ابن رافعٍ ليس بشيءٍ" ا. هـ، وضَعَفَّه النَّسَائِيُّ، وقال أبو حاتمٍ، والدَّارَقُطنِيُّ: "مُنكَرُ الحديث"، وتَكَلَّم فيه آخرُون.
وأمَّا حديثُ البَرَاء بن عَازِبٍ.
فأخرجه الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٧٣٨)، وفي "الصَّغير" (٨٣٩)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٧١٥)، والدَّارَقُطنِيُّ في "الأَفراد" - كما في "أطراف الغَرائِب" (١٤٤٩) - من طريق أبي يُوسُف القُلُوسِيِّ يعقُوبَ بن إسحاق، نا عليُّ بنُ حُميدٍ، نا عُمَرُ بنُ فَرقَدٍ البَزَّارُ، عن عبد الله بن المُختَار، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ، عن البَرَاء بن عَازِبٍ مرفُوعًا: "مَن قَالَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه"، غُفِرَ له، وإِن فرَّ من الزَّحف".
قال الدَّارَقُطنِيُّ: "غريبٌ مِن حديث أبي إسحاقَ، عن البَراء. غريبٌ مِن حديث عبد الله بن المُختار، عنه. تفرَّد به: عُمرُ بنُ فَرقَدٍ البزَّارُ. ولا نعلَمُ حدَّث به غيرُ أبي يُوسُف القُلُوسِيُّ".
وقال الطَّبرانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق إلَّا عبد الله بنُ المُختار، ولا عن عبد الله بن المُختار إلَّا عُمرُ بنُ فَرقَدٍ، ولا عن عُمَرَ بن فَرقَدٍ إلَّا عليُّ بنُ حُميدٍ. تفرَّد به: يعقُوبُ بنُ إسحاق".
ولم يتفَرَّد به عبدُ الله بنُ المُختار كما رأيتَ. وقد نبَّهتُ على ذلك في "تنبيه الهاجِد" (١٣٨)، والحمدُ لله تعالى.
وأعلَّه ابنُ عَديٍّ قائلًا: "لا أَعرِفُ لعُمَرَ بن فَرقَدٍ غيرَ هذا الحديث، وفي حديثه نَظَرٌ"، فيَظهرُ من نقد ابن عَديٍّ أنَّه مجهولٌ.
стр. 877
وعليُّ بنُ حُميدٍ هو عندي السَّلُولِيُّ، قال أبو زُرعَة: "لا أعرفه"، كما في "الجَرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ١٣٨)، وذَكَرَه ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٤٦٢)، وقال: "يُغرِبُ"، ورَوَى له العُقَيليُّ حديثًا رَفَعَه عن شُعبة لم يُتَابَع عليه.
وخالَفه عمرُو بنُ مرزوقٍ، فرواه عن شُعبَةَ موقوفًا.
قال العُقَيليُّ: "وهو أولَى"، واستَغرَب الذَّهبيُّ المرفُوعَ جدًّا.
وقد جاء الحديثُ من وجهٍ آخرَ، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ، بلفظ: "مَن استَغفَرَ الله في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاث مرَّاتٍ، فقال: "أَستَغفِرُ الله. . ." الخ".
أخرَجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (١٣٧) قال: أخبَرَنا أبو يَعلَى، - وهذا في "مُسنَده"، كما في "المطالب العالية" (٢٨٩)، و"إِتحاف السَّادة" (٣/ ٢٩١) -، قال [يعني أبا يَعلَى]: حدَّثَنا عَمرُو بنُ الحُصَين، ثنا سعيدُ بنُ راشدٍ، عن الحَسَن بن ذكوان، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ.
وعَمرُو بنُ الحُصين أَحَدُ التَّلفَى.
وسعيدُ بنُ راشدٍ لا أدري: هل هو المُرادِيُّ أم لا؟ فإن يكُنهُ فقد قال في "اللِّسان": "لا يُعرَف"، وإلَّا فليُحرَّر.
والحَسَنُ بنُ ذَكوان - ووقع في كتاب "ابن السُّنِّيِّ": الحُسين، بياءٍ زائدةٍ. وهو عِندي تصحيفٌ؛ فالحَسَنُ بن ذَكوَانَ هو الذي يَروي عن أبي إسحاق، ويَروِي عنه سعيدُ بن راشدٍ، كما في "تهذيب المِزِّيِّ" (٦/ ١٤٦). والحَسَنُ هذا - ضعيفٌ في رأي أكثرِ النُّقَّاد، ووثَّقه ابنُ حِبَّان، ومشَّاه ابنُ عَدِيٍّ، وكان يُدَلِّسُ.
стр. 878
وأبو إسحاقَ السَّبيعِيُّ كان تغيَّر، وهو مُدلِّسٌ أيضًا.
فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا. والله أعلم.
أمَّا حديثُ زيدٍ، مولى النَّبيِّ ﷺ .
فأخرَجَهُ أبو داوُد (١٥١٧)، ومِن طريقه البَيهَقِيُّ في "الأسماء والصِّفات" (ص ٤٧)، والبُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، وعنه التِّرمذيُّ في "سُنَنه" (٣٥٧٧)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٧/ ٦٦)، قال ثَلَاثَتُهم: حدَّثَنا مُوسى بنُ إسماعيل التَّبُوذَكِيُّ، ثنا حَفصُ بنُ عُمَر الشَّنِّيُّ، قال: حدَّثَني أبي عُمَرُ بنُ مُرَّةَ، قال: سمعتُ بِلالَ بن يسار بن زيدٍ، حدَّثَني أبي، عن جَدِّي، سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ ، يقُول: "مَن قال: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه"، غُفر له، وإن كان فرَّ من الزَّحف".
وأخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٣/ ١١٤٣ - ١١٤٤) من وُجُوهٍ أُخرَى عن التَّبُوذَكِيِّ.
قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعرِفُهُ إلَّا من هذا الوجه"، فهذا من التِّرمذِيِّ تضعيفٌ للحديث من هذا الوجه.
وخالَفَهُ المُنذِرِيُّ فقال في "التَّرغيب والتَّرهيب" (٢/ ٤٧٠): "وإسنادُهُ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ؛ فقد ذَكَرَ البُخاريُّ في "تاريخه الكبير" أن بِلالًا سمِعَ من أبيه يسارٍ، وأنَّ يَسَارًا سمع من أبيه زيدٍ مولى النَّبيِّ ﷺ . وقد اختُلف في "يسارٍ" والدِ "بلال"، هل هو بالباء المُوحَّدة، أو بالياء المُثنَّاة تحتُ، وذَكَرَ البُخاريُّ في "تاريخه" أنَّهُ بالمُوحَّدة. والله أعلم" انتهَى.
стр. 879
• قلتُ: وفي كلام المُنذِرِيِّ نَظَرٌ، من وُجُوهٍ:
الأوَّل: في حُكمِهِ بجودة الإسناد.
والصَّوابُ ضعفُهُ؛ لأن بِلالًا وأباه يسارًا مَجهُولَان، ولم يُوَثِّقهُما إلَّا ابنُ حِبَّانَ (٥/ ٥٥٧، و ٦/ ٩١)، وتساهُلُه في توثيق هذه الطَّبقات معروفٌ عند أهل العِلم، ومع ذلك فقد ذَكَرَ العراقيُّ هذا الحديث في "تخريج الإحياء" (١/ ٤٥٠)، ثُمَّ قال: "رجالُهُ مُوَثَّقُون"!!
فالصَّوابُ أن الإسناد ضعيفٌ؛ لَجَهَالَةِ بلالٍ وأبيه.
فقولُهُ: "مُتَّصِلٌ" لم يَعُد مُجْدِيًا، بعد ثُبُوت ضعفه.
الثَّاني: قولُ المُنذرِيِّ: إنه اختُلِف في والد "بلالٍ"، هل هو بالمُوحَّدة أو بالتَّحتانِيَّة؟ ثُمَّ ذَكَر أن البُخارِيَّ رَجَّح أنَّهُ بالمُوحَّدة؛ "بلال" اسمُهُ: "بَشَّارٌ" بالباء بعدها شِينٌ مُعجَمة.
وهذا الاختلافُ في اسم والد بِلالٍ لا أَدرِي مِن أين أَتَى به المُنذِرِيُّ، وكيف نَسَبَ إلى كتاب البُخاريِّ أنَّهُ بالباء المُوحَّدة، مع أن الذي في "تاريخ البُخاريِّ" وغيره مِن كُتُب التَّرَاجم أنه "يَسَارٌ" بالياء التَّحتانِيَّة. والله أعلم.
هذا خُلاصَةُ ما تَعَقَّب به الحافظُ النَّاجِيُّ المُنذِرِيَّ في كتابه "عُجالة الإملاء".
وأمَّا حديث أنسٍ.
فأخرَجَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٨١ - ٣٨٢)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٤٩) من طريق أحمد بن مُحمَّد بن
стр. 880
غالبِ غُلامِ خَليلٍ، قال: حدَّثَنا دينارُ بنُ عبد الله خادمُ أنَس بن مالكٍ، عن أَنسٍ مرفُوعًا: "إِذَا قال العبدُ: "أَستَغفِرُ الله! الذي لا إله إلَّا هو، الحيَّ القَيُّومَ، وأتوب إليه"، غُفر له، وإن كان مُوَلِّيًا من الصَّفِّ".
قال ابنُ الجَوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ. قال ابنُ عَدِيٍّ: دِينَارٌ مُنكَرُ الحديث، ذاهبُ الحديث، شِبهُ المجهولِ. وغلامُ خليلٍ، كان يقولُ: وَضعْنَا أحاديثَ لِنُرَقِّقَ بها قُلوبَ العامَّة".
وأمَّا حديثُ ابن مَسعُودٍ.
فأخرَجَهُ الحاكِمُ في "كتاب الدُّعاء" (١/ ٥١١) من طريق مُحمَّد بن سابقٍ. وأيضًا في "كتاب الجهاد" (٢/ ١١٧، ١١٨) من طريق مُحمَّد بن يُوسُف الفِريَابِيِّ. قالا: ثنا إِسرائِيلُ، عن أبي سِنانَ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ مرفُوعًا: "مَن قَالَ: "أَستَغفِرُ الله، الذي لا إله إلَّا هو، الحى القَيُّومَ، وأتُوبُ إليه" ثلاثًا، غُفِرَت ذنوبُه، وإن كان فارًّا من الزَّحف".
قال الحاكمُ في المَوضِع الأوَّل: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخَين"، وقال في الموضع الثَّاني: "على شرط مُسلِمٍ"، وحُكمُه الثَّاني هو الصَّواب.
وقد تَعَقَّب الذَّهَبيُّ الحاكمَ في الموضع الأوَّل، فقال: "أبو سِنانَ هو ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ، لم يُخَرِّج له البُخاريُّ" ا. هـ.
وأُضِيفُ إلى قول الذَّهبيِّ أن أبا الأحوص - واسمُهُ: عَوفُ بنُ مالكٍ الجُشَمِيُّ - ليس مِن رجال البُخارِيِّ في "الصَّحيح"، فالصَّوابُ أن
стр. 881
الحديث صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ.
فحاصلُ البَحثِ أن المُعوَّلَ عليه هو حديثُ ابن مسعُودٍ، وبَقِيَّةُ الأحاديث ساقِطةٌ عن حَدِّ الاعتبار بها.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 882
٢٤٨ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" دَخَلَ الجَنَّةَ".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ ابنُ خُزَيمة في "التَّوحيد" (ص: ٣٤١ - ٣٤٢)، وابنُ حِبَّانَ (١٥١) من طريق مُحَرَّرِ بن قَعنَبِ البَاهِليِّ، ثنا رِيَاحُ بنُ عَبِيدَةَ، عن ذَكوانَ السَّمَّان، عن جابر بن عبد الله، قال: بَعَثَنِي رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "نَادِ فِي النَّاس: مَن قال: "لا إله إلَّا اللهُ" دَخَل الجَنَّة". فخَرَجَ، فلَقِيَهُ عُمَرُ في الطَّريق، فقال: "أين تُريدُ؟ "، قلتُ: "بَعَثَني رسول الله ﷺ بِكَذَا وكَذَا"، قال: "ارجع! "، فأبيتُ، فلَهَزَنِي لهزةً في صدري ألَمُها (١)، فرَجَعتُ، ولَم أَجِد بُدًّا، قال: "يا رسول الله! بَعَثتَ هذا بكذا وكذا؟ "، قال: "نَعَم! "، قال: "يا رَسُول الله! إنَّ النَّاس قد طَمِعُوا وخَبُثُوا"، فقال رسولُ الله ﷺ : "اُقعُد".
وهذا سَندٌ قويٌّ؛ والمُحَرَّرُ بنُ قَعنَبٍ وَثَّقَهُ أحمدُ في روايةٍ، وأبو زُرعة، وقال أحمدُ في روايةٍ: "لا بأس به".
و"رِياحُ" بكسر الرَّاء، بعدها ياءٌ تحتيَّةٌ، ثمَّ حاءٌ مُهمَلةٌ. و"عَبِيدَةُ" بفتح العَين المهمَلة: كان مِن جُلَساء عمر بن عبد العزيز.
стр. 883
وذَكوَانُ هو أبو صالحٍ، وهو بكُنيَتِه أشهرُ منه باسمِه.
وأخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ١٧٤) مِن طريق مُحمَّد بن بَشَّارٍ، ثنا ابنُ أبي عَديِّ، ثنا شُعبة، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، عن أنَسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ قال لمُعاذ بن جَبَلٍ: "مَن قال: "لا إله إلَّا اللهُ" دَخَلَ الجَنَّة".
وهذا إسنادٌ صحيحٌ.
وأخرجه أبو نُعيمٍ أيضًا (٩/ ٢٥٤) من حديث زيد بن أَرقَمٍ مرفُوعًا، بسندٍ ضعيفٍ جدًّا.
وأخرَجَهُ الحاكمُ في "كتاب التَّوبة والإنابة" (٤/ ٢٥١ - المستدرك) مِن حديث أبي طَلحَة، بسَنَدٍ ضعيفٍ، وفيه زيادةٌ.
وأخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٣٦) قال: حدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيَينة، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: سَممِعتُ جابرَ بنَ عبد الله، يقُول: أنا مَن شَهِدَ مُعاذًا حِين حَضَرَتهُ الوفاةُ، يقولُ: اكشِفُوا عني سِجْفَ القُبَّةِ، أُحَدِّثُكم حديثًا سَمِعتُه مِن رسول الله ﷺ - وقال مَرَّةً: أُخبِرُكُم بشيءٍ سمِعتُهُ مِن رسول الله ﷺ ، لَم يَمنَعني أن أُحَدِّثَكُمُوهُ إلَّا أن تَتَّكِلُوا، سَمِعتُهُ يقول: "مَن شَهِدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، مُخلِصًا من قلبِه - أو: يقينًا من قلبه -، لَم يَدخُل النَّارَ - أو: دَخَلَ الجَنَّة. وقال مرَّةً: دَخَلَ الجَنَّة، ولم تمسَّه النَّارُ - ".
وأخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ (٤) مِن طريق ابن أبي زائدة. .
وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٣١٢) من طريق أبي نُعيمٍ الفضلِ بن دُكينٍ، قالا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينة بهذا الإسناد.
وهذا سندٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
стр. 884
ولفظُ أبي نُعيمٍ: "مَن قال: لا إله إلَّا الله. . .".
والحديثُ في "صحيح مُسلِمٍ" (٤٧/ ٢٩) من حديث عُبادة بن الصَّامِت.
وله ألفاظٌ أُخرَى، وإنما حَرَصتُ على تخريج اللَّفظ الذي ذَكَرَهُ السائلُ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 885
٢٤٩ - سُئلتُ عن حديث: "الزَّبَانِيَةُ أَسرَعُ إِلَى فَسَقَةِ القُرَّاءِ مِنهُم إِلَى عَبَدَةِ الأَوثَانِ، فَيَقُولُونَ: يُبدَأُ بِنَا قَبلَ عَبَدَةِ الأَوثَانِ؟! فَيُقَالُ لَهُم: لَيسَ مَن يَعلَمُ كَمَن لَا يَعلَمُ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "جُزءٍ من حديثِه" (ق ١٩٦/ ٢ - انتقاء ابن مَردَوَيه)، وعنه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٢٨٦)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" (١/ ٢٦٦) قال: حدَّثَنا مُوسى بنُ مُحمَّد بن كثيرٍ السِّرِّينيُّ (١) أبو هارُون، ثنا عبدُ المَلِك بنُ إبراهيم الجُدِّيُّ، ثنا عبدُ الله بنُ عبد العزيز العُمَرِيُّ، عن أبي طوالَةَ، عن أنسٍ فذَكَرَه.
قال أبو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديث أبي طوالَةَ. تفرَّدَ به عن العُمَرِيِّ".
• قلتُ: أمَّا العُمَرِيُّ فوثَّقَه النَّسائيُّ وابن حِبَّان. وقال ابن مَعِينٍ: "صالحٌ. ليس به بأسٌ". قال ابن حِبَّان: "ولعلَّ كلَّ شيءٍ حدَّثَ في الدُّنيا لا يكُون إلَّا أربعةَ أحاديثَ".
وأبُو طوالَةَ هو عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن عَمْرٍو. من ثقات أهل المَدِينَة.
وعبدُ الملك بنُ إبراهيم الجُدِّيُّ مِن رجال البُخارِيِّ. وثَّقَه ابنُ حِبَّان
стр. 886
والدَّارقُطنِيُّ، وقال أبو زُرعَة: "لا بأس به".
قال السِّيُوطِيُّ في "اللَّآلئ المصنُوعَة" (١/ ٢٢٤): "ولم أَرَ لعبدِ المَلِك ذِكرًا في الميزان، ولا اللِّسان"، فقال الزَّبِيدِيُّ في "إتحاف السَّادة المُتَّقين" (١/ ٣٧٠): "وهذا غريبٌ من الحافظ السِّيُوطِيِّ. عبدُ المَلِك الجُدِّيُّ ثقةٌ، من رجال البُخارِيِّ، وأبي داوُد، والتِّرمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ" ا. هـ.
• قلتُ: وهذا الاستغرابُ من الزَّبِيدِيِّ إنَّما بناه على فهمه أن السِّيُوطِيَّ لم يَعرِف عبدَ المَلِك. وليس مُرادُ السِّيُوطِيِّ ما فَهِمَه عنه الزَّبِيدِيُّ من أنَّه لا يَعرِفُه، بل مُرادُ السِّيُوطِيِّ أن عبدَ المَلِك ثقةٌ، ليس فيه قَدحٌ؛ فلو كان فيه لكان مِن رجال "المِيزَان" و"اللِّسَان"، وهُما يَذكُران الرَّجُلَ لأَدنَى مَغمَزٍ، حتى ولو لم يَكُن قادحًا. والله أعلم.
بقي أن أقول: إنَّ عبدَ المَلِك بنَ إبراهيمَ وإن كان ثِقَةً، لكن قال السَّاجِيُّ: "رَوَى عن شُعبَة حديثًا لم يُتابَع عليه"، فهذا مِن شَرط "المِيزَان" و"اللِّسان". والله أعلم.
يَبقَى شيخُ الطَّبَرَانِيِّ، وهو مُوسَى بنُ مُحَمَّدٍ، فقد قال الذَّهَبِيُّ عنه: "عن عبد الملك الجُدِّيِّ، وعنه الطَّبرانِيُّ، بخَبرٍ مُنكَرٍ في عذاب فَسَقَة القُرَّاء" ا. هـ.
وقال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢١٠): "غريبٌ".
وقد رواه جابرُ بنُ مَرزُوقٍ، عن عبد الله العُمَرِيِّ، عن أبي طوالَةَ، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان في "المجرُوحين" (١/ ٢١٥) مُعلَّقًا. ووَصَلَه
стр. 887
الجُوْرْقَانِيُّ في "الأباطيل" (١/ ٨٨) من طريق قُتيبَة بن سعيدٍ، قال: حدَّثَنا جابرُ بنُ مرزُوقٍ به.
قال ابنُ حِبَّان: "جابرُ بنُ مرزُوقٍ شيخُ، من أهل جُدَّةَ، يأتي بما لا يُشبِهُ حديثَ الثِّقات عن الأَثبَات. لا يجُوزُ الاحتجاجُ به. . . - قال: - وهذا خبرٌ باطلٌ. ما قالَهُ رسُولُ الله ﷺ ، ولا أنَسٌ رواه. وأبو طوالَةَ اسمُهُ عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن بن عَمْرِو بن حزمٍ الأَنصارِيُّ، من ثقات أهل المدينة. ليس هذا من حدِيثِه. فكأنَّ القلبَ إلى أنَّه معمُولٌ أَميَلُ" ا. هـ، ومَعمُولٌ يعني: مكذُوبٌ.
وقال الجُوْرْقَانِيُّ: "هذا حديثٌ باطلٌ"، ونَقَل عبارَةَ ابن حِبَّان السَّابقة، قال: "وجابرُ بنُ مرزُوقٍ الجُدِّيُّ هذا، قال أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ: مجهُولٌ".
وقال ابنُ الجَوزِيِّ: "هو حديثٌ لا يصِحُّ عن رسُولِ الله ﷺ ، وإنَّمَا وَضَعَه من يَقصِدُ وَهَنَ العُلَماء. وإنَّما يُبدأ في العِقَاب بالأَعظَم جُرمًا، وجُرمُ الكُفرِ أعظَمُ من جُرمِ الفِسقِ. . . وجابرُ بنُ مرزُوقٍ ليس بشيءٍ، ولعلَّ عبدَ المَلِك الجُدِّيَّ أخذَهُ مِنهُ" ا. هـ.
• قلتُ: وفي هذا اتِّهامٌ لعبدِ المَلِك بالتَّدليس، ولم أَرَ مَن رماه بذلك. والله أعلَمُ.
أمَّا قولُ الزَّبِيدِيِّ في "الإتحاف" (١/ ٣٧٠): "فالصَّوابُ الحُكمُ على حديث الطَّبرانِيِّ بعدم البُطلَان؛ لأنَّ رجالَهُ ثِقاتٌ، غيرَ شيخ الطَّبَرانِيِّ مُوسَى بن مُحمَّد بن كثيرٍ. . . قال: وله شاهدٌ صحيحٌ، رواه التِّرمِذِيُّ،
стр. 888
وحسَّنَه، وابنُ خُزَيمَة، وابنُ حِبَّان، عن أبي هُريرَة. قلتُ: ومُسلمٌ أيضًا نحوه، وأشار إليه الحافظُ المُنذِرِيُّ" ا. هـ.
• قلتُ: أمَّا ثِقَةُ رجالِهِ فإنَّها وحدَهَا لا تَكفِي لعَدَم الحُكم بالبُطلان.
نَعَم! تَكفِي لعدم الحُكم بالوَضع. وبَينَهُما فَروقٌ لا يَخفَى. والله أعلم.
وقد صحَّ هذا القولُ عن أبي سُليمانَ الدَّارَانِيِّ.
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "شُعَب الإيمان" (٥/ ٥٥٧).
والحمدُ لله على التَّوفِيق.
стр. 889
٢٥٠ - سُئلت عن: حديث التَّلقين.
وقال السَّائل: أنَّه قد سَمعَ بعضَ الخُطباء يَستَحِبُّ العملَ به، وذَكَر أن بعض العُلماء صحَّحه.
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ مُنكَرٌ.
وقد أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" - كما في "مَجمَع الزَّوائد" (٣/ ٤٥) - من طريق سعيد بن عبد الله الأَوْدِيِّ، قال: شَهِدتُ أبا أُمَامَة وهو في النَّزْعِ، فقال: إِذَا أنا مِتُّ، فاصنَعوا بي كَمَا أَمَرَ رسولُ الله ﷺ ، فقال: "إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِن إِخوَانِكُم، فَسَوَّيتُم التُّرَابَ عَلَى قَبرِهِ، فَليَقُم أَحَدُكُم عَلَى رَأسِ قَبرِهِ، ثُمَّ ليَقُل: "يَا فُلَانَ ابنَ فُلَانَةَ! "، فَإِنَّهُ يَسمَعُهُ، ولا يُجِيبُ، ثمَّ يَقُولُ: "يَا فُلَانَ ابنَ فُلَانَةَ! "، فَإِنَّهُ يَستَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: "يَا فُلَانَ ابنَ فَلَانَةَ! "، فَإِنَّهُ يَقُولُ: "أَرشِد! يَرحَمُكَ اللهُ! "، وَلَكِن لَا تَشعُرُونَ، فَليَقُل: "اُذكُر مَا خَرَجتَ عَلَيهِ مِنَ الدُّنيَا: شَهَادَةَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه، وَأنَّكَ رَضِيتَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالقُرآن إِمَامًا"، فَإِنَّ مُنكَرًا وَنَكِيرًا، يَأخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ، وَيَقُولُ: "انطلِق! مَا نَقعُدُ عِندَ مَن قَد لُقِّنَ حُجَّتَهُ! "، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُما"، فقال رَجُلٌ: "يا رَسُول الله! فَإِن لَم يَعرِف أُمَّه؟ "، قال: "يَنسِبُهُ إِلَى حَوَّاءَ ﵍: يا فُلَانَ ابنَ حَوَّاءَ". قال الهَيثَميُّ في "المَجمَع": "في إسناده جَمَاعةٌ لَم أَعرِفهُم".
стр. 890
وأخرَجَهُ الخِلَعِيُّ في "الفوائد" - كما في "الضَّعيفة" (٥٩٩) -.
وفي إِسنادِهِ عُتبةُ بنُ السَّكَن، وقد تَرَكَهُ الدَّارَقُطنِيُّ، وقال البَيهَقِيُّ: "وَاهٍ، مَنسُوبٌ إلى الوَضعِ".
هذا مع جهالة جماعةٍ في الإسناد.
وقد تَتَابَعَت عِباراتُ أهل العِلم في تضعيفه. .
فقال ابنُ عَديٍّ: "مُنكَرٌ".
وقال ابنُ الصَّلَاح - كما في "الأذكار" (ص ١٧٤) للنَّوَوِيِّ -: "لَيسَ إِسنادُهُ بِالقَائِم".
وضَعَّفه النَّوَوِيُّ في "المَجمُوع" (٥/ ٣٠٤)، وفي "الفتاوَى" (ص ٥٤).
وقال ابنُ تَيمِيَّة في "مَجمُوع الفتاوَى" (٢٤/ ٢٩٦): "وهُو مِمَّا لا يُحكَم بصِحَّتِه".
وقال ابنُ القَيِّم في "زاد المَعَاد" (١/ ٥٢٣): "لا يَصِحُّ رفعُه"، وقال في "تهذيب سنن أبي داوُد" (١٣/ ٢٩٣): "وهذا الحديثُ مُتَّفَقٌ على ضعفه".
وضعَّفه العِراقيُّ في "تخريج أحاديث الإحياء" (٤/ ٤٢٠). والحافظُ في "الفَتح" (١٠/ ٥٦٣)، وفي "نتائج الأفكار"، وقال: "ضَعيفٌ جِدًّا". والزَّركَشِيُّ في "اللَّآلِئ المَنثُورة" (ص ٥٩)، والسِّيُوطِيُّ في "الدُّرَر المُنتَثِرَة" (ص ٢٥)، والصَّنعانِيُّ في "سُبُل السَّلام" (٢/ ١١٤)،
стр. 891
وقال: "ويَتَحَصَّلُ مِن كلام أَئِمَّة التَّحقيق أنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ، والعَمَلُ به بدعَةٌ، ولا يُغتَرُّ بكثرة من يفعلُه" انتهَى، وهذا هو الصَّواب الذي لا مَحِيدَ عَنهُ.
وإِنَّما تمسَّك مَن ذهب إلى العَمَل به بِكلامِ ابن الصَّلَاح، واغتَرَّ به النَّوَوِيُّ، حيث قال الأوَّلُ: "ولكن اعتَضَدَ بشواهدَ، وبعملِ أهل الشَّام به قديمًا"، وأضاف النَّوَوِيُّ: "وقد اتفَق علماءُ الحديث وغيرُهم، على المُسامَحَةِ في أحاديث الفَضَائل والتَّرغيب".
ونَقلُ دَعوَى الاتِّفاق في غاية الغَرَابة؛ إذ الخِلافُ في هذه المسألة مشهورٌ معروفٌ.
ثُمَّ مَن هُم "أهلُ الشَّام" الذين عناهم ابنُ الصَّلاح، إلَّا العوامَّ، الذين لا يَعرِفُون قَبيلًا من دَبيرٍ!
وإذا أَرَدنَا أن نُحَرِّر المَسأَلة، فيَنبَغِي أن نُحَدِّدَ معنى "المُسامَحة"، وما هو مَفهومُها.
والذي يَتَحَصَّلُ من كلام النُّقَّاد، أن المُسامَحة مع الرَّاوِي: أن لا يَكُون في الدَّرَجة العُليا من الضَّبط والإِتقان، فنَقبَلُ أحاديثَ ابن إسحاق، وابنِ عَجلان، وعبدِ الله بن مُحمَّد بن عقيل، وأضرابِهم. وحديثُ هؤلاء حَسَنٌ عند أكثر المُتأَخِّرين. ثُمَّ هؤلاء المُتأخِّرُون تَسَامَحُوا غاية التَّسَامُح في تطبيق قاعدة: "يُعمَل بالضَّعيف في فضائل الأعمال"، فصارُوا لا يُفَرِّقُون بين الضَّعيفِ وشديدِ الضَّعف؛ لأنَّ كثيرًا مِنهُم لم يَكُن عِندَه "ذَوقُ" المُحَدِّثين، ولا نَقدُ الحُفاظ المُبَرَّزين، فاتَّسَع الخَرْقُ على الرَّاقِع.
стр. 892
وكَم مِن حديثٍ، جَزَمَ أئمَّةُ الحديث وفُرسَانُه ببُطلانِه، أو حَكَمُوا بوضعه، عَمِلَ به هؤلاء المُتأَخِّرُون، بدعوى القاعدة السَّابِقَة.
ثُمَّ إنَّهُ ممَّا يدلُّ على نَكَارَة حديث التَّلقين هذا ما:
أخرَجَهُ البُخاريُّ (٦/ ٢٨٣، و ١٠/ ٥٦٣، و ١٢/ ٣٣٨، و ١٣/ ٦٨)، ومُسلِمٌ (١٢/ ٤٢، ٤٣ - بشرح النَّوَوِيِّ) وغيرُهم مِن حديث ابن عُمَر مرفُوعًا: "إِنَّ الغَادِر يُرفَعُ له لِواءٌ يوم القيامة، يُقالُ: هذه غَدرَةُ فُلَانِ بن فُلَانٍ".
وقد بَوَّب البُخاريُّ على هذا الحديث بقوله: "بَابُ ما يُدعَى النَّاسُ بآبائهم".
وقال ابنُ بَطَّالٍ: "في هذا الحديثِ ردٌّ لقول من زَعَمَ أنَّهُم لا يُدعَون يوم القِيامة إلَّا بأُمَّهَاتِهم؛ سَترًا على آبائهم"، ويُشِيرُ ابنُ بَطَّالٍ إلى أولاد الزِّنَى؛ إِذ لا آباء لهم.
وخُلَاصَةُ البَحث: أن الحديث سَاقِطٌ كما تَرَى.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 893
٢٥١ - سُئلتُ عن: الحديث الوارد في عُقوبة تارك الصَّلاة، وأَنَّهُ يُعاقَب بخَمس عشرة عقوبةً.
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
أخرَجَهُ ابنُ النَّجَّار - كما في "تنزيه الشَّريعة" (٢/ ١١٣ - ١١٤) -، من حديث أبي هُريرَة مرفُوعًا: "مَن تَهَاوَنَ بِصَلَاتِهِ، عَاقَبَهُ اللهُ بِخَمسَ عشرة خَصلةً: سِتَّةٌ منها في الدُّنيا، وثلاثةٌ منها عند المَوت، وثلاثةٌ منها في قَبرِه، وثلاثةٌ منها تصيبُهُ يوم القِيامة إذا خَرَجَ مِن قبرِهِ. فأَمَّا التي تصيبُهُ في دار الدُّنيا، فأَوَّلهُا: يَرفَعُ اللهُ البَرَكةَ مِن رِزقِهِ، والثَّانِيَةُ: يَنزِعُ اللهُ البَرَكة من عُمُرِه، والثَّالِثَةُ: يَرفَعُ اللهُ سِيمَا الصَّالحِين من وَجهِه، والرَّابِعَةُ: لا حَظَّ لَهُ في دُعاء الصَّالحين، والخامسةُ: كُلُّ عملٍ يَعمَلُه مِن أعمال البِرِّ لا يُؤجَرُ عليه، والسَّادِسَةُ: لَا يَرفَعُ اللهُ دُعاءَهُ إلى السَّماء. وأمَّا التي تُصيبُهُ في قبره، فأَوَّلهُا: يُوَكِّلُ اللهُ به مَلَكًا يُزعِجُهُ في قبره إلى يوم القيامة، والثَّانِيَةُ: تكونُ ظُلمةٌ في قَبرِهِ فلا يُضَاءُ له أبدًا، والثَّالِثَةُ: يُضَيِّقُ اللهُ عليه قَبرَه إلى يوم القيامة. وأمَّا التي تُصِيبُهُ مِنهَا إذا خَرَجَ من قبره، فأَوَّلهُا: يُوَكِّلُ اللهُ به مَلَكًا يَسحَبُهُ على حُرِّ وَجهِهِ في عَرَصَات القيامة، والثَّانِيَة: يُحاسِبُهُ حِسابًا طويلًا، والثَّالِثَةُ: لا يَنظُرُ الله إليه ولا يُزَكِّيه وَلَهُ عذابٌ أليمٌ - ثُمَّ تلا النَّبيُّ ﷺ : - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] ".
стр. 894
ولم تَذكُر هذه الرِّوَايةُ الثَّلاث التي تُصِيبُه عند الموت.
وقد أشار الذَّهبيُّ في "الميزان" (٣/ ٦٥٣)، في ترجمة "مُحمَّد بن علي بن العبَّاس البَغدَادِيِّ العَطَّارِ" إلى أن هذا الحديثَ مُفتَعَلٌ وقد ألصَقَهُ مُحمَّدُ بنُ عليّ بن العبَّاس هذا بالإمام الكبير أبي بكرٍ النَّيسابُورِيِّ، فقال: "رَكَّب عَلَى أبي بكرٍ بن زيادٍ النَّيسَابُورِيِّ حديثًا باطلًا في تارك الصَّلاة"، وزاد ابنُ حَجَرٍ في "اللِّسان" (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، قال: "زَعَمَ المذكورُ - يعني: مُحمَّدَ بنَ عليِّ بن العبَّاس -، أن ابن زيادٍ أَخَذَهُ عن الرَّبيع، عن الشَّافِعِيِّ، عن مالكٍ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة ﵁ رَفَعَهُ: "مَن تَهَاوَنَ بصلاته، عاقبهُ الله بخمس عشرة خَصلةً. . . الحديث"، وهو ظاهرُ البُطلان، من أحاديث الطُّرُقِيَّة" انتهى - يعني: من أحاديث الصُّوفِيَّة، أصحاب الطُّرُق الصُّوفِيَّة -.
ومِثلُ هذا الحديث البَاطل لا يُحتَمَلُ أن يجيء بإسنادٍ نَظِيفٍ كهذا، فأَنَّى يُقبَلُ مِن هذا التَّالِف؟!
وهذا أَحَدُ عَلَامَاتِ وضع الحديث عند العُلماء، أن يُروَى حديثٌ مُنكَرٌ بإسنادٍ نظيفٍ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 895
٢٥٢ - سَألَنِي سائل، فقال: سمعتُ بعص الشُّيُوخ يروي حكايةً، عن بعض العُلماء، أنَّهُ كان يَروِي حديث: "مَن كانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ"، فمات هذا العالِم عِند ذكر لَفظِ الجَلالة، فَهَل هذا صحيحٌ؟
• قلتُ: هذه القِصَّةُ صحيحةٌ.
وقد وَقَعَت لعالِمٍ، مِن أكبر عُلماء الحديث في زَمَانِه، وهو عُبَيدُ الله بن عبد الكَريمِ، المعرُوف بـ "أبي زُرعَةَ الرَّازِيِّ"، ﵀ وَرَضِيَ عَنهُ.
وهذه القِصَّةُ أخرَجَهَا ابنُ أبي حاتمٍ في "مُقدِّمَة الجرح والتَّعديل" (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، والخَلِيليُّ في "الإرشاد" (ص ٦٧٧ - ٦٧٨)، والحاكمُ في "عُلوم الحديث" (ص ٧٦)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (ح ٦/ رقم ٩٢٣٧)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٦٩٩ - ٧٠٠)، وابنُ البَنَّاء في "فضلُ التَّهليل وثوابُهُ الجزيل" (٤٩)، والشَّجَرِيُّ في "الأمالي" (١/ ١٣) مِن طريق مُحمَّد بن مُسلِم بن وَارَةَ الرَّازِيِّ، قال: حَضَرتُ مع أبي حاتمٍ الرَّازِيِّ مُحمَّدِ بن إدريس عند أبي زُرعَةَ الرَّازِيِّ، وهو في النَّزْع - يعني: في سِياقَة الموت -، فقُلتُ لأبي حاتمٍ: "تَعَالَ، حَتَّى نُلَقِّنَهُ الشَّهَادَة"، فقال أبو حاتمٍ: "إِنِّي لأستَحيِي من أبي زُرعَة أن أُلَقِّنَهُ الشَّهادة، ولَكِن تعال حتَّى نَتَذَاكَر
стр. 896
الحديث، فلَعَلَّه إذا سَمِعَهُ يقولُ"، فدَخَلَا عليه، - فقال مُحمَّد بن مُسلِمٍ: - فبدَأتُ، فقُلتُ: "حَدَّثَنا أبو عاصمٍ النَّبِيلُ، قال: حدَّثَنا عبدُ الحَمِيدِ بنُ جعفرٍ … "، فَأُرْتِجَ عَليَّ الحديثُ، حتَّى كَأَني ما سَمِعتُهُ ولا قَرَأتُهُ، فبَدَأَ أبو حاتمٍ، وقال: "حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثَنا أبو عاصمٍ النَّبيلُ، عن عبد الحميد بن جعفرٍ … "، فأُرتِجَ عليه، حتَّى كَأَنَّهُ ما قَرَأَهُ ولا سمِعَهُ، فَأَشَارَ أبو زُرعةَ إليهما: "أَن أَجلِسَانِي"، فَجَلَسَ، فقال: "حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثَنا أبو عاصمٍ النَّبيلُ، قال: حدَّثَنا عبدُ الحميد بنُ جعفر، عن صالح بن أبي عَرِيبٍ، عن كَثيرِ بن مُرَّة، عن مُعاذ بن جَبَلٍ، قال: قال رسُول الله ﷺ : "مَن كان آخِرُ كلامِهِ مِنَ الدُّنيا لا إله إلا اللهُ" … "، وخَرَجَت رُوحُه مع الهاء، مِن قبل أن يَقُولَ: "دَخَلَ الجَنَّة".
ورَأَيتُ الحِكايةَ عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٣٣٥).
فرَحمَةُ الله على أَبِي زُرعَة، ومَن في النَّاس كأبي زُرعة؟!
واللهَ أَسأَلُ، أَن يَحشُرَنا وإيَّاهُم تحت لِواء نَبِيِّنَا ﷺ .
стр. 897
تمَّ بحمد الله تعالى
السِّفرُ الثاني من: "إسعاف اللَّبيث"
ويتلُوه السِّفرُ الثالث
وأوَّلُهُ: "إذا كانت أُمراؤُكُم خِيَارَكُم … الحديث"
стр. 898
٢٥٣ - سُئلتُ عن حديثٌ: "إِذَا كَانَت أُمَرَاؤُكُم خِيَارَكُم، وَكَانَت أَغنِيَاؤُكُم سُمَحَاءَكُم، وَكَانَ أَمرُكُم شُورَى بَينكُم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَيرٌ لَكُم مِن بَطنِهَا. وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُم شِرَارَكُم، وَكَانَت أَغنِيَاؤُكُم بُخَلَاءَكُم، وَكَانَت أُمُورُكُم إِلَى نِسَائِكُم، فبطنُ الأَرضِ خَيرٌ لَكُم مِن ظَهرِهَا".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ البَزَّار (ج ٢/ ق ٢٤٢/ ١)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ١٧٦) مِن طريق عَبدان بن أحمد، قال: ثنا عبدُ الله بنُ مُعاوية الجُمَحِيُّ، ثنا صالح المُرِّيُّ، عن سعيدٍ الجُرَيرِيِّ، عن أبي عُثمان النَّهدِيِّ، عن أبي هُريرَة مرفوعًا فذَكَرَه.
قال البَزَّارُ: "وهذا الحديث لا نَعلَمُ رواه عن رسُول الله ﷺ إلَّا أبو هُريرة، ولا نَعلَمُ له طريقًا غيرَ هذا الطَّريق، ولا رواه عن الجُرَيرِيِّ إلا صالحٌ المُرِّيُّ. وصالحٌ كان أحدَ العُبَّاد المجتهدين، وأحسِبُ أن عبادته كانت تَشغَلُه عن تَحَفُّظِ الحديث".
وقال أبو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديثٌ سعيدٍ، وصالحٍ. لم نَكتُبهُ إلَّا مِن حديث عبد الله بن مُعاوية الجُمَحِيِّ".
• قلتُ: قلتُ: وصالحٌ المُرِّيُّ اتَّفَق سائرُ النُّقَّاد على تضعيفه، بل تَرَكَهُ
стр. 899
بعضُهم، كالنَّسائيِّ وابنِ حِبَّان، وضَعَّفَه جِدًّا آخرُون، كابن المَدِينِيِّ والبُخَارِيِّ، وصرح ابنُ حِبَّان أن ابنَ مَعِينٍ كان شديد الحَملِ عليه. وقد مشَّاه ابنُ مَعِينٍ في رِوايةٍ، فكأنَّهُ قَصَدَ صِدقَه. ووَثَّقَه يَعقوبُ الفَسَوِيُّ، وهو توثيقٌ مردُودٌ، أو أنَّهُ قَصدَ عدالتَه.
وعِلَّةٌ أُخرَى، وهي اختلاطُ سعيدٍ الجُرَيرِيِّ، والقاعدةُ عند المُحَدِّثين، أنَّهُم يتَوَقَّفُون في قَبُول حديثٌ من اختَلَط، حتَّى يَقِفُوا على روايةِ مَن رَوَى عنه قبل الاختلاط، وهذا لم يتحَقَّق في هذا الحديث.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 900
٢٥٤ - سُئلتُ عن حديثٌ: "أَنَا أَوَّلُ مَن يُفتَحُ لَهُ بَابُ الجَنَّةِ، فَتَأتِي امرَأَةٌ تُبَادِرُنِي، فَأَقُولُ لهَا: مَا لَكِ؟ وَمَن أَنتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امرَأَةٌ قَعَدتُ عَلَى أَيتَامٍ لِي".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى (٦٦٥١) قال: حدَّثَنا سليمانُ بنُ عبد الجبَّار أبو أيُّوب ..
والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢٤٢/ ١) قال: حدَّثَنا الوليدُ بنُ عَمرِو بن سُكَيْنٍ، قالا: ثنا يَعقُوبُ بنُ إسحاق الحَضرَمِيُّ، عن عبد السَّلام بن عَجلان، عن أبي عُثمان النَّهدِيِّ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
وصرَّحَ يَعقُوبُ بالتَّحديث عند البَزَّار، وصرَّحَ عبدُ السَّلام بالتَّحديث عند أبي يَعلَى.
والحديثُ عَزَاهُ الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٨/ ١٦٢) لأبي يَعلَى، وفاتَهُ العزوُ للبَزَّار، وقال: "فيه عبدُ السَّلام بنُ عَجلان، وثَّقَهُ أبو حاتمٍ، وابنُ حِبَّان، وقال: "يُخطِئُ ويُخَالِفُ"، وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ".
وقال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُه رواه إلَّا أبو هُريرَة، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا الإسناد. وعبدُ السَّلام بنُ عَجلان رجلٌ من أهل البَصرَة، مَشهُورٌ، حدَّث عنه الثِّقاتُ" ا. هـ.
• قلتُ: قلتُ: وقولُ الهَيثَمِيِّ: "وَثَّقَهُ أبو حاتمٍ" خطأٌ؛ فإنَّ ابن أبي حاتمٍ
стр. 901
ترجمَهُ في "الجرح والتَّعديل" (٣/ ١/ ٤٦)، وقال: "سأَلتُ أبي عنه، فقال: شيخٌ بصريٌّ، يُكتَبُ حديثُه"، فلعَلَّه وقع خطأٌ من الهَيثَمِيُّ، أو تصحيفٌ من النَّاشِر، ويَكُون صوابُ العِبارة: "وَثَّقُه أبو حاتمٍ ابنُ حِبَّان"، وكأنَّ هذا هو الصَّوَابُ؛ وكُنية ابن حِبَّان: "أبو حاتمٍ".
وقول أبي حاتمٍ الرَّازِيِّ: "يُكتَبُ حديثُه" فيه تَليِينٌ لَهُ، فإذا انضافَ إليه قولُ ابن حِبَّان في "الثِّقات" (٧/ ١٢٧): "يُخطِئُ ويُخالِف"، تَرَجَّحَ لديك التَّوَقُّفُ في تقوية حديثه.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 902
٢٥٥ - سُئلتُ عن حديث: "أَنَّ رَجُلًا كانَ يَعبُدُ صَنَمًا، فَنَادَاهُ يَومًا، فَأَرَادَ أَن يَقُولَ: يَا صَنَمُ، فَأَخطَأَ لِسَانُهُ، فَقَالَ: يَا صَمَدُ. فَأَعطَاهُ اللهُ مَا أَرَادَ، فَقَالَت المَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا! إِنَّهُ مَا قَصَدَ دُعَاءَكَ، فَلِمَ تُعطِهِ؟ قَالَ لَهُم: لَو لَم أُعطِهِ لَكُنتُ كالصَّنَمِ، وَأَنَا الصَّمَدُ".
• قلتُ: قلتُ: لا أصل له مرفُوعًا، وهو باطلٌ، وقد وَقَفتُ على أصلِه.
فأخرج مُحمَّدُ بنُ فُضَيلٍ في "كتاب الدُّعاء" (٧٩) قال: حدَّثَنا عطاءُ بن السَّائِب، قال: لَمَّا انهزَمَ النَّاسُ يوم الجماجم - وهي معركةٌ، وَقَعَت بين الحجَّاج بن يُوسُف، وعبد الرَّحمن بن الأشعث -، جَعَلَ أبو البَختَرِيِّ الطَّائِيُّ يُحَرِّض النَّاسَ، فسمِعتُه يقول: "كان نَبِيٌّ من بني إسرائيل قد ظَهَرَ، وتَبِعَهُ مَن شاء الله، وأنَّهُ تَزَوَّج بنتَ رجلٍ مِمن تابعه من المؤمنين، وكان مِن أفضل أصحابِه، فوَلَدَت له غُلامًا، فلمَّا بلغ وشَبَّ، تَتَبَّع النَّصارى، فنَصَّرُوه، وعَقَدُوا له أَلوِيَتَهُم، فخرج بهم على أبيه، فقتل أباه وجَدَّه المُؤمنَ أبا أُمِّه، وظَهَر عليهم، إلَّا شِرذِمةً قليلةً من المؤمنين، فبَينَمَا هُو قد ظَهَرَ عليهم، إذ قال في نفسه: إنَّ المؤمنين قد آذَنُوا لكُم بالحَرب. فخَرَج بمن مَعَهُ، وهو يراهم كأَكَلَةِ رأسٍ، فاقتَتَلُوا، فأظْهَرَ اللهُ المؤمنين عليهم، فهَزَمُوهُم، فأُخِذَ ابنُ النَّبيِّ أسيرًا، فصَلَبُوه
стр. 903
وهو حيٌّ، وكذلك كانوا يفعَلُون في ذلك الزَّمان، حتَّى يموت مَوتَةَ نفسِهِ، ولا يُقتَلُ، فبينا هو يدعُو الله بآلهته، ويهتِفُ بالآلهة، ويَهتِفُ بأسمائها، يدعُوها أن تُخَلِّصَهُ ممَّا هو فيه، فهَتَفَ ليلةً، حتَّى إذا خاف الصُّبحَ، دعا الله، فقال: يا اللهُ! خَلِّصنِي ونَجِّنِي. فتَقَطَّعت عنه الشُّرُطُ، فذهب، فلَم يَقدِرُوا عليه، فكَبُر ذلك على المُؤمنين، واشتدَّ عليهم، - قال: - فأوحى اللهُ إلى رجلٍ من المؤمنين في مَنَامِه: أنَّه دعا آلهته فلَم تُجِبهُ، ودعاني فأَجَبتُه، ولم أَكُن كالصُمِّ البُكمِ الذين لا يَعقِلُون".
فقد تبَيَّن بهذا، أن هذا من الإِسرَائِيلِيَّات، التي أُمِرنَا أن لا نُصَدِّقَها ولا نُكَذِّبَها إذا صحَّ سنَدُها، فكيف ولم يَصِحَّ سنَدُها أيضًا؛ وعطاءُ بنُ السَّائب كان اختَلَط، ومُحمَّدُ بنُ فُضَيل سَمِعَ منه بعد الاختلاط، كما نَصَّ عليه غيرُ واحدٍ من النُّقَّاد، مِنهُم ابنُ مَعِينٍ وأبو حاتمٍ الرَّازِيُّ.
وأصحابُ عطاءٍ الذين سَمِعُوا منه قبل الاختلاط: شُعبَةُ، وسُفيانُ الثَّورِيُّ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، واختُلف في حمَّاد بن سَلَمة، والصَّوابُ أنَّه سَمِعَ منه قبل الاختلاط وبعده، فيُتَوَقَّف في روايته عنه.
وهذا كُلُّه مُتعلِّقٌ بصِحَّةِ الإسناد إلى أبي البَختَرِيِّ، واسمُهُ سعِيدُ بنُ فَيرُوزَ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 904
٢٥٦ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ عائشة ﵂ سَأَلَت النَّبيَّ ﷺ أن يُعَلِّمَها اسمَ الله الأعظمَ، فأَبَى، فقَامَت، فَصَلَّت، وجَعَلَت تَدعُو، فقال لهَا النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّهُ فِي هَذِهِ الأَسمَاءِ الَّتِي دَعَوتِ بِهَا".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥١٤٥)، وفي "الدُّعاء" (١٢٠) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ القاسمِ بن مُسَاوِرٍ الجَوهَرِيُّ، ثنا عُبيدُ الله بنُ عُمَر القَوَارِيرِيُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله العَصَرَيُّ، ثنا غالبٌ القَطَّانُ، عن أنَس بن مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ دخل على عائشة ذات غَدَاةٍ، فقالت: "بأبي وَأُمِّي يا رسول الله! عَلِّمني اسمَ الله، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أَعطَى"، فأَعرَضَ النَّبيُّ ﷺ بوجهه، فقامَت، فتوَضَّأت، فقالَت: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أسأَلُك من الخَيرِ كُلِّه، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وباسمك العَظِيم، الذي إذا دُعِيتَ به أَجبتَ، وإذا سُئِلتَ به أَعطيتَ"، فقال: "وَالله! إنَّهُ لَفِي هذه الأسماء".
قال الطَبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديث عن غالبٍ القَطَّان إلَّا مُحمَّدُ بنُ عبد الله العَصَرِيُّ. تفرَّد به القَوَارِيرِيُّ".
وهذا سندٌ واهٍ؛ والعَصَرِيُّ قال ابنُ حِبَّان: "مُنكَرُ الحديث جدًّا. لا يجوز الاحتجاجُ به، ولا الاعتبارُ بما يَروِيه، إلَّا عند الوِفاق للاستئناس به".
стр. 905
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الدُّعاء" (١١٨) مِن طريق عبد الله بن صالحٍ، حدَّثَني اللَّيثُ، عن إسحاق بن أسيدٍ، عن رَجُلٍ، عن أنس بن مالكٍ، أن عائشة قالت: "يا رسُول الله! علِّمني اسمَ الله العظيمَ"، فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "قُومِي، فتَوَضَّئي، ثُمَّ ادعي حتَّى أسمَعَ"، قالت: ففعلتُ، فقُلتُ: "اللَّهُمَّ! إني أَسأَلُكَ بأسمائك الحُسنَى كُلِّها، ما عَلِمتُ منها وما لم أعلَم، وباسمك العظيمِ الأعظمِ، وباسمك الأكبرِ"، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أَصَبتِ! والذي نفسي بيده! ".
وسَنَدُهُ ضعيفٌ أو واهٍ؛ وعبدُ الله بنُ صالحٍ، وإسحاقُ بنُ أسيدٍ فِيهِما ضعف. مع جهالة الرَّاوِي عن أنَسٍ.
стр. 906
٢٥٧ - سُئلتُ عن حديث: "مَن سَعَى عَلَى وَالِدَيهِ، وامرَأَتِه، وعِيالِه، فهُو في سَبِيل الله، ومَن سَعَى مُكَاثَرَةً، فهُو في سَبِيل الشَّيطانِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
وقد وَرَد من حديث أنَسٍ، وأبي هُريرَة، وكَعبِ بن عُجْرَةَ ﵃.
* أمَّا حديثٌ أنَسٍ ﵁.
فأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٨٦٣٠) قال: حدَّثَنا مُطَّلِبُ بنُ شُعيبٍ، ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، حدَّثَني اللَّيثُ، حدَّثَني إسحاقُ بنُ أَسِيدٍ، عن عبد الكَريمِ، عن أنَس بن مالكٍ مرفوعًا: "السَّاعي على وَالِدَيه ليَكُفَّهُما، أو يُغنِيَهُمَا عن النَّاس: في سبيل الله، ومن سعى على زوجٍ، أو وَلَدٍ، ليَكُفَّهُم ويُغنِيَهُم عن النَّاس: في سبيل الله، والسَّاعي على نَفسِه ليُغنِيَهَا ويَكُفَّهَا عن النَّاس: في سبيل الله، والسَّاعي مُكَاثَرَةً: في سبيل الشَّيطان".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عبد الكَريم الجَزَرِيِّ إلَّا إسحاقُ بنُ أَسِيْدٍ، تفرَّد به اللَّيثُ. ولا يُروَى عن أنَسٍ إلَّا بهذا الإسناد".
• قلتُ: قلتُ: وإسحاقُ بن أَسِيْدٍ - بفتح الهمزة - قال أبو حاتمٍ: "شيخٌ ليس بالمشهور، لا يُشتَغَلُ به"، وقال أبو أحمدٍ الحاكمُ: "مجهولٌ"، ولمَّا
стр. 907
ذَكَرَه ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٦/ ٥٥) قال: "كان يُخطِئُ".
وضَعَّف الهَيثَمِيُّ الحديثَ به في "مَجمَع الزَّوائد" (٤/ ٣٢٥).
وعبدُ الله بنُ صالحٍ كان كَثيرَ الغَلَطَ.
وعبدُ الكَرِيم جزم الطَّبَرانيُّ أنَّه الجَزَرِيُّ، وهو ابنُ مالكٍ، ذَكَرَ المِزِّيُّ في "تهذيب الكمال" (١٨/ ٢٥٣) أنَّه رأى أنَس بنَ مالكٍ، والظَّاهر أنَّه عبدُ الكريم بُن رَشِيدٍ، ويقال رَاشدٌ، فقد ذَكَر المِزِّيُّ أنَّه يَروِي عن أنَسٍ، وعنه إسحاقُ بنُ أَسيْدٍ، ونَقَل توثيقَه عن ابن مَعِينٍ وابنِ حِبَّان، ونقل ابنُ حَجَرٍ توثيقه عن ابن نُمَيرٍ، وقال النَّسَائِيُّ: "ليس به بأسٌ".
* وأمَّا حديثٌ أبي هُريرَة ﵁.
فأخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢٦٦/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٤٢١٤)، والبَيهَقِيُّ (٢/ ٢٥)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٤٢٨)، والضِّياءُ في "المُختارَة" (ق ٥١٦/ ١) من طريق أحمد بن يُونُس، قال: نا رِياحُ بن عَمْرٍو القَيْسِيُّ، قال: نا أيُّوبُ السَّختِيَانِيُّ، عن مُحمَّد بن سِيرِين، عن أبي هُريرَة، قال: بينا نَحنُ مع رسولِ الله ﷺ ، إِذ طَلَع علينا شاب مِن الثَّنِيَّة، فلمَّا رميناه بأبصارنا، قُلنا: "لو أن ذا الشَّابِّ جَعَل نشاطَه، وشبابَه، وقُوَّتَه في سبيل الله؟ "، فسَمِع مقالَتنا رسولُ الله ﷺ ، فقال: "وما سَبِيلُ الله إلَّا من قُتِل؟! مَن سَعَى على وَالِدَيه فهو في سَبِيل الله، ومن سَعَى على عِياله فهو في سَبِيل الله، ومن سَعَى مُكاثِرًا ففي سَبِيل الطَّاغُوت".
قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا يُروَى عن أبي هُريرَة إلَّا مِن هذا الوَجه، ولا نَعلَمُ رواه عن أيُّوبَ إلَّا رِيَاحُ بنُ عَمْرٍو، ولا نعلم رواه عن رِيَاحٍ
стр. 908
إلَّا أحمدُ بنُ يُونُس".
وقال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن مُحمَّد بن سِيرِين إلَّا أيُّوبُ، ولا رواه عن أيُّوبَ إلَّا رِيَاحُ بنُ عَمْرٍو، ولا يُروَى عن أبي هُريرَة إلَّا بهذا الإسناد. تفرَّد به أحمدُ بنُ يُونُس".
• قلتُ: قلتُ: وأحمدُ هو ابنُ عبد الله بن يُونُس، مِن شُيُوخ البُخَارِيِّ ومُسلِمٍ.
ورِيَاحٌ - بالياء التحتانية -، وتصحَّف عِند الطَّبَرانيِّ وغيرِه إلى "رَبَاحٍ" - بالباء المُوحَّدة، وصوابُهُ "رِيَاحٌ"، كما في "المُؤتَلِف" (٢/ ١٠٣٨) للدَّارَقُطنِيِّ، و "الإكمال" (٤/ ١٤) لابن مَاكُوْلَا -، وذَكَرُوا رِوايتَه عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، وعنه أحمدُ بنُ يُونُس، وقد ترجمه ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٥١١ - ٥١٢)، وقال: "سألتُ أبا زُرعَة عنه، فقال: صدوقٌ"، وذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٦/ ٣١٠)، وقال: "مِن عُبَّاد أهل البَصرَة، وزُهَّادِهِم".
ونقل الذَّهَبِيُّ في "الميزان"، وعنه ابن حَجَرٍ في "اللِّسان"، عن أبي داوُد قال: "رَجلُ سُوءٍ"، واتَّهَمَه بالزَّندَقة، وإنَّما اتَّهَمه بالزَّندَقة، مع رابِعةَ العَدَوِيَّة، في آخَرِين، لعِبَاراتٍ صَدَرت منهم، تحتاجُ إلى تأويلٍ، والصَّواب أن هذا لا يَمَسُّ روايتَهُم، إلَّا إذا قام دليلٌ ظاهرٌ على سُقُوط عدالَتِهم، أو اختلالِ ضَبطِهم، ولم أَقِف على ما يُوجِب ذلك.
وباقي رجال الإسناد ثقاتٌ معرُوفُون.
فهذا الحديثُ جَيِّدُ الإسناد، وعليه الاعتمادُ، ولهذا وَضَعه الضِّياء في "المُختارَة"، والحمد لله.
стр. 909
* أمَّا حديثٌ كعب بن عُجْرَةَ ﵁.
فأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٢٨٢)، وفي "الأوسط" (٦٨٣٥)، وفي "الصَّغير" (٩٤٠) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ مُعاذٍ الحَلَبِيُّ، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ كَثيرٍ العَبْدِيُّ، ثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، ثنا إسماعيلُ بنُ مُسلِمٍ المَكِّيُّ، عن الحَكَم بن عُتَيبة، عن عبد الرَّحمن بن أبي لَيلَى، عن كعب بن عُجْرَة، أن رَجلًا مَرَّ على أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فرأى أصحابُ النَّبيِّ ﷺ من جَلَدِه ونشاطِهِ مَا أَعجَبَهُم، فقالوا: "يا رسُولَ الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ "، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنْ كان يَسعَى على وَلَدِه صغارًا فهو في سَبيل الله، وإن كان خَرَج يَسعَى على أبوين شيخين كبيرين ففي سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه ليُعِفَّها ففي سبيل الله، وإن كان خَرَجَ يَسعَى على أهلِه ففي سبيل الله، وإن كان خَرَجَ يَسعَى تَفَاخُرًا وتَكَاثُرًا ففي سبيل الطَّاغُوت".
وأخرَجَهُ بَحشَلُ في "تاريخ واسطَ" (ص ١٦٢ - ١٦٣) من طريق مُحمَّد بن كَثيرٍ بهذا الإسناد.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن الحَكَم إلَّا إسماعيلُ بنُ مُسلِمٍ، ولا رواه عن إسماعيلَ إلا هَمَّامٌ. تفرَّد به مُحمَّدُ بنُ كَثيرٍ. ولا يُروَى عن كعب بن عُجْرَةَ إلَّا بهذا الإسناد".
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٤/ ٣٢٥): "رجالُ "الكبير" رجالُ الصَّحيح".
وهذا عَجَبٌ؛ فقد رأيتَ أن الطَّبَرانيَّ رواه في معاجمه الثَّلاثة بذات
стр. 910
الإسناد، فما معنى تخصيص رجال "المُعجَم الكبير" دون المُعجَمَين الباقيَيْن؟!
وسَبَقه إلى هذا الحُكمِ المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢٥١٦، ٢٩٢٣)، فقال: "رواه الطَّبَرانيُّ، ورجالُهُ رجال الصَّحيح".
وليس كما قالا؛ لأنَّ إسماعيلَ بنَ مُسلِم المَكِّيَّ، فضلًا عن أن الشَّيخين ولا أحدَهما خرَّج له شيئًا، فهو واهٍ، تَرَكَهُ كَثيرٌ من النُّقَّاد.
والله أعلَمُ.
стр. 911
٢٥٨ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قادَ أَعمَى أربعين خُطوَةً وَجَبَت له الجَنَّةُ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
وقد ورد من حديث ابن عُمَر، وأنَسٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبي هُريرَةَ، وجابر بن عبد الله ﵃.
* أمَّا حديث ابن عُمَر ﵄.
فأخرَجَهُ أبو يَعلَى (ج ٩/ رقم ٥٦١٣) ..
وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٥١) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ إبراهيم بن مَيمُون ..
وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٣/ ١٥٨)، ومن طريقه ابنُ الجَوْزِيِّ في "الموضوعات" (١٠٨٧) من طريق مُحمَّد بن إبراهيم بن أبان السَّرَّاج، ثَلَاثَتُهم: ثنا يحيى بنُ أيُّوبَ، ثنا سَلْمُ بنُ سالمٍ، عن عليّ بن عُروة، عن مُحمَّد بن المُنكدِر، عن ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَرَه.
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (١٢/ ٣٥٣) عن عبد الحَمِيد بن صالحٍ ..
والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٦٢٨) عن سَعدَان بن نصر ..
والخطيبُ في "تاريخه" (٥/ ١٠٥) عن الحَسَن بن عَرَفة، ثَلَاثَتُهم عن سَلْم بن سالمٍ بهذا الإسناد سواء.
стр. 912
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وسَلْمُ بنُ سالمٍ شِبهُ المتروك، فقد ضعَّفه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسَائِيُّ، وكان ابنُ المُبارَك شديدَ الحَمْل عليه.
وقد تابَعَهُ أَصرَمُ بنُ حَوْشَبٍ، فرواه عن عليِّ بن عُروَة بهذا الإسناد.
أخرَجَهُ ابنُ شَاهِين في "التَّرغيب" (٥١٣)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١٥٨٧).
وأَصرَمُ أَصرَمٌ مِن الخَير، فقد كَذَّبَهُ غيرُ واحدٍ منهم ابنُ مَعِينٍ، وتَرَكه البُخارِيُّ، وغيرُه.
وعليُّ بنُ عُروة ذكر ابنُ حِبَّان هذا الحديثَ في ترجَمَتِهِ من "المجرُوحين" (٢/ ١٠٧) وقال: "كان ممَّن يضعُ الحديثَ، على قِلَّته".
وقد تُوبِع عليٌّ ..
فتابَعَهُ ثَوْرُ بنُ يزيد، فرواه عن ابن المُنكدِر بهذا الإسناد سواء.
أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٥٣١)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٩١) قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُشَيرِيُّ، ثنا ثورُ بنُ يزيدَ بهذا.
قال ابنُ عَدِي: "هذا الحديث لا يَروِيه عن ابن المُنكدِر غيرُ ثَوْرٍ، ومِن حديثِ ثورٍ أغربُ. ولا أعلمُ يرويه عن ثورٍ غيرُ مُحَمَّدٍ، وعنه سُليمانُ" ..
وثورٌ ثقةٌ، تَكلَّمُوا فيه لبدعته. ولكنِ الشَّأنُ في الرَّاوِي عنه، وهو مُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن؛ فإنَّه نَكِرَةٌ لا يُعرَفُ.
ورواه أيضًا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك الأَنصارِيُّ، عن ابن المُنكدِر بإسناده،
стр. 913
بلفظ: "من قاد مَكفُوفًا أربعين خُطوَةً فصاعدًا غَفَر اللهُ له ما تَقدَّم من ذَنبِه".
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٧٦٢٧) من طريق عبد الوَهَّاب بن الضَّحَّاك - أحد الهَلكَى -، قال: نا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، نا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك بهذا الإسناد.
وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢١٦٧)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٨٩) من طريق عامر بن سَيَّارٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك بهذا الإسناد، دون قوله: "فصاعدًا".
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جدَّا؛ ومُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك تالفٌ البتَّةَ، رماهُ أحمدُ بوضع الحديثِ، وقال البُخاريُّ ومُسلِم: "مُنكَر الحديث"، وترَكَه النَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وغيرُهما.
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "المطالب العالية" (٧/ ١٥٨): "ضعيفٌ جدًّا، ولا يَثبُت في هذا شيءٌ".
وقد رأيتُ ابنَ الجَوزِيِّ أَورَد هذا الحديثَ من طريق الخطيب في "تاريخه" (٥/ ١٠٥)، لكنَّه جَعَل صحابيَّ الحديث: عبدَ الله بنَ عَمْرو بن العَاصِ، والذي عِند الخطيب: عبدُ الله بنُ عُمَرَ بن الخَطَّاب، فاللهُ أَعلَمُ، أيَّ ذلك هُو الصَّوابَ. وكان ابنُ الجَوزِيِّ كَثيرَ الأوهام في نَقلِه مِن كُتب العُلماء.
وله طريقٌ آخَرُ يرويه عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمر مرفُوعًا: "من قاد أعمى أربَعِين خطوَةً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه".
стр. 914
أخرَجَه الخطيبُ في "تاريخِهِ" (٩/ ٢٤١)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٩٠) من طريق عبدِ الباقِي بن قانِعٍ، ثنا خَلَفُ بنُ عَمرٍو العُكْبَرِيُّ، ثنا المُعلَّى بنُ مهدِيّ، ثنا سِنانُ بنُ البَختَرِيِّ - شيخٌ من أهل المدينة، قَدِمَ علينا ببغدَادَ -، عن عُبيدِ الله بن أبي حُميدٍ بهذا.
ثُمَّ قال الخطيبُ: "رواه غيرُ عبدِ الباقِي، عن خَلَفٍ".
قال ابنُ الجوزِيِّ: "عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ مُدَلَّسٌ، وصوابُهُ: مُحمَّدُ بنُ أبي حُميدٍ، قال البُخارِيُّ: مُنكَرُ الحديث. وقال النَّسائِيُّ: ليس بثقةٍ".
أمَّا المُناوِيُّ فأعلَّهُ في "فيض القدير" (٦/ ١٨٨) بعِلَّةٍ عجيبةٍ، فقال: "رواهُ الخطيبُ في ترجمَةِ البَختَرِيِّ … وفيه: عبدُ الباقِي بنُ قانِعٍ، أورَدَهُ الذَّهَبِيُّ في "الضُّعفاء"، وقال: قال الدَّارَقُطنِيُّ: يُخطِئُ كثيرًا. والمُعلَّى بنُ مَهدِيٍّ، قال أبُو حاتِمٍ: يأتِي أحيانًا بالمُنكَر"!
فشَنَّ عليه الغُمارِيُّ الغارةَ في "المُداوِي" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤) قائلًا:
"قلتُ: مِن عجيبِ أحوالِ هذا الرَّجُل أنَّه يُريدُ أن يستقِلَّ بالتَّصرُّف في الحديث والكلامِ على إسنادِهِ مع عدم معرِفَتِهِ، فيأتي بالطَّامَّات، لاسيَّما مع وُقُوفِهِ على كلام الحُفَّاظ في الحديث، فهذه الطَّريقُ قد ذَكَرَها ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" من طريق الخطِيبِ، ثمَّ من طريق عبدِ الباقي بن قانِعٍ، ثنا خَلَفُ بنُ عَميرو العُكْبَرِيُّ، ثنا المُعلَّى بنُ مَهدِيٍّ، ثنا سِنانُ بنُ البَختَرِيِّ - شيخٌ من أهل المدينة -، عن عُبيدِ الله بن أبي حُميدٍ، عن نافِعٍ، عن ابن عُمر به.
ثمَّ قال ابنُ الجَوزِيِّ: "قولُهُ: عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ تدليسٌ، وإنَّما هو:
стр. 915
مُحمَّدُ بنُ أبي حُميدٍ، وهو مُنكَرُ الحديث، ليس بثقةٍ" ا. هـ.
فتَرَكَ الشَّارِحُ هذا، وذهَبَ يُعلِّلُ الحديثَ بعبدِ الباقِي بن قانِعٍ صاحبِ المُعجَمِ وغيرِهِ. مع أنَّه لم يَنفَرِد به، بل تابَعَهُ غيرُهُ عن شيخِهِ خلَفٍ، كما نَصَّ عليه الخطيبُ عَقِبَ الحديث. ثُمَّ بالمُعلَّى بن مَهدِيٍّ الذي قال فيه الذَّهَبِيُّ: "هو من العُبَّاد الخِيَرَةِ، صدُوقٌ في نفسِهِ"، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات".
ثُمَّ إنَّ قولَه في ترجَمَةِ البَختَرِيِّ من الكلامِ الغَثِّ الذي لا فائدة فيه، سوى تسويدِ الوَرَقِ وانشِغالِ الأفكارِ والإحالَةِ على ما يُتعِبُ؛ فإنَّ في "تاريخ الخطيب" نحوُ تسعة آلاف ترجَمَةٍ بتقديم التَّاء، فأيُّ ترجَمَةٍ وُصِف صاحِبُها بالبَختَرِيِّ من هذا العَدَد الهائل حتَّى يُمكن الرُّجوعُ إليها لمن أراد ذلك؟!
مع أن الواقع أنَّه خرَّجَهُ في ترجمة: "سنانَ بن البَختَرِيِّ المَدِينِيِّ"، في نصف المُجلَّد التَّاسع، فلو فَرَضنا أن أحدًا أراد الكَشف عنه لَرَاجَعَ المُجلَّدات الثَّمانيةَ كُلَّها ونصفَ التَّاسع حتَّى يعثُر على هذا الاسم. وهذا نهايةُ ما يُمكن من التَّهوُّر وسُوء التَّصرُّف. فالواجبُ عليه أن يكتُب الاسم الكاملَ، أو يترُك التَّعريضَ بالكُلِّيَّة" انتهَى كلام الغُمارِيِّ.
• قلتُ: قلتُ: والغُمارِيُّ مُحِقٌّ فيما يتَّصلُ بالنَّقد العِلمِيِّ، إلَّا قولَهُ فيما يتعلَّق بالبَختَرِيِّ، فاحتمال سُقُوط: "سنان بن" من مطبُوعة "الفيض" واردٌ جدًّا ورُبَّما قال المُناوِيُّ: "ابنُ البَختَرِيِّ"، فسَقَطت كلمةُ "ابن". والله أعلمُ.