← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

معناه: لَزِمَ الرِّواية بهذا الإسناد. وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ"، وضَعَّفَهُ أحمدُ. وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "مَترُوكٌ، وأحاديثُهُ تُشبِهُ الموضُوعة". وقال ابنُ حِبَّانَ: "يَروِي عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مَسعُودٍ نُسخةً كأنَّها موضُوعةٌ". وقال ابنُ عَديٍّ: "وهذه الأحاديثُ عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مَسعُودٍ ليست بمُستقيمَةٍ، ولا يُتابَع عليها". فالرَّاجِحُ أن الرَّجُل واهٍ، كما قال الذَّهَبيُّ. أمَّا الحافظ ابن حَجَرٍ، فقد تَسَاهَل في الحُكم عليه، فقال في "التَّقريب": "ضعيفٌ"!!

стр. 842

٢٤٠ - سُئلتُ عن حديث: "أَنتُم فِي زَمَانٍ، مَن تَرَكَ مِنكُم عُشرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، وَسَيَأتِي زَمَانٌ، مَن عَمِلَ مِنهُم بِعُشرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ التِّرمذيُّ (٢٢٦٧)، ومن طريقه الذَّهَبيُّ في "تَذكِرَة الحُفَّاظ" (٢/ ٤١٨)، والطَّبَرانيُّ في "الصَّغير" (١١٥٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٣١٦)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٤٨٣)، والسَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجانَ" (ص ٤٦٤)، وتَمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٧٢١) من طُرُقٍ عن نُعيم بن حَمَّادٍ، عن سُفيان بن عُيَينَة، عن أبي الزِّنَاد، عن الأَعرَجِ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَه. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعرِفُه إلَّا من حديث نُعيمٍ، عن سُفيان". وقال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِهِ عن سُفيان إلَّا نُعيمٌ". وكذلك قال ابنُ عَديٍّ، وأبو نُعيمٍ. وقال الذَّهَبيُّ: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ، لا أصل له مِن حديث رسُول الله ﷺ ، ولا شاهدَ، ولم يَأتِ به عن سُفيانَ سِوى نُعيمٌ، وهو مع إِمَامَتِه، مُنكَرُ الحديث".

стр. 843

ونقل ابن الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٦٩) عن النَّسَائِيِّ، أنَّهُ قال: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ، رواه نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ، وليس بثِقَةٍ". • قلتُ: ولا يُحتَمَلُ لنُعيمِ بن حَمَّادٍ التَّفرُّدُ بهذا الإسناد النَّظِيفِ. وقد بَيَّن الذَّهَبيُّ في "سِيَر النُّبلاء" (١٠/ ٦٠٦) كيف وَقَعَ لنُعَيمِ بن حمَّادٍ هذا الوَهَمُ، فقال: "وتفرَّد نُعيمٌ بذاك الخَبَرِ المُنكَر: حدَّثَنا سُفيان … - وذَكَرَ الحديثَ. ثُمَّ قال الذَّهَبيُّ: - فهذا ما أَدرِي: مِن أين أتى به نُعيمٌ؟! وقد قال نُعيمٌ: "هذا حديثٌ يُنكِرُونَه، وإنَّما كُنتُ مع سفيانَ، فمرَّ شيءٌ، فأنكَرَهُ، ثُمَّ حدَّثَني بهذا الحديث". قلتُ: هو صادقٌ في سَمَاع لفظ الخَبَر من سُفيان. والظَّاهرُ، واللهُ أعلَمُ، أن سُفيان قالَه مِن عندِهِ، بلا إسنادٍ، وإنما الإسنادُ قاله لِحَدِيثٍ كان يُريدُ أن يَروِيَهُ، فلمَّا رَأَى المُنكَرَ تَعجَّب، وقال ما قال عَقِبَ ذلك الإسناد، فاعتقدَ نُعيمٌ أن ذاك الإسنادَ لهذا القول. واللهُ أعلَمُ" ا. هـ. وتعَقَّبَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ بعضَ ما قاله الذَّهَبيُّ، فقال في "النُّكَت الظِّراف على الأطراف" (١٠/ ١٧٣): "قرأتُ بخطِّ الذَّهَبيِّ: "لا أصل له ولا شاهدَ، ونُعيمُ بنُ حَمَّادٍ مُنكَرُ الحديث، مع إمامته". قُلْتُ: بل وَجَدتُ له أصلًا، أخرَجَهُ ابنُ عُيينة في "جامعه"، عن معرُوفٍ المَوصِليِّ، عن الحسَن البَصِريِّ به مُرسَلًا، فيُحتَمل أن يكون نُعيمٌ دَخَلَ له حديثٌ في حديثٍ" ا. هـ. • قلتُ: وقد سُئل أبو حاتمٍ الرَّازيُّ - كما في "العِلل" (٢/ ٤٢٩) لولَدِه - عن حديث نُعيمِ بن حَمَّادٍ هذا فقال: "هذا عندي خطأٌ، رواه

стр. 844

جَريرٌ، ومُوسى بنُ أَعيَنَ، عن ليثٍ، عن معرُوفٍ، عن الحَسَن، عن النَّبيِّ ﷺ : مُرسَلٌ". وأخرَجَهُ أبو عَمرٍو الدَّانِيُّ في "الفِتَن" (٢٢٩) من طريق إبراهيم بن مُحمَّدٍ، عن ليث بن أبي سُليمٍ به مُرسلًا. وقد وجدتُ له شاهدًا من حديث أبي ذَرٍّ ﵁. أخرَجَهُ أَحمدُ (٥/ ١٥٥) قال: حدَّثَنا مُؤَمَّلٌ، ثنا حمَّادٌ، ثنا حجاجٌ الأسودُ - قال مُؤَمَّلٌ: وكان رجُلًا صالحًا -، قال: سَمِعتُ أبا الصِّدِّيقِ، يُحدِّث ثابتًا البُنَانِيَّ، عن رَجُلٍ، عن أبي ذَرٍّ مرفُوعًا: "إِنَّكُم في زمانٍ، عُلمَاؤُهُ كثيرٌ، خُطَبَاؤُهُ قليلٌ، من تَرَكَ فيه عُشَيرَ ما يَعلَمُ هَوَى - أو قال: هَلَكَ -، وسَيَأتِي على النَّاس زَمَانٌ، يَقِلُّ عُلماؤُهُ، ويكثُر خطباؤُه، مَن تَمَسَّك فيه بِعُشَير ما يَعلَمُ نجا". وقد اختُلف في إسناده .. فأخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٣٧٤) قال: "وقال إسحاقُ - هو ابنُ راهوَيه -: حدَّثَنا المُؤَمَّلُ، سمِعَ حمَّادَ بنَ سَلَمة، سَمِعَ حجَّاجًا الأسود، يُحدِّث ثابتًا، عن أبي الصِّدِّيق، عن أبي ذرٍّ، مرفوعًا - نحوه - ". ووَجهُ الاختلاف، أنَّهُ في رواية أحمدَ أن أبا الصَّدِّيقِ هو الذي كان يُحدِّثُ ثابتًا، وفي رواية البُخاريِّ أن حجاجًا الأسودَ هو الذي كان يُحدِّث ثابتًا، بحضرة أبي الصِّدِّيق. ووقعت واسطةٌ بين أبي الصِّدِّيق، وأبي ذرٍّ في رواية أحمدَ، بينما خَلَت روايةُ البُخاريِّ منها.

стр. 845

وقد أخرَجَهُ البُخاريُّ أيضًا، قال: قال إبراهيمُ بنُ مُوسى. . والهَرَوِيُّ في "ذَمِّ الكلام" (١٠٠) من طريق عليِّ بن خَشرَمٍ، قالا: ثنا عِيسَى بنُ يُونُس، سمع حجَّاجَ بن أبي زيادٍ الأسودَ، قال: حدَّثَني أبو نَضرَة، أو أبو الصِّدِّيق - شكَّ حجَّاجٌ -، عن أبي ذَرٍّ مرفُوعًا نحوَه. فهذه الرِّواية تُؤَيِّدُ - في الجُملة - رِوايَةَ إسحاقِ بن رَاهَوَيه المُتقدِّمةَ، بإِسقاط الوَاسِطَة، ولكقْ وَقَعَ فيها الشَّكُّ من حجَّاجٍ الأسودِ، وهذا عندي اختلافٌ مُؤَثِّرٌ، يُضَعَّفُ به الحديثُ. والعلمُ عِند الله تعالَى. (تنبيهٌ) وبعد كتابةِ ما تَقَدَّم بزَمانٍ، وقفتُ على كتاب "المُداوِي" لأبي الفَيض الغُمارِيِّ، فوجدتُه نقل كلامَ الذَّهَبِيِّ في نَكارَة الحديثِ، وأنَّه ليس له أصلٌ ولا شاهدٌ، فعلَّق عليه قائِلًا (٢/ ٥٦٠): "كذا قال! وهو ظُلمٌ وإسرافٌ؛ وليس في الحديثِ ما يُنكَرُ، بل الحالُ والواقعُ شاهدٌ له؛ فإنَّ السَّلفَ الصَّالح ولا سيَّما الصَّحابة لو رأوا زمانَنَا وأعمالَنا لَحَكموا علينا بالرِّدَّة! نعُوذُ بالله من سُوء القَضاء" انتهَى. • قلتُ: ونحنُ نعُوذ بالله من مخالَفة قانُون العِلم بلا مُستنَدٍ، إلَّا بالهَوَى والتَّشهِّي، فإنَّ تصحيحَ الحديثِ بواقعِ الحالِ مع قطعِ النَّظَر عن رِعايَة الاصطلاح لم يَقُل به أحدٌ ممَّن يُرجَع إلى قوله من أهل العِلم. والغُماريُّ متناقِضٌ في هذا جِدًّا، فقد رأيتُه في مواضعَ عديدةٍ من "المُداوِي" يُصحِّح الأحاديثَ المُنكَرَةَ بأنَّ الواقعَ يشهَدُ لمعناها، وفي مرَّاتٍ أخرى

стр. 846

ينتقد من يُصحِّحُ بالذَّوق دُون مراعاةٍ لعُلوم الحديث. ولو سلَكنا هذا المَسلَكَ فسوف نُصحِّحُ المئاتِ، بل الألوفَ، من الأحاديثِ المَوضُوعة والباطلةِ؛ فمُتُون هذه الأحاديثِ تلتقي مع الأُصول العامَّة للشَّريعة، فهل يُمكنُ مثلًا أن نُصحِّحَ حديثَ: "من أَخَذ مالًا من نَهاوِشَ أذهَبَهُ اللهُ نَهابرَ" وهو حديثٌ موضوعٌ، ومعناه: من أخَذَ مالًا من غير حِلِّه أذهَبَه اللهُ هَدَرًا ولم ينتفع به صاحبُه؟ فهذا المعنَى يُوجَدُ في عموم آياتٍ وأحاديثَ، وأنَّ الله يعاقِبُ صاحبَ المالِ الحرامِ بالابتلاء، وقد رأينَا عشَراتِ الحِكاياتِ التي تدُلُّ على ذلك، فهل يُمكنُ أن نُصحِّحَ هذا الحَديثَ مع قطع النَّظر عن إسنادِه لأنَّه يوافِقُ الواقعَ؟! وقد رأيتُ الغُماريَّ يقوِّي الأحاديثَ بناءً على هذا الأصلِ الباطِل في مَواضعَ من "المُداوِي"، أَذكُر لك بعضَها ليس على سبيل الحَصر. فمن ذلك: أن السِّيوطِيَّ ذكر في "الجامِع الصَّغير" حديثَ: "اقرؤوا على موتاكم ﴿يس﴾، فقال الغُماريُّ (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): "قال الشَّارحُ: "لاشتِمالِها على أحوالِ البَعث والقِيامةِ، فيتذكَّر ذلك بها. أو المُرادُ: اقرؤوها عليه بعد موتِه. والأَوْلَى الجمعُ. قال ابنُ القيِّم: وخَصَّ ﴿يس﴾ لما فيها مِن التَّوحِيد والميعادِ والبُشرَى بالجنَّة لأهل التَّوحيد، وغِبطَةِ مَن مات عليه؛ لقوله: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] ". قلتُ [القائلُ الغُماريُّ]: الأَولَى تعليلُ قراءَتِها بالوارِد، فقد قال أبُو نُعَيمٍ في "التَّاريخ": "حدَّثَنا القاضي مُحمَّدُ بنُ أحمد بن إبراهِيم، ثنا إبراهِيمُ

стр. 847

ابن بُندَارَ، ثنا مُحمَّدُ بنُ يحيى بن أبي عُمرَ، ثنا عبدُ المَجيد بنُ أبي رَوَّادٍ، عن مُوَقَّرِيِّ بن سالمٍ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن شُريح، عن أبي الدَّرداء، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : ما مِن ميِّتٍ يموتُ فيُقرأ عنده ﴿يس﴾ إلَّا هَوَّن الله عليه"، ويُؤَيِّدُ هذا ما حكاه الشَّارَحُ نفسُه في "الكبير"، عن ابن العَربيِّ، أنَّه قال: مرضتُ وغُشِي عليَّ وعُدِدتُ من المَوتَى، فرأيتُ قومًا كَرَشِّ المطَرِ يريدُون أذِيَّتي، ورأيتُ شخصًا جميلًا طيِّبَ الرَّائحةِ شديدًا، دفَعَهُم عنِّي حتَّى قَهَرَهُم، فقلتُ: "مَن أنتَ؟! "، قال: "سُورَةُ ﴿يس﴾ "، فأفقتُ، فإذا بِأَبِي عِند رأسي وهو يبكي وَيقرأُ ﴿يس﴾ وقد خَتَمَها. انتهَى. وأيضًا، فإنَّ الميِّت في حالة الاحتِضار لا يكُون غالبًا مِن أهل الفهم والتَّدبُّر؛ لا هو فيه مِن أَلَم الموتِ وكُرَبِه وهوله، بل الشَّارحُ قد اختار الجمعَ وهو قراءَتُها على الميِّت بعد مفارَقة الرُّوْح، كما يُفيدُه عمُومُ لفظ الحديث ويُصَرِّح به حديثُ أبي الدَّرداء، فبطَل التَّعليلُ بما قالَه ابنُ القيِّم واعتَمَده الشَّارحُ" انتهَى. • قلتُ: فانظُر، يرحمُكَ اللهُ، كيفَ ردَّ تعليلَ ابن القَيِّم بأنَّ الأَوْلَى في التَّعليل اعتِمادُ ما جاء به النَّصُّ وعبَّر عنه بـ "الواردِ"، ثمَّ ساق هذا "الواردَ" بإسناده، وأيَّد صِحَّة هذا "الوارِدِ" بمنامٍ رآه بعضُ النَّاس. مع أن الحديث الذي أورَدَه باطلٌ؛ ومُوَقَّرِيُّ بنُ سالمٍ هذا لم يُخلَق، وهو مصحَّفٌ عِندي من "مَرْوان بن سالمٍ"، وكتابُ أبي نُعيمٍ ليس تحت يديَّ وأنا أكتبُ هذا الكلامَ حتى أُراجع الإسنادَ فيه، لكنَّني أجزِمُ أن صِحَّةَ الاسم: مَرْوان.

стр. 848

ومروانُ بنُ سالمٍ هذا ساقطٌ، كذَّبه السَّاجِيُّ وقال: "يضع الحديث"، وكذلك قال أبو عَروبَة، وَتَرَكه النَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ، وقال النَّسائِيُّ وأحمدُ وابنُ مَعِينٍ والعُقَيليُّ: "ليس بثقةٍ"، وقال البُخارِيُّ ومُسلمٌ وأبو حاتمٍ الرَّازِيُّ والفَسَوِيُّ وأبو نُعَيمٍ الأصبَهانِيُّ: "مُنكَرُ الحديث"، زاد أبُو حاتمٍ: "جِدًّا"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "عامَّة حديثِهِ لا يُتابِعُهُ الثِّقاتُ عليه"، والكلام فيه طويلُ الذَّيل. فهل يُمكن أن يُقوَّى هذا الحديثُ برُؤيا منامٍ رآه إنسانٌ مهما بَلَغَ صلاحُهُ؟! وقد اتَّفق أهلُ العِلم أنَّه لا تُؤخَذُ أحكامٌ شرعيَّةٌ من المنامات. فلو أن المُسلمين اختلَفُوا في أوَّل يوم من رمضانَ، فرأى رجلٌ النَّبيَّ ﷺ في منامه رُؤيَا صِدقٍ، وقال له: "غدًا أوَّلُ رمضانَ" فلا يَلزَمُ هذا الرَّجُلَ أن يَصوم، ولا يَلزمُ المسلِمين أن يصوموا لهذه الرُّؤيا. والله أعلم. ومن ذلك أيضًا: أن السِّيوطِيَّ أَورَدَ في "الجامِع" حديثَ: "أقلُّ ما يُوجَدُ في أُمَّتِي في آخِر الزَّمان دِرهمٌ حلالٌ، أو أخٌ يُوثَقُ به"، فقال الغُماريُّ (٢/ ١٣٧): "قال الشَّارِح في "الكبير": "قال ابنُ الجَوزِيِّ: هذا لا يَصِحُّ؛ قال يحيى: "يزيدُ بنُ سِنانَ - أحَد رِجالِه - غيرُ ثقةٍ"، وقال النَّسائِيُّ: "متروكُ الحديث"، ومِن تمَّ رَمَزَ المصنِّفُ لضعفه". قلتُ [القائلُ الغُماريُّ]: لا يَلزَم من ضعفِ السَّند ضعفُ الحديثِ؛ فإنَّ الواقعَ يشهَدُ بصِدقِ هذا الحديثِ، فأقلُّ ما يوجَدُ اليومَ دِرهمٌ حلالٌ

стр. 849

لكثرة مُعامَلات الرِّبا وأخذِ الرَّشاوي والأموالِ بالباطِل، وأخٌ يُوثَق به لكَثرة الجواسيس وتحاسُدِ النَّاس وتَبَاغُضِهم ومحَبَّةِ إفشاء الأسرار وتتبُّع العَوْرات وإيصالِها إلى الأعداء. فلا حَول ولا قُوَّة إلَّا بالله" انتهَى. • قلتُ: فهل رأيتَ مِثلَ هذا قطُّ؟! حديثا فيه متروكٌ، فيقُول: "لا يَلزَم تضعيفُ الحديثِ به؛ لأنَّ الواقع يشهَدُ له"! فما فائِدةُ علم الحديث إذن؟! ونقولُ للغُمارِيِّ ما قاله هُو في "المُداوي" (٢/ ٢٤٣) وهو يتَعقَّبُ المُناويَّ إذ حسَّن إسنادَ حديثٍ منكَرٍ، قال: "أخَذَ هذا [يعني: المُناوِيَّ] من قول العامِرِيِّ في "شرح الشِّهاب" كما صرَّح به في "الكبير". والعَامِرِيُّ يُصحِّحُ الحديثَ بحسب ذَوقِه وهواه، غيرَ مُرتَكِنٍ في ذلك إلى قاعدةٍ حديثِيَّةٍ، ولا ناظِرٍ إلى إسنادٍ، فهو كالشَّارح مِن أعجَب مَن رأينا من الرِّجال المُتكَلِّمين على الأحاديث" انتهَى. والذي اتَّفق عليه العُلماءُ أنَّه لا يُنظَرُ في المَتن إلَّا بعد النَّظَر في الإسناد؛ فعليه المُعوَّلُ. وما أجمل ما خَتَم به الذَّهَبِيُّ ترجمةَ يحيى القَطَّان من "السِّير" (٩/ ١٨٨)، إذ نقل عن مُحمَّد بن عبد الله بن عمَّارٍ، قال يحيى بنُ سعِيدٍ: "لا تَنظُروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صحَّ الإسنادُ، وإلَّا فلا تغتَرُّوا بالحديث إذا لم يصحّ الإسنادُ". ومن ذلك أيضًا: أن السِّيُوطِيَّ أورَدَ حديث: "أكذبُ النَّاس الصَّبَّاغون والصَّوَّاغُون"، فقال الغُمارِيُّ (٢/ ١٧٤ - ١٧٥):

стр. 850

"وهُو في نَقدِي حديثٌ باطلٌ موضوعٌ، ما نَطَق به رسولُ الله ﷺ ولا رواه عنه أبُو هُريرةَ. وكيفَ ينطِقُ مَن لا يَنطِق عن الهَوَى بما يُخالِف الواقِعَ؟! فما الصَّوَّاغُون والصَّبَّاغُون بأكذبِ النَّاس، ولا هُم مخَصُوصون بذلك مِن بين سائر الصُّنَّاع. وإذا كان يُرَدُّ بِمِثل هذا ولو كان مِن رواية الثِّقة، بل من رواية الآحاد، فكيف به وهُو مِن رواية الضُّعفاء والمَترُوكين؟ [ثمَّ خَتَمَ بحثَه بذِكر لفظِ الدَّيلَمِيِّ، يقول: "أكذَبُ النَّاس الصُّنَّاع"، فقال:] وفي هذا السَّنَد ضُعفاءُ، على أنَّه أعمُّ مِن الذي قبله، وفيه مُوافَقةٌ للواقع، ومع ذلك فإنِّي أجزِمُ ببُطلانِه أيضًا، وأنَّه ما خرج من شفتي النَّبيِّ ﷺ " انتهَى. • قلتُ: كذا قال! ومُخالَفةُ الواقِع أمرٌ نِسبيٌّ يخضعُ للمَفهوم، والمَفهُومُ لا يَنحَصِر، وقد يَتَوَهَّمُ المرءُ الشَّيءَ ولا يكونُ كما توهَّمَه. فيَرُدُّ حديثَ الثِّقة بمثل هذا، وفي هذا جِنايَةٌ على النُّصوص. وقد ردَّ الغُمارِيُّ رواياتٍ لثقاتٍ مشهورين بهذا الأصل الباطِل. ونحنُ نوافقه على أن حديث: "أكذَبُ النَّاس الصَّبَّاغون. . ." باطلٌ موضوعٌ. لكن لو توهَّمنا - جَدَلًا - أن الحديث صحيحٌ، فيُمكنُ تأويلُ دلالته، بأنَّ أفعلَ التَّفضيل هنا خَرجَ على غير بَابِهِ، وإلَّا لَلَزِمَنَا أن نرُدَّ حديثَ: "ما أقَلَّت الغَبراءُ ولا أظلَّت السَّماءُ أصدقَ لهجةً مِن أبي ذَرٍّ" وما أشبهَهُ. فلقائلٍ أن يقول: هذا كَذِبٌ، وإلَّا فأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ أصدقُ منه، فكيف يفوقُهُ أبُو ذَرٍّ في شيءٍ صار لقبًا عليه وهو "الصِّدِّيق"؟ ولكن للعُلماء في هذا تأويلاتٌ سائغةُ تُراجَع من مَظانِّها.

стр. 851

ومن ذلك أيضًا: أن السِّيُوطِيَّ ذكر حديث: "اللهُمَّ! لا يُدركني زمانٌ، ولا تُدرِكوا زمانًا، لا يُتَّبَعُ فيه العليمُ، ولا يُستَحيا فيه من الحَليم، قُلوبُهُم قُلوبُ الأعاجم، وألسِنَتُهُم ألسنةُ العَرَب"، قال الغُماريُّ (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦): "قال الشَّارحُ: "بإسنادٍ ضَعَّفوه". قلتُ: ليس هو بضعيفٍ، إنَّما هو مِن رواية ابن لهَيعَة، وحديثُهُ حَسَنٌ إذا لَم يُخالَف فيه، لاسيَّما إذا كان له شاهدٌ أو صدَّقه الواقعُ، كهذا. فإنَّ الزَّمان الذي وَصَفَهُ النَّبيُّ ﷺ هو هذا، فإنَّه لا يُتَّبعُ فيه العليمُ، ولا يُستَحى فيه من الحليمِ، بل رفع الله من أهلِهِ الحَياءَ واحترامَ أهلِ الفضل والدِّين، وعدم الالتفات للعُلماء، بل أصبَحَ العليمُ فيه مرذولًا محتَقَرًا، لاسِيَّما الطَّائفةُ العَصْريَّةُ فإنَّهم لا يُقيمون للدِّين وأهله وزنًا، ولا يَرضَون عِلمَ عالِمٍ ولا إرشادَ مُرشِدٍ، بل يَرَون الحقَّ ما هُم عليه من التَّفَرنُج والفُجور والإلحاد والفِسقِ والكُفور، قلوبُهُم قلوبُ الأعاجمِ، وهَوَاهم هوى الفِرِنجِ، وحالُهُم حالُ الزَّنادقة، وألسِنَتُهُم ألسنةُ العرب، لَم يَبق لهم من الإسلام إلَّا اللِّسانُ والأسماءُ، فإذا قيل للواحد منهم: "إنَّ الدِّين الإسلامِيَّ يُنافِي ما أنتُم عليه" وتَلا القُرآنَ والسُّنَّةَ، قال: "أنتُم أعداءُ الدِّين، تُشَوِّهونه وتُنَفِّرون منه النَّاس، إنَّما الدِّين في القَلب، وما عدا ذلك من امتِثَال الأوَامر واجتِناب المناهي فغُلُوٌّ وتنطُّعٌ وضلالٌ من أهله يأكُلُون به أموال النَّاس". هذا حالُهُم، أصبحَ مشهورًا ذائعًا والنَّاسُ يَدخُلون معهم فيه أفواجًا أَفواجًا، فيُصبِح الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي عصريًّا كافِرًا مُلحِدًا لسانُهُ لسَانُ العَرَب وقلبُهُ قلبُ

стр. 852

العجمِ، لا يَهوَى إلَّا حالَةَ العَجَم ولا يُقدِّس إلَّا سيرَتهم ولا يَعتَقِدُ الفَضلَ والخَير إلَّا في اتِّباعِهِم. فكيف يكُونُ الحديثُ ضعيفًا وقد ظَهَر مِصداقُهُ بعد مُضِيِّ أزيَدَ من ألف سنةٍ؟! هذا، وإِنِّي في شكٍّ مِن وُجُود حديث أبي هُريرَة في "مُستَدرَك الحاكِم"، فقد تَتَبَّعتُه في مظانِّه فلم أرَهُ فيه، وقد اقتَصَر الحافِظان المُنذِريُّ والعِراقِيُّ على عَزوِهِ لأَحمدَ مِن حديث سهل بن سعدٍ، وما تَعرَّضا لحديثِ أبي هُريرة، فالغَالِب أنَّه سبقُ قلمٍ من المصنِّف. والله أعلم" انتهَى. • قلتُ: وليس في يد الغُمارِيِّ ما يَرُدُّ به على تَضعيفِ الحديثِ سوى قوله: "ليس هو بضعيفٍ. . . لاسيَّما إذا كان له شاهدٌ أو صدَّقه الواقع"، وأطال الكلامَ في ذلك كما رأيتَ. ولمَّا نظر إلى الحديثِ وتكلَّم بقانون العِلم لم يكُن مصيبًا؛ لأنَّه ذكر أنَّه مِن روايَة ابن لَهيعَة، قال: "وهو حَسَنُ الحديث إذا لم يُخالَف"، وقد خُولِف ابنُ لهيعَةَ كما يأتِي. ولو سلَّمنا أنَّه لم يخالَف فإنَّه لم يُتابَع أيضًا عند الغُماريِّ، وهذا هُو التَّفرُّد عند العُلماء، وابنُ لهيعة إذا تفرَّد لا يُحسِّنُ أحدٌ يُحسِنُ النَّقدَ حديثَهُ، وإن فشَا ذلك في المتأخِّرين. وقد صرَّح الذَّهَبيُّ في "الميزان" أن تفرُّد الصَّدُوق يُعدُّ مُنكَرًا، وهذا القولُ يحتاجُ إلى تفصيلٍ ليس هَاهُنا موضِعُهُ. ولو سلَّمنا أيضًا أن ابنَ لهيعَةَ تُوبع فشَيخُهُ مجهولٌ .. فقد أخرجَه أحمدُ (٥/ ٣٤٠) قال: حدَّثنا حَسَنُ بنُ مُوسَى، أخبَرَنا ابنُ لهيعَةَ، حدَّثَنا جميل الأسلَمِيُّ، عن سهل بن سعدٍ مرفوعًا.

стр. 853

وجميلٌ هذا هو الحَذَّاءُ الأسلَمِيُّ، قال الحافِظُ في "تعجيل المَنفَعة" (١٤٩): "عن: أبي هُريرَة، وسهلِ بن سعدٍ. وعنه: ابنُ لهيعَةَ، وبَكرُ بن مُضَرٍ، وغيرُهما. فيه نظَرٌ، وقال في "الإكمال": مجهولٌ. قلتُ: قد ذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" في أتباعِ التَّابعين، فكأنَّه لم يَثبُت عندَه روايَتُهُ عن صحابيٍّ، وقال: يَروِي المَراسِيلَ، روى عنه عمرُو بن الحارث. وقال ابن يُونُس في "تاريخ مصر": جميلُ بن سالمٍ مولَى أسلم، يُكْنَى أبا عُروة، روَى عنه عمرُو بنُ الحارِثِ وابنُ لهيعَةَ، وحديثُهُ عن سهلٍ معلولٌ" انتهَى. • قلتُ: أمَّا ابنُ لهيعَةَ فقد خالَفه عمرُو بنُ الحارِث - وهو أحدُ الأثبات -، فرواه عن جميل بن عبد الرَّحمن الحذَّاء، عن أبي هُريرة مرفوعًا فذكر مثله. أخرَجَه الحاكِمُ في "كتاب الفِتَن" (٤/ ٥١٠ - المُستدرَك) من طريق بَكرِ بن مُضَرٍ، عن عمرِو بن الحارث بهذا، وقال: "صحيحُ الإسناد"!! كذا قال الحاكِمُ، وقد عرفتَ ما فيه، فالحديثُ مُضطرِبٌ ضعيفُ الإسناد. وَذَكَر له الغُمارِيُّ شاهِدًا من "مُسنَد الفِردَوس" للدَّيلَمِيِّ، عن عليّ بن أبي طالب مرفوعًا مثلَه، ولم يتكلَّم على إسنادِه. وهو حديثٌ باطلٌ كغالِبِ مفاريد الدَّيلَمِيِّ؛ وفي إسنادِهِ عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن وهبٍ الدِّينَورِيُّ، وهو ابنُ حِمدَانَ، كان له حِفظٌ ومعرِفةٌ، ولكن تَرَكه الدَّارَقُطنِيُّ، وقال مرَّةً: "يضعُ الحديثَ"، ورماه عُمرُ بنُ

стр. 854

سهلٍ بالكَذِب، كما قال ابنُ عَديٍّ، ولعلَّ ذلك لأنَّه كان يَجمَع الغَرائبَ، قال ابنُ عُقدةَ: "كتبَ إليَّ ابنُ وهبٍ [يعني: الدِّينَوريَّ هذا] جُزأين من غَرائب سفيانَ الثَّورِيِّ، فلم أعرف منها إلَّا حديثَين، وكان قد سوَّى عامَّتها عن شُيوخه الشَّامِيِّين، فكنتُ أتَّهِمُهُ". قال ابنُ عَدِيٍّ: "وقبِلَه قومٌ وصَدَّقُوه". وابنُ وهبٍ الدِّينَورِيُّ هذا ليس هُو صاحب "المُجالَسة"، هذا اسمُهُ: أحمدُ بنُ مروانَ، وقد اتَّهمَه أيضًا الدَّارَقُطنِيُّ بوضع الحَديث، وخالَفَه غيرُهُ. فقد رأيتَ أن الشَّاهِدَ ساقطٌ عن حدِّ الاعتِبار به. وخُلاصَةُ ما أريدُ أن أقولَه: إنَّ تصحيحَ الأحاديثِ أو تضعيفَها بموافَقَة الواقعِ لها، أصلٌ باطلٌ لا يجوزُ الاعتمادُ عليه؛ لأنَّ علمَ الحديث قائمٌ على تصحيحِ أو تَوهِين نِسبَة الكَلام إلى النَّبِيِّ ﷺ أوَّلًا، وإلى غيرِه ثانيًا. ولو نظرتَ في كتاب "المُعجَم الأوسط" للطَّبَرانِيِّ، أو "الأفراد" للدَّارَقُطنِيِّ، لوجدتَ أن جُمهُورَ متُونِ الكِتابَين صحيحةٌ، لكنَّها بأسانيدَ مُنكَرةٍ أو باطِلةٍ، مع أن المُتُون معروفةٌ من غير هذا الوَجه، ومع ذلك فلا يَحكُم أحدٌ لها بالصِّحَّة بهذا الإسناد. وصِحَّةُ الكَلامِ في ذاتِهِ شيءٌ، وثُبُوتُهُ عن قائِلِه شيءٌ آخر، فليس كلُّ كلامٍ حَسَنٍ يَصلُحُ أن يكون حديثًا. فهذه تَذكِرَةٌ وتنبيهٌ. والله المُستَعان لا ربَّ سواه، وهُو أعلَى وأعلم.

стр. 855

٢٤١ - سُئلتُ: هل صحيحٌ ما ذكره الحافظُ جلالُ الدِّين السِّيُوطيُّ في "كتاب الحاوي" أن حديث: "أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ" من جُملة الأحاديث الضَّعيفة، بِرَغْمِ أن مُسلِمًا رواه في "صحيحه"؟ • قلتُ: نعم! فقد أَورَدَ السِّيُوطِيُّ في "مَسَالِك الحُنَفَا في وَالِدَيْ المُصطَفَى" (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٢) سُؤالًا، في مسألة إيمان وَالِدَي النَّبيِّ ﷺ ، فقال. "فَإِن قُلتَ: بَقِيَت عُقدَةٌ وَاحِدَةٌ، وهي ما رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أنَسٍ، أن رجُلًا قال: "يا رسُول الله، أين أبي؟ "، قال: "فِي النَّارِ"، فلمَّا قفَّى، دعاه، فقال: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ". وحديثُ مُسلِمٍ، وأبي داوُد، عن أبي هُريرَة، أنَّهُ ﷺ استَأذَنَ في الاستغفار لأُمِّه، فلَم يُؤذَن لَهُ، فاحلُل هذِه العُقدَة. قلتُ: على الرَّأس والعَينِ! والجَوَابُ: أن هذه اللَّفظةَ، وهي قولُه: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" لَم يَتَّفِق على ذكرها الرُّواةُ، وإنَّما ذَكَرَها حَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، وهيَ الطَّريقُ التي رواه مُسلِمٌ منها. وقد خالَفَهُ مَعمَرٌ، عن ثابتٍ فلم يَذكُر: "إِنَّ أَبِي وأَبَاكَ فِي النَّارِ"، ولكن قال: "إِذَا مَرَرتَ بِقَبرِ كَافِرٍ فَبَشِّرهُ بِالنَّارِ"، وهذا اللَّفظُ لا دَلَالَةَ فيه على والدِه ﷺ بأمرٍ البتَّة، وهو أَثبَتُ من حيث الرِّواية؛ فإنَّ

стр. 856

مَعمَرًا أثبَتُ من حمَّادٍ، فإنَّ حمَّادًا تُكُلِّم في حِفظِه، ووَقَعَ في أحاديثِهِ مناكيرُ، ذَكَرُوا أن رَبِيبَهُ دسَّها في كُتُبِه، وكان حمَّادٌ لا يَحفَظُ، فَحدَّث بها، فوَهِمَ، ومِن ثمَّ لم يُخَرِّج له البُخاريُّ شيئًا، ولا خَرَّج له مُسلِمٌ في الأُصول، إلَّا مِن حديثه، عن ثابتٍ. . . وأمَّا مَعمَرٌ فَلَم يُتكَلَّم في حِفظِه، ولا استُنكِرَ شيءٌ من حديثِه، واتَّفَقَ الشَّيخانِ على التَّخريج له، فكان لفظُهُ أثبتَ. . . [ثُمَّ ذَكَرَ السِّيُوطِيُّ شاهدًا لحديث مَعمَرٍ، مِن حديث سعد بن أبي وَقَّاصٍ ﵁] ". وقد ألَّف السِّيُوطِيُّ في هذه المسألة مُؤَلَّفاتٍ سبعةً، وهو يُكَرِّرُ في كُلِّ جُزءٍ ما يكونُ مذكُورًا في جُزءٍ آخرَ، وقَلَّما يأتي بزِيادةٍ نافعةٍ، بل التَّكَلُّفُ هو السِّمةُ الظَّاهِرةُ فيها، بِحَيثُ يُقلِّبُ المرءُ كفَّيه عَجَبًا من ضَيَاع المنهج العِلميِّ الرَّصين في سائِرِها. وقد وَقَعَ السِّيُوطِيُّ في سائِرِهَا في تَكَلُّفٍ مُدهِشٍ، حتَّى وَصَل به الحالُ أن خَالَف قانُون العِلمِ في مسائِلَ يطُولُ الأمرُ بِذِكرِها، ومِنهَا هذه المسألةُ التي يسألُ عنها السائلُ. وسأَجعَلُ هذه المسأَلةَ آيةً، يَقِيسُ عليها القارئُ ما غاب عَنهُ من جواب السِّيُوطِيِّ ﵀. والجوابُ من وجوهٍ. • الأوَّل: أن السِّيُوطِيَّ ضعَّف حديثَ مُسلِمٍ، وبَنَى تضعيفَه على مُقَدِّمةٍ، وهي أن مَعمَرَ بنَ راشدٍ خالَف حمَّادَ بنَ سَلَمة في لفظِه، ومَعمَرُ بنُ راشدٍ أوثَقُ من حمَّاد بن سلَمة.

стр. 857

وهذه المُقارَنة حَيْدَةٌ مَكشُوفَةٌ؛ فإنَّ الأمرَ لا يخفَى على أحدٍ من المُشتَغِلين بالحديثِ، ومِنهُم السِّيُوطِيُّ نفسُه، فإنَّ أهل العِلم بالحديث قالُوا: "أَثبَتُ النَّاس في ثابتٍ البُنَانِيِّ هو حمَّادُ بنُ سَلَمة، ومهما خالفه مِن أَحَدٍ، فالقَولُ قَولُ حمَّادٍ"، فقال أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ - كما في "العِلل" (٢١٨٥) -: "حَمَّادُ بنُ سَلَمة أَثبَتُ النَّاس في ثابتٍ، وفي عليّ بن زيدٍ"، وقال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: "حمَّادُ بنُ سَلَمة أثبَتُ في ثابتٍ من مَعمَرٍ"، وقال يحيى بُن مَعِينٍ: "مَن خالفَ حمَّادَ بنَ سَلَمة، فالقَولُ قول حمَّادٍ. - قيل: فَسُليمانُ بنُ المُغيرة عن ثابتٍ؟، قال: - سُليمانُ ثبتٌ، وحمَّادٌ أعلمُ النَّاس بثابتٍ"، وقال ابنُ مَعِينٍ مَرَّةً: "أَثبَتُ النَّاس في ثابتٍ: حمَّادُ بنُ سَلَمة"، وقال العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ٢٩١): "أَصَحُّ النَّاس حديثًا عن ثابتٍ: حمَّادُ بنُ سَلَمة"، وقد أكثر مُسلِم من التَّخريج لحمَّاد بن سَلَمة عن ثابتٍ في الأُصول. أمَّا معمرُ بنُ راشدٍ فإنَّه وإن كان ثقةً في نفسه، إلَّا أن أهل العِلمِ بالحديث كانُوا يُضَعِّفُون روايتَه عن ثابتٍ البُنَانِيِّ، ولم يُخَرِّج له مُسلِمٌ شيئًا في "صحيحه" عن ثابتٍ، إلَّا حديثًا واحدًا في المُتابَعات، ومقرُونًا بعاصمٍ الأحولِ، وهذا يدُلُّك على مدى ضَعف رواية مَعمَرٍ عن ثابتٍ، ولذلك قال ابنُ مَعِينٍ: "مَعمَرٌ عن ثابتٍ: ضعيفٌ"، وقال مرَّةً: "وحديثُ مَعمَرٍ عن ثابتٍ، وعاصمِ بن أبي النَّجُود، وهشام بن عُروة، وهذا الضَّرب، مُضطَرِبٌ، كثيرُ الأوهام". وقال العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ (٢٩١): "أَنكَرُ النَّاس حديثًا عن ثابتٍ: مَعمَرُ بن راشدٍ".

стр. 858

وبعد هذا البَيَان، فما هي قِيمَةُ المُفَاضَلة التي عَقَدَها السِّيُوطِيُّ بين الرَّجُلَين؟! فالصَّوابُ: روايةُ حمَّاد بن سَلَمة. وروايةُ مَعمَرِ بن راشدٍ مُنكَرَة. * الثاني: قولُ السِّيُوطِيِّ: "إِنَّ ربيب حمَّاد بن سلَمة دسَّ في كُتُبِه أحاديثَ مَنَاكِيرَ، وانطلى أمرُها على حمَّادٍ؛ لسُوء حِفظِه". وهذه "تُهمَةٌ فاجرةٌ"، كما قال الشَّيخُ المُعَلِّمِيُّ ﵀ في "التَّنكيل" (١/ ٢٤٣). ومُستَنَدُ كُلِّ من تكلَّم بهذه التُّهمَة، ما ذَكَرَهُ الذَّهَبيُّ في "ميزان الاعتدال" (١/ ٥٩٣) من طريق الدُّولَابِيِّ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ شُجاع بن الثَّلجِيِّ، حدَّثَني إبراهيمُ بنُ عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ، قال: "كان حمَّادُ بنُ سَلَمة لا يُعرَفُ بهذه الأحاديث - يعني أحاديث الصِّفات -، حتَّى خَرَجَ مَرَّةً إلى عَبَادَانَ، فجاء وهو يَروِيها، فلا أَحسَبُ إلَّا شيطانًا خرج إليه من البحر، فألقاها إليه! ". قال ابنُ الثَّلجيِّ: "فسَمِعتُ عبَّاد بن صُهيبٍ يقول: إنَّ حمَّادًا كان لا يَحفَظُ، وكانُوا يقولُون إنَّها دُسَّت في كُتُبه. وقد قيل: إنَّ ابنَ أبي العَوجَاءَ كان رَبِيبَهُ، فكان يَدُسُّ في كُتُبه". وعلَّق الذَّهَبيُّ على هذه الحكاية بقوله: "ابنُ الثَّلجِيِّ ليس بِمُصَدَّقٍ على حمَّادٍ وأمثالِه، وقد اتُّهم. نسألُ الله السَّلامة" انتهَى. وابنُ الثَّلجِيِّ هذا كان جَهميًّا، عدُوًّا للسُّنَّة، وقد اتَّهمَهُ ابنُ عَدِيٍّ بِوَضعِ الأحاديث، ويَنسِبُهَا لأهل الحديث؛ يَثلُبُهم بذلك، فالحِكاية كُلُّها كَذِبٌ، فكَيفَ يُثلَبُ حمَّادُ بنُ سَلَمة بمثل هذا؟!

стр. 859

ولو جاز لنا أن نَرُدَّ على السِّيُوطِيِّ بِمِثلِ صنيعه، لذَكَرنا ما رُوِي عن أبي حامدٍ بن الشَّرقيِّ - كما في "تاريخ بغداد" (٤/ ٤٢) -، أنَّه سُئِلَ عن حديث أبي الأزهر، عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعمَرٍ، في فضائل عليّ بن أبي طالبٍ، فقال أبو حامدٍ: "هذا حديثٌ باطلٌ؛ والسَّببُ فيه أنَّ معمرًا كان له ابنُ أخٍ رافضيٌّ، وكان مَعمَرٌ يُمَكِّنُهُ من كُتُبه، فأَدخَلَ عليه هذا الحديثَ، وكان مَعمَرٌ رجُلًا مَهِيبًا، لا يَقدِرُ أحدٌ عليه في السُّؤال والمُراجَعة، فسَمِعَهُ عبدُ الرَّزَّاق في كتاب ابن أخي مَعمَرٍ"، فعلَّق الذَّهَبيُّ في "السِّير" (٩/ ٥٧٦) قائلًا: "هذه حِكايَةٌ مُنقَطِعةٌ، وما كان معمرٌ شيخًا مُغَفَّلًا، يَرُوجُ عليه هذا، كان حافِظًا، بصيرًا بحديث الزُّهريِّ" ا. هـ. ولكنَّنا لا نَستَجِيزُ أن نطعن علي الثِّقات بمثل هذه الحكايات. * الوَجهُ الثَّالِثُ: قولُهُ: "ولم يُخَرِّج لَهُ البُخاريُّ شيئًا". وقد تَقَرَّر عند أهل العلم، أن ترك البُخاريِّ التخريجَ لراوٍ لا يَعنِي أنَّهُ ضعيفٌ. وقد عاب ابنُ حِبَّانَ على البُخاريِّ أنَّهُ ترك حمَّادَ بنَ سَلَمة، وخرَّج لمن هو أدنى مِنه حِفظًا وفَضلًا، فقال: "ولم يُنصِف مَن جَانَب حديثَ حمَّادِ بن سَلَمة، واحتَجَّ بأبي بكرٍ بن عيَّاشٍ، وبابن أَخي الزُّهريِّ، وبعبد الرَّحمن بن عبد الله بن دِينارٍ، فإنْ كان تركُه إيَّاه لِمَا كان يُخطئُ، فغيرُهُ من أقوانه، مِثلُ الثَّوْريِّ، وشُعبَةَ، وذَوِيهِما كانُوا يُخطِئُون، فإن زَعَمَ أن خطأه قَد كَثُر من تَغَيُّر حِفظِه، فقد كان ذلك في أبي بكرٍ بن عيَّاشٍ موجُودًا، وأنَّى يبلغُ أبو بكرٍ حمادَ بنَ سَلَمة؟ أفي إتقانِه، أم في

стр. 860

جَمعه، أم في عَمَلِه، أم في ضَبطِه؟! " انتهَى. * الوجه الرَّابع: في ذِكرِ الشَّاهد الذي احتجَّ به السِّيُوطِيُّ لتَقوِيَةِ لفظ مَعمَرِ بن راشدٍ. فهذا الحديثُ أخرَجَهُ البَزَّار (٢٧ - مُسنَد سعد)، وابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٦١٠)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٣٢٦)، والبَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (١/ ١٩١ - ١٩٢)، وأبو نعيمٍ في "المعرفة" (ج ١/ رقم ٥٤٠)، والضِّياء المقدِسِيُّ في "المُختارَة" (١/ ٣٣٣) - كما في "الصَّحيحة" (١٨) - مِن طريق زيد بن أَخزَمَ، ثنا يزيدُ بنُ هارُون، ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامر بن سعدٍ، عن أبيه، أن أعرابيًّا قال لرسول الله ﷺ : "أَين أبي؟ "، قال: "في النَّار"، قال: "فأين أبُوك؟ "، قال: "حَيثُما مَرَرتَ بقبر كافرٍ فَبَشِّره بالنَّار". قال السِّيُوطِيُّ: "وهذا إسنادٌ على شرط الشَّيخَينِ" وليس كما قال؛ لِمَا يأتي. وذَكَرَ ابنُ كَثيرٍ هذا الحديثِ في "البداية والنِّهاية" (٢/ ٢٨٠)، وقال: "غريبٌ". وقد خُولِفَ زيدُ بنُ أَخزَمَ في إسناده. فخالَفَهُ مُحمَّدُ بنُ إسماعيل بن البَختَرِيِّ الوَاسِطِيُّ، فرَوَاهُ عن يزيد بن هارُون، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن سالمٍ، عن أبيه فذكره. أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (١٥٧٣). قال البُوصِيرِيُّ في "الزَّوائد" (١/ ٥١٥): "هذا إسنادٌ صحيحٌ،

стр. 861

رجالُهُ ثِقاتٌ. ومُحمَّدُ بنُ إسماعيل وَثَقَهُ ابنُ حِبَّانَ، والدَّارَقُطنِيُّ، والذَّهَبيُّ. وباقي رجال الإسناد على شرط الشَّيخَين". • قلتُ: ولا شك في تقديم رِواية زيد بن أَخْزَمَ؛ لأمرين: الأوَّل: أنَّهُ أثبتُ من مُحمَّد بن إسماعيل بن البَختَرِيِّ. الثَّاني: أنَّهُ تُوبعَ عليه كَمَا في رِواية البَزَّار، والذي تابَعَهُ هو مُحمَّدُ بنُ عُثمان بن مخَلَدٍ - وقد سُئل عنه أبو حاتمٍ - كما في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ١/ ٢٥) -، فقال: "شيخٌ"، وقال ابنُ أبي حاتمٍ: "صَدُوقٌ"، ووثَّقَه ابنُ حِبَّانَ (٩/ ١٢٠) -. وقد ذَكَرَ البَزَّارُ أن يزيدَ بنَ هارُون تفرَّد به، وليس كما قال. فقد تابَعَه مُحمَّدُ بنُ أبي نُعيمٍ الوَاسِطِيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامر بن سعدٍ، عن أبيه. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (٣٢٦)، وعنهُ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابَة" (٥٤٣) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ عبد العزيز، نا مُحمَّدُ بنُ أبي نُعيمٍ. وهذه مُتابَعةٌ جَيِّدةٌ، وابنُ أبي نُعيمٍ وثَّقَهُ أبو حاتمٍ، وابنُ حِبَّانَ، وكذا صدَّقه أحمدُ بنُ سنانَ القَطَّانُ. وكذَّبَهُ ابنُ مَعِينٍ، وأَبعَدَ في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتمٍ هذا الحديثَ بقوله: "كذا رواه يزيدُ وابنُ أبي نُعيمٍ، ولا أعلمُ أحدًا يُجاوِزُ به الزُّهريَّ غيرَهما، إنَّما يرَوُونَه عن الزُّهريِّ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ . . . والمُرسل أَشبَهُ"، ذَكَرَهُ وَلَدُه في "العِلَل" (ج ٢/ رقم ٢٢٦٣). • قلتُ: وقولُ أبي حاتمٍ مُتَعَقَّبٌ أيضًا، بأنَّهُ قد رواه اثنان آخَرَانِ

стр. 862

مُتَّصِلًا، وهُمَا: ١ - الوليدُ بنُ عطاء بن الأَغَرِّ، عن إبراهيم بن سعدٍ به. ذَكَرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٤/ ٣٣٤). والوليدُ صَدُوقٌ. ٢ - والثَّاني: الفَضلُ بنُ دُكَينٍ، عن إبراهيم بن سعدٍ. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (١/ ١٩١). وسَنَدُه صحيحٌ إلى إبراهيمَ بن سعدٍ. وقد رَجَّح الضِّياءُ المَقدِسِيُّ الرِّوايةَ المُتَّصِلةَ، بَينَمَا رَجَّح أبو حاتمٍ الرِّوايةَ المُرسَلةَ. وقول أبي حاتمٍ هُو الصَّوَابُ. وهذه الرِّوايةُ المُرسَلة، أخرَجَهَا عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ١٠/ رقم ١٩٦٨٧) عن مَعمَر بن راشدٍ، عن الزُّهريِّ، قال: جاء أعرابيٌّ. . . وساق الحديث. فهكذا اختَلَف إبراهيمُ بنُ سعدٍ، ومَعمَرُ بن راشدٍ. ولا شَكَّ عِندَنَا في تَقدِيم رِوايةِ معمرٍ المُرسَلةِ؛ لأنَّ معمرًا كان ثبتًا في الزُّهريِّ، وأمَّا إِبراهيمُ بنُ سعدٍ، فقد قال صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ الحافظُ: "سمَاعُه من الزُّهريِّ ليس بذاك؛ لأنَّهُ كان صغيرًا حين سَمِعَ من الزُّهريِّ"، وقال ابن مَعِينٍ وسئِل: "إبراهيمُ بنُ سعدٍ، أحبُّ إليك في الزُّهريِّ، أو ليثُ بنُ سعدٍ؟ "، قال: "كلاهما ثِقَتَانِ"، فإذا تَدَبَّرت قولَ يَعقُوبَ بن شَيبة في اللَّيث: "ثِقَةٌ، وهو دُونَهُم في الزُّهريِّ - يعني: دُون مالكٍ، ومَعمَرٍ، وابنِ عُيَينةَ -، وفي حديثِهِ عن الزُّهريِّ بعضُ الاضطرابِ"،

стр. 863

عَلِمتَ أن قولَ ابن مَعِينٍ لا يُفيدُ أنَّه ثبتٌ في الزُّهريِّ مثلُ مَعمَرٍ. فالذي يَتَحرَّر مِن هذا البحث، أن الرِّوايةَ المُرسَلةَ هي المحفوظةُ، وهي التي رَجَّحَها أبو حاتمٍ الرَّازيُّ والدَّارَقُطنِيُّ، فلا معنى للقول أنَّهُ على شرط الشَّيخين بعدَ ثُبُوت هذه المُخالَفة. وبعدُ: فَهذَا مثالٌ واحدٌ، بَيَّن لك كَيفَ عالَجَ السِّيُوطِيُّ المسألةَ. وما تَرَكتُه أَعجَبُ وأَعجَبُ. وهكذا عَارَضَ السِّيُوطِيُّ هذه الأحاديثَ الصَّحِيحَةَ بأحاديثَ مُنكَرةٍ وباطلةٍ. ومِنَ التَّجَنِّي أن يُوصَف من يتمَسَّكُ بالأحاديث الصَّحِيحة بسُوء الأَدَبِ. ووالله! لَو صَحَّت الأحاديثُ في إسلام وَالِدَي النَّبيِّ ﷺ لَكُنَّا أَسعدَ النَّاس بها، كَيفَ وَهُم أقربُ النَّاس لِرَسُول الله ﷺ ، الذي هو أحبُّ إليَّ مِن نفسي، واللهُ على ما أَقُولُ وكيلٌ. ولكِنَّنَا لا نَتبَنَّى قولًا ليس عليه دليل صحيحٌ. لكنَّ كثيرًا من النَّاس يَتَخَطَّى المحبَّة الشَّرعِيَّة، ويُخالِفُ الحُجَّة ويحارِبُها. والله المُستعانُ، لا ربَّ سِواه. وهو أعلى وأعلم. وقد قال البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (١/ ١٩٢ - ١٩٣) بعد تخريجه لهذا الحديث: "وكيف لا يَكُونُ أَبَوَاهُ وَجَدُّه جهذه الصِّفة في الآخرة، وكانُوا يَعبُدُون الوَثَنَ حتَّى ماتُوا، ولم يَدِينُوا دينَ عِيسَى ابن مَريَم ﵇، وأَمرُهم لا يَقدَحُ في نَسَب رسُول الله ﷺ ؛ لأنَّ أَنكِحَةَ الكُفَّار صحيحةٌ،

стр. 864

ألا تَرَاهُم يُسلِمُون مع زوجاتهم، فلا يَلزَمُهُم تجديدُ العقد، ولا مُفَارَقتُهن، إذا كان مثلُه يَجُوز في الإسلام. وبالله التوفيق" انتهى. وقال النَّوَوِيُّ في "شرح مُسلِمٍ" (٣/ ٧٩): "فيه: أن مَن مَاتَ على الكُفرِ، فهُو في النَّار، ولا تَنفَعُه قَرَابَةُ المُقَرَّبين. وفيه: أن مَن مَاتَ في الفَترَةِ على ما كانَت عليه العَرَبُ، من عبادة الأوثان فَهُوَ من أهل النَّار. وليس هذا مؤاخذةً قبل بُلُوغ الدَّعوة؛ فإِنَّ هؤُلاء كانت قد بَلَغَتهُم دعوةُ إبراهيم وغيرِه من الأنبياء - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم - " انتهى. أمَّا حَدِيثُ أبي هُريرَة ﵁، وهُو في "صحيح مُسلِمٍ" أيضًا، وفيه أن الله نَهَى نَبِيَّهُ ﷺ عن الاستغفار لِأُمِّه. . فلَم يَتَعَرَّض لَهُ السِّيُوطِيُّ إلَّا بِجَوَابٍ مُجمَلٍ، وهذا الحديثُ صريحٌ في عدم إِيمَانِها؛ لأنَّ الله قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وقد نَزَلَت هذه الآيةُ في أبي طالبٍ، فعَقَّب الحافظُ ابنُ كَثيرٍ في "السِّيرة النَّبَوية" (٢/ ١٣٢ - البداية) قائلًا: "ولَولَا ما نَهَانَا اللهُ عنه مِن الاستغفار لِلمُشركين، لاستَغفَرنَا لأبي طَالبٍ، وتَرَحَّمنَا عليه" ا. هـ. فَقَد تَبَيَّن مِن هذا الجوَاب، على اختصاره، أن الحَدِيثَينِ صحيحَان، لا مَطعَنَ فيهما. والحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 865

٢٤٢ - سُئلتُ عن حديثٍ: عن أبي الدَّرداء، أن النَّبيَّ ﷺ فسَّر قَولَه تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، بِأنَّه ذهَبٌ وفِضَّةٌ. وفسَّر الكنز بأنَّه العِلم، فأيُّهما الصَّحيحُ؟ • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٤/ ٢/ ٣٦٩) مُعلَّقًا، ووصله التِّرمذيُّ (٣١٥٢)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٧٢٣)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦٩٩٦)، والحاكمُ (٢/ ٣٦٩)، والمِزِّيُّ في "التَّهذيب" (٣٢/ ٢٨٦) من طُرُقٍ عن الوليد بن مُسلِمٍ، حدَّثَني يزيدُ بنُ يُوسُف الصَّنعانِيُّ، عن يزيد بن يزيد بن جابرٍ، عن مكحولٍ، عن أُمِّ الدَّرداء، عن أبي الدَّرداء مرفُوعًا فذكره. وصحَّح الحاكمُ إسنادَهُ، فردَّه الذَّهبيُّ في "مُختَصَره" قائلًا: "بل يزيدُ بن يُوسُف متروكٌ، وإن كان حديثُهُ أشبهَ بمُسمَّى الكَنز" ا. هـ. وذكر ابنُ عَدي هذا الحديث في ترجمة يزيدَ هذا، وقال: "غير محَفُوظٍ"، وهذا الحكمُ هو الصَّوابُ. ويزيدُ بنُ يُوسُفَ طَرَحَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، وقال: "لا يُساوِي شيئًا. ليس بثقةٍ"، وتَرَكَهُ النَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ في روايةٍ، وضَعَّفَهُ أبو حاتمٍ وأبو داوُد وابنُ حِبَّانَ في آخَرِين.

стр. 866

والوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ كان يُدَلِّسُ تدليس التَّسوية، ولم يُصرِّح بالتَّحديث في جميع الإسناد. وقد قال الطَّبَرانيُّ عَقِبَ روايتِه الحديثَ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن مكحولٍ إلَّا يزيدُ بنُ يزيدَ بن جابرٍ، ولا رواه عن يزيدَ إلَّا يزيدُ بنُ يُوسُف. تفرَّد به الوليدُ بنُ مُسلِمٍ". أمَّا تفسيرُ الكَنزِ بأنَّهُ العِلمُ، فكلامُ السَّائل يُوهِمُ أنَّهُ مرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وليس كذلك، بل هو مَروِيٌّ عن ابن عبَّاسٍ قوله. أخرَجَهُ الحاكمُ (٢/ ٣٦٩) قال: أخبَرَنا أبو عبد الله مُحمَّدُ بنُ عبد الله الصَّفَّارُ، ثنا أحمدُ بنُ مِهرَانَ، ثنا أبو نُعيمٍ، ثنا عليُّ بنُ صالحٍ، عن ميسرةَ بن حبيبٍ النَّهدِيِّ، عن المِنهالِ بن عَمرٍو، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، قال: "ما كان ذَهَبًا ولا فِضَّةً، كانت صُحُفًا وعِلمًا". قال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد، ولم يُخَرِّجاه". • قلتُ: أمَّا شيخُ الحاكم، فترجمه الذَّهَبيُّ في "السِّير" (١٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، فقال: "الشَّيخُ، الإمامُ، المُحَدِّثُ، القُدوَةُ"، ونقل عن الحاكم، قال: "هو مُحدِّثُ عَصرِه، كان مُجَابَ الدَّعوة، لم يَرفَع رأسَه إلى السَّماء، كما بَلَغَنا، نَيِّفًا وأربعين سنةً"، فظاهرٌ من ترجمته أنه صَدُوقٌ مُتماسِكٌ. وأحمدُ بنُ مِهرانَ هو ابنُ خالدٍ الأَصبَهَانِيُّ، ذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات" (٨/ ٤٨)، ثُمَّ أَعَادَ ذِكرَه (٨/ ٥٢) كذا فعل، وهُما رجلٌ واحدٌ. وتَرجَمَهُ أبو نُعيمٍ الأصبهانيُّ في "أخبار أصبهان" (١/ ٩٥)، وقال: "كان لا

стр. 867

يَخرُجُ من بيته إلَّا إلى الصَّلاة"، ولم يَذكُر من حاله ما يَدُلُّ على ضَبطِه وثِقَتِه، ويَلُوحُ لي أنَّهُ الذي ترجمه ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتَّعديل" (١/ ١/ ٧٦)، قال: "أحمدُ بنُ مِهرانَ بن المُنذِر القَطَّانُ الهَمدَانِيُّ أبو جَعفَرٍ، الذي سَمِعَ أبي في كتابه "المُوطَّإِ"، عن القَعنَبِيِّ. روى عن عُثمان بن الهيثم، وعبد الله بن رجاءٍ، وحَسَن بن مُوسَى الأشيب، والأنصارِيِّ. وهو صَدوقٌ"، فإن يَكُنْهُ فالسَّنَدُ جيِّدٌ؛ لأنَّ بَقِيَّة رجال الإسناد مَعرُوفُون. وأبو نُعيمٍ هو الفضلُ بنُ دُكينٍ، أحَدُ الأَئِمَّة الأثبات. وعليُّ بنُ صالحٍ أخو الحسن بن صالح بن حَيٍّ، وثَّقَهُ أحمدُ، وابن مَعِينٍ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وغيرُهم. ومَيسَرَةُ بن حبيبٍ وثَّقَهُ أحمد، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وقال أبو حاتمٍ: "لا بأس به". والمِنهَالُ بنُ عَمرٍو صَدُوقٌ مُتماسِكٌ. والأشبهُ في تفسير الكَنز أن يكون ذَهَبًا أو فِضَّةً. واللهُ أعلمُ.

стр. 868

٢٤٣ - سئلتُ عن حديث: "إِنَّما سُمِّيَ ذُو القَرنَينِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَافَ قَرنَيِ الدُّنيَا". • قلتُ: هذا الحديثُ لا أعلَمُهُ عن النَّبيِّ ﷺ في سَنَدٍ من الأسانيد. ثُمَّ وقَفتُ عليه في "تخريج أحاديث الكَشَّاف" (٢/ ٣٠٩). وقد نَسَبَهُ الزَّمَخشَرِيُّ المُعتَزِلِيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال الزَّيلَعِيُّ: "غريبٌ". وقد رواه الدَّارَقُطنِيُّ في "المُؤتَلِف والمُختَلِف" من قول الزُّهرِيِّ، فرواه من طريق الخَضِر بن دَاوُد، ثنا الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، ثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِر، حدَّثَني عبدُ العزيز بنُ عِمرانَ، عن سُليمانَ بن أسيدٍ، عن الزُّهرِيِّ، قال: "إنما سُمِّي ذا القرنين؛ لأَنَّه بَلَغَ قرنَ الشَّمسِ من مَغرِبِهَا، وقَرنَ الشَّمسِ من مَطلَعِها، فسُمِّي ذا القرنين". وسَنَدُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ والخَضِرُ بنُ داوُد ذَكَرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "المؤتَلِف" (ص ٨٣٠)، قال: "كان بِمَكَّةَ مُقِيمًا، يَروِي عن الزُّبَير بن بَكَّارٍ كتابَ "النَّسب" وغيرَهُ. يَروِي عن الأَثرَمِ "عِللَ أحمد بن حنبل"، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعبدُ العزيز بن عمران تَرَكَهُ النَّسائِيُّ وغيرُه، وقال البُخاريُّ: "لا يُكتَبُ حديثُه"، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بثقةٍ". وسُليمان بنُ أسيدٍ ترجمه ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ١/ ١٠١) ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والله أعلمُ.

стр. 869

٢٤٤ - سُئلتُ عن حديث: "مَن أَحَبَّ فِطرَتِي فَليَستَنَّ بِسُنَّتِي، وَإِنَّ مِن سُنَّتي النِّكَاحَ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٥٤٩) من طريق أبي حُرَّةَ واصلِ بن عبد الرَّحمن، عن الحَسَن، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَه. وأبو حُرَّةَ مُختَلَفٌ فيه، ورَوَى ابنُ عَديٍّ، عن يحيى بن مَعِينٍ، قال: "حدَّثَني غُنْدَرٌ، قال: وقَّفتُ أبا حُرَّةَ على حديثِ الحَسَن، قال: لم أَسمَعهَا مِن الحسَن. وقال غُندَرٌ: فلم يَقِف على شيءٍ منها أنَّهُ سَمِعَ الحَسَن". ثُمَّ إِنَّ الحسَن لم يُصَرِّح بسماعٍ من أبي هُريرة ﵁. والصَّوابُ في هذا الحديث الإرسالُ. . فأخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٦/ رقم ١٠٣٧٨). . والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (٧/ ٧٨)، وفي "السُّنَن الصُّغرَى" (٢٣٤٦)، وفي "المعرفة" (١٠/ ١٩) من طريق عبد الوَهَّاب بن عطاءٍ. . وابنُ بَطَّة في "الإبانة" (٢٦٠) من طريق حَجَّاج بن مُحَمَّدٍ، ثلاثَتُهم عن ابن جُريجٍ، قال: أَخبَرَني إبراهيمُ بنُ مَيسرَة، عن عُبيد بن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ فذكَرَهُ.

стр. 870

وتابَعَهُ ابنُ عُيينة، عن إبراهيم بن مَيسَرة بهذا الإسناد سواء. أخرَجَهُ سعيدُ بنُ مَنصُورٍ في "سُنَنه" (٤٨٧). وأبو يَعلَى في "مُسنَده" (ج ٥/ رقم ٢٧٤٨) قال: حدَّثَنا أبو خَيثَمة - هُو زُهير بن حربٍ -، قالا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينة فذَكَرَه. قال البَيهَقِيُّ: "هذا مُرسَلٌ". وهذا مُرسَلٌ صحيحُ الإسنادِ.

стр. 871

٢٤٥ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سأل أحد أصحابه: "هَل لكَ زَوجَةٌ؟ "، قال: "لا"، قال: "فهَل لكَ جَارِيَةٌ؟ "، قال: "لا"، قال: "فَأَنتَ مِن إِخوَانِ الشَّيَاطِينِ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. يرويه بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن مُعاوية بن يحيى، عن سُليمان بن مُوسَى، عن مكحولٍ، عن غُضَيف بن الحارث، عن عَطِيَّةَ بن بُسرٍ المَازِنِيِّ، قال: جاء عَكَّافُ بنُ وَدَاعَةَ الهِلَالِيُّ إلى رسُول الله ﷺ ، فقال له رسُول الله ﷺ : "يَا عَكَّافُ! ألكَ زَوجَةٌ؟ "، قال: "لا"، قال: "وَلَا جَارِيَةٌ؟ "، قال: "لا"، قال: "وَأَنتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟ "، قال: "نَعَم! والحمدُ لله"، قال: "فَأَنت إِذَن من إخوان الشَّيَاطِين. إمَّا أَن تَكُون من رُهبان النَّصَارى، فأَنتَ مِنهُم، وإمَّا أن تَكُون مِنَّا، فاصنع كما نَصنعُ، فإنَّ مِن سُنَّتِنَا النِّكاح. شِرَارُكُم عُزَّابُكم، وأَرَاذِلُ موتاكم عُزَّابُكم آباءٌ للشَّيَاطِين تَمَرَّسُون، مَا لهُم في نفسي سلاحٌ أبلغُ في الصَّالحِين من الرِّجال والنِّساء، إلَّا المُتَزَوِّجُون، أولئك المُطَهَّرُون، المُبَرَّؤُون من الخَنَا. وَيحَكَ يَا عكَّافُ! إِنَّهُنَّ صَوَاحِبُ دَاوُدَ، وصواحبُ أيُّوبُ، وَصَواحِبُ يُوسُف، وصواحبُ كُرسف"، قال: "وما الكُرسفُ يا رسُول الله؟ "، قال: "رَجُلٌ كان في بني إسرائيل، على ساحلٍ من سَوَاحِل البَحرِ، يَصُوم النَّهار، ويَقُوم اللَّيل، لا يَفتُرُ مِن صلاةٍ، ولا صِيَامٍ، ثُمَّ كفر بعد ذلك بالله العظيم؛ في سَبَبِ

стр. 872

امرأةٍ، عَشِقَها، فَتَرَكَ ما كان عليه مِن عِبادَةِ رَبِّه، فتدارَكَهُ اللهُ بما سَلَفَ مِنهُ، فتاب عليه. ويحك يا عكَّافُ! تزوَّج فَإِنَّك من المُذَبذَبِين"، فقال عَكَّاف: "يَا رسُول الله! لا أَبرَحُ، حتَّى تُزَوِّجَني من شئتَ"، فقال رسُول الله ﷺ : "فَقَد زَوَّجتُك على اسمِ الله والبَرَكة: كريمة بنت كُلثومٍ الحِميريِّ". أخرَجَهُ إسحاقُ بنُ رَاهَوَيه في "المُسنَد" قال: أخبَرَنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، قال: حدَّثَني مُعاوِية بنُ يحيى الصَّدَفِيُّ، عن سُليمان بن مُوسَى، عن مكحولٍ، عن غُضَيف بن الحارث، عن عَطِيَّة بن بُسرٍ المَازِنِيِّ. وتابعه عبدُ الجَبَّار بنُ عاصمٍ، ثنا بَقِيَّةُ بهذا الإسناد سواء. أخرَجَهُ أبو يَعلَى في "المُسنَد" (٦٨٥٦)، وعنه ابنُ حِبَّانَ في "المجروحين" (٣/ ٣ - ٤)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ١٥٨)، وفي "مُسنَد الشَّامِيِّين" (٣٥٦٧). ورواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن مُعاوية بن يحيى الصَّدَفِيِّ بهذا الإسناد سواء. أخرَجَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٥٦) من طريق داوُدَ بن رُشيدٍ، ثنا الوليدُ. • قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ ومُعاويةُ بنُ يحيى الصَّدَفِيُّ قال ابن مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ"، وقال أبو زُرعة: "أحاديثُهُ كُلُّها مقلوبةٌ". وضعَّفه الدَّارَقُطنِيُّ وغيرُهُ. وقال ابنُ حِبَّانَ: "مُنكَرُ الحديث جدًّا" - لكِنَّهُ خَلَطَ بين الصَّدَفِيِّ والأَطرَابُلسِيِّ، والصَّواب أنَّهُما اثنان -.

стр. 873

وقد رواه عن الصَّدَفِيِّ بَقِيَّةُ بنُ الوليد، والوليدُ بنُ مُسلِمٍ، وكلاهما يُدَلِّس تدليس التَّسوية، ولم يُصَرِّحا في جميع الإسناد. وقد اختُلِفَ في إسناده. . فرَوَاهُ بُردُ بنُ سِنانَ، عن مكحولٍ، عن عَطِيَّةَ بن قيسٍ، عن عَكَّاف بن وَدَاعَة فذَكَرَه. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "مُسنَد الشَّامِيِّين" (٣٨١)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٥٦) من طُرقٍ عن بُرْد. ورواه مُحمَّدُ بنُ راشدٍ، قال: سمعتُ مكحولًا يُحَدِّث، عن رَجُلٍ، عن أبي ذَرٍّ فذَكَرَهُ نحوَه. أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ١٦٣ - ١٦٤) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّزَّاق - وهذا في "المُصنَّف" (١٠٣٨٧) - عن مُحمَّد بن راشدٍ. وللحديث طُرُقٌ أُخرَى، لا تَخلُو من عِلَّة. والحديثُ لا يَصِحُّ من كُلِّ وُجُوهِه، وهو مُرَكَّبٌ، ولا يَبعُد أن يكون مَوضُوعًا. واللهُ أعلَمُ.

стр. 874

٢٤٦ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ الصَّحابة أَكَلُوا فَرَسًا على عهد النَّبيِّ ﷺ ؟ • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ (٩/ ٦٤٨)، ومُسلِمٌ (١٩٤٢/ ٣٨)، والنَّسَائيُّ (٧/ ٢٣١)، وابنُ ماجَهْ (٣١٩٠)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ١٤)، وأحمدُ (٦/ ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٥٣)، والشَّافعيُّ في "المُسنَد" (٦٠٠)، والحُمَيدِيُّ (٣٢١)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٨٨٦)، وابنُ حِبَّانَ (ج ٧/ رقم ٥٢٤٧)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٤/ ٢١١)، والدَّارَقُطنِيُّ (٤/ ٢٩٠)، والبَيهَقِي (٩/ ٣٢٧) من طُرُقٍ عن هشام بن عُروة، عن فاطمة بنت المُنذِر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: "أَكلنَا لحَمَ فَرَسٍ عَلَى عهد رسُول الله ﷺ ".

стр. 875

٢٤٧ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَالَ: "أَستَغفِرُ الله! الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الحَيَّ القَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيهِ"، غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَإِن كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحفِ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقد وَرَدَ هذا الحديث عن جَمَاعةٍ من الصَّحابة ﵃، مِنهُم: أبو هُريرَة، والبَرَاء بن عَازِبٍ، وابن مسعُودٍ، وزَيدٍ مولَى النَّبيِّ ﷺ ، وأنَس بن مالكٍ ﵁. أمَّا حديثُ أبي هُريرَة. فأخرجه ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٢/ ٤٤٥)، ومن طريقه ابن الجَوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٥٠) من طريق عُقبَة بن مُكْرِمٍ. . وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٠٣) من طريق أحمد بن إبراهيم الدَّورَقِيِّ، قالا: ثنا صَفوَانُ بنُ عِيسى الزُّهرِيُّ، ثنا بِشرُ بنُ رافعٍ، عن مُحمَّد بن عبد الله البَكَّاء، عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "مَن قَالَ: "أَستَغفِرُ الله الَّذي لَا إِلَهَ إلَّا هو، الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه"، ثلاث مَرَّاتٍ - أو: مرَّةً، شَكَّ صفوانُ -، غُفِرَ له، وإِن فرَّ من الزَّحف". ولم يقع الشَّكُّ في رواية أبي نُعيمٍ. قال ابنُ الجَوزِيِّ: "هذا حديثٌ لا يَصِحُّ؛ قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: بِشرُ

стр. 876

ابن رافعٍ ليس بشيءٍ" ا. هـ، وضَعَفَّه النَّسَائِيُّ، وقال أبو حاتمٍ، والدَّارَقُطنِيُّ: "مُنكَرُ الحديث"، وتَكَلَّم فيه آخرُون. وأمَّا حديثُ البَرَاء بن عَازِبٍ. فأخرجه الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٧٣٨)، وفي "الصَّغير" (٨٣٩)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٧١٥)، والدَّارَقُطنِيُّ في "الأَفراد" - كما في "أطراف الغَرائِب" (١٤٤٩) - من طريق أبي يُوسُف القُلُوسِيِّ يعقُوبَ بن إسحاق، نا عليُّ بنُ حُميدٍ، نا عُمَرُ بنُ فَرقَدٍ البَزَّارُ، عن عبد الله بن المُختَار، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ، عن البَرَاء بن عَازِبٍ مرفُوعًا: "مَن قَالَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه"، غُفِرَ له، وإِن فرَّ من الزَّحف". قال الدَّارَقُطنِيُّ: "غريبٌ مِن حديث أبي إسحاقَ، عن البَراء. غريبٌ مِن حديث عبد الله بن المُختار، عنه. تفرَّد به: عُمرُ بنُ فَرقَدٍ البزَّارُ. ولا نعلَمُ حدَّث به غيرُ أبي يُوسُف القُلُوسِيُّ". وقال الطَّبرانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق إلَّا عبد الله بنُ المُختار، ولا عن عبد الله بن المُختار إلَّا عُمرُ بنُ فَرقَدٍ، ولا عن عُمَرَ بن فَرقَدٍ إلَّا عليُّ بنُ حُميدٍ. تفرَّد به: يعقُوبُ بنُ إسحاق". ولم يتفَرَّد به عبدُ الله بنُ المُختار كما رأيتَ. وقد نبَّهتُ على ذلك في "تنبيه الهاجِد" (١٣٨)، والحمدُ لله تعالى. وأعلَّه ابنُ عَديٍّ قائلًا: "لا أَعرِفُ لعُمَرَ بن فَرقَدٍ غيرَ هذا الحديث، وفي حديثه نَظَرٌ"، فيَظهرُ من نقد ابن عَديٍّ أنَّه مجهولٌ.

стр. 877

وعليُّ بنُ حُميدٍ هو عندي السَّلُولِيُّ، قال أبو زُرعَة: "لا أعرفه"، كما في "الجَرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ١٣٨)، وذَكَرَه ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٤٦٢)، وقال: "يُغرِبُ"، ورَوَى له العُقَيليُّ حديثًا رَفَعَه عن شُعبة لم يُتَابَع عليه. وخالَفه عمرُو بنُ مرزوقٍ، فرواه عن شُعبَةَ موقوفًا. قال العُقَيليُّ: "وهو أولَى"، واستَغرَب الذَّهبيُّ المرفُوعَ جدًّا. وقد جاء الحديثُ من وجهٍ آخرَ، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ، بلفظ: "مَن استَغفَرَ الله في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاث مرَّاتٍ، فقال: "أَستَغفِرُ الله. . ." الخ". أخرَجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (١٣٧) قال: أخبَرَنا أبو يَعلَى، - وهذا في "مُسنَده"، كما في "المطالب العالية" (٢٨٩)، و"إِتحاف السَّادة" (٣/ ٢٩١) -، قال [يعني أبا يَعلَى]: حدَّثَنا عَمرُو بنُ الحُصَين، ثنا سعيدُ بنُ راشدٍ، عن الحَسَن بن ذكوان، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ. وعَمرُو بنُ الحُصين أَحَدُ التَّلفَى. وسعيدُ بنُ راشدٍ لا أدري: هل هو المُرادِيُّ أم لا؟ فإن يكُنهُ فقد قال في "اللِّسان": "لا يُعرَف"، وإلَّا فليُحرَّر. والحَسَنُ بنُ ذَكوان - ووقع في كتاب "ابن السُّنِّيِّ": الحُسين، بياءٍ زائدةٍ. وهو عِندي تصحيفٌ؛ فالحَسَنُ بن ذَكوَانَ هو الذي يَروي عن أبي إسحاق، ويَروِي عنه سعيدُ بن راشدٍ، كما في "تهذيب المِزِّيِّ" (٦/ ١٤٦). والحَسَنُ هذا - ضعيفٌ في رأي أكثرِ النُّقَّاد، ووثَّقه ابنُ حِبَّان، ومشَّاه ابنُ عَدِيٍّ، وكان يُدَلِّسُ.

стр. 878

وأبو إسحاقَ السَّبيعِيُّ كان تغيَّر، وهو مُدلِّسٌ أيضًا. فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا. والله أعلم. أمَّا حديثُ زيدٍ، مولى النَّبيِّ ﷺ . فأخرَجَهُ أبو داوُد (١٥١٧)، ومِن طريقه البَيهَقِيُّ في "الأسماء والصِّفات" (ص ٤٧)، والبُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، وعنه التِّرمذيُّ في "سُنَنه" (٣٥٧٧)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٧/ ٦٦)، قال ثَلَاثَتُهم: حدَّثَنا مُوسى بنُ إسماعيل التَّبُوذَكِيُّ، ثنا حَفصُ بنُ عُمَر الشَّنِّيُّ، قال: حدَّثَني أبي عُمَرُ بنُ مُرَّةَ، قال: سمعتُ بِلالَ بن يسار بن زيدٍ، حدَّثَني أبي، عن جَدِّي، سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ ، يقُول: "مَن قال: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه"، غُفر له، وإن كان فرَّ من الزَّحف". وأخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٣/ ١١٤٣ - ١١٤٤) من وُجُوهٍ أُخرَى عن التَّبُوذَكِيِّ. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعرِفُهُ إلَّا من هذا الوجه"، فهذا من التِّرمذِيِّ تضعيفٌ للحديث من هذا الوجه. وخالَفَهُ المُنذِرِيُّ فقال في "التَّرغيب والتَّرهيب" (٢/ ٤٧٠): "وإسنادُهُ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ؛ فقد ذَكَرَ البُخاريُّ في "تاريخه الكبير" أن بِلالًا سمِعَ من أبيه يسارٍ، وأنَّ يَسَارًا سمع من أبيه زيدٍ مولى النَّبيِّ ﷺ . وقد اختُلف في "يسارٍ" والدِ "بلال"، هل هو بالباء المُوحَّدة، أو بالياء المُثنَّاة تحتُ، وذَكَرَ البُخاريُّ في "تاريخه" أنَّهُ بالمُوحَّدة. والله أعلم" انتهَى.

стр. 879

• قلتُ: وفي كلام المُنذِرِيِّ نَظَرٌ، من وُجُوهٍ: الأوَّل: في حُكمِهِ بجودة الإسناد. والصَّوابُ ضعفُهُ؛ لأن بِلالًا وأباه يسارًا مَجهُولَان، ولم يُوَثِّقهُما إلَّا ابنُ حِبَّانَ (٥/ ٥٥٧، و ٦/ ٩١)، وتساهُلُه في توثيق هذه الطَّبقات معروفٌ عند أهل العِلم، ومع ذلك فقد ذَكَرَ العراقيُّ هذا الحديث في "تخريج الإحياء" (١/ ٤٥٠)، ثُمَّ قال: "رجالُهُ مُوَثَّقُون"!! فالصَّوابُ أن الإسناد ضعيفٌ؛ لَجَهَالَةِ بلالٍ وأبيه. فقولُهُ: "مُتَّصِلٌ" لم يَعُد مُجْدِيًا، بعد ثُبُوت ضعفه. الثَّاني: قولُ المُنذرِيِّ: إنه اختُلِف في والد "بلالٍ"، هل هو بالمُوحَّدة أو بالتَّحتانِيَّة؟ ثُمَّ ذَكَر أن البُخارِيَّ رَجَّح أنَّهُ بالمُوحَّدة؛ "بلال" اسمُهُ: "بَشَّارٌ" بالباء بعدها شِينٌ مُعجَمة. وهذا الاختلافُ في اسم والد بِلالٍ لا أَدرِي مِن أين أَتَى به المُنذِرِيُّ، وكيف نَسَبَ إلى كتاب البُخاريِّ أنَّهُ بالباء المُوحَّدة، مع أن الذي في "تاريخ البُخاريِّ" وغيره مِن كُتُب التَّرَاجم أنه "يَسَارٌ" بالياء التَّحتانِيَّة. والله أعلم. هذا خُلاصَةُ ما تَعَقَّب به الحافظُ النَّاجِيُّ المُنذِرِيَّ في كتابه "عُجالة الإملاء". وأمَّا حديث أنسٍ. فأخرَجَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٨١ - ٣٨٢)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٤٩) من طريق أحمد بن مُحمَّد بن

стр. 880

غالبِ غُلامِ خَليلٍ، قال: حدَّثَنا دينارُ بنُ عبد الله خادمُ أنَس بن مالكٍ، عن أَنسٍ مرفُوعًا: "إِذَا قال العبدُ: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القَيُّومَ، وأتوب إليه"، غُفر له، وإن كان مُوَلِّيًا من الصَّفِّ". قال ابنُ الجَوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ. قال ابنُ عَدِيٍّ: دِينَارٌ مُنكَرُ الحديث، ذاهبُ الحديث، شِبهُ المجهولِ. وغلامُ خليلٍ، كان يقولُ: وَضعْنَا أحاديثَ لِنُرَقِّقَ بها قُلوبَ العامَّة". وأمَّا حديثُ ابن مَسعُودٍ. فأخرَجَهُ الحاكِمُ في "كتاب الدُّعاء" (١/ ٥١١) من طريق مُحمَّد بن سابقٍ. وأيضًا في "كتاب الجهاد" (٢/ ١١٧، ١١٨) من طريق مُحمَّد بن يُوسُف الفِريَابِيِّ. قالا: ثنا إِسرائِيلُ، عن أبي سِنانَ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ مرفُوعًا: "مَن قَالَ: "أَستَغفِرُ الله، الذي لا إله إلَّا هو، الحى القَيُّومَ، وأتُوبُ إليه" ثلاثًا، غُفِرَت ذنوبُه، وإن كان فارًّا من الزَّحف". قال الحاكمُ في المَوضِع الأوَّل: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخَين"، وقال في الموضع الثَّاني: "على شرط مُسلِمٍ"، وحُكمُه الثَّاني هو الصَّواب. وقد تَعَقَّب الذَّهَبيُّ الحاكمَ في الموضع الأوَّل، فقال: "أبو سِنانَ هو ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ، لم يُخَرِّج له البُخاريُّ" ا. هـ. وأُضِيفُ إلى قول الذَّهبيِّ أن أبا الأحوص - واسمُهُ: عَوفُ بنُ مالكٍ الجُشَمِيُّ - ليس مِن رجال البُخارِيِّ في "الصَّحيح"، فالصَّوابُ أن
следующие страницы →