Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الوسيط، وألف كتاباً سماه تحقيق المحيط، في ستة عشر مجلداً. روى ودرس وأفتى، وكان صلاح الدين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه، وعمر له مدرسة الشافعية، وكان يبالغ في ذم العبيديين، ولما هاب صلاح الدين من الإقدام على قطع خطبة العاضد وقف قدام المنبر، وأمر أن يخطب الخطيب لبني العباس، ففعل ولم يقع، إلا الخير. قال الذهبي: ثم عمد إلى قبر ابن الكيزاني - من غلاة السنة وأهل الأثر - فنبشه وقال: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. يعني: هو والشافعي، فثارت حنابلة مصر عليه، ووقعت الفتنة وصار بينهم حروب. قلت: وقوله من غلاة السنة وأهل الأثر: أي ممن يتغالى في تقرير الظواهر وعدم تأويلها، وإنما قال الذهبي: وغلاة أهل السنة، لأنه كثيراً ما يشير إلى أن الظاهرية هم أهل السنة، مفهماً بذلك أن اعتقاده موافق لأهل الظاهر - والله أعلم بالسرائر - ولما توفي المذكور في السنة المذكورة دفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي ﵁ وبينهما شباك. وكان أصحابه يصفون فضله ودينه، وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا. وفيها توفي الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة - السهروردي المقتول بحلب. كان بارعاً في الحكمة وعلوم الفلسفة والأصول الفقهية وعلم الكلام - وشيخه وشيخ فخر الدين الرازي واحد، وهو مجد الدين الجيلي، وكان الحكيم المذكور مفرط الذكاء فصيح العبارة، مناظراً محجاجاً متزهداً، وكان علمه أكثر من عقله، ويقال إنه كان يعرف السيمياء. حكي أنه خرج من دمشق مع جماعة، فلما وصلوا إلى القابون لقوا قطيع غنم مع تركماني، فقال أصحابه: زيد رأساً من هذا الغنم، فأخذوا رأساً بعشرة دراهم كانت معه، فقال صاحب الغنم: خذوا رأساً أصغر منه، فقال: امشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدموا، وبقي يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما بعدوا قليلاً تبعهم وتركه، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، فلم يلتفت إليه حتى لحقه وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخلفني؟ وإذا بيده قد انخلعت من عند كتفه وصارت في يد التركماني، ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير، ورمى اليد وخاف وهرب، وأخذ هو تلك بيده اليمنى، ولحق أصحابه وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه. ولما وصل إلى أصحابه رأوا في يده اليمنى منديلاً لا غيره. قال ابن خلكان: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة - انتهى والله أعلم بصحتها. قلت: ومثل هذا ما سمعته ممن يحكى عمن صاحب ابن سينا إلى جبل حراء أنه أخذ
стр. 1017
من بدوي شاة في الطريق، فذبحها هو وأصحابه، وشووها وأكلوها، فجاء البدوي إلى رأس الجبل يطالبه بالثمن، فجلس معه في مكانه بعيداً عن رفقائه، وتمدد بين يدي البدوي، فنظر إليه ذلك البدوي فإذا هو مذبوح، ففزع البدوي وهرب. قلت: وهذه الأفعال وأشباهها يئست من أفعال، وبئس من يفعلها، وبئس المعلم - الموصل إليها.
رجعنا إلى ذكر الحكيم السهروردي، له تصانيف عديدة كالتنقيحات في أصول الفقه، والتلويحات، وكتاب الهياكل، والرسالة الغريبة وغير ذلك. ومن كلامه: حرام على الأجساد المظلمة أن تلحق في ملكوت السماوات، فوحد الله تعالى وأنت بتعظيمه ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو ما كان في الوجود شمس لأظلمت الأكوان، وأبى النظام أن يكون غير ما كان، فخفت حتى قلت لست بظاهر، وظهرت من سعيي على الأكوان، اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف. وتنسب إليه أشعار، فمن ذلك:
جعلت هياكلها تجرعلى الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا
وتلفتت نحو الديار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنها برق تآلف بالحمى ... ثم انطوى وكأنه ما أبرقا
ومن شعره المشهور:
أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانة والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لقاء جمالكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تحملوا ... ثقل المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
فإذا هم كتموا فحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحاح
وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الدجى ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له قلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح
ركبوا على سفن الهوى ودموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبداً وكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
стр. 1018
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
مع أبيات أخرى في أثنائها وفي آخرها أوليتها حذف هجر الإعراض - عند لمعان برق سحاب بعض الأعراض. وكان شافعي المذهب ويلقب بالمؤيد بالملكوت. قال ابن خلكان: وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل واعتقاد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهرعنه ذلك، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله، بما ظهر لهم من سوء مذهبه في اعتقاده قال: وقال الشيخ سيف الدين الآمدي: اجتمعت بالسهروردي في حلب، فقال لي: لا بد لي أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسبها، فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل. وكان في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، فحبسه، ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين - وعمره ثمان وقيل: ست وثلاثون - وقيل: قتله وصلبه أياماً. وقيل: خير بين أنواع القتل فاختار أن يموت جوعاً لاعتياده الرياضات، فمنع من الطعام حتى تلف. ونقل ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد قال: أقمت بحلب للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمر، فمنهم من ينسبه إلى الزندقه والإلحاد - وهم أكثر الناس - ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك. وانتهى، والله أعلم ببواطن العباد وإليه المرجع والمعاد.
سنة ثمان وثمانين وخمس مائة
فيها سار شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بجيوشه، فالتقى ملك الهند، فانتصر المسلمون واستحر القتل بالهنود، وأسر ملكهم، وغنم المسلمون ما لا ينحصر، من ذلك أربعة عشر فيلاً.
وفيها التقى المسلمون بالشام الفرنج غير مرة، والنصرة كلها للمسلمين إلا واحدة، مقدمها الملك العادل، فدهمهم العدو وهزمهم. وفيها توفي أبو الفضل اسماعيل بن علي الشافعي الفرضي، من أعيان المحدثين.
стр. 1019
تفقه على جمال الإسلام ابن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد فسمع بها جماعة من الكبار، وكتب الحديث الكثير، وكان بصيراً بعقد الوثائق والسجلات. وفيها توفي المشطوب الأمير - مقدم الجيوش سيف الدين علي بن أحمد بن أبي الهيجاء الهكاري نائب عكا، لما أخذت الفرنج عكا أسروه، ثم اشتري بمبلغ عظيم، ثم أقطعه صلاح الدين القد، فتوفي بها. وفيها توفي أبو المرهف نصر بن منصور الشاعر المشهور، كان ضريراً، قدم بغداد وحفظ القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من القاضي ابن الباقلاني وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك وأبي الفضل ابن الناصر وغيرهم، وقرأ الأدب على ابي منصور الجواليقي، وله ديوان شهر، ومن شعره قوله من قصيدة له:
وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع
لقدحملت من طول الثناء ... عن الأحباب ما لا أستطيع
وكان زاهداً ورعاً حسن المقاصد في الشعر.
سنة تسع وثمانين وخمس مائة
وفيها توفي صاحب مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العلوي الحسيني. ومحمود سلطان شاه أخوه الملك علاء الدين خوارزم شاه ابنا أرسلان الخوارزمي. وسنان بن سليمان أبو الحسن البصري الإسماعيلي الباطني صاحب الدعوة وصاحب حصون الإسماعيلية. كان أديباً متفنناً متكلماً عالماً عارفاً بالفلسفة أخبارياً شاعراً. وصاحب الموصل السلطان عز الدين مسعود بن مودود أتابك بن زنكي. قال ابن الأثير: بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة، ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإحسان يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم، وفيه حلم وحياء ودين. ودفن في مدرسته في الموصل، وتملك بعده ولده نور الدين.
стр. 1020
وفيها توفي السلطان صلاح الدين الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف في آخره ياء النسبة ومعناه بالعربية فرحان - صاحب الديارالمصرية والبلاد الشامية والعراق واليمنية. وتراجم أبيه أيوب وقرابته من الإخوة والأعمام مذكورة في مواضعها، وصلاح الدين المذكور كان واسطة العقد وشهرته وشائعته شهيرة مغنية عن مدحته والتعريف بصفته وسيرته. وقد ذكر بعض المؤرخين الاتفاق على أن أباه وأهله من الاكراد، وذكر بعضهم نسبه أباً، فإما إلى عدنان ثم رفعه إلى آدم ﷺ وذكر ابن الأثير أن مجاهد الدين متولي شحنة العراق من جهة السلطان غياث الدين السلجوقي مسعود رأى في نجم الدين أيوب شاذي عقلاً ورأياً حسناً وحسن سيرة، فجعله وألياً بتكريت حافظاً للقلعة، فلما انهزم أتابك الشهيد صاحب - الموصل عماد الدين زنكي بالعراق في أيام الإمام المسترشد وكان قد جاء على قصد حصار بغداد - وصل بعد انهزامه إلى تكريت، فخدمه نجم الدين أيوب، وأقام له السفن فعبر دجلة هناك، وتبعه أصحابه فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم، ثم إن أسد الدين أخا نجم الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، وأخرجهما من تكريت، فقصدا عماد الدين زنكي صاحب الموصل، فأحسن إليهما، وعرف لهما خدمتهما، واقطعهما إقطاعاً حسناً وصار من جملة جنده. فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين والياً عليها وحافظاً، فلما قتل عماد الدين زنكي وتولى بعده ولده سيف الدين غازي بن زنكي أرسل إليه نجم الدين أيوب، وطلب منه عسكراً ليستعين به على قتال صاحب دمشق مجير الدين - وكان قد حاصر أيوب فلم ينجده بالعسكر، فلما رأى نجم الدين تلك الحال وخاف أن يؤخذ قهراً، أرسل في تسليم القلعة، وطلب أقطاعاً ذكره، فأجيب إلى ذلك، وحلف له صاحب دمشق، فسلم القلعة ووفى له بما حلف عليه من الإقطاع، وصار عنده من أكبر الأمراء. واتصل أخوه أسد الدين بالخدمة النورية المتعلقة بنور الدين محمود صاحب حلب - وكان يخدمه - فقربه نور الدين وأقطعه، وكان يرى منه في الحروب آثاراً يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عساكره. وكان صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة بقلعة تكريت لما كان عمه
وأبوه بها، ثم إن عماد الدين قصد حصار دمشق فلم تحصل له، فرجع إلى بعلبك فحاصرها شهراً وملكها سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، ورتب فيها نجم الدين أيوب، ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. وحاصر نور الدين بن عماد الدين زنكي دمشق،
стр. 1021
فأخذها، فلازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين، وكانت مخائل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة بتأييد الله تعالى، ونور الدين يرى له ويؤثره، وتعلم منه صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، حتى تجهز للمسير مع عمه أسد الدين إلى الديار المصرية لما جاء شاور مستغيثاً إلى الشام بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين بن شاذي في جماعة من عسكره، وكان صلاح الدين من جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر معهم، وجعل أسد الدين ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره، شاور حتى دخلوا مصر فاستولوا عليها. وكان الملك المنصور أبو الأشبال الضرغام بن عامر بن سوار الملقب بفارس المسلمين اللخمي المنذري قد استولى على الديار المصرية، فقتل عند مشهد السيدة نفيسة بين القاهرة ومصر، واجتز رأسه وطيف به ثلاثة أيام، ثم دفن عند بركة الفيل، وبنيت عليه قبة. ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصده وعاد إلى منصبه واستمرت أموره غدر بأسد الدين، واستنجد بالفرنج عليه، فحصروه في بلبيس، فخلى لهم البلاد طامعاً في العود إليها وملكها، وعاد إلى الشام في سنة تسع وخمسين وخمس مائة، فأقام بها مفكراً في تدبير عوده إلى مصر محدثاً نفسه بالملك لها، مقرراً ذلك معه نور الدين إلى سنة اثنين وستين وخمس مائة. وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد فخاف عليها فكتب إلى الفرنج وقرر معهم أنهم يجيؤون إلى البلاد، ويمكنهم تمكيناً كلياً ليعينوه على استئصال أعدائه، فبلغ ذلك نور الدين وأسد الدين، فخافا على الديار المصرية أن يملكوها ويتطرقوا إلى ملك غيرها من البلاد، فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر - وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين - فوصلوا إليها وصولاً مقارباً لوصول الفرنج إليها، واتفق شاور والمصريون جميعهم والفرنج على أسد الدين، وجرت حروب كثيرة ووقعات شديدة، وانفصل الفرنج عن البلاد، وانفصل أسد الدين أيضاً راجعاً إلى الشام. وسبب رجوع الفرنج أن نور الدين جرر العساكر إلى بلادهم في تلك السنة، فخافوا
على بلادهم وعادوا إليها، وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره عن مقاومة الفرنج - والمصريين، وما عاينوه من الشدائد وما عاينوه من الأهوال، وما عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر. ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثانية وقيل ثالثة بسبب أن الفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون الديار المصرية، فسار بنفسه وماله
стр. 1022
وإخواته وأهله ورجاله. وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر أرسل إلى أسد الدين يستصرخه، فخرج مسرعاً، ولما علم الفرنج بوصوله إلى مصر واتفاقه مع أهلها رحلوا راجعين على أعقبهم ناكصين. وقام اسد الدين بها، يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان قد وعدهم بمال في مقابلة ما خسروا من النفقة، فلم يعطيهم شيئاً، وعلقت مخالب أسد الدين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الفرنج فرصة أخذوا البلاد، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه. وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور وهو يجتمع بأسد الدين في بعض الأحيان، وكان يركب على عادة وزرانهم بالطبل والبوق والعلم، فلم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا أسد الدين بنفسه، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً، وسار إلى جانبه وأخذ يتلاعب به، وأمر العسكر أن يقصدوا أصحابه، ففزوا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفردة وأمر بجز رأسه. وأرسل المصريون إلى أسد الدين خلع الوزارة، فلبسها وسار ودخل القصر، وترتب وزيراً وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمس مائة، ودام آمراً وناهياً - وصلاح الدين مباشر الأمور ومقررها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته - إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فمات أسد الدين في القاهرة، ودفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول ﵌ بعد مدة بوصية منه. وذكر بعضهم أن أسد الدين دخل القاهرة في سنة أربع وستين وخمس مائة وخرج إليه العاضد آخر ملوك العبيديين، وتلقاه وحضر يوم الجمعة ثالث يوم دخوله، وجلس جانب العاضد، فخلع عليه، وأظهر له شاور وداً، وطلب منه أسد الدين مالاً ينفقه في العسكر، فدافعه وأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة، فإذا خرجت فكن منهم على حذر، فلم يكترث شاور بكلامه، وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين والعساكر الشامية، ويقبض عليهم، فأحس أسد الدين بذلك، فاتفق صلاح الدين وعز الدين وبعض كبراء الدولة على قتل شاور وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه، وخرج شاور قاصداً أسد الدين - وخيامهم كانت على شاطىء النيل - فلم يجده في خيمته، وكان قد ركب إلى زيارة قبر الشافعي ﵁ بالقرافة - فقال شاور: يمضي إليه، فساروا، فاكتنفه صلاح الدين مع آخر، فأنزلاه عن فرسه، فهرب أصحابه وأخذ أسيراً، وكتف، ولم يمكنهم قتله بغير إذن نور الدين، فأرسل العاضد يأمرهم بقتله فقتلوه. وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية، قد تمكن فى بلاد الصعيد، ثم توجه إلى القاهرة وأخذ الوزارة، ثم توجه إلى
стр. 1023
الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين لما خرج عليه ضرغام بن عامر اللخمي المنذري وأخرجه عن القاهرة وولي الوزارة مكانه، فأنجده بالأمير أسد الدين. وأصل شاور من بني سعد من نسل والد حليمة التي أرضعت رسول الله ﵌ وفي كيفية قتله اختلاف كثيرة، والقصد من ذكر هذه الأشياء التوصل إلى ذكر ولاية السلطان صلاح الدين وسيرته. فلما مات أسد الدين استقرت الأمور بعده لصلاح الدين، وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه وإلى الله تعالى إلى أن مات - رحمه الله تعالى - وما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من البلاد، وغشي الناس من سحائب الأفضال والإنعام ما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام، هذا كله وهو وزير متابع للقوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، ويجالس أهل العلم والفقه والتصوف، والناس يهرعون إليه من كل صوب، ويفدون عليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصداً، ولا يعدم وافداً إلى سنة خمس وستين وخمس مائة، فلما عرف نور الدين انتشار أمر صلاح الدين بمصر
أخذ حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف ﵇، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف ﵇، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد البلاد.
стр. 1024
فصل
انتهاء اللولة العبيدية واقامة الدولة العباسية
اعلم أنه لما كان شهر المحرم مفتتح سنة سبع وستين وخمس مائة قطعت خطبة العاضد صاحب مصر، وخطب فيها للإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. وكان سبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين للخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نورالدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً لا فسحة له، واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة له، فاستشار أمراءه كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من ساعد على ذلك، ومنهم من خاف. وكان قد وصل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدىء بها. فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد ذلك. فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك وقال: إن سلم فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن ينغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله. فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بذلك. قلت: وقد نقلت عن بعضهم في كتاب المرهم أن العاضد مات غماً بما فعله صلاح الدين، ولم يقدرعلى منعه من ذلك. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصره وجميع ما فيه. ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بهم من يحفظهم، وجعل أولادهم وعمومتهم وأبناءهم في إيوان من القصر، وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان فيه من العبيد والإماء، وأعتق البعض ووهب البعض وباع البعض، وأخلى القصر من سكانه وأهله. فسبحان من لا يتغير ملكه ولا يزول، ولا يؤثر فيه مرور الأيام والدهور. وكان ابتداء الدولة العبيدية بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين.
ذكر أئمة العبيديين وعدد سني دولتهم
أما عددهم فجملتهم أربعة عشر: أول من ظهر منهم على إفريقية عبيد الله الملقب بالمهدي، ثم بعده القائم بأمر الله، ثم المنصور، ثم المعز، ثم العزيز ثم الحاكم وهو الذي
стр. 1025
ملك مصر والشام والحجاز والمغرب، ثم الظاهر، ثم المستنصر، ثم المستعلي، ثم الآمر، ثم الحافظ، ثم الظافر، ثم الفائز، ثم العاضد وهو آخرهم. ومدة دولتهم مائتا سنة وست وستون سنة. وكان مقامهم بمصر مائتي سنة وثمان سنين. قلت: وإذ قد ذكرت عدد أئمة العبيديين ومدة دولتهم فلأذكرن عدد خلفاء بني العباس ومدة دولتهم، ثم كذلك أفعل في بني أمية ودولتهم، وأذكر الخلفاء الراشدين المستحقين ومدة خلافتهم، ليسهل معرفة الجميع في موضع واحد لمن أراد الاطلاع على ذلك.
ذكر خلفاء بني العباس وعدد سني دولتهم
هم سبعة وثلاثون: السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ثم أخوه عبد الله أبو جعفر المنصور، ثم المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، ثم الهادي موسى بن المهدي، ثم الرشيد هارون بن المهدي، ثم الأمين محمد بن هارون الرشيد، ثم أخوه المأمون عبد الله بن هارون، ثم المعتصم محمد بن هارون، ثم الواثق هارون بن المعتصم، ثم المتوكل جعفر بن المعتصم، ثم المستنصر محمد بن المتوكل، ثم المستعين أحمد بن المعتصم، ثم المعز محمد بن المتوكل، ثم المهتدي محمد بن الواثق، ثم المعتمد أحمد بن المتوكل، ثم المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، ثم المكتفي علي بن المعتضد، ثم المقتدر جعفر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، ثم القاهر بن أحمد بن المعتضد، ثم الراضي أحمد - وقيل محمد بن المقتدر - ثم المقتفي، ثم المتقي ابراهيم بن المقتدر، ثم المستكفي عبد الله بن محمد بن المكتفي، ثم المطيع الفضل ابن المقتدر، ثم الطائع عبد الكريم بن المطيع، ثم القادر أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ثم القائم عبد الله بن القادر، ثم المقتدي عبد الله بن محمد بن القائم، ثم المستظهر أحمد بن المقتدي، ثم المسترشد الفضل بن المستظهر، ثم الراشد جعفر - وقيل منصور بن المسترشد - ثم المقتفي محمد بن المستظهر، ثم المستنجد يوسف بن المقتفي، ثم المستضيء الحسن بن المستنجد، ثم الناصر محمد بن المستضيء، ثم الظاهر محمد بن الناصر، ثم المستنصر بن الظاهر، ثم المستعصم عبد الله بن المستنصر. وأما مدة خلافتهم في خمس مائة وأربع وعشرون سنة.
ذكر ملوك بني أمية وعدد سني دولتهم
هم ثلاثة عشر: معاوية بن أبي سفيان، ثم يزيد بن معاوية، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد
стр. 1026
ابن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم مروان بن محمد الجعدي، وهو آخر ملوك بني أمية. وأما مدة دولتهم فهي إحدى وتسعون سنة.
ذكر عدد الخلفاء الراشدين ومدة خلافتهم
هم المشار إلى خلافتهم بقوله ﵇: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن بن علي وبه تمام الثلاثين من السنين المذكورة. رجعنا إلى ما كنا بصدده من ذكر بعض ما جرى في دولة السلطان صلاح الدين: فلما استولى على القصر الذي كان فيه العاضد وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد، ووهب وباع ما شاء، وكان فيه من الجواهر والذخائر النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، مما جمع على طول السنين. ومن ذلك قضيب الزفرد طوله نحو قصبة ونصف، والخيل الياقوت - لعله بالخاء المعجمة ثم المثناة من تحت وفي الأصل ضبطه بالجيم والباء الموحدة والله اعلم - غير ذلك من الكتب المنتخبة بالخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد. ولما خطب للمستضيء بأمر الله أرسل إليه نور الدين يعرفه ذلك، فحل عنده أعظم محل، وسير اليه الخلع الكاملة إكراماً له، وسيرت الأعلام السود لتنصب على المنابر، وكانت هذه أول هيئة عباسية دخلت مصر بعد استيلاء العبيديين عليها. ثم إنه وقع بين نور الدين وبين صلاح الدين وحشة يطول ذكر سنيها، فعزم نور الدين على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فظهر لصلاح الدين ذلك، فجمع أهله كما تقدم - وفيهم أبوه وخاله وسائر الأمراء، وأعلمهم بما بلغه، واستشارهم فلم يجبه أحد بشيء، فقام تقي الدين ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه من البلاد. ووافقه بعض أهله، فشتمهم والد صلاح الدين، وأنكر ذلك واستعظمه، وشتم تقي الدين وقال له: اقعد. وقال لولده صلاح الدين: أنا أبوك، وهذا شهاب الدين خالك، أتظن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا؟! والله لو رأيته - أنا وخالك - لم يمكنا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا؟!!، وكل من تراه من الأمراء لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه، وقد أقامك فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب إليه كتاباً وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، وأي حاجة إلى هذا ترسل المولى فلاناً - وسماه يضع في رقبتي منديلاً ويأخذني، أو قال: ويجرني إليك، فما ها هنا ما يمتنع
стр. 1027
عليك. وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا، نحن مماليك نور اللين وعبيده، يفعل بنا ما يريد. فتفرقوا على هذا، وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر. فلما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك؟! وإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه البلاد جعلك أهم الأمور إليه، وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم ير معك أحداً من هذا العسكر. وكانوا أسلموك إليه. وأما الآن بعد هذا المجلس فيكتبون إليه ويعرفونه قولي فاكتب أنت إليه وارسل إليه في المعنى، وقل: أي حاجة لك في قصدي أرسل إلي بأحد يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واشتغل بغيرنا، والأقدار تفعل عملها. والله لو أراد نور الدين قصبة من قصبة سكر مصر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل. ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده، واشتغل بغيره، وكان الأمر كما ظنه نجم الدين أيوب. وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها. ثم توفي نور الدين في سنة تسع وستين وخمس مائة كما تقدم في ترجمته، وبلغ صلاح الدين أن إنساناً يقال له الكنز، جمع بأسوان خلقاً عظيماً من السودان، وزعم أنه يعيد الدولة المصرية، وانضاف إليه المصريون، فجهز صلاح الدين إليه جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، فساروا والتقوهم وكسروهم، وذلك في سنة سبعين وخمس مائة. واستقر لصلاح الدين قواعد الملك، وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح، اسماعيل في دمشق، وكان شمس الدين بن الداية بقلعة حلب قد حدثته نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب فوصل إلى ظاهرها ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين، ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين بن الداية وأخيه حسن، وأودع الثلاثة السجن. وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل ابن الخشاب لفتنة جرت بحلب، وقيل بل قتل قبل أولاد الداية. ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن الملك الصالح ولد نور الدين صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض باعباء الملك، فتجهز من مصر في جيش
كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة، وتسلم قلعتها، واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق أموالاً عظيمة وأظهر السرور بالدمشقيين، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها. ثم إن سيف الدين غازي - صاحب الموصل - لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً، وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود، وساروا يريدون لقاء صلاح الدين. فلما بلغه ذلك رحل عن حلب عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح، وخرجوا في جمع عظيم. ولما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم، واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن صرف المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور، هم بها لا يشعرون. فتلاقوا، فقضى الله تعالى أنهم انكسروا، فهزموا بين يديه، وأسر جماعة منهم، ثم سار ونزل على حلب، فصالحوه على أخذ المعرة وكفرطاب وماردين. ولما جرت هذه الواقعة كان سيف الدين غازي محاصراً أخاه عماد الدين - صاحب سنجار - لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، ثم جمع العساكر وسار، وخرج ابن عمه الملك الصالح إلى لقائه، فوصل إلى حلب وصعد قلعتها. وأرسل صلاح الدين إلى مصر يطلب عسكرها، فوصل إليه وسار به حتى نزل على قرون حماة، ثم تصافوا وجرى بينهم قتال عظيم، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل صلاح الدين بسيفه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء، فمر عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب، فأخذ منها خزائنه، وسار حتى عاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين أصحابه من تتبع القوم، ونزل على خيامهم وقسم الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين، وسار إلى منبج فتسلمها، ثم إلى قلعة عزاز فحاصرها، ووثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله تعالى منهم وظفر بهم، ثم سار فنزل على حلب وأقام عليها مدة، ثم رحل عنها. وكانوا قد أخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين فسألته عزاز، فوهبها لها. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، ثم تأهب للغزاة، وخرج يطلب الساحلثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة، وتسلم قلعتها، واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق أموالاً عظيمة
стр. 1028
وأظهر السرور بالدمشقيين، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها. ثم إن سيف الدين غازي - صاحب الموصل - لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً، وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود، وساروا يريدون لقاء صلاح الدين. فلما بلغه ذلك رحل عن حلب عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح، وخرجوا في جمع عظيم. ولما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم، واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن صرف المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور، هم بها لا يشعرون. فتلاقوا، فقضى الله تعالى أنهم انكسروا، فهزموا بين يديه، وأسر جماعة منهم، ثم سار ونزل على حلب، فصالحوه على أخذ المعرة وكفرطاب وماردين. ولما جرت هذه الواقعة كان سيف الدين غازي محاصراً أخاه عماد الدين - صاحب سنجار - لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، ثم جمع العساكر وسار، وخرج ابن عمه الملك الصالح إلى لقائه، فوصل إلى حلب وصعد قلعتها. وأرسل صلاح الدين إلى مصر يطلب عسكرها، فوصل إليه وسار به حتى نزل على قرون حماة، ثم تصافوا وجرى بينهم قتال عظيم، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل صلاح الدين بسيفه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء، فمر عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب، فأخذ منها خزائنه، وسار حتى عاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين أصحابه من تتبع القوم، ونزل على خيامهم وقسم الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين، وسار إلى منبج فتسلمها، ثم إلى قلعة عزاز فحاصرها، ووثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله تعالى منهم وظفر بهم، ثم سار فنزل على حلب وأقام عليها مدة، ثم رحل عنها. وكانوا قد أخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين فسألته عزاز، فوهبها لها. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، ثم تأهب للغزاة، وخرج يطلب الساحل
حتى وافى الفرنج على الرملة في أوائل سنة ثلاث وسبعين، وكانت الكسرة على المسلمين. فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في
стр. 1029
الطريق، وأسروا منهم جماعة، منهم الفقيه عيسى الهكاري، وكان ذلك وهناً عظيماً جبرها الله تعالى بوقعة بعدها. ثم التمس الروم منه الصلح فصالحهم، وتوفي الملك الصالح بن نور الدين في السنة المذكورة - أعني سنة ثلاث وسبعين - وكان قد استحلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل. فلما بلغ عز الدين المذكور موت الملك الصالح ووصيته له بحلب بادر إلى التوجه إليها خوفاً أن يسبقه صلاح الدين، فوصل إليها وصعد القلعة، واستولى على ما بها من الحواصل، وتزوج أم الملك الصالح، ثم قايض عز الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار، وخرج عز الدين عن حلب ودخلها عماد الدين، وجاء صلاح الدين وحاصره، ثم صالح عماد الدين صلاح الدين على أن ينزل له عن حلب ويعوضه عنها بسنجار والخابور ونصيبين وسروج، وحلف صلاح الدين على ذلك، وتسلم قلعة حلب، وجعل فيها ولده الملك الظاهر وكان صبياً. ثم سار صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل - وهو بمصر يستدعيه ليجتمعوا على الكرك، فسار إليه بجمع كثير وجيش عظيم، واجتمعوا في شعبان سنة تسع وسبعين وخمس مائة. فلما بلغ الفرنج الخبر حشروا خلقاً كثيراً وجاؤوا إلى الكرك ليكونوا قبالة عسكر المسلمين، فخاف صلاح الدين على الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين، ورحل عن الكرك واستصحب أخاه الملك العادل معه، ودخل دمشق. وكان الملك الظاهر أحب أولاد أبيه إليه لما فيه من الخلال الحميدة. ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها في ذلك الوقت. ثم إن صلاح الدين رأى عود الملك العادل إلى مصر وعود الملك الظاهر إلى حلب أصلح - وكانت بيد أخيه - فأعطاها ابنه الملك الظاهر، ونزل صلاح الدين على الموصل وحاصرها ثلاث مرات، فلم يقدر على أخذها، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها، ثم مرض صلاح الدين فسار إلى حران، فلحقته الرسل بالإجابة إلى ما طلب، وتم الصلح على أن يسلم إليه صاحب الموصل شهرزور وأعمالها وما وراء الفرات من الأعمال، وأن يخطب له على المنابر، وينقش اسمه على السكة. فلما حلفا أرسل صلاح الدين نوابه فتسلموا البلاد التي وقع الصلح عليها، وطال مرضه حتى أيسوا منه، فحلف الناس لأولاده - وكان عنده منهم الملك العزيز - وجاء أخوه العادل من حلب - وهو ملكها يومئذ - وجعله وصياً على الجميع، وأوصى لكل واحد منهم بشيء من البلاد، وكان عنده أيضاً ابن عمه ناصر الدين،
стр. 1030
فأقطعه حمص والرحبة، وسلم السلطان صلاح الدين ولده الملك العزيز إلى الملك العادل، وجعله أتابكه. ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين في رابع شهر ربيع الآخر - سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة في يوم الجمعة، وكان كثيراً ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركاً بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر، وسار حتى نزل على بحيرة الطبرية - على سفح الجبل - ينتظر قصد الفرنج له، فلم يتحركوا ولا خرجوا عن منازلهم، فلما رآهم لا يتحركون ترك جريده على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، ونازل طبرية وهجمها، فأخذها في ساعة واحدة، وانتهت الناس بابها، وأخذوا في النهب والقتل والسبي والحرق، وبقيت القلعة محمية بمن فيها. ولما بلغ العذو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك، ورحلوا نحوها، وبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصرها، ولحق بالعسكر فالتقى العدو على سفح طبرية، وحال الليل بين العسكرين، فناما على مصافهما ليلة الجمعة إلى بكرة يومها، واستمرت نار الحرب، واشتد الأمر وضاق الخناق بالعدو، وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت، وهم ينظرون قد أيقنوا بالويل والثبور، وأنهم في غدهم من زوار القبور، ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه يضطرم، ولم يبق إلا الظفر ووقوع الوبال على من كفر، حتى حال بينهم الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين بمقامه إلى صبيحة يوم السبت، وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد، فحملوا بأجمعهم عليه وصاحوا صيحة رجل واحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين. وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا فيهم السهام، وحكموا فيهم السيوف القواضب، وأشعلوا حولهم النيران، وصدقوا فيهم الضرب والطعان، وضاق بهم الأمر حتى كادوا يستسلمون خوفاً من القتل، فأسر
стр. 1031
مقدمهم وقتل الباقون. وقال بعض الرواة: حكى لي من
أثق به أنه رأى بحوران شخصاً واحداً معه نيف وثلاثون أسيراً قد ربطهم بطنب خيمة لما وقع عليهم من الخذلان، ثم رحل السلطان إلى عكا فأخذها، واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، فكانوا أكثر من أربعة آلاف، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع، لأنها كانت مظنة التجارة، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل فأخذوا الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصر. ولما استقرت قواعد عكا وقسمت أموالها صار يشن الغارة ويأخذ بلداً بعد بلد، فأخذ صيدا وعسقلان - والرملة والداروم والأماكن المحيطة بالقدس، ثم شمرعن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك، واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل، فسار نحوه معتمداً على الله مفوضاً أمره إليه، ومنتهزاً الفرصة في فتح باب الخير الذي حث الله على انتهازه على لسان نبيه ﵌ لقوله: " من فتح له باب خير فلينتهزه، فإنه لا يعلم متى يغلق دونه ". وكان نزوله بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، وحزر أهل الخبرة من كان فيه من المقاتلة، فكانوا يزيدون على ستين ألفاً خارجاً عن النساء والصبيان، ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب، ونصب المجانيق، وضايق البلد بالزحف والقتال، حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم، وظهرت لهم أمارات الفتح وظهور المسلمين عليهم، وكانوا قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر، وعلى حصونهم من التخريب والهدم، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، وحصل الاتفاق عليه بالمراسله من الطائفتين، وكان تسلم المسلمين القدس المبارك في يوم الجمعة الميمون السابع والعشرين من رجب المعظم - وليلته كانت ليلة المعراج على المشهور من الأقوال -، وكان فتحه عظيماً
стр. 1032
شهده الأولياء والعلماء وخلق، وقصده أهل الخير من البلدان القريبة والبعيدة، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه، وتكسر الصليب التي كانت على قبة الصخرة، وكان شكلاً عظيماً، ونصر الله المسلمين على يدي صلاح الدين نصراً عزيزاً. وكان الفرنج قد استولوا عليه سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم السلطان صلاح الدين في التاريخ المذكور. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرين ديناراً، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كل صغير ذكراً وأنثى ديناراً واحدا. فمن أحضر قطيعته نجى بنفسه وإلا أخذ أسيراً، وأخرج - عن كل من كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقاً، وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال، ويحبوها الفقهاء والعلماء والزاهدين والوافدين عليه، وقد تقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه، وهي مدينة عظيمة، ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جيء له شيء، وكان يقارب مائتي ألف ألف دينار وعشرين ألفاً. ولما فتح القدس حسن عنده قصد صور، وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليها. فسار نحوها حتى أتى عكا، فنزل عليها. ونظر في أمورها، ثم رحل عنها متوجهاً الى صور، فنزل قريباً منها، وأرسل بإحضار آلات القتال، فلما تكاملت عنده نزل عليها، وقاتلها وضايقها في البر والبحر، ثم أسروا من المسلمين المقدم الرئيس وخمس قطع من المسلمين، وقتلوا خلقاً كثيراً من رجال المسلمين، فعظم ذلك على السلطان وضاق صدره - وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار - وامتنع الناس من القتال لكثرة الامطار فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بالرحيل ليستريح الرجال، ويتجمعوا للقتال. فرحلوا عنها وجمعوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله. ثم خرج السلطان صلاح الدين وسار إلى بلاد العدو، ومعه عماد الدين صاحب سنجار، ومظفر الدين بن زين الدين، وعسكر الموصل قاصدين خدمته والغزاة معه، فسار نحو حصن الأكرا، ودخل بلاد العدو حتى وصل إلى طرطو، فوقف قبالتها ينظر إليها، والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر، وهي مدينة لها برجان كالقلعتين، فركبوا
стр. 1033
وقاربوا البلد، وزحفوا واشتد القتال وباعثوها، وصعد المسلمون سورها، وأخذوها بالسيف، وغنموا
جميع من بها وما فيها، وأحرقوا البلد. ثم سار يريد جبل، فما استتم نزول العسكر حتى أخذوها، وقوتل في القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان. ثم لم يزل يأخذ بلداً بعد بلد، وقلعة بعد قلعة، ويقتل ويأسر ويغنم حتى بلغ إلى برزية - وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعاً، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلداً بعد بلد حتى قرب من أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر، وكان الصلح معهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد. ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب وأقام بالقلعة ثلاثة أيام - وولده يقوم بالضيافة حق القيام - ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين - ابن أخيه - وأصعده إلى قلعة حماة، وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنى سماع الصوفية، وبات ليلة واحدة، وأعطاه جبلة وبلدة أخرى، ثم سار على طريق بعلبك، ودخل دمشق وأقام بها أياماً، ثم سار يريد صف، فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان، ثم سلمت له الكرك، ثم سار إلى كوك، وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة - والأمطار متواترة، والوحول متضاعفة، والرياح عاصفة، والعدو متسلط لعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان، فأجابهم إليه وتسلمها منهم. ثم نزل إلى الغو، وأقام بالمخيم مدة الأيام، وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه في توجهه إلى مصر، فدخل القدس، وصلى بها عيد الأضحى، وتوجه إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق فأقام بها شهر ربيع الأول ثم خرج إلى شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يعشر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، واكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلابه، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات لا حاجة للتطويل بذكرها، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين، فأنشده: يع من بها وما فيها، وأحرقوا البلد. ثم سار يريد جبل، فما استتم نزول العسكر حتى أخذوها، وقوتل في القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان. ثم لم يزل يأخذ بلداً بعد بلد، وقلعة بعد قلعة، ويقتل ويأسر ويغنم حتى بلغ إلى برزية - وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعاً، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلداً بعد بلد حتى قرب من أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر، وكان الصلح معهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد. ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب وأقام بالقلعة ثلاثة أيام - وولده يقوم بالضيافة حق القيام - ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين - ابن أخيه - وأصعده إلى قلعة حماة، وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنى سماع الصوفية، وبات ليلة واحدة، وأعطاه جبلة وبلدة أخرى، ثم سار على طريق بعلبك، ودخل دمشق وأقام بها أياماً، ثم سار يريد صف، فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان، ثم سلمت له الكرك، ثم سار إلى كوك، وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة - والأمطار متواترة، والوحول متضاعفة، والرياح عاصفة، والعدو متسلط لعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان، فأجابهم إليه وتسلمها منهم. ثم نزل إلى الغو، وأقام بالمخيم مدة الأيام، وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه في توجهه إلى مصر، فدخل القدس، وصلى بها عيد الأضحى، وتوجه إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق فأقام بها شهر ربيع الأول ثم خرج إلى
стр. 1034
شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يعشر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، واكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلابه، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات لا حاجة للتطويل بذكرها، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين، فأنشده:
اقتلاني ومالكاً ... وإقتلا مالكاً معي
يريد بذلك أنه قد رضي أن أتلف إذا أتلف الله أعداءه. قيل: وهذا البيت له سبب، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي تماسك هو وعبد الله بن الزبير يوم الجمل، وكل واحد منهما من الأبطال المشهورين، وكان ابن الزبير مع خالته عائشة - رضي الله تعالى عنها - والأشتر مع علي ﵁ وكان كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته، وفعلا ذلك مراراً وابن الزبير ينشد البيت المذكور، وقيل إن الأشتر دخل على عائشة - رضي الله تعالى عنها - بعد وقعة الجمل فقالت: يا أشتر، أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة. فأنشدها:
стр. 1035
أعايش؛ لولا أنني كنت طاوياً ... ثلاثاً لألقيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوت اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا
وقيل إن عائشة رضي الله تعالى عنها أعطت البشارة على سلامة ابن الزبير من الأشتر
عشرة آلاف درهم، وان ابن الزبير قال: لاقيت الأشتر النخعي، وما ضربته ضربة إلا ضربني ستاً أو سبعاً. والله أعلم. رجعنا إلى ما كنا فيه. ثم إن الفرنج جاءتهم الأمداد من البحر، واستظهروا على المسلمين بعكا، فضاق المسلمون من ذلك، وعزموا على صلح الفرنج بأن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمس مائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم، ويخرجوا بأنفسهم وما معهم سالمين من الأموال والأقمشة مختصة بهم، وذراريهم ونسأئهم، وكتبوا بذلك كتباً فلما علم السلطان أنكره إنكاراً عظيماً، وعظم عليه هذا الأمر وعزم على أن يكتب إليهم في الإنكار عليهم المصالحة على هذا الوجه، وبقي متردداً في هذا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حربهم، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب. وذكر بعضهم أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها، وساروا على الساحل - والسلطان وعساكره قبالتهم، وكان بينهم قتال عظيم، ونال المسلمين منه وهن شديد - فاستشار السلطان أرباب مشورته في خراب عسقلان خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس، وينقطع بها طريق مصر، فاتفق رأيهم على ذلك، فشرع في خرابها، فلحق الناس من خرابها حزن عظيم، واشتد على أهل البلد ذلك، وعظم فراق أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدورن على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم، وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد، واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم، وتشتتوا، فذهب بعضهم إلى مصر وبعضهم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة. ثم وصل خبر من جانب الملك العادل أن الفرنج قد تحدثوا معه في الصلح، وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم ما في النفوس من الضجر، وكثرة ما هم عليهم من الديون. وكتب إليه بالإذن بذلك وتفويض الأمر إلى رأيه، وحث الناس على العجلة في الخراب المذكور خوفاً من هجوم الفرنج، وأمر بإحراق البلد، فأضرمت النيران في بيوته، وكان سورها عظيماً، ولم يزل الحريق يعمل في البلد من عشرين
стр. 1036
في شعبان إلى سلخه، وأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه. قال بعض الرواة: ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه للإحراق، ثم خرج إلى اللد وأمر بإخرابها وإخراب القلعة التي بالرمل، ففعل ذلك، والتمس بعض أكابر ملوك الفرنج أن يجتمع بالسلطان صلاح الدين بعدما اجتمع بأخيه الملك العادل، فاستشار صلاح الدين أصحابه من أكابر دولته في ذلك، فوقع الاتفاق على أن ذلك يكون بعد الصلح، ثم قال السلطان صلاح الدين: متى صالحنا هم لم نأمن غائلتهم، ولو حدث لي حادث الموت كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى على الفرنج، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل، أو يأتينا الموت. ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح، وجرت وقعات كثيرة، ثم وقع الصلح بينهم، ثم أعطى العساكر الواردة عليه المنحدرة من البلاد البعيدة الدستور، فساروا عنه، وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة، وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وجاؤوهم الى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلدان، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس، وتوجه السلطان إلى القدس، وأخوه الملك العادل إلى الكرك وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه الملك الأفضل إلى دمشق، وأقام هو في القدس يقطع الناس ويعطيهم دستوراً، ويتأهب إلى المسير إلى الديار المصرية وانقطع عزمه عن الحج، ثم قوي عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويتفقد القلاع ويدخل دمشق ويقيم بها أياماً، ويعود إلى القدس ومنه الى الديار المصرية. وقال ابن خلكان: قال شيخنا ابن شداد: وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به وتكميل المدرسة التي انشأها، فلما فرغ من افتقاده أحوال القلاع دخل دمشق وفيها أولاده: الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر مظفر الدين وأولاده الصغار، وجلس للناس يوم الخميس السابع والعشرين من شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، وحضروا عنده وبلوا شوقهم منه، وأنشد الشعراء فلم يتخلف منه أحد من الخاص والعام، وأقام بنشر جناح عدله وبهطل سحاب إنعامه وفضله، ويكشف عن مظالم الرعاياء. عمل الملك
الأفضل دعوة للملك الظاهر أظهر فيها من الهمم المالية ما يليق بهمته، وسأل السلطان الحضور فحضر عند الغلبة، وكان يوماً مشهوداً. وسار الملك العادل فوصل إلى دمشق، فخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيده وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الظباء - وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه - ونسي عزمه إلى مصر، وركب يوم الجمعة الخامس عشر صفر ليلقى الحاج، وكان ذلك آخر ركوبه. ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، غشيته الحمى في أثناء الليل، ولم يظهر ذلك للناس وأثرها ظاهر عليه، ثم أخذ المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح للسابع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة في أول ترجمته. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة عظيمة، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير. ولما أخرج تابوته ارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج، وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه إرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها على ما ذكره بعض المؤرخين وذكر بعضهم أنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها في يوم عاشوراء - كان يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام. ل دعوة للملك الظاهر أظهر فيها من الهمم المالية ما يليق بهمته، وسأل السلطان الحضور فحضر عند الغلبة، وكان يوماً مشهوداً. وسار الملك العادل فوصل إلى دمشق، فخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيده وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الظباء - وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه - ونسي عزمه إلى مصر،
стр. 1037
وركب يوم الجمعة الخامس عشر صفر ليلقى الحاج، وكان ذلك آخر ركوبه. ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، غشيته الحمى في أثناء الليل، ولم يظهر ذلك للناس وأثرها ظاهر عليه، ثم أخذ المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح للسابع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة في أول ترجمته. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة عظيمة، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير. ولما أخرج تابوته ارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج، وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه إرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها على ما ذكره بعض المؤرخين وذكر بعضهم أنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها في يوم عاشوراء - كان يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
تغمده الله تعالى برحمته، كان من محاسن الدنيا وغرائبها. ومن مصالح الأمور الدينية، ودفع نوائبها، وذكر بعضهم أنه لم يخلف في خزائنه ذهباً ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهماً مصرية وخرصاً واحداً من الذهب صورياً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا بستاناً. وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى والد الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها رسالة بديعة مشتملة على معان رفيعة مع الإيجاز الفائق والنطق الرائق، في حالة يذهل فيها الإنسان عن نفسه، والخطب الذي صير الضرغام في رمسه، وهي: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف - في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الخناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضياً عن الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا يملك رد القضاء. ويدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا فما يحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع
стр. 1038
اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم - والسلام. وقد تقدم ذكر أولاده وهم: الأفضل والظاهر والعزيز - وهو الملقب بالظافر فيما تقدم - ويعرف بالمشمر لأن أباه لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر، فغلب عليه هذا اللقب، وتوفي في سنة سبع وعشرين وستمائة بحران عند ابن عمه الملك الأسرف بن الملك العادل، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكاً. ثم إن ولده الملك العزيز لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب القبة المذكورة المدرسة العزيزية، ووقف عليها وقفاً جيداً، ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية عمر بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه -. وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الإمام الحسين بن علي - رضي الله تعالى عنهما - وجعل على ذلك وقفاً جيداً، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاً، ووقف عليها وقفاً طائلاً، وجعل دار عباس بن السلار مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد أيضاً والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين النجار وقفاً على الشافعية وقفاً جيداً أيضاً، وله بمصر أيضاً مدرسة للمالكية، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستان، وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة وقفها كثير خانقة بها. قلت: وصلاح الدين كاسمه لما فتح من بلاد الكفار وعمرها بالإسلام، وما له من محاسن الأحكام، وفعل من المعروف في الأوقاف العظيمة ما تضمن النفع العام - فالله تعالى يقدس روحه وينور ضريحه - مع أن كثر هذه الوقوفات من المدارس وغيرها غير منسوبة إليه في الظاهر، ولا يعرف أنه أنشأها إلا من له اطلاع على علم التواريخ. قالوا: وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العضيم والمرتبة المرتفعة كثير التواضع واللطف، قريباً من الناس رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويحسن إليهم، ويميل إلى الفضائل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجالسه، حتى قيل إنه كان كثيراً ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين الحميري، وقيل إنه قول أبي محمد أحمد بن خيران الشامري:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة، وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاً ... وكاد يهتك سر الحب بي شغفا
ثم انتبهت، وآمالي تخيل لي ... نيل المنى، فاستحالت غبطتي أسفا
قيل: وكان يعجبه ايضاً إنشاد أبي الحسن المعروف بابن المنخم.
стр. 1039
وما خضب الناس البياض لقبحه ... فأقبح منه حين يظهر ناضله
ولكنه مات الشباب فسودت ... على الرسم من حزن عليه منازله
فكان يمسك بكريمته وبنظر إليها ويقول: إي والله، مات الشباب. وأرسل إليه بعض الشعراء بقصيدتين من بغداد، قال في آخر إحداهما:
يا سلم، إن ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الذي استودعت غير أمين
أوعدت مغبوناً فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبون
ومن البلية أن تكون مطالبي ... جدوى نخيل أو وفاء خؤون
ليت الظنين على المحب بوصله ... أخذ السماحة من صلاح الدين
ومما قيل فيه لبعض شعراء المشرق.
الله أكبر جاء القوس باريها ... ورام أسهم دين الله راميها
فكم لمصر على الأمصار من شرف ... بيوسفين وهل أرض تدانيها؟
فبابن يعقوب هزت جيدها طرباً ... وبابن أيوب هزت عطفهاتيها
قل للملوك تخلي عن ممالكها ... فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
فلما أنشده إياها أعطاه ألف دينار. ومدحه المهذب أبوحفص عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها.
سلام مشوق قد يراه التشوق ... على خيره الحي الذي يتفرق
وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً، وفيها البيتان السائران اللذان ثمثل بهما مدعي الأشجان مع بعد المكان، أحدهما.
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وهذا البيت أخذه من قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة:
وقالت لي الأيام إن كنت واثقاً ... بأبناء أيوب فأنت الموفق
وقد مدحه خلق كثير من الشعراء تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته.
стр. 1040
سنة تسعين وخمس مائة
فيها سار بعض ملوك الهند وقصد بلاد الإسلام، فطلبه شهاب الدين صاحب غزنة، فالتقى الجمعان على نهر ماخون. قال ابن الاثير: وكان مع الهندي سبع مائة فيل، ومن العسكر ألف ألف نفس على ما قيل، فصير الفريقان وكان النصر لشهاب الدين الغوري. وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدين سبعين فيلاً، وقتل ملكهم، وكان قد شد أسنانه بالذهب، فما عرف إلا بذلك، وكان أكبر ملوك الهند. ودخل بلاده شهاب الدين وأخذ من خزائنه ألف حمل وأربع مائة حمل، وعاد إلى غزنة، ومن جملة الفيلة فيل أبيض. وفيها توفي الفقيه العلامة الشافعي القزويني الواعظ أبو الخير أحمد بن اسماعيل الطالقاني. قدم بغداد ودرس بالنظامية، وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والوعظ. وروى كتباً وكباراً، ونفق كلامه بحسن سمته وحلاوة منطقه وكثرة محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة، كبير الشأن عديم النظير. رجع إلى قزوين سنة ثمانين، ولزم العبادة إلى أن مات في محرم السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الإمام المقرىء أحد الأعلام أبو محمد القاسم بن فيرة بن خلف الرعيني الشاطبي الضرير، صاحب القصيدة المشهورة المباركة الموسومة بحرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، حقق القراءات على غير واحد من أثمة القراء، وسمع الحديث من طائفة من المحدثين، وكان إماماً وعلامة محققاً، كثير الفنون واسع الحفظ، نظم القصيدتين اللتين سارت بهما الركبان وخضعت لبراعة نظمهما فحول الشعراء وأئمة القراء والبلغاء، وكان ثقة زاهداً ورعاً كبير القدر، نزل القاهرة وتصدر للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وشاع أمره وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء. وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيراً وبحديث رسول الله ﵌ وكان إذا قرىء عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظ، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفاً بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل، ولا يجلس
стр. 1041
للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة، وتخشع واستكانة، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية. لا يزيد على ذلك. وقال بعض اصحابه: كان الشيخ كثيراً ما ينشد هذا اللغز في نعش الموتى، وهو في ديوان الخطيب يحيى بن سلامة الخصلفي - بالخاء المعجمة والصاد المهملة والفاء بين اللام وياءالنسبة.
أتعرف شيئاً في السماء نظيره ... إذا صار سار الناس حيث يسير
فتلقاه مركوباً وتلقاه راكباً ... وكل أمير يعتر به أسير
يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يسترد عن غربة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور
وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة وخطب ببلده وهو فتى، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وكان يقال إنه يحفظ عند دخوله إليها وقر بعير من العلوم، وكان نزيل القاضي الفاضل، رأيته بمدرسة بالقاهرة مصدراً لإقراء القرآن الكريم والنحو واللغة إلى أن توفي، فدفن في تربة قاضي المذكور بالقرافة الصغرى. وفيرة بكسر الفاء وسكون المثناة من تحت وتشديد الراء والرعيني بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ياء النسبة: نسبة إلى ذي رعين: وهذا جد قبائل اليمن، نسب إليه خلق كثير، ومن جملتهم يافع جد قبيلتنا الكبير الشهيرة. الشاطبي - نسبة الى شاطبة مدينة كبيرة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، وقيل أبو القاسم هو اسم الشاطبي، وكنيته اسمه، والصحيح ما تقدم. وفي السنة المذكورة توفي أبو شجاع محمد بن علي المعروف بابن الدهان البغدادي الفرضي الحاجب الأديب. له أوضاع بالجداول في الفرائض وغيرها، وصنف غريب الحديث في ستة عشر مجلداً الطافاً، رمز فيها حروفاً يستدل بها على اماكن الكلمات المطلوبة منه. وكان قلمه أبلغ من لسانه، وجمع تاريخاً وغير ذلك وله يد طولى في معرفة النجوم وحل الأزياج، وله شعر جيد منه ما كتبه إلى بعض الرؤساء، وقد عوفي من مرضه:
تذر الناس يوم برئك صوماً ... غير أني نذرت وحدي فطرا
عالماً أن يوم برئك عيد ... لا أرى صومه ولو كان نذرا
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن ابراهيم الانصاري المالقي، صاحب الإمام
стр. 1042
ابن العربي كان إماماً معروفاً يسرد المتون والأسانيد عارفاً بالرجال واللغة ورعاً جليل القدر، طلبه من السلطان ليسمع بمراكش، فمات بها. وفيها توفي الشيخ الكبير قدوة العارفين وأستاذ المحققين، صاحب الكرامات الخارقة والانفاس الصادقة، والمقامات العلية والأحوال السنية، والهمم السامية والبركات النامية، والمعارف الجليلة والمواهب الجزيلة، والقدم الراسخ والمنهج المحمود، والباع الطويل في التصرف النافذ في الوجود، والمظهر العظيم والمحل الكريم أبو مدين شعيب بن الحسن، وقيل ابن الحسين المغربي - قدس الله روحه - أحد أركان هذا الشأن وأجمل الأكابر الأعيان، أظهر الله على يديه عجائب الآيات، ونطقه بفنون الحكم وكشف له الأسرار المغيبات، ورزقه القبول العظيم التام، والهيبة الوافرة في قلوب الأنام، ونشر ذكره في الآفاق وانعقد الإجماع على فضله، واجتمع عنده جمع كثير من الفقهاء والصلحاء، وتخرج به جماعة من أكابر المشايخ الأصفياء، مثل الشيخ أبي محمد عبد الرحيم القنادي، والشيخ أبي عبد الله القرشي، والشيخ أبي محمد عبد الله الفارسي، والشيخ أبي محمد صاحب الدكالي، والشيخ أبي غانم سالم، والشيخ أبي علي واضح، والشيخ أبي الصبر أيوب المكناسي، والشيخ أبي محمد عبد الواحد، والشيخ أبي الربيع المظفري، والشيخ أبي زيدين هبة الله وغيرهم من العلماء. وتلمذ له خلق كثير من أهل الطريق، وقال بارادته جم غفير من أصحاب الأحوال، وانتهى إليه عالم عظيم من الصلحاء وتأدب بين يديه المشايخ والعلماء، وله كلام نفيس على لسان أهل الحقائق، وكرامات عظام باهرات وخوارق. فمن كلامه: أغنى الأغنياء من أبدى له الحق حقيقة من حقه، وأفقر الفقراء من ستر الحق حقه عنه ومنه إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره، وليس للقلب سوى وجهة واحدة، فإلى أي جهة توجه حجب عن غيرها، واذا سكن الخوف القلب أورثه المراقبة، ومن تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الافتراء، وما وصل إلى صريح الحرية من عليه من نفسه بقية. ومن كراماته ما روي أنه كان يوماً ماراً على الساحل فاعترضه طائفة من الفرنج، وحملوه معهم أسيراً إلى سفينة عظيمة لهم، فلما صار فيها إذا جماعة من المسلمين أسارى، فأخذوهم وفيها جعلوهم، فلما استقر الشيخ المذكور فيها مدوا قلوعها وعزموا على المسير، فلم تذهب بهم السفينة، ولا تحركت من مكانها - على قوة الريح وشدة هبوبها وهيجانها - فلما أيقنوا أنهم على المسير لا يقدرون، وخافوا أن يدركهم المسلمون قال بعضهم لبعض: هذا بسبب هذا المسلم ولعله من أصحاب السرائر - يشيرون إلى الشيخ المذكور - فعند ذلك أمروه بالنزول فقال: لا أفعل حتى تطلقوا كل من في سفينتكم من المسلمين، فلما علموا أن
стр. 1043
لابد لهم من ذلك الذي قال فعلوا وسارت بهم السفينة في الحال، ومن شعره:
يا من علا فرأى ما في الغيوب وما ... تحت الثرى، وظلام الليل منسدل
أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه ... أنت الدليل لمن حارت به الحيل
إنا قصدناك والآمال واثقة ... والكل يدعوك ملهوف ومبتهل
فإن عفوت فذو فضل وذو كرم ... وإن سطوت فأنت الحاكم العدل
ومما أنشد بعض العلماء والصلحاء في مدحه من أهل المغرب.
تبدت لنا اعلام علم الهدى صدقا ... فسار بشمسى الدين مغربنا شرقا
وأشرق منها كل ما كان آفلاً ... وأصبح نور السعد قد ملأ الأفقا
صحب الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبا العز المغربي، وكمل على يديه، وكان سلطان المغرب في زمانه قد أمر بإشخاصه إليه، فلما وصل إلى تلمسان قال: ما لنا وللسلطان! الليلة نزور الإخوان، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهد وقال: ها قد جئت، ها قد جئت، وعجلت إليك رب لترضى. فمات ودفن في جبانة العباد، وقد ناهز الثمانين. وقبره بها ظاهر للزائرين، ﵁ وعن سائر الصالحين. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير إمام العارفين: جاكير: صاحب الفتح السني والكشف الجلي، والكرامات الباهرة والأحوال الفاخرة والمقامات العلية والأنفاس الزكية، والتصريف النافذ في العوالم، ومحاسن الأوصاف، وجميل الشيم والمكارم، والمعارف. كان تاج العارفين - رضي الله تعالى عنه - يثني عليه وينوه بذكره وبعث إليه طاقيته مع الشيخ علي ابن الهيتي، ولم يكلفه الحضور وقال: سألت الله تعالى أن يكون جاكير من مريدي، فوهبه لي. وكان رضي الله تعالى عنه يقول: ما أخذت العهد على أحد حتى رأيت اسمه مرقوماً في اللوح المحفوظ من جملة مريدي. وقال أيضاً أوتيت سيفاً ماضي الحد، أحد طرفيه بالمشرق والآخر بالمغرب، لو أشير به إلى الجبال الشوامخ لهوت. وروى الشيخ أبو الحسن علي ابن الشيخ الصالح ابن الشيخ العارف أبي الصبر يعقوب قال: أخبرنا أبي قال: سمعت والدي يقول: كانت نفقة شيخنا الشيخ جاكير بالجيم والمثناة من تحت بين الكاف والراء - رضي الله تعالى عنه من الغيب، وكان نافذ التصرف خارق الفعل متواتر الكشف، يندر له كثير. وكنت عنده يوماً فمرت به بقرات مع راعيها فأشار إلى إحداهن وقال: هذه حامل
стр. 1044
بعجل أحمر أغر، صفته كذا، يولد وقت كذا من يوم كذا، وهو نذر لي، ويذبحه الفقراء يوم كذا، ويأكله فلان وفلان، ثم أشار إلى الأخرى وقال: هذه حامل بأنثى، ومن صفتها كذا تولد وقت كذا، وهي نذر لي، ويذبحها فلان رجل من الفقراء يوم كذا، ويأكلها فلان وفلان، ولكلب أحمر فيها رزق. قال: فوالله لقد جرت الحال على ما وصف، ولم يخل منها بشيء، ودخل كلب أحمر إلى الزاوية، واختطف قطعة من لحم الأنثى وذهب بها. ومن كلامه - رضي الله تعالى عنه - إذا قدحت نار التعظيم مع نور الهيبة في زناد السر تولد منها شعاع المشاهدة، فمن شاهد الحق في سره سقط الكون من قلبه. وأصله من الأكراد، سكن صحراء من صحارى العراق بالقرب من قنطرة الرصاص على يوم من سامرا، ولم يزل مستوطناً بها إلى أن مات بها، وقبره بها ظاهر يزار يؤمه من البعد الزوار، قد عمر الناس عنده قرية، رغبة في مجاورته والتماساً منهم لبركته.
سنة احدى وتسعين وخمس مائة
فيها كانت وقعة الزلاقة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ملك الفرنج، فدخل يعقوب وغدا من زقاق سبتة في مائة ألف غير المطوعة، وأقبل الكافر عدو الله في مائتي ألف وأربعين ألفاً فانتصر بحمد الله الإسلام، وانهزم الكلب في عدد يسير، وقتل من الفرنج على ما أرخ أبو شامة وغيره مائة ألف وستة وأربعون ألفاً، وأسر ثلاثون ألفاً، وغنم المسلمون غنيمة لم يسمع بمثلها، حتى بيع السيف بنصف درهم، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وذلك في تاسع شعبان من السنة المذكورة. وفيها سار الملك العزيز ولد صلاح الدين من مصر، فنزل بحوران لياخذ دمشق من أخيه الأفضل، فاتخذ الأفضل عمه العادل، فرجع العزيز، وتبعاه، فدخل القاضي الفاضل في الصلح بينهم، وأقام العادل بمصر. وفيها توفي الحافظ القدوة الإمام أحد العلماء الأعلام أبو محمد عبد الله الأندلسي الزاهد: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله المرسي، سمع فأكثر على أبي الحسن بن مغيث وابن العربي والكبار، وتفنن في العلوم، وبرع في الحديث، وطال عمره، وشاع ذكره، وكان قد سكن سبتة فاستدعاه السلطان إلى مراكش ليسمع.
стр. 1045
سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة
فيها قدم العزيز دمشق مرة ثالثة ومعه عمه العادل، فحاصرا دمشق، ثم حاصر جند الأفضل عليه، ففتحوا لهما ودخلا في رجب، وزال ملك الأفضل، ورجع العزيز، وبقي العادل بدمشق وخطب بها للعزيز قليلاً. وفيها توفي الشيخ السديد شيخ الطب بالديار المصرية الملقب شرف الدين عبد الله بن علي. أخذ الصناعة عن الموفق بن زربي - بالزاي ثم الراء ثم الموحدة وياء النسبة - وخدم العاضد صاحب مصر، ونال الحرمة والجاه العريض، وعمر دهراً، وأخذ عنه النفيس بن الزبير. وحكي أنه حصل له في يوم ثلاثون ألف دينار، وحكى عنه تلميذه أبن الزبير أنه لما ظهر ولدي الحافظ لدين الله حصل له نحو خمسين ألف دينار. وفيها توفي الحبر الإمام أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي ثم البغدادي الفقيه الشافعي، أحد الأذكياء المناظرين المشار إليه في زمانه، والمقدم على أقرانه، درس بالنظامية، وقم دمشق، بنيت له مدرسة جاروخ - بالجيم في أوله والخاء المعجمة في آخره - ثم توتجه إلى شيراز وبنى له ملكها مدرسة، ثم أحضره ابن القضاب وقدمه. وفيها توفي أبو الغنائم محمد بن علي معروف بابن المعلم الشاعر المشهور، كان شاعراً رقيق الشعر لطيف الطبع، يكاد شعره يذوب من رقته، وهو أحد من اشتهر شعره وانتشر ذكره، ونبل بالشعر قدره، وحسن به حاله وأمره، وطال في نظمه عمره، وساعده على قبوله دهره، وأكثر القول في الغزل والمدح وفنون المقاصد، وكان سهل الألفاظ صحيح المعاني، يغلب على شعره وصف الشوق والحب وذكر الصباية والغرام، فعلق بالقلوب، ولطف مكانه عند أكثر الناس ومالوا إليه وتحفظوا وتداولوه بينهم، واستشهد به الوغاظ واستحلاه السامعون. قال ابن خلكان: سمعت من جماعة من مشايخ البطائح يقولون: ما سبب لطافة شعر ابن المعلم؟! ألا أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء المنتسبون إلى الشسخ أحمد بن الرفاعي، وغنوا بها في سماعاتهم، فطابوا عليها، فعادت عليه بركة أنفاسهم. قال: ورأيتهم يعتقدون ذلك اعتقاداً لا شك فيه عندهم، قال: وبالجملة، فشعره شبيه النوح، ولا يسمعه من عنده أدنى هوى إلا وهاج غرامه. قال: وكان بينه وبين ابن التعاويذي الشاعر المتقدم
стр. 1046
ذكره تنافس، وهجاه ابن التعاويذي بابيات أجاد فيها. ومن شعر ابن المعلم:
ردوا علي شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكم بذاك الجزع من متمتع ... هزت معاطفه بغصن البان
أبدى قلونه بأول موعد ... ومن الوفاء لنا بوعد ثان
فمتى اللقاء ودونه من قومه ... أبناء معركة وأسد طعان
تعلو الرماح وما أظن أكفهم ... خلقت لغير ذوابل المران
وتقلد وابيض السيوف فما ترى ... في الحي غير مهند وسنان
ولئن صددت، فمن مراقبة العدا ... ما الصد عن ملك ولا سلوان
يا ساكني نعمان أين زماننا ... بطويلع يا ساكني نعمان
وحكي عن ابن المعلم المذكور أنه قال: كنت ببغداد فاجتزت يوماً بالموضع الذي يجلس فيه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي الواعظ، فرأيت الخلق مزدحمين، فسألت بعضهم عن سبب ازدحامهم فقال: هذا ابن الجوزي الواعظ جالس. - ولم أكن علمت بجلوسه - فزاحمت وتقدمت حتى شاهدته، وسمعت كلامه وهو يعظ حتى قال مستشهدا على بعض إشاراته؛ ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول:
يزداد في مسمعي تكرار ذكركم ... طيباً وبحسن في عيني تكرره
فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده بهذا البيت من شعري، ولم يعلم بحضوري لا هو ولا غيره من الحاضرين.
سنة ئلاث وتسعين وخمس مائة
فيها افتتح العادل يافا، وفيها أخذت الفرنج من المسلمين بيروت، وهرب أميرها الى صيدا. وفيها توفي سيف الإسلام الملك العزيز طغتكين بن أيوب بن شاذي صاحب اليمن. كان أخوه الملك الناصر صلاح الدين لما ملك الديار المصرية قد سير أخاه شمس الدولة إلى بلاد اليمن، فدخلها واستولى على كثير من بلادها ثم رجع عنها على ما هو مذكور في ترجمته في سنة ست وسبعين وخمسمائة، ثم سير السلطان صلاح الدين إليها بعد ذلك أخاه سيف الإسلام، وذلك في سنة سبع وسبعين وخمس مائة وكان رجلاً شجاعاً كريماً مشكور
стр. 1047
السيرة وحسن السياسة، مقصوداً من البلاد الشاسعة لاحسانه وبره. وكانت وفاة سيف الإسلام بالمنصورة مدينة اختطها باليمن، وتولى بعده ولده الملك المعز فتح الدين اسماعيل الذي سفك الدماء وظلم وعسف وادعى أنه أموي. وللمعز المذكور صنف أبو الغنائم مسلم بن محمود الشيرازي كتابه الذي سماه: عجائب الأسفار وغرائب الأخبار وأودع فيه من أشعاره وأخبار الناس كثيراً. وذكر بعضهم أنه مات بالحمراء من بلاد اليمن، وذكر أبو الغنائم في كتابه جمهرة الإسلام ذات النثر والنظم وأنه مات بثغر ودفن بها في المدرسة، ثم قال: وقتل ولده فتح الدين أبو الفداء اسماعيل في رجب سنة ثمان وتسعين بمكان شامي زبيد، وتولى مكانه أخوه الملك الناصر أيوب. وكان أبو الغنائم المذكور أديباً شاعراً، وكان أبوه أبو الثناء محمود نحوياً متصدراً الإقراء النحو بجامع دمشق، ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال ابن عنين: أنشدني محمود المذكور لنفسه:
يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا واحد غير مفترى
إذا صح الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد يوجد في القري
وفيها توفي الوزير عبد الله بن يونس البغدادي، تفقه واشتغل بالأصول والكلام وقرأ القراءات وسمع من أبي الوقت، وصنف كتاباً في الكلام والمقالات، ثم توكل لأم الخليفة، فترقى وعظم قدره، وولى وزارة الناصر لدين الله.
سنة اربع وتسعين وخمس مائة
فيها استولى علاء الدين خوارزم شاه على بخار، وكانت للمعين صاحب الخطا، وجرى له معه حروب وخطوب، ثم انتصر علاء الدين وقتل خلقاً من الخطا. وفيها توفي السيد الكبير أبو علي الحسن بن مسل، المشار إليه في العراق في زمانه. ويقال إنه كان من الأبدال، زاره الخليفة الناصر غير مرة، وتفقه وسمع من أبي البدر الكرخي، وكان كثير البكاء دائم المراقبة متبتلاً في العبادة مشهوراً برفض الدنيا، بلغ التسعين رحمة الله تعالى
стр. 1048
عليه. وفيها توفي صاحب سنجار الملك عماد الدين زنكي بن مودود، تملك حلب بعد ابن عمه الصالح اسماعيل، فسار صلاح الدين ونازله، ثم أخذ منه حلب وعوضه بسنجار، وكان عادلاً متواضعاً، وتملك بعده ابنه قطب الدين محمد. وفيها توفي قوام الدين يحيى بن سعيد الواسطي المعروف بابن الزياد صاحب ديوان الإنشاء ببغداد انتهت إليه رئاسة الترسل، مع معرفته بالفقه والأصول والكلام والنحو والشعر، أخذ عن ابن الجواليقي، وحدث عن القاضي الأرجاني وغيره، وولي نظر واسط، ثم ولي حجابة الحجاب.
سنة خمس وتسعين وخمس مائة
وفيها بعث الخليفة خلع السلطنة لخوارزم شاه. وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس، وبقي في المطمورة خمس سنين. كذا ذكر الذهبي، ولم يبين لأي سبب سجن. وكنت قد سمعت فيما مضى أنه حبس بسبب الشيخ عبد القادر، بأنه كان ينكر عليه، وكان بينه وبين ابنه عداوة بسبب الإنكار المذكور. وأخبرني من وقف على كتاب له ينكر على قطب الأولياء. وتاج المفاخر الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر الشيخ محيي الدين عبد القادر - قدس الله تعالى روحه ونور ضريحه - وإنكار ابن الجوزي عليه وعلى غيره من الشيوخ أهل المعارف والنور من جملة الخذلان وتلبيس الشيطان والغرور. والعجب منه في انكاره عليهم وبمحاسنهم يطرز كلامه فقد ملأت - والحمد لله - محاسنهم الوجود، فلا مبالاة بذم كل مغرور وحسود. قال الذهبي: وفيها فتنة الفخر الرازي صاحب التصانيف. وذلك أنه قدم هراة، ونال إكراماً عظيماً من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع يوماً هو والقاضي مجد الدين ابن القدوة، فناظرا، ثم استطال فخر الدين على ابن القدوة وشتمه، ونال منه ما خرج فيه إلى الإهانة له. فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدين فوعظ الناس وقال: ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس؛ ما نقول إلا ما صح عن رسول الله ﵌ وأما قول أرسطو أو كفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله؟ وبكى فأبكى الناس، وضجت الكرامية وثاروا من كل ناحية، وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند وسكتهم، وأمر الرازي بالخروج. قلت: هكذا ذكر من المؤرخين من له غرض في الطعن
стр. 1049
على أئمة الأشعرية. ثم أتبع ذلك بقوله. وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني. وكان أماراً بالمعروف داعية إلى السنة فقامت عليه الأشعرية وأفتوا بقتله، فأخرج من دمشق مطروداً. انتهى كلامه بحروفه في القصتين معاً. ومذهب الكرامية والظاهرية معروف، والكلام عليهما إلى كتب الأصول الدينية مصروف، فهنالك يوضح الحق البراهين القواطع، ويظهر الصواب عند كشف النقاب للمبصر والسامع. وفيها مات العزيز صاحب مصر أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين. وكان شاباً ذا كرم وحياء وعفة. قالوا: وبلغ من كرمه أنه لم يبق له خزانة، وبلغ من عفته أنه كان له غلام بألف دينار، فحل لباسه، ثم أدركه التوفيق فتركه، وأسرع إلى سرية له فقضى حاجته منها. وأقيم والده علي، فاختلف الأمراء، وكان بعضهم للأفضل، فسار إلى مصر، ثم سار بالجيوش ليأخذ دمشق من عمه، فوقع الحصار، ثم دخل الأفضل من باب السلامة، وفرحت به العامة وحوصرت القلعة مد. وفيها صلب بدمشق إنسان زعم أنه عيسى ابن مريم، وأضل طائفة، فأفتى العلماء بقتله. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي المعروف بابن رشد. تفقه وبرع وسمع الحديث، وأتقن الطب، ثم أقبل على الكلام والعلوم الفلسفية حتى صار يضرب به المثل فيها، وصنف التصانيف، وكان ذا ذكاء مفرط وملازمة للاشتغال ليلاً ونهاراً. وتآليفه في الفقه والطب والمنطق والرياضي والإلهي. وكانت وفاته بمراكش. وفيها توفي شيخ الطب وجالينوس العصر محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي الإشبيلي أخذ الصناعة عن أبي العلاء زهير بن عبد الملك، وبرع ونال تقدماً وحظوة عند السلاطين، وحمل الناس عنه تصانيفه. وكان جواداً ممدحاً محتشماً كثير العلم قيل: إنه حفظ صحيح البخاري كله، وحفظ شعر ذي الرمة، وبرع في اللغة. توفي بمراكش. وفيها توفي العلامة يحيى بن علي البغدادي الشافعي المعروف بابن فضلان. كان
стр. 1050
من أئمة علم الخلاف والجدل مشاراً إليه. وفيها توفي المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب الملقب بأمير المؤمنين. قد تقدم ذكر جده عبد المؤمن، ولما مات أبوه اجتمع رأي المشايخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه، فبايعوه وعقد له الولاية ودعوة أمير المؤمنين كأبيه وجده، ولقبوه بالمنصور، فقام بالأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أئمة ملكهم ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع، ونظر في أمر الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته والأقربين، كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أحواله وعظمت الفتوحات.
ولما مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبيرالمملكة من هناك، فأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها، ومهد مصالحها في مدة شهرين، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك على سائر بلاد الإسلام التي في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون. ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم، فخرج عليه علي بن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطوله في البحر. ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين، فاستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى مراكش. وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا، فانتهى مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبيرالمملكة من هناك، فأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها، ومهد مصالحها في مدة شهرين، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك على سائر بلاد الإسلام التي في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون. ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم، فخرج عليه علي بن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطوله في البحر. ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين، فاستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى مراكش. وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا، فانتهى الخبر إلى الأمير يعقوب، فتجهز لقتالهم في جحفل عرمرم من قبائل الموحدين والعرب، واحتفل فيها وجاء إلى الأندلس، فعلم الفرنج فجمعوا جمعاً كثيراً من أقاصي بلادهم. وكان قد كتب إليه ملك الفرنج يتهدد المسلمين، ومن جملة كتابه باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته، الرسول الفصيح، ثم عقب ذلك بالتوبيخ للأمير يعقوب والتهديد في كلام يطول. فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه: ارجع إليهم، " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " - النمل ٣٧ - إن الجواب ما ترى، لا ما تسمع. ثم كتب هذا البيت:
ولا كتب إلا المشرقية عنده ... ولا ارسل إلا الخميس العرمرم
بيت المتنبي المشهور. ثم أمر باستدعاء الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات
стр. 1051
بظاهر البلد من يومه، وجمع العساكر وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى الأندلس، وسار إلى أن دخل بلاد الفرنج - وقد اعتدوا وأحشدوا وتأهبوا - فكسرت كسرة شنيعة بعد أن أمر فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا، ففعلوا وانهزم الفرنج، وأعمل فيهم السيف، فاستأصلهم قتلاً، وما نجا منهم إلا ملكهم في نفر يسير. وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل إنه حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع. أما الدواب على اختلاف أنواعها فلم ينحصر لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها. ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركاً محارباً إن ظفروا به ولو كان ملكاً عظيماً، بل يضربون رقاب الجميع - قلوا أو كثروا. ثم أتبعهم بجيش، فألفوهم قد أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب، فملكها يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً. ولكثرة الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج، فعاد إلى اشبيلية. وله مع الفرنج حروب عديدة أذلهم فيها، ونال منهم قتلاً ونهباً وتخريباً لديارهم، إلى أن التمسوا منه الصلح فصالحهم. وانتقل الى مدينة سلاوينا، وهي بالقرب منها مدينة عظيمة سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه، وبناها على البحر المحيط، ثم رجع إلى مراكش. وبعد هذا اختلفت الرواية في أمره، فمن قائلين إنه تجرد وساح في الأرض، وانتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف - ومات خاملاً، ومن قائلين إنه لما رجع إلى مراكش توفي - رحمه الله تعالى. قلت وسأذكر فيما بعد ما يؤيد قول من قال إنه تجرد عن الملك وساح في البلاد. وكان ملكاً جواداً عادلاً متمسكاً بالشرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر - كما ينبغي - من غير محاباة، ويصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف ويقف للمرأة والضعيف، فيأخذ لهم حقهم من كل ظالم عنيف، وأوصى أن يدفن في قارعة الطريق ليترحم عليه من أوصلته طريقه إليه من كل من مر به - أقبل لحاجة أو أدبر. وكان قد أمر علماء زمانه أن لا يقلدوا أحداً من الأئمة المجتهدين المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. قال ابن خلكان: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا - وهم على تلك الطريق - مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمر ومحيي الدين بن العربي نزيل دمشق
стр. 1052
وغيرهم. وكان يعقوب المذكور يعاقب على ترك الصلاة، ويامر بالنداء في الاسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها واشتمل بمعيشة عزر تعزيراً بليغاً. وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطانه حتى لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل ولايته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس. وكان محسناً محباً للعلماء مقرباً للأدباء مصغياً إلى المدح مثيباً عليه، وله ألف أبو العباس الموحدي كتابه الموسوم بصفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر. قال ابن خلكان: وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان. وإلى الأمير يعقوب نسبت الدنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين رسولاً يستنجده على الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، بل بأمير المسلمين، فعز عليه ذلك، ولم يجبه إلى ما طلب منه. فلما توفي الأمير يعقوب بايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب - ويلقب - بالناصر وارتجع الفدية من الملثم المتقدم ذكره، وكان قد استولى عليها، ثم تحول محمد بن يعقوب، ثم توفي بعد ذلك في سنة ست عشرة وستمائة. والمغاربة يقولون إنه أوصى عبيده بحراسة بستانه وحفظه، فتنكر وجعل يمشي في بستانه ليلاً، فعندما رأوه ابتدروه بالرماح، فجعل يقول: أنا الخليفة أنا الخليفة، فما تحققوه حتى هلك. والله أعلم بذلك. ولم يزل بنو عبد المؤمن يتوارثون الملك إلى أن انتهى إلى أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، فوقعت بينه وبين بني مريم حرب قتل فيها، فانقرضت دولة بني عبد المؤمن، واستولى بنو مريم على ملكهم، ولم يزل الملك في عنقهم إلى الآن. قلت: هكذا قال ابن خلكان، وهكذا هو أيضاً إلى الآن، لكنه قد تضعضع واضطرب لعدم طاعة العرب. قلت: وقد تقدم أن بعض المغاربة يذكرون أن
الأمير يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة
стр. 1053
المذكورة إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم المشكور. فاهتموا لحصول ملك يزهد في الدنيا من ملوك المغرب ليعارضوا به ابن أدهم على المنصب، فجاء الشيخ الكبير الولي الشهير أبو ابراهيم بن أدهم إلى أمير المؤمنين - يعقوب المذكور فيما تقدم - واجتمع به، فسر يعقوب بذلك، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة إكراماً له في مجيئه إليه، فالتفت أبو ابراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول، فدهش أمير المؤمنين يعقوب، وهاله ما رأى من تصريف عباد الله في ملك الله، وما أكرمهم به ووالاهم، ورفع قدرهم وأعلاهم، حتى صارت ملوك الدنيا بين أيديهم كالخدم، وملكهم حقير كالعدم. فعند ذلك احتقر يعقوب ما هو فيه من ملك الدنيا، فزهد فيه، وصار من كبار الأولياء.
سنة ست وتسعين وخمس مائة
فيها تسلطن علاء الدين خوارزم شاه محمد بعد موت أبيه. وفيها كانت محاصرة دمشق. وبها العادل، وعليها الأفضل والظاهر ابنا صلاح الدين وعساكرهما نازلة، قد خندقوا عليهم من أرض اللوان إلى بلد آخر، فأمن من كبسة عسكر العادل، ثم ترحلوا عنها، ورجع الظاهر إلى حلب، وسار الأفضل إلى مصر، فساق وراءه العادل وأدركه عند العراب، ثم تقدم عليه وسبقه إلى مصر، فرجع الأفضل خائباً إلى صرخد - بالخاء المعجمة - وغلب العادل على مصر وقال: هذا صبي. وقطع خطبته، ثم أحضر ولده الكامل وسلطنه على الديار المصرية، فلم ينطق أحد من الأمراء. وسهل له ذلك اشتغال أهل مصر بالقحط، فإن فيها كسو النيل من ثلاثة عشر ذراعاً إلى ثلاثة أصابع، واشتد الغلاء وعدمت الأقوات، وشرع الوباء وعظم الخطب إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى. وفيها توفي العلامة أبو اسحاق العراقي ابراهيم بن منصورالمصري الخطيب، شيخ الشافعية بمصر. شرح كتاب المهذب في عشرة أجزاء شرحاً جيداً. قلت: وهذا المذكور أول شراح المهذب، وهم خمسة فيما علمت، والثاني الإمام العلامة أبو عمر وعثمان بن
стр. 1054
عيسى الماراني الملقب ضياء الدين شرح الكتاب المذكور في قريب من عشرين مجلداً لكنه لم يكمله، بل بلغ فيه إلى كتاب الشهادات وسماة الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء. وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في السنة التي توفي فيها سنة اثنين وستمائة بالقاهرة. والثالث والرابع السيدان الكبيران الوليان الشهيران الإمامان الجليلان أبو الذبيح اسماعيل ابن محمد الحضرمي اليمني، وأبو زكريا محيي الدين النووي، وهما متعاصران توفيا في سنةواحدة سنة ست وسبعين وستمائة. ولا أدري أيهما سبق بالشرح، فلهذا جمعتهما، وسيأتي ذكرهما في السنة المذكورة، وثني من فضائلهما بالتعديد. والخامس الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وكل هؤلاء المذكورين ما أكملوا شرحه سوى العراقي والحضرمي وشرح السبكي، إنما بناه على ما انتهى إليه النووي، وهو باب الربا، ولم يكمله أيضاً ولقب أبو إسحاق المذكور بالعراقي لاشتغاله ببغداد. وفيها توفي علاء الدين خوارزم شاه سلطان الوقت. ملك من السند والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى بغداد. وكان جيشه مائة الف فارس وهو الذي أزال دولة سلجوق. وكان شجاعاً فارساً عالي الهمة، تغير على الخليفة، وعزم على قصد العراق، فجاءه الموت فجأة في رمضان، وحمل إلى خوارزم، وقيل كان عنده أدب ومعرفة بمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وقام مدة بعد ولده قطب الدين محمد. وفيها توفي مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جميل الكيلاني الشافعي الفرضي مدرس مدرسة صلاح الدين في القدس، وهو أحد من قام على الحكيم الشهروردي وأفتى بقتله. وفيها توفي أبو علي المعروف بالقاضي الفاضل عبد الرحيم ابن القاضي الملقب بالأشرف أبي المجد علي ابن القاضي الملقب بالسعيد أبي محمد الحسن بن الحسن اللخمي العسقلاني المولد، المصري الدار، وزر للسلطان صلاح الدين، وتمكن منه غاية التمكن: وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها. قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه: رب العلم والبيان واللسن واللسان، القريحة والوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة،
стр. 1055
تخترع الأفكار وتفترع الأبكار، وتطلع الأنوار وتبدع الازهار، وهو ضابط الملك بآرائه ورابط السلك بآلآئه، أن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قس في فصاحته؟! وأين قيس في مقام حصافته؟! وأين حاتم وعمرو في سماحته وحماسته؟! وأطال القول فيما سمت به مدائحه. فالله تعالى يسامحنا ويسامحه. وذكر له رسالة لطيفة كتبها إلى صلاح الدين من جملتها: أدام الله السلطان الملك وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأنبته، وأرغم أنف عدوه بسيفه وكتبه، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب لما نابه المنزل عنها وقل عليه الموفق فيها. وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها، ووجب على أهلها شكرها. هاجر من هجر عيذاب وملحا سارياً في ليلة أمل كلها نهار، فلا يسأل عن صحبها، وقد
رغب في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر: في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر:
بالله قل للنيل عني أنني ... لم أشف من الفرات غليل
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا
يا قلب كم خلقت ثم بثينة ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا
قلت: وهذا البيت رمز فيه رمزاً أشار فيه إلى ما كان بين بثينة وجميل من الحب وهيمان جميل بها، وإعاذته بالله من أن يكون متصفاً بما اتصف به جميل من الهيمان وفرط الحب الذي لا يقوى عليه إنسان، واستعار ذلك لما في قلبه من المحبة للنيل. ومنها قوله:
إذا السعادة لاحظتك عيونها ... ثم المخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... وافتل بها الجوزاء وهي عنان
قلت والظاهر أن قوله: وافتل - بالفاء والمثناة من فوق - من فتل العنان.
следующие страницы →