Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
تخيل لي فكري إذا كنت خاليًا ... ركوبي على الأعناق والسير أعناق
ويذكرني مر النسيم وروحه ... ضمائر يعلوها من الترب أطباق
وها أنا في إحدى وتسعين حجة ... لها في إرعاد مخوف وإبراق
يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلا رحمة الله ترايق
ولما توفي نزل الناس بموته درجة في القراءات، وفي الحديث لأنه أخر من سمع ممن هو أعلى أهل عصره سندًا.
وفيها توفي الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان ملكًا عظيمًا مهييًا حازمًا متيقظًا، كثير الاطلاع على أخبار الملوك، وأحوال رعيته، عالي الهمة، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، ملقبًا بغياث الدين، محباً للعلماء مجيزًا للشعراء، ويحكي من سرعة ادراكه أشياء حسنة، منها أنه جلس يومًا فعرض العسكر، وكلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه، حتى حضر واحد، فسألوه، فقبل الأرض، فلم يفطن أحد منهم لما أراد فأعادوا سؤاله، فقال الملك الطاهر: اسمه غازي، وكان كذلك وإنما لم يذكر اسمه أدباً لكونه موافقًا الاسم السلطان المذكور. وفيها توفي الفقيه الإمام معين الدين محمد بن إبراهيم السهيلي الشافعي مؤلف الكافية في الفقه في مجلد، كان إمامًا فاضلاً متفننًا مبرزًا، وله كتاب ايضاح الوجيز في مجلدين أحسن فيه، وله طريقة مشهورة في الخلاف والقواعد المشهورة المنسوبة إليه، واشتغل عليه الناس، وانتفعوا به وبكتبه من بعده خصوصًا القواعد، فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها، توفي بكرة يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رجب من السنة المذكورة.
وفيها توفي العز محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي، سمع وكتب الكثير وارتحل، وكان حافظًا فقيهًا ذا فنون ومروءة تامة، وديانة متينة، موصوفًا بحسن القراءات وجودة الفهم.
سنة أربع عشرة وست مائة
فيها سار خوارزم شاه في أربع مائة ألف راكب إلى أن وصل همدان قاصدًا بغداد ليتملكها، ويحكم على الناصر لدين الله، فاستعد الناصر، وفرق الأموال والسلاح وراسله، فلم يلتفت إليه، قال الرسول: أدخلت إليه في خيمة عظيمة لم أر مثل دهيلزها،
стр. 1087
والأطناب حرير، وفي الخدمة ملوك العجم، وما وراء النهر، وهو شاب عليه شعرات قاعد على تخت، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قلنسوة جلد يساوي درهمًا، فسلمت فما رد ولا أمرني بالجلوس، فخطبت وذكرت فضل بني العباس، وأطنبت في فضل الخليفة والترجمان يخبره، فقال: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا أجيء وأقيم خليفة هكذا، ثم ردنا بلا جواب واتفق أن نزل بهمدان ثلج عظيم أهلك خيلهم، وركب هو يوماً فعثر به فرسه، فتعطب، وقلت الأقوات على جيوشه ولطف الله فردوا.
وفيها تخربت الفرنج على الملك العادل، ونزلوا على عين جالوت، وقطعوا الشريعة، وسبوا اليزك بالمثناة من تحت والزاي يعني الجرس وعانوا في البلاد، وتهيأ أهل دمشق للحصار، واستحث العادل ملوك النواحي على النجدة، فرجعت الفرنج بالغنائم والسبي إلى نحو عكا، هكذا أذكره الذهبي عكا بالألف وكانوا خمسة عشر ألفًا.
وفيها توفي العماد المقدسي إبراهيم بن عبد الواحد أخو الحافظ عبد الغني قيل: وكان صواماً قوامًا، صاحب أحوال وكرامات، سمحًا متفضلاً ورعًا متواضعًا.
وفيها توفي قاضي القضاة عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الدمشقي الشافعي، سمع من الكبار، ودرس وأفتى وبرع في المذهب وانتهى إليه علو الإسناد، وكان صالحًا عبادًا من قضاة العدل.
سنة خمس عشرة وست مائة
فيها الملك الأشرف موسى كسر ملك الروم كيكاوس، ثم أخذ عسكره وعسكر حلب، خل بلاد الفرنج ليشغلهم عن دمياط، فأقبل صاحب الروم لأعمال حلب، وأخذ بعض نواحيها، فقصده الملك الأشرف، وقدم بين يديه العرب، فكسروا والروم، وهزموهم. وفيها التقى الملك المعظم الروم، فكسرهم، وقتل خلقًا وأسر مائة فارس، ولكنه تمقت إلى الناس بإدارة المكوس والجبايات بدمشق، واعتذر لما عنفوه بقلة المال، وخرب بايناس، وبعض البلاد مما يلي تلك الجهة، وكانت قفلاً للشام، وزعم أنه فعل ذلك خوفاً من استيلاء الفرنج، وكذلك خرب قلعة منيعة كان قد أنشأها على الطور، وعجز عن حفظها لإحتياجها إلى المال والرجال.
стр. 1088
وفيها توفي صاحب مصر والشام السلطان الملك العادل سيف الدين محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب، كان أخوه صلاح الدين يستشيره ويعتمد على رأيه لعقله ودهائه، ثم تقلبت به الأحوال بقدرة القدير ذي الجلال، واستولى على المالك وتسلطن ابنه الملك الكامل على الديار المصرية وابنه المعظم على الشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه على خلاط، وابن ابنه المسعود على اليمن، وكان ملكًا جليلاً طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جماعًا للمال، ذا حلم وسؤدد وله نصيب من صوم وصلاة، وكان يضرب به المثل في كثرة أكله، ولم يكن محببًا إلى الرعية لمجيئه بعد الدولتين النورية والصلاحية.
قال الملك العادل: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى حرمدان يعني الذي يسميه الناس اليوم حمدان، فطلبته من والدي، فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر، فاعطني ملؤه ذهبًا، فلما جاء إلى مصر، قال: يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم السود، وجعلت على أعلاه شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلما آره اعتقده ذهباً، فقلبه وظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من دغل المصريين. ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام، واستدعي منه الأموال للانفاق في الجند وغيرهم، فتقدم السلطان إلى العماد الأصفهاني إلى أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على انفاذها. حتى قال: يسير الحمل من مالنا أو من ماله ولما وصل إليه الكتاب شق عليه، فشكا إلى القاضي الفاضل، وكتب الفاضل جوابه ومن جملته وإمامًا ذكره المولى من قوله يسير الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة لم يكن المقصود بها النجمة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فضة، وكلمة فيها غلظة، حيرت الأقلام، وسدت خلل الكلام وخلف تسعة عشر ابنًا تسلطن منهم خمسة. الكامل، والمعظم، والأشرف، والصالح وشهاب الدين غازي.
وفيها توفي صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود بن السلطان نور الدين ارسلان شاه ابن المسعود الأتابكي وصاحب الروم السلطان الملك الغالب عز الدين بن كيكاوس.
وفيها توفي محدث بغداد الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي.
وفيها توفي الفقه أبو حامد محمد بن محمد العميدي الحنفي السمرقندي،
стр. 1089
كان إماماً في فن الخلاف، وهو أول من آفرده بالتضيف، ومن تقدمه، كان يمزجه بخلاف المتقدمين، ومن تصانيفه أيضًا كتاب النفائس اختصره شمس الدين أحمد بن الجليل الفقيه الشافعي الجوني قاضي دمشق وسماه عرائس النفائس، وكان كريم الأخلاق، كثير التواضع، طيب المعاشرة.
وفيها توفي الفقيه العلامة عماد الدين أبو القاسم الدامغاني قاضي القضاة عبد الله بن حسين، ولي القضاء بالعراق نحو ثمان سنين، ثم عزل، وأبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد القرشي التيمي البكري الصوفي.
وفيها توفيت أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني الأصل، النيسابوري الدار، الصوفي المذهب المعروف بالشعري بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وكسر الراء، كانت عالمة أدركت جماعة من العلماء، وأخذت عنهم رواية واجازة منهم الإمام أبو المظفر بن عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري والحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وأبو البركات ابن الإمام محمد بن الفضل الفزاري والعلامة أبو القاسم الزمخشري صاحب الكشاف وغيرهم.
سنة ست عشرة وست مائة
في أولها خرب الملك المعظم سور بيت المقدس خوفًا وعجزأ من الفرنج أن يملكه، فشتت أهله وتضرروا، وكان هو مع أخيه الكامل في كشف الفرنج عن دمياط، وتمت لهم للمسلمين حروب وقتال كثير، وجدت الفرنج في محاصرة دمياط، وعملوا عليهم خندقًا كبيرًا، وثبت أهل البلد ثباتًا لم يسمع بمثله، وكثر فيهم القتل والجراح، وعدمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان وتسارعت الفرنج من كل فج عميق، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم وترجوا أخذ ديار مصر، وأشرف الإسلام على الإنكسار والدمار، وأقبل أعداء الله من المشرق والمغرب، وأقبل المصريون على الجلاء فيهم الكامل إلى أن سار أخوه الأشرف كما سيأتي في سنة ثمان عشر وست مائة.
وفيها توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الضريري النحوي صاحب التصانيف، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب وغيره من مشائخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي المعروف بابن البطي، ومن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وغيرهما، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه على ما قيل:
стр. 1090
وكان الغالب عليه علم النحو وتصانيفه مفيده منها شرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي وديوان المتنبي واعراب القرآن الكريم في جزأين وكتاب اعراب الحديث وكتاب شرح اللمع لابن جني وكتاب اللباب في علل النحو وكتاب اعراب شعر الحماسة وشرح المفصل للزمخشري شرحًا مفصلاً وشرح الخطيب النباتية والمقامات الحريرية، وصنف في النحو والحساب، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به واشتهر اسمه في البلاد في حياته وبعد صيته، وحكى في شرح المقامات عند ذكر العنقاء أن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له: دمح صاعد في السماء قد رميل، وكانت به طيور كثيرة، وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخلق طويلة العنق لها وجه إنسان وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل، فتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير، فانقضت على صبي، فذهبت به، فسميت عنقاء مغرب والمغرب الني يجيء بالغرائب لإبعادها بما تذهب به، ثم ذهبت بجارية أخرى، فشكى أهل الرسل إلى نبيهم حنظلة بن صفوان، فدعا عليها فأصابتها صاعقة، فاحترقت، والله أعلم انتهى.
قال بعض أهل العلم: هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس كان في زمن الفترة بين عيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهما.
وذكر بعض المؤرخين، وهو الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان ما لم يوجد عند غيره، فمن ذلك العنقاء، وهي طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلسون، وأعظم جسما منه له غبب ولحية، وعلى رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان، ومشابهة من طيور كثيرة.
وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الطير، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الله تعالى خلق في زمن موسى طائرة اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان وأعطاها من كل شيء قسطًا، وخلق لها ذكر أمثلها، وأوحي إليه إني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس وأنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضلت به بني إسرائيل، فتناسلا، وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت، فوقعت بنجدوا الحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن شكوها إلى النبي ﵌، فدعا الله تعالى، فقطع نسلهما وانقرضت، والله أعلم.
قلت: وأما ما يقال في المثل في عدم وجود بعض الأشياء كالعنقاء يسمع بها ولا يرى
стр. 1091
على هذا يكون المراد بعدم رؤيتها بعد الانقراض المذكور.
وقال بعضهم: شيئان يسمع بهما ولا يريان العنقاء والغول، هكذا قيل قلت: ولكن قد حكي في رواية الغول حكايات كثيرة وإنها تتلون وإلى ذلك أشار كعب بن زهير في قوله:
ولا تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
وهي من سعالى الشياطين تعوذ بالله منهم، وقد قيل: إنها تجيء بعض الناس في صورة امرأة حسناء، ثم تسحره حتى يصير في صورة حمار، فتركب عليه وتركضه إلى حيث شاء، ثم تتركه أو ترده، ثم تروح وتخليه، وعلى لسان حال من وقع له هذا قلت أبياتًا في وصف الدنيا مشبهًا لها بالغول على طريق الخناس منها قولي.
كغول ذي غول ذي خداع ... وجابي الأرض ركضًا، ثم جابي
سعى لي مع سعالى ثم دلى ... يد الماجري بي في جرابي
ولي أهوى بما أهوى، فلما ... ترقي في حرابي في حرابي
رمى نحري لنحري ثم جهدي ... أنادي بالحرابي وأحرابي
ومعنى قولي في البيت الأول وجابي الأرض من الوحي الذي هو الدق أي ركض بي، وقولي في آخره: ثم جابي من المجيء أي ردني، وفي البيت الثاني سعالى من سعى يسعى مع سعالى جمع سعلان لما جرى بي من الجري، وفي جرابي الجراب المعروف، ولي أهوى أي أخرج من الجراب شيئًا أهوى به إلي بما أهوى أي بما أحب، والمعني أنه طمنني حتى أسكت خداعًا منه، فلما ترقي في حرابي حرًا هو الجبل المبارك المعروف الذي ترقي فيه، وفي حراب الثاني جمع حربة رمي نحري أي بتلك الحراب لنحري أي لقتلي كما ينحر الناقة، معنى أنادي بالحرابي أي بالجهد والطاقة مني التي لا أقدر على غيرها، وأحرابي من الحرب أي جهدي أقول واحرباه.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله المعروف بابن شاس الجذامي المصري شيخ المالكية. صاحب كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وضعه على ترتيب وجيز الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
قال ابن خلكان: والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه، وكثرة فوائده، وكان مدرساً بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع، وتوجه لمجاهدة العدو لما أخذ دمياط، فتوفي هناك ﵀، كان من أكبار أئمة العالمين، حج في أواخر عمره، ورجع وامتنع من الفتيا
стр. 1092
إلى أن مات مجاهدًا في سبيل الله.
وفيها توفي الحافظ علي بن القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر وصاحب سنجار الملك المنصور قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، وست الشام الخاتون بنت أيوب أخت الملك العادل، توفيت في دمشق، ودفنت في مدرستها الشامية.
وفيها توفي أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي المعروف بابن الدهان الموصلي الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذب، كان فيها أديبًا فاضلاً شاعرًا، لطيف الشعر، مليح السبك، حسن المقاصد، غلب عليه الشعر واشتهر به، وله ديوان صغير وكله جيد، وهو من أهل الموصل. لما ضاقت به الحال عزم على قصد الوزير بمصر الملقب الملك الصالح، وعن استصحاب زوجته، فكتب إلى نقيب العلويين بالموصل أبي طاهر زيد بن محط الحسيني هذه الأبيات.
وذات شجو أسأل البين غيرتها ... باتت تؤمل بالتقييد امساكي
لجت فلما رأتني لا أصيخ لها ... بكت فأقرح قلبي خفتها الباكي
قالت وقد رأت الأجمال محدجة ... والبين قد جمع المشكو والشاكي
مالي إذا غبت في ذا المحل قلت لها: ... الله وابن عبيد الله مولاك
لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد ... سألت نواء الثريا جوف معناك
فكفل بالشريف بن عبيد الله المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته عنها فتوجه إلى مصر، ومدح الصالح بقصيدته الكافية أولها.
أما كفاك تلافي في تلافيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبيكا
ومنها:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم ... والشعر مازل عند لترك متروكا
لانلت وصلك إن كان الذي زعموا ... ولا شفا ظمأى جود ابن رزيكا
стр. 1093
ابن رزيك بضم الراء وكسر الزاي المشددة، وهو الممدوح، وقال العماد الكاتب أنشدني:
تردي الكتائب كتبه فإذا انبرى ... لم يمر أنفذا أسطرا أم عسكرا
وفي معنى تشبيه القلم بالعسكر قول بعضهم:
قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم استمدوا بها ما المنيات
نالوا بها في أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحد المشرفيات
سنة سبع عشرة وست مائة
في رجب منها حصلت وقعة البرنس بين الكامل والفرنج، وكان فتحًا نصر الله فيه المسلمين، وقتل من الملاعين عشرة آلاف، وانهزموا إلى دمياط.
وفيها حج بالعراقيين مملوك الخليفة الناصر اشتراه بخمسة آلاف دينار، وكان معه
تقليد بمكة لحسن بن قتادة، وكان أبوه قد مات في وسط العام، فجاءه بعرفات، فقال: أنا أكبر أولاد قتادة، فولى، فتوهم حسن أنه معزول، فأغلق أبواب مكة، فركب المملوك ليسكن الفتنة، وقال: ما قصدي قتال، فثار به العبيد والأشرار وحملوه، فانهزم أصحابه، فتقدم عبد فعرفت فرسه، فذبحوه، وعلقوا رأسه، وأرادوا نهب العراقيين، فقام في ذلك أمير الشاميين المعتمد والي دمشق ورد معه ركب العراق.
وفيها أخذت التتار بالتاء المثناة من فوق مكررة قبل الألف، وبعدها راء كثيرًا من البلدان منها بخارى، وسمرقند، ثم عبر نهر جيحون، واستولى على خراسان قتلاً وسبيًا وتخريباً إلى حدود العراق بعد أن هزموا جيوش خوارزم، ومزقوهم، ثم عطفوا على قزوين فاستباحوها، وكذلك استباحوا أذربيجان، وحاصروا تبريز، وبها أن البهلوان، فبذل لهم أموالاً وتحفًا، فرحلوا عنه، وحاربوا الكرخ، وهزموهم، ثم ساروا إلى مراغة وأخذوها بالسيف ثم كروا نحو إربل، فاجتمع لحربهم عسكر العراق والموصل مع صاحب إربل، فهابوهم، وعرجوا على همدان، فحاربهم أهلها أشد محاربة في العام المقبل، وأخذوها بالسيف وأحرقوها، ثم نزلوا على بيلقان وأخذوها بالسيف وقتلوا ثم حاربوا الكرخ أيضًا،
стр. 1094
وقتلوا منهم ثلاثين ألفًا، ثم سلكوا طرقأ وعرة في الجبال إلى أن وصلوا بلاد اللان وفيها طوائف من الترك، وقليل من المسليمن، فالتقوا وكانت الدائرة على اللان، فقتلوا وسبوا ومروا إلى أن وصلوا مدينة سوادق ولم يزالوا يطوون الأرض ويضربون إلى أن كلت أسلحتهم وتكلكلت أيديهم مما قتلوا من النساء والأطفال، فضلاً عن الرجال، وكان خوارزم شاه بطلاً مقدامًا، وعسكره أوباشًا ليس لهم أقطاع، ولا ديوان بل يعيشون من النهب والغارات، وهم ما بين تركي كافر، أو مسلم جاهل لا يعرفون تعبية العسكر في المصاف، ولا أدمنوا إلا على المهاجمة وما لهم زرديات ولا عدة جيدة للحرب ثم أنه كان يقتل بعض القبيلة، ويستخدم باقيها، ولم يكن فيه شيء من المداراة لا لجنده ولا لعدوه، ويحرش بالتتار، وهم يغضبون على من يرضيهم، فكيف من يبغضهم ويوذيهم؟! فخرجوا عليه وهم بنواب وأولو كلمة مجتمعة وقلب واحد ورئيس مطاع، فلم يمكن خوارزم شاه أن يقف بين أيديهم ولكل أجل كتاب.
وفي السنة المذكورة توفي قاضي القضاة زكي الدين محمد بن يحيى القرشي الدمشقي، كان ذهيبة، وسطوة، وحشمة، وكان الملك المعظم يكرهه فاتفق أنه طالب جابي العزيزية بالحساب، فأساء الأدب عليه فأمر بضربه بين يديه، فوجد المعظم سبيلاً إلى أذيته، وبعث إليه بخلعة أمير قباء وكلوته، وألزمه يلبسها في مجلس حكمه، ففعل، ثم قام، فدخل ولزم بيته ومات كمدًا يقال: إنه رمي قطعًا من كبده، ومات كهلاً، فندم المعظم.
وفيها توفي الشيخ المقدم أسد الشام عبد الله بن عثمان اليويثيني، كان شيخًا مهيبًا طوالاً حاد الحال، تام الشجاعة أمارًا بالمعروف نهاء على المنكر، كثير الجهاد، دائم الذكر، عظيم الشأن، منقطع القرين، صاحب مجاهدات، وكان الأمجد صاحب بعلبك يزوره، وكان يهينه ويقول: يا مجيد أنت تظلم. وتفعل وتفعل، وهو يعتذر إليه وقيل: كان قوسه ثمان عشرة رطلاً، وكان لا يبالي بالرجال، قلوا أم كثروا، وكان ينشد هذه الأبيات ويبكي.
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم ... وكل كريم للشفيع قبول
وعذري إليكم أنني في هواكم ... أسير وما سور الغرام ذليل
стр. 1095
فإن تقبلوا عذري فأهلاً ومرحبًا ... وإن لم تجيبوا فالمحب حمول
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم ... عسى لي إلى ذاك الجناب وصول
توفي في شهر ذي الحجة، وهو صائم، وقد نيف على الثمانين.
قلت: ما أطنب الذهبي في كتابه العبر في مدح أحد من الشيوخ أرباب الأحوال العارفين بالله الرجال سوى في مدح الشيخ المذكور.
وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو الحسن محمد ابن شيخ الشيوخ عمر بن علي الجويني، برع في مذهب الشافعي، ودرس وأفتى وسمع من يحيى الثقفي وأجاز له أبو الوقت وجماعة، وكان كبير القدر، ثم ولي بمصر تدريس الشافعي ومشهد الحسين، وبعثه الكامل رسولاً يستنجد بالخليفة وجيشه على الفرنج، فأدركه الموت بالموصل.
وفيها توفي مسند خراسان المؤيد بن محمد رضي الدين أبو الحسن الطوسي المقري انتهى إليه علو الإسناد بنيسابور، ورحل إليه من الأقطار، وخوارزم شاه محمد ابن السلطان الكبير علاء الدين، كان ملكًا جليلاً أصيلاً، عالي الهمة، واسع الممالك، كثير الحروب، ذا ظلم وجبروت وعز ودهاء.
سنة ثمان عشرة وست مائة
فيها سار الملك الأشرف ينجد أخاه الكامل، وسار معه عسكر الشام، وخرجت الفرنج من دمياط بالفارس والراجل أيام زيادة النيل، فنزلوا على ترعة، فتوثق المسلمون عليها النيل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط وجاء الأسطول، فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كند بالنون والدال المهملة المركب، وثمان مائة فارس فيهم صاحب عكا، وخلق من الرجالة، فلما رأوا الغلبة بعثوا يطلبون الصلح، ويسلمون دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاء أخواه بالعساكر في رجب، وعمل سماطًا عظيمًا، وأحضر ملوك الفرنج، فأنعم عليهم، ووقف في خدمته الملك المعظم والأشرف، وكان يومًا مشهوراً، وقام راجح الحلي، فأنشده قصيدة منها:
ونادى لسان الكون في الأرض رافعًا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعأ ينصران محمدا
стр. 1096
اشارة إلى الإخوة الثلاثة قلت: وما ألطف هذه الإشارة، وأظرف هذه العبارة: وحسن سهولة هذا النظم وعذوبته، وأشار بعيسى إلى الملك المعظم، وبموسى إلى الملك الأشرف، وبمحمد إلى الملك الكامل وحسن مطابقة الحال أن عيسى وموسى المذكورين كانا في خدمة محمد، ومتابعة طاعته، وتبجيله، واحترامه كذلك موسى وعيسى صلوات الله على نبينا وعليهما لم يزالا في تبجيل محمد ﵌ واحترامه، فلو كانا حيين ما وسعهما إلا متابعته كما ورد في الحديث وجاءت في هذه المطابقة أعظم تبكيت للفرنج الحاضرين بل لليهود والنصارى أجمعين، فلما أحسن هذا الاتفاق العجيب والمعنى الغريب.
وفيها توفى الشيخ الكبير السيد الشهير ذو المعارف والأسرار واللطائف والأنوار والمقامات العليات، والأحوال السنيات، والأنفاس الصادقات والكرامات الخارقات والقدر الجليل، والعطاء الجزيل، المحقق، المحدث قدوة المحدثين، وإمام السالكين ناصر السنه نجم الدين البكري، رحل إلى الأقطار وتنقل في الأمصار، ورأى المشائخ الجلة الكرام، وحج بيت الله الحرام راكبًا وماشيًا، وفضله لا يزال يسمو في الأيام فاشيًا. سمع الحديث والأخبار والتفاسير والاثار عمن لا يحصى كثرة، ولبس خرقة الأصل من يد الشيخ العارف أبي الحسن إسماعيل القصري، عن محمد بن مانكيل، عن داؤد بن محمد المعروف بخادم الفقراء، عن العباس بن إبن إدريس، عن أبي القاسم بن رمضان، عن أبي يعقوب الطبري، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي يعقوب النهرجورفي، عن أبي يعقوب السوسي، عن عبد الواحد بن زيد، عن كميل بن زياد، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﵌، ولبس خرقة البترك من الشيخ أبي ياسر عمار بن ياسر التدليسي، عن الشيخ أبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي، عن أبيه، عن عمه عمر بن محمد، عن أبيه محمد بن عمويه، عن أحمد بن سبا، عن ممشاد الدينوري، عن أبي القاسم الجنيد، عن خاله السري السقطي، عن معروف الكرخي، عن داؤد الطائي، عن الحبيب العجمي، عن الحسن البصري، عن علي رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﵌، واختلف في تسمية الشيخ نجم الدين الكبري فقال بعضهم: هو الكبرى مقصور وقال آخرون هو ممدود مفتوح الموحدة أي هو نجم الكبرى جمع تكسير الكبير قالوا والصحيح هو الأول ووجه صحته على ما ذكروا أنه كان أيام صباه شديد الذكاء فطنًا لم يلق مؤدبه إلى أقرانه في المكتب شيئًا من المشكلات إلا سبقهم بثاقب ذهنه، فلقبوه الطامة الكبرى، ثم غلب عليه ذلك اللقب، فحذفوا الطامة ولقبوه بالكبرى وهو وجه صحيح
стр. 1097
نقله جماعة من أصحابه ممن يوثق بهم، واستشهد رضي الله تعالى عنه بظاهر خوارزم في الوقعة العامة، والفتنة التتارية في السنة المذكورة، قال الراوي الشيخ الجليل كمال الدين العارف بالله السالك الحفيل المعروف بالسفناقي بالسين المهملة والفاء والنون، وقبل ياء النسبة قاف من أصحاب الشيخ نجم الدين المذكور قال: لما وصل التتار إلى خوارزم سنة سبع عشرة وست مائة، وحصروها جمع الشيخ أصحابه وهم أكثر من ستين، وقد هرب السلطان محمد وهم يظنون أنه بها، ودخلوا البلد، وكان في أصحاب الشيخ المذكور الشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ علي لالا، وابن أخيه علي بن محمد مع جماعة من العارفين، فطلبهم الشيخ، وقال لهم: قوموا وارتحلوا وارجعوا إلى بلادكم، فإنه خرجت نار من المشرق وتحرق إلى قريب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها فقال بعضهم: لو دعوت الله أن يرفع هذه الفتنة عن بلاد المسلمين، فقال: هذا قضاء من الله تعالى حكم لا يرده ولا ينفع فيه الدعاء، فقالوا: يا مولانا معنا دواب تركب معنا وتخرج الساعة، فقال أني: أقتل هاهنا ولم يأذن الله لي أن أخرج منها فاستعدوا لخروجكم إلى خراسان، فخرجوا، ولما دخل الكفار إلى البلد نادى الشيخ في أصحابه الذين لم يأمرهم بالخروج للصلاة جامعة، ثم قال: قوموا على اسم الله تقاتل في سبيل الله، ودخل البيت، ولبس خرقة شيخه، وشد وسطه وكانت فرجية وجعل الحجارة في جانبيها، وأخذ العنزة، وخرج، ولما واجههم أخذ يرميهم بالحجارة حتى فرغ جميع ما معه، ورموه بالنبل، فجرحوه، وأخذ يدور ويرقص، فجاءه سهم في صدره، فنزعه ورمى به نحو السماء، وفاز الدم من صدره، فأخذ ينشد شعرًا بالعجمي من جملة معناه إن أردت فاقتلني بالوصال، أو بالفراق فأنا فارغ عنهما محبتك تكفيني، وما أنا حل إن قلت أغثني، ثم توفي ودفن في رباطة رحمة الله تعالى، ومما رثاه المؤيد بن يوسف الصلاحي، فقال في أثناء مرثيته:
زال جهد في مرضاة خالقه ... وما أعد له الرحمن ما كسبا
من ذا رأى بحر علم في بحار دم ... يجري إذا ما طفت أنواره سببا
يهوى النجوم الدراري من يكون لها ... يومًا نسيبًا تداتيه إذا انتسبا
يا يوم وقعة خوارزم التي اتصفت ... فجعتنا وفقدنا الدين والحسبا
أبح يا أله الخلق نيل رضى ... لا يدرك الكنه منه حاسب حسبا
وفيها توفي أبو نصر موسى بن شيخ محمود قطب الوجود مغدن الفضائل والمفاخر محيي الدين عبد القادر، روى عن أبيه وسعيد بن البناء، وابن ناصر، وأبي الوقت، وسكن دمشق رحمه الله تعالى.
وفيها توفي أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب أخذ النحو عن الدهان، وقرأ
стр. 1098
عليه جملة من تصانيفه، وديوان المتنبي والمقامات الحريرية، وكان علامة، وكتب الكثير، وكان كاتباً مشهورًا منتشرًا خطه في البلاد في نهابة من الحسن، ولم يكن في أواخر زمانه من يقاربه في حسن الخط، ولا يودي طريقة ابن البواب في النسخ مثله مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مغرمًا بنقل الصحاح للجوهري، وكتب منها نسخًا كثيرة كل نسخة في مجلد واحد يباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وكانت له سمعة سائرة، وقصده الناس من الأقطار، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الواسطي قصيدة مدحه بها أولها:
ابن غزلان عالج والمصلى ... من ظبا سكن نهر المعلى
قلت هذا البيت وإن كان في النظم مليحًا فأراه في الأدب قبيحا لإستحقار غزلان المصلى:
سنة تسع عشرة وست مائة
وفيها توفي الأمير أبو المحاسن العباس بن أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي ابن أحمد بن أبي الهيجاء المعروف بابن المشطوب لشطب كان بوجهه، وهو ملقب نعمة، كان أميرًا وافر الحشمة والحرمة بين الملوك، معدودًا بينهم كواحد منهم، وكان عالي الهمة، عزيز الوجود، واسع الكرم، شجاعًا أبي النفس، تهابه الملوك، وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم، وهو من أمراء الدولة الصالحية، وجرت لهم أمور وتنقلات آخرها أن الملك الأشرف ابن الملك العادل قبض عليه في السنة المذكورة فاعتقله في قلعة حران وضيق عليه تضييقًا شديدًا من الحديد الثقيل في رجليه والخشب في يديه، ولم يزل في تلك الحال إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر منها، ولما سجنه كتب إليه بعض الأدباء:
يا أحمد ما زلت عمادًا للدين ... يا أشجع من ملك سيفًا بيمين
لاتيئس إن حصلت في سجنهم ... يوسف قد أقام في السجن سنين
وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات:
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
قال ابن خلكان: ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين
стр. 1099
المعروف بابن المشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة امرأة عمه عماد الدين، وإن عنده امرأة أخرى ذكر أنها حامل، فكتب القاضي الفاضل جوابه وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين، الحامل على التوفيق، والسايل كتب الله سلامته في الطريق فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها قالت: رأيت بخط القاضي الفاضل ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم سبحان الحي الذي لا يموت ويهدم به بنيان قوم والدهر قاض ما عليه لوم.
قال ابن خلكان: هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
قال: وهذا البيت من جملة مرثية، رثي بها قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي صلى الله عليه واله وسلم في وفد تميم في سنة تسع من الهجرة، وأسلم، وقال صلى الله عليه واله وسلم في حقه: هذا سيد أهل الوبر لما وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسؤدد، وهو أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح، وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام، وقد قدمت ذكر ذلك، ومن جملة المرثية المذكورة:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن سخط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
قلت: وقوله: عليك سلام الله إن صح سماعه أو اسماعه ممن يقتدي به، فهو شاهد، بجواز قول كثير من الناس في مكاتباتهم سلام الله ورحمته وبركاته على فلان ابن فلان، إلا ففي جواز ذلك نظر، والله أعلم أعني كونه قال: سلام الله عليك، فجعل السلام عليه من الله تعالى، ولم يقل: مني وليس لجواز هذا شاهد يعتمد عليه.
وقد اختلف العلماء في: هل يقال لغير الأنبياء ﵇؟ فجوزه بعضهم، ومنع، الأكثرون فما علمت، وقالوا: حكمه حكم الصلاة والذي أراه أنه يفرق بينه وبين الصلاة بين الترضي والصلاة مخصوصة على المذهب الصحيح بالأنبياء والملائكة، والترضي خصوص بالصحابة والأولياء والعلماء أعني في الأدب، والترحم لمن دونهم، والعفو
стр. 1100
للمذنبين، والسلام مرتبة بين مرتبة الصلاة والترضي، فيحسن أن يكون منزلته بين منزلتين لكونه مرتبة بين مرتبتين، أعني يقال لمن اختلف في نبوتهم كالخضر، ولقمان، وفي القرنين دون من دونهم.
وفيها توفي الشيخ الجليل العارف ذو الأسرار والمعارف السيد الكبير البعيد الصيت الشهير علي بن إدريس اليعقوبي صاحب الشيخ عبد القادر الجيلي ﵄.
وفيها توفي أبو العباس نصر بن خضر بن نصر الإربلي الشيخ الفقيه الشافعي، كان فاضلاً ورعًا زاهدًا صالحًا عابدًا متقللاً من الدنيا ومباركًا ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وأثنى عليه، وكان قد قدم دمشق، وأقام بها مدة، وكان عارفًا بالمذهب والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا وابن الشاشي، ولقي جماعة من مشائخها، ثم رجع إلى اربل، وبنى له صاحب اربل، مدرسة القلعة، فدرس بها زمانًا، وهو أول من درس باربل. وله عدة تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستًا وعشرين خطبة للنبي ﵌، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا.
ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه الإمام أبو عمرو عثمان بن عيسى الهذباني الماراني شارح المهذب، المتقدم ذكره في سنة اثنتين وست مائة، وكانت وفاته ليلة الجمعة، ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه نصر بن عقيل، وكان فاضلاً قد تخرج على عمه المذكور، فسخط عليه الملك المعظم صاحب إربل، وأخرجه منها فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي من بغداد، وكان صاحبه.
أيا ابن عقيل لا تخف سطوة العدى ... وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها
وأفضتك يومًا عن بلادك فتنة ... رأت فيك فضلاً لم يكن في بلادها
كذا عادة الغربان تكره أن ترى ... بياض البراد الشهب دون سوادها
أشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه.
وفيها توفي الشيخ الشهير بالأحوال الباهرة والكرامات الظاهرة يونس بن يوسف الشيباني، قال الذهبي في ترجمته، وهذا شيخ الطائفة اليونسية أولى الشطح، وقلة العقل، وكثرة الجهل أبعد الله شرهم. قال: وكان رحمه الله تعالى صاحب حال وكشف يحكى عنه
стр. 1101
كرامات قلت: قد ذكرت في غير موضع من هذا الكتاب غيظ الذهبي عن الصوفيه وتعريضه بالقدح فيهم وما على البدر إن قالوا به كلف، وهذا مع اعترافه بأن الشيخ المذكور كان من ذوي الكشف والأحوال والكرامات المخصوص بها أولى القرب والنوال نفعنا الله تعالى بعباده الصالحين، وأعاد علينا من بركاتهم أجمعين.
سنة عشرين وست مائة
وفيها توفي شيخ الشافعية بالشام في عصره أبو منصور عبد الرحمن بن محمد المعروف بفخر الدين ابن عساكر ابن أخي الإمام الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر. صاحب تاريخ دمشق لما، وخرج من بينهم جماعة من العلماء والرؤساء كان إمام وقته في علمه ودينه تفقه ودرس بالقدس زمانًا وبدمشق، واشتغل عليه خلق كثير، وتخرجوا عليه، وصاروا أئمة فضلاء: وكان مسددًا في الفتاوى، وكان لا يمل الناظر من رويته بحسن سمته واقتصاده في لباسه ولطفه، ونور وجهه، وكثرة ذكره الله . عرض المعظم عليه القضاء فامتنع، وله مصنفات في الفقه لم تنشر. توفي في رجب، وله سبعون سنة قال ابن خلكان: وزرت قبره مرارًا بمقابر الصوفية ظاهر دمشق.
وفيها توفي صاحب المغرب السلطان المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسي. ولي الأمر عشر سنين بعد أبيه، ومات شابأ ولم يعقب.
وفيها توفي الشيخ موفق الدين المقدسي أحد الأئمة الأعلام عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة الحنبلي صاحب التصانيف حفظ القرآن، وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فأدرك الشيخ عبد القادر ﵁، وسمع منه ومن جماعة، وانتهت إليه معرفة المذهب وأصوله كان تقيًا ورعًا زاهدًا مستغرق الأوقات في العلم والعمل، وقال بعض الأئمة: رأيت الإمام أحمد في النوم، فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي قال الرائي: المنام المذكور، وسمعت الشيخ أبا عمر وابن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.
سنة احدى وعشرين وست مائة
فيهااستولى السلطان جلال الدين الخوارزمي على بلاد أذربيجان وراسله الملك
стр. 1102
المعظم، واتفق معه أنه يعينه على أخيه الملك الأشرف لفساد حدث بهما، وفيها استولى لؤلؤ على الموصل، وخنق محمودين القاهر، وزعم أنه مات.
وفيها عادت التتار إلى أن وصلوا إلى الري، وكان ممن سلم من أهلها وتراجعوا إليها وما شعروا إلا بالتتار، وقد أحاطوا بهم، فقتلوا وسبوا، ثم ساروا إلى ساوة، ففعلوا بأهلها كذلك، ثم كذلك قاشان، ثم عطفوا إلى همدان فأبادوا من بقي بها، ثم ساروا إلى تبريز، فوقع بينهم وبين الخوارزمية مصاف.
وفيها توفي القاضي الأسعد أبو البركات عبد القوي ابن القاضي عبد العزيز التميمي السعدي المصري المالكي وعبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن سلطان المغرب ولي الأمر في العام الماضي، فلم يدار أمراء الموحدين، فخلعوا وحنقوا، وكانت لايته تسعة أشهر، وفي أيامه استولى على مملكة الأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب الملقب بالعادل، والتقى الفرنج، فهزموا جيشه، فقصدوا مراكش بأسوء حال، فقبضوا عليه وتملك الأندلس أخوه ادريس مدة، وخرج عليه محمد بن يوسف بن هود الجذامي، ودعا إلى بني العباس، فمال الناس إليه، فهرب إدريس بعسكره إلى مراكش، فالتقاه صاحبها يومئذ يحيى بن يعقوب بن يوسف، فهزم يحيى.
وفيها توفي الشيخ العارف صاحب الأسرار والمعارف والأحوال والأنوار أبو الحسن علي المعروف بالفريثي بالفاء والراء والمثناة من تحت، ثم المثلثة. قال الذهبي: كان صاحب حال، وكشف، وعبادة، وصدق، وأصحاب بسفح قاسيون قلت: وهو الذي حكي عنه في مناقب الشيخ عبد القادر أنه قال: رأيت أربعة من المشائخ يتصرفون في قبوركم كتصرف الأحياء، الشيخ عبد القادر، والشيخ معروفًا الكرخي، والشيخ عقيلاً المنبجي، والشيخ حياة بن قيس الحراني رضي الله تعالى عن الجميع ونفعنا بهم.
وفيها توفي شيخ المالكية أبو الحسن محمد بن محمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي، كان من كبار المتعصبين للمذهب، فأوذي من جهة بني عبد المؤمن لما أبطلوا القياس، وألزموا الناس الأخذ بالأثر والظاهر، وقد صنف كتاب المعلى والرد على المحلى لابن حزم.
سنة اثنتين وعشرين وست مائة
فيها جاء جلال الدين بن خوارزم شاه، فوضع السيف في دقوقاوأحرقها، وعزم
стр. 1103
على هجم بغداد، فانزعج الخليفة الناصر، وحصن بغداد، وأقام المجانيق، وأنفق ألف ألف دينار، فأعلم ابن خوارزم شاه أن الكرج قد خرجوا على بلاده، فساق إليهم والتقاهم، وظفر بهم، وقتل منهم سبعين ألفًا، ثم أخذ تفليس بالسيف، وقتل بها ثلاثين ألفًا، وكان قد أخذ تبريز بالأمان، وتزوج بابنة السلطان ابن سلجوق.
وفيها توفي أيضًا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور، اشتغل بالعلم، وأكثر من الأدب، وأجاد النظم، ولما تميز ومهر سمى نفسه الرحمن، قرأ القرآن وشيئًا من الأدب، وكتب خطًا حسنًا، وقال الشعر وأكثر النظم منه في المحبة والرقاق.
ومنه قوله:
خليلي لا والله ما جن عاشق ... وأظلم إلا حره وحر عاشق
إذا غاض دمعك والأحباب قد ماتوا ... فكل ما تدعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلى منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان
ومنه قوله:
إلا من مبلغ وجدي بها وغرامي ... ومهد إلى دار السلام سلامي
وله ديوان شعر كبير. وذكر في بعض التواريخ أنه وجد ميتًا بمنزله ببغداد.
وفي السنة المذكورة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء
بأمر الله، كان فيه شهامة واقدام وعقل ودهاء، وتولى الخلافة في سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وهو أطول بني العباس خلافة. كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول بني أمية دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول بني عبيد دولة، وكما أن السلطان سنجر ابن ملك شاه أطول بني سلجوق دولة، وكان الخليفة الناصر لدين الله مستقلاً بالأمور بالعراق متمكنًا من الخلافة يتولى الأمور بنفسه، حتى كان
стр. 1104
يشق الدروب والأسواق أكثر الليل والناس يتهيأون لقاءه، وما زال في عز وجلالة واستظهار وسعادة عاجلة، نسأل الله الكريم السعادة الآجلة.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الكبير الفاضل الشهير أبو الفضل أحمد ابن الإمام العلامة كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الفقيه المفتي رضي الدين يونس الموصلي الشافعي.
قال ابن خلكان: كان كثير المحفوظات، عزيز المادة، حسن السمت، جميل المنظر شرح كتاب التنبيه في الفقه، واختصر إحياء علوم الدين للإمام الغزالي مختصرين: كبيراً وصغيرًا. قال: وكان يلقي في جميع دروسه من كتاب الإحياء دروسًا حفظًا، ونسج على منوال والده في اليقين في العلوم، تخرج عنه جماعة كثيرة. قال: وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم صاحب إربل بعد والده، وكان وصوله إلى هنالك من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وست مائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنتين الثاني والعشرين من شعبان السنة المذكورة، قال: وقد كنت أحضر درسه وأنا صغير، وما سمعت أحداً يلقي الدرس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلاً، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وست مائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، فأقام بها ملازم الاشتغال والإفادة، وقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، وكان مبدأ شروعه في شرح التببيه بإربل،. وإستعار منا نسخة التنبيه عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك، وقد نقل الحواشي كلها في شرحه.
وكان اشتغاله على أبيه بالموصل، ولم يتغرب لأجل الاشتغال بالعلم، وكان الفقهاء يتعجب منه كيف اشتغل في وطنه، وبين أهله، وفي عزه واشتغاله بالدنيا، وخرج منه ما خرج، قال: وهو من بيت العلم، وأطنب المدح في أبيه وعمه وجده، قال: ولو شرعت في وصف محاسنه لأطلت، وفي هذا القدر كفاية، وقال غيره: عاش أبوه بعده سبع عشرة سنة قلت: أما إطنابه في محاسنه، فالمحاسن لها وجوه متعددة، فأثنى عليه بما شاهده منه فيه، وأما مدحه لكتابة شرح التنبيه، فغير جدير بمدحه المذكور، فهو خال من التفضيل والتفريع والفوائد الموجودة في غيره كشرح الفقيه الإمام ابن الرفعة الذي هو جدير بالمدح الكامل لما تضمنه من الفوائد العقائل، وأما مدحه لإلقاء الدرس، وأنه ما سمع مثله ذ الإلقاء المذكور، فهو محتمل، ويكون ذلك. بحسن سياقه وتصوفه في المباحث وظرافته ومزجه بالاستعارات المستحسنة، والنوادر المستطرفة، وغير ذلك مما يطرب السامع والمدح
стр. 1105
بذلك من مثل ابن خلكان ثناء عظيم لصاحبه رافع.
وفيها توفي الملك الأفضل نور الدين علي ابن سلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، سمع من جماعة، وله شعر وترسل، وجودة كتابة. تسلطن بدمشق، وتملك أخوه الملك العزيز الديار المصرية، ولقي الملك الطاهر أخوهما بحلب، ثم جرت للملك الأفضل مع أخيه الغريز وقائع يطول شرحها، وآخر الأمر أن العزيز والعادل عمه حاصرا دمشق، وأخذاها من الأفضل، وأعطياه صرخد، ثم بعد قليل مات العزيز، وتولى ولده المنصور، ثم إن الملك العادل أخذ الديار المصرية، ودفع للملك الأفضل عدة بلاد: الشرق، ولم يحصل له منها إلا سميساط، فأقام بها إلى أن مات.
وكان الأفضل فيه فضيلة ونباهة، وكان يحب العلماء، ويعظم حرمتهم. ومن الشعر المنسوب إليه ما كتب إلى الإمام الناصر يشكو عمه العادل، وأخاه العزيز لما أخذوا منه دمشق هذه الأبيات:
مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غضبا بالسيف حق علي
وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما، فاستقام الأمر حين ولي
فخالفاه وحلا عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي
فانظر إلى خط هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
فأجابه الإمام الناصر بجواب أوله:
وافى كتابك بابن يوسف معلناً ... بالود يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا علياً حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر
فابشر فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر فناصرك الإمام الناصر
ثم حارب أخاه العزيز صاحب مصر على الملك، ثم زال سلطانه، وتملك سميساط، وأقام بها مدة، وكان فيه عدل وحلم وكرم.
وفيها توفي الفخر الفارسي السيد الجليل مطلع الأنوار، ومنبع الأسرار، ومعدن المحاسن والفخار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروز أبادي الشافعي الصوفي صاحب العلوم الربانية الغامضة المستغربة في التصوف، والوصل والمحبة.
وأما ما ذكره الذهبي أن في تصانيفه أشياء منكرة، فكلام من ليس له بعلوم القوم
стр. 1106
مخبرة، ولا قوة اعتقاد قويم تحمله على حسن الظن والتسليم، ولعمري من خلاص هذين المذكورين، فهو بمعزل عن نهجهم، واعتقاد فضلهم المشكورين واقع لا محللة في ذمهم، وسوء الظن بهم المذمومين، توفي الفخر رحمه الله تعالى في ثامن ذي الحجة وقد نيف السبعين، وقبره في قرافة مصر مزور شهير، وهو ممن روى عن الإمام السلفي الكبير.
سنة ثلاث وعشرين وست مائة
فيها سار الملك الأشرف إلى أخيه المعظم وأطاعه وسأله أن يكاتب جلال الدين خوارزم شاه ليحمل جنده عليه ليترحل عن خلاط، فكتب إليه، فترحل عنها، وكان المعظم يلبس خلعة جلال الدين ويركب فرسه، وإذا خاطب الأشرف حلف وحياة رأس السلطان جلال الدين، فيتألم بذلك.
وفيها حارب جلال الدين المذكور التركمان، ومزقهم، ثم التقى الكرج فهزمهم وأخذ التفليس بالسيف، وكانت إذ ذاك دار ملكهم بها في أيديهم أكثر من مائة سنة.
وفيها توفي أبو العز مظفر بن إبراهيم العيلاني بالعين المهملة الشاعر المشهور المصري، كان أدبيًا عروضيًا، شاعرًا مجيدًا، صنف في العروض تصنيفًا مختصرًا جيدًا دل على حذقه، وله ديوان شعر رائق، وكان ضريرًا، وفي ذلك قال:
قالوا: عشقت وأنت أعمى ... ظبيًا كحيل الطرف ألمًا
وحلاه ما عاينتها ... فيقول قد شغفتك وهمًا
فأجبت إني موسوي ... العشق أنسًا وفهمًا
أهوى بجارحة السماع ... ولا أرى ذاك المسمى
ولما عاد الوزير صفي الدين بن شكر من الشام إلى مصر خرج أصحابه للقائه الخشبي المنزلة الرفيعة المعروفة، فكتب مظفر المذكور يعتذر إليه عن تأخره عن التقائه بهذه الأبيات:
قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل ... نلقى الوزير جميعًا من ذوي الرتب
ولم تسر أيها الأعمى، فقلت لهم: ... لم أخش من تعب ألقى ولا نصب
стр. 1107
وإنما النار في قلبي لوحشته ... فخفت أجمع بين النار والخشب
وهذا المعنى مطروف لكنه أبرزه في جملة إستعمال تروق قال ابن خلكان: وأخبرني بعض أصحابه أنج شخصًا قال له: رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ماصورته: أصلحك الله وأبقاك، لقد كان من الواجب أن: تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي تحدث عهدًا بك يا زين الأخلاء فما مثلك من غير عهد أو عقل، وسأله: من أي بحر هو؟ وهل هو بيت واحد أم أكثر؟ فإن كان أكثر، فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي؟ قال: فأفكر فيه، ثم أجابه بجواب حسن.
قال ابن خلكان: فلما قال لي المخبر ذلك قلت له: اصبر حتى أنظر فيه، ولا تقل ماقاله، ثم قال فكرت. فيه فوجدته، يخرج من بحر الرجز، وهو المجزومة وتشتمل هذه الكلمات على أربعة أبيات على روي اللام، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لا يكون له بهذا الفن معرفة، فإنه ينكرها لأجل قطع الموصول منها، ولا بد من بيانها ليظهر صورة ذلك، وهي هذه:
أكرمك الله وأتقاك ... لقد كان من آل
واجب أن تأتينا ... فاليوم إلى منازلنا
خالي لكي حدث عهدًا ... بك يا زين الأخل
لاء فما مثلك من ... غير عهدًا أو عقل
فقال: وهذا إنما يذكره أهل هذا للشأن للمعاياة، لا لأنه من الأشعار المستعملة، فلما استخرجته عرضته على ذلك الشخص، فقال: هكذا قال مظفر الأعمى.
قال: وكتب مظفر المذكور لتقي الدين، ومدحه جماعة منهم،. فخلع على الجميع ولم يخلع عليه، فكتب إليه:
العبد مملوك مولانا وخادمه ... مظفر الشاعر الأعمى خليفتنا
يقبل الأرض إجلالاً لمالكه ... رقًا، وينهي إليه بعد كل هنا
أن القميص جميع الناس قد بصروا ... به وما منهم يعقوب غير أنا
стр. 1108
وله يوم زينة الشواني ...
يا أيها الملك المسرور آمله ... هذي شوانيك ترمى يوم سراء
كأنما هي عقبان بها ظمأ ... طارت من البر وانقضت على الما
وله في يوم لعبها ...
مولاي هذي الشواني في ملاعبها ... مثل الشواهين في سهل وفي جبل
يسعى محاذيفها ماء وينقضه ... بعض العقاب جناحيها من البلل
قلت يعني بالمخاذيف مقاذيف التي يقذف بها الماء لتمشي المركب، وقد أبدع في حسن هذا التشبيه في الجميع وأطنب، وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر.
أرى علمًا للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمي زنجي سنان مذهب
وفيها توفي الطاهر بالله محمد بن الناصر لدين الله ابن المستضيء بأمر الله، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفًا، وكان دينًا خيرًا عادلاً حتى بالغ ابن الأثير فيه، وقال أظهر من العدل والاحسان ما أعاد به سنة العمرين، وقال أبو أسامة قيل لنا: ألا ينفسخ، فقال قد يبس الزرع فقيل: تبارك الله في عمرك، فقال: من فتح بعد العصر ايش يكسب، ثم أنه أحسن إلى الناس وفرق الأموال وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وقال غيره: ولي بعده ابنه المستنصر بالله. وفيها توفي الإمام الكبير العلامة البارع الشهير الجامع بين العلوم والأعمال الصالحات، والزهد، والعبادات، والتصانيف المفيدات النفيسات أبو القاسم عبد الكريم محمد بن عبد الكريم القزويني الشافعي صاحب الشرح الكبير المشتمل على معرفة المذهب ودقائقه الغامضات الجامع الفائق التصانيف السابقات واللاحقات.
ومن كراماته أنه أضاءت له شجرة في بيته لما انطفىء السراج الذي كان يستضيء به عند كتبه بعض مصنفاته.
стр. 1109
سنة أربع وعشرين وست مائة
فيها جاء الخبر إلى السلطان جلال الدين، وهو بتوريز أن التتار قد قصدوا أصفهان وبها أهله، فسار إليها وتأهب للملتقى، فلما التقى الجمعان وحد له أخوه غياث الدين وولي، فكسرت ميمنته ميسرة التتار، ثم حملت ميسرته على ميمنة التتار، فطحنتها أيضاً وتباشر الناس بالنصر، ثم كرت التتار مع كمينها، وحملوا حملة واحدة كالسيل، وقد أقبل الليل، فزلت الأقدام، وقتلت الأمراء، واشتد القتال، وتزعزع بنيان جيش جلال الدين، وثبت هو في طائفة يسيرة، وأحيط به، فانهزم وطعن طعنه لولا الأجل لتلف وتمزق جيشه إلى أن ميمنته سارت على ميسرة التتار حتى، ولوا فتبعت أقفيتهم، وما رجعت إلا بعد يومين، فلم يسمع بمثل ذلك في الملاحم من انهزام كلا الفريقين، وذلك في رمضان.
وقيل ذلك بأيام مات طاغية التتار وسلطانهم الأعظم الذي خرب البلاد وأفنى البرايا، وأباد، وهو الذي جيش الجيوش، وخرج بهم من بادية الصين، ودانت له المغل، وعقدوا له عليهم، وأطاعوه، ولا طاعة الأبرار للملك الجبار، واسمه قيل الملك تمرجين بالمثناة من فوق والراء والجيم والمثناة من تحت والنون، ومات على الكفر، وكان من دهاة العالم، وأفراد الدهر، وعقلاء الترك وهو أحد ابني العم بركة وهولاكو.
وفيها توفي قاضي القضاة ابن السكري عماد الدين عبد الرحمن بن علي المصري الشافعي، تفقه على شهاب الطوسي، وبرع في المذهب، ودرس وأفتى ولي قضاء القاهرة وخطابتها.
وفيها توفي الملك المعظم سلطان الشام شرف الدين عيسى ابن الملك العادل الفقيه الأديب، ولد بالقاهرة، وحفظ القرآن، وبرع في الفقه وشرح الجامع الكبير في عدة مجلدات باعانة غيره، ولازم الاشتغال زمانًا، وسمع المسند كله من مسند أحمد بن حنبل مراراً، ثم تلاحق مماليكه بعد، وكان حنفي المذهب، قال ابن خلكان: كان متعصبًا لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده، وكان قد حج، ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين، فأحسنوا في مدحه، وكانت له رغبة في فن الأدب، وقيل: إنه قد شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار، وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة. قال: ورأيت بعضهم بدمشق، والناس يقولون إن سبب حفظهم له كان هذا قال: ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره، وكانت مملكته متسعة يعني في بلاد الشام توفي يوم
стр. 1110
الجمعة سلخ ذي القعدة بدمشق، ودفن في قلعتها، ثم نقل إلى جبل الصالحية، ودفن في مدرسة هناك تعرف بالمعظمة فيها قبور جماعة من اخوانه وأهل بيته، وكان من النجباء الأذكياء، ذكرت عنه أمور تدل على حسن ادراكه واصابة المقصد منها أنه كان ابن عنين قد مرض، فكتب إليه:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... مولى الندى وتلاف قبل تلاف
فأنا الذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم ثوابي وثناء الوافي
فجاء إليه بنفسه يعوده، ومعه صرة فيها ثلاث مائة دينار، فقال: هذ الصلة وأنا العائد وأشياء كثيرة يطول شرحها.
سنة خمس وعشرين وست مائة
فيها توفي العلامة الحسن بن إسحاق المعروف بابن الجواليقي المحدث الرحال أحمد بن تميم بن هشام الأندلسي.
وفيها توفي أبو المعالي أحمد بن الخضر الصوفي المعروف بابن طاووس ﵀.
سنة ست وعشرين وست مائة
فيها أخذ الكامل بيت المقدس، وسلمه إلى ملك الفرنج أعوذ بالله من سخط الله، ومن انتهاك شعائر الله، وموالاة أعداء الله، فكم بين من طهره من نجاسات الشرك، وبين من ساق إليه نجاسات الشرك، ومن أعز دين الله ونصره، وبين من أذله وحقره، ثم اتبع فعله ذلك بحصار دمشق وايذاء الرعية، وجرت بين عسكره وعسكر الناصر وقعات حربية، وقتل جماعة في غير سبيل الله، ووقع النهب في الغوطة والحواضر، وأحرقت الجبانات والخوانق ودام الحصار أشهرًا، لم وقع الصلح في شعبان، ورضي الناصر بالكرك ونابلس فقط، ثم دخل الكامل، وبعث جيشه يحاصرون حماة، ثم تسلم دمشق بعد شهر إلى
стр. 1111
أخيه الأشرف، فأعطاه الأشرف حران والرقة والرهاء وغير ذلك، فتوجه إلى الشرق ليتسلم ذلك، ثم حاصر الأشرف بعلبك، فأخذها من الأمجد.
وفيها توفي مسند الشام أبو القاسم شمس الدين الحسين بن هبة الله بن محفوظ الثعلبي الدمشقي.
وفيها توفيت أمة الله بنت أحمد بن عبد الله الآبنوسي، روت الكثير عن أبيها، وتفردت عنه، وتوفيت في الحرم، وتلقبت شرف النساء كانت صالحة خيرة.
وفيها توفي ياقوت الرومي الحموي، ثم البغدادي التاجر شهاب الدين الأديب الإخباري صاحب التصانيف الأدبية في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك، أسر من بلاده صغيرًا فابتاعه ببغداد رجل تاجر، ولما كبر ياقوت المذكور، قرأ شيئًا من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجرة، ثم جرت بينه وبين مولاه قضية أوجبت عتقه، فأبعده عنه فاشتغل بالنسخ، وحصلت له بالمطالعة فوائد. وصنف كتابًا سماه إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء في أربع مجلدات، وكتابًا في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، وكتبًا أخرى عديدة، وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف.
وذكر القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير صاحب حلب ياقوت المذكور، كتب إليه رسالة من الموصل عند وصوله إليها يصف فيها حاله وما جرى له، فأحجم عن عرضها على مولاه الشريف إعظاما وتهيبًا، وفرارًا من قصورها عن طوله وتجنبًا، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي صناعة النظم والنثر فوجدهم مسارعين، إلى كتبها، متهافتين على نقلها وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهمًا صيرفيًا. ولا كل من اقتنى دراً جوهريًا.
قلت: وهذه الألفاظ اليسيرة من أولها رأيت كتابتها ليتعجب من بلاغتها من وقف عليها: بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبنيه، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى باجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاءه، ورفع إلى أعلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عدها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يقل حديدها ولا جديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام
стр. 1112
الله ولته، للدنيا والدين إلى يوم يبعثه ويهزم كرثه يعني كربه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ ظله للعلوم وأهلها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، ويشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها ويروض ببالغ علائه زمانها، ويعظم لعلو همته الشريفة من البرية شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق امكانها ومكانها، ورفع بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية: ليسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الانابة معاضدها، وينهج بجميل المقاصد مقاصدها، حتى يعود بحسن تدبيره غر في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان. يكون لها أجرها مادار الملوان، وكر الجديدان، ما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة الحضر الزاهرة نفس.
وبعد، فإن المملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السؤل، واضحة الغرر بادية الحجول، ما هو مكيف بالأريجية المولوية عن تبيانها، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن افضاء قلمه لايضاحه وبيانه قد أحسنه ما وصفه به ﵊ للمؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شر ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من البعيد للحضرة الشريفة الغراء. قد كفته تلك الألمعية عن اظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولاية الآفاق، واضحة، وطبعه بسكة اخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق، حتى أصبح بها نبي المكارم مبين وتلاوة لأحاديث المجد بالمشاهدة متين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله
стр. 1113
الذي تلقاه باليمن معروف، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالوحي لنظم شارده وقسم متبدده بعرق الجبين مألوف، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجتها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظًا يستمده، ونصيبًا يستفيد به ويستعده فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضل من فطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه، وفرضوا من مناسكه للنهجة الشريعة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الإستلام والتقبيل.
ثم قال بعد كلام مشتمل على ألفاظ فضيلة ومعان جميلة: وقد كان المملوك فارق ذلك الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب، والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدبار صلف الزمن الغشوم والجامح، اعتذار أبان في الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الاقتراب ذلك واستقام وحبس البيت، في المحافل سكيت:
فودعت من أهلي وفي القلب ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر
سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقل بها فيض الدموع على قبري
فامتطأ غارب الأمل إلى الغربة، وركب ركب التطواف مع كل صحبه، قاطع الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد، أو كاد، فلم يرفق به زمان حزون ولا مكان حرون، فلكأنه في جفن الدهر قذى، وفي حلقه شجى، تدافعه آمال الأمنية حتى أسلمته إلى ربقة المنية.
لا يستقر بأرض أو يسير إلى أخرى ... لشخص قريب عزمه نأى
يومًا يخروى ويومًا بالعقيق ... ويومًا بالعذيب ويومًا بالخليصاء
وتارة يتنحى نخلاً، وأدية ... شعب الحزون حيناً قصر تيماء
стр. 1114
والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزخيها، ويعلل المعيشة ويرجيها متلفعاً بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف، غير راضي بذلك الشمل، ولكن مادة أقول لايطل قد ألزم نفسه أن يستعمل طرفًا طماحًا، وأن يركب طرفًا جماحًا، وأن يلحف بيض طمع جناحًا، وأن يستقدح زهدًا وارياً وشاحًا.
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يومًا ... أسار الجندام ركب الأمير
ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل عنا الباكي عد في الرفات.
تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات
إذا ذكرتها النفس حنت صبابة ... وجاد شؤون العين بالعبرات
إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسرات
قلت: وهذا البيت الأخير يشفي من منهل القائل الذي بهذا المعنى يشير.
رب دهر بكيت منه ... فلما صرت في غيره بكيت عليه
وهذا ما اقتصرت عليه من رسالته الطويلة الجليلة الفائقة الجميلة المؤذنة له بتمام البلاغة والفضيلة، وهو نحو من ربعها، وهو لعمري فيما يستحقه من النعوت. من نفيس الجواهر كاسمه ياقوت، توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان بظاهر مدينة حلب، وكان قد وقف كتبه، ولما تميز سمى نفسه يعقوب.
وفيها توفي الملك المسعود ابن الملك الكامل بمكة المشرفة، وكان قد سيره جده الملك العادل إلى اليمن، فملكها وبلاد الحجاز مضافة إليها، ولما حضرته الوفاة وصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله، يسلم إلى الشيخ الصديق يجهزه عنده بما يرى، وكان من كبار الصالحين من أكراد بلد إربل مجاورًا بمكة، ولما مات الملك المسعود تولى تجهيزه وكفنه في إزار، كان قد أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء
стр. 1115
كان قد أوصى أن لا يبنى على قبره. بل يدفن بين القبور، ويكتب على قبره: هذا قبر الفقير إلى رحمة الله تعالى يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، ففعل ذلك، ثم إن عتيقه الصارم المسعودي الذي تولى القاهرة بنى عليه قبة، ولما بلغ الملك الكامل فعل الشيخ صديق، كتب إليه بشكره ويسأله أن يذكر له حوائجه ليقضيها، فلم يرد عليه جوابًا، وقال: ما أستحق شكراً إنما جهزت فقيراً.
سنة سبع وعشرين وست مائة
فيها حاصر جلال الدين والخوارزمية خلاط، وكان قد حاصرها من قبل أربع مرات هذه خامسها، ففتح له بعض الأمراء بشدة القحط على أهلها، وحلف لهم جلال الدين وغدر، وعمل أصحابه بها كما يعمل التتار من القتل، ثم رفعوا السيف، وشرعوا في المصادرة والتعذيب، وخاف أهل الشام وغيره من الخوارزمية، وعرفوا أنهم إن ملكوا أهلكوا أو لكل قبح فتكوا، فاصطلح الأشرف وصاحب الروم علاء الدين، واتفقوا على حرب جلال الدين، وساروا والتقوه في رمضان، فكسروه والحمد لله، واستباحوا عسكره، وهرب جلال الدين بأسوأ حال، فوصل إلى خلاط في سبعة أنفس، وقد تمزق جيشه، وقتلت أبطاله، فأخذ حرمه، وما خف حمله وهرب إلى أذربيجان، ثم أرسل إلى الملك الأشرف في الصلح وذل وأمنت خلاط وشرعوا في إصلاحها.
وفي السنة المذكورة توفي زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر، وكان صالحًا خيرًا، حسن السمت. روي عن أبي العشائر وطائفه، وتفقه على جمال الأئمة علي بن الناسح، وولي نظر الخزانة والأوقاف، ثم تزهد. وفيها توفي عبد السلام بن عبد الرحمن الصوفي البغدادي، سمع أبا الوقت وجماعة كثيرة وفيها توفي أبو محمد عبد السلام بن عبد الرحمن ابن الشيخ العارف بالله معدن الحكم والمعارف أبي الحكم بن برجان اللخمي المغربي، ثم الإشبيلي حامل لواء اللغة بالأندلس.
سنةثمان وعشرين وست مائة
. لما علمت التتار بضعف جلال الدين خوازرم شاه، بادروا لقتاله، فلم يقدم على لقائهم، فملكوا مراغه، وعاثوا ويدعوا وفرهوا إلى آمد، وتفرق جنده، فبيته التتار ليلة، فنجا بنفسه، وطمع الأكراد والفلاحون وكل واحد في جنده وتخطفوهم، وانتقم الله منهم
стр. 1116
وسارت التتار إلى ديار بكر في طلب جلال الدين، ووصلوا إلى ماردين يسبون ويقتلون. وفيها توفي الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه صاحب بعلبك، تملكها بعد والده خمسين سنة، وكان جوادًا كريمًا شاعرًا محسنًا قتله، مملوك له بدمشق.
وفيها توفي المهذب شيخ الطب عبد الرحيم بن علي بن حامد الدمشقي واقف المدرسة التي بالصاغة العتيقة على الأطباء، أخذ عن الموفق بن المطران والرضي الرحبي، وأخذ الأدب عن الكندي، وأنتهت إليه معرفة الطب، وصنف فيه التصانيف، وحظي عند الملوك، وفي آخر عمره عرض عليه طرف خرس حتى لا يكاد يفهم كلامه، واجتهد في علاج نفسه، فما أفاد بل ولد له أمراضًا، وما زال يسعل إلى أن مات.
وفيها توفي الإمام النحوي أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي الفقيه الحنفي صاحب الألفية، أقرأ العربية مدة بدمشق ثم بمصر.
وروى عن القاسم ابن عساكر، وتوفي بمصر، وكان أحد أئمة عصره في النحو واللغة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وصنف تصانيف مفيدة، وكان انتقاله من دمشق إلى مصر. بسبب أن الملك الكامل رغبه في ذلك، وقرر له على التصدر بجامع العتيق لإقراء الأدب رزقًا، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بها، فدفن على شفير الخندق، قرب تربة الإمام الشافعي، وقبره هنالك ظاهر.
والزواوي نسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية من أعمال أفريقية ذات بطون وأفخاذ وفيها توفي الشيخ الجليل العارف الواعظ المنطق بالحكم، ومحاسن المواعظ أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي أحد شيوخ الرسالة المشهورة، وأرباب المحاسن المشكورة، مدحه الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال: نسيج. وحده في وقته له لسان في الرجا خصوصًا، وكلام في المعرفة، خرج إلى بلخ وأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابورا ومات بها. ومن كلامه كيف يكون زاهدًا من لا ورع له؟ تورع عما ليس لك، ثم أزهد فيما لك،
стр. 1117
وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة، والوحدة جليس الصديقين، والفوت أشد من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. والزهد ثلاثة أشياء القلة، والخلوة والجوع، وذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال: قدم بغداد واجتمع إليه بها مشائخ الصوفية والنساك، ونصبوا منصبه، وأقعدوه عليها، وقعدوا بين يديه يتحاورون، وكان له اشارات وعبارات حسنة.
ومن كلامه أحسن الأشياء الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له.
ودخل على علوي ببلخ زائراً له ومسلمًا عليه، فقال له العلوي: أيده الله الأستاذ ماتقول فينا أهل البيت؟ قال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرس بماء الرسالة، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى؟ فحشا العلوي فاه بالدر.
ومن كلامه ما بعد طريق إلى صديق، ولا استوحش من سلك فيه إلى حبيب في طريق وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء، وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه، فلا تضره، وإن لم تمدحه، فلا تذمه، وإن لم تسره، فلا تغمه، وقال: عمل كالسراب؟ وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمال والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات! أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك، ولو بادرت أجلك، وله في هذا الباب كلام مليح النظام.
سنة تسع وعشرين وست مائة
فيها توفي السلطان جلال الدين خوارزم شاه ابن السلطان علاء الدين، كان يضرب به المثل في الشجاعة والإقدام، كثير الجولان في البلاد ما بين الهند إلى ما وراء النهر، إلى العراق، إلى فارس، إلى كرمان، إلى أرمينية، وأذربيجان وغير ذلك، وافتتح المدن، وسفك الدماء، وظلم وعسف وغدر، قالوا: ومع ذلك كان صحيح الإسلام، وكان ربما قرأ في المصحف، وبكى وآل أمره إلى أن تفرق عنه جيشه، حتى يقال: إنه سار في نفر يسير فبيته كردي في منزله، وطعنه بحربة وقتله بها.
وفيها توفي الحافظ أبو موسى عبد الله ابن الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀.
وفيها توفي العلامة المتقن الموفق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي الشافعي النحوي اللغوي الطبيب الفيلسوف، وصاحب التصانيف الكثيرة، كان أحد الأذكياء البارعين في اللغة
стр. 1118
والأدب والطب.
وفيها توفي الشيخ الجليل ذو العطاء الجزيل، والأحوال السنيات، والجدو المجاهدات عمر بن عبد الملك الدينوري نزيل قاسيون.
وفيها توفي الحافظ الرحال محمد بن عبد الغني، المعروف بابن نقطة الحنبلي كان من أهل الحديث المكثرين من سماعه وكتابته، والراحلين في تحصيله. لقي المشايخ وأخذ عنهم، واستفاد منهم، وكتب الكثير، وعلق التعاليق النافعة، وذيل على الإكمال كتاب الأمير ابن مأكولا ما أقصر فيه، وجاء في مجلدين. وله كتاب آخر لطيف في الأنساب وكتاب التقييد المعروفة رواة السنن والمسانيد، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخه، فأثنى عليه، وقال: أنشد لأبي علي محمد بن الحسين بن أبي الشبل أحد شعراء العراق المجيدين.
لا تظهرن لعادل ولغادر حاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
سنة ثلاثين وست مائة
وفيها حاصر الملك الكامل آمد وأخذ من صاحبها المسعود بن المودود ابن الملك الصالح الأتابكي، وكان ممدود فاسقًا يأخذ الحرام غصبًا، وسلم الملك الكامل آمد إلى والده الصالح نجم الدين أيوب.
وفيها جاء صاحب الروم، وحاصر حران والرقة، واستولى على الجزيرة، وفعل الروم مع إسلامهم ما يفعلون مع كفرهم. وفيها توفي القاضي بهاء الدين إبراهيم بن شاكر التنوخي الشافعي الكاتب البليغ، والدتقي الدين إسماعيل روى بالإجازة عن شهدة، وولي قضاء المعرة في صباه خمس سنين فقال:
وليت الحكم خمسًاهن خمس ... لعمري، والصبا في عنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
قلت: وقد أحسن في صنعة هذين البيتين، وقوله: هن خمس هو بضم الخاء أي
стр. 1119
خمس عشر مشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة، وقوله: قد رشاني في الأول منهما أضاف قدر إلى شأني، وهو منصوب بتضع، والثاني مركب من قد مع رشاني من الرشوة، والكل مفهوم وإنما أوضحته لمن لا يفهم وعنفوان الشيء أوله.
وفيها توفي إدريس ابن السلطان يعقوب بن يوسف، بايعوه بالأندلس، ثم جاء إلى مراكش وملكها، وعظم سلطانه، وكان بطلاً شجاعاً ذا هيبة شديدة، وسفك للدماء، قطع ذكر ابن تومرت بالخطبة.
وفيها توفي الملك العزيز عثمان ابن العادل أخو المعظم لأبويه، اتفق موته بالناعمة، وهو بستان له في عاشر شهر رمضان.
وفيها توفي الإمام الحافظ ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري صاحب التاريخ، ومعرفة الصحابة، وغير ذلك، كان صدرًا معظمًا، كثير الفضائل، كان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل، وحافظًا للتواريخ، وخبيراً بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم، صنف في التاريخ كتابًا كبيرًا، واختصر كتاب الأنساب لابن السمعاني، واستدرك عليه في مواضع ونبه على أغلاط، وزاد شيئًا أهملها، وهو مفيد جيدًا في ثلاث مجلدات، والأصل في ثمان.
قال ابن خلكان: والموجود اليوم في أيدي الناس هو هذا المختصر وله كتاب أخبار الصحابة في ست مجلدات كبار، وكان قد تنقل في بلدان كثيرة سمع بها من الشيوخ منها الموصل، وبغداد، والشام، والقدس، والجزري نسبة إلى جزبرة ابن عمر رجل من أهل برقعيد من أعمال الموصل، وهو عبد العزيز بن عمر.
وفيها توفي الحافظ الرحال ابن الحاجب عمر بن محمد الدمشقي ﵀، خرج لنفسه معجمًا في بضع وستين جزءًا. وفيها توفي مظفر الدين صاحب إربل أبو سعيد تركما ني.
وفيها توفي أبو المحاسن محمد بن نصر الشاعر الملقب بشرف الدين المعروف بابن عنين، قال ابن خلكان: كان خاتمة الشعراء: لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصوراً على أسلوب، بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب مطلعًا على معظم أشعار العرب، قال: وبلغني أنه كان يستحضر كتاب الجمهرة في اللغة لابن دريد، وكان مولعًا بالهجاء، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقًا من رؤساء دمشق، سماها مقراض الإعراض. وكان السلطان صلاح الدين، قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها قال:
стр. 1120
فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يحترم ذنبًا ولا سرقا؟
أنفوا المؤذن من بلادكم ... إن كان ينفى كل من صدقا
وطاف بلاد من الشام والعراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان وغزنة وخوارزم وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن وملكها يومئذ سيف الإسلام أخو صلاح الدين، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى طريق الحجاز والديار المصرية، وعاد إلى دمشق، وكان يتردد منها إلى البلاد، ويعود إليها، قال: ولقد رأيته بمدينة إربل، وقد وصل إليها رسولاً عن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك صاحب دمشق، وأقام بها قليلاً، ثم سافر وكتب من بلاد الهند إلى أخيه بدمشق هذين البيتين، والثاني منهما لأبي العلاء المعري، استعمله مضمنًا، وكان أحق به وهما:
سامحت كتبك في العطيفة عالمًا ... إن الصحيفة لم تجد من حامل
وعذرت طيفك في الخفاء لأنه ... يسري ويصبح دوننا بمراحل
قال ابن خلكان: لله دره، فما أحسن من وقع له هذا التضمين، ولما مات السلطان صلاح الدين وملك الملك العادل دمشق كان غائبًا منفيًا عنها، فسار متوجها إليها، وكتب إلى الملك قصيدة يصفه فيها ويستأذنه في الدخول، ويذكر ما قاساه في الغربة، وأحسن في كل الاحسان في المعاني اللطائف، واستعطفه أبلغ الاستعطاف أولها.
ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو ساعدوني بالكرى
ولما فرغ من وصفها قال مشيراً إلى نفيه منها:
فارقتها لاعن رضًا وهجرتها ... ل اعن قلىً، ورحلت لا متحيرًا
أسعى لرزق في البلاد مشتت ... ومن العجائب أن يكون مقترا
وأصون وجه مدائحي متقنعًا ... واكف ذيل مطامعي مقترا
стр. 1121
ومنها يشكو الغربة، وما قاساه فيها:
أشكو إليك نوىً تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا
إلا عيشتي يصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكري
أضحي عن الأخرى المرتع ممحلاً ... وأبيت عن ورد النمير منفرا
ومن العجائب أن يقبل ظلكم ... كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا
قوله: النمير قال في ديوان الأدب: هو الماء الجاري الزاكي في الماشية عذبا كان أو غير عذب، وهو بفتح النون وكسر الميم وسكون المثناة من تحت في آخره راء.
قال ابن خلكان: هذه القصيدة من أحسن الشعر. قال: فهي عندي خير من قصيدة ابن عمار الأندلسي، وهي على وزنها التي أولها أدب الزجاجة، فالنسيم قد انبرى، فلما وقف عليها الملك الأعدل أذن في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها، قال:
هجوت الأكابر في جلق ... ورعت الوضيع بسب الرفيع
أخرجت منها، ولكنني ... رجعت على رغم أنف الجميع
ويعني بجلق بكسر الجيم واللام وتشديدها وبعدها قاف اسم مكان في الشام، وربما قيل: إنه لقب لدمشق، والله أعلم، قال: وكان له في عمل الألغاز وحلها اليد الطولى، ولم يكن له غرض في جمع شعره وتدوينه، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانًا صغيراً لا يبلغ عشر نظمه، وفيه أشياء ليست له، وكان من أطرف الناس، وله بيت عجيب من قصيدة يذكر بها أسفاره وتوجهه إلى جهة الشرق وهو:
أشقق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتش عن سودائه عن سنا الفجر
قال: وقد رأيته في المنام ينشد أبياتا. وأعجبني منها بيت، فرددته في النوم واستيقظت، وقد علق بخاطري وهو:
البيت لا يحسن إنشاده ... إلا إذا أحسن من شاده
وهذا البيت غير موجود في شعره، وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم، وانفصل منها لما تملكها الملك الأشرف وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة.
. وكانت ولادته بدمشق يوم الاثنين، ووفاته فيها يوم الاثنين، وعاش نحواً من ثمانين
стр. 1122
سنة إحدى وثلاثين وست مائة
فيها سار الملك الكامل. بجيوش عظيمة ليأخذ الروم وقدم بين يديه جيشًا فهزمهم صاحب الروم، وأسر صاحب حماة، ومقدم الجيش صواب الخادم فرد الكامل. وفيها تسلطن بدر الدين لؤلؤ بالموصل.
وفيها تكامل بناء المستنصرية ببغداد على المذاهب الأربعة. قال بعضهم ولا نظير لها في الدنيا فيما أعلم قلت لو تمت بعد نيف وسبع مائة وستين مدرسة السلطان حسن ابن السلطان ملك الناصر محمد بن قلاوان في الديار المصرية ما كان مثلها من الدنيا لا المستنصرية، ولا غيرها، فيما شاع عن الجم الغفير، والعلم عند الله العليم الخبير.
وفيها توفي الإمام العلامة الفقيه الأصولي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الملقب سيف الدين الأسدي الثعلبي الحنبلي، ثم الشافعي صاحب التصانيف البديعة النازلة في المنزلة الرفيعة المفيدة النافعة الصادرة عن القريحة البارعة، كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وصحب الشيخ أبا القاسم بن فضلان، واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، وحفظ طريقة الخلاف الشريف، وزوائد طريقة أسعد الميهني، ثم انتقل إلى الشام، واشتغل بفنون المعقول، وحفظ منه الكثير ومهر فيه، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم العقلية، ثم انتقل إلى الديار المصرية، وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي في القرافة الصغرى، وتصدر الجامع الظافري بالقاهرة مدة، واشتهر بها فضله، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به.
قال ابن خلكان: ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه في العقيدة إلى الفساد، وانحلال الطوية، والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، أولى الكفر والتضليل، وكتبوا محضرًا يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، قال: وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى التحامل عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر، وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا، فكتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله ... فالقوم أعداء له وخصوم
والله أعلم، وكتبه فلان ابن فلان، ولما رأى سيف الدين تعليهم عليه، وما اعتقدوه في حقه ترك البلاد وخرج منها مستخفيًا، وتوصل إلى الشام، واستوطن مدينة حماة.
стр. 1123
وصنف في أصول الفقه، والدين والمنطق، والحكمة، والخلاف، فكل تصانيفه مفيدة، فمن ذلك كتاب أبكار الأفكار في علم الكلام، واختصره في كتاب مناهج القرائح ورموز الكنوز، وله دقائق الحقائق، وكتاب الألباب، ومنتهى السؤل في علم الأصول، وله طريقة في الخلاف، ومختصر في الخلاف أيضًا، وشرح جدل الشريف، وغير ذلك وجملة تصانيفه مقدار عشرين تصنيفًا، وانتقل إلى دمشق، ودرس بالمدينة العزيزية، وأقام بها زمانًا، ثم عزل عنها بسبب، وأقام بطالاً في بيته، وتوفي على تلك الحال، ودفن بسفح جبل قاسيون، وعمره ثمانون سنة، والآمدي بالهمزة الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة، نسبة إلى آمد وهي مدينة كبيرة في بلاد بكر مجاورة لبلاد الروم.
وفيها توفي الإمام أبو عبد الله القرطبي محمد بن عمر المقري المالكي، كان متفننًا في عدة علوم كالفقه والقراءات والعربية والتفسير زاهداً صالحًا، سمع من عبد المنعم بن الفراوي، وطائفة، وقرأ القراءات على الإمام الشاطبي وتوفي بالمدينة.
وفيها توفي الشيخ القدوة عبد الله بن يونس الأرموني صاحب الزاوية بجبل قاسيون، صالحًا متواضعًا مطرحًا للتكليف يمشي وحده، ويشتري الحاجة، وله أحوال مجاهدات، وقدم في الفقر.
وفيها توفي قاضي القضاة ابن فضلان أبو عبد الله محمد بن يحيى البغدادي الشافعي، ودرس المستنصرية تفقه على والده العلامة أبي القاسم، وبرع في المذهب والأصول والخلاف والنظر، ولاه الناصر، وعزله الظاهر بعد شهرين من خلافته.
سنة اثنتين وثلاثين وست مائة
فيها ضربت ببغداد دراهم، وفرقت في البلد، وتعاملوا بها وإنما كانوا يتعاملون بقراضة الذهب والقيراط والحبة، ونحو ذلك.
وفيها توفي الملك الزاهد داود بن صلاح الدين وصواب الخادم شمس الدين العادلي مقدم جيش الكامل، وكان يضرب به المثل في الشجاعة، وكان له من جملة المماليك مائة خادم فيهم جماعة أمراء.
وفيها توفي الشيخ العارف عمر بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد، والدار والوفاة، شرف الدين المعروف بابن الفارض صاحب الديوان المشتمل على اللطائف،
стр. 1124
والسلوك، والمحبة، والمعارف، والشوق، والوصل، وغير ذلك من الاصلاحات في العلوم الحقيقة المعروفة في كتب المشائخ الصوفية، بلغني أنه دخل في أيام بدايته مدرسة في ديار مصر، فوجد فيها شيخاً بقالاً يتوضأ من بركة فيها بغير ترتيب، فقال له: يا شيخ أنت في هذا السن وفي هذا البلد، وما تعرف تتوضأ؟ فقال له: يا عمر أنت ما يفتح عليك بمصر، فجاء إليه وجلس بين يديه وقال له: يا سيدي، ففي أقي مكان يفتح علي. فقال: في مكة، فقال يا سيدي، وابن مكة مني، فقال: هذه مكة، وأشار بيده نحوها، وكشف له عنها، فأمره الشيخ الذهاب إليها في ذلك الوقت، فوصل إليها في الحال، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ففتح عليه، ونظم فيها ديوانه المشهور، ثم بعد المدة المذكورة سمع الشيخ المذكور ويقول له: يا عمر تعال أحضر موتي، فجاء إليه، فقال له الشيخ: خذ هذا الدينار، فجهز لي به ثم احملني، فضعني في هذا المكان، وانتظر ما يكون من أمري، وأشار إلى مكان في القرافة تحت الفارض، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض، قال: فكشف لي عن ذلك المكان، فحملته ووضعت فيه، فنزل رجل من الهوى، فصلينا عليه، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره، فإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر، فجاء طائر كبير، فابتلعه، ثم طار، قال: فتعجبت من ذلك، فقال لي ذلك الرجل: لا تعجب من هذا فإن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة، كما جاء في الحديث أولئك شهداء السيوف، وأما شهداء المحبة، فأجسادهم أرواح رضي الله عن الجميع.
قلت: وإلى هذا المعنى أشرت في هذه الأبيات من قصيدتي الموسومة بلباب اللب في مدح شهيد الحب حيث قلت:
قتيل الهوى في مذهب الحب والفقر ... بلا عوض حاشاه من طلب الأجر
سوى روية المحبوب في حالة اللقا ... إذا ما قيتل السيف عوض في الحشر
فشتان ما بين المقامين في العلى ... وبين شهيد الحب والسيف في القدر
فما طالب المولى له طال شوقه ... وفي حبه قد مات خال عن الصبر
كطالب مطعوم الجنان وشربها ... وملبوسها والخيل والحور والقصر
إذا كنت حظي والأيام حظوظهم ... أياديك ما نالوا نعيمي، ولا فخر
كفى شرفًا موت المحب صبابة ... لمولى وفضلاً جل قدراً عن الحصر
ويكفيك خمس من فضائله بها ... بلوغ المنى عيشًا ومجدًا على الدهر
قتيل جمال قد ودوه بروية ... ووصل وقرب والتنادم والسرر
تميز عن غير بهذي وغيرها ... وشاركه فيما له نال من أجر
لئن كان روح من شهيد سيوفهم ... بجنات خلد جوف طير بها خضر
стр. 1125
فروح شهيد الحب أيضًا وجسمه ... باجوافها قد نعما ليس في القبر
كذاك روينا عن رجال له رأوا ... بأبصارهم جوف القرافة من مصر
وممن رأى ذاك الإمام الذي جلا ... لنا من مليحات المعارف من بكر
ونحو أخمارًا كاشفًا عن محاسن ... بها هام كم صب وكم حام من فكر
بحور معانيها جلا در نظمه ... سقى مشربًا بالشعر لم يسق في شعر
غريم الهوى حلف الغرام ابن فارض ... لدي عارض قد شاهد السابق الذكر
ومن المشهور أنه وقع للشيخ شهاب الدين السهروردي ﵁ قبض في بعض حجابة، فخطر بقلبه. ترى هل ذكرت في هذا الموسم؟ فسمع قائلاً يقول له من فوره في سوق الغزل، فأتى إليه الشيخ ابن الفارض المذكور، فأنشده قبل أن الشيخ شهاب الدين استنشده من قريضه، فأنشده قصيدة مفتتحها:
ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا ذنب ولا حرج
ثم استمر في إنشادها إلى أن قال:
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
فقام الشيخ شهاب الدين، فتواجدوا من عنده من شيوخ الوقت الحاضرين، وكان المجلس عامراً بشيوخ أجلاء، وسادة أولياء، فخلع عليه هو والحاضرون قيل: أربع مائة خلعة، ومن نظمه الفائق المعري كل عاشق:
فإن شئت أن تحيي سعيدًا فمت به ... شهيدًا وإلا، فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النخل ما جنت النخل
وما أحسن قوله:
نصحتك علمًا بالهوى والذي أرى ... مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو
بعد قوله:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل
وأما قول ابن خلكان في ترجمته: وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء، فلم يوفه بعض ما يليق بمشربه وذوقه وارتياحه وشوقه لكنه قد أحسن
следующие страницы →