← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

بظاهر البلد من يومه، وجمع العساكر وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى الأندلس، وسار إلى أن دخل بلاد الفرنج - وقد اعتدوا وأحشدوا وتأهبوا - فكسرت كسرة شنيعة بعد أن أمر فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا، ففعلوا وانهزم الفرنج، وأعمل فيهم السيف، فاستأصلهم قتلاً، وما نجا منهم إلا ملكهم في نفر يسير. وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل إنه حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع. أما الدواب على اختلاف أنواعها فلم ينحصر لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها. ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركاً محارباً إن ظفروا به ولو كان ملكاً عظيماً، بل يضربون رقاب الجميع - قلوا أو كثروا. ثم أتبعهم بجيش، فألفوهم قد أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب، فملكها يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً. ولكثرة الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج، فعاد إلى اشبيلية. وله مع الفرنج حروب عديدة أذلهم فيها، ونال منهم قتلاً ونهباً وتخريباً لديارهم، إلى أن التمسوا منه الصلح فصالحهم. وانتقل الى مدينة سلاوينا، وهي بالقرب منها مدينة عظيمة سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه، وبناها على البحر المحيط، ثم رجع إلى مراكش. وبعد هذا اختلفت الرواية في أمره، فمن قائلين إنه تجرد وساح في الأرض، وانتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف - ومات خاملاً، ومن قائلين إنه لما رجع إلى مراكش توفي - رحمه الله تعالى. قلت وسأذكر فيما بعد ما يؤيد قول من قال إنه تجرد عن الملك وساح في البلاد. وكان ملكاً جواداً عادلاً متمسكاً بالشرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر - كما ينبغي - من غير محاباة، ويصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف ويقف للمرأة والضعيف، فيأخذ لهم حقهم من كل ظالم عنيف، وأوصى أن يدفن في قارعة الطريق ليترحم عليه من أوصلته طريقه إليه من كل من مر به - أقبل لحاجة أو أدبر. وكان قد أمر علماء زمانه أن لا يقلدوا أحداً من الأئمة المجتهدين المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. قال ابن خلكان: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا - وهم على تلك الطريق - مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمر ومحيي الدين بن العربي نزيل دمشق

стр. 1052

وغيرهم. وكان يعقوب المذكور يعاقب على ترك الصلاة، ويامر بالنداء في الاسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها واشتمل بمعيشة عزر تعزيراً بليغاً. وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطانه حتى لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل ولايته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس. وكان محسناً محباً للعلماء مقرباً للأدباء مصغياً إلى المدح مثيباً عليه، وله ألف أبو العباس الموحدي كتابه الموسوم بصفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر. قال ابن خلكان: وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان. وإلى الأمير يعقوب نسبت الدنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين رسولاً يستنجده على الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، بل بأمير المسلمين، فعز عليه ذلك، ولم يجبه إلى ما طلب منه. فلما توفي الأمير يعقوب بايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب - ويلقب - بالناصر وارتجع الفدية من الملثم المتقدم ذكره، وكان قد استولى عليها، ثم تحول محمد بن يعقوب، ثم توفي بعد ذلك في سنة ست عشرة وستمائة. والمغاربة يقولون إنه أوصى عبيده بحراسة بستانه وحفظه، فتنكر وجعل يمشي في بستانه ليلاً، فعندما رأوه ابتدروه بالرماح، فجعل يقول: أنا الخليفة أنا الخليفة، فما تحققوه حتى هلك. والله أعلم بذلك. ولم يزل بنو عبد المؤمن يتوارثون الملك إلى أن انتهى إلى أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، فوقعت بينه وبين بني مريم حرب قتل فيها، فانقرضت دولة بني عبد المؤمن، واستولى بنو مريم على ملكهم، ولم يزل الملك في عنقهم إلى الآن. قلت: هكذا قال ابن خلكان، وهكذا هو أيضاً إلى الآن، لكنه قد تضعضع واضطرب لعدم طاعة العرب. قلت: وقد تقدم أن بعض المغاربة يذكرون أن الأمير يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة

стр. 1053

المذكورة إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم المشكور. فاهتموا لحصول ملك يزهد في الدنيا من ملوك المغرب ليعارضوا به ابن أدهم على المنصب، فجاء الشيخ الكبير الولي الشهير أبو ابراهيم بن أدهم إلى أمير المؤمنين - يعقوب المذكور فيما تقدم - واجتمع به، فسر يعقوب بذلك، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة إكراماً له في مجيئه إليه، فالتفت أبو ابراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول، فدهش أمير المؤمنين يعقوب، وهاله ما رأى من تصريف عباد الله في ملك الله، وما أكرمهم به ووالاهم، ورفع قدرهم وأعلاهم، حتى صارت ملوك الدنيا بين أيديهم كالخدم، وملكهم حقير كالعدم. فعند ذلك احتقر يعقوب ما هو فيه من ملك الدنيا، فزهد فيه، وصار من كبار الأولياء. سنة ست وتسعين وخمس مائة فيها تسلطن علاء الدين خوارزم شاه محمد بعد موت أبيه. وفيها كانت محاصرة دمشق. وبها العادل، وعليها الأفضل والظاهر ابنا صلاح الدين وعساكرهما نازلة، قد خندقوا عليهم من أرض اللوان إلى بلد آخر، فأمن من كبسة عسكر العادل، ثم ترحلوا عنها، ورجع الظاهر إلى حلب، وسار الأفضل إلى مصر، فساق وراءه العادل وأدركه عند العراب، ثم تقدم عليه وسبقه إلى مصر، فرجع الأفضل خائباً إلى صرخد - بالخاء المعجمة - وغلب العادل على مصر وقال: هذا صبي. وقطع خطبته، ثم أحضر ولده الكامل وسلطنه على الديار المصرية، فلم ينطق أحد من الأمراء. وسهل له ذلك اشتغال أهل مصر بالقحط، فإن فيها كسو النيل من ثلاثة عشر ذراعاً إلى ثلاثة أصابع، واشتد الغلاء وعدمت الأقوات، وشرع الوباء وعظم الخطب إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى. وفيها توفي العلامة أبو اسحاق العراقي ابراهيم بن منصورالمصري الخطيب، شيخ الشافعية بمصر. شرح كتاب المهذب في عشرة أجزاء شرحاً جيداً. قلت: وهذا المذكور أول شراح المهذب، وهم خمسة فيما علمت، والثاني الإمام العلامة أبو عمر وعثمان بن

стр. 1054

عيسى الماراني الملقب ضياء الدين شرح الكتاب المذكور في قريب من عشرين مجلداً لكنه لم يكمله، بل بلغ فيه إلى كتاب الشهادات وسماة الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء. وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في السنة التي توفي فيها سنة اثنين وستمائة بالقاهرة. والثالث والرابع السيدان الكبيران الوليان الشهيران الإمامان الجليلان أبو الذبيح اسماعيل ابن محمد الحضرمي اليمني، وأبو زكريا محيي الدين النووي، وهما متعاصران توفيا في سنةواحدة سنة ست وسبعين وستمائة. ولا أدري أيهما سبق بالشرح، فلهذا جمعتهما، وسيأتي ذكرهما في السنة المذكورة، وثني من فضائلهما بالتعديد. والخامس الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وكل هؤلاء المذكورين ما أكملوا شرحه سوى العراقي والحضرمي وشرح السبكي، إنما بناه على ما انتهى إليه النووي، وهو باب الربا، ولم يكمله أيضاً ولقب أبو إسحاق المذكور بالعراقي لاشتغاله ببغداد. وفيها توفي علاء الدين خوارزم شاه سلطان الوقت. ملك من السند والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى بغداد. وكان جيشه مائة الف فارس وهو الذي أزال دولة سلجوق. وكان شجاعاً فارساً عالي الهمة، تغير على الخليفة، وعزم على قصد العراق، فجاءه الموت فجأة في رمضان، وحمل إلى خوارزم، وقيل كان عنده أدب ومعرفة بمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وقام مدة بعد ولده قطب الدين محمد. وفيها توفي مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جميل الكيلاني الشافعي الفرضي مدرس مدرسة صلاح الدين في القدس، وهو أحد من قام على الحكيم الشهروردي وأفتى بقتله. وفيها توفي أبو علي المعروف بالقاضي الفاضل عبد الرحيم ابن القاضي الملقب بالأشرف أبي المجد علي ابن القاضي الملقب بالسعيد أبي محمد الحسن بن الحسن اللخمي العسقلاني المولد، المصري الدار، وزر للسلطان صلاح الدين، وتمكن منه غاية التمكن: وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها. قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه: رب العلم والبيان واللسن واللسان، القريحة والوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة،

стр. 1055

تخترع الأفكار وتفترع الأبكار، وتطلع الأنوار وتبدع الازهار، وهو ضابط الملك بآرائه ورابط السلك بآلآئه، أن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قس في فصاحته؟! وأين قيس في مقام حصافته؟! وأين حاتم وعمرو في سماحته وحماسته؟! وأطال القول فيما سمت به مدائحه. فالله تعالى يسامحنا ويسامحه. وذكر له رسالة لطيفة كتبها إلى صلاح الدين من جملتها: أدام الله السلطان الملك وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأنبته، وأرغم أنف عدوه بسيفه وكتبه، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب لما نابه المنزل عنها وقل عليه الموفق فيها. وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها، ووجب على أهلها شكرها. هاجر من هجر عيذاب وملحا سارياً في ليلة أمل كلها نهار، فلا يسأل عن صحبها، وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر: في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر: بالله قل للنيل عني أنني ... لم أشف من الفرات غليل وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا يا قلب كم خلقت ثم بثينة ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا قلت: وهذا البيت رمز فيه رمزاً أشار فيه إلى ما كان بين بثينة وجميل من الحب وهيمان جميل بها، وإعاذته بالله من أن يكون متصفاً بما اتصف به جميل من الهيمان وفرط الحب الذي لا يقوى عليه إنسان، واستعار ذلك لما في قلبه من المحبة للنيل. ومنها قوله: إذا السعادة لاحظتك عيونها ... ثم المخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... وافتل بها الجوزاء وهي عنان قلت والظاهر أن قوله: وافتل - بالفاء والمثناة من فوق - من فتل العنان.

стр. 1056

وأثنى عليه أيضاً الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء - المصرية. وقيل: إن كتبه بلغت مائة ألف مجلد، وكان له آثار جميلة وأفعال حميدة وديانة متينة وأوراد كثيرة. وكان دخله في السنة من مغله دون خمسين ألف دينار، وكان عمره بضعاً وستين سنة. وفيها توفي الشهاب الطوسي أبو الفتح محمد بن محمود نزيل مصر شيخ الشافعية. درس وأفتى ووعظ وصنف وتخرج به الأصحاب، وكان رئيساً معظماً ينبه على الملوك لصنعه، يركب بالغاشية والسيوف المسلولة - وبين يديه ينادي هذا الملك العلماء - وكان صاحب صولة في القيام على الحنابلة ونصرة الأشاعرة. وفيها توفي أبو الفتوح عبد المنعم بن أبي عبد الوهاب بن سعد الملقب شمس الدين الحراني الأصل البغدادي المولد، الحنبلي المذهب. كان تاجراً، وله في الحديث السماعات العالية، وانتهت الرحلة إليه من أقطار الأرض، وألحق الصغار بالكبار، لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته أحد، توفي في بغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات، وتسرى بمائة وثمان وأربعين جارية. سنة سبع وتسعين وخمس مائة فيها كان الجوع والموت بالديار المصري، وجرت أمور تتجاوز الوصف ودام ذلك إلى نصف الشام الثاني، حتى قيل - أو قال قائل: مات ثلاثة أرباع أهل البلد المذكور لما أبعد والذي دخل تحت قلم الحشرية في مدة اثنتين وعشرين شهراً مائتا ألف وإحدى عشر ألفاً بالقاهرة، وهذا قليل في جنب من هلك بمصر والحواضر وفي البيوت والطرق ولم يدفن - وكله يسير في جنب من هلك بالإقليم. وقيل إن مصر كان فيها تسع مائة منسج، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجاً. فقس على هذا - وبلغ الفروخ مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية لولا ما جلب من الشام. وأما أكل لحم الآدميين فشاع واستفاض، وقيل: تواتر. وفي شعبان منها كانت الزلزلة العظمى التي عمت أكثر الدنيا. قال أبو شامة: مات

стр. 1057

بمصر خلق تحت الهدم قال: ثم هدمت نابلس، وذكر خسفاً عظيماً، وأحصى من هلك في هذه السنة فكان ألف ألف ومائة ألف. وفيها كانت مراسلات الأمراء من مصر للأفضل والظاهر، وكرهوا العادل، وتطيروا بكعبة أسرع الأفضل إلى حلب، فخرج معه أخوه واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل، ثم يسيران إلى مصر، فإذا ملكاها استقر بها الأفضل وتبقى الشام كلها للظاهر. فنازلوا دمشق وبها المعظم، وقدم أبوه إلى نابلس، فاستمال الأمراء وأوقع بين الأخوين - وكان من دهاة الملوك - فترحلوا. وكان بخراسان فتن وحروب عظيمة على الملك. وفيها توفي الإمام العلامة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي البغدادي التميمي البكري نسبة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كان علامة عصره وإمام وقته في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والوعظ والسير والتواريخ والطب وغير ذلك. ووعظ من صغره وعظاً فاق فيه الأقران، وحصل له القبول التام والاحترام. حكي أن مجلسه حزر بمائة ألف، وحضر مجلسه الخليفة المستضيء مرات من وراء الستر. وصنف في فنون عديدة منها زاد المسير في علم التفسير أربعة أجزاء اتى فيها بأشياء غريبة - وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله: المنتظم في التاريخ، وهو كتاب كبير، وله: الموضوعات، في أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع. وله تنقيح فهوم الأثرة على وضع كتاب المعارف لابن قتيبة - وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد، وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون في ذلك. قال ابن خلكان حتى نقلوا أن الكراريس التي كتبها جمعت وحبست مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. قال: وهذا شيء عظيم لا يقبله العقل. قلت: وهو كما قال: ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﵌ فحصل منها شيء كثير. وأوصى أن يسخن الماء الذي يغسل به - بعد موته - بها، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة،....منها قوله معرضاً بأهل بغداد: عذيري من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب ميادينهم أن تبدت بخير ... إلى غير جيرانهم تقلب

стр. 1058

عذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحي ماتطرب وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، من ذلك ما يحكي أنه وقع النزاع ببغداد بين السنية والشيعية في المفاضلة بين أبي بكر وعلي - رضي الله تعالى عنهما - فرضي الكل بما يجيب عنه الشيخ أبو الفرج، وأقاما شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنية: هو أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - لأن ابنته عائشة تحت رسول الله ﵌ وقالت الشعية: هو علي، لان فاطمة ابنة رسول الله ﵌ تحته، وقال: وقال ابن خلكان: وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاًعن البديهة. انتهى. قلت: ومن نوادره ما سمعت من بعض أهل العلم: يحكى أن الخليفة غضب على إنسان من حاشيته، فأراد أن يعاقبه، فهرب فلزم أخاه، وصادره وأخذ له مالاً، فشكى ذلك المصادر إلى ابن الجوزي، وذكر له القضية فقال له: إذا انقضى مجلس وعظي فقم قدامي حتى تذكرني - وكان الخليفة يسمع وعظه من خلف الستر - كما تقدم فلما كان أول مجالسته الوعظ بعد ذلك - وانقضى المجلس - قام ذلك الإنسان المصادر، فلما رآه الشيخ أبو الفرج أنشد معرضاً يكون البريء، لا يؤاخذ بذنب الجزىء، محرضاً للخليفة على العدل والإحسان، وأن يعاد المال المأخوذ على ذلك الإنسان. قفي ثم اخبرينا يا سعاد ... بذنب الطرف لم سلب الفؤاد؟ وأي قضتة حكمت إذا ماجنى زيدبه عمرو يقاد؟! يعاد حديثكم فيزيد حسناً ... وقد يستحسن الشيء المعاد فقال الخليفة من وراء الستر: يعاد، يعني: المال، فأعيد على ذلك الشخص ماله وانجبر حاله. قلت: وكلام ابن الجوزي، وإن افتخر، فهو بالنسبة إلى كلام القطب عبد القادر محقر، ولو سلم من طعنه وإنكاره على المشايخ علماء الباطن لبقي مكتسباً يحلل الحاسن. وقد قدمت ذكر ذلك الإنكار وأنشدت في الفرق بين الكلام أبياتاً من الأشعار، ذكرت ذلك في تاريخ سنة خمس وتسعين وخمس مائة التي أخرج فيها من السجن، وفي سنة إحدى وستين التي فيها ترجمة الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه. وكانت ولادة ابن الجوزي سنة ثمان، وقيل عشر وخمس مائة تقريباً، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان ببغداد بباب حرب. والجوزي بفتح الجيم وسكون الواو وفي آخره زاي وياء النسبة - إلى موضع يقال له فرضة

стр. 1059

الجوز. قال ابن النجار: وكان أبوه يعمل الصفر، وكان ولده محيي الدين يوسف محتسب بغداد. وتولى تدريس المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، ثم صار أستاذ دار الخلافة. وكان سبطه شمس الدولة - أبو المظفر يوسف الواعظ المشهور - له صيت وسمعة في مجالس وعظه، وقبول عند الملوك وغيرهم. وصنف تاريخاً كبيراً. قال ابن خلكان: رأيته بخطه في أربعين مجلداً أسماه: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان. وفي السنة المذكورة توفي أبو شجاع بن المقرون البغدادي، أحد أئمة الإقراء. كان صالحاً عابداً ورعاً مجاب الدعوة، من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان يتقوت من كسب يده. وفيها توفي العماد الكاتب الوزير الفاضل، أبو عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني الفقيه الشافعي تفقه بالمدرسة النظامية وأتقن الخلاف وفنون والأدب، وسمع من الحديث، ولما حصل تعلق بالوزير يحيى بن هبيرة فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ثم انتقل إلى دمشق، - وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين محمود بن أتابك زنكي - فتعرف به، وعرفه السلطان صلاح الدين ووالده، ونوه بذكره القاضي كمال الدين السهروردي عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء. قال العماد: فبقيت متحيراً في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي. وقال غيره: لم يكن قد مارس هذه الصناعة، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها، وأتى فيها بالغرائب. وكان ينشىء الرسائل باللغة العربية والعجمية أيضاً. وحصل بينه وبين صلاح الدين مودة أكيدة امتزاج تام، وعلت منزلته عند نور الدين، وصار صاحب سره وسيره رسولاً في أيام الخليفة المستنجد، فلما عاد فوض إليه التدريس في المدرسة المعروفة، ثم رتبه في إشراف الديوان، ثم لما تسلم صلاح الدين قلعة حمص حضر بين يديه وأنشده قصيدة، ثم لازمه وترقى عنده حتى صار في جملة الصدور المعدودين والأماثل الممجدين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم. وكان القاضي الفاضل في أكثر الأوقات ينقطع عن خدمة السلطان صلاح الدين بالقيام بالمصالح، والعماد ملازم للباب، وهو صاحب السر المكتوم. وصنف التصانيف النافعة، من ذلك: خريدة القصر وجريدة أهل العصر، جملة ذيلاً على زينة الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الخطيري، والخطيري جعله ذيلاً على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على يتيمة الثعالبي، والثعالبي

стр. 1060

جعل كتابه ذيلاً على كتابه البارع لهارون المنجم. وذكر العماد المذكور الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وبعدها، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والعرب ولم يترك إلا النادر. كتابه المذكور عشر مجلدات، وصنف كتاب: البرق الشامي في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ، ووسمه بالبرق لسرعة انقضاء تلك الأيام. وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس. وكتاب السيل على الذيل جملة ذيلاً على الذيل لابن السمعاني الذي ذيل به تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب. وكتاب نصرة الفترة وعصرة الفترة في اخبار الدولة السلجوقية. وله ديوان رسائل، وديوان شعر في أربع مجلدات. وكانت بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطائف. فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس فقال له: سر، فلا كبابك الفرس، فقال له الفاضل: دام علاء العماد. فأتى كل واحد منهما بألفاظ تقرأ على ترتيبها المذكور، وتقرأ مقلوباً، أعني من آخر حروفها مرتبة إلى أولها، واللفظ والمعنى لا يتغيران. اجتمعا يوماً في موكب السلطان - وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء - فتعجبا من ذلك، وأنشد العماد في الحال: ها، واللفظ والمعنى لا يتغيران. اجتمعا يوماً في موكب السلطان - وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء - فتعجبا من ذلك، وأنشد العماد في الحال: مما اثارته السنابك ... والجو منه مظلم لكن أثارته السنابك ... يا دهر لي عبد الرحيم فلست اخشى مس نابك......................... فاتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة مكتسياً حلة الحسن. قلت: وأما رسالته إلى القاضي الفاضل لما رجع من الحج - التي استحسنها ابن خلكان - فليست بحسنة من جهة لدين ولا من جهة البيان، فإنه بالغ فيها مبالغة محرجة لشعائر الله تعالى المنظمة إلى حد الامتهان، حيث قال: راكباً فرس البيان في ميدان بلاغة الإنسان الراكض، جواد اللسن الحاصل من نتائج جبلة الجنان وجرأة اللسان. طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجى منيل الجدى - ومنير الدجى، ولندى الكعبة من كعبة الندى، وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى، وللقائم الكريم من مقام الكريم، ومن حاطم فقار الفقر للحطيم، ومتى هرم لمنى الحرم، وحاتم الكرم لمائح زمزم، ومتى ركب البحر البحر وسلك البر البر، ولقد عاد قيس إلى عكاظه، وعاد قيس لحفاظه، ويا عجباً للكعبة!! يقصدها كعبة الفضل والأفضال، والقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال. قلت: وليس كما قال غيره في مدح بعض الأولياء، فإنهم من احباب الله تعالى الأصفياء.

стр. 1061

سنة ثمان وتسعين وخمس مائة فيها تغلب قتادة بن ادريس الحسيني على مكة، وزالت دولة بني فليتة. وفيها توفي صاحب اليمن وابن صاحبها الملك المعز اسماعيل بن الملك سيف الاسلام طغتكين - بن نجم الدين أيوب بن شاذي كان مجرماً مصراً على شرب الخمر والظلم، ادعى أنه أموي وخرج يروم الخلافة، فوثب عليه أخوان من أمرائه فقتلاه، وولي بعده أخ له صبي، يدعى بالملك الناصر أيوب. وفيها توفي مسند الشام أبو طاهر بركات بن ابراهيم المعروف بالخشوع، سمع من ابن الأكفاني وجماعة. وفيها توفي الحافظ أبو الثناء حماد بن هبة الله. وفيها توفي اللؤلؤ الحاجب العادل، من كبار الدولة، له مواقف حميدة بالسواحل. وكان مقدم المجاهدين المؤيدين الذين ساروا لحرب الفرنج الذين قصدوا الحرم النبوي في البحر وظفروا قيل إنه سار لؤلؤ موقناً بالنصرة، وأخذ معه قيوداً بعدد الفرنج، وكانوا ينيفون على ثلاثمائة - كلهم أبطال من الكرك والشوبك - مع طائفة من العرب المرتدة، فلما بقي بينه وبين المدينة يوم أدركهم لؤلؤ، وبذل الأموال للعرب فخامروا معه، وذلت الفرنج، واعتصموا بحبل، فترحل لؤلؤ وصعد إليهم بالناس - في تسعة أنفس، فهابوه وسلموا أنفسهم، فصفدهم وقيدهم كلهم، وقدم بهم مصر، وكان يوم دخولهم يوماً مشهوراً. وكان لؤلؤ شيخاً أرمينياً من غلمان القصر، فخدم مع صلاح الدين مقدماً، وكان أينما توجه فتح ونصر، ثم كبر وترك الخدمة. وكان يتصدق كل يوم بطعام عدة قدور وباثني عشر ألف رغيف، ويضيف ذلك في شهر رمضان. وفيها توفي ابن الزكي قاضي الشام محيي الدين أبو المعالي محمد ابن قاضي القضاة زكي الدين علي ابن قاضي القضاة منتجب الدين محمد بن يحيى - القرشي الشافعي. كان فقيهاً إماماً طويل الباع في الإنشاء والبلاغة، فصيحاً كامل السؤدد.

стр. 1062

سنة تسع وتسعين وخمس مائة وفيها تمكن العادل من الممالك، وأبعد الملك المنصور علي بن العزيز - صلاح الدين، وأسكنه بمدينة الرها. وفيها رمي بالنجوم، ذكر ذلك جماعة من المؤرخين قال بعضهم في سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق وضجوا بالدعاء. قالوا: ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور نبينا ﵌. وفيها توفي غياث الدين سلطان غزنة أبو الفتح محمد. كان ملكاً جليلاً عادلاً محباً إلى رعيته كثير المعروف والصدفات، وتفرد بالملك بعده أخوه السلطان شهاب الدين. وفيها توفي القاضي محمد بن أحمد الأموي المرسي المالكي، أحد أئمة المذهب، عرض المدونة على والده، وأجاز له الكبار، وأفتى ستين سنة، وولي قضاء مرسية وشاطبة وصنف التصانيف. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الموفق مسعود بن شجاع المعروف بالبرهان الحنفي، درس في النورية والخانوتية، قاضي العسكر، كان صدراً معظماً مفتياً رأساً في المذهب، وكان لا يغسل له فرجية، بل يهبها ويلبس جديدة. وفيها توفي الإمام أبو الحسن علي بن ابراهيم الأنصاري الدمشقي الحنبلي الواعظ، كان من رؤوس العلماء. وفيها توفي الحسن بن سعيد الملقب علم الدين الشاتاني - بالشين المعجمة وبين الألفين مثناة من فوق وقبل ياء النسبة نون - كان فقيهاً وغلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به، وكان الوزير أبو المظفر بن هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه، وقال يمدح صلاح الدين بقصيدة أولها: أرى النصر معقوداً برايتك الصفرا ... فسروا ملك الدنيا فأنت بها أحرى يمينك فيا اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى بهما بشرا وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير إمام العارفين ودليل السالكين، صاحب الأحوال الفاخرة الكرامات الباهرة، والمقام العلي. والكشف الجلي، والعطاء السني والمشرب الهني، والمحاضرات القدسية والمسامرات الأنسية، والحقائق الربانية والأسرار

стр. 1063

الإلهية أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم القرشي الهاشمي، - قدس الله تعالى روحه - كان له التصريف النافذ في الوجود، والفضل الفائض من فيض الجود، والباع الطويل في أحكام الولاية، والجانب الرحيب في أحوال النهاية، والقدم الراسخ في التمكين المكين، والسبق إلى ذري درجات، المقربين، أحد أركان هذا الشأن، وعلم أعلامه وقدوة ساداته الأعيان، أجمع على جلالته أكابر الأولياء والعلماء، واتفق على فضيلته سكان الحضرة والحمى، وتبرك الجلة بآثاره، والتمسوا الهدى بإضاءة أنواره. وله كلام وكرامات، مودع بعضها في بعض المصنفات، مما اعتنى بجمعه وتأليفه الشيخ الإمام الحفيل السيد الجليل تلميذه أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني. وقد ذكرت نبذة من ذلك في كتاب روض الرياحين، وكتاب أطراف السامعين. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: الزم الأدب وحدك من العبودية، ولا تتعرض لشيء، فإن أرادك له أوصلك إليه، ومنه: العالم من نطق عن سرك واطلع على عواقب أمرك، ومن كراماته ﵁ ما ذكر قال: كنت بمنى فعطشت ولم أجد ماء، ولم يكن معي ما أشتري به، فمضيت أطلب بيراً من الآبار، فوجدت عليه أعاجم يستقون الماء، فقلت لأحدهم: ضع لي في هذه الركوة ماء، فضربني وأخذ الركوة من يدي ورمى بها بعيداً، فمضيت إليها لأخذها وأنا منكسر النفس - فوجدتها في بركة ماء حلو، فاستقيت وشربت، وجئت بها إلى أصحابي فشربوا، وأعلمتهم بالقصة، فمضوا إلى المكان ليستقوا منه فلم يجدوا ماء ولا أثر الماء، فعلمت أنها آية. سنة ست مائة فيها وقعت فتنة بين صاحب الموصل نور الدين، وبين ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بجاره الملك الأشرف موسى - وهو بحران - فسار معه وعمل مصافاً مع صاحب الموصل، فكسره الأشرف وأسر جماعة من أمرائه، ثم اصطلحا في آخر العام، وتزوج الأشرف بأخت صاحب الموصل.

стр. 1064

وفيها أخذت الفرنج فوة واستباحوها، وهي بليدة حسنة، دخلوا إليها من فم رشيد في النيل. وفيها توفي العلامة أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي القزويني، ركن الدين المعروف بالطاوسي الحنفي. كان إماماً فاضلاً مناظراً محجاجاً فيما يعلم الخلاف، ماهراً فيه، اشتغل على الشيخ رضي الدين النيسابوري صاحب الطريقة في الخلاف، وبرز فيه، وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف مختصرة، وثانية متوسطة أو كما قيل، وثالثة مبسوطة. وأجمع عليه الطلبة بمدينة همدان، وقصدوه من البلاد البعيدة والقريبة للاستفادة عليه، وعلقوا تعاليقه، وبنى له الحاجب جمال الدين بهمدان مدرسة تعرف بالحاجبية، وطريقته الوسطى خير من طريقته الأخيرتين لأن نفعها كثير وفوائدها جمة. قال ابن خلكان: واكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها، واشتهر صيته في البلاد، وحملت طرائقه إليها. والطاوسي: قيل نسبة إلى طاوس بن كيسان التابعي. وفيها توفي الإمام العالم العلامة أبو الفتوح العجلي منتجب الدين أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف الأصبهاني الواعظ، شيخ الشافعية. كان من الفقهاء الفضلاء الموصوفين بالعلم والزهد، مشهوراً بالعبادة والنسك والقناعة، لا يأكل إلا من كسب يده. وكان يورق ويبيع ما يتقوت به، وكان واعظاً، ثم ترك الوعظ وألف كتاب آفات الوعاظ، سمع ببلده الحديث على جماعة، منهم: الحافظ اسماعيل بن محمد بن الفضل وأبو الوفا غانم بن أحمد الجلودي وأبو الفضل عبد الرحيم بن أحمد البغدادي وأبو المظفر قاسم بن الفضل الصيدلاني وغيره. وقدم بغداد وسمع بها من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي، وله إجازة حث بها عن أبي القاسم زاهر بن طاهر وأبي الفتح اسماعيل بن أبي الفضل - الاخشيدي وأبي المبارك عبد العزيز الأزدي وغيرهم، وعاد إلى بلده وتبحر وتمهر واشتهر وصنف عدة تصانيف، فمن ذلك كتاب شرح مشكلات الوسيط والوجيز للغزالي، تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين، ونقل من الكتب المبسوطة عليها، وله كتاب تتمة التتمة للمتولي، وعليه كان الاعتماد في الفتوى بأصهان. والعجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم نسبة إلى عجل بن لجيم - بضم اللام وفتح الجيم - وكان عجل المذكور يعد من الحمقى، من أجل أنه كان له فرس جواد، فقيل له أن لكل فرس جواد اسماً، فما اسم فرسك؟ فقال: لم اسمه بعد، فقيل له: سمه؛ ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور. وفيه قال بعض شعراء العرب:

стр. 1065

رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل يقال عار عينه - بالمهملة إذا فقأها. وبنو العجل قبيلة كبيرة من العرب شهيرة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، سمع في دمشق والاسكندرية وبغداد وأصبهان، وصنف التصانيف، ولم يزل يسمع ويكتب، وإليه انتهى حفظ الحديث متناً وإسناداً ومعرفة، مع الورع والعباد والتمسك بالأثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيرته مذكورة في جزأين تأليف الحافظ الملقب بالضياء. وفيها وقيل في سنة ثلاث وست مائة توفي الشيخ الحافظ عبد الرزاق ابن الشيخ القطب عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، أسمعه أبوه عن أبي الفضل الأرموي وطبقته، ثم سمعه بنفسه. وفيها توفيت فاطمة بنت سعد الخير بن محمد أم عبد الكريم بن أبي الحسن الأنصاري ﵃.

стр. 1066

/سنةاحدى وست مائة فيها تغلبت الفرنج على مملكة القسطنطينية وأخرجوا الروم عنها بعد حصار طويل وحروب كثيرة. وفيها توفي المحدث أحمد بن سليمان الحربي المقرىء المفيد، والرجل الصالح عبد الرحيم بن محمد بن محمد نزيل همدان، وأبو الفضل محمد بن الحسين المقري الدمشقي المعروف بابن الخصيب. سنة اثنتين وست مائة فيها سلم خوارزم شاه محمد بن ترمذ إلى ملك الخطا، فكان ذلك هو الخطأ بعينه وتشوش الناس لذلك قيل: وما فعله إلا مكيدة ليتمكن من ممالك خراسان. وفيها توفي مدرس الأرمينية المعروف بالتقي الأعمى سرق ماله فاتهم به قائده، فاحترق قلبه، فأهلك نفسه، وجد مشنوقا بالمنارة الغربية، نسأل الله العافية. وفيها توفي الإمام العلامة أبو عمر. وعثمان بن عيسى الهدباني بالدال المهملة والباء الموحدة، وقبل ياء النسبة نون الماراني بالراء بين الألفين والنون بعد الثانية الملقب ضياء الدين، كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي قرأ وتمهر في فروع المذهب وأصوله، وشرح المهذب شرحا لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلدا، لكنه لم يكمله بلغ فيه إلى كتاب الشهادات، وسماه الاستقصاء لمذاهب الفقهاء. وشرح اللمع في أصول الفقه للشيخ أبي اسحاق الشيرازي أيضا شرحا مستوفي في مجلدين، وغير ذلك، ووقف عليه الأمير جمال الدين الهكاري في مدرسة أنشأها في القاهرة، وفوض تدريسها إليه، ولم يزل بها إلى أن توفي، وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية، وهو في نسبته راجع إلى ابن عبدوس الماراني نسبة إلى بني ماران، توفي بعد أن نيف على الثمانين، ودفن بالقرافه الصغرى

стр. 1067

وفيها توفي السلطان أبو المظفر محمد شهاب الدين الغوري صاحب غزنة قتلته الإسماعيلية بعد قفوله من غزو الهند، وكان ملكًا جليلاً مجاهدًا، واسع المملكة حسن السيرة، وهو الذي حضر عنده الإمام فخر الدين الرازي، فوعظه وقال: يا سلطان العالم لا سطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى، فانتحب السلطان باكياً. وفيها توفي أبو العز عبد الباقي بن عثمان الهمداني الصوفي، وكان ذا علم وصلاح. وفيها توفي أبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة البغدادي، كان خيراً زاهداً بصيراً بالقراءات، حاذقا فيها. سنة ثلاث وست مائة فيها وقعت حروب خراسان، قوي فيها ملك خوارزم شاه، واتسع وافتتح بلخ غيرها، ونازلت الفرنج حمص، فصار إليهم المبارز وحاربهم. وفيها توفي الحافظ الثقة عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي أسمعه أبوه من أبي الفضل الأرموي وطبقته، ثم سمع هو بنفسه، قيل: لم ير مثله في وقته في يقظة وتجربة. وفيها توفي داود بن محمد بن محمود الأصبهاني وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي ابن فاضل الصوري المصري، كتب الكثير، واكثر عن السلفي سمع بمصر من الشريف الخطيب، وقرأ القراءات على الغافقي. وفيها توفي محمد بن معمر القرشي الأصبهاني، سمع من خلق كثير، وكان عارفًا بمذهب الشافعي، وبالعربية والحديث، قوي المشاركة، محتشمًا ظريفًا وافر الجاه. وفيها توفي أبو الحزم الإمام العلامة ضياء الدين محمد الموصلي المقري النحوي الضرير، صاحب ابن الخشاب، برع في القراءات والعربية واللغة وغير ذلك، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال: هو جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، والمجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله رحل إلى بغداد، ولقى بها مشائخ

стр. 1068

النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعري ويطرب إذا قرىء عليه شعره للجامع بينهما من العمى والأدب.. قال ابن خلكان: وحكى بعض من أخذ عنه أنه لما كان ببلده كان جيرانه ومعارفه يسمونه مكيك تصغير مكي، فلما ارتحل واشتغل وحصل اشتاقت نفسه إلى وطنه، فعاد إليه، فتسامع به من بقي ممن كان يعرفه، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلأ من أهل بلدهم، وبات تلك الليلة، فلما كان سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى: ما تدرين من جاء؟ فقالت: لا، فقالت: مكيك ابن فلانة، فقال: والله لا أقعدن في بلد. أدعى فيها مكيك، فسافر من غير تربث، وعاد إلى الموصل، ثم سافر إلى الشام لزيارة بيت المقدس. سنة أربع وست مائة فيها تملك الملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط. وفيها توفي أبو العباس الرعيني أحمد بن محمد الإشبيلي المقري، وكان من الأدب والزهد بمكان. وفيها توفي ابن الساعاتي علي بن محمد الشاعر الملفق صاحب ديوان الشعر. وفيها توفي أبو ذر مصعب بن محمد الجياني النحوي اللغوي صاحب التصانيف، وحامل لواء العربية في الأندلس، ولي خطابة إشبيلية مدة، ثم قضاء جيان، ثم تحول إلى فاس، بعد صيته، وسارت الركبان بتصانيفه. سنة خمس وست مائة فيها توفي الملك سنجر شاه ابن غازي قتلة ابنه غازي وحلفوا له ثم وثب عليه من الغد خواص أبيه وقتلوه، وملكوا أخاه الملك المعظم، وكان سنجر سيىء السيرة ظلومًا وفيها توفي المحدث العالم محمد بن المبارك البغدادي. وفيها توفي أبو الجود غياث بن فارس اللخمي مقري الديار المصرية.

стр. 1069

سنة ست وست مائة فيها نزلت الكرج بالراء الجيم على خلاط، فلما كادوا أن يأخذوها، زحف ملكهم في جيشه، فوصل إلى باب البلد. وفيها توفي الأوحد بن العادل، فبرز إليه عسكر المسلمين، فظفر به فرسه فأحاط المسلمون، وأسروه، وهرب جيشه. وفيها سار خوارزم شاه صاحب خراسان في جيوشه، وقطع النهر، فالتقى الخطا وكانت ملحمة عظيمة انكسر فيها، وقتل منهم خلق كثير، واستولى خوارزم شاه على ما وراء النهر، وكان كشلوخان بالشين والخاء المعجمتين وعسكره، وقد أخرجتهم الخطا من أرضهم، ونزلوا بلاد الترك، وجرت لهم حروب مع الخطا، فلما عرفوا أن خوارزم شاه كسرهم قصدوهم، فكاتب ملك الخطا في الحال خوارزم شاه يقول: إما ما كان منك من بلادنا، وقتل رجالنا، فمغفور فقد أتانا عدو لا قبل لنا به، وقد انتصروا علينا وأخذونا لم يبق لهم دافع عنك والمصلحة أن تسير إلينا وتجيرنا، فكاتب خوارزم شاه كشلوخان، إنا معك، وكاتب ملك الخطأ كذلك، وسار بجيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فتوهم كلا الفريقين أنه معهم، وأنه مكين لهم، فالتقوا، فانهزمت الخطا فمال حينئذ مع كشلوخان، ورأى رأيًا نحسًا، وهو إن أمر أهل بلاد الترك بالجلاء إلى بخارى وسمرقند، ثم خربهما جميعًا وشتت الناس. وفيها توفي أسعد بن المنجا بن أبي البركات القاضي أبو المعالي التنوخي المغربي، ثم الدمشقي روي عن القاضي الأرموي وتفقه على الشيخ عبد القادر وغيره. وفيها توفيت أم هاني عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية، وهي آخر من روى عن عبد الواحد صاحب أبي نعيم، ولها إجازة من أبي علي الحداد وجماعة، وسمعت المعجمين الصغير والكبير للطبراني من فاطمة الجوزدانية. وفيها توفي الإمام الكبير العلامة التحرير الأصولي المتكلم المناظر المفسر صاحب التصانيف المشهورة في الآفاق الحظية سوق الإفادة بالاتفاق فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين القرشي التيمي البكري الملقب بالإمام عند علماء الأصول المقرر

стр. 1070

لشبه مذاهب الفرق المخالفين والمبطل لها بإقامة البراهين الطبرستاني الأصل الرازي المولد المعروف الشافعي المذهب فريد عصره، ونسيج وحد الذي قال فيه بعض العلماء. خصه الله برأي هو للغيب طليعة ... فيرى الحق بعين دونها حد الطبيعة ومدحه الإمام سراج الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي بقوله: أعلمهن علمًا يقينًا إن رب العالمينا ... لو قضى في عالميهم خدمة للأعلمينا أخدم الرازي فخر أخدمة العبد بن سينا فاق أهل زمانه الأصلين والمعقولات، وعلم الأوائل، صنف التصانيف المفيدة في فنون عديدة. منها تفسير القران الكريم جمع فيه من الغرائب والعجائب ما يطرب كل طالب، وهو كبير جدًا لكنه لم يكمله وشرح سورة الفاتحة في مجلد، ومنها في علم الكلام المطالب العالية ونهاية العقول وكتاب الأربعين والمحصل وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان وكتاب المباحث المشرقية، وكتاب المباحث المعادية في مطالب المعادية وكتاب تهذيب الدلائل وعيون المسائل وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار وكتاب أجوبة المسائل النجارية وكتاب تحصيل الحق وكتاب الزيدة والمعالم وغير ذلك، وفي أصول الفقه والمحصول والمعالم في الحكمة الملخص وشرح الملخص لابن سينا وشرح الإشارات لابن سينا وشرح عيون الحكمة وغير ذلك، وفي الطلسمات السر المكتوم وشرح أسماء الله الحسنى ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري وشرح الوجيز في الفقه للغزالي. وشرح سقط الزند للمعري. وله مختصر في الإعجاز ومؤاخذات جيدة على النحاة وله طريقة في الخلاف، وله في الطب شرح الكليات للقانون، وصنف في علم الفراسة، وله مصنف في مناقب الشافعي، وكل كتبه مفيدة، وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة بين العباد، فإن الناس اشتغلوا بها، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتي فيها بما لم يسبق إليه، وله في الوعظ اليد البيضاء ويعظ باللسانين العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد حال الوعظ، ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن الأجوبة، المجادلات على اختلاف أصنافهم ومذاهبم ويجيء إلى مجلسه الأكابر والأمراء والملوك، وكان صاحب وقار وحشمة ومماليك وثروة، وبزة حسنة، وهيئة جميلة، إذا ركب مشى معه نحو ثلاث مائة مشتغل على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام والأصول والطب

стр. 1071

وغير ذلك، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة كان يلقب بهراة شيخ الإسلام، وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السمناني بالسين المهملة والنون مكررة قبل الألف وبعدها، واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الري، واشتغل على المجد الجيلي صاحب محمد بن يحيى الفقيه أحد تلامذة الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ولما طلب المجد إلى مراغة ليدرس بها صحبه وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة، ويقال: إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في أصول الدين والمستصفى في أصول الفقه للغزالي وكذا المعتمد لأبي الحسين البصري، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما وراء النهر، فجرى له أيضا هنالك كذلك، فعاد إلى الري، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان، ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب، وأيقن بالموت، فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب، فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، كذا قاله ابن خلكان قلت: وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على استيلاء شرعي من نحو وصاية أو وكالة قال: ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بالغين المعجمة والزاي والنون في جملة من المال، ثم مضى إليه لاستيفائه منه، فبالغ في إكرامه والإنعام عليه، وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان، واتصل بالسلطان محمد المعروف بخوارزم شاه، فحظي عنده، ونال أسمى المراتب، ولم يبلغ أحمد منزلته عنده، ولما قدم إلى هراة نال من الدولة إكرامًا عظيمًا، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع يومًا مع القاضي مجد الدين ابن القدوة، فتناظر ثم استطال فخر الدين علي ابن القدوة، ونال منه وأهانه فعظم ذلك على الكرامية، وثاروا من كل ناحية، فقامت بينهم فتنة فأمر السلطان الجند بتسكينها وذلك في سنة خمس وتسعين وخمس مائة ولم يزل بينه وبين الكرامية السيف الأحمر، فينال منهم وينالون منه سبًا وتكفيرًا حتى قيل إنهم سموه فمات من ذلك، وكان موته بهراة يوم الاثنين يوم عيد الفطر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. ومناقبه أكثر من أن تحصر به وتعد وفضائله لا تحصى ولا تحد. وكان له مع ما جمع من العلوم شيء من الكلام المنظوم، ومن ذلك قوله: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال

стр. 1072

فأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذىً ووبال ولم تستفد من بحثناطول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وكم من جبال قد علت شرفاته رجال فزالوا والجبال جبال وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكان العلماء يقصدونه من البلاد، وتشد إليه الرحال من الأقطار. وحكى شرف الدين بن عنين أنه حضر عرسه يومًا، وهو يلقي الدروس في مدرسته ودرسه حفل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير، فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح، فلما دفعت ما رجعت خوفًا من الحاضرين في المجلس، ولم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها. قلت: هكذا حكى والدي حكوا في علم المعاني والبيان أنها وقعت في حجر الإمام فخر الدين فأنشده بن عنين في الحال. يا ابن الكرام المطمعين إذا استواى ... في كل مسغبة وثلج خاشف الغامضين إذ االنفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيح الزاعف من نبأ الورقاء أن ... محلكم حرم وأنك ملجأ للخائف مع أبيات أخرى منها قوله: جاءت سليمان الزمان لشكوها ... والموت تلمع من جناحي خاطف وهذا البيت مع البيت الثالث هما اللذان المذكوران في علم المعاني والبيان من المبدعات إذا افتتحا بقوله جاءت سليمان الزمان حمامة إلى آخره، ثم أتبع بقوله: من نبأ الورقاء أن محلكم إلى آخره كانا من الموجز المبدع قوله: خاشف هو بالخاء والشين المعجمتين يقال: خشف الثلج إذا تحرك، ومنه قول الشاعر يصف البرده: إذا كبد النجم السماء يشو ... على حين هر الكلب والثلج خاشف

стр. 1073

وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقب كلام عاتب فيه أهل البلد: المرء مادام حيًا يستهان به ... ويعظم الرزء فيه حين يفتقد وذكر فخر الدين في كتابه الموسوم بتحصيل الحق، أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي الإسحاق الإسفرائيني وهو على الشيخ أبي الحسن الباهلي وهو على شيخ السنة أبي الحسن علي بن أبي إسماعيل الأشعري الناصر لمذهب أهل السنة والجماعة، وأما اشتغاله في فروع المذهب، فإنه اشتغل على والده المذكور، ووالده على أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي، وهو على القفال المروزي، وهو على أبي زيد المروزى، وهو على أبي إسحاق المروزي، وهو على أبي العباس بن شريح، وهو على أبي القاسم الأنماطي، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي المطلبي رضي الله تعالى عنه. وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، قيل: ثلاث وأربعين وخمس مائة بالري وتوفي يوم الاثنين يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، كما تقدم رحمه الله تعالى، وفيها توفي العلامة مجد الدين أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الأثير الشيباني الجزري، ثم الموصلي الكاتب. قال أبو البركات بن المستوفي في حقه: أشهر العلماء ذكر أو أكثر النبلاء قدرا وأوحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم أخذ النحو عن شيخه أبي محمد إسماعيل بن المبارك، وسمع الحديث متأخرًا، ولم يتقدم له رواية، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة. منها جامع الأصول في أحاديث الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة، ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث في خمس مجلدات وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن أخذه من

стр. 1074

تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار، وكتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وديوان رسائل والكتاب الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي وغير ذلك من التصانيف. وله ديوان الإنشاء لصاحب الموصل مسعود بن مودود ارسلان شاه وحظي عنده، وتوفرت حرمته لديه، وكتب له مدة، ثم عرض له مرض الفالج، فكف يده من الكتابة ورجليه من الحركة، وأقام في داره يغشاها الأكابر والعلماء وأنشأ رباطًا، ووقف أملاكه على رباطه المذكورة، وعلى داره التي سكنها. قال ابن خلكان: وبلغني أنه صنف كتبه كلها في مدة تعطله، فإنه تفرغ لها وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الأخبار والكتابة، وله شعر يسير، ومن ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل، وقد زلت بغلته. إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذرا حملها من علمه شاهقاً ... ومن ندى راحته بحرا وحكى أخوه أبو الحسن أنه جاءه رجل مغربي، فالتزم أن يداويه ويبرئه ما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجرة إلا بعد برئه. قال: فملنا إلى قوله، وأخذ في معالجته بدهن، حتى لانت رجله، وأشرف على كمال البرء، فقال لي: أعط هذا المغربي شيئا يرضيه واصرفه، فقلت له: لم ذا وقد ظهر نجح معالجته. فقال: الأمر كما يكون ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بإحضارهم، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم. وأنا الآن قاعد في منزلي، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاؤوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعيش باقيه حرًا سليمًا من الذل، فقد أخذت منه بأوفر حظ. قال: فقبلت منه قوله وصرفت الرجل بإحسان. وفيها توفي أبو المكارم أسعد بن الخطير مهذب بن ميناء الكاتب الشاعر، كان ناظر الدواوين. بالديار المصرية، وفيه فضائل عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين، وله ديوان شعر ومن جملته قوله.

стр. 1075

يعاتبني وينهى عن أمور ... سبيل الله أن ينهوك عنها أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقك ما علي أضر منها سنة سبع وست مائة فيها توفي صاحب الموصل أرسلان شاه ابن السلطان مسعود، وكان شهمًا شجاعًا سائسًا مهيبًا، قال أبو السعادات ابن الأثير وزيره: ما قات له في فعل خير الإبادر فيه، وقال أبو المظفر ابن جوزي: كان جبارًا سافكًا للدماء. وقال ابن خلكان: كان شهمًا عارفًا بالأمور تحول شافعيًا، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قل أن يوجد مدرسة في حسنها. توفي في شبارة بالشط ظاهر الموصل والشبارة بالشين المعجمة مفتوحة والموحدة مشددة، وبين الألف والهاء راء، وهي عندهم الحراقة عند أهل مصر، وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل. ودفن في تربته التي بمدرسته المذكورة، وخلف ولدين هما الملك القاهر مسعود، والملك المنصور زنكي، وسيأتي ذكر كل واحد منهما في ترجمته إنشاء الله تعالى، وتسلطن بعده ابنه مسعود. وفيها توفي مؤيد الدولة أسامة بن مرشد الكلبي من اكابر أهل قلعة سعير وشجعانهم علمائهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب، وله ديوان شعر في جزأين منه قوله. لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم وإعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعًا وإلا عدت عودة راغم ومنه قوله في دار ابن طليب احترقت: أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهرا إلى الإقرار بالأقدار ماأوقد ابن طليب قط بداره ... نارًا وكان خرابها بالنار ومما يناسب هذه الواقعة ما حكي، أن إنسانًا معروفًا بابن صورة المصري كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال أبو الحسن بن مفرج المعروف بابن المنجم أقول وقد عاينت دار ابن قعورة ... وللنار فيها مارج يضرم

стр. 1076

كذا كل مال أصله من مهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم والبيت الثاني مأخوذ من قوله ﵇: " من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر والمهاوش: الحرام، والنهابر: المهالك. فيها توفي مسند العراق الحافظ أبو أحمد عبد الوهاب بن سكينة البغدادي الصوفي، سمع الحديث، وقرأ القراءات، وقرأ الفقه والخلاف والنحو. وقال ابن النجار: هو شيخ العراق في الحديث والزهد والسمت وموافقة السنة، كانت أوقاته محفوظة لا يمضي له ساعة إلا في تلاوة، أو ذكر، أو تهجد أو اسماع، وكان يديم الصيام غالبآ ويستعمل السنة في أموره، قال: وما رأيت أكمل منه ولا أكثر عبادة ولا أحسن سمتًا. وفيها توفي الشيخ أبو عمر المقدسي الزاهد محمد بن أحمد المعروف بابن قدامة سمع من جماعة، وكتب الكثير بخطه، وحفظ القرآن والحديث والفقه، وكان إمامًا فاضلأ مقريًا زاهدأ عابدًا قانتاً لله خائفًا من الله منيبًا إلى الله، كثير النفع لخلق الله، ذا أوراد وتهجد واجتهاد وأوقات مقسمة على الطاعات من الصلاة والصيام والذكر، وتعليم العلم، والفتوة والمروة والخدمة والتواضع، وكان عديم النظير في زمانه حطب بجامع الجبل إلى أن توفي في رحمه الله تعالى. سنة ثمان وست مائة فيها قدم بغداد رسول جلال الدجين حسن صاحب الألموت بدخول قومه في الإسلام، وأنهم قد تبرؤوا من الباطنية، وبنوا المساجد والجوامع، وصاموا رمضان، فسر الخليفة بذلك. وفيها وثب قتادة الشريف الحسني أمير مكة على الركب العراقي بمنىً فنهبهم، وقتل جماعة قيل: راح للباس في ذلك ما قيمته ألف ألف دينار.

стр. 1077

وفيها توفي أبو العباس العاقولي أحمد بن الحسن أبي البقاء المقرىء، قرأ القراءات، وسمع الحديث والروايات المتعددات. وفيها توفي العلامة ابن نوح الغافقي محمد بن أيوب الأندلسي، قرأ القراءات، وسمع الحديث، وتفقه وبرع في مذهب ملك، ولم يبق له في وقته نظير في شرق الأندلس تفننًا واستيخارًا، كان رأسًا في القراءات والفقه والعربية، وعقد المشروطة قال: الإبار: تلوت عليه وهو أغزر من لقيت علمًا وأبعدهم صيتًا. وفيها توفي الإمام العلامة محمد بن يونس الملقب عماد الدين الفقيه الشافعي، كان إمام وقته في الأصول والخلاف والجدل، وكان له صيت عظيم في زمانه، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال، وتخرج عليه خلق كثير صاروا كلهم أئمة مدرسين يشار إليهم، وكان مبدأ اشتغاله على أبيه، ثم توجه إلى بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على السديد محمد السلماسي، وكان معيدًا بها، والمدرس يومئذ الشريف يوسف بن بندار الدمشقي، وسمع بها الحديث من أبي عبد الرحمن بن محمد الكشميهني، ومن أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي، وعاد إلى الموصل، ودرس بها في عدة مدارس، وصنف كتبًا في المذهب منها كتاب المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط وشرح الوجيز للغزالي، وصنف جدلاً وعقيدة، وتعليقه في الخلاف، لكنه لم يتمها، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي مع التدريس في المدرسة النورية والغربية والزنكية والنفسية والعلانية، وتقدم في دولة نور الدين ارسلان شاه صاحب الموصل تقدمًا كثيرًا، وتوجه رسولاً إلى بغداد من غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة، واستقل في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم، وتولى القضاء بالموصل، ثم انفصل عنه بأبي الفضائل القاسم بن يحيى الشهرزوري الملقب ضياء الدين، وانتهت إليه رياسة أصحاب الشافعي بالموصل. وكان شديد الورع والتقشف لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق يعني سهلها، لطيف الخلوة ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المباطنة لنور الدين صاحب الموصل، يرجع إليه في الفتاوى، ويشاوره في الأمور، وله صنف العقيدة المذكورة، ولم يزد معه، أو قال: يبحث معه حتى

стр. 1078

انتقل عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما، ولمم يوجد في بيت أتابك مع كثرتهم شافعي سواه. ولما توفي نور الدين توجه إلى بغداد في الرسالة بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل ومعه الخلعة والتقليد، وتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الآداب، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه فإنها ليست على قدر فضائله. وكان الملك المعظم صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: أما مت؟! فقال: بلى، ولكني محترم رحمه الله تعالى. وفيها توفي القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد السعدي، الشاعر المشهور، المصرفي صاحب ديوان الشعر البديع، ونظم رائق الحسن الرفيع أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء، أخذ الحديث عن أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني، وكان كثير التخصيص والنعم، وافر السعادة من الدنيا، حميد الشيم اختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسمي المختصر روح الحيوان، وله ديوان جميعه موشحات سماء دار الطراز وجمع شيئًا من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل، ومن محاسن شعره قوله في غزل قصيدة مدح بها القاضي الفاضل: ولو أبصر النظام جوهر ثغرها ... لما شك فيه أنه الجوهر الفرد ومن قال: إن الخيرزانة قدها ... فقولوا له: إياك أن يسمع القد وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة الله بن وزير، فبلغ القاضي الملقب بالسعيد المذكور أنه هجاه، فأحضره إليه وأد به وشتمه، فكتب إليه أبو الحسن المعروف بابن المنجم الشاعر المشهور: قل للسعيد أدام الله نعمته ... صديق ابن وزير كيف تظلمه صفعته إذا غدا يهجوك منتقمًا ... وكيف من بعد هذا ظلت تشتمه هجو يهجو، وهذا الصفع فيه ربًا ... والشرع ما يقتضيه، بل يحرمه فإن تقل ما بهجو عنده ألم ... فالصفع والله أيضًا ليس يؤلمه

стр. 1079

سنة تسع وست مائة فيها كانت الملحمه العظمى بالأندلس بن الناصر محمد بن يعقوب، وبين الفرنج، فنصر الله الإسلام، والحمد لله استشهد بها عدد كثير وتعرف بوقعة العقاب. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أحمد بن هارون البغوي الشاطبي سمع أباه العلامة ابن هذيل، ولما حج سمع من السلفي، وكان عجبًا في سرد المتون، ومعرفة الرجال الأدب، وكان زاهدًا سلفيًا متفننًا عدم في وقعة العقاب. وفيها توفي الملك الأوحد أيوب بن الملك العادل بن أبي بكر بن أيوب وكان ظلوماً سفاكًا لدماء الأمراء. وفيها توفي أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني الصنعاني الشافعي المحدث، تفقه بظفار، ورحل إلى العراق وأصفهان، وسمع من طائفة منهم أبو المطهر الصيدلاني، وكان مجموع الفضائل، كثير التعبد والعزلة. سنة عشر وست مائة فيها توفي تاج الأمناء أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعدل ابن عساكر والد العز النسابة. وفيها توفي أبو الفضل التركستاني أحمد بن مسعود شيخ الحنفية في العراق، وعالمهم ومدرس مسند الإمام أبي حنيفة. وفيها توفي السلطان شمس الدين، صاحب همدان، وأصفهان، والري وصاحب المغرب الملقب بأمير المؤمنين، محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسي، وكان حسن القامة، أشقر، أشهل، طويل الصمت، كبير الأطراف بعيد الغور، ذا شجاعة وحلم، وفي سنة تسع وتسعين سار ونزل على مدينة فارس فأخذها، ثم سار وحاصر المهدية أربعة أشهر، ثم تسلمها، وقيل: إنه أنفق في هن! السفرة مائة وعشرين حمل ذهب. وفيها توفي أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي، كان إمامًا في علم النحو كثير الإطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون أتى فيها

стр. 1080

بالعجائب، وهي مع الإيجاز مشتملة على كثير من النحو قيل، ولم يسبق إلى مثلها واعتنى بها جماعة من الفضلاء شرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا فلا يفهم حقيقتها، وأكثر النحاة يعترفون بقصور إفهامهم عن إدراك مراده منها، فإنها كلها رموز وإشارات، وقد قال بعض أئمة العربية: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كونه ما أعرفها إن لا أعرف النحو، ويقال: إنه كان يدري شيئًا من المنطق، وعلى جملة، وفي مقدمته المذكورة كلام غامض، وعقود لطيفة، وأشار إلى أصول صناعة النحو وغريبه. وذكر بعضهم أنه كان إذا سئل عنها، هذه من صنعتك؟. قال: لا لأنه كان متورعًا وكان قد جرى بين الطلبة بحث حصلت منه فوائد، فعلقها الجزولي فيها، وفوائد أخرى من كلام شيخه، فسلم يسعه لذلك أن يقول هي من صنعتي، وإن كانت منسوبة إليه، لأنه الذي انفرد بترتيبها. وكان قد دخل إلى الديار المصرية، وأقام بهامدة حجج، ثم رجع إلى بلاد المغرب، وأقام بمدينة بجاية مدة والناس يشتغلون عليه وانتفع به خلق كثير والجزولي بضم الجيم والزاي وسكون الواو نسبة إلى جزولة، وهي بطن من البربر. وفي السنة المذكورة توفيت عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية الأصفهانية. وفيها توفي أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي الفقيه النحوي الأديب الحنفي الخوارزمي، كانت له معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب، قرأ على جماعة، وسمع الحديث من طائفة، وكان رأسا في الاعتزال، داعيًا إليه منتحلاً مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ في الفروع، فصيحًا فاضلاً في الفقه، له عدة تصانيف نافعة منها شرح المقامات للحريري، وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود، وله كتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، وهي للحنفية بمنزلة كتاب الأزهري للشافعية. وما قصر فيه، فإنه أتى جامعا للمقاصد، وله غير ذلك، وانتفع الناس به وبكتبه ودخل بغداد حاجًا، وجرى له هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء وأخذ أهل الأدب عنه، وكان شهير الذكر بعيد الصيت، وله شعر من ذلك قوله: وإني لاستحيي من المجد أن أرى ... حليف عوان أو أليف غواني وقوله: تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا فإن تنكروا فضلي فإن دعاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا

стр. 1081

ويقال: إنه كان بخوارزم خليفة الزمخشري: والمطرزي نسبة إلى من يطرز الثيابة ويرقمها إما هو أو أحد من آبائه. وفيها وقيل: وفي سنة تسع توفي أبو الحسن علي بن محمد الحضرمي المعروف بابن خروف النحوي الأندلسي الإشبيلي، كان فاضلاً في علم العربية، وله فيها مصنفات شهدت بفضله وسعة علمه، شرح كتاب سيبويه شرحًا جيدًا وشرح الجمل لأبي القاسم الزجاجي، هذا غير ابن خروف الشاعر والحضرمي نسبة إلى حضرموت. سنة احدى عشرة وست مائة فيها توفي الحافظ المتقن مسند العراق عبد العزيز بن محمود المعروف بابن الأخضر البغدادي وفيها توفي الإمام الحافظ المفتي علي بن مفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني الفقيه المالكي كان فقيهًا فاضلاً في مذهب الإمام مالك، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، صحب الحافظ أبا طاهر السلفي الأصبهاني. وفيها توفي الشيخ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ولازم صحبته، وبه انتفع، وعليه تخزج، وعليه أنشد أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه: تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامنا المشترك يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حل في المعترك وأنشد أيضاً لنفسه أيا نفس بالمأثور من خير مرسل ... وبأصحابه والتابعين تمسكي عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب نشر له أن تمسكي خافي غدًا يوم الحساب جهنمًا ... إذا لفحت نيرانها أن تمسكي وأنشد أيضا ًلنفسه

стр. 1082

لما تحيي من تحيي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك في فيها وما ذقت فيها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك، وهو موافيها هذا المعنى قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن ذلك قول بشار من جملة أبيات: يا أطيب الناس ريقًا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك وقول آخر: وأخبرني أترابها أن ريقها ... على ما حكى عودًا لأراك لذيذ وكان مدرسًا ونائبًا في الحكم. وفيها توفي الشيخ أبو الحسن بن أبي بكر الهروي، طاف البلاد وأكثر الزيارات حتى كاد يطبق الأرض بالدورات برًا وبحرًا وسهلاً ووعرًا، وكان له فضيلة ومعرفة بعلم السيمياء وبه تقدم عند الملك الطاهر عند السلطان صلاح الدين صاحب حلب، وكان كثير الرعاية له، وبنى مدرسة بظاهر حلب. قال ابن خلكان: رأيت فيها بيتين مكتوبين بخط حسن كتابة رجل فاضل نزل هناك قاصدًا للديار المصرية. وهما. رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا ههنا يريدون مصر نزلوا والخدود بيض، فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا وللهروي المذكور مصنفات منها كتاب الإشارات في معرفة الزيارات وكتاب الخطب الهروية وغير ذلك. سنة اثنتي عشر وست ومائة فيها سار الملك المسعود ابن السلطان الملك الكامل من الديار المصرية عندما بلغه موت صاحب البحرين سيف الإسلام، فاستولى على إقليم اليمن بغير حرب. وفيها استولى خوارزم شاه على غزنة، وهرب ملكها إلى نهاوند، ثم جمع وحشد، والتقى صاحب غزنة.

стр. 1083

وفها انهزم الذي غلب على همدان والري وأصبهان، ثم قتل. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن سلمان الأندلسي، وكان موصوفًا بالاتقان حافظًا لأسماء الرجال، صنف كتابًا في تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، ولم يكمله، وكان إمامًا في العربية والترسل والشعر، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة، وأدب أولاد المنصور صاحب المغرب. وفيها توفي الحافظ عبد القادر الرهاوي، كان مملوكًا لبعض أهل الموصل فأعتقه وحبب إليه فن الحديث، فسمع الكثير، وصنف وجمع، وله الأربعون المتباينة الإسناد والبلاد، وهو شيء ما سبقه إليه أحد ولا يرجوه بعده محدث لخراب البلاد، سمع، وهمدان، وهراة، ومرو، ونيسابور وسجستان، وبغداد ودمشق، ومصر. وقال ابن خلكان: كان حافظًا ثبتًا، كثير التصاينف، ختم به الحديث وقال أبو أسامة: كان صالحًا مهيبًا زاهدًا خشن، العيش، ورعاء ناسكًا. وفيها توفي الوجيه المعروف بابن الدهان المبارك بن المبارك النحوي الضرير الواسطي قرأ القراءات، واشتغل بالعلم، وسمع الحديث من أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليًا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي لما شعر المجلس تدريس النحو بالنظامية، وشرط الواقف أن لا يفوض إلا إلى الشافعي المذهب، وفي ذلك يقول أبو البركات المؤيدين يزيد التكريتي: من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل تمذهب للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما يهوي الذي منه حاصل وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى ملك فأفطن لما أنت قائل وللوجيه المذكور تصنيف في النحو، وله شعر ومنه قوله:

стр. 1084

ولست أستفتح اقتضاك بالوعد ... وإن كنت سيد الكرماء فإله السماء قد ضمن الرزق ... عليه ويقتضي بالدعاء وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الحسن علي بن حميد الصعيدي المعروف بابن الصباغ صاحب أحوال سنية ومقامات علية وأنفاس صادقة، وكرامات خارقة، وفضائل جليلة، ومواهب جزيلة صحب الشيخ الكبير عبد الرحيم القناوي، وتخرج به، وكان والده صباغًا، وكان يريد أن يكون ولده صباغًا مثله، ولا يرى بما هو عليه من الاشتغال بسلوك طريق الصوفية، حتى كان بعض الأيام، فاشتد غضبه عليه وخاصمه كما اقتضى الوقت، وهو مشتغل عن الصباغ والثياب على حالها لم يصبغها، وعنده أزيار متعددة فيها أصباغ مختلفة الألوان يصبغ كل ثوب في زير منها على حسب ما يطلب صاحبه من ألوان الصبغ، فأخذوا أبو الحسن مجموع الثياب، وطرحها في زيرواحد فصاح والده، وإنغاظ عليه غيظًا شديدًا، وقال: أتلفت ثياب الناس، فأدخل أبو الحسن يده في الزير، وأخرجها جميعها، وكل واحد منها مصبوغ باللون الذي أراد صاحبه، فعند ذلك اندهش عقل والده وهاله ما رأى من تلك الكرامة التي ظهرت عليه، وسلم له حاله، واعتقد ما هو مائل إليه من السلوك لطريق الصوفية، وخلاه من تلك الصنعة بالكلية، ولما انتهى حاله وصار من أجلاء المرادين التمس منه الصحبة خلايق من المريدين، وكان لا يصحب إلا من يراه مكتوباً في اللوح المحفوظ من أصحابه، فجاءه إنسان يطلب منه الصحبة وخدمة الفقراء في بعض الوظائف، فأطرق الشيخ ساعة ثم رفع رأسه، وقال: ما بقي عندنا وظيفة، فقال: يا سيدي لا بد أن تفكر لي في خدمة، فقال: ما عندنا خدمة إلا إن كنت تذهب وتأتي كل يوم بحزمة من الحلفاء، قال: نعم يا سيدي فصار كل يوم يأخذ المحش ويأتي بحزمة منها، فلما كان بعد مدة أوجعته يده فرمى بالمحش وترك الفقراء وذهب، فبينا هو في بعض الطريق رأى في منامه كأن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فمنهم الناجي، ومنهم الواقع في النار نسأل الله السلامة، فلم يقدر يجوز، وبقي في خطر عظيم يكاد يقع فيها، فطلب شيئًا يستمسك، فلم يجد وبقي متحيرًا مشرفًا على الهلاك، وإذا حزمة من حزم الحلفاء تحته في النار مارة عليها، فرمى بنفسه فوقها، حتى أخرجته منها ناجيًا بلطف الله تعالى، فاستيقظ مرعوبًا من هول ما رأى، فرجع إلى الشيخ، فلما وقع بصر الشيخ

стр. 1085

عليه، قال له: ما قلنا لك ما عندنا خدمة تصلح لك سوى قطع الحلفاء، فاستغفر الله، وعاد، ما كان عليه، وكان ابن الصباغ المذكور جليلاً، وناهيك لجلالته أن الشيخ الكبير الجليل القدر الشهير أبا عبد الله القرشي لما مات شيخه أصابته وحشة، فذهب إليه، وتأنس به رضي تعالى عنه مع الجميع منهم ونقضا بهم. سنة ثلاث عشرة وست مائة فيها قيل: وقع بالبصرة برد أصفر كالتارنجة الكبيرة، وأكبره ما يستحيي الإنسان أن يذكره وفيها: توفي العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي المعروف البغدادي المولد والمنشأ والدمشقي الدار: والوفاة النحوي اللغوي المقري أكمل القراءات العشرة وله عشرة أعوام. قال بعضهم: وهذا ما لا أعلمه تهيأ لأحد سواه أتقن القراءات والعربية على جماعة، وقال الشعر الجيد، ونال الجاه الوافر، فإن الملك المعظم كان قديم الاشتغال عليه، وكان ينزل من القلعة إليه، وكان أوحد عصره في فنون الأدب وعلو السماع، لقي جلة المشائخ، وأخذ عنهم، منهم الشريف أبو السعادات بن الشجري وأبو محمد بن الخشاب، وأبو منصور بن الجواليقي استوطن بدمشق بعد أسفار سافرها، وقصده الناس، وأخذوا عنه، وله كتاب نسخه على حروف المعجم قال ابن خلكان: أخبرني أحد أصحابه أنه قال: كنت قاعدًا على باب ابن الخشاب النحوي ببغداد، وقد خرج من عنده الزمخشري الإمام المشهور، وهو يمشي في خشب لأن احدى رجليه كانت سقطت من الثلج، والناس يقولون: هذا الزمخشري ونقل من خطه قال: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وبه ختم الله فضلاؤهم وكان محققاً بالاعتزال ورأيته عند شيخنا ابن الجواليقي مرتين قارئًا بعض كتب، اللغة من فواتحها، مستجيزا لها لأنه لم يكن له على ما عنده من العلم لقاء ولاراوية ولأبي اليمن شعر من جملته قوله، حين طعن في السن: أرى المرء يهوى أن تطول حياته ... وفي طولها إرهاق ذل وإزهاق تمنيت في عصر الشبيبة أنني ... أعمر والأعمال لا شك أرزاق فلما أتاني ما تمنيت ساءني ... من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق

стр. 1086

تخيل لي فكري إذا كنت خاليًا ... ركوبي على الأعناق والسير أعناق ويذكرني مر النسيم وروحه ... ضمائر يعلوها من الترب أطباق وها أنا في إحدى وتسعين حجة ... لها في إرعاد مخوف وإبراق يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلا رحمة الله ترايق ولما توفي نزل الناس بموته درجة في القراءات، وفي الحديث لأنه أخر من سمع ممن هو أعلى أهل عصره سندًا. وفيها توفي الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان ملكًا عظيمًا مهييًا حازمًا متيقظًا، كثير الاطلاع على أخبار الملوك، وأحوال رعيته، عالي الهمة، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، ملقبًا بغياث الدين، محباً للعلماء مجيزًا للشعراء، ويحكي من سرعة ادراكه أشياء حسنة، منها أنه جلس يومًا فعرض العسكر، وكلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه، حتى حضر واحد، فسألوه، فقبل الأرض، فلم يفطن أحد منهم لما أراد فأعادوا سؤاله، فقال الملك الطاهر: اسمه غازي، وكان كذلك وإنما لم يذكر اسمه أدباً لكونه موافقًا الاسم السلطان المذكور. وفيها توفي الفقيه الإمام معين الدين محمد بن إبراهيم السهيلي الشافعي مؤلف الكافية في الفقه في مجلد، كان إمامًا فاضلاً متفننًا مبرزًا، وله كتاب ايضاح الوجيز في مجلدين أحسن فيه، وله طريقة مشهورة في الخلاف والقواعد المشهورة المنسوبة إليه، واشتغل عليه الناس، وانتفعوا به وبكتبه من بعده خصوصًا القواعد، فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها، توفي بكرة يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رجب من السنة المذكورة. وفيها توفي العز محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي، سمع وكتب الكثير وارتحل، وكان حافظًا فقيهًا ذا فنون ومروءة تامة، وديانة متينة، موصوفًا بحسن القراءات وجودة الفهم. سنة أربع عشرة وست مائة فيها سار خوارزم شاه في أربع مائة ألف راكب إلى أن وصل همدان قاصدًا بغداد ليتملكها، ويحكم على الناصر لدين الله، فاستعد الناصر، وفرق الأموال والسلاح وراسله، فلم يلتفت إليه، قال الرسول: أدخلت إليه في خيمة عظيمة لم أر مثل دهيلزها،

стр. 1087

والأطناب حرير، وفي الخدمة ملوك العجم، وما وراء النهر، وهو شاب عليه شعرات قاعد على تخت، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قلنسوة جلد يساوي درهمًا، فسلمت فما رد ولا أمرني بالجلوس، فخطبت وذكرت فضل بني العباس، وأطنبت في فضل الخليفة والترجمان يخبره، فقال: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا أجيء وأقيم خليفة هكذا، ثم ردنا بلا جواب واتفق أن نزل بهمدان ثلج عظيم أهلك خيلهم، وركب هو يوماً فعثر به فرسه، فتعطب، وقلت الأقوات على جيوشه ولطف الله فردوا. وفيها تخربت الفرنج على الملك العادل، ونزلوا على عين جالوت، وقطعوا الشريعة، وسبوا اليزك بالمثناة من تحت والزاي يعني الجرس وعانوا في البلاد، وتهيأ أهل دمشق للحصار، واستحث العادل ملوك النواحي على النجدة، فرجعت الفرنج بالغنائم والسبي إلى نحو عكا، هكذا أذكره الذهبي عكا بالألف وكانوا خمسة عشر ألفًا. وفيها توفي العماد المقدسي إبراهيم بن عبد الواحد أخو الحافظ عبد الغني قيل: وكان صواماً قوامًا، صاحب أحوال وكرامات، سمحًا متفضلاً ورعًا متواضعًا. وفيها توفي قاضي القضاة عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الدمشقي الشافعي، سمع من الكبار، ودرس وأفتى وبرع في المذهب وانتهى إليه علو الإسناد، وكان صالحًا عبادًا من قضاة العدل. سنة خمس عشرة وست مائة فيها الملك الأشرف موسى كسر ملك الروم كيكاوس، ثم أخذ عسكره وعسكر حلب، خل بلاد الفرنج ليشغلهم عن دمياط، فأقبل صاحب الروم لأعمال حلب، وأخذ بعض نواحيها، فقصده الملك الأشرف، وقدم بين يديه العرب، فكسروا والروم، وهزموهم. وفيها التقى الملك المعظم الروم، فكسرهم، وقتل خلقًا وأسر مائة فارس، ولكنه تمقت إلى الناس بإدارة المكوس والجبايات بدمشق، واعتذر لما عنفوه بقلة المال، وخرب بايناس، وبعض البلاد مما يلي تلك الجهة، وكانت قفلاً للشام، وزعم أنه فعل ذلك خوفاً من استيلاء الفرنج، وكذلك خرب قلعة منيعة كان قد أنشأها على الطور، وعجز عن حفظها لإحتياجها إلى المال والرجال.

стр. 1088

وفيها توفي صاحب مصر والشام السلطان الملك العادل سيف الدين محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب، كان أخوه صلاح الدين يستشيره ويعتمد على رأيه لعقله ودهائه، ثم تقلبت به الأحوال بقدرة القدير ذي الجلال، واستولى على المالك وتسلطن ابنه الملك الكامل على الديار المصرية وابنه المعظم على الشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه على خلاط، وابن ابنه المسعود على اليمن، وكان ملكًا جليلاً طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جماعًا للمال، ذا حلم وسؤدد وله نصيب من صوم وصلاة، وكان يضرب به المثل في كثرة أكله، ولم يكن محببًا إلى الرعية لمجيئه بعد الدولتين النورية والصلاحية. قال الملك العادل: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى حرمدان يعني الذي يسميه الناس اليوم حمدان، فطلبته من والدي، فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر، فاعطني ملؤه ذهبًا، فلما جاء إلى مصر، قال: يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم السود، وجعلت على أعلاه شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلما آره اعتقده ذهباً، فقلبه وظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من دغل المصريين. ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام، واستدعي منه الأموال للانفاق في الجند وغيرهم، فتقدم السلطان إلى العماد الأصفهاني إلى أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على انفاذها. حتى قال: يسير الحمل من مالنا أو من ماله ولما وصل إليه الكتاب شق عليه، فشكا إلى القاضي الفاضل، وكتب الفاضل جوابه ومن جملته وإمامًا ذكره المولى من قوله يسير الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة لم يكن المقصود بها النجمة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فضة، وكلمة فيها غلظة، حيرت الأقلام، وسدت خلل الكلام وخلف تسعة عشر ابنًا تسلطن منهم خمسة. الكامل، والمعظم، والأشرف، والصالح وشهاب الدين غازي. وفيها توفي صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود بن السلطان نور الدين ارسلان شاه ابن المسعود الأتابكي وصاحب الروم السلطان الملك الغالب عز الدين بن كيكاوس. وفيها توفي محدث بغداد الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي. وفيها توفي الفقه أبو حامد محمد بن محمد العميدي الحنفي السمرقندي،

стр. 1089

كان إماماً في فن الخلاف، وهو أول من آفرده بالتضيف، ومن تقدمه، كان يمزجه بخلاف المتقدمين، ومن تصانيفه أيضًا كتاب النفائس اختصره شمس الدين أحمد بن الجليل الفقيه الشافعي الجوني قاضي دمشق وسماه عرائس النفائس، وكان كريم الأخلاق، كثير التواضع، طيب المعاشرة. وفيها توفي الفقيه العلامة عماد الدين أبو القاسم الدامغاني قاضي القضاة عبد الله بن حسين، ولي القضاء بالعراق نحو ثمان سنين، ثم عزل، وأبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد القرشي التيمي البكري الصوفي. وفيها توفيت أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني الأصل، النيسابوري الدار، الصوفي المذهب المعروف بالشعري بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وكسر الراء، كانت عالمة أدركت جماعة من العلماء، وأخذت عنهم رواية واجازة منهم الإمام أبو المظفر بن عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري والحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وأبو البركات ابن الإمام محمد بن الفضل الفزاري والعلامة أبو القاسم الزمخشري صاحب الكشاف وغيرهم. سنة ست عشرة وست مائة في أولها خرب الملك المعظم سور بيت المقدس خوفًا وعجزأ من الفرنج أن يملكه، فشتت أهله وتضرروا، وكان هو مع أخيه الكامل في كشف الفرنج عن دمياط، وتمت لهم للمسلمين حروب وقتال كثير، وجدت الفرنج في محاصرة دمياط، وعملوا عليهم خندقًا كبيرًا، وثبت أهل البلد ثباتًا لم يسمع بمثله، وكثر فيهم القتل والجراح، وعدمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان وتسارعت الفرنج من كل فج عميق، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم وترجوا أخذ ديار مصر، وأشرف الإسلام على الإنكسار والدمار، وأقبل أعداء الله من المشرق والمغرب، وأقبل المصريون على الجلاء فيهم الكامل إلى أن سار أخوه الأشرف كما سيأتي في سنة ثمان عشر وست مائة. وفيها توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الضريري النحوي صاحب التصانيف، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب وغيره من مشائخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي المعروف بابن البطي، ومن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وغيرهما، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه على ما قيل:

стр. 1090

وكان الغالب عليه علم النحو وتصانيفه مفيده منها شرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي وديوان المتنبي واعراب القرآن الكريم في جزأين وكتاب اعراب الحديث وكتاب شرح اللمع لابن جني وكتاب اللباب في علل النحو وكتاب اعراب شعر الحماسة وشرح المفصل للزمخشري شرحًا مفصلاً وشرح الخطيب النباتية والمقامات الحريرية، وصنف في النحو والحساب، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به واشتهر اسمه في البلاد في حياته وبعد صيته، وحكى في شرح المقامات عند ذكر العنقاء أن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له: دمح صاعد في السماء قد رميل، وكانت به طيور كثيرة، وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخلق طويلة العنق لها وجه إنسان وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل، فتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير، فانقضت على صبي، فذهبت به، فسميت عنقاء مغرب والمغرب الني يجيء بالغرائب لإبعادها بما تذهب به، ثم ذهبت بجارية أخرى، فشكى أهل الرسل إلى نبيهم حنظلة بن صفوان، فدعا عليها فأصابتها صاعقة، فاحترقت، والله أعلم انتهى. قال بعض أهل العلم: هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس كان في زمن الفترة بين عيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهما. وذكر بعض المؤرخين، وهو الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان ما لم يوجد عند غيره، فمن ذلك العنقاء، وهي طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلسون، وأعظم جسما منه له غبب ولحية، وعلى رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان، ومشابهة من طيور كثيرة. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الطير، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الله تعالى خلق في زمن موسى طائرة اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان وأعطاها من كل شيء قسطًا، وخلق لها ذكر أمثلها، وأوحي إليه إني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس وأنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضلت به بني إسرائيل، فتناسلا، وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت، فوقعت بنجدوا الحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن شكوها إلى النبي ﵌، فدعا الله تعالى، فقطع نسلهما وانقرضت، والله أعلم. قلت: وأما ما يقال في المثل في عدم وجود بعض الأشياء كالعنقاء يسمع بها ولا يرى
следующие страницы →