Полный текст (1 434 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٢٥٨ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قادَ أَعمَى أربعين خُطوَةً وَجَبَت له الجَنَّةُ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
وقد ورد من حديث ابن عُمَر، وأنَسٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبي هُريرَةَ، وجابر بن عبد الله ﵃.
* أمَّا حديث ابن عُمَر ﵄.
فأخرَجَهُ أبو يَعلَى (ج ٩/ رقم ٥٦١٣) ..
وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٥١) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ إبراهيم بن مَيمُون ..
وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٣/ ١٥٨)، ومن طريقه ابنُ الجَوْزِيِّ في "الموضوعات" (١٠٨٧) من طريق مُحمَّد بن إبراهيم بن أبان السَّرَّاج، ثَلَاثَتُهم: ثنا يحيى بنُ أيُّوبَ، ثنا سَلْمُ بنُ سالمٍ، عن عليّ بن عُروة، عن مُحمَّد بن المُنكدِر، عن ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَرَه.
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (١٢/ ٣٥٣) عن عبد الحَمِيد بن صالحٍ ..
والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٦٢٨) عن سَعدَان بن نصر ..
والخطيبُ في "تاريخه" (٥/ ١٠٥) عن الحَسَن بن عَرَفة، ثَلَاثَتُهم عن سَلْم بن سالمٍ بهذا الإسناد سواء.
стр. 912
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وسَلْمُ بنُ سالمٍ شِبهُ المتروك، فقد ضعَّفه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسَائِيُّ، وكان ابنُ المُبارَك شديدَ الحَمْل عليه.
وقد تابَعَهُ أَصرَمُ بنُ حَوْشَبٍ، فرواه عن عليِّ بن عُروَة بهذا الإسناد.
أخرَجَهُ ابنُ شَاهِين في "التَّرغيب" (٥١٣)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١٥٨٧).
وأَصرَمُ أَصرَمٌ مِن الخَير، فقد كَذَّبَهُ غيرُ واحدٍ منهم ابنُ مَعِينٍ، وتَرَكه البُخارِيُّ، وغيرُه.
وعليُّ بنُ عُروة ذكر ابنُ حِبَّان هذا الحديثَ في ترجَمَتِهِ من "المجرُوحين" (٢/ ١٠٧) وقال: "كان ممَّن يضعُ الحديثَ، على قِلَّته".
وقد تُوبِع عليٌّ ..
فتابَعَهُ ثَوْرُ بنُ يزيد، فرواه عن ابن المُنكدِر بهذا الإسناد سواء.
أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٥٣١)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٩١) قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُشَيرِيُّ، ثنا ثورُ بنُ يزيدَ بهذا.
قال ابنُ عَدِي: "هذا الحديث لا يَروِيه عن ابن المُنكدِر غيرُ ثَوْرٍ، ومِن حديثِ ثورٍ أغربُ. ولا أعلمُ يرويه عن ثورٍ غيرُ مُحَمَّدٍ، وعنه سُليمانُ" ..
وثورٌ ثقةٌ، تَكلَّمُوا فيه لبدعته. ولكنِ الشَّأنُ في الرَّاوِي عنه، وهو مُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن؛ فإنَّه نَكِرَةٌ لا يُعرَفُ.
ورواه أيضًا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك الأَنصارِيُّ، عن ابن المُنكدِر بإسناده،
стр. 913
بلفظ: "من قاد مَكفُوفًا أربعين خُطوَةً فصاعدًا غَفَر اللهُ له ما تَقدَّم من ذَنبِه".
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٧٦٢٧) من طريق عبد الوَهَّاب بن الضَّحَّاك - أحد الهَلكَى -، قال: نا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، نا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك بهذا الإسناد.
وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢١٦٧)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٨٩) من طريق عامر بن سَيَّارٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك بهذا الإسناد، دون قوله: "فصاعدًا".
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جدَّا؛ ومُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك تالفٌ البتَّةَ، رماهُ أحمدُ بوضع الحديثِ، وقال البُخاريُّ ومُسلِم: "مُنكَر الحديث"، وترَكَه النَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وغيرُهما.
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "المطالب العالية" (٧/ ١٥٨): "ضعيفٌ جدًّا، ولا يَثبُت في هذا شيءٌ".
وقد رأيتُ ابنَ الجَوزِيِّ أَورَد هذا الحديثَ من طريق الخطيب في "تاريخه" (٥/ ١٠٥)، لكنَّه جَعَل صحابيَّ الحديث: عبدَ الله بنَ عَمْرو بن العَاصِ، والذي عِند الخطيب: عبدُ الله بنُ عُمَرَ بن الخَطَّاب، فاللهُ أَعلَمُ، أيَّ ذلك هُو الصَّوابَ. وكان ابنُ الجَوزِيِّ كَثيرَ الأوهام في نَقلِه مِن كُتب العُلماء.
وله طريقٌ آخَرُ يرويه عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمر مرفُوعًا: "من قاد أعمى أربَعِين خطوَةً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه".
стр. 914
أخرَجَه الخطيبُ في "تاريخِهِ" (٩/ ٢٤١)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ (١٠٩٠) من طريق عبدِ الباقِي بن قانِعٍ، ثنا خَلَفُ بنُ عَمرٍو العُكْبَرِيُّ، ثنا المُعلَّى بنُ مهدِيّ، ثنا سِنانُ بنُ البَختَرِيِّ - شيخٌ من أهل المدينة، قَدِمَ علينا ببغدَادَ -، عن عُبيدِ الله بن أبي حُميدٍ بهذا.
ثُمَّ قال الخطيبُ: "رواه غيرُ عبدِ الباقِي، عن خَلَفٍ".
قال ابنُ الجوزِيِّ: "عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ مُدَلَّسٌ، وصوابُهُ: مُحمَّدُ بنُ أبي حُميدٍ، قال البُخارِيُّ: مُنكَرُ الحديث. وقال النَّسائِيُّ: ليس بثقةٍ".
أمَّا المُناوِيُّ فأعلَّهُ في "فيض القدير" (٦/ ١٨٨) بعِلَّةٍ عجيبةٍ، فقال: "رواهُ الخطيبُ في ترجمَةِ البَختَرِيِّ … وفيه: عبدُ الباقِي بنُ قانِعٍ، أورَدَهُ الذَّهَبِيُّ في "الضُّعفاء"، وقال: قال الدَّارَقُطنِيُّ: يُخطِئُ كثيرًا. والمُعلَّى بنُ مَهدِيٍّ، قال أبُو حاتِمٍ: يأتِي أحيانًا بالمُنكَر"!
فشَنَّ عليه الغُمارِيُّ الغارةَ في "المُداوِي" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤) قائلًا:
"قلتُ: مِن عجيبِ أحوالِ هذا الرَّجُل أنَّه يُريدُ أن يستقِلَّ بالتَّصرُّف في الحديث والكلامِ على إسنادِهِ مع عدم معرِفَتِهِ، فيأتي بالطَّامَّات، لاسيَّما مع وُقُوفِهِ على كلام الحُفَّاظ في الحديث، فهذه الطَّريقُ قد ذَكَرَها ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" من طريق الخطِيبِ، ثمَّ من طريق عبدِ الباقي بن قانِعٍ، ثنا خَلَفُ بنُ عَميرو العُكْبَرِيُّ، ثنا المُعلَّى بنُ مَهدِيٍّ، ثنا سِنانُ بنُ البَختَرِيِّ - شيخٌ من أهل المدينة -، عن عُبيدِ الله بن أبي حُميدٍ، عن نافِعٍ، عن ابن عُمر به.
ثمَّ قال ابنُ الجَوزِيِّ: "قولُهُ: عُبيدُ الله بنُ أبي حُميدٍ تدليسٌ، وإنَّما هو:
стр. 915
مُحمَّدُ بنُ أبي حُميدٍ، وهو مُنكَرُ الحديث، ليس بثقةٍ" ا. هـ.
فتَرَكَ الشَّارِحُ هذا، وذهَبَ يُعلِّلُ الحديثَ بعبدِ الباقِي بن قانِعٍ صاحبِ المُعجَمِ وغيرِهِ. مع أنَّه لم يَنفَرِد به، بل تابَعَهُ غيرُهُ عن شيخِهِ خلَفٍ، كما نَصَّ عليه الخطيبُ عَقِبَ الحديث. ثُمَّ بالمُعلَّى بن مَهدِيٍّ الذي قال فيه الذَّهَبِيُّ: "هو من العُبَّاد الخِيَرَةِ، صدُوقٌ في نفسِهِ"، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات".
ثُمَّ إنَّ قولَه في ترجَمَةِ البَختَرِيِّ من الكلامِ الغَثِّ الذي لا فائدة فيه، سوى تسويدِ الوَرَقِ وانشِغالِ الأفكارِ والإحالَةِ على ما يُتعِبُ؛ فإنَّ في "تاريخ الخطيب" نحوُ تسعة آلاف ترجَمَةٍ بتقديم التَّاء، فأيُّ ترجَمَةٍ وُصِف صاحِبُها بالبَختَرِيِّ من هذا العَدَد الهائل حتَّى يُمكن الرُّجوعُ إليها لمن أراد ذلك؟!
مع أن الواقع أنَّه خرَّجَهُ في ترجمة: "سنانَ بن البَختَرِيِّ المَدِينِيِّ"، في نصف المُجلَّد التَّاسع، فلو فَرَضنا أن أحدًا أراد الكَشف عنه لَرَاجَعَ المُجلَّدات الثَّمانيةَ كُلَّها ونصفَ التَّاسع حتَّى يعثُر على هذا الاسم. وهذا نهايةُ ما يُمكن من التَّهوُّر وسُوء التَّصرُّف. فالواجبُ عليه أن يكتُب الاسم الكاملَ، أو يترُك التَّعريضَ بالكُلِّيَّة" انتهَى كلام الغُمارِيِّ.
• قلتُ: قلتُ: والغُمارِيُّ مُحِقٌّ فيما يتَّصلُ بالنَّقد العِلمِيِّ، إلَّا قولَهُ فيما يتعلَّق بالبَختَرِيِّ، فاحتمال سُقُوط: "سنان بن" من مطبُوعة "الفيض" واردٌ جدًّا ورُبَّما قال المُناوِيُّ: "ابنُ البَختَرِيِّ"، فسَقَطت كلمةُ "ابن". والله أعلمُ.
стр. 916
وله طريقٌ آخر عن ابن عُمر ﵁.
أخرَجَهُ البيهَقِيُّ في "الشُّعب" (٧٦٢٦)، والأصبهانِيُّ في "التَّرغيب" (١١٤٧) من طريق أبي الأزهر أحمدَ بن الأزهر، ثنا أبُو المُغيرة، ثنا مُحمَّد بنُ المُنكَدِرِ، عن ابن عُمر مرفُوعًا مثلَهُ.
قال البيهَقِيُّ: "كذا وجدتُهُ في أصل سماعِهِ".
• قلتُ: قلتُ: ولا أدري ما هذا الإسنادُ، كأنَّ فيه سَقطًا. واللهُ أعلمُ.
* أمَّا حديثٌ ابن عبَّاسٍ ﵄.
فأخرَجَهُ ابنُ عَدِيِّ (٤/ ١٥٤٤)، ومن طريقه ابنُ الجوزِيِّ (١٠٩٣) من طريق عبد الله بن أَبَان الثَّقَفِيِّ، ثنا سُفيانُ الثَّوْريُّ، قال: حدَّثَني عَمْرو بنُ دينارٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "من قاد مَكفُوفًا أربعين ذِراعًا أَدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ".
قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا الحديثُ بهذا الإسناد باطلٌ، وكان عند هذا الشَّيخ - يعني: عبد الله بن أبانَ - عن عبد الله بن مُحمَّد بن يُوسُف أحاديثُ للثَّورِيِّ غيرُ هذا مشاهيرُ. وهذا الحديثُ مُنكَرٌ عن الثَّورِيِّ بهذا الإسناد، والشَّيخُ مجَهُولٌ".
وقد خُولِف في إسناده ..
خالَفَهُ خالدُ بنُ نزارٍ، قال: ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن عَمرٍو، عن أبي وائِلٍ، عن ابن عُمر مرفُوعًا مثلَهُ.
أخرَجَهُ ابنُ شاهينَ في "التَّرغيب" (٥١٥)، ومن طريقِهِ ابنُ الجوزِيِّ (١٠٨٨) من طريق مُحمَّد بن عبدِ الرَّحمن بن بَحِيرٍ، ثنا خالدُ بنُ نزارٍ بهذا.
стр. 917
قال ابنُ الجَوزِيِّ: "ومُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن بن بَحِيْرٍ، قال ابنُ عَدِيٍّ: روَى عن الثِّقات المَناكيرَ، و: عن أبيه، عن مالكٍ البَوَاطيلَ".
وله طريقٌ آخَرُ عن ابن عبَّاسٍ ..
أخرَجَهُ الطَّبرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٩٤٢) قال: حدَّثَنا سهلُ بنُ مُوسَى، ثنا عُمرُ بنُ يحيَى الأُبُلِّيُّ، ثنا عيسَى بنُ شعيبٍ، ثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يُوسُفَ بن مِهرَانَ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "من قاد أعمَى حتَّى يُبَلِّغَهُ مأمَنَهُ غَفَرَ اللهُ تعالى له أربَعِينَ كبيرةً وأربعَ كبائِرَ تُوجِبُ النَّار".
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٣/ ١٣٨): "فيه عُمرُ بنُ يحيَى الآمِلِيُّ، ولم أجد له ترجَمَةً، ولكن فيه عليُّ بنُ زيدٍ، وفيه كلامٌ".
• قلتُ: قلتُ: كذا قال! وعُمرُ بنُ يحيَى هو: الأُبُلِّيُّ، وليس الآمِلِيَّ. فرُبَّما تصحَّف على الهَيثَمِي، فلم يعرفه لأجل هذا.
وعُمرُ هذا ذَكَرَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" في ترَجَمَة "جارِيةَ بن هَرَمٍ"، وأشار إلى أنَّه سَرَقَ حديثًا من يحيَى بن بِسطامٍ، فهو أولَى أن يُعلَّل به الحديثُ من عليّ بن زيدٍ. واللهُ أعلمُ.
* أمَّا حديثٌ أنَسٍ ﵁.
فأخرَجَهُ أبو يَعلَى الخَلِيلِيُّ في "الإرشاد" (ص:٣٣٧) من طريق عبد الله بن مُحمَّد بن يُوسُف بن أبي عُبيدٍ الطَّائِفِيِّ، ثنا سُفيانُ الثَّوْريُّ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن أنَس بن مالكٍ مرفُوعًا: "من قاد أعمى أربعين خُطوَةً فله الجَنَّة".
стр. 918
قال الخَلِيليُّ: "عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الطَّائِفِيُّ مجهولٌ، والحديثُ مُنكَرٌ بهذا الإسناد، غريبٌ" ا. هـ.
وقد رواه عبدُ الله بنُ أَبَان الثَّقَفِيُّ، عن الثَّوْريِّ، فجعله من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، كما مرَّ قريبًا.
وله طريقٌ آخرُ ..
أخرَجَهُ المُخَلِّصُ في "الفوائد" (٢٩٨٢، ٣١٠٣)، ومن طريقه أبُو القاسم السَّمَرقَندِيُّ في "حديثهِ" (ق ١/ ٢)، ومسعُودُ بنُ الحَسَن الثَّقَفِيُّ في "عروس الأجزاء" (٤٤)، وابنُ الجَوزِيِّ (١٠٩٦)، والذَّهَبِيُّ في "المُعجَم الكبير" (٢/ ١٩١)، وفي "الميزان" (٤/ ٤٥٩) ..
وأخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "المؤتلِف" (ص: ٢٢٣٤)، قالا [المُخلِّصُ والدَّارقُطنِيُّ]: ثنا أبو حامدٍ مُحمَّدُ بنُ هارون الحصرَمِيُّ، ثنا عيسى بنُ مُساوِرٍ، ثنا يَغْنَمُ بنُ سالم بن قَنْبَرٍ خادمِ عليِّ بن أبي طالب، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "مَن قاد أعمى أربعين خُطوَةً وَجَبَت له الجَنَّةُ".
ووقع عند المُخلِّص: "لم تمسَّ وجهَهُ النَّارُ".
قال الذهَبِيُّ: "يَغْنَمُ متروكٌ باتِّفاقٍ، والمتنُ لم يَصِحّ".
ويَغْنَمُ هذا ضعَّفَه أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، وقال ابنُ حِبَّان في "المجروحين" (٣/ ١٤٥): "شيخٌ يَضَعُ الحديثَ على أنَس بن مالكٍ، رَوَى عنه نُسخةً موضُوعةً، لا يحلُّ الاحتجاجُ به، ولا الرِّوايةُ عنه، إلَّا على سبيل الاعتبار". وكذَّبَه ابنُ يُونُسَ.
وله طريقٌ ثالثٌ ..
стр. 919
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٣٥٩٤) قال: حدَّثَنا رجاءُ بنُ أحمد بن زيدٍ البَغدَادِيُّ ..
والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٧٦٢٩) من طريق يُوسُف بن مُوسَى، قالا: ثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ - وهذا في "مُسنَده"، كما في "المطالب العالية" (٧/ ١٥٨) -، قال: حدَّثَنا يُوسُفُ بنُ عطيَّة، عن سُمليمانَ التَّيمِيِّ، عن أنَس بن مالكٍ مرفُوعًا: "من قاد أعمى أربعين ذِراعًا أو خمسين ذراعًا كُتِب له عِتقُ رقبةٍ".
ولم يَذكُر الطَّبَرانيُّ: "خمسين ذراعًا".
قال البَيهَقِيُّ: "يُوسُفُ بنُ عطيَّة هذا ضعيفٌ".
• قلتُ: قلتُ: بل ضعيفٌ جدًّا، قال الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٤٦٨): "مُجمَعٌ على ضعفه".
وتابعه المُعلَّى بنُ هلالٍ، عن سُليمان التَّيمِيِّ بهذا الإسناد، ولم يَذكُر: "خمسين ذراعًا".
أخرَجَه ابنُ شاهين في "التَّرغيب" (٥١٢)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١٥٩٤، ١٠٩٥).
والمُعلَّى تالفٌ البتَّةَ، اتَّهَمَه أحمدُ، وابنُ المُبارَك، وابنُ مَعِينٍ بِوضع الحديث، ورَمَاهُ السُّفيَانَانِ بالكَذِب، وتَرَكَه النَّسَائِيُّ وغيرُه.
ونَقَلَ ابنُ الجَوزِيِّ عن الدَّارَقُطنِيِّ، قال: "لم يروِهِ عن سُليمان التَّيمِيِّ غيرُهُما".
• قلتُ: قد رواه سُليمانُ بنُ عَمْرٍو - وهو هالكٌ -.
стр. 920
أخرَجَهُ ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١٠٩٧) من طريق أبي الوليد، قال: أتيتُ سُليمانَ بنَ عَمْرٍو، فجلستُ إليه، فقال: "حدَّثَنا سُليمانُ التَّيمِيُّ، عن أنَسٍ، قال: من قاد أعمى أربعين خُطوَةً"، فقلتُ: "قُومُوا من عند هذا الكَذَّاب! ".
وهذا موقُوفٌ، مع سُقُوطِه.
ووقفتُ له على طريقٍ خامسٍ ..
أخرَجَهُ أبو الشَّيخ في "طبقات المُحَدِّثين" (١٦٣) من طريق الوليد بن مُسلِمٍ، ثنا بحرٌ السَّقَّاءُ، عن قتادة، عن الحَسَن، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "من قاد ضريرًا، أو مريضًا، أربعين خُطوَةً عَدَلَت له رقبةً، فإن قاده ثمانين خُطوَةً عَدَلَ له رقَبَتين، ومن قاده مِئَةَ خُطوةً أدخَلَه الله الجَنَّة".
وهذا ضعيفٌ جدًّا؛ والوليدُ بنُ مُسلِمٍ كان يُدلِّس التَّسويةَ، ولم يُصَرِّح في جميع الإسناد.
وبَحرُ بن كُنَيزٍ السَّقَّاءُ ضعيفٌ.
وقتادةُ، والحسَنُ مُدَلِّسان. والله أعلَمُ.
* وأما حديثٌ جابرٍ ﵁.
فأخرَجَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٠٣)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١٠٩٨) من طريق يزيد بن مَرْوان الخَلَّال، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد المَلِك الأنصاريُّ، عن مُحمَّد بن المُنكدِر، عن جابرٍ مرفُوعًا: "من قاد مكفوفًا أربعين خُطوَةً وَجَبَت له الجَنَّةُ".
وقد أورد العُقيليُّ هذا الحديثَ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٠٣) في ترجمة
стр. 921
الأَنصَارِيِّ هذا، ولم يُسنِده، وقال: "لا يُتابَع عليه، إلَّا مِن جهةٍ هي أوهنَ مِن جِهَتِه". وقال أحمدُ عن الأنصارِيِّ هذا: "رأيتُهُ، وكان يضعُ الحديثَ".
ويزيدُ بن مَرْوان كَذَّبه يحيى بنُ مَعِينٍ، كما في "ضعفاء العُقيليِّ" (٤/ ٣٨٩).
وقد تقدَّم الاختلافُ على الأَنصَارِيِّ في إسناده.
وتُوبع الأنصارِيُّ ..
تابَعَهُ مُحمَّدُ بنُ أبي حُمَيدٍ، عن مُحمَّد بن المُنكَدِرِ، عن جابرٍ مرفُوعًا: "من قاد مَكفُوفًا أربعين خُطوةً غُفِرَ له ما مضى من ذنُوبِهِ".
أخرَجَه ابنُ عَدِيٍّ (٧/ ٢٥٢٨)، ومن طريقه ابنُ الجوزِيِّ (٢/ ١٧٦) قال: أخبَرَنا ميمُونُ بنُ سلَمَة، ثنا المُسيَّبُ بنُ واضحٍ، ثنا أبُو البَختَرِيِّ، عن مُحمَّد بن أبي حُميدٍ بهذا.
قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا قد قيل فيه: مُحمَّد بنُ المُنكدِر، عن جابرٍ. وقيل فيه: مُحمَّد بن المُنكدِرِ، عن ابن عُمَرَ. وجميعًا غيرُ محفوظَين".
وهذا الوجهُ ساقطٌ البتَّةَ؛ وأبُو البَختَرِيِّ اسمُهُ: وهبُ بنُ وَهبٍ، كان يضعُ الحديث وَضعًا، كما قال أحمدُ. وقال ابنُ مَعينٍ: "لا رَحِمَ اللهُ أبا البَختَرِيِّ؛ كان يضعُ الحديثَ". وكذَّبَهُ وكيعٌ وإسحاقُ بنُ راهَوَيه وغيرُهُما. وخَتَمَ ابنُ عَدِيٍّ ترجَمَتَهُ بقوله: "ولأبي البَختَرِيِّ من الحديث عن الثِّقات غيرُ ما ذكرتُ، وهو ممَّن يضعُ الحديثَ".
ومُحمَّدُ بنُ أبي حُميدٍ ضعيفٌ أيضًا.
стр. 922
* وأمَّا حديثُ أبي هُريرَة ﵁.
فأخرَجَهُ ابنُ شاهينَ (٥١٤)، ومن طريقِهِ ابنُ الجَوزِيِّ (١١٠٠) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ عُمر الزُّبَيرِيُّ بمصرَ، ثنا أحمدُ بنُ عبد الرَّحيم البَرقِيُّ، ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَة أبُو حفصٍ، ثنا إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ البصرِيُّ، عن عليِّ بن ثابت، عن ابن سيرِينَ، عن أبي هُريرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا هُريرَةَ! مَن مشَى مع أعمَى مِيلًا يُرشِدُهُ كان له بكُلِّ ذراعٍ من المِيل عِتقُ رقبَةٍ. يا أبا هُريرَةَ! إذا أرشدتَ أعمَى فخُذ يده اليُسرَى بيدك اليُمنى؛ فإنَّها صدقةٌ".
قال ابنُ الجَوزِيِّ: "وإبراهيمُ البصرِيُّ، قال أبُو حاتمٍ الرَّازِيُّ: ضعيفُ الحديثِ مُنكَرُهُ. والحديث مُنكَرٌ".
وجُملة القول أن الحديث باطلٌ من جَمِيع وُجُوهِه. ومع ذلك، فقد حاوَلَ السِّيُوطِيُّ (٢/ ٨٨ - ٩٠) أن يُرقِّيه إلى درجة الضَّعيف فقط؛ حتَّى يتسنَّى له القولُ بأنَّه جائزٌ في فضائل الأعمال، وذلك بأن ينقل قول البيهَقِيِّ في "الشُّعب" في رُواتِهِ.
فقال البيهَقِيُّ: "عليُّ بنُ عُروةَ: ضعيفٌ. وما قبله: إسنادُهُ ضعيفٌ أيضًا"، والإسنادُ الذي قبله فيه: عبدُ الوهَّاب بنُ الضَّحَّاك.
ثُمَّ روَى البيهَقِيُّ حديثَ يُوسُفَ بن عطيَّةَ، وقال: "وُيوسُفُ ضعيفٌ". وهؤُلاء الثَّلاثةُ الذين ذكرَهُمُ البيهَقِيُّ كذَّابُون، يَضَعُون الحديث. والسِّيُوطِيُّ لابُدَّ أن يَعلَمَ هذا من تراجِمِهم، فإذا قال البيهَقِيُّ في أحد هؤلاء الهَلكَى إنَّه ضعيفٌ، ظَنَّ قارئُ هذا الحُكمِ أنَّه مثلُ ضعفِ أهلِ
стр. 923
الصِّدقِ ممَّن ضَعُفَ حَفظُهُم، فيلجأُ إلى القاعدة المشهُورة: "يُعمَلُ بالضَّعيف في فضائِلِ الأعمال".
وقد اغترَّ بصنيعِ السِّيُوطِيِّ هذا: ابنُ عَرَّاقٍ في "تنزيه الشَّريعة" (٢/ ١٣٨) بقوله: "تُعُقِّب - يعني: ابنَ الجوزيِّ - بأنَّ أصلحَ طُرُق الحديثِ حديثُ أبي هُريرَة؛ فإنَّ إبراهيمَ لم يُتَّهَم بكذِبٍ. على أن البيهَقِيَّ أخرَجَ في "الشُّعب" حديثَ ابن عُمَرَ من طريق سلْمٍ، ومن طريق محُمَّدِ بن عبدِ الملك، وثَورِ بن يزيدَ، وقال في كُلٍّ منهما: ضعيفٌ" ا. هـ.
كذا قال! وإذا اغترَّ أمثالُ هؤلاء العُلماء بأحكامٍ غيرِ دقيقةٍ صَدَرَت من البَيهَقِيِّ، فكيف بالعوامِّ؟!
وقد نبَّهتُ في هذا الكتابِ وفي غيرِهِ، أن عبارَةَ النَّاقَّد إذا قَصُرَت عن الوصف الدَّقيق للرَّاوِي أو المَروِيِّ، فإنَّها تُؤدِّي إلى مَثَالِبَ، منها ما نحنُ بصدَدِهِ الآنَ، فإذا قال البيهَقِيُّ عن الكذَّاب إنَّه ضعيفٌ فقط، اغترَّ به مَن ليس من أهل الحديث، وسَارَعَ إلى العمل به طبقًا للقاعدة السَّابقة.
فاللهُ المُستَعانُ.
стр. 924
٢٥٩ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمسين مرَّةً غَفَر الله له ذُنُوب خمسين سَنَةً".
• قلتُ - هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجه الدَّارِمِيُّ (٢/ ٤٦١)، وأبو يَعلَى - كما في "تفسير ابن كَثيرٍ" (٨/ ٥٤٤) - قالا: حدَّثَنا نصرُ بنُ عليٍّ، عن نُوحِ بن قيسٍ، عن مُحَمَّدٍ العَطَّارِ، أخبرَتْنِي أمُّ كَثيرٍ الأنصارَّيةُ، عن أنَس بن مالكٍ مرفُوعًا فذَكَرَه.
ووقع عند الدَّارِمِيِّ: "مُحَمَّدٍ الوَطَّاء" ولم أَجِد هذه النِّسبَة.
وفي ترجمة نُوح بن قيسٍ من "تهذيب الكمال" يَروِي عن أبي رجاءٍ مُحمَّد بن سَيفٍ، فكأنَّه هو. وقد وثَّقَه ابن مَعِينٍ والنَّسَائِيُّ وابنُ سَعدٍ وابنُ حِبَّان، وقال أبو حاتمٍ: "صالحُ الحديث".
وأمُّ كَثيرٍ الأنصاريَّةُ لم أَعرِفها.
ولذلك قال ابنُ كَثيرٍ: "إسنادُهُ ضعيفٌ".
وأخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٢٩٠٠) ..
وابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٨٤٥)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٢٥٤٨)، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بُن مُحَمَّدٍ النَّفَّاخ بمصرَ، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ مَرزُوقٍ، ثنا حاتمُ بنُ مَيمُونَ أبو سهلٍ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "من قرأ كُلَّ يومٍ مِئَتَي مرَّةً ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحِي عنه ذنوبُ خمسين سَنةً، إلا أن يكون عليه دَيْنٌ".
стр. 925
ورواه أبو الرَّبيع الزَّهرَانِيُّ، ثنا حاتمُ بنُ مَيمُونَ بهذا الإسناد، بلفظ: "من قرأ في يومٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِئَتَي مرَّةً كُتِب له ألفٌ وخَمسُمِئَةِ حسنةً، إلَّا أن يكون عليه دَيْنٌ".
أخرَجَهُ أبو يَعلَى (٣٣٦٥)، وعنه ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٨٤٤)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٢٥٤٧)، والخطيبُ (٦/ ٢٠٤).
كذا اختَلَفُوا على حاتم بن مَيمُون في لفظه.
وحاتمٌ قال ابنُ حِبَّان في "المجروحين" (١/ ٢٧٠): "مُنكَر الحديث، على قِلَّتِه، يَروِي عن ثابتٍ ما لا يُشبِه حديثَه، لا يجوز الاحتجاجُ به بحالٍ - ثُمَّ ذكر له ابنُ حِبَّان هذا الحديث - ".
وقد استغرَبَه التِّرمِذِيُّ.
وأخرَجَهُ البَزَّارُ - كما في "تفسير ابن كَثيرٍ" (٨/ ٥٤٤) -، من طريق أغلبَ بن تَميمٍ، ثنا ثابتٌ، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "من قَرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِئَتَي مرَّةً حُطَّ عنه ذُنوبُ مِئَتَي سنةً".
وأخرَجَهُ ابنُ الضُّرَيسِ في "فضائل القُرآن" (٢٦٦١)، وابنُ بِشرَانَ في "الأمالي" (١٢٢٩)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٢٥٤٦)، والخطيبُ (٦/ ١٨٧) من طريق الحَسَن بن أبي جَعفَرٍ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ مرفُوعًا مثلَه.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلمُ رواه عن ثابتٍ إلَّا الحسَنُ بنُ أبي جعفرٍ، والأَغلَبُ بنُ تَميمٍ، وهما مُتَقَارِبَان في سوء الحِفظ".
• قلتُ: قلتُ: وهذا حديثٌ مُنكَرٌ، مُضطرِبُ المتن، ضعيفُ الإسناد.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 926
٢٦٠ - سُئلتُ عن حديث: "تَخرُجُ الدَّابَّةُ فِي شعب يُقَالُ لَهُ: جِيَادٌ، فَتَصرُخُ ثَلَاثَ صَرخَاتٍ، فَيَسمَعُهَا مَا بَينَ الخَافِقَينِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٣١٦)، وفي "الأَوسط" (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، وابنُ حِبَّان في "المجرُوحين" (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٣/ ١٠٣٣)، والعُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٢/ ٦١)، والطَّبَرانيُّ في "الأَوسط" (٤٣١٧)، والوَاحِدِيُّ في "الوَسِيط" (٣/ ٣٨٥)، والشَّجَرِيُّ في "الأمالي" (٢/ ٢٧٧)، والذَّهَبيُّ في "الميزان" (٢/ ١٣٧) من طريق يحيى بن مَعِينٍ، ثنا هشامُ بنُ يُوسُف، ثنا رَبَاحُ بنُ عُبيد الله بن عُمَر، عن سُهيل بن أَبي صالحٍ، عن أَبيه، عن أبي هُريرة مرفُوعا: "بِئسَ الشِّعبُ جِيَادٌ - قالها ثلاثَ مرَّاتٍ، أو مرَّتين -"، قالُوا: "فيم ذاك يا رسول الله؟ "، قال: "تخرُجُ الدَّابَّةُ فتصرُخ … الخ".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن سُهيل بن أبي صالحٍ إلَّا رَبَاحُ بنُ عُبيد الله بن عُمَر، ولا عن رَبَاحٍ إلَّا هشامُ بنُ يُوسف. تفرَّد به يحيى بنُ مَعِينٍ".
وقال البُخاريُّ والعُقيليُّ وابنُ عَديٍّ: "تفرَّد به رباحٌ".
ورباحٌ هذا قال أحمدُ والدَّارَقُطنِيُّ: "مُنكَر الحديثُ".
стр. 927
وقال ابن حِبَّان: "كان قليلَ الحديثِ، مُنكَرَ الرِّواية، على قِلَّتِها، لا يَجُوزُ الاحتجاجُ بخَبَرِهِ عِندِي، إلَّا بما وافق الثِّقات"، وكذلك صَرَّح ابنُ عَدِيٍّ: "أنَّهُ كان قليلَ الحديث"، وهذا يَدُلُّ على وهائه: أن يَكُونَ قليلَ الحديث، ومع ذلك فأحاديثُهُ ليست مَحفُوظَةً، لأنَّ الغَلَط قد يُغتَفَرُ مع سِعَة الرِّواية.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 928
٢٦١ - سُئلتُ عَن حديث: "إِدا كَانَ يَومُ الفِطرِ، وَقَفَت المَلَائِكَةُ عَلَى أَبوَابِ الطُّرُقَاتِ، فَيَقُولُونَ: اُغدُوا، يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ! لِتَقبِضُوا جَوَائِزَكم".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ جِدًّا، شبهُ موضُوعٍ.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٦١٧)، وعنه أبو نعيمٍ في "معرِفة الصَّحابة" (٩٩٦) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ خالدٍ الرَّاسِبِيُّ، ثنا الحَسَنُ بنُ جعفرٍ الكَرْمَانِيُّ، ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ، ثنا عَمرُو بنُ شِمْرٍ، عن جابرٍ، عن أبي الزُّبَير، عن سعيد بن أوسٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، قال: قال رسُول الله ﷺ : "إِذَا كان يومُ الفِطر، وقَفَت الملائكةُ على أبواب الطُّرُق، فنَادَوْا: "اُغدُوا، يا مَعْشر المُسلِمين! إِلي ربٍّ كريمٍ، يَمُنُّ بالخيرِ، ثُمَّ يُثِيبُ عليه الجزيلَ، لقد أُمِرتُم بقيام اللَّيل، فقُمتُم، وأُمِرتُم بصيام النَّهَار، فصُمتُم، وأَطَعتُم ربَّكم، فَاقبِضُوا جوائزكم"، فإذا صَلَّوا، نادي مُنَادٍ: "أَلا إنَّ ربَّكُم قد غَفَرَ لكم، فَارجِعُوا راشدين إلى رِحالكم فهو يومُ الجائزة"، ويُسَمَّى ذلك اليومُ في السَّماء يومَ الجائزة".
وأَعَلَّهُ الهَيثَمِيُّ (٢/ ٢٠١) بجابرٍ الجُعفِيِّ، وتَرَكَ التَّنبيهَ على حال عمرِو بن شِمْرٍ، وهو أَحَدُ التَّلفَى، فقد ترَكَهُ النَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وغيرُهما. وقال البُخارِيُّ: "مُنكَرُ الحديث". وكَذَّبَهُ الجُوْزْجَانيُّ.
стр. 929
وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ". ورماه السُّلَيمَانِيُّ بوضع الحديث للرَّوَافِض. وقال ابنُ حِبان في "المجروحين" (٢/ ٧٥ - ٧٦): "كان رَافِضِيًّا، يَشتُمُ أصحابَ رسُولِ الله ﷺ ، وكان مِمَّن يَروِي الموضوعاتِ عن الثِّقات في فضائل أهلِ البيت وغيرِهم. لا يَحِلُّ كتابةُ حديثه إلَّا على جِهَةِ التَّعَجُّب".
أَضِف إلى ذلك عَنعَنَةَ أبي الزُّبير.
ولكن له طريقٌ آخرُ إلى سعيد بن أوس.
أخرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (٦١٨)، والحسَنُ بنُ سفيان في "مُسنَده" - كما في "الإصابة" (١/ ١٦١) -، ومِن طريقه أبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٩٩٤)، والشَّجَرِيُّ في "الأمالي" (٢/ ٤٧) من طُرُقٍ عن سَلْمِ بن سالمٍ، ثنا سعيدُ بنُ عبد الجبَّار، عن تَوبَة - أو: أبي تَوبَة، شَكَّ سلْمٌ -، عن سعيد بن أوسٍ الأنصاريِّ، عن أبيه مرفُوعًا مثله.
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا، وسَلْمُ بنُ سالمٍ كان ابنُ المُبارَك شديدَ الحَملِ عليه، وكان يقولُ: "اتَّقِ حيَّاتِ سلْمٍ؛ لا تلسعك"! وقد سُئِل ابن المُبارَك عن الحديث في أكل العدس، وأنَّهُ قدِّس على لسان سبعين نبيًّا!! فقال: "لا" ولا على لسان نبيٍّ واحدٍ؛ إِنَّهُ لمُؤذٍ مُنفِخٍ. مَن يُحدِّثُكم؟ "، قالوا: "سَلْمُ بنُ سالم"، قال: "عمَّن؟ "، قالوا: "عنك"! قال: "وعَنِّي أيضًا "!! وقال أحمدُ: "ليس بذاك". وضعَّفه ابنُ مَعِينٍ. وقال أبو زُرعة: "لا يُكتَب حديثُه"، ثُمَّ أومأ بيده إلى فيه، قال ابنُ أبي حاتمٍ: "يعنى: لا يَصْدُقُ".
стр. 930
وسعيدُ بنُ عبد الجبار أظُنُّه أبا عُثَيمٍ، الذي يَروِي عن الحِمْصِيِّين، مِثلِ حَرِيزِ بن عُثمانَ، وصفوانَ بن عَمرٍو، فإن يكُنهُ فقد ترجَمَهُ ابن أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ١/ ٤٣ - ٤٤)، ونَقَلَ عن قُتيبةَ بن سعيدٍ، قال: "كان جَريرُ بنُ عبد الحَمِيد يُكَذِّبُه". وأضجَعَ ابنُ مَعِينٍ القولَ فيه.
وقال أبو حاتمٍ: "ليس بقويٍّ، مُضطرِبُ الحديث".
وتَوْبَة، أو أبو تَوْبةَ، لا أعرفه.
وسعيدُ بنُ أوسٍ مجهولٌ.
ورواه عبدُ الرَّحمن بنُ قيسٍ الحضرمِيُّ، عن سعيد بن عبد الجبَّار، عن سعيد بن أوسٍ، عن أبيه مرفُوعا.
فسَقَط ذِكرُ "توبة، أو أبي توبة".
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ أيضًا (٩٩٥) من طريق خلَّاد بن أَسلَم، ثنا عبد الرَّحمن بهذا.
وهذا إسنادٌ ظُلُمَاتٌ بعضُها فوق بعضٍ، مع ما فيه من الاضطراب.
ووقفتُ له على شاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعا، فساق حديثًا طويلًا، جاء في آخِرِهِ: "فإِذَا كانت ليلةُ الفِطر، سُمِّيتْ ليلةَ الجائزة، فإذا كانت غداةُ الفِطر بَعَثَ اللهُ ﵎ الملائِكةَ في كلِّ ملإٍ، فيهبِطُون إلى الأرض، فيَقُومُون على أفواه السِّكَكِ، فيُنَادُوْن بصوتٍ يسمعُه جميعُ من خَلَق اللهُ إلَّا الجنَّ والإنسَ، فيقُولُون: "يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ! اُخْرُجُوا إلى ربٍّ كريمٍ، يغفِرُ العظيم"، وإذا بَرَزُوا في مُصلَّاهم، يقول اللهُ تعالى: "يا ملائكتي! ما أَجرُ الأجير إذا عَمِلَ عملَه؟ "، فتقول الملائكة: "إِلَهَنَا! وَسَيِّدَنَا!
стр. 931
جزاؤُه أن يُوفِّيه أجرَه"، فيقولُ اللهُ : "أُشهِدُكُم يا ملائكتي! أَنِّي قد جعلتُ ثوابَهم، مِن صيامِهم شهرَ رمضان، وقيامهم، رِضَائِي ومغفرتِي"، فيقول اللهُ : "سَلُونِي! وَعِزَّتِي وَجلالي! لا تَسألُوني اليومَ شيئًا في جَمعِكُم هذا لِآخِرَتُكم إلَّا أَعطَيتكُمُوهُ، ولا لِدُنيا إلَّا نظرتُ لكم. وعِزَّتِي! لأستُرَنَّ عَلَيكُم عَثَرَاتِكُم ما رَاقَبتُمُونِي. وعِزَّتِي وجلالِى! لا أُخزِيكُم ولا أفضَحُكُم بين يدي أصحاب الجُدُود - أو: الحُدود، شَكَّ أبو عَمرٍو -، وانصَرِفُوا مغفورًا لَكُم، قد أَرضَيتُمُونِي، ورَضِيتُ عنكم"، - قال: - فتَفرَحُ الملائكةُ، ويَستَبشِرُون بما يُعطِي اللهُ هذه الأُمَّةَ إذا أفطروا".
أخرَجَهُ الأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (١٧٤١)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٤٣ - ٤٥/ ٨٨٠)، وقال: "لا يَصِحُّ. سنَدُه واهٍ جِدًّا"، وعزاه المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٩٩ - ١٠١) لأبى الشَّيخ في "كِتاب الثَّواب"، والبيهقيِّ، وقال: "ليس في إسناده من أُجمِعَ على ضعفِه".
• قلتُ: قلتُ: كذا قال! وليس من شرط الحديث الباطل أن يكُون الإجماعُ انعَقَدَ على ضعفِ أَحَدِ رُواتِه.
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا، شِبهُ الموضُوع.
وإن كان ابنُ الجَوزِيِّ أخطأ في زعمِه أن القاسمَ بنَ الحَكَم العُرَنِيَّ - أحد رُواتِه - مجهولٌ، فليس بمجهولٍ، بل هو معروفٌ، فقد وثَّقَه غيرُ واحدٍ، منهُم أحمدُ وابن مَعِينٍ والنَّسائِيُّ.
وقال أبو زرعة: "صدُوقٌ".
стр. 932
وقال ابن حِبَّان: "مُستقيم الحديث".
وضعَّفَهُ العُقيليُّ وأبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكين لغَفلَةٍ كانت فيه.
وعلى كُلِّ حالٍ، فليس يصِحُّ في هذا الباب شيءٌ أعلَمُه.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 933
٢٦٢ - سُئلتُ عن حديث: "مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كتَابهِ فهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقَبَلُوا مِنَ الله عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ الله لَم يَكُن لِيَنسَى شيئًا، - ثُمَّ تَلَا هذه الآيةَ: - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ حسنٌ.
أخرَجَهُ البَزَّارُ (١٢٣، ٢٢٣١، ٢٨٥٥ - كشف الأستار) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ عبد الله، ثنا سليمانُ بنُ عبد الرَّحمن الدِّمشقيُّ، ثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن عاصم بن رجاء بن حَيْوَةَ، عن أبيه، عن أبي الدَّرداء مرفُوعًا: "مَا أَحَلَّ اللهُ في كتابه فهو حلالٌ، وما حزَم فهو حرامٌ، وما سَكَتَ عنه فهو عفوٌ، فاقبَلُوا من الله عافيتَهُ، فإِنَّ الله لم يَكُن لينسى شيئًا، - ثُمَّ تلا هذه الآية: - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ".
وأخرَجَهُ الحاكم (٢/ ٣٧٥)، وعنه البَيهَقِيُّ (١٠/ ١٢) من طريق أبي نُعيمٍ الفضل بن دُكَين، ثنا عاصمُ بنُ رجاءٍ بهذا الإسناد.
وقال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد"، وحسَّن إسنادَهُ الهيثميُّ (١٠/ ١٧١)، وهو حَرِيٌّ بذلك، لاسيَّما أن له شاهدًا موقُوفًا صحيحَ الإسناد يأتي.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُه يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد.
وعاصمُ بنُ رجاءٍ حدَّثَ عنه جماعةٌ. وأبُوه رَوَى عن أبي الدَّرداء غيرَ حديثٍ. وإِسنادُه صالحٌ".
стр. 934
وعاصمُ بنُ رجاءٍ وثَّقه ابنُ حِبَّان، وابنُ عبدِ البَرِّ. وقال أبُو زُرعة: "لا بأس به". وقال ابنُ مَعينٍ: "صُويلحٌ". أمَّا الدَّارَقُطنِيُّ فضعَّفهُ.
ويأتي إن شاء اللهُ عن أبي الدَّرداء من وجهٍ آخرَ بسياقٍ مُختلفٍ عند الحديث (٣٢٣) وفيه بعضُ معنى هذا الحديث.
وقد رُوِي هذا الحديثُ من وجهٍ آخر ..
فأخرَجَهُ التِّرمذيُّ في "سُننه" (١٧٢٦)، وفي "العِلل الكبير" (٥١٣)، وابنُ ماجَهْ (٣٣٦٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُعجَم الصَّحابة" (ج ٩/ ق ١٥٨/ ١ - ٢)، وابنُ أبي شُرَيحٍ في "جُزء بِيْبَى" (٨٥)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢٦٧)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ١٧٤)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٦١٢٤)، والحاكمُ (٤/ ١١٥)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٢)، وأبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ٢١٢) من طُرُقٍ عن سيف بن هارُون، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان النَّهدِيِّ، عن سَلمانَ الفارِسِيِّ، قال: سئِلَ رسُولُ الله ﷺ عن السَّمن والجُبن والفِراء، فقال: "الحلالُ ما أحلَّ اللهُ في كتابه، والحرامُ ما حرَّم اللهُ في كتابه، وما سَكَتَ عنه فهو عفوٌ".
قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرِفُهُ مرفُوعًا إلَّا من هذا الوجه. ورَوَى سُفيانُ وغيرُه، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أَبِي عُثمانَ، عن سَلمان قولَه، وكأنَّ الحديثَ الموقُوفَ أصَّحُ. وسألتُ البُخاريَّ عن هذا الحديثِ فقال: ما أراه محفوظًا، رَوَى سُفيانُ، عن سليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان، عن سَلمانَ، موقُوفًا، - قال البُخاريُّ: - وسيفُ بنُ هارُون مُقارِبُ الحديثِ، وسيفُ بنُ مُحمَّدٍ ذاهبُ الحديث".
стр. 935
قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ مُفسِّر في الباب، وسيفُ بنُ هارُون: لم يُخرِّجاه"، فتعقَّبه الذَّهبيُّ قال: "ضعَّفه جماعةٌ".
وقال العُقيليُّ: "لا يُحفَظُ إلَّا عنه - يعني: عن سُفيان بن هارون - إلَّا بهذا السَّنَد".
وسُئِلَ أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ - كما في "عِلل الحديث" (١٥٠٣) - عن هذا الحديث، فقال: "هذا خطأٌ. رواه الثِّقاتُ عن التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا، ليس فيه سلمان. وهو الصَّحيح" انتهَى.
• قلتُ: قلتُ: وقد وقفتُ على روايةِ سُفيانَ بن عُيَينة ..
أخرَجَهَا البَيهقِيُّ (١٠/ ١٢) من طريق بِشر بن مُوسَى، ثنا الحُمَيدِيُّ، عن سُفيانَ، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان، عن سلمانَ ﵁ - أُراه رَفَعه -، قال: … وذكره.
هكذا وردت هذه الرِّواية على الشَّكِّ في رفعه.
ووقع في كلام البُخاريِّ الجزمُ بوقفه عن سُفيان.
وقد أعلَّ العُقيليُّ الرِّواية المرفُوعة، بما رواه عن الحسَن البصريِّ مُرسَلًا، فقال: حدَّثَنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثَنا أبو حفصٍ عُمَرُ بنُ يزيد الشَّيبَانِيُّ، قال: حدَّثَنا حمَّادُ بنُ عبد الرَّحمن المَالِكِيُّ، عن الحَسَن، أنَّ رجُلًا قام إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "يا رسول الله! ما تقول في الجُبن الفِراء والسَّمن؟ " … الحديث.
قال العُقيليُّ: "هذا أَولَى".
ثُمَّ وقَفتُ على شاهدٍ آخر عن ابن عُمَر ﵄.
стр. 936
أخرَجَهُ ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٤٨١) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ جعفر بن يزيد ورَّاقُ بن أبي الدُّنيا، ثنا مُحمَّدُ بنُ سليمان بن الحارث، ثنا أبو هارُون مُحمَّدُ بنُ أيُّوب، ثنا نُعيمُ بنُ مُوَرِّع بن توبة العَنبَرِيُّ، عن ابن جُريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر: سُئِل رسُول الله ﷺ عن الجُبن والسَّمن والفِراء، فقالا: "الحلالُ ما أحلَّ اللهُ في كتابِه، والحرامُ ما حرَّم في كتابه، وما سكت عنه، فهو ممَّا عفا عنه".
قال ابنُ عَديٍّ: "وهذا غير محفوظٍ من حديث ابن جُريجٍ، وما أظنُّه يرويه غيرُ نُعيمٍ. ولنُعيمٍ غيرُ ما ذكرتُ من الحديث. وعامَّةُ ما يرويه غيرُ محفوظٍ".
وذَكَرَ البَيهقِيُّ في "سُنَنه الكبير" (١٠/ ١٢) أنَّهُ ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضًا.
أخرج أثر ابن عبَّاسٍ أبُو داوُد (٣٨٠٠) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ داوُد بن صُبيحٍ .. والحاكمُ (٤/ ١١٥) عن أحمدَ بن حازِمٍ الغِفاريِّ .. قالا: ثنا أبُو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ - يعني ابنَ شَرِيكٍ المَكِّيَّ -، عن عمرِو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعثاءِ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: كان أهلُ الجاهليَّة يأكُلُون أشياءَ ويترُكُون أشياءَ تقذُّرًا، فبعث اللهُ تعالَى نبيَّهُ ﷺ ، وأنزَلَ كتابَهُ، وأحلَّ حلالَهُ، وحرَّم حرامه، فما أحلَّ فهو حلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفوٌ - وتلا: - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا … إلى آخر الآية﴾ [الأنعام: ١٤٥]
قال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد"، وهو كما قال .. واللهُ أعلمُ.
стр. 937
٢٦٣ - سُئلتُ عن حديث: "مَا اختَلَطَ حُبِّي بِقَلبِ عَبدٍ فَأَحَبَّنِي إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ موضوعٌ.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦) قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ حُميدٍ، ثنا أحمدُ بن مُحمَّد بن سعيدٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عيسى، ثنا السَّرِيُّ بنُ مَرثَدٍ، ثنا إسماعيلُ بنُ يحيى، ثنا مِسعَرٌ، عن عطيَّة، قال: كُنتُ مع ابن عُمَر جالسًا، فقال رُجُلٌ: لودِدتُ أنِّي رأيتُ رسُول الله ﷺ ، فقال له ابنُ عُمَر: فكُنتَ تصنَعُ ماذا؟ قال: كُنت والله! أُومِنُ به، وأُقَبِّلُ ما بين عينيه. فقال ابنُ عُمَر: ألا أُبَشِّرُك؟ قال: بلى، يا أبا عبد الرَّحمن! فقال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقول: "ما اختَلَطَ حُبِّي بقلب عبدٍ، فأحَبَّنِي، إلَّا حرَّم اللهُ جسده على النَّار - ثُمَّ قال: - ليتَنِي أَرَى إخواني، وَرَدُوا على الحوضِ، فاستقبِلُهم بالآنية، فيها الشَّرابُ، فأسقِيهِم من حوضِي -، قبل أن يدخُلُوا الجنَّة"، فقيل له: "يا رسُول الله! أَوَلَسنَا إخوانك -؟! "، قال: "أَنتُم أصحابي، وإخواني مَن آمَنَ بي وَلَم يَرَنِي، إني سألتُ ربِّي أن يُقِرَّ عيني بكم، وبمن آمن بي ولم يَرَني".
قال أبو نُعيم: "غريبٌ من حديث مِسعرٍ، تفرَّد به إسماعيلُ، وعنه السَّرِيُّ".
стр. 938
• قلتُ: قلتُ: وهذا سَنَدٌ ساقطٌ البتَّةَ؛ وإسماعيلُ بنُ يحيَى هالكٌ، كذَّبه الدَّارَقُطنِيُّ والحاكمُ وأبو عليٍّ النَّيسَابُورِيُّ الحافظ. وقال صالحٌ جَزَرةُ: "كان يَضَع الحديثَ"، بل قال الأَزديُّ: "رُكنٌ من أركان الكَذِب، لا تَحِلُّ الرِّواية عنه"، كان يُحدِّثُ عن مِسَعرٍ وابن جُريجٍ بالأباطيل، لذلك قال الذَّهبيُّ في "الميزان" (١/ ٢٥٣): "مُجمَعٌ على تركه".
وفي الإسناد إليه أحمدُ بنُ مُحمَّد بن سعيدٍ، وهو المعروف بابنِ عُقدة، فهو مع حفظه، فقد اتُّهِم بسَرِقة الحديثِ.
стр. 939
٢٦٤ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ رَجُلًا ذَهَبَ إِلَى قَومٍ، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَنِي أَن أَحكُمَ فِي أَموَالِكُم وَدِمَائِكُم، وَأَن تُزَوِّجُونِي"، فَأَرسَلُوا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَتلِهِ، فَلمَّا دَفَنُوهُ لَفَظَتهُ الأرضُ.
• قلتُ: قلتُ: هذا السِّياقُ المذكورُ يتألَّفُ من حديثين، أحدهما ضعيفٌ، والآخر صحيحٌ.
* أما الحديث الضَّعيف.
فأخرَجَهُ ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٤/ ١٣٧١ - ١٣٧٢) قال: ثنا الحسنُ بنُ مُحمَّد بن عَنْبرٍ، ثنا حجَّاجُ بنُ يوسُف الشَّاعرُ، ثنا زكريَّا بنُ عَديٍّ، ثنا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن صالح بن حَيَّان، عن ابن بُريدة، عن أبيه، قال: كان حيٌّ من بني ليثٍ من المدينة على مِيلَينِ، وكان رجُلٌ قد خَطَب منهُم في الجاهلية، فلم يُزَوِّجُوه، فأتاهم وعليه حُلَّةٌ، فقال: "إنَّ رسُولَ الله ﷺ كَسَانِي هذه، وأَمَرَنِي أن أَحكُم في أموالكم ودمائكم"، ثُمَّ انطلق، فنزلَ على تلك المرأة التي كان خَطَبَها، فأرسل القومُ إلى رسُول الله ﷺ ، فقال: "كَذَبَ عدوُّ الله! "، ثُمَّ أرسل رجُلًا، فقال: "إن وجدته حيًّا، وما أُرَاكَ تجدُهُ حيًّا، فاضرب عُنقَه، وإن وجدته ميِّتًا، فأحرِقهُ بالنَّار"، - قال: - فجاءَهُ، فوَجَدَهُ قد لدَغَته أفعى، فمات، فحرقه بالنَّار، - قال: - فذلك
стр. 940
قولُ رسُولِ الله ﷺ : "مَن كذب عليَّ مُتَعَمِّدًا، فليتبَوَّأْ مَقعده من النَّار".
قال ابنُ عَديٍّ: "وهذه القِصَّة لا أعرِفُها إلَّا من هذا الوجه، ومن رواية زكريَّا بن عَديٍّ، عن عليّ بن مُسْهرٍ. وعن زكريا: حجَّاجٌ الشَّاعر".
كذا قال ابن عَديٍّ ﵀! أن حجاج بن يُوسُف الشَّاعرَ، وزكريَّا بنَ عَديٍّ، تفرَّدا بالحديث، وليس كما قال ..
فأمَّا حجَّاجٌ الشَّاعرُ.
فتابَعَهُ مُحمَّدُ بنُ إسحاق الصَّغَّانِيُّ، قال: أنا زكريَّا بنُ عَديٍّ، نا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن صالح بن حَيَّان، عن ابن بُريدة، عن أبيه، قال: كان حيٌّ من بني كِنانة من المدينة على مِيلَين، فأتاهم رَجُلٌ وعليه حُلَّةٌ، فقال: "إِنَّ رسُول الله ﷺ كَسَانِي هذه الحُلَّةَ، وأَمَرَني أن أَحكُم في أموالكم ونسائكم بما أَرَى"، وكان قد خَطَب امرأةً منهم، فأبَوْا أن يُزَوِّجُوه، - قال: - ثُمَّ انطلق فَنَزَل على تلك المرأة، فأَرسَلَ القومُ إلى رسُول الله ﷺ رسولًا، فأخبره، فقال: "كَذَبَ عدوُّ الله! "، وأرسل رجُلًا، وقال: "إن وجدته حيًّا، فاضْرِب عُنُقَه، ولا أُرَاكَ تجدُهُ حيًّا، وإن وجدته ميِّتًا، فأحرِقهُ بالنَّار"، - قال: - فجاء، فوَجَدَهُ قد لدَغَتهُ أفعى، فمات، فذلك قولُ رسُولِ الله ﷺ : "مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبوَّأ مَقعَده من النَّار".
أخرَجَهُ الرُّويَانِيُّ في "مُسنَده" (٣٤) قال: أخبرَنَا مُحمَّدُ بنُ إسحاق به.
وكذلك تابَعَهُ إسماعيلُ بنُ حيَّانَ الواسِطِيُّ، قال: ثنا زكريَّا بنُ عديٍّ بهذا.
أخرَجَهُ النَّهرَوَانِيُّ في "الجليس الصَّالح" (١/ ١٨٢) قال: حدَّثَنا الحسنُ بنُ مُحمَّد بن شُعيبٍ الأنصاريُّ، ثنا إسماعيلُ بهذا.
стр. 941
وأمَّا زكريَّا بن عَديٍّ.
فتابَعَهُ يحيى بنُ عبد الحميد الحِمَّانِيُّ، ثنا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن صالح بن حَيَّان، عن ابن بُريدة، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ بَلَغَه أن رجُلًا قال لقومٍ: "إنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَنِي أن أَحكُم فيكم برأيي، وفي أموالكم كذا وكذا"، وكان خَطَب امرأةً منهم في الجاهلية، فأبَوْا أن يُزَوِّجُوه، ثمَّ ذهب، حتَّى نزل على المرأة، فبَعَثَ القومُ إلى رسُول الله ﷺ ، فقال: "كَذَبَ عدوُّ الله! "، ثُمَّ أرسل رجُلًا، فقال: "إن وجدته حيًّا، فاقتُلْهُ، وإن أنت وجدته ميِّتًا، فحَرِّقهُ بالنَّار"، فانطَلَق، فوجَدَهُ قد لُدغ فمات، فحرَقه بالنَّار، فعند ذلك قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبَوَّأْ مَقعَده من النَّار".
أخرَجَهُ أبو القاسم البَغَوِيُّ في "حديثه" - كما في "الصَّارم المسلول" (ص ١٦٩) لابن تيميَّة ﵀ وعنه أبُو الفَرَج النَّهرَوَانِيُّ في "الجليس الصَّالح" (١/ ١٨١) قال: حدَّثَنا يحيى الحِمَّانِيُّ ..
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "جُزء مَن كَذَب عليَّ" (١٤٦) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله الحَضرَمِيُّ ..
وتَمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (٧٤٥) من طريق مُحمَّد بن جعفر بن الإمامِ ..
وابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (١/ ٨٤) من طريق إبراهيم الحربِيِّ، قالُوا: ثنا يحيى الحِمَّانِيُّ بسنده سواء، بآخره دُون القِصَّة.
وصحَّح إسنادَهُ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة في "الصَّارم" (ص: ١٧٠)، وقال: "هذا إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الصَّحيح، لا نعلم له علةً".
كذا قال! وعِلَّتُه ظاهرةٌ، وهي صالحُ بنُ حَيَّان، ضعَّفه ابنُ مَعِينٍ.
стр. 942
وقال النَّسائِيُّ: "ليس بثقةٍ". وقال البُخاريُّ: "فيه نَظَرٌ"، وقال أبو حاتمٍ. والدَّارَقُطنِيُّ: "ليس بالقويِّ". وقال ابن حِبَّان: "يَروِي عن الثِّقات أشياءَ لا تُشبِه حديث الأثبات. لا يُعجِبُنِي الاحتجاجُ به إذا انفرد" انتهى، ولا أعلَمُ أحدًا تابعه على هذه القِصَّة بعد التَّفتيش. واللهُ أعلَمُ.
وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن الزُّبير ﵄.
أخرَجَهُ النَّهرَوَانِيُّ (١/ ١٨٢ - ١٨٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ هارُونَ أبُو حامدٍ الحَضرَمِيُّ، قال: حدَّثَنا السَّرِيُّ بنُ مَزْيَد الخراسَانِيُّ، قال: حدَّثَنا أبُو جعفرٍ مُحمَّدُ بنُ عليٍّ الفَزَارِيُّ، قال: حدَّثَنا داوُدُ بنُ الزِّبرِقان، قال: أخبَرَني عطاءُ بنُ السَّائب، عن عبدِ الله بن الزُّبير، أنَّه قال يومًا لأصحابه: أتدرُون ما تأويل هذا الحديث: "مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مَقعَدَه من النَّار"؟ قال: رجُلٌ عشق امرأةً فأتى أهلَها مساءً، فقال: "إنِّي رسُولُ رسُولِ الله ﷺ ، بَعَثَنِي إليكم أن أتضيَّف في أيِّ بُيُوتكم شئتُ"، - قال: - فكان ينتظرُ بَيتُوتَهُ إلى المساء، - قال: - فأتَى رجُلٌ منهم النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "إنَّ فُلانًا أتانا يزعُمُ أنَّك أخبرتَهُ أن يبيت في أيِّ بُيُوتنا شاءَ"، فقال: "كَذَبَ! يا فُلانُ! انطلق معه، فإن أَمْكَنَكَ اللهُ منه فاضرِب عُنُقَهُ وأحرِقهُ بالنَّار، ولا أراك إلَّا قد نُعِيتَهُ"، فلمَّا خرجَ الرَّسُولُ قال رسُولُ الله ﷺ : "اُدعُوه! "، فلمَّا جاء قال: "إنِّي قد كنتُ أمرتُك أن تضرب عُنُقَهُ وأن تُحرِّقه بالنَّار، فإن أمْكَنَكَ اللهُ منه فاضرب عُنُقَهُ ولا تُحرِّقه بالنَّار، فإنَّه لا يُعذِّبُ بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار، ولا أراك إلَّا قد كُفِيتَهُ"، فجاءت السَّماءُ فصبَّت، فخرج ليتوضَّأ فلسعتهُ أفعَى، فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ قال: "هُو في النَّار".
стр. 943
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وابنُ الزِّبرقان مطرُوحٌ.
وعطاءُ بنُ السَّائب كان اختَلَطَ، ولم يسمع من ابن الزُّبير. قال ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٧/ ٢٥١): "قيل: إنَّه - يعني عطاءً - إنَّه سمع من أنسٍ، ولا يصحُّ ذلك عندي" انتهَى. وقد مات أنسٌ في سنة ٩٣ هـ، وقيل قبل ذلك بسنةٍ أو بسنتين. أمَّا عبدُ الله بنُ الزُّبير فقُتل سنة ٧٢ هـ في أكثر الأقوال، فلئلَّا يسمع من ابن الزُّبير أولَى. واللهُ أعلم.
* أمَّا الحديثُ الصَّحيح، والذي أشار إليه السَّائل في الشَّطر الثَّاني من سؤاله ..
فأخرَجهُ البُخاريُّ في "كتاب المناقب" (٦/ ٦٢٤) واللَّفظُ له، قال: حدَّثَنا أبو مَعمَرٍ - هو عبدُ الله بنُ عَمرٍو المُقعَدُ - ..
وأبو يَعلَى في "مُسنَده" (ج ٧/ رقم ٣٩١٩)، ومِن طريقِهِ البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٧/ ١٢٧) قال: حدَّثَنا جعفرُ بنُ مِهرانَ، قالا: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، عن عبد العزيز بن صُهيبٍ، عن أنسٍ ﵁، قال: كان رُجُلٌ نصرانيًّا، فأسلَمَ، وقرأ البَقَرَةَ وآلَ عِمران، فكان يكتُبُ للنَّبيِّ ﷺ ، فعاد نصرانيًّا، فكان يقولُ: "مَا يَدرِي مُحمَّدٌ ما كتبتُ له"، فأماته الله، فدَفَنُوه، فأصبح وقد لَفَظَتهُ الأرضُ، فقالوا: "هذا فِعلُ مُحَمَّدٍ وأصحابِه، لمَّا هرب مِنهُم نبشوا عن صاحِبِنَا، فألقَوْهُ! "، فحَفَرُوا له، فأَعمَقُوا، فأصبَح وقد لَفَظَتهُ الأرضُ، قالوا: "هذا فِعلُ مُحَمَّدٍ وأصحابِه، نبَشوا عن صاحِبِنَا لمَّا هرب مِنهُم، فألقَوْهُ خارج القبر"، فحفَرُوا له، وأعمَقُوا له في الأرض ما استطاعُوا، فأصبَحَ قد لَفَظَتهُ الأرضُ، فعَلِمُوا أنَّه ليس من النَّاس، فألقَوْهُ.
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٧٨١/ ١٤)، وأحمدُ (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، وعَبدُ بنُ
стр. 944
حُميدٍ في "المُنتخَب" (١٢٧٨)، والبَيهَقِيُّ في "إثبات عذاب القبر" (٦٤)، وفي "الدَّلائل" (٧/ ١٢٦) عن هاشمِ بن القاسِم أبي النَّضر ..
وعبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المنتخَب" (١٢٨٠) قال: حدَّثَنا سلْمُ بنُ قتيبة ..
وأبو عَوَانة في "المُستَخرَج" - كما في "إتحاف المَهَرَة" (١/ ٥٢٦) - عن موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِيِّ، قالوا: ثنا سُليمانُ بنُ المُغِيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ فذَكَرَه.
وتابَعَهُ حمَّادُ بنُ سَلَمَة، عن ثابتٍ بهذا الإسناد.
أخرَجَه الطَّيالِسِيُّ (٢٠٢٠)، ومن طريقه ابنُ أبي داوُد في "المَصاحف" (٣) ..
وأحمدُ (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، قال: حدَّثَنا عفَّانُ بنُ مُسلِمٍ، قالا: ثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَة، عن ثابِتٍ، عن أَنسٍ، أن رجُلًا كان يكتُبُ لرسُولِ الله ﷺ … وساق نحوَه.
• قلتُ: كذا رواه الطَّيالِسِيُّ وعفَّانُ بنُ مسلمٍ.
ورواه سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمَّادُ بنُ سلَمَة بهذا الإسناد، بلفظ: كان رجلٌ يكتُبُ لرسولِ الله ﷺ القرآنَ … وساق نحوه.
أخرَجَه عبدُ بنُ حُميدٍ في "المنتخَب" (١٣٥٤).
ولم يقع في حديثِ أحدٍ عن أنسٍ أن هذا الرَّجل كان يكتُبُ القُرآن، إنَّما الذي ورد أنه "كان يكتُبُ" هكذا بإطلاقٍ. وأخشَى أن يكون حمَّادُ بنُ سَلَمَة اضطرب في هذا الحرف - مع أنَّه أثبتُ النَّاس في ثابتٍ -؛ فإنَّ الرُّواة عن حمَّادٍ أثباتٌ. ويُؤيِّدُ ذلك أن لفظة "القُرآن" لم تَرِد في حديثِ أحدٍ عن أنسٍ.
وسيأتي النَّظرُ في هذا الحرفِ قريبًا إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 945
وكذلك رواه حُمَيدٌ الطَّويلُ، عن أنَسٍ، أن رجُلًا كان يكتُبُ للنَّبيِّ ﷺ ، وقد كان قرأ البَقَرَة وآلَ عِمرانَ - وكان الرَّجُلُ إذا قرأ البقرَةَ وآل عمران جَدَّ فينا، يعني: عَظُم -، فكان النَّبيُّ ﷺ يُملي عليه: "غفورًا رحيمًا"، فيكتُبُ: "عليمًا حكيمًا"، فيقول له النَّبيُّ ﷺ : "اكتُب كذا وكذا. اكتُب كيف شِئتَ"، ويُمِلي عليه: "عليمًا حكيمًا"، فيقولُ: "أكتُبُ: سميعًا بصيرًا؟ "، فيقول: "اكتُب كيف شِئتَ". فارتدَّ ذلك الرَّجُلُ عن الإسلامِ، فلَحِقَ بالمُشركين، وقال: "أنا أعلَمُكُم بمُحمَّدٍ، إن كنتُ لأَكتُبُ كيفما شِئتُ"، فمات ذلك الرَّجُلُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الأرض لم تَقبَلهُ". - وقال أنسٌ: - فحدَّثني أبو طَلحَةَ أنَّه أتَى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرَّجُلُ، فوجدَهُ منبُوذًا، فقال أبو طَلحَةَ: "ما شأنُ هذا الرَّجُل؟ "، قالوا: "قد دفنَّاه مِرَارًا، فلم تَقبَله الأرضُ".
أخرَجَه أحمدُ (٣/ ١٢٠ - ١٢١)، والدِّينَورِيُّ في "المُجالَسة" (٢٣٩٢)، والبيهَقِيُّ في "عذاب القَبر" (٦٥)، وفي "السُّنَن الصَّغير" (١٠١٠)، والثَّعلَبِيُّ في "تفسِيره" (ج ١/ ق ٣٤/ ٢)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦) عن يزيد بن هارون ..
وأحمدُ (٣/ ١٢١)، والطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤/ ٢٢٠) عن عبد الله بن بكرٍ السَّهمِيِّ ..
والطَّحاوِيُّ أيضًا، عن يحيى بن أيُّوب ..
وابنُ حِبَّان (٧٤٤) عن المُعتَمِر بن سُليمان ..
وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٦٨٠)، عن يحيى بن حُمَيدٍ الطَّويل،
стр. 946
كلُّهُم عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ.
وصرَّح حُمَيدٌ بالتَّحديث عند ابن حِبَّانَ.
• قلتُ: وقد طعن بعضُ الجُهلاء من أبناء عَصرنا في صِحَّة هذا الحديث؛ لأنَّ إثباتَه - بزعمِهِ - يُفقِد الثِّقةَ في نقل القُرآن، وَيفتَحُ البابَ أمام أعدائنا لإثباتِ أن القُرآن مُحرَّفٌ. ومُصيبَةُ هؤلاء أنَّهم لا يَقرؤُون ما كَتبَه العُلماء، ولا يَرفَعون له رأسًا.
وقد تكلَّم العُلماءُ في هذا المَعنَى ..
فذهَبَ الطَّحاوِيُّ إلى أن المَقصودَ بالحدِيث ليس القُرآنَ، وإنَّما ما كان النَّبيُّ ﷺ يُمليه على ذلك الكاتِبِ أن يَكتبهُ إلى النَّاس في دعائه إيَّاهم إلى الله ، فيكتُبُ الكاتِبُ خلافَهَا ممَّا معنَاها مَعناها، إذ كانت كلُّها من صفات الله .
وعلى التَّسليم بأنَّ لفظة "القُرآن" ثابتة وليست شاذَّةً، فقد وجَّهها البَيهَقِيُّ، فقال:
"قلتُ: ويُحتَمَل أنَّه إنَّما أجاز قراءةَ بعضِها بدل بعضٍ لأنَّ كلَّ ذلك مُنزَّلٌ، فإذا بدَّل بعضَها ببعضٍ فكأنَّه قرأ مِن هاهنا ومن هاهنا، وكل قرآن، وأطلَقَ للكاتِبِ كتابَةَ ما شاء مِن ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُعرَضُ عليه القُرآنُ في كلِّ عامٍ مرَّةً، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِض فيه عُرِض عليه مرَّتين، فكان الاعتبارُ بما تقعُ عليه القراءةُ عِند إكمال الدِّين وتناهِي الفرَائض، فكان لا يُبالِي بما يُكتَب قبل العَرض من اسمٍ من أسماء الله مكان اسمٍ، فلمَّا استقرَّت القراءةُ على ما اجتمعت عليه الصَّحابةُ وأثبَتُوهُ في المَصاحِف على اللُّغات التي قرؤُوه عليها، صار ذلك إمامًا يُقتَدَى به لا يجوزُ مُفارَقتُهُ بالقصد، إلَّا أن يَزِلَّ الحِفظُ فيُبدِّل اسمًا بِاسمٍ مِن غير قصدٍ، فلا يحرُجُ ذلك إن شاء الله تعالى" انتهَى.
стр. 947
٢٦٥ - سُئلتُ: هل صحَّ أن عُمَر بن الخطَّاب حرَق بالنَّار رجُلًا كَوَى مولًى له؟ وكيف يتَّفِقُ هذا مع نَهي النَّبيِّ ﷺ عن التَّعذيب بالنَّار؟
• قلتُ: هذا الذي ذكره السَّائلُ فلم أقف عليه، ولا أظنُّه وَقَعَ، بل الذي وقفتُ عليه بخلاف ما ذَكَرَ.
فقد أخرج العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ١٨٢) مُعَلَّقًا، ووَصَلَهُ الحاكم (٤/ ٣٦٨)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٧١٣)، والطَّبرانِيُّ في "الأوسط" (٨٦٥٧) من طُرُقٍ عن اللَّيث بن سعدٍ، عن عُمَر بن عيسى القُرَشِيِّ، ثُمَّ الأَسدِيِّ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّهُ قال: جاءت جاريةٌ إلى عُمَرَ بن الخطَّاب، فقالت: "إنَّ سَيِّدي اتَّهَمَنِي، فأقعَدَنِي على النَّار، حتَّى احتَرَقَ فَرجِي"، فقال لها عُمَرُ: "هل رأى ذلك عليك؟ "، قالت: "لا"، قال: "فاعتَرَفتِ له بشيءٍ؟ "، قالت: "لا"، قال عُمَر: "عَلَيَّ به"، فلمَّا رأى عُمَرُ الرَّجلَ، قال: "أتُعَذِّبُ بعذاب الله؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين! اتَّهَمتُها في نفسها"، قال: "أَرَأيتَ ذلك عليها؟ "، قال الرَّجلُ: "لا"، قال: "أَفاعتَرَفَت لك به؟ "، قال: "لا"، قال: "والذي نفسي بِيَدِه! لَو لَم أَسمَع رسُولَ الله ﷺ يقُول: لا يُقادُ مملوكٌ من مالِكِه ولا وَلَدٌ من وَالِده. لأَقَدتُها منك"،
стр. 948
فبرَّزه، فضرَبَهُ مئةَ سوطٍ، ثُمَّ قال: "اذهبي، فأنتِ حُرَّةٌ لوجه الله، وأنتِ مولاةُ الله ورسولِه؛ أشهد! لَسَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: من حُرِقَ بالنَّار أو مُثِّل به فهُو حُرٌّ، وهو مولى الله ورسولهِ".
قال اللَّيثُ: "هذا أمرٌ معمولٌ به".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن ابن جُريجٍ، إلَّا عُمَرُ بن عيسى. تفرَّد به اللَّيث".
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وآفَتُه عُمَرُ بنُ عيسى هذا، فقد تَرجَمَهُ البُخاريُّ في "الكبير" (٣/ ٢/ ١٨٢)، وقال: "مُنكَرُ الحديث"، ونقل العُقيليُّ وابنُ عَديٍّ كلامَ البُخاريِّ فيه، وصرَّح ابنُ عَديٍّ والعُقيليُّ أنَّهُ تَفرَّد به، كما قال الطَّبَرانيُّ، وبهذا تَعلَمُ ما في قول الحاكم: "صحيح الإسناد"!
وقد أورد له الحاكمُ شاهدين دون القِصَّة.
إنَّما الذي صحَّ أنَّه حرَق بالنَّار، فهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁.
فقد أخرَجَ البُخاريُّ في "كتاب الجهاد" (٦/ ١٤٩)، وفي "استتابة المُرتَدِّين" (١٢/ ٢٦٧) من طريق عِكرِمةَ، قال: أُتِي عليٌّ ﵁ بِزَنَادِقَةٍ، فأحرَقَهُم، فبلغ ذلك ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لو كنتُ أنا، لم أَحرِقهُم؛ لنهي رسُول الله ﷺ : "لا تُعذِّبُوا بعذاب الله"، ولَقَتَلتُهم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّل دينه فاقتلوه".
وقال بعضُ النَّاس: إنَّه لم يَحرِقهُم، وإنَّما حَفَرَ لهم خندقًا.
ورُدَّ ذلك عليه ..
فأخرَجَ الحُميديُّ في "مُسنَده" (٥٣٣) ..
стр. 949
والبَيهَقِيُّ (٩/ ٧١) مِن طريق مُحمَّد بن عبَّادٍ، قالا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينة، ثنا أيُّوبُ، عن عِكرِمة، قال: لمَّا بلَغَ ابنَ عبَّاسٍ أن عليًّا أحرق المرتَدِّين - يعني الزَّنَادِقةَ -، قال ابنُ عبَّاسٍ: لو كنتُ أنا لقَتَلتُهُم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّل دينه فاقتُلُوه"، ولم أَحرِقهُم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "لا ينبَغِي لأحدٍ أن يُعذِّب بعذاب الله".
قال سُفيانُ: فقال عمَّارٌ الدُّهْنِيُّ وهو في المجلِسِ - مجلسِ عَمرِو بن دينارٍ -، وأيُّوبُ يُحدِّثُ بهذا الحديث: إنَّ عليًّا لم يَحرِقهُم، إنَّما حفر لهم أسرابًا، وكان يُدخِلُ عليهم مِنهَا، حتَّى قَتَلَهم. فقال عَمرُو بنُ دينارٍ: أَمَا سمِعتَ قائِلَهُم وهو يقولُ:
لِتَرمِ بيَ المَنَايَا حيثُ شَاءَت … إِذَا لَم تَرمِ بي في الحُفرَتَينِ
إذا مَا قَرَّبُوا حَطبًا ونَارًا … هُناك الموتُ نقدًا غيرَ دَيْنِ
وقد رَوَى هذا الحديثَ جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ بالسَّنَد المُتقدِّم، وزاد فيه: فبلغ ذلك عليًّا - يعني: اعتراضَ ابن عبَّاسٍ -، فقال: "وَيحَ ابن أُمِّ الفضل! إِنَّهُ لَغوَّاصٌ على الهَنَاتِ! ".
أخرَجَهُ عُثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ في "الرَّدِّ على الجهمية" (٣٦١، ٣٨٥)، ويعقوبُ الفَسَوِيُّ في "المعرفة والتَّاريخ" (١/ ٥١٦)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ (٨/ ٢٠٢).
وسببُ تحريقِ عليٍّ ﵁ إيَّاهم أنَّهم ادَّعوا أنَّه هو اللهُ، كما أخرجه أبو طاهرٍ المُخلِّصُ في "الفوائد المُنتَقاة" (ج ٣/ ق ١٥٢/ ٢ - ١٥٣/ ١)، قال: حدَّثَنا يحيى [هو ابنُ صاعدٍ]، حدَّثَنا لُوَينُ، حدَّثَنا عبدُ الله بنُ
стр. 950
الزُّبَير، عن عبد الله بن شريكٍ العامِرِيِّ، عن أبيه، قال: أُتي عليُّ بن أبي طالبٍ، فقيل: "إنَّ هاهنا قومًا على باب المَسجِد يَزعُمُون أنَّك ربُّهُم"، فدعاهم فقال لهم: "ويلَكُم! ما تقُولُون؟! "، فقالوا: "ربُّنا وخالِقُنا ورازِقُنا"، فقال: "وَيلَكُم! إنَّما أنا عبدٌ مثلُكُم، آكُلُ الطَّعام كما تأكُلُون، وأشربُ كما تَشرَبُون، إن أطعتُهُ أثابَنِي إن شاء اللهُ، وإن عصيتُهُ خشيتُ أن يُعَذِّبَنِي، فاتَّقُوا الله وارجِعُوا" فأبَوا، فطَرَدَهم، فلمَّا كان مِن الغَد غَدَوا عليه، فجاء قَنبَرٌ، فقال: "قد والله! رجعوا يَقولون ذلك الكلام"، فقال: "أَدخِلهُم عليَّ"، فقالوا له مثلما قالوا، وقال لهم مثلما قال، إلَّا أنَّه قال: "إنَّكم ضالُّون مَفتُونُون" فأبَوا، فلمَّا كان اليومُ الثَّالثُ أتَوهُ، فقالوا له مثلَ ذلك القولِ، فقال لهم: "والله! لئن قُلتُم، لأقتُلَنَّكم بأخبث القِتلة" فأبَوا إلَّا أن يتمُّوا على قولهِم، فدعا قَنبَرًا، فقال: "ائتني بفَعَلَةٍ معهم مُرورُهُم وزَبلُهم"، فلمَّا جاء بهم خَدَّ لهم أُخدودًا بين باب المسجد والقَصر، وقال: "احفِرُوا"، فحفروا فأبعَدُوا في الأرض، فلمَّا حَفَروا وأَبعَدوا جاء بالحطب فطرحه، وبالنَّار في الأخدُود، وقال: "إنِّي طارِحُكُم فيها، أو تَرجِعُوا"، فأبَوا أن يَرجِعُوا، فقذف بهم فيها، حتَّى إذا احتَرَقوُا قال:
"إنِّي إذا رأيتُ أمرًا منكَرًا … أوقدتُ ناري ودعوتُ قَنبَرًا".
قال ابنُ صاعِدٍ: ولم يحفظ لُوَينُ الشِّعرَ كلَّه.
قال الحافظُ في "الفتح" (١٢/ ٣٧٠): "إسناده حَسَنٌ".
وتعليقُ عليٍّ ﵁ يَحتَمِلُ وجهين:
следующие страницы →