← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

كلُّهُم عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ. وصرَّح حُمَيدٌ بالتَّحديث عند ابن حِبَّانَ. • قلتُ: وقد طعن بعضُ الجُهلاء من أبناء عَصرنا في صِحَّة هذا الحديث؛ لأنَّ إثباتَه - بزعمِهِ - يُفقِد الثِّقةَ في نقل القُرآن، وَيفتَحُ البابَ أمام أعدائنا لإثباتِ أن القُرآن مُحرَّفٌ. ومُصيبَةُ هؤلاء أنَّهم لا يَقرؤُون ما كَتبَه العُلماء، ولا يَرفَعون له رأسًا. وقد تكلَّم العُلماءُ في هذا المَعنَى .. فذهَبَ الطَّحاوِيُّ إلى أن المَقصودَ بالحدِيث ليس القُرآنَ، وإنَّما ما كان النَّبيُّ ﷺ يُمليه على ذلك الكاتِبِ أن يَكتبهُ إلى النَّاس في دعائه إيَّاهم إلى الله ، فيكتُبُ الكاتِبُ خلافَهَا ممَّا معنَاها مَعناها، إذ كانت كلُّها من صفات الله . وعلى التَّسليم بأنَّ لفظة "القُرآن" ثابتة وليست شاذَّةً، فقد وجَّهها البَيهَقِيُّ، فقال: "قلتُ: ويُحتَمَل أنَّه إنَّما أجاز قراءةَ بعضِها بدل بعضٍ لأنَّ كلَّ ذلك مُنزَّلٌ، فإذا بدَّل بعضَها ببعضٍ فكأنَّه قرأ مِن هاهنا ومن هاهنا، وكل قرآن، وأطلَقَ للكاتِبِ كتابَةَ ما شاء مِن ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُعرَضُ عليه القُرآنُ في كلِّ عامٍ مرَّةً، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِض فيه عُرِض عليه مرَّتين، فكان الاعتبارُ بما تقعُ عليه القراءةُ عِند إكمال الدِّين وتناهِي الفرَائض، فكان لا يُبالِي بما يُكتَب قبل العَرض من اسمٍ من أسماء الله مكان اسمٍ، فلمَّا استقرَّت القراءةُ على ما اجتمعت عليه الصَّحابةُ وأثبَتُوهُ في المَصاحِف على اللُّغات التي قرؤُوه عليها، صار ذلك إمامًا يُقتَدَى به لا يجوزُ مُفارَقتُهُ بالقصد، إلَّا أن يَزِلَّ الحِفظُ فيُبدِّل اسمًا بِاسمٍ مِن غير قصدٍ، فلا يحرُجُ ذلك إن شاء الله تعالى" انتهَى.

стр. 947

٢٦٥ - سُئلتُ: هل صحَّ أن عُمَر بن الخطَّاب حرَق بالنَّار رجُلًا كَوَى مولًى له؟ وكيف يتَّفِقُ هذا مع نَهي النَّبيِّ ﷺ عن التَّعذيب بالنَّار؟ • قلتُ: هذا الذي ذكره السَّائلُ فلم أقف عليه، ولا أظنُّه وَقَعَ، بل الذي وقفتُ عليه بخلاف ما ذَكَرَ. فقد أخرج العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ١٨٢) مُعَلَّقًا، ووَصَلَهُ الحاكم (٤/ ٣٦٨)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٧١٣)، والطَّبرانِيُّ في "الأوسط" (٨٦٥٧) من طُرُقٍ عن اللَّيث بن سعدٍ، عن عُمَر بن عيسى القُرَشِيِّ، ثُمَّ الأَسدِيِّ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّهُ قال: جاءت جاريةٌ إلى عُمَرَ بن الخطَّاب، فقالت: "إنَّ سَيِّدي اتَّهَمَنِي، فأقعَدَنِي على النَّار، حتَّى احتَرَقَ فَرجِي"، فقال لها عُمَرُ: "هل رأى ذلك عليك؟ "، قالت: "لا"، قال: "فاعتَرَفتِ له بشيءٍ؟ "، قالت: "لا"، قال عُمَر: "عَلَيَّ به"، فلمَّا رأى عُمَرُ الرَّجلَ، قال: "أتُعَذِّبُ بعذاب الله؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين! اتَّهَمتُها في نفسها"، قال: "أَرَأيتَ ذلك عليها؟ "، قال الرَّجلُ: "لا"، قال: "أَفاعتَرَفَت لك به؟ "، قال: "لا"، قال: "والذي نفسي بِيَدِه! لَو لَم أَسمَع رسُولَ الله ﷺ يقُول: لا يُقادُ مملوكٌ من مالِكِه ولا وَلَدٌ من وَالِده. لأَقَدتُها منك"،

стр. 948

فبرَّزه، فضرَبَهُ مئةَ سوطٍ، ثُمَّ قال: "اذهبي، فأنتِ حُرَّةٌ لوجه الله، وأنتِ مولاةُ الله ورسولِه؛ أشهد! لَسَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: من حُرِقَ بالنَّار أو مُثِّل به فهُو حُرٌّ، وهو مولى الله ورسولهِ". قال اللَّيثُ: "هذا أمرٌ معمولٌ به". قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن ابن جُريجٍ، إلَّا عُمَرُ بن عيسى. تفرَّد به اللَّيث". وهذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وآفَتُه عُمَرُ بنُ عيسى هذا، فقد تَرجَمَهُ البُخاريُّ في "الكبير" (٣/ ٢/ ١٨٢)، وقال: "مُنكَرُ الحديث"، ونقل العُقيليُّ وابنُ عَديٍّ كلامَ البُخاريِّ فيه، وصرَّح ابنُ عَديٍّ والعُقيليُّ أنَّهُ تَفرَّد به، كما قال الطَّبَرانيُّ، وبهذا تَعلَمُ ما في قول الحاكم: "صحيح الإسناد"! وقد أورد له الحاكمُ شاهدين دون القِصَّة. إنَّما الذي صحَّ أنَّه حرَق بالنَّار، فهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁. فقد أخرَجَ البُخاريُّ في "كتاب الجهاد" (٦/ ١٤٩)، وفي "استتابة المُرتَدِّين" (١٢/ ٢٦٧) من طريق عِكرِمةَ، قال: أُتِي عليٌّ ﵁ بِزَنَادِقَةٍ، فأحرَقَهُم، فبلغ ذلك ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لو كنتُ أنا، لم أَحرِقهُم؛ لنهي رسُول الله ﷺ : "لا تُعذِّبُوا بعذاب الله"، ولَقَتَلتُهم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّل دينه فاقتلوه". وقال بعضُ النَّاس: إنَّه لم يَحرِقهُم، وإنَّما حَفَرَ لهم خندقًا. ورُدَّ ذلك عليه .. فأخرَجَ الحُميديُّ في "مُسنَده" (٥٣٣) ..

стр. 949

والبَيهَقِيُّ (٩/ ٧١) مِن طريق مُحمَّد بن عبَّادٍ، قالا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينة، ثنا أيُّوبُ، عن عِكرِمة، قال: لمَّا بلَغَ ابنَ عبَّاسٍ أن عليًّا أحرق المرتَدِّين - يعني الزَّنَادِقةَ -، قال ابنُ عبَّاسٍ: لو كنتُ أنا لقَتَلتُهُم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّل دينه فاقتُلُوه"، ولم أَحرِقهُم؛ لقول رسُولِ الله ﷺ : "لا ينبَغِي لأحدٍ أن يُعذِّب بعذاب الله". قال سُفيانُ: فقال عمَّارٌ الدُّهْنِيُّ وهو في المجلِسِ - مجلسِ عَمرِو بن دينارٍ -، وأيُّوبُ يُحدِّثُ بهذا الحديث: إنَّ عليًّا لم يَحرِقهُم، إنَّما حفر لهم أسرابًا، وكان يُدخِلُ عليهم مِنهَا، حتَّى قَتَلَهم. فقال عَمرُو بنُ دينارٍ: أَمَا سمِعتَ قائِلَهُم وهو يقولُ: لِتَرمِ بيَ المَنَايَا حيثُ شَاءَت … إِذَا لَم تَرمِ بي في الحُفرَتَينِ إذا مَا قَرَّبُوا حَطبًا ونَارًا … هُناك الموتُ نقدًا غيرَ دَيْنِ وقد رَوَى هذا الحديثَ جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ بالسَّنَد المُتقدِّم، وزاد فيه: فبلغ ذلك عليًّا - يعني: اعتراضَ ابن عبَّاسٍ -، فقال: "وَيحَ ابن أُمِّ الفضل! إِنَّهُ لَغوَّاصٌ على الهَنَاتِ! ". أخرَجَهُ عُثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ في "الرَّدِّ على الجهمية" (٣٦١، ٣٨٥)، ويعقوبُ الفَسَوِيُّ في "المعرفة والتَّاريخ" (١/ ٥١٦)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ (٨/ ٢٠٢). وسببُ تحريقِ عليٍّ ﵁ إيَّاهم أنَّهم ادَّعوا أنَّه هو اللهُ، كما أخرجه أبو طاهرٍ المُخلِّصُ في "الفوائد المُنتَقاة" (ج ٣/ ق ١٥٢/ ٢ - ١٥٣/ ١)، قال: حدَّثَنا يحيى [هو ابنُ صاعدٍ]، حدَّثَنا لُوَينُ، حدَّثَنا عبدُ الله بنُ

стр. 950

الزُّبَير، عن عبد الله بن شريكٍ العامِرِيِّ، عن أبيه، قال: أُتي عليُّ بن أبي طالبٍ، فقيل: "إنَّ هاهنا قومًا على باب المَسجِد يَزعُمُون أنَّك ربُّهُم"، فدعاهم فقال لهم: "ويلَكُم! ما تقُولُون؟! "، فقالوا: "ربُّنا وخالِقُنا ورازِقُنا"، فقال: "وَيلَكُم! إنَّما أنا عبدٌ مثلُكُم، آكُلُ الطَّعام كما تأكُلُون، وأشربُ كما تَشرَبُون، إن أطعتُهُ أثابَنِي إن شاء اللهُ، وإن عصيتُهُ خشيتُ أن يُعَذِّبَنِي، فاتَّقُوا الله وارجِعُوا" فأبَوا، فطَرَدَهم، فلمَّا كان مِن الغَد غَدَوا عليه، فجاء قَنبَرٌ، فقال: "قد والله! رجعوا يَقولون ذلك الكلام"، فقال: "أَدخِلهُم عليَّ"، فقالوا له مثلما قالوا، وقال لهم مثلما قال، إلَّا أنَّه قال: "إنَّكم ضالُّون مَفتُونُون" فأبَوا، فلمَّا كان اليومُ الثَّالثُ أتَوهُ، فقالوا له مثلَ ذلك القولِ، فقال لهم: "والله! لئن قُلتُم، لأقتُلَنَّكم بأخبث القِتلة" فأبَوا إلَّا أن يتمُّوا على قولهِم، فدعا قَنبَرًا، فقال: "ائتني بفَعَلَةٍ معهم مُرورُهُم وزَبلُهم"، فلمَّا جاء بهم خَدَّ لهم أُخدودًا بين باب المسجد والقَصر، وقال: "احفِرُوا"، فحفروا فأبعَدُوا في الأرض، فلمَّا حَفَروا وأَبعَدوا جاء بالحطب فطرحه، وبالنَّار في الأخدُود، وقال: "إنِّي طارِحُكُم فيها، أو تَرجِعُوا"، فأبَوا أن يَرجِعُوا، فقذف بهم فيها، حتَّى إذا احتَرَقوُا قال: "إنِّي إذا رأيتُ أمرًا منكَرًا … أوقدتُ ناري ودعوتُ قَنبَرًا". قال ابنُ صاعِدٍ: ولم يحفظ لُوَينُ الشِّعرَ كلَّه. قال الحافظُ في "الفتح" (١٢/ ٣٧٠): "إسناده حَسَنٌ". وتعليقُ عليٍّ ﵁ يَحتَمِلُ وجهين:

стр. 951

الأوَّل: أنَّهُ قالها تَوَجُّعًا، حيثُ إنَّ النَّهي عن التَّحريق حَمَلَهُ عِليٌّ عَلَى كراهة التَّنزِيه، وحَمَلَهُ ابنُ عبَّاسٍ على التَّحريم، فأَنكَرَهُ عليٌّ، وتَوَجَّع لذلك. والثَّاني: أن يكُون قالَهَا رضًى بما قال، وأَنَّه حَفِظَ ما نَسِيَه، بِناءً على أحد ما قيل في كلمة "وَيح"، وأنَّها تُقال بمعنى المدح والتَّعَجُّب، ويُحتَمل أن يكُون عليٌّ تَوَجَّع أن ابن عبَّاسٍ لم يُبادِر بتذكيره. ويدُلُّ على أَنَّه إنَّما قالها مُوافِقًا لابن عبَّاسٍ، لا مُعارِضًا .. ما رواه عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، في هذا الحديث قال: فبَلَغَ ذلك عليًّا، فقال: صَدَقَ ابنُ عبَّاسٍ. أخرَجَهُ التِّرمذيُّ (١٤٥٨)، وقال: "حَسَنٌ صحيحٌ". واللهُ أعلَمُ. وقد أفضتُ في تخريج هذا الحديثِ في "تنبيه الهاجِدِ" (١٣٨٨). والحمد لله تعالَى.

стр. 952

٢٦٦ - سُئلتُ عن حديث: "إنَّ مِن وَرطَاتِ الأُمُورِ سَفكُ الدَّمِ الحَرَامِ". • قلتُ: هذا الحديثُ لا أعلَمُه مرفُوعًا، إنَّما هو موقوفٌ على ابن عُمَر ﵄. أخرَجَهُ البُخاريُّ في "صحيحه" (١٢/ ١٨٧)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ (٨/ ٢١)، وابنُ حَزمٍ في "المُحلَّى" (١٠/ ٣٤٣) عن ابن عُمَر، قال: "إِنَّ مِن ورطات الأُمور، التي لا مَخرَج لها لِمَن أَوقَع نفسَه فيها: سَفكُ الدَّم الحرام بغير حِلِّه". وإنَّما أَخَذَ ابنُ عُمَر هذا المَعنَى من حديث النَّبيِّ ﷺ ، والذي يرويه هو: "لا يَزَالُ المُؤمِنُ في فُسْحةٍ من دِينِه ما لم يُصب دمًا حرامًا". أخرَجَهُ البُخاريُّ (١٢/ ١٨٧)، وأحمدُ (٢/ ٩٤)، وعَبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٨٥٦)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الدِّيات" (ص ٣٢)، والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (٨/ ٢١)، وفي "شُعَب الإيمان" (٥٣٣٨)، وابنُ حَزمٍ (١٠/ ٣٤٣)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٠/ ١٤٨ - ١٤٩) من طريق إسحاق بن سعيد بن عَمرٍو، عن أبيه، عن ابن عُمَر مرفوعًا. واستدرَكَهُ الحاكمُ (٤/ ٣٥١) فوَهِمَ. وله طريقٌ آخرُ ..

стр. 953

أخرَجَهُ الحاكم (٤/ ٣٥٠) عن أبي حاتمٍ الرَّازيِّ .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (١٤٠١) عن أحمد بن شَبَّوَيهِ المروزيِّ .. والبَيهَقيُّ (٨/ ٢١) عن مُحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ، قالوا: ثنا أبو غسَّانَ مُحمَّدُ بنُ يحيى الكِنانِيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ مُحَمَّدٍ الدَّراوَرديُّ، عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافعٍ، عن ابن عُمر مرفوعًا: "لا يزالُ المرءُ في فُسْحَةٍ … الحديث". قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عُبيد الله إلَّا الدَّرَاوَردِيُّ. تفرَّد به: أبو غَسَّان". • قلتُ: وروايةُ الدَّراوَرديِّ عن عُبيد الله بن عُمر منكَرَةٌ، كما قال النَّسائيُّ وغيرُه. وبهذا تعلَمُ ما في قول الحاكِم: "صحيحٌ على شرط الشَّيخَين"! ولو سلَّمنا أن روايَة الدَّراوَردِيِّ عن عُبيد الله سالمةٌ من هذا، فليس هذا الإسنادُ على شرط واحدٍ منهما؛ فالكِنانيُّ ليس على شرط مُسلمٍ، والدَّرَاوَردِيُّ ليس على شرط البُخاريِّ، فحينئذٍ يُقوَّى الإسنادُ مطلَقًا، ليس مقيَّدًا بشرطهما، أو بواحدٍ منهما. والله أعلم.

стр. 954

٢٦٧ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ رجلًا أَكَلَ من بُستان رجُلٍ آخرَ، بغير إِذنِه، فضَرَبَه صاحبُ البُستان، فشكاه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فلامه على ذلك. • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٦٢٠، ٢٦٢١)، وابنُ ماجَهْ (٢٢٩٨)، وأحمد (٤/ ١٦٦ - ١٦٧)، والطَّيَالِسِيُّ (١١٦٩)، وابنُ أبي شَيبَة (٦/ ٨٦ - ٨٧)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والثاني" (١٦٥٤)، وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "الاستذكار" (١٥/ ٣٥٨، و ٢٧/ ٢١٢ - ٢١٣)، والحاكم (٤/ ١٣٣)، وبَحشَلُ في "تاريخ واسطَ" (ص ٤٨)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٤/ ١٩٢٩) من طريق شُعبَة بن الحجَّاج، عن أبي بِشر جعفرِ بن إياسٍ، قال: سَمِعتُ عبَّادَ بنَ شُرَحبيلَ الغُبَرِيَّ، قال: أصابَنَا عامُ مَخْمَصَةٍ، فأتَيتُ المدينةَ، فأتيتُ حائطًا من حِيطانِهَا، فأخذتُ سُنبُلًا، ففرَكتُهُ، وأكلتُه، وجعلتُه في كِسائي، فجاء صاحبُ الحائط فضَرَبَنِي، وأَخَذَ ثوبي، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فأخبرتُه، فقال للرَّجُل: "ما أطعَمته إِذ كان جائِعًا، أو سابِغًا، ولا عَلَّمتَه إذ كان جاهلًا"، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ ، فردَّ إليه ثوبَهُ، وأَمَرَ له بَوسْقٍ من طعامٍ، أو نصف وَسْقٍ.

стр. 955

قال ابنُ كَثيرٍ في "تفسيره" (١/ ٤٨٢): "إِسنادٌ صحيحٌ، قوِيٌّ، جيِّدٌّ". وقال الذَّهبيُّ في "الميزان" (١/ ٤٠٣): "هذا إسنادٌ صحيحٌ غريبٌ". وقال القرطُبِيُّ في "تفسيره" (٢/ ٢٢٦): "هذا حديثٌ صحيحٌ، اتَّفَق على رجاله البُخاريُّ ومُسلِمٌ، إلَّا ابنَ أبي شيبة، فإنَّهُ لمُسلِمٍ وحدَه" كذا قال! وابنُ أبي شَيبَة من شُيُوخ البُخاريِّ أيضًا، روى عنه جُملةً وافرةً، وإن كان مُسلِمٌ أكثرَ روايةً عنه منه. واللهُ أعلَمُ. وأخرَجَهُ النَّسائيُّ (٨/ ٢٤٠) من طريق مُبَشِّر بن عبد الله .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٨٥١٩)، وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (٢/ ١٩٠)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٤/ ١٩٣٠) من طريق عُمَر بن عليٍّ، كلاهما عن سُفيان بن حُسين، عن أبي بِشرٍ، عن عبَّاد بن شُرَاحِيلَ، فذَكَرَ مثلَه. كذا قال: "شُراحيل". ورواه شُعبةُ مثلَ ذلك، فقال: "شُرَحبِيل". قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن سُفيان بن حُسينٍ إلَّا عُمرُ بنُ عليٍّ". كذا قال! وقد رأيتَ أنَّهُ رواه مُبَشِّرُ بنُ عبد الله، عند النَّسائيِّ. ورواه أشعثُ بنُ سعيدٍ، عن أبي بِشرٍ، عن عبَّاد بن شُرحبيل. فوافق شُعبَةَ. أخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٧/ ٥٤ - ٥٥)، وبَحشَلُ في "تاريخ واسطَ" (ص ٤٨) من طريق يزيد بن هارون، ثنا أشعث بنُص سعيدٍ. وانظُر "تنبيه الهاجِد" (١٢٩٨، ١٢٩٩). واللهُ أعلَمُ.

стр. 956

٢٦٨ - سُئلتُ عن صحَّة ومعنى حديث: "مَن أَصابَ مِن ذي الحَاجَةِ بِفِيهِ، غَيرِ مُتَّخِذٍ خُبنَةً، فَلَا شَيءَ عَلَيهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (١٧١٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٨٥)، والتِّرمذيُّ (١٢٨٩) قالوا: ثنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابن عَجلانَ، عن عَمْرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبدِ الله بن عَمْرو بن العاص مرفُوعًا فذكره. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ". وأخرَجَه أحمدُ (٢/ ١٨٠، ٢٠٧) قال: حدَّثَنا يَعلَى بنُ عُبيد، ويزيدُ بنُ هارُون - فرَّقَهُما -، ثنا مُحمَّدُ بنُ إسحاق، عن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سمعتُ رجلًا من مُزَينَةَ يسألُ رسُولَ الله ﷺ ، قال: "يا رسُول الله! جئتُ أسألُك عن الضَّالَّة من الإبل"، قال: "معها حِذاؤُها وسِقاؤُها، تأكُلُ الشَّجر، وتَرِدُ الماء، فدعَها حتَّى يأتيها باغيها"، قال: "الضَّالَّةُ من الغنم؟ "، قال: "لك، أو لأخيك، أو للذِّئب، تجمعُها حتَّى يأتيها باغيها"، قال: "الحَرِيسَةُ التي تُوجد في مَرَاتِعِها؟ "، قال: "فيها ثَمَنُها مرَّتين، وضَربُ نَكالٍ، وما أُخِذ من عَطَنِهِ، ففيه القطعُ، إذا بَلَغَ ما يُؤخَذُ من ذلك ثمنَ المِجَنِّ"، قال: "يا رسُول الله!

стр. 957

فالثِّمارُ وما أُخذ منها في أَكمامِها؟ "، قال: "مَن أخذَ بفمه، ولم يتَّخِذ خُبْنَةً، فليس عليه شيءٌ. ومَن احتَمَلَ، فعليه ثمنُهُ مرَّتَين، وضربًا ونَكَالًا. وما أُخذ من أجرانِهِ ففيه القطعُ، إذا بلغ ما يُؤخَذُ من ذلك ثمَنَ المِجَنِّ"، قال: "يا رسول الله! واللُّقطةُ نجدُها في سبيل العامِرَةِ؟ "، قال: "عرِّفها حَوْلًا، فإن وُجد باغِيها فأدِّها إليه، وإلا فهي لك"، قال: "ما يُوجَد في الخَرِبِ العادِيِّ؟ "، قال: "فيه وفي الرِّكازِ: الخُمُسُ". وأخرَجَهُ أحمدُ أيضًا (٢/ ١٠٣) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ إِدريس، ثنا مُحمَّدُ بنُ إسحاق بسَنَدِه سواء، وليس عنده محلُّ الشَّاهد. وسَنَدُه حَسَنٌ، لولا تدليسُ ابن إسحاقَ. وله شاهدٌ مِن حديث ابن عُمَر مرفُوعًا: "مَن دَخَلَ حائطًا، فليأكل، ولا يَتَّخِذ خُبنَةُ". أخرَجَهُ التِّرمذيُّ في "سُنَنه" (١٢٨٧)، وفي "العِلل الكبير" (٣٩٩)، وابنُ ماجَهْ (٢٣٠١)، والبيهقِيُّ (٥/ ٣٥٩) مِن طريق يحيى بن سُليمٍ الطَّائفيِّ، عن عُبيد الله بن عُمَر، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر. قال التِّرمذيُّ: "حديثُ ابن عُمَر حديثٌ غريبٌ، لا نعرِفُه من هذا الوجه، إلَّا من حديث يحيى بن سُليمٍ". وآفَتُه يحيى بنُ سُليمٍ؛ فقد ضعَّفُوه في روايته عن عُبيد الله بن عُمَر، وهذا منها، ولذلك أَنكَرَهُ أبو زُرعةَ الرَّازيُّ - كما في "عِلل ابن أبي حاتمِ" (٢٤٩٥) -. ونَقَلَ البيهقيُّ (٩/ ٣٥٩) عن ابن مَعِينٍ، أنَّهُ سُئِلَ عن هذا الحديث،

стр. 958

فقال: "غلطٌ"، وأنكَرَهُ البُخاريُّ أيضًا - كما في "عِلل التِّرمذيِّ" -. فالمُعوَّلُ على حديثِ عبد الله بن عَمْرٍو. والله أعلم. أمَّا معنى الحديث. إنَّ مَن أصابته مجاعةٌ، فله أن يأكلَ من الثَّمَر المُعلَّق، بشرط ألا يحمل معه شيئًا. والخُبْنَةُ - بضمِّ الخاء المُعجَمة، وسُكون الباء المُوحَّدة، ثم نونٌ - هي: مِعطَفُ الإزار، وطَرَفُ الثَّوب، أي: لا يأخذ منه في ثوبه. يُقال: "أخبنَ الرَّجلُ"، إذا خبَّأ شيئًا في خُبنةِ ثوبه، أو سراويله. واللهُ أعلَمُ.

стр. 959

٢٦٩ - سُئلتُ عن حديثٍ: ذُكِر فيه جوازُ أن يأكل الرَّجلُ مع المرأة الأجنبية، على مائدةٍ واحدةٍ. • قلتُ: لعلَّ السَّائلَ يقصد حديث أُمِّ الدَّرداء .. قالت: أَتَانِي سلمانُ الفارسيُّ، يُسَلِّم عليَّ، وعليه عباءةٌ قَطوَانِيَّةٌ، مُرتَديًا بها، فطَرَحتُ له وِسادةً، فلم يُرِدْهَا، ولفَّ عباءَتَه، فجَلَسَ عليها، وقال: "بِحَسْبكِ! ما بلَّغَكِ المحلُّ، ثُمَّ حَمِد الله ساعةً، وكبَّرَ، وصلَّى على النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ قال: "أين صاحِبُك؟ "، يعني أبا الدَّرداء، فقلتُ: "هو في المسجد"، فانطَلَقَ إليه، ثُمَّ أَقبَلَا جميعًا، وقد اشترَى أبو الدَّرداء لحمًا بدرهمٍ، فهُو في يده مُعلَّقةٌ، فقال: "يا أُمَّ الدَّرداء! اخبِزي، واطبُخي"، ففَعَلنَا، ثُمَّ أتينا سلمانَ بالطَّعام، فقال أبو الدَّرداء: "كُل مع أُمِّ الدَّرداء، فإنِّي صائمٌ"، فقال سَلمانُ: "لا آكُلُ حتَّى تأكلَ"، فأفطر أبو الدَّرداء، وأَكَل معه، فلمَّا كانت السَّاعةُ التي يقوم فيها أبو الدَّرداء، ذَهَبٌ ليقوم، فأجلَسَه سلمانُ، فقال أبو الدَّرداء: "أتَنهانِي عن عِبادة ربِّي؟! "، قال سَلمانُ: "إنَّ لِعَينِكَ عليك حقًّا، وإنَّ لأهلِكَ عليك نصيبًا"، فمَنَعَهُ، حتَّى إذا كان في وجه الصُّبح، قاما، فرَكَعَا ركْعاتٍ، وأَوْتَرا، ثُمَّ خَرَجا إلى صلاة الصُّبح، فذُكَر أمرُهما للنَّبيّ ﷺ ، فقال: "مَا لِسَلمانَ! ثَكِلَتهُ أُمُّه! لقد أُشبعَ مِن العِلم".

стр. 960

أَخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٦٣٧) قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ المَرْزُبَان الأَدَمِيُّ، نا الحَسَنُ بنُ جَبَلة، نا سعدُ بنُ الصَّلت، عن الأعمش، عن شِمْر بن عَطِيَّة، عن شهر بن حَوْشبٍ، عن أُمِّ الدَّرداء به. قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن الأعمش إلَّا سعدُ بنُ الصَّلْت، تفرَّد به الحسَنُ بنُ جَبَلة". • قلتُ: وهذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وشيخُ الطَّبَرانيِّ، وشيخُه: لَم أَعرِفهُما، وأعلَّ الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ٣٤٣ - ٣٤٤) الحديثَ بالثَّاني مِنهُما، قال: "والحسَنُ بنُ جَبَلة لم أعرفه". وسعدُ بنُ الصَّلْت له مَنَاكِيرُ عن الأعمش. وقد ثَبَت الحديثُ بسياقٍ مُقارِبٍ، وليس فيه هذه الزِّيادةُ المُنكَرة. فأخرَجَه البُخاريُّ في "كتاب الصَّوم" (٤/ ٢٠٩)، وفي "أدب الصَّحيح" (١٠/ ٥٣٤)، والتِّرمذيُّ (٢٤١٣)، وابنُ خُزَيمَة (٢١٤٤)، وأبو يَعلَى (٨٩٨)، وابنُ حِبَّان (٣٢٠)، والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ١٧٦)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٢٨٥)، والبيهقِيُّ (٤/ ٢٧٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١/ ١٨٨) عن أبي جُحيفَة، قال: آخَى رسُولُ الله ﷺ بين سَلمانَ، وأبي الدَّرداء، فرأى أُمَّ الدَّرداء مُتبَذِّلَةً، فقال لها: "ما شَأنُكِ؟! "، قالت: "أَخُوك أبو الدَّرداء، ليس له حاجةٌ في الدُّنيا"، فجاء أبو الدَّرداء، فصَنَع له طعامًا، فقال له: "كُل! "، فقال: "إنِّي صائمٌ"، قال: "ما أنا بآكلٍ حتَّى تأكُلَ"، - قال: - فأَكَلَ، فلمَّا كان اللَّيلُ، ذَهَبَ أبو الدَّرداء يقُومُ، قال: "نَمْ! "، فلمَّا كان مَعَهُ آخرَ اللَّيل،

стр. 961

قال سَلمانُ: "قُم الآن"، فصَلَّيَا، فقال له سَلمانُ: "إِن لِرَبِّك عليك حقًّا، ولنَفسِك عليك حقًّا، ولأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأَعطِ كُلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ"، فأتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك لَهُ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلمانُ". وأخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٤/ ٨٥) بنحوِه ببعض اختصارٍ، وفيه قال رسولُ الله ﷺ : "عُوَيمِرُ! سَلمانُ أعلَمُ منك! ". وعُوَيمِرُ هو أبو الدَّرداء. ولكن إسنادُهُ منقَطعٌ.

стр. 962

٢٧٠ - سُئلتُ عن حديث: "إِذا أَتَى أَحَدُكُم أَهلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَن يَعُودَ، فَليَتَوَضَّأ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١/ ١٧١)، وأبو عَوَانَة (١/ ٢٨٠)، وأحمدُ (٣/ ٢٨)، والحُمَيدِيُّ (٢/ ٣٣٢)، وابنُ أبي شَيبَة (١/ ٥١/ ٢)، وابنُ خُزَيمَة (١/ ١١٠)، والمَحَامِليُّ في "الأمالي" (ق ٢/ ١)، وسمَّوَيْهِ في "الفوائد" (ج ٣/ ق ٤/ ٢)، وأبو نُعيمٍ في "الطِّبِّ" (ج ٢/ ق ١٢/ ١)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٣٨) مِن طريق أبي المُتَوكِّل، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا.

стр. 963

٢٧١ - سألني سائلٌ، فقال: وَرَدَ عليَّ إشكالٌ في فهم كلام أبي داوُد، تحت الحديث (١٨٢٩)، قال: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثَنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سمعتُ رسُول الله ﷺ ، يقُول: "السَّرَاوِيلُ لِمَن لَا يَجِدُ الإِزَارَ، وَالخُفُّ لِمَن لَا يَجِدُ النَّعلَينِ". قال أبو داوُد عَقِبَه: "هذا حديثُ أهل مَكَّة، ومَرجِعُهُ إلى البصرة، إلى جابر بن زيدٍ، والذي تفرَّد به منه: ذِكرُ السَّراويلِ، ولم يَذكُر القطع في الخُفِّ" انتهى. فأحتاج إلى شرح هذا الكلام. وأمَّا القطعُ، فقد وقفتُ عليه من "سُنَن النَّسَائيِّ" بإسنادٍ صحيحٍ، فهل أخطأ أبو داوُد بنفيه ذلك؟! • قلتُ: كلامُ أبي داوُد ﵀ مُشتَمِلٌ على مسألتين: الأُولى: أنَّ جابر بن زيدٍ تفرَّد عن ابن عبَّاسٍ، بذكر السَّراويل. والثَّاني: أنَّه لم يقع ذِكرٌ لقطع الخُفِّ في حديث جابر بن زيدٍ. * أمَّا المسألةُ الأُولى .. فإنَّ جابرَ بنَ زيدٍ، ويُكْنَى أبا الشَّعثاء، لم يتفرَّد بذِكر السَّراويل عن ابن عبَّاسٍ، كما قال أبو داوُد ﵀ ..

стр. 964

بل تابعه سعيدُ بنُ جُبيرٍ، فرواه عن ابن عبّاسٍ مرفُوعًا: "إِذَا لم يَجِد المُحرِمُ إزارًا، فلْيَلْبَس سراويلَ، ومن لم يَجِد نعلينِ، فلْيَلْبَس خُفَّين". أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٠٧)، وفي "الأوسط" (٨٠) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ يحيى بن خالد بن حَيَّانَ الرَّقِّى، ثنا يحيى بنُ سُليمانَ الجُعفِيُّ، ثنا يحيى بنُ عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ، ثنا أبو إسحاق الشَّيبَانِيُّ، عن سعيد بن جُبيرٍ بسَنَدِه سواء. قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن الشَّيبَانِيِّ إلَّا يحيى بنُ عبد المَلِك، وأبو شهابٍ الحَنَّاطُ". • قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ؛ وشيخُ الطَّبَرانيِّ ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ في "تاريخ الإسلام"، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ويحيى بنُ سُليمان الجُعفِيُّ وَثَّقه الدَّارَقُطنِيُّ، وابنُ حِبَّان، وقال: "رُبَّما أغرب"، وقال أبو حاتمٍ: "شيخٌ"، وقال مَسلَمَةُ بنُ قاسمٍ: "لا بأس به، وكان عند العُقَيليِّ ثقةً، وله أحاديثُ مناكيرُ". أمَّا النَّسائِيُّ فقال: "ليس بثقةٍ". وقد اختُلِفَ في إسناده .. فرواه عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن أبي إسحاق الشَّيبَانِيِّ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ موقُوفًا. أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في "المُصنَّف" (٤/ ١٠٠). وهذا إسنادٌ صحيحٌ. فالصَّوابُ أن رواية الشَّيبانيِّ، عن سعيد بن جُبيرٍ موقُوفةٌ.

стр. 965

ثُمَّ وقفتُ له على وجهٍ آخرَ عن سعيد بن جُبيرٍ .. أخرَجَهُ ابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (٣١٦) قال: نا مُحمَّدُ بنُ عيسى بن أبي قُماشٍ، قال: سمعتُ أبا الوليد، قال: سمعتُ شُعبَة، يقولُ: سمعتُ عَمْرَو بنَ دينارٍ، يقولُ: سمعتُ سعيد بن جُبيرٍ، يقولُ: سمعتُ عبد الله بن عبَّاسٍ، يقولُ: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقولُ في المُحرِم: "إِذَا لَم يَجِد النَّعلَين، لبِس الخُفَّين، ولْيَقطَعهُما، وإذا لم يَجِد الإزارَ، لَبِس السَّراويل". قال شُعبة: "أَوَّه! "، قال ابنُ أبي قُماشٍ: فأخبَرَنِي بعضُ أصحابنا، قال: قلتُ لأبي الوليد: "لم تأوَّه شُعبةُ؟! "، قال: "تأوَّه على ابن عبَّاسٍ، حين قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ ، وكان صغيرًا". وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وابنُ أبي قُماشٍ وثَّقَه الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٢/ ٤٠٠). وباقي رجال الإسناد أئمَّةٌ مشاهيرُ. * وأمَّا المسألة الثَّانيةُ .. فتتعلَّقُ بقول أبي داوُد: "ولم يَذكُر القطعَ في الخُفِّ"، يعني جابرَ بنَ زيدٍ في روايته. ولكن أخرَجَهُ النَّسَائيُّ (٥/ ١٣٥) قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: أنبأنا أيُّوبُ، عن عَمْرٍو، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عبَّاسٍ: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ ، يقولُ: "إذا لم يَجِد إزارًا، فلْيَلْبَس السَّراويل، وإذا لم يَجِد النَّعلين، فلْيَلْبَس الخُفَّين، ولْيَقْطَعهُما أسفل من الكَعبَين".

стр. 966

فهذا الذي عناه السَّائلُ، وقال عن هذه الرِّواية: إسنادُها صحيحٌ. • قلتُ: كذا رواه إسماعيلُ بنُ مَسعُودٍ، عن يزيد بن زُريعٍ. وخالَفَهُ أحمدُ بنُ عَبدةَ الضَّبِّيُّ، وهو أَمثَلُ مِنهُ، فرواه عن يزيد بن زُريعٍ بهذا الإسناد سواء، ولم يَذكُر القطعَ في الخُفِّ. أخرَجَهُ التِّرمذيُّ (٨٣٤) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ عَبدةَ بهذا. وتابَعَهُ صالحُ بنُ حاتم بن وَردَانَ، ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٨١١) قال: حدَّثَنا الحُسينُ بنُ إسحاق التُّستَرِيُّ، ثنا صالحُ بنُ حاتمٍ. وهذا سَنَد جيِّدٌ، وصالحٌ صدوقٌ، مِن شُيوخ مُسلِمٍ، وثَّقَه ابنُ حِبَّان، وقال أبو حاتمٍ: "شيخٌ"، وقال ابنُ قانعٍ: "صالحٌ". ووافق يزيدَ بنَ زُريعٍ على عدم ذِكرِ القطعِ: إسماعيلُ بنُ عُليَّة .. فرواه عن أيَّوب السَّختِيَانِيِّ بهذا. أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١١٧٨/ ٤) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ حُجرٍ، ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة بهذا. وتايَعَهُ أيُّوبُ بنُ مُحمَّدٍ الوَزَّانُ، ثنا ابنُ عُلَيَّة بسَنَده سواء. أخرَجَهُ النَّسَائيُّ (٥/ ١٣٣) .. وابنُ حِبَّان (ج ٩/ رقم ٣٧٨٥) قال: أخَبَرَنا الحُسينُ بنُ عبد الله بن يزيد القَطَّانُ بالرَّقةِ، قالا: ثنا أيُّوبُ بنُ مُحمَّدٍ الوَزَّانُ به. وتابعه ابنُ أبي شَيبَة في "المُصنَّف" (٤/ ١٠٠) قال: ثنا ابنُ عُليَّة بهذا الإسناد.

стр. 967

وقد رَواهُ جَمعٌ مِن أصحاب عَمْرو بن دينارٍ، فلم يَذكُرُوا القطع في الخُفِّ، مِنهُم: ١ - شُعبةُ بنُ الحَجَّاج: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "جزاء الصَّيد" (٤/ ٥٧) .. والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٢/ ١٣٣) قال: حدَّثَنا ابنُ مرزُوقٍ - وهو إبراهيم - .. والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٨١٤) قال: حدَّثنا عُثمان بن عُمَر، قال ثلاثتهم: ثنا أبو الوليد الطَّيَالِسِيُّ هشامُ بنُ عبد المَلِك، ثنا شُعبةُ، عن عَمْرو بن دينارٍ بهذا. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "الحجِّ" (٣/ ٥٧٣) .. وابنُ حِبَّان (ج ٩/ رقم ٣٧٨٦) قال: أخبَرَنا الفضلُ بنُ الحُباب الجُمَحِيُّ .. والطَّبَرانيُّ (١٢٨١٤) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ يحيى القَزَّازُ، قال ثلاثتهم: ثنا حفصُ بنُ عُمَر الحَوضِيُّ، ثنا شُعبةُ مثلَه. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "جزاء الصَّيد" (٤/ ٥٨) .. والبيهقيُّ (٥/ ٥٠) مِن طريق جعفر بن مُحمَّدٍ القَلَانِسِيُّ، قالا: ثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، ثنا شُعبةُ. وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (١١٧٨/ ٤) .. والنَّسَائيُّ في "المُجتبَى" (٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وفي "الكُبرَى" (٥/ ٤٨٢/ ٩٦٧٤)، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارٍ.

стр. 968

وأخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٢٨٥) قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، ثنا شعبةُ بهذا. وأخرَجَهُ مُسلِمٌ، قال: حدَّثَنا أبو غسَّانَ الرَّازِيُّ .. وأحمدُ (١/ ٢٧٩)، قالا: ثنا بَهزُ بنُ أَسَدٍ، ثنا شُعبَةُ بهذا. وأخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ (٢/ ١٣٣) من طريق سُليمان بن حربٍ، وحجَّاج بن مِنهَالٍ .. والطَّبَرانيُّ (١٢٨١٤) من طريق عبد السَّلام بن مُطَهَّرٍ .. والطَّيَالِسِيُّ في "مُسنَده" (٢٦١٠)، قالوا: ثنا شُعبةُ بهذا. ٢ - سُفيانُ الثَّوريُّ: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "اللِّباس" (١٠/ ٢٧٢) .. والنَّسَائيُّ في "الكُبرَى" (٥/ ٤٨٣) قال: أخبَرَني عَمْرُو بنُ منصُورٍ .. والطَّحَاوِيُّ (٢/ ١٣٣) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ شَيبَة .. والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٨٠٩) قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قالُوا: ثنا أبو نُعيم - هو الفضلُ بن دُكين -، ثنا سُفيانُ الثَّوْريُّ، عن عَمْرو بن دينارٍ بهذا الإسناد. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "اللِّباس" (١٠/ ٣٠٨) .. والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ٢٣٠) من طريق ابن زَنجَوَيْهِ، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ يُوسُف الفِريابِيُّ، ثنا الثَّوْريُّ بهذا. وأخرَجَهُ مُسلِمٌ، من طريق وكيعٍ، ثنا الثَّوْريُّ بهذا. ٣ - سُفيانُ بنُ عُيَيْنَة: أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٢٢١)، وابنُ أبي شَيبَة في "المُصنَّف" (٤/ ١٠٠)،

стр. 969

وعنه مُسلِمٌ (١١٧٨/ ٤)، والحُميدِيُّ في "المُسنَد" (٤٦٩)، والشَّافِعِيُّ (١/ ٣٠٢)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ (٥/ ٥٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٧/ ٢٣٨)، قال أربَعَتُهم: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينَة، عن عَمْرو بن دينارٍ بهذا الإسناد. وأخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٢٩٣١) قال: حدَّثَنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، ومُحمَّدُ بنُ الصَّبَاح .. وأبو يَعلَى (ج ٤/ رقم ٢٣٩٥) قال: حدَّثَنا أبو خَيثَمَة - هو زُهيرُ بنُ حربٍ - .. وابنُ الجارُود في "المُنتَقَى" (٤١٧) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ خَشرَمٍ .. والطَّحَاويُّ (٢/ ١٣٣)، والبَيهقِيُّ (٥/ ٥٠) من طريق إبراهيم بن بَشَّارٍ الرَّمَادِيِّ .. والدَّارَقُطنِيُّ (٢/ ٢٣٠) من طريق عبد الجبَّار بن العلاء .. والطَّحاوِيُّ، من طريق سعيد بن منصُورٍ، قالوا: ثنا سُفيانُ بنُ عُيَينَة بهذا الإسناد. ٤ - حمَّادُ بنُ زيدٍ: أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١١٧٨/ ٤) والنَّسائيُّ (٥/ ١٣٢ - ١٣٣)، والتِّرمذيُّ (٨٣٤/ ٢)، قالوا: ثنا قُتيبَةُ بنُ سعيدٍ .. ومسلمٌ أيضًا، قال: حدَّثَنا يحيى بنُ يحيى، وأبو الرَّبيع الزَّهرانِيُّ .. وابنُ خُزَيمةَ (٤/ ١٩٩/ ٢٦٨١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَبدَة، وعمران بن مُوسَى القَزَّاز، وأحمدُ بنُ المِقدام العِجليُّ ..

стр. 970

والطَّيَالِسِيُّ (٢٦١٠)، وابنُ حِبَّان (ج ٩/ رقم ٣٧٨١) من طريق إبراهيم بن الحَجَّاج .. والطَّحَاوِيُّ (٢/ ١٣٣) من طريق سعيد بن منصُورٍ .. والطَّبَرانيُّ (ج ١٢/ رقم ١٢٨١٠) من طريق أبي النُّعمان عارمٍ، قالوا: ثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن عَمْرو بن دينارٍ بهذا. ٥ - ابنُ جُريجٍ: أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١١٧٨/ ٤) من طريق عيسى بنُ يُونُس .. والدَّارِمِيُّ (١/ ٣٦٣)، والطَّحاوِيُّ في "شرح المعاني" (٢/ ١٣٣) عن أبي عاصمٍ النَّبيل .. وأحمدُ (١/ ٢٢٨)، ومن طريقِهِ الطَّبَرانيُّ (١٢٨١٥) قال: حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ .. وأحمدُ أيضًا (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ بكرٍ، ورَوْحُ بن عُبادَةَ، قالُوا: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ بهذا الإسناد. وقد صرَّح ابنُ جُريجٍ بالتَّحديث. ٦ - هُشَيمُ بنُ بَشيرٍ: أخرَجَه أحمدُ (١/ ٢١٥)، وابنُ أبي شيبة (٤/ ١٠٠)، قالا: ثنا هُشيمٌ، عن عَمْرو بن دينارٍ بسَنَده سواء. وأخرَجَهُ مُسلِمٌ، قال: حدَّثَنا يحيى بنُ يحيى .. والطَّحاويُ (٢/ ١٣٣) من طريق سعيد بن منصُورٍ، قالا: ثنا هُشيمٌ بهذا الإسناد.

стр. 971

٧، ٨ - سعيدُ بنُ زيدٍ، وأَشعَثُ بنُ سَوَّارٍ: أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (١٢٨١٢، ١٢٨١٣). ٩ - حَجَّاجُ بنُ أَرطَاةَ: أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان (٣٧٨٢) من طريق حمَّاد بن زيدٍ عنه. • قلتُ: فها أنت قد رأيتَ - أراك اللهُ الخيرَ - أن أصحابَ يزيدَ بن زُريعٍ، وأصحابَ أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، وأصحابَ عَمْرِو بن دينارٍ، كلَّهُم رَوَوْا هذا الحديثَ، فلم يَذكُر واحدٌ مِنهُم قطع الخُفِّ، وهذا فيما يَتَعَلَّقُ بحديث ابن عبَّاسٍ، الذي يدورُ كَلَامُنا عليه. أمَّا قَطعُ الخُفِّ، فقد ثَبَت من حديث ابن عُمَر ﵄، كما في "الصَّحيحين"، قال: قال رسُول الله ﷺ ، وسأله رجُلٌ: "ما يَلبَسُ المُحرِم؟ "، قال: "لا يَلبَسُ القميصَ، ولا العِمَامَة، ولا السَّراوِيلَ، ولا البُرْنُسَ، ولا ثوبًا مَسَّه الوَرْسُ، ولا الزَّعفَرَانُ، فإِن لم يَجِد النَّعلَين، فلْيَلْبَس الخُفَّين، ولْيَقطَعهُما، حتَّى يَكُونَا تحت الكَعبين". والله أعلم.

стр. 972

٢٧٢ - سُئلتُ عن صِحَّة ومعنى حديث: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيع حَبَلِ الحُبْلَةِ. • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مالكٌ في "المُوَطَّإِ" (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤/ ٦٢)، والبُخاريُّ (٤/ ٣٥٦، ٤٢٥)، ومُسلِمٌ (١٥١٤)، وأبو داوُد (٣٣٨٠، ٣٣٨١)، والنَّسائيُّ (٧/ ٢٩٣)، والتِّرمِذيُّ (١٢٢٩)، وأحمدُ (١/ ٥٦، ٢/ ٥، ٦٣، ٧٦، ٨٠، ١٠٨، ١٤٤، ١٥٥)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (٥٩١) من طريق نافعٍ، عن ابن عُمَر. وتابَعَهُ سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عُمَر مثله. أخرَجَهُ النَّسائِيُّ (٧/ ٢٩٣)، وابنُ ماجَهْ (٢١٩٧)، وأحمدُ (٢/ ١١)، والحُميدِيُّ (٦٨٩). وفي الباب عن ابن عبَّاس، عند النَّسائيِّ، وأحمد. أمَّا معنى الحديثِ .. فقال الخَطَّابِي في "معالم السُّنَن" (٣/ ٨٩): "و" حَبَلُ الحُبْلَةِ" هو نِتاج النِّتَاج، وقد جاء تفسيرُه في الحديث، وهو أن يُنتِجَ النَّاقَةُ بطنَهَا، ثُمَّ تَحمِل التي نُتِجَت. وهذه بيوعٌ كانُوا يَتَبَايَعُونَهَا في الجاهلية، وهي كُلُّها يدخُلُ الجهلُ فيها والغَرَرُ، فنُهُوا عنها، وأُرشِدُوا إلى الصَّواب". والله أعلَمُ.

стр. 973

٢٧٣ - سألني سائَلٌ، فقال: خَطَب بنا خطيبُ مَسجِدنا، فذَكَر حديثًا طويلًا، ظلَّ قُرابة سَنةٍ كاملةٍ يشرح فيه، وهو عن أنَس بن مالكٍ، وأوَّلُه: "اكتُم سِرِّي تَكُن مُؤمِنًا، وَأَسبغ الوُضُوءَ يَطُل عُمُرُك … "، فهل هو صحيحٌ، أم لا؟ • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ بتمامه، وإن كان لبعض فقَرَاته شواهدُ صحيحةٌ. وقد أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٩٩١) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عمران النَّاقِطُ البَصرِيُّ .. وأخرَجَه في "الصغير" (٨٥٦) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ صالح بن الوليد النَّرْسِيُّ، قالا: ثنا مُسلِمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله الأنصاريُّ، عن أبيه عبد الله بن المُثَنَّى، عن عليِّ بن زيد بن جُدعَانَ، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ المدينة، وأنا يومئذٍ ابنُ ثمان سنين، فذَهَبَت بي أُمِّي إليه، فقالت: "يا رَسُولَ الله! إنَّ رِجال الأنصارِ ونساءَهم قد أَتحَفُوكَ غَيرِي، ولم أَجِد ما أُتحِفُك، إلَّا ابني هذا، فاقبل مِنِّي، يَخدُمُك ما بدا لك"، - قال: - فَخَدَمتُ رسُول الله ﷺ عَشرَ سِنين، فلَم يَضْرِبني ضربةً قطُّ، ولم يسُبَّنِي، ولم يَعبَس في وَجهِي، وكان أوَّلَ ما أوصَانِي به، أن قال: "يا بُنَيَّ! اكتُم

стр. 974

سِرِّي تَكُن مُؤمنًا"، فما أخبرتُ بِسِرِّه أحدًا، وإن كانت أُمِّي، وأزواجُ النَّبيِّ ﷺ يَسأَلنَنِي أن أُخبِرَهن بِسِرِّه، فلا أُخبِرُهُنَّ، ولا أُخبرُ بِسِرِّه أحدًا أبدًا، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! أَسبغِ الوُضُوء يزِدْ في عُمُرك، ويُحبُّك حافظاك"، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! إِن استَطَعتَ أن لا تَبِيت إلا على وُضُوءٍ، فافعل؛ فإنَّه من أتاه الموتُ وهو على وُضُوءٍ أُعطي الشَّهادةَ"، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! إن استطعت أن لا تَزال تُصَلِّي فافعَل؛ فإنَّ الملائكة لا تزالُ تُصَلِّي عليك ما دُمتَ تُصَلِّي"، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! إيَّاك والالتفاتَ في الصَّلاة؛ فإنَّ الالتفاتَ في الصَّلاة هَلَكَةٌ، فإن كان لا بُدَّ ففي التَّطَوُّع، لا في الفريضة"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إذا رَكعتَ، فضَع كفَّيكَ على رُكبَتَيك، وافرُج بين أَصَابِعك، وارفع يَدَيك عن جَنبيك، فإذا رَفعتَ رأسَك من الرُّكُوع، فكُن لكُلِّ عُضوٍ موضعَهُ؛ فإنَّ الله لا يَنظُر يومَ القيامة إلى مَن لا يُقيمُ صُلْبَهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ"، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! إذا سَجَدت، فلا تَنقُر كما يَنقُر الدِّيكُ، ولا تُقْعِ كما يُقْعِي الكَلبُ، ولا تَفتَرِش ذِرَاعَيكَ افتراشَ السَّبعِ، وافرش ظَهرَ قَدَمَيكَ الأرضَ، وضع إِلْيَتَيكَ على عَقِبَيك؛ فإنَّ ذلك أيْسَرُ عليك يومَ القيامة في حسابك"، ثمَّ قال: "يا بُنيَّ! بَالِغ في الغُسل من الجَنابة؛ تَخرُج من مُغتَسَلِك ليس عليك ذنبٌ ولا خطيئةٌ"، قلتُ: "بأبي وأمي! ما المُبالَغَةُ؟ "، قال: "تَبُلُّ أُصُول شَعرِك، وتُنْقي البَشَرَةَ"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ، إن قَدَرتَ أن تَجعَل من صَلَوَاتِك في بيتك شيئًا فافعل؛ فإنَّه يَكثُرُ خيرُ بيتك"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إذا دَخَلتَ على أهلِك، فَسَلِّم على أهلِك؛ يَكُن برَكةً

стр. 975

عليك وعلى أهل بيتك"، ثُمَّ قال: "يا بُنيَّ! إذا خَرَجتَ مِن بيتك، فلا يَقَعنَّ بَصَرُك على أحدٍ من أهل القِبلة إلَّا سَلَّمتَ عليه؛ تَرجعُ وقد زِيدَ في حسناتك"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إنَّ قَدَرت أن تُمسِي وتُصبِحَ، وليس في قلبك غِشٌّ لأحدٍ، فافعل"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إذا خَرَجتَ من أَهلِك، فلا يَقَعَنَّ بَصَرُك على أحدٍ من أهل القِبلة إلَّا ظَنَنتَ أن له الفَضلَ عليك"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إن حَفِظتَ وَصِيَّتِي، فلا يَكُونَنَّ شيءٌ أحبَّ إليك من الموت"، ثُمَّ قال لي: "يا بُنيَّ! إنَّ ذلك مِن سُنَّتِي، ومَن أَحْيَا سُنَّتِي فَقَد أَحَبَّني، وَمَن أَحَبَّني كان مَعِي في الجَنَّة". وأخرَجَهُ أبو يَعلَى (٣٦٢٤) قال: حدَّثَنا يحيى بنُ أيُّوبَ، ثنا مُحمَّدُ بن الحَسَن بن أبي يزيدَ الصُّدَائِيُّ، ثنا عبَّادٌ المِنْقَرِيُّ، عن عليِّ بن زيد بن جُدعَانَ بهذا الحديث بطوله. قال الطَّبَرانيُّ في "الأوسط": "لَم يَروِ هذا الحديثَ بهذا التَّمَام عن سعيد بن المُسَيَّب إلَّا عليُّ بن زيدٍ، ولا عن عليّ بن زيدٍ إلَّا عبدُ الله بنُ المُثَنَّى، تَفَرَّد به مُسلِمُ بنُ حاتمٍ، عن الأنصاريِّ، عن أبيه، وتَفَرَّد به مُحمَّدُ بنُ الحَسَن بن أبي يزيد، عن عبادٍ المِنْقَرِيِّ". • قلتُ: فالحاصل، أنَّ هذا الحديث يَروِيه عليُّ بنُ زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أنس بن مالكٍ ﵁، ورواه عن عليّ بن زيدٍ اثنان: الأوَّل: هو عبدُ الله بنُ المُثَنَّى. والثَّاني: هو عبَّادٌ المِنْقَرِيُّ. أمَّا الطَّريق الأوَّل ..

стр. 976

فشيخُ الطَّبَرانيِّ مُحمَّدُ بنُ صالحٍ لم أَجِد له ترجمةً. ومُسلِمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، فقد وَثَّقَه الطَّبَرانيُّ في "الصَّغير"، بعد أن روى له هذا الحديثَ. ووَثَّقَهُ التِّرمذيُّ، وابنُ حِبَّان، وقال: "رُبَّما أخطأ". ومُحمَّدُ بنُ عبد الله الأنصاريُّ مِن كبار شُيُوخ البُخاريِّ، ووَثَّقَه ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وابنُ حِبَّان، وقال أبو حاتم، وابنُ سعدٍ: "صَدُوقٌ"، ووَصَفَهُ أبو حاتمٍ بالإِمَامَةِ، وهذا تزكيةٌ عظيمةٌ مِن مِثل أبي حاتمٍ الرَّازيِّ، المَعرُوف بتَشَدُّدِه، وقال أبو داوُد: "تَغَيَّر تغيُّرًا شديدًا"، ولعلَّ أبا داوُد قال ذلك بسبب رِوايَته عن حبيب بن الشَّهيد، عن ميمُون بن مِهران، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ احتَجَمَ وهو مُحرِمٌ صائمٌ، فقد أَنكرَه عليه مُعاذُ بنُ معاذٍ، ويحيى القَطَّانُ. وضعَّفَهُ أحمدُ أيضًا. وأمَّا أبُوه عبدُ الله بنُ المُثَنَّى، فقد قال ابنُ مَعِينٍ، وأبو زُرعَة، وأبو حاتمٍ: "صالحٌ". ولَيَّنَه النَّسَائيُّ. وأمَّا الطَّريق الثَّاني .. فلا يَصِحُّ أيضًا؛ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَن ضَعَّفه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وأبو داوُد، وتَرَكَه النَّسائِيُّ، وغيرُه، بل كَذَّبه ابنُ مَعِينٍ، وأبو داوُد. وشَيخُه عبَّاد بن مَيسَرَة المِنْقَرِيُّ ضَعَّفه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ في رواية أبي داوُد، ومشَّاه ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ. والطَّرِيقَان يلتَقِيَان في عليِّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيفٌ. وأخرَجَهُ التِّرمذِيُّ (٥٨٩، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨) من الوجه الأوَّل، عن

стр. 977

شَيخِه مُسلِم بن حاتمٍ الأنصاريِّ ببعضه، وقال: "حَسَنٌ غريبٌ". وفي حُكمِهِ هذا نظرٌ؛ لأنَّهُ رَوَى في الموضع الثَّاني عن شُعبة، أنَّهُ قال: "حدَّثَنا عليُّ بنُ زيدٍ، وكان رَفَّاعًا. ولا نَعرِفُ لسعيد بن المُسيَّب، عن أنسٍ روايةً إلَّا هذا الحديث بطُولِه"، قال: "وقد رَوَى عبَّادُ بنُ مَيسَرة المِنْقَرِيُّ هذا الحديث، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أنَسٍ، ولم يَذكُر فيه: "عن سعيد بن المُسيَّب"، وذَاكَرتُ محُمَّدَ بنَ إسماعيل - هُو البُخاريُّ - به، فَلَم يَعرِفهُ، ولم يَعرِف لسعيد بن المُسيَّب، عن أنسٍ هذا الحديثَ، ولا غيرَه، ومات أنَسُ بنُ مالكٍ سنة ثلاثٍ وتِسعين، ومات سعيدُ بنُ المُسيَّب بعدَه بسَنَتَين، مات سنة خمس وتِسعين". وأخرَجَهُ الخطيبُ في "التَّلخيص" (١/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٣٣)، وابنُ الجوزِيِّ في "الموضُوعات" (٣/ ١٨٧)، من طريق بِشر بن إبراهيم، عن عبَّاد بن كَثيرٍ، عن عبد الرَّحمن بن حَرمَلَةَ، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أنَسٍ مرفُوعًا بأَكثَرِه. وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ لضعف بِشرٍ، وعبَّادٍ، وعبدِ الرَّحمن، مع ما تَقَدَّم مِن قول البُخارِيِّ الذي يُشِيرُ إلى الانقطاع في سَنَده بين سعيد بن المُسَيَّب، وأنَسٍ. ورَوَاهُ يزيدُ بنُ هارُون، ثنا العَلَاءُ أبو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قال: سمِعتُ أنَسًا مرفُوعًا بأكثَرِه. أخرَجَهُ أحمدُ بنُ مَنِيعٍ في "مُسنَده" - كما في "المَطَالِب العالية" (٣١٢٧) -، وأبو اللَّيث السَّمَرْقَندِيُّ في "تَنبِيه الغافلين" (ص ١١٣).

стр. 978

وأخرَجَهُ ابنُ سَعدٍ في "الطَّبَقات" (٧/ ١٢)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (١/ ٢٤٩)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٢/ ٢٠٣) من طريق يزيد بن هارُون بهذا الإسناد ببعضه مِن أوَّلِه. وضعَّفَه البُوْصِيرِيُّ في "إِتحاف الخِيَرة" (٩/ ٥٤٢) بالعَلَاءِ أبي مُحَمَّدٍ. والصَّواب أن الحديثَ باطلٌ موضوعٌ من هذا الوَجه؛ لأنَّ العَلاء هذا قال فيه ابنُ المَدِينِيِّ: "كان يَضَعُ الحديثَ"، وترَكَهُ أبو حاتمٍ والدَّارَقُطنِي، وقال البُخاري: "مُنكَرُ الحديث"، وبالجُملة فهُو أَحَدُ الهَلكَى. وله طُرُقٌ أُخرَى كُلُّها ساقطةٌ؛ ولذلك قال العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (١/ ١١٩): "ولهذا الحديث عن أنَسٍ طُرقٌ، ليس منها وَجهٌ يَثبُتُ"، وقال في مَوضعٍ آخر (١/ ١٤٨): "ليس لهذا المتن عن أنسٍ إسنادٌ صحيحٌ"، وقال في موضعٍ ثالثٍ (٢/ ٣): "وفي هذا الباب أسانيدُ لَيِّنةٌ". وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (١/ ٥٢): "سألتُ أبي، وأبا زُرعة، عن أحاديثَ تُروَى عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ في: "إسباغ الوُضُوء يَزِيدُ في العُمر"، وذَكَرتُ لَهُما الأسانيدَ المروِيَّة في ذلك، فضعَّفَاها كُلَّها، وقالا: ليس في: "إسباغ الوُضُوء يَزِيدُ في العُمر" حديثٌ صحيحٌ" انتهَى.

стр. 979

٢٧٤ - سُئلتُ عن حديثٍ: عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ المَغرِبَ، ثُمَّ نَرجِعُ إلى مَنَازِلِنا ونحنُ نُبصِر مَوَاقِع النَّبْلِ. • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٣٠٣، ٣٦٩، ٣٧٠) - واللفظُ له -، وعَبْدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (١٠٣٥)، وابنُ أبي شيبة (١/ ٣١٩)، وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٢٠٥٦، ٢٠٩١)، وأبو يَعلَى (٢٠٤٨)، والبَزَّارُ (٣٧٤ - كشف)، وابن المُنذِر في "الأوسط" (١٠١١) من طُرُقٍ عن سُفيان الثَّوريِّ، عن عبد الله بن مُحمَّد بن عَقِيلٍ، عن جابرٍ، قال: "الظُّهرُ كاسمِها، والعصرُ بيضاءُ حيَّةٌ، والمغرِبُ كاسمها، وكُنَّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ المَغربَ، ثُمَّ نأتي مَنازِلَنا وهو على قدر مِيلٍ، فَنَرَى مواقِع النَّبل، وكان يُعَجِّلُ العِشاءَ ويُؤخِّرُ، والفَجرُ كاسمِها، وكان يُغَلِّسُ بها". واقتَصَر بعضُ المُخرِّجين على بعضه. وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ، وابنُ عَقِيل فيه مقالٌ يسيرٌ. قال الهَيثَميُّ في "المَجمَع" (١/ ٣١٠): "فيه عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن عقيلٍ، وهو مُختلَفٌ في الاحتجاج به، وقد وَثَّقه التِّرمذِيُّ، واحتجَّ به أحمدُ وغيرُه".

стр. 980

قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ له طريقًا عن جابرٍ إلَّا هذا". كذا قال! وله أكثرُ من طريقٍ .. منها ما: أخرَجَه الطَّيَالِسِيُّ في "مُسنَده" (١٧٧١) .. والشَّافِعيُّ في "الأمِّ" (١/ ٧٤)، وفي "المُسنَد" (١٥٨)، ومِن طريقِه البيهقيُّ في "المَعرِفة" (٢/ ١٩٦) قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ .. وأحمدُ (٣/ ٣٨٢) قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ هارون .. وابنُ خُزَيمَةَ (٣٣٧) مِن طريق عُبيد الله بن عبد المَجِيد .. والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (١/ ٢١٣) من طريق أسد بن مُوسَى، قالوا: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن المَقبُرِيِّ، عن القَعقَاع بن حكيمٍ، عن جابر بن عبد الله، قال: كُنَّا نُصَلِّي مع رسُول الله ﷺ المغربَ، ثُمَّ نأتي بني سلَمَة، ونَحنُ نُبصرُ مواقعَ النَّبْل. وسَنَدُهُ صحيحٌ. ومنها ما: أخرجه عَبْدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (١١٢٨) .. والبزَّارُ (٥٧٢ - كشف) قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ مَعمَرٍ، قالا: أخبَرَنا يَعلَى بنُ عُبيدٍ، ثنا أبو بكرٍ المَدَنِيُّ، عن جابرٍ، قال: كُنَّا نُصَلِّي مع رسُول الله ﷺ المغربَ، ونَحنُ نَنظُر إلى السَّدَفِ. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ لضعف أبي بكرٍ المَدَنِيِّ الفضلِ بن مُبَشِّرٍ، فقد ضَعَّفه ابنُ مَعِينٍ والنَّسائِيُّ وأبو حاتمٍ وغيرُهم، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "له عن جابرٍ دُون العَشَرة، وعامَّتُها لا يُتابَعُ عليها". أمَّا الهَيثَميُّ فقال (٢/ ٨٢): "أبو بكرٍ المَدَنِيُّ مجهولٌ"!!

стр. 981

ومنها ما: أخرَجَهُ ابنُ المُنذِر في "الأوسط" (٢/ ٣٦٨) قال: حدَّثَنا الرَّبِيعُ بنُ سُليمان، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَنِي أُسامةُ، عن مُحمَّد بن عمرو بن حَلْحَلَةَ الدِّيَلِيُّ، عن وهب بن كَيسَانَ، أنَّهُ سمع جابر بن عبد الله، يقولُ: كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ المغرب، ثُمَّ نَرجِعُ، فنَتَنَاضَلُ، حتَّى نَبلُغ مَنازلَنا في بني سَلَمَة، فنَنظُر إلى مواقع نَبلِنا من الإِسفَارِ. وهذا سَنَدٌ صالحٌ، وأُسامةُ بنُ زيدٍ فيه مقالٌ. ومنها ما: أخرَجَه أحمدُ (٣/ ٣٣١) قال: حدَّثَنا أبو أحمد، ثنا عبدُ الحميد، عن عُقبة بن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، قال: "كُنَّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ المغربَ، ثُمَّ نرجِعُ إلى بني سَلَمة، فَنَرَى مواقع النَّبل". وعُقبةُ بنُ عبد الرَّحمن لم يُوَثِّقه إلَّا ابنُ حِبَّان (٥/ ٢٢٧)، ولم يَروِ عنه إلَّا عبدُ الحَميد بنُ يزيد. والله أعلم. ومنها ما: أخرَجَه الشَّافِعِيُّ في "الأمِّ" (١/ ٧٤)، وفي "المُسنَد" (١٥٧)، ومِن طريقِه البَيهَقِيُّ في "المَعرِفة" (٢/ ١٩٥)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٢١٦) قال: أخبَرَنا إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عن مُحمَّد بن عمرِو بن عَلقَمةَ، عن أبي نُعَيم، عن جابر، قال: "كُنَّا نُصلِّي المغربَ مع النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ نَخرجُ نتنَاضَلُ حتى ندخُل بُيوتَ بني سَلمَة ننظُرُ إلى مواقِعِ النَّبل من الإِسفار". وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وإبراهيمُ هو ابنُ مُحمَّد بن أبي يحيى الأسلَمِيُّ، وهو مَترُوكٌ، أحسَنَ الشَّافِعِيُّ به الظَّنَّ؛ لأنَّه سمِع منه وهُو صغيرٌ، كما قال ابنُ حِبَّان وغيرُه. وللحديث شواهدُ عن جماعةٍ من الصَّحابَة ﵃.

стр. 982

٢٧٥ - سُئلتُ عن حديث: "إِذا فَعَلَت أُمَّتِي خَمسَ عَشرَةَ خَصلَةً، حَلَّ بِهَا البَلَاءُ"، قالوا: "وما هُنَّ، يا رسُول الله؟ "، قال: "إِذَا كانَ المَغنَمُ دُوَلًا، والأَمَانَةُ مَغنَمًا، وَالزَّكاةُ مَغرَمًا، وأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوجَتَةُ وَعَقَّ أُمَّه، وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أبَاهُ، وَارتَفَعَت الأَصوَاتُ فِي المَسَاجِدِ، وَكانَ زَعِيمُ القَومِ أَرذَلَهُم، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُورُ، وَلُبسَ الحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ القِينَاتُ والمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذه الأمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيرَتَقِبُوا عِندَ ذَلِكَ رِيحًا حَمرَاءَ، أَو خَسفًا وَمَسخًا". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ، كما قال الدَّارقُطنِيُّ. أخرَجَهُ التِّرمذِيُّ (٢٢١٠)، ومِن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣٦٧) قال: حدَّثَنا صالحُ بنُ عبد الله التِّرمذِيُّ .. وابنُ حِبَّان في "المجروحين" (٢/ ٢٠٧) من طريق قُتَيبَة بن سعيدٍ، والرَّبيع بن ثعلبٍ .. والخَطِيبُ في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٥٨) من طريق مُحمَّد بن الفَرَج بن فَضَالة .. والشَّجَرِيُّ في "الأمالي" (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥، ٢٦٥، ٢٦٨) مِن طريق إبراهيم بن عليٍّ البَزَّارِ، وعبد الرَّحمن بن وَاقدٍ، والرَّبيع بن ثعلبٍ،

стр. 983

قالوا: ثنا الفَرَجُ بنُ فَضَالة، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن مُحمَّد بن عُمَر بن عليٍّ، عن عليِّ بن أبي طالبِ، عن رسُول الله ﷺ . قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرفُهُ من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ إلَّا من هذا الوجه، ولا نَعلَمُ أحدًا رواه عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، غيرَ الفَرَج بن فَضَالَة، والفَرَجُ بنُ فَضَالَة قد تَكلَّم فيه بعضُ أهل الحديث، وضعَّفَه من قِبَل حِفظه". وقال ابنُ حِبَّان: "فرَجُ بنُ فَضَالة كان مِمَّن يَقلِب الأسانيد، ويُلزِقُ المُتُونَ الواهيةَ بالأسانيد الصَّحيحة، لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به". وقال أحمد بن حنبلٍ: "حديثُه عن يحيى بن سعيدٍ مُضطرِبٌ"، وكذلك قال ابنُ مَهدِيٍّ، والبُخاريُّ، ومُسلِمٌ، وزَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، وآخرون، ضَعَّفُوه في روايته عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وهذا الحديث مِنها. وسُئل الدَّارَقُطنِيُّ عن هذا الحديث، فقال: "هذا باطلٌ"، فقال له البَرقَانِيُّ: "مِن جِهَة فرَجٍ؟ "، قال: "نعم". وأبدى ابنُ الجَوزِيِّ عِلَّةً أُخرى، فقال: "مُحمَّدُ بنُ عليٍّ لَم يَرَ عليَّ بن أبي طالبٍ". وله شاهدٌ مِن حديث أبي هُريرة. أخرَجَهُ التِّرمذيُّ (٢٢١١) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ يزيدَ الواسِطِيُّ، عن المُستلِم بن سعيدٍ، عن رُمَيحٍ الجُذَامِيِّ، عن أبي هُريرَةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا اتُّخِذَ الفَيءُ دُوَلًا،

стр. 984

والأمانةُ مَغنَمًا، والزَّكاةُ مَغرَمًا، وتُعُلِّم لغير الدِّين، وأطاع الرَّجُلُ امرأتَهُ وعقَّ أُمَّهُ، وأدنَى صديقَهُ وأقصَى أباه، وظهرت الأصواتُ في المساجد، وساد القبيلةَ فاسِقُهُم، وكان زعيمَ القوم أرذلُهُم، وأُكرِم الرَّجُلُ مَخافة شَرِّه، وظهرت القيناتُ والمعازفُ، وشُربت الخُمور، ولَعَنَ آخِرُ هذه الأمَّةِ أوَّلهَا، فليَرتَقِبُوا عند ذلك ريحًا حمراءَ، وزلزَلَةً، وخَسفًا، ومَسخًا، وقَذفًا، وآياتٍ تتابعُ كنظامٍ بالٍ قُطع سِلكُهُ فتتابع". وأخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغرائب" (٥٠٢٠) -، من طريق عَمرِو بن شمرٍ، عن جابر بن يزيد الجُعفِيِّ، عن رُمَيحٍ الجُذامِيِّ بهذا. وقال: "تفرَّد به عمرُو بنُ شِمرٍ، عن جابرٍ". • قلتُ: وابنُ شِمرٍ هالكٌ. وجابرٌ الجُعفِيُّ واهٍ. قال التِّرمِذِيُّ: "حديثٌ غريبٌ"، يعني: ضعيفٌ؛ وآفَتُه رُمَيحٌ الجُذَامِيُّ؛ مجهولٌ، كما قال ابنُ القَطَّان، والذَّهَبيُّ، وابن حَجَر. وأمَّا قولُه: "إذا كان المَغنَم دُولًا"، فالمقصود: إذا كان مالُ الفَيءِ يُتَدَاوَلُ بين الأغنياء وأصحابِ المناصب، ويُؤخَذ غَلَبةً وأَثَرَةً، كما يَصنَعُ أهلُ الجاهِلِيَّة، فيكون لقومٍ، دُون قومٍ، ويُحرَمُهُ الفقراءُ. و "دُولًا" يكون بضم الدَّال، وكسرها، كما قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. والله أعلم.

стр. 985

٢٧٦ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ الله وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَه أبو داوُد (٦٧٦)، وابنُ ماجَهْ (١٠٠٥)، وابنُ حِبَّان (٣٩٣)، والبَيهَقِيُّ (٣/ ١٠٣)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٣/ ٣٧٤) من طريق أُسامة بن زيدٍ، عن عُثمان بن عُروَة، عن عروة، عن عائشةَ مرفوعًا. قال البيهقيُّ: "كذا قال! والمحفوظُ بهذا الإسناد، عن النَّبيِّ ﷺ : إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ" ا. هـ. ويَظهَرُ أن هذا الوهَمَ مِن أُسامَة بن زيدٍ، فلَم أَقِف على مَن تَابَعه. ومع هذا فَقَد حَسَّنه الحافظُ في "الفتح" (٢/ ٢١٣)، وسَبَقَه المُنذِرِيُّ! والله أعلم.
следующие страницы →