبد الصَّمَد بن حَسَّانَ، عن سُفيان الثَّوْريِّ، عن صَفوَان مِثلَه". • قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا، ومحُمَّدُ بنُ يُونُس مُتَّهَمٌ مَترُوكٌ. لكنَّه لم يتَفَرَّد به .. فتابعه سَلَمَةُ بنُ شَبِيب - وهو ثقةٌ حافظٌ -، فرواه عن عبد الله بن إبراهيم بسَنَده سواء.

стр. 738

أخرجَهُ البزارُ في "مُسنَده" (٣٠٦٦ - كشف الأستار)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (٦/ ١٦) من طريق أبي جَعفَرٍ الوَرَّاق أحمد بن صالحٍ الرَّازِيِّ، وأبي العَبَّاس الطِّهرَانِيِّ عبد الرَّحمن بن محُمَّدٍ، ثلاثَتُهم قالوا: ثنا سَلَمَةُ بنُ شبِيبٍ به. قال البَزَّار: "لا نَعلَمُه يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد. وعبدُ الله ابنُ إبراهيم ليس بالقويِّ في الحديث، وإنما ذَكَرنَا هذا لِحُسن كَلَامِه" ا. هـ. وعبدُ الله بنُ إبراهيم هذا مَترُوكٌ، شديدُ الضَّعف، قال أبو داوُد: "مُنكَر الحديث". وقال ابن عَديٍّ: "عامَّةُ ما يرويه لا يُتابِعُه عليه الثِّقاتُ". وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "حديثُهُ مُنكَرٌ". وذكر له ابن حِبَّانَ في "المجرُوحِين" (٢/ ٣٧) هذا الحديث مِن بَلَايَاه، وقال: "كان مِمَّن يَأتِي عن الثِّقات بالمقلوبات، وعن الضُّعَفاء بالمُلْزَقَات"، ثُمَّ أَورَد حديثًا باطِلًا عنه، عن عبد الرَّحمن بن زيد بن أَسلَم، ثُمَّ قال: "عَلَى أَنَّ عبد الرَّحمن ليس هذا من حديثِهِ بمشهورٍ، فكأنَّ القَلبَ إلى أنَّه مِن عَمَلِ عبدِ الله بن أبي عَمرٍو أَمْيَلُ". وقال الحاكم: "يَروِي عن جماعةٍ من الضُّعَفاء أحاديثَ موضُوعةً، لا يَروِيهَا عَنهُم غيرُه". وأمَّا ما ذَكَرَه أبو نُعيمٍ مِن المُتابَعة، فإِنَّها لا تَثبُت؛ ومُحمَّدُ بنُ أَشرَسَ، قال الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٣/ ٤٨٥): "مُتَّهَم في الحديث، وتَرَكَهُ

стр. 739

أبو عبد اللّه ابنُ الأخرم الحافظُ وغيرُه". وذَكَرَ الحافظُ في "اللِّسان" (٥/ ٨٤) أنَّ الدَّارَقُطنِيَّ ضَعَّفه، وأنَّ الضِّياء المَقدِسِيَّ أَخرَجَ له في "المُختارَة"، ثُمَّ قال: "وخَفِيَ على الضِّياء حالُ محُمَّد بن أشرس".

стр. 740

٢٠٢ - سُئلتُ عن حديث: "مَا مِن عَبدٍ قَالَ: "لَا إِله إِلَّا اللّهُ" فِي ساعَةٍ مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ، إِلَّا طُمِسَت مَا فِي الصَّحِيفَةِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، حَتَّى تَسكُنَ إِلَى مِثلِهَا مِنَ الحَسَنَاتِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه أبُو يعلَى في "مُسنَدِهِ" (٣٦١١) قال: حدَّثَنا هُذيلُ بنُ إبراهيمَ الجُمَانِيُّ، حدَّثَنا عثمانُ بنُ عبد الرَّحمن الزُّهرِيُّ من ولد سعد بنِ أبي وقَّاصٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَا قَالَ عَبدٌ … ". ذَكَرَهُ المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٤١٦)، والهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ٨٢). وقال الهَيثمِيُّ: "فيه عُثمانُ بنُ عبد الرَّحمن الزُّهرِيُّ، وهو مَترُوكٌ". وعَزَاهُ الدِّميَاطِيُّ في "المَتجَر الرَّابح" (١٢٩١) لأبي يَعلَى، ولم يَتكَلَّم عليه بشيءٍ. والمُنذِرِيُّ كان أحسن حالًا مِنهُ؛ لأنَّه وإن لم يتكلَّم على الحديث صراحةً، إلَّا أنَّهُ صدَّرَه بقوله: "رُوي عن أنَسٍ"، هكذا بصيغة التَّمريض، التي تدلُّ على ضعف الحديث، أو وهائه، كما صرَّح هو في مُقدِّمة كتابه، وليتَهُ استَغنَى عن كثيرٍ من هذا الضَّرب من الأحاديث لشِدَّة ضعفها في الغالب.

стр. 741

٢٠٣ - سُئلتُ عن حديث: "صَلُّوا عَلَى مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَصَلُّوا خَلفَ مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ٥٦)، والخطيبُ في "تاريخه" (٦/ ٣٠٩، و ١١/ ٢٩٣) من طريق محُمَّد بن الفضل، عن سالمٍ الأَفطَس، عن مجُاهِدٍ، عن عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب مرفُوعًا فذَكَرَه. وسَنَدُهُ واهٍ جدًّا؛ ومحُمَّدُ بنُ الفضل كذَّبَهُ ابنُ مَعِينٍ، واتَّهَمَه أحمدُ، وتركه النَّسائِيُّ. وخالَفَهُ سُوَيدُ بنُ عَمرٍو، فرواه عن سالمٍ الأَفطَس، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عُمَر مثله. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١٠/ ٣٢٠) مِن طريق نَصرِ بن الحَرِيشِ الصَّامتِ، ثنا المُشْمَعِلُّ بن مِلحَانَ، عن سُويد بن عَمرٍو به، ونَصرٌ ضعَّفَهُ الدَّارَقُطنِيُّ، كما في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٢٨٦). وكذلك ضعَّف الدَّارَقُطنِيُّ المُشمَعِل بنَ مِلحَانَ، ومشَّاهُ ابنُ مَعِينٍ، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات". وله طَرِيق آخرُ عن ابن عُمَر .. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ٥٦)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان"

стр. 742

(٢/ ٣١٧)، وابنُ الجوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٤٢٠)، من طريق عُثمانَ بنِ عبد الرَّحمن، عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا به. قال ابنُ الجوزِيِّ: "عُثمانُ نَسَبَه يحيى - يعنى: ابنَ مَعِينٍ - إلى الكَذِب". وله طُرُقٌ عن ابن عُمَر، كُلُّها ساقطةٌ. وله شاهدٌ بمعناه مِن حديث أبي هُريرَة مرفُوعًا: "صَلُّوا خلف كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، وصَلُّوا على كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، وجَاهِدُوا مع كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ". أخرَجَهُ أبو داوُد (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، و ٧/ ٢٠٧ - عون المعبود)، والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ٥٧)، والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (٣/ ١٢١)، وابن الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٤١٨ - ٤١٩) من طريق مُعاوِيَة بن صالحٍ، عن العلاء بن الحارث، عن مَكحُولٍ، عن أبي هُريرَة به. قال الدَّارَقُطنِيُّ: "مَكحُولٌ لم يَسمَع من أبي هُريرَة. ومَن دُونَه ثقاتٌ". وقال البَيهقِيُّ: "إسنادُهُ صحيح، إلَّا أنَّ فيه إرسالًا بين مكحولٍ وأبي هُريرَة". وكذلك أعلَّه ابنُ الجَوزِيِّ، والمُنذِرِيُّ، وابنُ التُّركُمَانِيِّ، وغيرُهُم. غيرَ أنَّ ابن الجَوزِيِّ انفَرَدَ عنهم بعلَّةٍ أُخرَى، هي عَجِيبةٌ من الأعاجيب! وهي تَضعِيفُه لمُعاويةَ بن صالحٍ، فما أَصابَ؛ ومُعَاوِيَةُ ثقةٌ مِن رجال الصَّحيح، كما قال ابنُ عبد الهادِي. والحديثُ ضعَّف النَّوَوِيُّ إسناده في "المجموع" (٤/ ١٥٢ - ١٥٣)، وضعَّفه غيرُه.

стр. 743

٢٠٤ - سئلتُ عن حديث: "لَا صَلَاةَ لِمَن عَلَيهِ صَلَاةٌ". • قلتُ: هذا الحديثُ لا أصل له. قال إبراهيمُ الحَربِيُّ ﵀: "سَأَلتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبلٍ عن مَعنَى هذا الحديث، فقال: لا أَعرِفُهُ البتَّةَ"، قال إبراهيمُ: "ولَا سَمِعتُ أنا بهذا عن النَّبيِّ ﷺ قطُّ". كذا نقله ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٤٣٩)، وقال: "هذا حديثٌ نَسمَعُه مِن ألسِنَةِ النَّاس، وما عَرَفنَا له أصلًا" ا. هـ. ووافقه ابنُ دَقِيقٍ العِيدُ في "الإمام" - كما في "نصب الرَّايَة" (٢/ ١٦٦) للزَّيلَعِيِّ -، وابنُ القَيِّم في "المنار المُنِيف" (٤٦).

стр. 744

٢٠٥ - سُئلتُ عن حديث: "اطلُبُوا الأَشيَاءَ بِعِزَّةِ نَفسٍ؛ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجرِي بِمَقَادِيرَ". • قلتُ: هذا الحديثُ لا يَصِحُّ عن رسول الله ﷺ . فأخرَجَهُ تمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١١٦٩)، ومن طريقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٥/ ق ٣٥٦) قال: أخبَرَنَا أبو زُرعَة محُمَّدُ بنُ سعيد بن أحمد القُرَشِيُّ - وُيعرَف بابن التَّمَّار -، نا عليُّ بنُ عَمرِو بن عبد الله المَخزُومِيُّ، نا مُعاوِيَةُ بنُ عبد الرَّحمن، نا حَرِيزُ بنُ عُثمان، نا عبدُ الله بنُ بُسْرٍ المَازِنِيُّ مرفُوعًا: "اطلُبُوا الحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنفُسِ؛ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجرِي بِالمَقَادِيرِ". وشَيخ تمَّامٍ الرَّازِيِّ لم يَذكُر ابنُ عساكر في ترجمَتِه شيئًا يدُلُّ عليه. وشَيخُه عليُّ بنُ عَمرٍو لم أَعرِفه. ومُعاوِيَةُ بن عبد الرَّحمن قال أبو حاتمٍ: "ليس بمعرُوفٍ"، أمَّا ابنُ حِبَّانَ فوَثَّقَه على قاعدته المعرُوفة. وهذا الحديثُ عندي مُنكَرٌ. واللهُ أعلَمُ. ويُغنِي عن هذا الحديثِ ما: أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٢١٤٤) عن الوليد بنِ مُسلمٍ .. والحاكمُ (٢/ ٤٩) عن محُمَّدِ بنِ بَكرٍ البُرسانِيِّ .. والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١١٥٢) عن حجَّاجٍ الأعورِ ..

стр. 745

وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٥٥٦)، والطَّبَرانِيُّ في "الأوسَط" (٣١٠٩)، والحاكمُ (٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وعنه البيهَقِيُّ (٥/ ٢٦٥) عن عبد المَجِيد بنِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روَّادٍ، أربَعَتُهُم عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ! اتَّقُوا اللهَ وأجمِلُوا في الطَّلَب؟ فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تَستَوفي رِزقَها، وإنْ أبطَأَ عنها. فاتَّقُوا الله وأجمِلُوا في الطَّلَب. خُذُوا ما حَلَّ ودَعُوا ما حَرُمَ". وله طريق آخرُ عن جابرٍ ﵁. أخرَجَه ابنُ حِبَّانَ (٣٢٤١)، والبَيهَقِيُّ (٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥) عن الوليدِ ابن شجاعٍ السَّكُونِيِّ .. وابنُ حِبَّانَ أيضًا (٣٢٣٩) عن حَرمَلَةَ بنِ يحيَى .. والحاكمُ (٢/ ٤) عن أحمدَ بنِ عيسَى، قالُوا: ثنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرَنِي عمرُو بنُ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ، عن محُمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ مرفُوعًا: "لا تَستَبطِئوا الرِّزقَ؛ فإنَّه لن يموتَ العبدُ حتَّى يبلُغَهُ آخِرُ رِزقٍ هو له. فأجمِلُوا في الطَّلَبِ: أخذِ الحلال، وتَركِ الحرامِ". قال الحاكمُ: "صحيح على شرط الشَّيخَين، ولم يُخَرِّجاه". وكنتُ وافقتُ الحاكمَ على هذا في "غَوث المَكدود"، والصَّوابُ أنَّه على شرط مُسلمٍ؛ فإنَّ البُخاريَّ لم يُخرِّج شيئًا لـ" سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ المُنكَدِر".

стр. 746

وقد تُوبِع سعيدُ بنُ أبي هلالٍ .. تابَعَهُ شُعبةُ بنُ الحَجَّاج، فرواه عن ابنِ المُنكَدِرِ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ أبُو نُعَيمٍ في "الحلية" (٣/ ١٥٦ - ١٥٧، و ٧/ ١٥٨) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ المُظفَّر الحافظُ في جَماعةٍ، قالُوا: ثنا إسحاقُ بنُ بُنَانَ، ثنا حُبَيشُ بنُ مُبَشِّرٍ، ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، ثنا شُعبةُ، عن محُمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ مرفُوعًا. قال أبُو نُعَيمٍ: "غريبٌ من حديث محُمَّدٍ وشُعبَةَ. تفرَّد به: وَهبُ بنُ جَريرٍ"، وقال في الموضع الثَّانِي: "غريبٌ من حديث شُعبةَ. تفرَّد به: حُبَيشٌ، عن وهبٍ". وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وابنُ المُظفَّر ثقةٌ حافظٌ. وإسحاقُ بنُ بُنانَ وثَّقه الدَّارَقُطنِيُّ - كما في "سؤالات السَّهمِيِّ" (١٨٧)، وانظُر "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٩٠) -. وحُبَيشُ بنُ مُبَشِّرٍ وثَّقه ابنُ حِبَّان والدَّارَقُطنِيُّ، وقال الخطيبُ: "كان فاضِلًا، يُعَدُّ من عُقلاء البَغدادِيِّين". وانظُر "تنبيه الهاجد" (٢٤٧٤)، وتخرِيجِي على "تفسير ابنِ كَثيرٍ" (٢/ ٥٨٩ - ٥٨٨). وللحديثِ شواهدُ، ذكرتُها في "غوث المَكدود" (٢/ ١٤٩ - ١٥١). والحمدُ لله.

стр. 747

٢٠٦ - سُئلتُ عن حديث: " اللَّهُمَّ! رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ! اغفِر ذَنبِي، وَأَذهِب غَيظَ قَلبِي، وَأَجِرنِي مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ، أو محُتَمِل للتَّحسين. وقد وَرَد هذا الحديثُ مِن حديث أُمِّ سَلَمَة، وعائِشة ﵂. أمَّا حديثُ أُمِّ سَلَمة: فأخرَجَهُ ابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (٦٦٥٢) قال: حدَّثَنا المُثَنَّى، ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنهال، ثنا عبدُ الحميد بنُ بَهرَامَ الفَزَارِيُّ، ثنا شَهرُ بنُ حَوشَبٍ، قال: سمِعتُ أُمَّ سَلَمَة تُحَدِّثُ، أَنَّ رسُول الله ﷺ كَانَ يُكثِرُ في دُعائه أن يقول: "اللَّهُمَّ! مُقَلِّبَ القُلُوب! ثَبِّت قَلبِي على دِينِك". قالت: قُلتُ: "يا رسُول الله! وَإِنَّ القلبَ لَيُقَلَّبُ؟! "، قال: "نَعَم! مَا خَلَقَ اللهُ من بني آدمَ مِن بَشَرٍ إلَّا وَقَلبُه بين أُصبُعَين من أصابِعِه، فإن شاء أَقامَهُ، وإن شاء أَزَاغَهُ، فنَسأل اللّهَ رَبَّنَا! أَن لا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بعد إِذ هَدَانَا، ونَسأَلُهُ أن يَهَبَ لنا مِن لَدُنهُ رحمةً، إِنَّه هو الوَهَّاب"، قلت: "يا رسُول الله! أَلا تُعَلِّمُنِي دعوةً، أدعُو بها لنفسي؟ "، قال: " بَلَى! قُولِي: اللَّهُمَّ! رَبَّ النَّبيِّ مُحمَّدٍ! اغفر لي ذنبي، وأَذهِب غيظ قلبي، وأَجِرني من مُضِلَّات الفتن". • قلتُ: وشيخُ الطَّبَريِّ هو المُثَنَّى بنُ إبراهيم. لم أَجِد له ترجمةً.

стр. 748

ولكنَّه لم يتفَرَّد به .. فتابَعَهُ عليُّ بنُ عبد العزيز، ثنا حجَّاجُ بنُ مِنهالٍ بسَنَده سواء. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٧٨٥)، وفي "الدُّعاء" (١٢٥٨، ١٤٣٩). وكذلك تابَعه أبو مسلمٍ الكَشِّيُّ، ثنا حجَّاجُ بنُ مِنهالٍ بهذا. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الدَّعوات الكبير" (٣٢٢). وتُوجَ حجَّاجُ بنُ مِنهالٍ .. تابَعَهُ أحمدُ بن يونُس، ثنا عبدُ الحميد بهذا بتمامِه. أخرَجَه عبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المنتَخَب" (١٥٣٤). وتابَعَهُ هاشمُ بنُ القاسم، ثنا عبدُ الحميد بنُ بَهرَامَ بسَنَده سواء مِثلَه. أخرَجَهُ أحمدُ في "المُسنَد" (٦/ ٣٥٢). ورَوَاهُ وكيعُ بن الجَرَّاح، وأَسَدُ بنُ مُوسَى، وعمرُو بنُ عونٍ الواسطيُّ، ومحُمَّدُ بنُ بَكَّارٍ، كلُّهُم عن عبد الحميد بن بَهْرَام بسَنَده سواء، مخُتصَرًا ليس فيه محَلُّ الشَّاهد. أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ٢٩٤)، وإسحاقُ بنُ راهَوَيه في "المسنَد" (١٨٧٩/ ٦٥)، وعبدُ الله بنُ أحمد في "السُّنَّة" (٨٦٦)، وابنُ جَرِيرٍ (٦٦٥٥، ٦٦٥٨)، وابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره" (١٤٥ - آل عمران)، وابنُ بَطَّةَ في "الإبانة" (١٣٠٤ - كتاب القَدَر)، وعثمانُ الدَّارِمِيُّ في "الرَّدِّ على المِرِيْسِيِّ" (٨٧)، وابنُ مَردَوَيهِ في "تفسيره" - كما في "ابن كَثيرٍ" (٢/ ١٠) -.

стр. 749

ورواه أبو كَعبٍ صاحبُ الحَرِيرِ واسمُه عبدُ رَبِّه بنُ عُبيدٍ الأَزدِيُّ الجُرْمُوزِيُّ - وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُه -، عن شهر بن حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سَلَمَة مخُتصَرًا. أخرَجَهُ الطَّيالِسيُّ (١٧١٣). وأخرجه التِّرمذيُّ (٣٥٢٢)، وأحمدُ (٦/ ٣١٥)، وابنُ أبي شَيبَةَ (١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (٢٢٣، ٢٣٢)، وأبو يعلَى (٦٩٨٦) عن مُعاذ بن مُعاذٍ .. والدُّوْلابِيُّ في "الكُنَى" (٣/ ٩٣٨) عن زيد بن الحُبَاب العُكْلِيِّ .. وأبو يَعلَى في "مُسنَده" (٦٩١٩) عن أبي عاصمٍ النَّبيل .. والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ وقم ٧٧٢)، وفي "الأَوسَط" (٢٣٨١)، وفي "الدُّعاء" (١٢٥٧) عن مُسلِم بن إبراهيم، كلُّهُم عن أبي كَعبٍ صاحبِ الحرير به. وأخرَجَهُ ابنُ خُزَيمةَ في "التَّوحيد" (ص: ١٩١) من طريق عبد الله بن أبي الحُسَين، عن شَهر بن حَوْشَبٍ بهذا مخُتصَرًا. وتابَعَه مقاتِلُ بنُ حَيَّان، فرواه عن شهرٍ كذلك. أخرَجَه ابنُ الأعرابيِّ في "المعجَم" (١٦٦٧) قال: حدَّثَنا أبو داوُد السِّجِستانيُّ .. والطَّبرانِيُّ في "الأوسط" (٩٤٣٢) قال: حدَّثَنا هيثمُ بنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ .. والآجُرِّيُّ في "الشَّريعة" (ص ٣١٦) قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي داوُد ..

стр. 750

وأبو نُعَيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٤٥) عن الهيثم بن خَلَفٍ، ومحُمَّد بن محُمَّد بن سليمان، والفَضل بن أحمد بن إسماعيل، قالوا: ثنا محُمَّدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِيُّ، ثنا حاجبُ بنُ الوليد، ثنا بقيَّةُ، عن إبراهيمَ بنِ أدهمَ، عن مقاتل بن حيَّان، عن شهرِ بن حَوشَبٍ، عن أمِّ سَلَمَة مرفوعًا. قال الطَّبرانِيُّ: "لم يَروِه عن إبراهيم بن أدهم إلَّا بقيَّةُ، ولا عن بقيَّةَ إلَّا حاجبُ بنُ الوليد. تفرَّد به: محُمَّدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِيُّ". وقال أبو نُعيمٍ: "هذا مِمَّا تفرَّد به حاجبُ، عن بقيَّةَ، عن إبراهيم. وما كتبتُه إلَّا من حديث محُمَّد بن منصورٍ". قلتُ: وهذا إسنادٌ نظيفٌ إلى شهر بن حَوشَبٍ، إن نجا من عنعنة بقيَّةَ بن الوليد، ولم أره صرَّح بالتَّحديث في شيءٍ من طُرُقه. وحاجبُ بنُ الوليد وثَّقه ابنُ حِبَّان والخطيبُ. وسُئل ابنُ مَعِينٍ عنه، فقال: "لا أعرفه. وأمَّا أحاديثُه فصحيحةٌ"، فقال له عبدُ الخالق بن منصورٍ: "ترَى أن أكتُب عنه؟ "، قال: "ما أعرفه. وهو صحيحُ الحديث". وكلامُ ابن مَعِينٍ ظاهرٌ في أنَّه لا يعرفُهُ معرفةً خاصَّةً، لا أنَّه مجهولٌ عنده، وإلَّا لم يقُل: "هو صحيحُ الحديث"، ولكنْ يظهَرُ أنَّه اعتَبَر روايتَه فوَجَد الثِّقاتِ يوافقونه عليها، فلذلك قال: "أحاديثُهُ صحيحةٌ". والله أعلم. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ". وقال الزَّبِيدِيُّ في "إتحاف السَّادة" (٥/ ١٥٥): "ورَأَيتُ بخطِّ

стр. 751

الحافظ السَّخَاوِيِّ، ما نَصُّهُ: هو في "مُسنَد أحمد"، من حديث أُمِّ سَلَمة، في حديثٍ طويلٍ. وسَنَدُه حَسَنٌ". • قلتُ: لعلَّ التِّرمذيَّ حَسَّن أصل الحديث - يعني في تقليب القلوب -؛ فإنَّ له شواهدَ صحيحةً. وشَهر بن حَوْشَبٍ، فتَكَلَّم العُلماء في حِفظِه. وقد وَجَدتُ للفقرة المسؤُول عنها شاهدًا من حديث عائشة ﵂. أخرَجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٤٥٥) قال: أخبَرنِي مُحمَّدُ بنُ أحمد بن المُهاجِر، ثنا إبراهيمُ بنُ مَسعُودٍ، ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، ثنا أبو العُمَيسِ، عن القاسم بنِ محُمَّد بن أبي بكرٍ، قال: كانت عائشةُ ﵂ إذا غَضِبَت عَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنفِهَا، ثُمَّ يقول: "يا عُوَيش! قُولِي: اللَّهُمَّ! رَبَّ مُحَمَّدٍ! اغفر لي ذنبي، وأَذهِب غيظ قلبي، وأَجِرني من مُضِلَّات الفتن ". وهذا سَنَدٌ قَوِيُّ، لولا أَنِّي لم أَقِف على تَرجَمَةٍ لشيخ ابن السُّنِّيِّ. ثُمَّ وجدتُ ابنَ السُّنِّيِّ أخرَجَهُ في موضعٍ آخر (٦٢٢) قال: أخبَرَنِي أبو عُروة، حدَّثَنا عليُّ بنُ مَيمُونَ، ثنا أبو تَوبةَ الرَّبيعُ بنُ نافعٍ، عن مَسْلَمَةَ ابن عليٍّ، عن هشام بنِ عُروَة، عن عائشةَ ﷺ ، قالت: دَخَل عليَّ رسُول الله ﷺ وَأَنَا غَضْبَى، فأَخذ بطرف المِفصَل مِن أنفي، فعَرَكَهُ، ثُمَّ قال: "يا عُوَيشُ! قُولِي: اللَّهُمَّ! اغفر لي ذنبي، وأَذهِب غيظ قَلبِي، وأَجِرنِي من الشَّيطان". قال العِراقِيُّ في "تخريج الإحياء" (١/ ٣٢٦): " إسنادُه ضعيفٌ".

стр. 752

والصَّواب أنَّه ضعيفٌ جِدًّا؛ ومَسلَمَةُ بنُ عليٍّ هُوَ الخُشَنِيُّ، قال أبو حاتمٍ: "هُو في حَدِّ التَّرك"، وقد تَرَكَهُ النَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ والبَرقَانِيُّ. وقال أبو أحمد الحاكمُ: "ذاهبُ الحديث". وقال ابنُ عَديٍّ: "جميع أحاديثه غيرُ محفوظةٍ"، والكلام فيه مشهور. ثمَّ إنَّني لا أدري أسقط ذِكرُ: "عُروة" من الإسناد أم لا. وقد وَجَدتُ له طريقًا آخرَ. أخرَجَهُ ابن عساكر في "تاريخه" - كما في "ابن كثير" (٤/ ٦٥) - مِن طريق أبي أحمد الحاكم، عن البَاغِندِيِّ، عن هِشام بن عَمَّارٍ، حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن بنُ أبي الجَونِ، عن مُؤَذِّنٍ لعُمَرَ بنِ عبد العزيز، عن مُسلِم ابن يَسَارٍ، عن عائشة مثله. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ وهشامُ بنُ عَمَّارٍ تكلَّم النُّقَّاد في حِفظِه. وابن أبي الجونِ قال أبو حاتم - كما في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ٢/ ٢٤٠) -: "يُكتَبُ حديثه ولا يحتَج به"، وضعّفه أبو داوُد كما في "الميزان" (٢/ ٥٦٨)، ووَثَّقَهُ دُحَيمٌ، ومَشَّاه ابنُ عَديٍّ. ومُؤَذِّنُ عُمَر بن عبد العزيز مجَهُولٌ. والله أعلم. وخُلاصة البحث: أنَّ الحديث ضعيفٌ، ولو كان شيخُ ابنِ السُّنِّيِّ في الطَّريق الأوَّل ثقةً، أو تُوبع من مِثلِه أو قريبٍ منه، لَصَحَّ الحديثُ. والعِلمُ عند الله تعالى.

стр. 753

٢٠٧ - سُئلتُ عن حديث: "إِذَا نَزَلَ الرَّجُلُ عَلَى قَومٍ، فَلَا يَصُم إِلَّا بِإِذنِهِم". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٣/ ١٤١ - ١٤٢)، عن عليِّ بن الحُسَين مُعضَلًا. وقد ورد موصُولًا. أخرَجَهُ التِّرمذيُّ في "سُنَنه" (٧٨٩)، وفي "العِلل الكبير" (١/ ٣٧٠)، وابن عَديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٤٨)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ١٩٠، و ٢/ ٢٦٦)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٥٣٦) من طريق بِشر بن مُعاذٍ العَقَدِيِّ، ثنا أَيُّوبُ بنُ واقدٍ، عن هشام ابن عُروة، عن أبيه، عن عائشة مرفُوعًا: "مَن نَزَلَ على قومٍ، فلا يَصُومَنَّ تطوُّعًا إلَّا بإذنِهم". ورواه سُليمانُ بن أيُّوب صاحبُ البصريِّ، عن أيُّوب بن وَاقِدٍ بسَنَده سواء. أخرَجَهُ ابن حِبَّانَ في "المجروحين" (١/ ١٦٩)، ومن طريقه ابن الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٨٦٩). قال التِّرمذِيُّ في "سُنَنه": " هذا حديث مُنكَرٌ، لا نَعرِفُ أحدًا مِن الثِّقات رَوَى هذا الحديثَ عن هشام بن عُروة. وقد رَوَى مُوسَى بنُ

стр. 754

داوُد، عن أبي بكرٍ المَدَنِيِّ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ نحوًا من هذا. وهذا حديث ضعيفٌ أيضًا؛ وأبو بَكرٍ ضعيفٌ عند أهل الحديث، وأبو بكر المَدِينِيُّ الذي روى عن جابر بن عبد الله، اسمُه: الفضلُ بنُ مُبَشِّرٍ، وهو أوثقُ مِن هذا وأقدمُ" ا. هـ. وقال التِّرمذِيُّ في "العِلل الكبير": " سأَلتُ محُمَّدًا - يَعنِي: البُخاريَّ - عن هذا الحديث، فقال: حديثٌ مُنكَرٌ". وقال ابنُ حِبَّانَ في ترجمة أيُّوبَ بنِ واقدٍ: "كان يَروِي المناكيرَ عن المشاهير، حتى يَسبِقَ إلى القلب كأنَّه المُتعمِّدُ لها؛ لا لمجوزُ الاحتجاج بروايته". وقال ابنُ عَديٍّ: "وأيُّوبُ بنُ واقدٍ عامَّةُ ما يرويه لا يُتابَع عليه". • قلتُ: تُوبع أيُّوبُ بنُ واقدٍ - كما تقدَّم في كلام التِّرمذيِّ - .. تابعه أبو بَكرٍ المَدَنِيُّ، وهو أبو بَكرٍ الدَّاهِرِيُّ. وقد أخرَجَ هذه المُتابَعة ابنُ ماجَهْ (١٧٦٣) قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ يحيى الأَزدِيُّ، ثنا مُوسَى بنُ داوُد، وخالدُ بنُ أبي يزيدَ، قالا: ثنا أبُو بكرٍ المَدَنِىُّ بهذا. وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وأبو بَكرٍ الدَّاهِرِيُّ تالفٌ. وقال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يَصِحُّ". ونَقَلَ المَنَاوِيُّ في "الفيض" (١/ ٤٤٦)، عن البَيهَقِيِّ أنَّه قال: "إسنادُهُ مُظلِمٌ". وقف وقفتُ له على شاهدٍ من حديث أبي هُريرَة مرفُوعًا: "مَن أَلبَسَهُ

стр. 755

اللهُ نعمةً فَليُكثِر من الحمد لله. ومن كَثُرَت هُمومُه فَليستَغفِر الله. ومَن أَبطَأَ عنه رِزقُهُ، فليُكثِر من قول: لا حَولَ ولا قُوَّة إلَّا بالله. ومن نَزَلَ مع قومٍ فلا يَصُومَنَّ إلَّا بإذنهم. ومن دَخَلَ دار قومٍ فليَجلِس حيثُ أَمَرُوه؛ فإنَّ القَومَ أعلمُ بعورة دارِهم. وإن من الذنب المَسخُوطِ به على صاحبِه: الحِقدُ، والحَسَدُ، والكَسَلُ في العبادة، والضَنكُ في المعيشة". أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦٥٥٥)، وفي "الصَّغير" (٢/ ٧٢) من طريق محُمَّد بن سَلَمة المُرَادِيِّ، نا يُونُسُ بنُ تمَيمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرَة. وأخرَجَهُ ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٣/ ق ٧١٣) من طريق محُمَّد بن سَلَمة المُرَادِىِّ. لكن وَقَع عِندَه: "أيُّوبُ بنُ تمَيمٍ"، بَدَلَ: "يُونُسَ بنِ تمَيمٍ"، والصَّوابُ أنَّه يُونُس. وهو خَبر باطل، كما قال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٤/ ٤٧٨)، في ترجمة يُونُسَ بنِ تمَيمٍ.

стр. 756

٢٠٨ - سُئلتُ عن حديث: "مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ: مَوتُ الرَّجُلِ فَجأةً". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو عَمرٍ والدَّانِيُّ في "السُّنَن الواردة في الفِتن" (٣٩٥، ٣٩٩) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة، عن عاصم بن بَهدَلَة، عن الشَّعبيِّ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِن أشراط السَّاعة مَوتُ الفَجأةِ". وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ؛ لإرساله. وقد رأيتُهُ موصُولًا. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الصَّغير" (٢/ ١٢٩) قال: حدَّثَنا الهَيثَمُ بن خالدٍ المِصِّيصِيُّ، حدَّثَنا عبدُ الكبير بنُ المُعَافَى بنِ عِمرَانَ، حدَّثَنا شَريكٌ، عن العبَّاس بن ذُرَيحٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "مِنَ اقتراب السَّاعَة أن يُرَى الهِلالُ قُبُلًا، فيُقالُ لِلَيلَتَينِ، وأن تُتَّخَذَ المَسَاجِدُ طُرُقًا، وأن يظهر مَوتُ الفجأة". قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِه عن الشَّعبيِّ إلَّا العبَّاسُ بنُ ذُرَيحٍ، ولا عَنهُ إلَّا شَريكٌ. تفرَّد به عبدُ الكبير". وأعَلَّه الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (٧/ ٣٢٥) بالهَيثَم بن خالدٍ، شيخِ الطَّبَرانيِّ، وقال: "إنَّه ضعيفٌ".

стр. 757

ومَن نَظَرَ في نقد الطَّبَرانىِّ وقَع له أنَّ الهَيثَم لم يَتَفرَّد به. والصَّوابُ إِعلالُه بشريكِ بن عبد الله النَّخْعِيِّ؛ فهو سَيِّءُ الحِفظ. أمَّا الرَّاوِي عنه، وهو عبدُ الكبير بنُ المُعَافَى، فقد قال فيه أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ - كما في "الجرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ٦٣) -: "كان ثِقَةً رِضًا، وكان يُعَدُّ مِنَ الأبدال". ورأيتُ لِلحَدِيثِ طريقًا آخرَ عن أنسٍ. أخرَجَهُ ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٠٥)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١٤٩١) من طريق الحَسَن بن عُمَارةَ، عن الحَوَارِيِّ بن زيادٍ، عن أنسٍ مرفُوعًا: "إِنَّ من اقتراب السَّاعة: فُشُوُّ الفَالِج، ومَوتُ الفجأة". وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ والحَسَنُ بن عُمارةَ مَطرُوحٌ، كذَّبَه ابنُ مَعِينٍ وغيرُه، وتَرَكَهُ آخَرُون. وسيأتي بسطُ حالِهِ عند رقم (٢٨٩). وبالجُملة: فالحديث لا يَصِحُّ من كُلِّ طُرُقِه. واللهُ أعلَمُ.

стр. 758

٢٠٩ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا تَلَا قَولَهُ تَعالَى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، قَالَ: "غَرَّهُ جَهلُهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو عُبيدٍ في "فضائل القُرآن" (١٩٥ - طبع المغرب) قال: حدَّثَنا كَثيرُ بنُ هشامٍ، عن جعفر بن بُرقَانَ، عن صالح بن مِسمَارٍ، قال: بَلَغَنَا أنَّ رسُول الله ﷺ تلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، فقال: "جَهلُه". وأخرَجَهُ الثَّعلَبِيُّ في "تفسيره" (٧/ ٢٣٠/ ٢)، ومِن طريقه الوَاحِدِيُّ في "الوسيط" من طريقين آخَرَين، عن كَثير بن هشامٍ به. وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ، لإعضاله.

стр. 759

٢١٠ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: "إِنَّا أَعْطَينَاكَ الكَوثَرَ". • قلتُ: هذا حدثنا ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ الحاكمُ في "المُستدرَك" (٢/ ٢٥٦) من طريق أَزهَرَ بن مَروان .. والدَّارَقُطنيُّ في "المُؤتَلِف والمُختَلِف" (ص ٢٠٤١) من طريق عَمرِو ابن مُخرَّمٍ، قالا: ثنا عبدُ الوارث، عن عَمرِو بن عُبيدٍ، عن الحَسَن البَصريِّ، عن أُمِّه، عن أُمِّ سَلَمة فذَكَرَته. ووَقَعَ في "المُستدرَك": "أَعطَينَاكَ"، وهو تَصحِيفٌ. وقد عَزَاهُ الزَّيلَعيُّ في تخريج أحاديث الكَشَّاف" (٤/ ٣٠٣) إلى الحاكم بلفظ: "أَعْطَينَاكَ" بالنُّون، وعزاه أيضًا للطَّبَرانيِّ في "مُعجَمه"، والثَّعلبِيِّ، وابنِ مَردَوَيهِ في "تَفسِيرِيهما". قال الحاكم: "صَحيحُ الإسناد"، فتعقَّبه الذَّهَبيُّ بقوله: "عَمرُو بن عُبيدٍ واهٍ". ثُم رَأَيْتُهُ في: "أَوسَط الطَّبرانِي" (٨٤٥٨) رَواهُ من طريقِ عمرِو بنِ مخُرَّم، ثنا عبدُ الوارثِ بهذا، وقالَ: "لا يُروى هذا الحديثُ عن أمِّ سلمةَ، إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بهِ: عمرُو بنُ مخرَّمٍ". كَذَا قَالَ! وَقَدْ تَابَعَهُ أَزْهَرُ بنُ مَروانَ كَما رَأيتَ، وانظُر بَقيةَ البحثِ في: "تَنبِيه الهَاجِد" (٢٧٣٨).

стр. 760

٢١١ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعجِبُهُ الصَّلَاةُ فِي الحِيطَانِ. • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ التِّرمذِيُّ (٣٣٤)، ومن طريقه ابنُ الأَبَّارِ في "مُعجَم أصحاب أبي علي الصَفَدِيِّ" (ص ٢٦١)، وأبو الشَّيخ في "ما رواه أبو الزُّبَير عن غير جابر" (رقم ٤٨ - بتحقيقي)، وابنُ عَديّ في "الكامل" (٢/ ٧١٨) من طريق أبي داوُد الطَّيَالِسِيِّ، ثنا الحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبي الزُّبَير، عن أبي الطُّفَيل، عن مُعاذٍ فذكره. وتابَعَهُ مُسلِمُ بن إبراهيم، عن الحَسَن بن أبي جعفرٍ بسَنَده سواء. أخرَجَهُ تَمَّامٌّ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (٢٨٣). قال التِّرمذِيُّ: "هذا حديث غريبٌ، لا نَعرِفُه إلَّا مِن حديث الحَسَن ابن أبي جعفرٍ. والحَسَنُ بن أبي جعفرٍ قد ضَعَّفه يحيى بن سعيدٍ وغيرُه". وقال ابنُ عَديٍّ: "وهذا لا يُعرَفُ رواه عن أبي الزُّبير غيرُ الحَسَن بنِ أبي جعفرٍ". والحَسَنُ هذا كان من المُتَعبِّدِين، مِمَّن غَفَل عن صِناعة الحديث، كما قال ابنُ حِبَّانَ، فآل فِيهِ الأَمرُ إلى سوءِ الحِفظ والغَفْلَة، حتَّى قال فيه البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث"، وضعَّفه أحمدُ، وابنُ المَدِينِيِّ، والنَّسَائِيُّ، والفَلَّاسُ، وغيرُهم. وقد فَسَّر أبو داوُد الطَّيَالِسِيُّ الحِيطان بـ: "البساتين".

стр. 761

٢١٢ - سُئلتُ عن حديث: "لَا تَصحَبُ المَلَائِكَةُ رُفقَةً فِيهَا جَرَسٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقد وَرَد من حديثِ أمِّ سلمة، وأبي هُريرَةَ، وأنَسٍ، وعائشَةَ، وغيرِهِم ﵃. أوَّلًا: حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ. فأخرَجَهُ النَّسائيّ في "الكبرَى" (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٦٩٣)، والخطيبُ في "تاريخه" (١٠/ ١١٠ - ١١١) مِن طريق عبد الله بن وَهبٍ، عن عَمرِو بن الحارث، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبد الله، عن سَفِينَةَ مولى أُمِّ سَلَمة، عن أُمِّ سَلَمة، عن النَّبيِّ ﷺ فذَكَره. وسَنَدُه صحيحٌ. وتُوبع عَمرُو بنُ الحارث .. تابَعَهُ عُقَيلُ بنُ خالدٍ، عن الزُّهريِّ مثلَهُ. أخرَجَهُ أبو يَعلَى في "المُسنَد" (٦٩٤٥)، وفي "المُعجَم" (٨٣) عن سَلَامةَ بنِ رَوحٍ .. والخَرائِطِيُّ في "المَساوِئ" (٨٥٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ٨٩٨) عن اللَّيثِ بنِ سعدٍ، كلاهُما عن عُقَيل بن خالدٍ بهذا.

стр. 762

وتابعه أيضًا مُحمَّدُ بنُ الوَليد الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهرِيِّ مثله. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ (٨٩٩) عن أبي النَّضر إسحاقَ بنِ إبراهيمَ .. وتمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٥٧٣) عن أبي مُسهِرٍ، قالا: ثنا يحيَى ابنُ حَمزةَ، قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ الوليد بهذا. وتُوج يحيَى بنُ حَمزَةَ .. تابَعَهُ عبدُ الله بنُ سالمٍ، عن الزُّبَيدِيِّ، أخبَرَنِي محُمَّدُ بنُ مُسلِمٍ الزُّهرِيُّ بهذا. أخرَجَهُ الطَّبرانِيُّ في "مُسنَد الشَّامِيِّين" (١٧٨٥) قال: حدَّثَنا عمرُو ابنُ إسحاق، ثنا أبي، ثنا عمرُو بنُ الحارث، عن عبدِ الله بنِ سالمٍ بهذا. وشيخُ الطَّبرانِيِّ هو عمرُو بنُ إسحاقَ بنِ إبراهِيم بنِ العَلاء: ما عرفتُهُ. وأبوه المعروف بـ"زِبرِيقَ" قال النَّسائِيُّ: "ليس بثقةٍ إذا رَوَى عن عمرِو بنِ الحارث" وهذا من روايَتِه عنه. وعمرُو بنُ الحارث هذا هو الحِمصِيُّ، ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٤٨٥) وقال: "مُستقيمُ الحديث"، لكن قال الذَّهَبِيُّ: "تفرَّد بالرِّواية عنه إسحاقُ بنُ إبراهيمَ زِبرِيقُ، ومولاةٌ له اسمها عُلوَةُ. فهو غيرُ معروفِ العدالةِ. وابنُ زِبرِيقَ ضعيفٌ". فلا تَثبُتُ هذه المُتابَعةُ إلى عبد الله بن سالمٍ. والإسنادُ الأوَّلُ أجوَدُ. والله أعلمُ. وللحديث طُرُق أُخرَى عن أُمِّ سَلَمة.

стр. 763

ثانيًا: حديثُ أبي هُريرَة. فأخرَجَه مُسلِمٌ (٢١١٣/ ١٠٣)، والنَّسائِيُّ في "كتاب الملائكة" - كما في "أطراف المِزِّيِّ" (٩/ ٣٩٥) -، وأبو داوُد (٢٥٥٥)، والتِّرمذِيُّ (١٧٠٣)، والدَّارِمِيُّ (٢٦٧٩)، وابنُ أبي شَيبةَ "المُصنَّف" (١٢/ ٢٢٨)، وأحمدُ (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، ٣١١، ٣٢٧، ٣٤٣، ٣٩٢، ٤٤٤، ٤٧٦، ٥٣٧)، والبزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١/ ٢١٢)، وابنُ خُزيمةَ (٢٥٥٣)، وأبُو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد ابنِ الجَعد" (٢٧٦٤)، وابنُ حِبَّانَ (٤٧٠٣)، والبَيهَقِيُّ (٥/ ٢٥٤)، وفي "الآداب" (٩٢٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١١/ ٢٥) من طرقٍ عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "لا تَصحَبُ الملائِكةُ رُفقَةً فيها كلبٌ أو جَرَسٌ". ورواه عن سُهَيلٍ: " أبُو عَوانَةَ، وحمَّادُ بنُ سَلَمَة، وزُهَيرُ بنُ مُعاوِية، وشَريكٌ النَّخْعِيُّ، وبِشرُ بنُ المُفضَّل، وخالدُ بنُ عبد الله الواسِطِيُّ". ثالثًا: حديثُ أنسٍ. فله طريق يأتي في: "حديث عائِشةَ". وله طريق آخَرُ .. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٤٦٩٩) .. وأبو الشَّيخ في "ما رواه أبو الزُّبَير عن غير جابرٍ" (٢٥) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ داوُد بنِ مَنصُورٍ ..

стр. 764

وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢١١)، قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ عبيد الله الخُوارَزمِيُّ خَتَنُ أبي الآذانِ الحافِظِ (١)، قال ثلاثتُهُم: حدَّثَنا أبو زُرعة الدِّمَشقِيُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ بكَّارِ بن بِلالٍ، عن سعيد بن بَشِيرٍ، عن أبي الزُّبير، عن أنسٍ مرفُوعًا: "لا تَقرَبُ المَلائِكَةُ عِيرًا فيها جَرَسٌ، ولا بَيتًا فيه جرَسٌ". قال الطَّبرانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن أبي الزُّبير إلَّا سعيدُ بنُ بَشيرٍ. تفرَّد به محُمَّدُ بنُ بكَّارٍ". • قلتُ: ومُحمَّدُ بنُ بكَّارٍ ثقة. وقد خُولِف، كما في: رابعًا: حديث عائشةَ. خالَفَهُ محُمَّدُ بنُ خالد بن عَثَمَةَ، قال: حدَّثَنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قَتَادة، عن زُرَارة بن أَوفَى، عن سعد بن هشامٍ، عن عائشة مرفُوعًا: "لا تَصحَبُ الملائكةُ رُفقةً فيها كَلبٌ أو جَرَسٌ". فجعله مِن: "مُسنَد عائشة". أخرَجَهُ الخَرَائِطِيُّ في "مساوئ الأخلاق" (٨٥٦) قال: حدَّثنا حمَّادُ ابنُ الحسَنِ بنِ عَنبَسَةَ، ثنا مُحمَّدُ بنُ خالدِ بنِ عَثَمَةَ بهذا الإسناد. وتابَعَهُ الوليدُ بنُ مَسلمٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ الطَّبرانِيُّ في "مُسنَد الشَامِيِّين" (٢٧٢٠) قال: حدَّثَنا إبراهِيمُ ابنُ دُحَيمٍ، ثنا أبي، ثنا الوليدُ بهذا.

стр. 765

والوليدُ يُدلِّسُ التَّسويةَ، ولم يُصرِّح لشيخِهِ. وتابَعَهُ أيضًا أبُو الجَماهِر محُمَّدُ بنُ عُثمانَ التَّنُوخِيُّ - وهو من الأثبات -، فرواه عن سعيدِ بنِ بشيرٍ بهذا، بلفظ: "لا تَقرَبُ الملائِكةُ رُفقةً فيها جَرَسٌ ولا جِلدُ نَمِرٍ". أخرَجَهُ ابنُ المُنذِرِ في "الأوسط" (٢/ ٢٩٩). وذِكرُ: "جِلد النَّمِر" فيه مُنكَرٌ. لكنَّ هذا الوجه هو المَحفُوظُ، وهو الذي تُوبع عليه سعيدُ بنُ بَشيرٍ على إسنادِهِ دون متنِهِ، كما يأتي إن شاء الله. وخُلاصَةُ القول أنَّ روايَةَ محُمَّدِ بنِ خالِدِ بنِ عَثَمَةَ أولَى من رواية محُمَّد ابن بكَّارٍ الذي جَعَل الحديثَ من مُسنَدِ أنَسٍ. وابنُ عَثَمَةَ لا بأس به، كما قال أحمدُ وأبُو زُرعةَ. وقال ابنُ حِبَّان: "رُبَّما أخطأ". • قلتُ: رُبَّما قَصَدَ ابنُ حِبَّان الحديثَ الذي أخرَجَهُ عبدُ الله بنُ أحمدَ (٤/ ٧٧)، والبَزَّارُ (١٠٦٨ - كشف) قالا: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ المُثَنَّى .. وابنُ أبي حاتِمٍ في "العِلل" (٨٣٩)، وأبُو نُعَيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٦٦٦٩) عن محُمَّد بن بشَّارٍ، قالا: ثنا محُمَّد بن خالدِ بن عَثَمَةَ، حدَّثني سعيدُ بنُ بشِيرٍ، عن قَتادَةَ، عن أبي قِلابَةَ، عن أبي الشَّعثاءَ، عن يُونُس ابنِ شدَّادٍ، أنَّ رسُول الله ﷺ نَهَى عن صَوم أيَّام التَّشريق. قال البزَّارُ: "لا نَعلَمُ أسنَدَ يُونُسُ بنُ شدَّادٍ إلَّا هذا، ولا نَعلَمُ له إسنادًا إلَّا هذا، ولَم يُتابَع محُمَّدُ بنُ خالِدٍ عليه". وسُئِل أبُو حاتِمٍ - كما في "علل ولده" (٨٣٩) - عن هذا الحديثِ،

стр. 766

فقال: "هذا إسنادٌ مُضطربٌ؛ "أبُو قِلابةَ، عن أبي الشَّعثاءَ": لا يَجيءُ. وذاك أن الذي يُعرَفُ: أبو الشَّعثاء جابرُ بنُ زيدٍ. وأبُو قِلابة عن جابر ابن زيدٍ يستحيلُ. ويُونُسُ بن شدَّادٍ لا نعرفُهُ". "قلتُ: فلعلَّ هذا الحديث هو الذي قال مِن أجله ابنُ حِبَّانَ في ابنِ عَثَمةَ: "يُخطِئُ"، وفي الإسناد سعيدُ بنُ بَشيرٍ، وهُو مُنكَر الحديث في قتادةَ خاصَّةً، فينبَغِي تَعصيبُ الجِنايَة به، لا بابنِ عَثَمَةَ، إلا أن يكون توبع سعيدُ بنُ بَشيرٍ، والله أعلم. وعِلَّةُ هذا الاضطرابِ - أعني: حديث الترجمة - هي مِن سعيد بن بَشيرٍ؛ فإنَّه ضعيف. وقال ابنُ عَديٍّ: "لا يُعرَف عن أبي الزبير إلا مِن حديث سعيد بن بَشيرٍ عَنهُ، ولا أَظنُّ أنَّه يُعرَف لأبي الزُّبير، عن أنسٍ، غيرُهُ". "قلتُ: كذا قال ابنُ عَدِيٍّ! وقد رَوَى أبُو الزُّبير عن أنَسٍ غيرَ هذا الحديثِ، كما بيَّنتُهُ في "تنبيهِ الهَاجِد" (٢٧٣٥). وقد خُولِف سعيدُ بنُ بَشِيرٍ في إسنادِهِ .. خالَفَهُ الأوزاعِيُّ، فرواهُ عن أبي الزُّبَير، عن سُليمانَ بنِ بَابَى، عن أُمِّ سَلَمَةَ مرفُوعًا: "لا تَصحَبُ الملائكةُ رُفقةً فيها جَرَسٌ". قالت: وسمعتُهُ يقولُ: "لا تَدخُلُ الملائكةُ دارًا فيها كلبٌ". أخرَجَهُ الدَّارَقطنِيُّ في "المُؤتَلِف والمُختَلِف" (ص:٢٣٣) قال: حدَّثَنا أبُو محُمَّدٍ ابنُ صاعدٍ، حدَّثَنا سُليمانُ بنُ سيفٍ، حدَّثَنا أيُّوبُ بنُ خالدٍ الحَرَّانِيُّ، حدَّثَنا الأوزاعِيُّ بهذا.

стр. 767

وهذا مُنكَرٌ عن الأوزاعِيِّ؛ وأيُّوبُ بنُ خالدٍ قال ابنُ عَدِيٍّ (١/ ٣٥٠): "حدَّث عن الأوزاعِيِّ بالمَناكِير" وخَتَمَ تَرجَمَتَهُ بقوله: "قلَّ ما يُتابِعُهُ عليه أحدٌ". وقال أبُو أحمدَ الحاكمُ: "لا يُتابَعُ في أكثر حديثِهِ". والصَّحيحُ في هذا ما رواه ابنُ جُرَيجٍ، قال: أخبَرَنِي سُليمانُ بنُ بَابَيْهِ مَولَى آلِ نَوفَلٍ، أنَّ أُمَّ سَلَمَة زوجَ النَّبِيِّ ﷺ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه جُلجُلٌ ولا جَرَسٌ. ولا تَصحَبُ الملائكةُ رُفقةً فيها جَرَسٌ". أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "المُؤتَلِف" (ص:٢٣٣) مُعلَّقًا، ووصَلَهُ النَّسائِيُّ في "المُجتبَى" (٨/ ١٨٠)، قال: أخبَرَنا يُوسُفُ بنُ سعيد بنِ مُسلمٍ، قال: حدَّثَنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ بهذا. وابنُ بَابَيْهِ لم يُوَثِّقهُ إلَّا ابنُ حِبَّان. ووقفتُ عليه في "الجَعدِيَّات" (٢٧١٦) لأبي القاسِمِ البَغَوِيِّ، قال: "وبه عن أبي الزُّبير، عن أُمِّ سَلَمَة. [قال:] كذا … [وساق الحديثَ] ". وأظُنُّ إسنادَهُ كهذا الذي عند النَّسائِي. والله أعلم. والصَّحيحُ في حديث زُرارَةَ بنِ أوفَى، عن سعد بن هِشامٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسول الله ﷺ أمَرَ بالأجراس أن تُقطَعَ من أعناق الإبل يوم بدرٍ. أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ١٥٠) .. وابنُ حِبَّان (٤٦٩٩) عن محُمَّد بنِ المُثنَّى، قالا: ثنا محُمَّدُ بنُ جَعفَرٍ، ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبَةَ، عن قتادةَ بهذا.

стр. 768

وسعيدُ بنُ أبي عَروبَةَ كان اختلَطَ، وروايَةُ غُندَرٍ عنه بعد اختلاطه. وتابَعَهُ محُمَّدُ بنُ بَكرٍ البُرسَانِيُّ، فرواه عن سعيدِ بنِ أبي عَروبَةَ بهذا. أخرَجَهُ إسحاقُ بنُ راهَوَيه (١٣١٥/ ٧٧٢). وابنُ بكرٍ ليس مِن قُدماء أصحابِ سعيدٍ. ولكن تابَعَهُمَا خالدُ بنُ الحارِث، قال: حدَّثَنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ بهذا، ولم يَقُل: "من أعناق الإبِل يوم بدرٍ". أخرَجَهُ النَّسائِيُّ في "كتاب السِّيَر" (٨٨٠٩ - الكُبرَى) قال: أنبأنا أبُو الأشعَثِ، قال: حدَّثَنا خالدُ بنُ الحارِثِ بهذا. وخالدُ بنُ الحارِثِ كان ممَّن سمع من سعيدٍ قبل الاختلاط، وهو أثبتُ النَّاس فيه. ولكن اختُلِفَ عليه .. فرواه أبُو الأشعث أحمدُ بنُ المقدامِ عنه، كما مَضَى. وخالَفَهُ القَعنَبِيُّ، فرواهُ عن خالد بنِ الحارث، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ، عن أنسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بقطع الأجراس. أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان (٤٧٠١) من طريق محُمَّدِ بنِ عبد الرَّحيمِ صاعقةٌ، قال: ثنا القَعنَبِيُّ بهذا، وصرَّح الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (ج ٥/ ق ١٣٤/ ٢) بأنَّ القَعنَبِيَّ وَهِمَ فيه. فهذا هو اللَّفظُ الصَّحيحُ في حديث عائِشَةَ، وليس ما ذَكَرَهُ سعيدُ بنُ بَشِيرٍ.

стр. 769

وقد اختُلِف على قتادةَ في إسنادِهِ. فرواه سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادَةَ هكذا. فجعله من: "مُسنَد عائشة". وخالفه هشامٌ الدَّستُوائِيُّ، فرواه عن قتادةَ، عن زُرارَةَ بنِ أوفَى، عن أبي هُريرَةَ مرفُوعًا: "لا تَصحَبُ الملائِكةُ رُفقةً فيها جَرَسٌ". فسَقَطَ ذِكرُ: "سعدِ بنِ هشامٍ"، وجَعَلَهُ من: "مُسنَد أبي هُريرَةَ". أخرَجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٨٨١٠) قال: أخبَرَنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ .. وأحمدُ (٢/ ٣٨٥، ٤١٤) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ المَدِينِيِّ، وعَفَّانُ بنُ مُسلِمٍ - فرَّقَهُما - .. وإسحاقُ بنُ راهَوَيه في "مُسنَده" (٢٨٠) .. والبزَّارُ (ج ٢/ ق ٢٣٠/ ٢) قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ عليٍّ .. والحَربِيُّ في "الغريب" (١/ ٨) قال: حدَّثَنا ابنُ أبي الأَسوَد، قال سِتَّتُهُم: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ الدَّستُوائِيُّ، حدَّثَنِي أبي بهذا. وخُولف مُعاذُ بنُ هشامٍ في إسنادِهِ .. خالَفَهُ وكيعُ بنُ الجرَّاح، قال: حدَّثَنا هشامٌ الدَّستُوائِيُّ بهذا الإسناد، موقُوفًا. أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في "المُصنَّف" (١٢/ ٢٢٩). وهذا الموقوفُ ليس بِعِلَّةٍ للمرفوع، بل قصَّر وكيعٌ. ويُحتَمَل أن يكون هذا من هشامٍ.

стр. 770

وعلى كُلِّ حالٍ فمِثلُ هذا لا يُقال بالرَّأي، فله حُكمُ المرفوع. وعندي أنَّ الحديث من: "مُسنَد أبي هُريرَةَ" أولَى. وهو صحيح على شرط الشَّيخَين. وهشامٌ الدَّستُوائِيُّ كان أثبتَ النَّاس في قتادَةَ، وكان شعبةُ يُفَضِّلُهُ على نفسه في قتادَةَ. فروايتُهُ أولَى من روايَة سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، لاسِيَّما وقد اختُلِف عليه فيها. ويُحتَمَلُ أن يكون الوجهان محفُوظَين. والله أعلمُ. وبعد كتابَةِ ما تقدَّمَ رأيتُ الدَّارَقُطنِيَّ روَى هذا الحديثَ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغَرائِب" (٥٠٢٢) - وقال: " تفرَّد به أبُو جُزَيٍّ، عن قتادَةَ، عن زُرارَةَ، عن أبي هُريرَةَ. واختُلِفَ على قَتَادَةَ في إسنادِهِ". • قلتُ: كذا قال! وقد رأيتَ أنَّ هشامًا الدَّستُوائِيَّ رواه عن قتادةَ هكذا. وأبُو جُزَيٍّ هذا اسمُهُ نَصرُ بنُ طَريفٍ. وهو مَترُوكٌ. وأخرَجَ عبدُ الله بنُ أحمدَ في "العلل" (٣١٢، ١٢٨٨)، وعنه الدُّولابِيُّ في "الكُنَى" (١/ ١٤٠) قال: حدَّثَنِي أبي، عن عفَّانَ، قال: جاء أبو جُزَيٍّ - واسمُهُ نصرُ بنُ طَريفٍ - إلى جَرِيرِ بن حازِمٍ يَشفَعُ لإنسانٍ يُحدِّثُهُ جَريرٌ، فقال جرير: "حدَّثَنا قتادةُ، عن أنسٍ، قال: كانت قَبِيعَةُ سيفِ رسول الله ﷺ من فِضَّةٍ". قال أبُو جُزَيٍّ: " كَذَبَ والله! ما حدَّثَناهُ قتادةُ إلَّا عن سعيد بن أبي الحَسَن". قال أبي - يعني الإمامَ أحمدَ -: "وهو قولُ أبي جُزَيٍّ - يعني أصاب -،

стр. 771

وأخطأ جَريرٌ" (١). وللحديثِ شواهدُ كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابة، استوفيتُ أحادِيثَهم مع الكلام على عِلَلِها في "تنبيه الهاجد" (٢٧٣٦). والحمدُ لله تعالى.

стр. 772

٢١٣ - سُئلتُ عن صحَّة ومعنى حديث: "الجَنَّةُ أَقرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِن شِرَاكِ نَعلِهِ، وَالنَّارُ مِثلُ ذَلِكَ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَه البُخاريُّ في "صحيحه" (١١/ ٣٢١)، وأحمدُ (١/ ٣٨٧)، وأبو يَعلَى (٥٢١١)، وعنه ابنُ حِبَّانَ (٦٦١)، والهَيثَمُ بنُ كُلَيبٍ في "المُسنَد" (٥١٤، ٥١٥)، والخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٣٧١) من طُرُقٍ عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذَكَرَه. وتابَعَهُ منصورُ بن المُعتَمِر، فرَوَاه عن أبي وَائلٍ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٤١٣)، والبَيهقِيُّ (٣/ ٣٦٨)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ١٢٥). وأخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٤٤٢)، وأبو يَعلَى (٥٢٨٠)، من طريق عبد الرَّحمن ابن مَهدِيٍّ، عن سُفيان الثَّورِيِّ، عن الأعمش، ومَنصُورٍ معًا، عن أبي وائلٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا. * أمَّا معنى الحديث. فإنَّ الطَّاعةَ أو المعصيةَ قد تكُونُ في أيسَرِ الأشياءِ، فإنَّك لا تَدرِي ما هي الحسَنَةُ التي يرحَمُكَ اللهُ بها، رُبَّما كانت في شيءٍ تَزهَدُهُ، ولا تدري أيضًا السِّيّئَةَ التي تَعْطَبُ بها، رُبَّما تناهت في الصِّغَرِ في عَينِك. فلا تَزهَدَنَّ

стр. 773

في قَليلِ الخَيرِ أن تَأتِيَهُ، ولا في دَقِيقِ الشَّرِّ أن تجتنبه. وما أجمَلَ ما قالَهُ ابنُ القَيِّمِ في كتاب "الفَوائِد" حولَ هذا المعنَى .. قال ﵀ عن التَّهاوُن في المعَاصِي: "يا مغرُورًا بالأَمَانِي! لُعِنَ إبليسُ وأُهبِطَ مِن مَنزِلِ العِزِّ بِتَركِ سجدَةٍ واحدةٍ أُمِرَ بها. وأُخرِجَ آدمُ من الجَنَّة بلُقمَةٍ تناوَلَها. وحُجِب القاتِلُ عنهَا - يعني: عن الجَنَّة - بعد أن رَآهَا عَيَانًا بملءِ كفّ من دَمٍ. وأُمِرَ بقتل الزَّانِي أشنَعَ القِتلَاتِ بإيلاجِ قَدرِ الأُنمُلَةِ فيما لا محلُّ. وأُمر بإِيسَاعِ الظَّهرِ سِياطًا بكلمةِ قَذفٍ أو بقطرةٍ من مُسكِرٍ. وأَبَانَ عُضوًا من أعضائِكَ بثلاثةِ دَراهِمَ! فلا تأتَمِنْهُ أن يَحبِسَكَ في النَّار بمعصيةٍ واحدةٍ من مَعاصِيه ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. "دَخَلَت امرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ"، و"إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمَةِ لا يُلقِي لها بالًا يَهوِي بها في النَّارِ أبعَدَ ما بين المَشرقِ والمَغربِ"، و"إنَّ الرَّجُل لَيَعَملُ بطَاعةِ الله سِتِّين سَنَةً، فإذا كان عندَ الموتِ جَارَ في الوَصِيَّةِ فيُختَمُ له بسُوءِ عَمَله فيدخُلُ النَّارَ". العمرُ بآخِرِهِ، والعَمَلُ بخاتِمتِهِ. مَن أَحْدَثَ قبل السَّلامِ بطَلَ ما مضَى مِن صلاتِهِ. ومن أَفطَرَ قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ ذَهَبَ صِيامُهُ ضائِعًا. ومَن أسَاءَ فِي آخرِ عُمُرِهِ لقِيَ ربَّهُ بذلك الوجهِ. لو قَدَّمتَ لُقمَةً وَجدتَهَا، ولكن يُؤذِيكَ الشَّرَهُ. كم جاء الثَّوابُ يَسعَى إليكَ فوَقَفَ بالباب، فرَدَّهُ بَوَّابُ "سوفَ"، و"لعلَّ" و"عَسَى"!

стр. 774

كيف الفَلاحُ بينَ إيمان نَاقِصٍ، وأملٍ زائدٍ، ومَرَضٍ لا طبيبَ لَهُ ولا عائِدَ، وهَوً ى مُستَيقِظٍ، وعَقلٍ راقِدٍ، ساهيًا في غَمرَتِهِ، عَمِهًا في سَكرَتِهِ، سابحًا في لُجَّةِ جَهلِهِ، مُستَوحِشًا من رَبِّه، مُستأنِسًا بخَلقِهِ، ذِكرُ النَّاسِ فَاكهَتُهُ وقُوتُه، وذِكرُ الله حَبسُهُ ومَوتُهُ، لله مِنهُ جُزءٌ يسيرٌ من ظاهِرِهِ، وقَلبُهُ ويقِينُهُ لغيرِهِ؟! لا كان مَن لِسِوَاكَ فيه بقيَّةٌ … يَجِدُ السَّبيلَ بها إليه العُذَّلُ" • قلتُ: وكذلك عَمَلُ البِرُّ. فرُبَّ شيءٍ يسِيرٍ يكُونُ سببًا في نجاتِكَ، وأنت لا تَدرِي. فقد أَخرَجَ ابنُ أبي شَيبةَ في "المُصنَّف" (١٣/ ١٨٤ - ١٨٥)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ في "الحِليَةِ" (١/ ٢٦٣)، وابنُ قُدامَة في "كتاب التَّوَّابِين" (ص ٧٦ - ٧٧) قال: حدَّثَنا مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ، عن أبيه، قال: حدَّثَنا أبو عُثمانَ، عن أبي بُردَةَ، قال: لمَّا حَضَرَ أبا مُوسَى الوفاةُ، قال: يا بَنيَّ! اُذكُرُوا صاحبَ الرَّغِيف. قال: كان رجُل يتعبَّدُ في صَومَعَتِه - أُراهُ قال: سبعِينَ سنةً - لا يَنزِلُ إلَّا في يومِ أَحَدٍ. قال: فنزلَ في يومِ أَحَدٍ. قال: فَشُبِّه أو شَبَّ الشَّيطَانُ في عينه امرأةً، فكان مَعَها سَبعَةَ أيَّامٍ وسَبعَ لَيالٍ. قال: ثُمَّ كُشِفَ عن الرَّجُلِ غطاؤُهُ فخَرَج تائبًا، فكان كُلّما خَطَا خُطوَةً صلَّى وسَجَدَ. قال: فآوَاهُ اللَّيلُ إلى دُكَّانٍ عليه اثنا عَشَر مِسكِينًا، فأدَركَهُ الإِعيَاءُ، فرَمَى بنفسه بين رَجُلَين مِنهُم. وكان ثَمَّ راهبٌ يَبعَثُ إليهم كُلَّ ليلةٍ بأَرغِفَةٍ، فيُعطِي كُلَّ إنسانٍ رَغيفًا، فجاء صاحِبُ الرَّغيفِ، فأعطَى كُلَّ إنسانٍ رغيفًا، ومَرَّ على ذلك الذي خَرَج تائبًا، فظَنَّ أنَّهُ مِسكينٌ،

стр. 775

فأعطَاهُ رَغِيفًا، فقال المَترُوكُ لصاحب الرَّغيف: "مالَكَ لم تُعطِنِي رَغِيفِي؟ ما كان إليَّ عَنهُ غنًى! "، قال: "تُرانِي أُمسِكُهُ عنكَ؟ " فسألَ: "هل أعطيتُ أَحَدًا منكم رَغِيفَين؟ "، قالوا: "لا"، قال: "إنِّي أُمسِكُ عنكَ؟! والله لا أُعطِيك شيئًا اللَّيلةَ". قال: فعَمَدَ التَّائبُ إلى الرَّغيفِ الذي دَفَعَهُ إليه، فدَفَعَهُ إلى الرَّجُل الذي تُرِكَ. فأَصبَحَ التَّائبُ ميِّتًا، فوُزِنَت السَّبعُون سَنةً بالسَّبع اللَّيالي فلم تَزِنْ. قال: فوُزِن الرَّغِيفُ بالسَّبعِ اللَّيالي. قال: فرَجَحَ الرَّغيفُ. فقال أبو مُوسى: يا بَنِيَّ! اذكُرُوا صاحبَ الرَّغِيف. وهذا إسنادٌ قويٌ. وأخرَجَ ابنُ أبي شَيبَة في "الزَّكاة" (٣/ ١١١)، وفي "ذِكرِ رَحمةِ الله" (١٣/ ١٨٤) .. والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٢٤٨٨) عن العبَّاسِ بنِ محُمَّدٍ الدُّورِيِّ، قالا: ثنا أبُو داوُد الحَفرِيُّ عُمرُ بنُ سَعدٍ، عن سُفيانَ، عن سَلَمَةَ، عن أبي الزَّعْرَاءِ، عن عبدِ الله: أنَّ راهبًا عَبَدَ اللهَ في صَومَعَتِهِ سِتِّين سنةً، فجاءت امرأةٌ فنَزَلَت إلى جَنبِهِ، فنزلَ إليها فوَاقَعَهَا لِستَّ ليالٍ، ثُمَّ أُسقِط في يَدِهِ، فهَرَب، فأتي مَسجِدًا، فأَوَى إليه، فمَكَثَ ثلاثًا لا يَطعَمُ شيئًا، فأُتي برَغِيفٍ، فكَسَر نِصفَهُ، فأَعطَى نصفَهُ رجُلًا عن يَمِينِهِ، وأعطى آخرَ عن يَسارِهِ، فبَعثَ اللهُ إليه مَلَكَ الموتِ فقَبَضَ رُوحَهُ، فوُضِعَ عملُ السِّتِّين سنَةً في كِفَّةٍ، ووُضِعت السَّيِّئةُ في كِفَّةٍ، فرَجَحَت السَّيِّئةُ، ثُمَّ جِيءَ بالرَّغيف فرَجَحَ بالسَّيِّئةِ.
следующие страницы →