← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وله أيضا: لما رأتني سليماً قاصر البصر ... عنها، وفي الطرف عن أمثالها زور قالت: عهدتك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر وله أيضا يرثي بعض أولاده: أصبحت خدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم وفيها توفي مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري. تسع وعشرين ومائتين فيها توفي الإمام أبو محمد خلف بن هشام شيخ القراء والمحدثين ﵏. وفيها توفي نعيم بن حماد بن المرزوي القرطبي الحافظ ﵏. وفيها توفي يزيد بن صالح الفراء النيسابوري العبد الصالح، وكان ورعاً قانتاً مجتهداً في العبادة رحمة الله عليه. ثلاثين ومائتين فيها توفي إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني الحافظ " وأمير المشرق " عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي. وكان شجاعاً مهيباً عاقلاً جواداً كريماً، يقال أنه دفع على قصص صلات بلغت أربعة آلاف ألف درهم، وخلف من الدراهم خصوصاً أربعين ألف درهم، وكان قد تاب قبل موته، وكسر آلات الملاهي، وبعثه المأمون إلى خراسان، فلما دخلها مطرت مطراً كثيراً، وكان المطر قد انقطع عنها تلك السنة، فقام إليه رجل بزاز من حانوته وأنشد: قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر غيثان في ساعة لنا قدماً ... فمرحباً بالأمير والمطر فاستفك أسارى بألفي درهم، وتصدق بأموال كثيرة، وكان أبو تمام الطائي قد قصده من العراق، فلما انتهى إلى قومس، وطالت به الشقة، وعظمت عليه المشقة قال:

стр. 422

تقول في قومس صحبي وقد أخذت ... مني السرى وخطا المهرية القود أمطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا ... فقلت: كلآ ولكن مطلع الجود وقيل: هذان البيتان أخذهما أبو تمام من أبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث يقول: يقول صحبي وقد جدوا على عجل ... والخيل يفتن بالركبان في اللحم أمغرب الشمس تنوي أن توم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الكرم فإنه أغار على اللفظ والمعنى جميعاً، ولما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته الثانية البديعة التي يقول فيها: وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها، والليل تستر غياهبه وفي هذه السفرة ألف أبو تمام " كتاب الحماسة " وكان سبب ذلك أنه لما وصل إلى همدان أشتد البرد، فأقام ينتظر زواله، وكان نزوله عند بعض الرؤساء بها، وفي دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب وغيرها، فتفرغ لها أبو تمام، وطالعها واختار منها ما ضمنه كتاب الحماسة، وكان ابن طاهر المذكور مع أوصافه المتقدمة أديباً ظريفاً، وله شعر مليح ورسائل ظريفة، ومما قال فيه بعض الشعراء: يقول الورى لي أن مصر بعيده ... وما بعدت مصر، وفيها ابن طاهر وأبعد من مصر رجال تراهم ... بحضرتنا، معروفهم غير حاضر عن الخير موتى، ما تبالي أزرتهم ... على طمع أزرت أهل المقابر قلت: والمصراع الأول من البيت الأول غيرته بعض الفضلاء لخلل الوزن في الأصل المنقول منه. وذكر بعض المؤرخين أن البطيخ المسقى بعبد اللاوي الموجود في الديار المصرية منسوب إلى عبد الله المذكور، قيل ليلة كان يستطيبه، أو أنه أول من زرعه هناك، وقيل أنه وقومه خزاعيون بالولاء، فإن جدهم رزيق مولى أبي محمد طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات الخزاعي المتولي على سجستان من قبل سالم بن زياد بن أبيه، وفيه يقول ابن الرقتات: رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات

стр. 423

وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحبر الحافظ أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات والتواريخ. وفيها توفي الحافظ محدث بغداد أبو الحسن علي بن الجعد الهاشمي مولاهم، روى عن شعبة وابن أبي ذيب والكبار، وقيل: مكث سنين يصوم يوماً ويفطر يوماً. إحدى وثلاثين ومائتين فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة يأمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في امتحان الناس. وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، من أولاده أمراء الدولة، نشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة، وحمل عن هشيم مصنفاته، قتله الواثق بيده لإمتناعه عن القول بخلق القرآن لكونه أغلظ للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي، وكان رأساً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقام معه خلق من المطوعة، واستفحل أمره، فخافت الدولة من فتن تحصل بذلك. وروي أنه صلبه، فاسود وجهه، فتغيرت قلوب من راه بهذا الوصف، ثم ابيض وجهه بعد ذلك، فراه بعضهم في النوم، فسأله عن ذلك فقال: لما صلبت رأيت النبي صلى الله عليه، وآله وسلم قد أعرض عني بوجهه، فاسود وجهي من ذلك، فسألته ﵌ عن ذلك، أي سبب إعراضه عني فقال ﵌: إنما أعرضت حياء منك إذا كان قتلك على يد واحد من أهل بيتي، فعندها زال ذلك السواد الذي رأيتم عني، وهذا معنى ما قيل في ذلك والله أعلم. وفيها توفي الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي، مات في السجن والقيد ببغداد، ممتحناً بخلق القرآن، وكان عابداً دائم الذكر كبير القدر. قال الشافعي: ليس في أصحابي أعلم من البويطي، حمل من مصر في أيام الواثق فني زمن الفتنة، فامتنع من القول بخلق القرآن، فحبس حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً، رحمة الله عليه. قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغلة، وفي عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوية وزنها أربعون رطلاً. وقال الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء: وكان أبو يعقوب البويطى إذا سمع

стр. 424

المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة، اغتسل ولبس ثيابه، ومشي حتى يبلغ باب السجن، فيقول السجان: أين تريد؟. فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عفاك الله فيقول: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني. وقال الربيع: كان الرجل ربما يسأل الشافعي عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال: وقال الخطيب البغدادي: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلس من يوسف بن يحيى، وقال الربيع: كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي قال للبويطي: أنت تموت في الحديث، وقال لي: موتك في الحديث، وقال للمزني: هذا النواظر، الشياطين تطيعه. وفيها توفي أبو تمام الطائي: حبيب بن أوس الحوراني، متقدم شعراء عصره في ديباجة لفظه وصناعة شعره وحسن أسلوبه، وله: كتاب الحماسة الدال على غزارة فضله واتقان معرفته وحسن اختياره، وله مجموع آخر سماه " فحول الشعراء " جمع فيه بين طائفة كثيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين و " كتاب اختيارات من شعر الشعراء "، كان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره قبل، كان يحفظ أربعة آلاف ديوان الشعر غير ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء، وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وقصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعدل الشاعر، فلما سمع بوصوله وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه خاف من قدومه أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل دخوله البلد: أنت بين اثنين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال أيما يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال فلما وقف على هذا النظم أضرب عن مقصده ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، ولما قال ابن المعدل هذا النظم، كتبه ودفعه إلى وراق، وكان هو وأبو تمام يجلسان إليه، ولا يعرف أحدهما الآخر، وأمره أن يدفعه إلى أبي تمام، فلما قرأ الورقة أبو تمام قال:

стр. 425

أتى ينظم قول الزور والفند ... وأنت أنقص من لا شيء في العدد أسرجت قلبك من غيظ على خنق ... كأنها حركات الروح في الجسد أقدمت ويلك من هجوي على خطر ... كالعير يقدم من خوف على الأسد وحضر عبد الصمد، فلما قرأ البيت الأول قال: ما أحسن، علم بالجدل أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإسراج من عمل الفراشين، ولا مدخل له ها هنا، ولما قرأ البيت الثالث عض " على شفته وقال: فيك قلت، يعني بقوله فيك: إشارة إلى قوله: " كالعير تقدم من خوف على الأسد "، لأنهم قد ذكروا في باب انقياد بعض المكولات لبعض الأكلات أن الحمار يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه. وقال بعض العلماء: خرج من قبيلة طيىء ثلاثة، كل مجيد في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره، وقد اشتهر أنه لما قال في مدح بعض الخلفاء: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في علم أحنف في ذكاء إياس قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً سروداً في الندى والناس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس الفتيلة: للمصباح والمعنى: يعني قوله: " الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " " النور: ٣٥، "، الآية والنبراس: الفتيلة للمصباح، والمعنى أنه لما أنكر عليه في تشبيه الخليفة بعمرو بن معد يكرب وبحاتم، استشعر منهم اللوم في ذلك وعدم الجائزة وانحطاطها، فافتتح التفكر ملتمساً عذراً في كلام العرب وأشعارهم وأمثالهم، فلم يجد ما يشفي، ولا ما يكفي، فضرب عنان فكرته إلى كتاب الله تعالى وجواهر آية من فاتحته، إلى أن وجد ما دفع عنه المحذور في سورة النور، وظفر من الدليل بما يشفي الغليل، فأعجب من حضره بانفاذ قريحته، وسرعة. قدح زناد فكرته، فقال الوزير للخليفة، أي شيء طلبه أعطيه إياه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال الخليفة: ما تشتهي، قال: الموصل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة المذكورة ومات، هكذا قيل: وقال بعض أصحاب التواريخ: هذه القصة لا صحة لها أصلاً، فقد ذكر أبو بكر

стр. 426

الصولي في " كتاب أخبار أبي تمام " أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم، وانتهى إلى قوله، إقدام عمر والبيت المذكور، قال أبو يوسف يعقوب بن صباح الكندي الفيلسوف وكان حاضراً لأمر فوق من وصفت. فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين المذكورين. ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعة فطنته، قال أبو يوسف وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريباً، ثم قال بعد ذلك: وقد روي على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء والصحح هو هذا، قال: وقد تبعتها، وحققت صورة ولاية الموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب، ولآه يعني الموصل، فأقام أقل من سنتين ثم مات بها. وذكر الصولحي: قال له ابن الزيات: يا أبا تمام، إنك لتجلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناتها على الجوهر في أجياد الكواعب، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافآت، إلا ويقصر عن شعرك في المواساة، وكان بحضرته فيلسوف فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك. فقال: رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر، ما علمت أن النفس والروحانية تأكل جسمه، كما يأكل السيف المهند غمده قالوا: وكذا كان. لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة. وقال بعضهم: هذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته، وذلك أن ولادته كانت في تسعين ومائة، وقيل ثمان وثمانين ومائة، وقيل اثنتين وسبعين ومائة، وقيل اثنتين وتسعين ومائة، في قرية من بلد الجيد، بين دمشق وطبرية ونشأ بمصر، وتوفي بالموصل في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقيل سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع وعشرين سنة، وقيل اثنتين وثلاثين ومائتين. قلت: وهذا الإعتراض ليس بصحيح، فإنه يصدق كونه نيف على ثلاثين على بعض هذه الروايات، فإنه على رواية ولادته في سنة اثنتين وتسعين، وموته في سنة ثمان وعشرين يكون عمره ستاً وثلاثين سنة. قال ابن خلكان: رأيت قبره في الموصل، وإليه الإشارة بقول ابن عنين: سقى الله روح الغوطتين، ولا أرى ... من الموصلي الفيحاء إلا قبورها قال البحتري: وبنى عليه أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة، وممن رثاه الحسن بن وهب بقوله:

стр. 427

فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغريد روضها حبيب الطائي ماتا معاً فتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأخباء ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم بقوله: نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا: حبيب قد توى، فأجبتهم ... ناشدتكم، لا تجعلوه الطائي وفيها توفي إمام اللغة محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي من موالي بني العباس، وقيل: من موالي بني شيبان، والأول أصح، وكان راوية الأشعار واللغة، أخذ الأدب عن أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والكسائي وأخذ عنه من الأئمة: إبراهيم الحربي وثعلب وابن السكيت. وغيرهم، وناقش العلماء، واستدرك عليهم، وخطأ كثيراً من نقلة اللغة، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان شيئاً، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين. قال ثعلب: كان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، وكان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، ولزمته بضع عشرة سنة، ما رأيت بيده كتاباً قط، ولقد أملى على الناس ما يحمل على أحمال، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه، وله من التصانيف بضع عشر مصنفاً، منها كتاب النوادر، وكتاب الخيل، وكتاب تفسير الأمثال، وكتاب معاني الشعر. ورأى يوماً في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت؟. فقال: من اسبيجاب " بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت وقبل الألف جيم وبعدها موحدة "، مدينة في أقصى بلاد الشرق، وسأل الآخر فقال: من الأندلس وهي معروفة في أقصى بلاد المغرب، فتعجب من ذلك وأنشأ: رفيقان شتى، ألف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتاء فيما تلقان ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات وهي: نزلنا على قيسية يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان فقالت وأرخت جانب الستر بيننا ... من أية أرضي أمنا الرجلان؟ فقلت لها: أما رفيقي فقوم ... تميم، وأما أسرتي فيمان رفيقان شتى ألف بيننا ... وقد يلتقي الشتاء فيما تلقان

стр. 428

اثنتين وثلاثين ومائتين فيها توفي الواثق بالله أبو جعفر، وقيل أبو القاسم هارون بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي العباسي، وكان أديباً شاعراً أبيض تعلوه صفرة، حسن اللحية، دخل في القول بخلق القرآن، وامتحن الناس وقوى عزمه القاضي أحمد بن أبي داود ولما احتضر ألصق وجهه بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، أرحم من قد زال ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل، وأظهر السنة، ودفع المحنة، وأمر بنشر أحاديث الروية والصفات. وفيها وقيل: في سنة ستين توفي الشريف العسكري الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية وهو والد المنتظر صاحب السرداب. وفيها توفي عبد الله بن عوف الخزاز الزاهد البغدادي المحدث، وكان يقال: إنه من الأبدال. وتوفي الإمام أبو يحيى هارون بن عبد الله الزهري العوفي المالكي، وقال أبو إسحاق الشيرازي: هو أعلم من صنف الكتب في مختلف قول مالك. ثلاث وثلاثين ومائتين فيها كانت الزلزلة المهولة بدمشق، ودامت ثلاث ساعات، وسقطت الجدران، وهرب الخلق، إلى المصلى يجأرون إلى الله، ومات كثير من الناس تحت الردم، وامتدت إلى أنطاكية، وذكروا أنه هلك من أهلها عشرون ألفاً، ثم امتدت إلى الموصل، وزعم بعضهم أنه هلك بها تحت الردم خمسون ألفاً. وفيها توفي سهل بن عثمان العسكري الحافظ أحد الأئمة " والإمام " أبو زكريا يحيى بن معين الحافظ أحد الأعلام، توفي بمدينة النبي ﵌ متوجهاً إلى الحج، وغسل على الأعواد التي غسل عليها رسول الله ﵌، سئل: كم كتبت من الحديث؟. فقال: كتبت بيدي هذه ست مائة ألف حديث، روى عنه كبار أئمة الحديث، منهم البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وكان بينه وبين الإمام أحمد صحبة

стр. 429

وإلفة، واشتراك في الإشتغال بعلوم الحديث، وكان ينشد: المال يذهب حله وحرامه ... طراً ويبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما يحوي ويكتب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه نطق النبي كتابه عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، وقد سبق في ترجمة الشافعي، ما جرى منه في حقه بينه وبين الإمام أحمد في مشية تحت ركاب بغلة الشافعي، وقول الإمام أحمد له: لو لزمت البغلة لانتفعت، وقيل: إنه لما خرج من المدينة سمع في النوم هاتفاً يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جواري؟. فرجع وأقام بها ثلاثة، ثم توفي رحمة الله عليه. وفي السنة المذكورة، وقيل في سنة سبع وأربعين، وهو اختيار الذهبي، توفي الإمام النحوي أبو عثمان بكر بن محمد المازني البصري، وكان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الأدب من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد، وانتفع به، وله تصانيف في فنون من العربية. قال أبو جعفر الطحاوي: سمعت القاضي بكار بن قتيبة قاضي مصر يقول: ما رأيت نحوياً يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة المازني، وكان في غاية الورع بما روى عنه المبرد: أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة حاجتك. فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاث مائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً، غيرة على كتاب الله وحمية له. قال فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وقيل ياء النسبة جيم ". أظلوم أن مصابكم رجلاً ... رد السلام تحية ظليم فاختلف من في الحضرة في إعراب " رجل "، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه، قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن. أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟. ولم يذكر في الأصل مازن اليمن وهو مازن ابن الأزد بن الغوث، ونسبه معروف، إلى قحطان قال: قلت من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قوم، فقال: ما إسمك؟ لأنهم كانوا يقلبون الميم باء،

стр. 430

والعكس قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر، يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر، " أظلوم إن مصابكم رجلاً " أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك؟ فقلت: لأن مصابكم مصدر بمعنى أصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً الظلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، والدليل على أنه معلق إلى أن يقول: ظلم، فيتم، قال: فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد؟ فقلت بنية لا غير، قال: ما قالت لك حين ودعتها؟ قلت: أنشدت قول الأعشى: أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير؟ إذا لم ترم أدانا إذا أضمرتك البلاد ... يخفى ويقطع منا الرحم قال: فما قلت لها. قال: قلت قول جرير: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى وأمر لي بألف دينار، وردني مكرماً، ويروي أول البيت الأول، شعر: " أبانا فلا رمت من عندنا "، ويروي أيضاً " أبانا إلا لا ترم عندنا "، يقال: رام يريم ريماً أي برح يبرح، وقولها: فلا رمت أي: فلا برحت، وعلى رواية لا ترم بكسر الراء: لا تبرح، هذا من رام يريم ريماً، وأما رام يروم روماً. فإن معناه طلب يطلب طلباً، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟ رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً. قلت: هذا مختصر القصة وفيها كلام طويل، أنشد في آخره: إن المعلم لا يزال مضعفاً ... ولرأيتني فوق السماء بناء من علم الصبيان صبوا عقله ... حتى الخلفاء والأمراء فقال لي: لله درك، كف لي بك؟. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الغنم والفوز في قربك والنظر إليك، ولكني ألفت الوحدة، وأنست بالإنفراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم، ويضربهم ذلك، ومطالبة العادة أشد منه مطالبة الطبع، فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب وقال: لا تقطعنا. وفي السنة المذكورة مات وزير المعتصم المعروف بابن الزيات أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان، كان جده أبان يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فدعي بابن

стр. 431

الزيات، وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة، وكان أبو عثمان المازني، إذا اختلف أصحابه في مسألة يأمرهم أن يسألوه، ويعرفوا جوابه، فيجيب: إن الصواب الذي يرضاه أبو عثمان. وقد ذكر فضله غير واحد من المؤرخين، وأوردوا له من شعره عدة مقاطيع، وكان في أول أمره من جملة الكتاب، فسأل المعتصم وزيره أحمد بن عمار البصري يوماً عن الكلأ، ما هو؟ قال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير كلامي، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا ابن الزيات المذكور فأدخلوا إليه فقال: ما الكلأ. فقال: الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، وإن كان يابساً فهو الحشيش. وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط يده، وجرت بينه وبين القاضي أحمد بن أبي داود أشياء مذكورة في ترجمة ابن أبي داود المذكور. وحكي أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة، كتب إلى ابن الزيات: أما بعد: فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، وبناؤك في وذي قد شارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على البؤس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست. فبلغ ذلك أبا عبد الرحمن العطوي فقال: في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك. إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الجميل وعلموه أناساً كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لا يهدمون لما بنوه أساساً وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طول البقاء لباساً فعلام تسقيني وأنت سقيتني ... كأس المودة من جفائك كأساً آنسني منفصلاً أفلا ترى ... أن القطيعة توحش الإيناسا؟ قلت: يعني بالبيت الذي قبل الأخير: فعلام تسقيني من جفائك كأساً وأنت تسقيني كأس المودة. ولإبن الزيات المذكور أشعار رائقة فمن ذلك قوله: سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح فإن الحب آخره المنايا ... وأوله يهيج بالمزاح وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناح فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح

стр. 432

وله ديوان رسائل جيدة، ولأبي تمام وجماعة من الشعراء في عصره فيه مدائح، فمن ذلك قول إبراهيم بن العباس الصولي: أخ كنت آوي منه عند ذكاره ... إلى ظل آياء من العز شامخ سمعت نوب الأيام بيني وبينه ... فاقلعي منه عن ظلوم وصارخ وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد، وأطرافه مساميره المحددة إلى داخل، يعذب به المصادرين وأرباب الدواوين المظلومين، فكلما تحرك واحد منهم من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجد لذلك أشد الألم ولم يسبقه أحد إلى مثل ذلك وكان إذا قال له أحد منهم: أيها الوزير، ارحمني، يقول: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور، وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد، فقال، يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال: الرحمة خور في الطبيعة كما كان هو يقول للناس فطلب دواة وبطاقة فأحضر إليه فكتب: هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم لا تجزعن، رويداً إنها دول ... دينا تنقل من قوم إلى قوم وسيرها إلى المتوكل واشتغل عنها، ولم يقف عليها إلا في الغد، فلما قرأها أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتاً، وكانت مدة إقامته في ذلك التنور أربعين يوماً. ولما جعل في التنور قال له خادمه: يا سدي، قد صرت إلى ما صرت إليه، وليس لك حامد فقال: وما نفع البرامكة صنيعهم؟ فقال له: ذكراهم هذه الساعة. قال: نعم. قلت: فهذا ما لخصته مختصراً من ترجمة ابن خلكان له، كما هو عادتي في تراجمة لغيره. أربع وثلاثين ومائتين فيها توفي الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب، والحافظ: أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، والحافظ أبو الحسن علي بن بحر القطان ويحيى بن يحيى الليثي الإمام المالكي المعتمد عليه في رواية الموطأ من الإمام مالك، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس. وسبب ذلك ما روي أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل: جاء الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: لم لا تخرج فتراه، لإنه لا يكون بالأندلس. فقال: إنما جنت من بلدي لأنظر إليك، وأعلم من هديك وعلمك. فأعجب به مالك، فسماه عاقل الأندلس. ثم عاد إلى الأندلس وانتهت الرئاسة إليه فيها، وبه انتشر مذهب مالك.

стр. 433

خمس وثلاثين ومائتين فيها ألزم المتوكل جميع النصارى لبس الحلي فيميزوا به. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مالك التيمي الموصلي النديم. وكان رأساً في صناعة الطرب والموسيقى أديباً شاعراً أخبارياً عالماً ظريفاً نافق السوق عند الخلفاء إلى الغاية، وأول من سمعه المهدي، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان، وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار العرب والشعراء وأيام الناس. ذو فضائل جمة، وكان له يد طولى في الفقه والحديث وعلم الكلام. قال محمد بن عطية الشاعر: كنت في مجلس القاضي يحيى بن كثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى اتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى بن كثم فقال له: أعز الله القاضي، في شيء مما ناظرت فيه وحكيت نقص أو مطعن؟. قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء! قال ابن عطية المذكور: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال: الجواب في هذا عليك، وكان الراوي المذكور من أهل الجدل، فقال للقاضي يحيى: نعم أعز الله القاضي، الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق وقال: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش؟. فقال: لا، فقال: أنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟. قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي يزيد العلاف والنظام البلخي؟ قال: لا، قال: أنت في الفقه كالقاضي؟ وأشار إلى القاضي يحيى قال: لا، قال فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، قال: فمن ها هنا مشيت إلى ما مشيت إليه، لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله فضحك وقام وانصرف، فقال القاضي لابن عطية: لقد وفيت الحجة حقها. وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه ممن يقل في الزمان نظيره. وذكر أبو المجد الموصلي أن إسحاق بن إبراهيم المذكور كان مليح المحاورة والنادرة، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، وهشيم بن بشير، وأبي معاوية الضرير، وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء، فغلب عليه ونسب إليه، وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه، وكان المأمون يقول: لولا سبق لإسحاق على ألسنة الناس. واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر

стр. 434

ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة، لكنه اشتهر بالغناء، وغلب على جمع علوم مع صغرها عنده ولم يكن له فيه نظير. وله نظم جيد وديوان شعر، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد. وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل أرى الناس خلال الجواد ولا أرى ... بخيلاً في العالمين خليل وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمت ... إذا نال خيراً أن يكون سبيل عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنا ... ورأي أمير المؤمنين جميل وكان كثير الكتب حتى قال أبو العباس ثعلب: رأيت الإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، كلها سماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد قط كثر منها في منزل إسحاق منزل ابن الأعرابي. وكان المعتصم يقول: ما أغنى في إسحاق بن إبراهيم قط إلا خيل، إلا أنه قد زيد في ملكي، وأخباره كثيرة، وحكاياته شهيرة، وكان قد عمي آخر عمره. وفيها توفي الإمام أحد الأعلام أبو بكر بن أبي شيبة صاحب التصانيف الكبار. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو عبيد: فانتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أسردهم له، وابن معين، وهو أجمعهم له. وابن المديني وهو أعلمهم به وأحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل، حذروا مجلسه بثلاثين ألفاً. وفيها: وقيل في سنة سبع وعشرين توفي أبو الهذيل شيخ المعتزلة البصريين المعروف بالعلاف مولى عبد القيس، صاحب مقالات في مذهبهم، ومجالس ومناظرات حسن الجدال، قوي الحجة، كثير الإستعمال للأدلة والإلزامات، توفي وله نحو مائة سنة. وفيها توفي سريج بن يونس البغدادي، العابد المشهور بالصلاح والأوصاف الملاح، أجد أئمة الحديث جد أبي العباس سريج. ست وثلاثين ومائتين فيها توفي الحافظ محدث المدينة إبراهيم بن المنذر، والحافظ النسابة الأخبار مصعب بن عبد الله بن مصعب الأسدي الزبيري. قال الزبير: كان عمي مصعب وجه

стр. 435

قريش مروءة وعلماً وشرفاً وديناً وقدراً وجاهاً، وكان نسابة قريش. وفيها توفي وزير المأمون الحسن بن سهل، وقد تقدم دخول المأمون بابنته بوران، الكلفة التي احتملها والدها، وكان أخوه الفضل وزيراً قبله، وكان الحسن عالي الهمة كثير فعطاء للشعراء وغيرهم، قصده بعض الشعراء وأنشده: تقول خليلي لما رأيتني ... أشد مطيتي من حلل أبو الفضل أين ترتحل المطايا ... فقلت نعم إلى الحسن بن سهل قلت: لقد تناسب لفظ هذا البيت ومعناه، أعني، لفظ سهل، مع سهولة النظم سلاسته، وسهولة الخلق المذكور في نيل المقصود منه، مناسبة هذه السهولة لفظ اسمه، اجتمعت السهولة في ثلاث: في المدح واسم الممدوح وخلقه، فأعطى قائلها المذكور عطاء جزيلاً، وخرج يوماً مع المأمون يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، تحفظه علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك. وقال بعضهم: حضرت مجلس الحسن بن سهل، وقد كتب لرجل شفاعة، فجعل رجل يشكر، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا. إنا نريد الشفاعات زكوة مروءتنا، بلغني أن الرجل يسأل في القيامة عن فضل جاهه، كما يسأل عن فضل ماله، ولم يزل على وزارة مأمون إلى أن ثارت عليه المرأة السوداء، لكثرة خدمة أخيه الفضل لما قيل، كما تقدم في ترجمته سنة اثنتين ومائتين. وفي سنة ست وثلاثين أيضاً توفي هدبة " بالموحدة " ابن خالد العبسي البصري حافظ، قال عبدان: كنا لا نصلي خلف هدبة مما يطول، كان يسبح في الركوع والسجود نيفاً وثلاثين تسبيحة. سبع وثلاثين ومائتين فيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد القاضي وأهله، وصادرهم وأخذ منهم ستة عشر ألف درهم. وفيها توفي الشيخ الجليل المكرم العارف بالله حاتم الأصم الناطق بالمعارف المواعظ والحكم، المكنى والملقب حين انفجرت فيه ينابيع الحكمة بأبي عبد الرحمن لقمان هذه الأمة. قلت: وقضته في الوعظ مع قاضي الري محمد بن مقاتل مشهورة،

стр. 436

واستحسان الإمام أحمد كلامه، ومدحه له. وإنما سمي الأصم، ولم يكن به صمم، لأن امرأة جاءت تكلمه في شيء، فسمع منها صوتاً، فخجلت، فقال: أسمعيني ما تقولين، فإني أصم، فذهب عنها ما بها نزل من شدة الخجل. وفيها توفي وثيمة " بفتح الواو وكسر المثلثة وسكون المثناة من تحت وفتح الميم في أخره هاء " ابن موسى الوشاء الفارسي. كان يتخير في الوشي، وصنف كتاباً في أخبار الرقة وذكر فيه القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي ﵌، والسرايا التي سيرها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وصورة مقاتلتهم، وما جرى بينهم وبين المسلمين في ذلك، ومن عاد منهم إلى الإسلام، وقتال مانعي الزكاة، وما جرى لخالد بن الوليد المخزومي مع مالك بن نويرة اليربوعي أخي متمم بن نويرة الشاعر صاحب المراثي المشهورة في أخيه مالك، وصورة قتله، وما قاله متمم وغيره من الشعر في ذلك، وهو كتاب جيد يشتمل على فوائد كثيرة. وذكر الواقدي أنه صنف كتاباً في الردة أيضاً، أجاده في ذكر جماعة من أجلاء المؤرخين، وقالوا: كان يتخير في الوشي، وهو نوع من الثياب المعموله من الإبريسم، وبه عرف جماعة منها وثيمة المذكور، وإذا قد ذكرنا مالكاً وأخاه متمماً، فلنذكر نبذة مشتملة من خبرهما. كان مالك المذكور رجلاً ثرثاً نبيلاً يردف الملوك والإرداف إردافان فإن ردف يركب بعدهم على مركوبهم، وردف بخلفهم في الحكم إذا قاموا من مجالسهم. ومالك المذكور هو الذي يضرب به المثل، فيقال: مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كصداء، وفتى ولا كمالك. كان فارساً شاعراً مطاعاً في قومه، وكان فيه خيلاء وتقدم ذاملة كبيرة، وكان يقال له الحفول، قدم على النبي ﵌ في قوم من العرب، وأسلم فولاه النبي ﵌ صدقة قومه. ولما ارتدت العرب بعد موته ﵇ بمنع الزكاة، كان مالك المذكور في جملتهم، ولما خرج خالد بن الوليد لقتالهم في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، نزل على مالك وهو يقدم قومه بني يربوع وقد أخذ مركوبهم، وتصرف فيها، فكلمه خالد في فقال: أنا آتي الصلاة دون الزكاة، فقال له خالد: أما علمت: الصلاة والزكاة معاً، لا يلب واحد دون أخرى؟. فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك، قال خالد: وما تراه لا صاحباً، والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تحاولا في الكلام طويلاً، فقال له خالد إني قاتلك، قال أو بذلك أمرك صاحبك. قال: وهذه بعد تلك، والله لأقتلنك.

стр. 437

وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالداً في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالداً بعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقد بعث إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا، فقال خالد: لا أقالني الله إن لم أقتلك. وتقدم إلى ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته أم متمم، وقال لخالد: هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فمال مالك: أنا على الإسلام، فقال خالد: لا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه، وجعل رأسه أثفية لقدر، وكان من أكثر الناس شعراً، وكان القدر على رأسه تطبخ الطعام، وما خلصت النار إلى سواه من كثرة شعره. هكذا قيل، وقبض خالد إمرأته، وقيل إنه اشتراها من الفيء وتزوجها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيضات، ثم خطبها إلى نفسها فأجابته. وقال لإبن عمر وأبي قتادة: تحضران النكاح، فأبيا وقال له ابن عمر: تكتب إلى أبي بكر، وتذكر له أمرها، فأبى وتزوجها، فقال في ذلك أبو زهير السعدي أبياتاً، نسب فيها خالداً إلى البغي. قلت: ومنصب الصحابة منزه عن ذلك، يلتمس لهم أحسن المخارج كما ذكر العلماء في قتال بعضهم بعضاً، وكما سيأتي من إعتذار أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخالد في القضية، على ما ذكر بعض المؤرخين. ومن أبيات أبي زهير المذكور: ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغياً عليه لفرسه ... وكان له فيما هو قبل ذلك فأمضى خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك وأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير شيء هالك في الهوالك فمن لليتامى والأرامل بعده ... ومن للرجال المعدمين الصعالك أصيبت تميم عنها وسميتها ... بفارسها المرجو سحت الحوارك قلت: قوله: " وكان له في ما هو قبل ذلك ": هكذا هو في الأصل المنقول فيه، والصواب فيك، التفاتا إلى المرأة، لمصبح كسر الكاف من ذلك. والحوارك تطلق على كواهل الخيل. قالوا: ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر، قال عمر: إن خالداً قد زنى فارجمته قال: ما كنت لأرجمه، فإنه تأول فأخطأ، قال: فإنه قتل مسلماً فاقتله، قال: ما كنت لأقتله به، إنه فأخطأ، قال: فاعز له، قال: ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً. يعني ما كنت

стр. 438

لأغمده. هكذا ذكر هذه الواقعه الواقدي، والله أعلم، وممن رثاه به أخوه متمم قوله: لقد لامني عند القبور على البكاء ... فبقي لتذراق الدموع السوافك فقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له: إن الشجي يبعث الشجى ... فدعني، فهذا كله قبر مالك قلت: وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذه الأبيات يستشهد بها المجنون وأرباب الشجون على أن الشجى يبعث الشجي، وكان قبر كل هالك قبر مالك، وكأن سائر الأشجان، على بابه شجون كل إنسان. ثمان وثلاثين ومائتين فيها: أقبلت الروم في البحر في ثلاث مائة مركب واهبة عظيمة، فكبسوا دمياط وسبوا وأحرقوا وأسرعوا الكرة في البحر، فأسروا ست مائة امرأة. وفيها توفي الإمام عالم المشرق المحدث إسحاق بن راهويه الحنظلي المروزي النيسابوري الحافظ. روي أنه كان يحفظ سبعين ألف حديث، ويذاكر بمائة ألف ألف حديث، وقال: ما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً فنسيته، وجمع بين الحديث والفقه والورع. وذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي، وعده البيقهي في أصحاب الشافعي، وقد ناظر الشافعي في جواز بيع دور مكة، وقد استوفى، فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس في كتابه " مناقب الشافعي "، فلما عرف إسحاق فضله نسخ كتبه وجميع مصنفاته بمصر. وقال الإمام أحمد: إسحاق عندنا من أئمه المسلمين، وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، ومنه سمع البخاري ومسلم والترمذي، وعمر قريباً من ثمانين سنة، ولقب أبوه براهويه، لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية " راه ويه " معناه: وجده، فكأنه وجده في الطريق. وفيها توقي أبو علي النيسابوري الحافظ، رحل وأكثر عن أبي بكر بن عياش وابن عيينة وطبقتهما، وعرض عليه قضاء نيسابور، فاختفى، ودعا الله فمات في اليوم الثالث رحمة الله عليه. وفيها توفي عبد الملك بن حبيب، مفتي الأندلس، مصنف " الواضحة ". وفيها توفني عبد الرحمن بن الحكم بن هشام صاحب الأندلس، وقد نيف على الستين وكانت أسامه إثنتين وثلاثين سنة وكان محمود السيرة عادلاً جواداً مفضلاً، له نظر

стр. 439

في العقليات، ويهتم بالجهاد، ويقيم للناس الصلاة. وفيها توفي أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي الكوفي المقرىء الحافظ، نزيل مصر، وقيل في السنة التي قبلها. تسع وثلاثين ومائتين فيها غزا المسلمون حتى شارفوا القسطنطينية، فأغاروا وأحرقوا ألف قرية، وقتلوا وسبوا. وفيها عزل يحيى بن أكثم من القضاء، وصودر،، وأخذ منه ألف دينار، وفيها توفي الحافظ عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي، وكان أسن من أخيه أبي بكر، رحل وطوف، وصنف التفسير والمسند، وحضر مجلسه ثلاثون ألفاً. أربعين ومائتين فيها توفي قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد " بضم الدال المهملة مكررة في أوله وآخره، والهمزة والمد، بينهما على وزن فواد "، الإيادي عن ثمانين سنة، وكان فصيحاً مفوهاً جواداً ممدحاً، وكان من أصحاب واصل بن عطاء المعتزلي، وهو الذي شغب على، الإمام أحمد بن حنبل، وأفتى بقتله. وكان قد مرض بالفالج قبل موته نحو أربع سنين، ونكب وصودر. وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكان لا يبدؤهم أحد حتى يبدؤوه. وقال أبو العيناء: كان ابن أبي دؤاد فصيحاً شاعراً مجيداً بليغاً، وما رأيت رئيساً قط أفصح ولا أنطق منه، وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء، وروى له أبياتاً حساناً. وكان يقول: ثلاث ينبغي أن يبخلوا أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان. فمن استخفت بالعلماء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته. وقال إبراهيم بن الحسن: كنا عند المأمون، فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، واختلفوا في ذلك، ثم دخل. ابن أبي دؤاد فعدهم واحداً واحداً بأسمائهم، وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلاً، فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم، وكان أعلم بما يقوله منه، ومن كلام أحمد:. ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير.

стр. 440

وقال أبو العيناء: حسد أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، واحتيل عليه حتى شهد عليه بخيانة. وقيل عند أفشين، فأخذه ببعض أسبابه، وجلس له، وأحضر السياف ليقتله. فبلغ ابن أبي دؤاد الخبر، فركب في وقته مع من حضر من عدوله، ودخل على الأفشين، وقد جيء بأبي دلف ليقتل، ثم قال إني رسول أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حدثاً حتى تسلمه إلي، ثم التفت إلى العدول، وقال: اشهدوا أني قد أديت الرسالة إليه، والقاسم حي معافى، فقالوا: شهدنا، وخرج فلم يقدر الأفشين على أن يحدث فيه مكروهاً، وسار ابن أبي دؤاد إلى المعتصم من وقته وقال: يا أمير المؤمنين، قد أديت عنك رسالة لم تقلها إني ما أعتد بعمل خير خيراً منها، وإني لأرجو لك الجنة بها. ثم أخبره الخبر فصوب رأيه، ووجه من أحضر القاسم، فأطلقه ووهب له، وعنف الأفشين فيما عزم عليه. وكان المعتصم قد اشتد غيظه على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عنقه، فلما رأى ابن دؤاد ذلك وأن لا حيلة فيه، وقد شد برأسه وأقيم في النطع، وقد هزله السيف قال: ابن أبي دؤاد للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته؟ قال: ومن يحول بيني وبينه؟ قال يأبى الله ذلك، ويأباه رسول الله ﵌، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث، إذا قتلته، حتى تقيم البينة على ما فعله. وأمره بإستخراج ما أختانه أقرب عليك وهو حي، فقال: أجلسوه حتى نناظر، فتأخر أمره على ماله جملة وخلص بحمد الله تعالى. وذكر الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة، وأحضر السيف والنطع فقال له المعتصم: فعلت وصنعت وأمر بضرب عنقه، فقال له ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، سبق السيف العدل، فتأن في أمره، فإنه مظلوم، فسكن قليلاً، قال ابن أبي دؤاد: وأرهقني البول فلم أقدر على حبسه، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل، فجعلت ثيابي تحتي، وبلت فيها حتى خلصت الرجل، فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة فقال: يا أبا عبد الله، كأن تحتك ماء؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا وكذا، فضحك ودعا لي وقال: أحسنت، بارك الله عليك. قال الراوي: وخلع عليه، وأمر له بمائة ألف درهم. وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دؤاد روح كله من قرنه إلى قدمه، وقال بعضهم: ما رأيت قط أطوع لأحد من المعتصم لإبن أبي دؤاد، وكان يسأل الشيء فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دؤاد، فيكلمه في أهله، وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد، ولقد كلمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهراً في أقاصي خرسان فقال له: ونا علي من هذا النهر؟ فقال: يا أمير

стр. 441

المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أدناها، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها. وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين: ابن أبي دؤاد عندنا لا يعرف اللغة، وعندكم لا يحسن الكلام، وعند الفقهاء لا يدري الفقه، وهو عند المعتصم يعرف هذا كله. وكان إبتداء أمر ابن أبي دؤاد بالمأمون أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، وكنت عنده يوماً إذ جاء رسول المأمون وقال له: يقول لك أمير المؤمنين، إلينا أنت وجميع من معك من أصحابك. فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، فتكلمت بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت الكلام، ويتفهم ما أقول، ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون؟ فانتسبت له، فقال: ما أخرك عنا؟ فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: حبس القدر وبلوغ الكتاب أجله. فقال: لا أعلمن يكون لنا مجلس إلا حضرته، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر. وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة ومائتين وهو حدث، سنة نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم: ابن أبي دؤاد، فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى بن أكثم: اختر لي من أصحابك جماعة ليجالسونني، فاختار منهم عشرين، معهم ابن أبي داود. ثم قال اختر منهم خمسة فيهم ابن أبي دؤاد، واتصل أمره وأسند المأمون وصيته الموت إلى أخيه المعتصم، وقال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد لا يفارقك، في المشورة في كل أمر، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن بعدي وزيراً. ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد، كان لا يفعل فعلاً باطناً ولا ظاهراً إلا برأيه، وامتحن ابن أبي دؤاد الإمام وألزمه، وأطلق القول بخلق القرآن الكريم، وذلك في شهر رمضان من سنة عشرين ومائتين. قلت: في الأصل المنقول منه " ألزم الإمام وأطلق " وكأنه يعني الإمام أحمد ومعلوم أن الإمام أحمد لم يلتزم ذلك، ولا وافق عليه مع ما ناله من المكروه والضرر كما سيأتي في ترجمته. ولما مات المعتصم وتولى بعده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دؤاد عنده، ولما مات وتولي أخوه المتوكل فلج ابن أبي دؤاد يعني، أصابه المرض المعروف بالفالج،، وذهب شقه الأيمن، فقلد المتوكل ولده محمد بن أحمد القضاء مكانه، ثم عزل محمد بن أحمد عن المظالم، وقلد يحيى بن أكثم، وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس الوزير محمد بن عبد الملك الزيات إلا قام له، وكان ابن أبي دؤاد إذا رآه قام واستقبل القبلة

стр. 442

يصلي فقال ابن الزيات. صلى الضحى لما استقاد عداوتي ... ولذا ينسك بعدها ويصوم لا تعد من عداوة مسمومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم ومدح ابن أبي دؤاد جماعة من شعراء عصره قال الراوي: رأيت أبا تمام الطائي عند ابن أبي دؤاد، ومعه رجل ينشد عنده قصيدة منها: لقد أنست مساوىء كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دؤاد وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي ودخل أبو تمام عليه يوماً، وقد طالت الأيام في الوقوف ببابه، ولا يصل إليه، فعتب عليه مع بعض أصحابه فقال له ابن أبي دؤاد: أحسبك عاتباً يا أبا تمام، فقال، إنما يعتب على واحد، وأنت الناس، فكيف يعتب عليك؟ فقال له: من أين لك هذا يا أبا تمام. فقال: من قول الحاذق، يعني أبا نؤاس للفضل بن الربيع. وليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ولما ولي ابن أبي دؤاد المظالم قال أبو تمام يتظلم إليه قصيدة من جملتها: إذا أنت ضيعت القريض وأهله ... فلا عجب أن ضيعته الأعاجم فقد هز عطفيه القريض ترفعاً ... بعدلك مذ صارت إليك المظالم ولولا خلا فيها الشعر ما درى ... نعاه العلى من أين تؤتى المكارم ومدحه أبو تمام أيضاً بقصيدة، ما ألطف وأبدع وأبلغ وأبرع قوله فيها: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار في ما جاورت ... ما كان يعرف طيب نشر العود قلت: ومما يناسب هذا المعنى ما حصل لعائشة رضي الله تعالى عنها من الشرف الأسنى والمجد المقيم، بما أنزل الله تعالى في براءتها من القرآن الكريم، لما تكلم فيها ما بين حاسد أثيم ومخطىء للصواب عديم، ومتوعد بعذاب عظيم، ومدحه بعض الشعراء بأبيات من جملتها: لقد حازت نزار كل مجد ... ومكرمة على رغم الأعادي فقل للفاخرين على نزار ... ومنهم خندف وبنو إياد رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي دؤاد

стр. 443

ولما سمع هذا الشعر أبو هفان قال: فقل للفاخرين على تزار ... وهم في الأرض ساداة العباد رسول الله والخلفاء منا ... وتبرا من دعا لبني إياد وما منا إياد إن أفوت ... بدعوة أحمد بن أبي دؤاد فقال ابن أبي دؤاد: ما بلغ مني أحد ما بلغ مني هذا الغلام، لولا أني أكره أن أنبه عليه لعاقبته عقاباً لم يعاقب أحد بمثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة عروة، قلت قوله: كره أن الله عليه، يعني: إذا عاقبت لعاقبته عقاباً لم يعاقب به الناس لقوله الذي ذمني فيه، وكان بين ابن أبي دؤاد وبين الوزير مناقشات وشحناء، فمنع الوزير بعض أصحاب القاضي المذكور من التردد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير وقال: ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً من زلة، ولكن أمير المؤمنين رتبك رتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخرنا عنك فلك، ثم نهض من عنده " وهجا " بعض الشعراء الوزير ابن الزيات بقصيدة، عدد أبياتها سبعون، فبلغ خبرها القاضي ابن أبي دؤاد فقال: أحسن من سبعين بيتاً هجا ... جمعك معناهن في بيت ما أحوج الملك إلى قطرة ... تغسل عنه وضر الزيت فبلغ ابن الزيات ذلك فقال: يا ذا الذي يطمع في هجونا ... عرضت بي نفسك للموت الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت قبرتم الملك فلم تنقه ... حتى غسلنا القار بالزيت واستمر ولد القاضي المذكور في مكانه لما فلج حتى سخط المتوكل على القاضي أحمد المذكور وولده محمد في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فصرفه عن المظالم، ثم عن القضاء، وأخذ من ولده مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر بأربعين ألف دينار، وقيل: صالح على ضياعه وضياع أبيه بألف ألف دينار، وستره إلى بغداد وفوض القضاء إلى يحيى بن أكثم، قال أبو بكر بن دريد: كان ابن أبي دؤاد متألفاً لأهل الأدب من أي بلد كانوا وقد ضم منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم، وقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم، وتاريخ الأدب، ولا يتكلم فيه إن هذا وهن وتقصير، فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم فقال أحدهم:

стр. 444

اليوم مات نظام الملك والسنن ... ومات من كان يسعد على الزمن وأظلمت سبل الأدب إذا حجبت ... شمس المكارم في غيم من الكفن وتقدم الثاني فقال: ترك المنابر والسرير تواضعاً ... وله منابر لو يسافر وسرير وله المحامد، ولغيره يجبى الخراج ... وإنما يجبى إليه محامد وسرير وتقدم الثالث فقال: وليس فتيق المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف وليس صرير العرش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف قلت: ومحاسنه كثيرة، ومناقبه شهيرة، سارت بها الركبان، لولا ما صدر عنه عن الإمتحان بخلق القرآن. وفي السنة المذكورة توفي في الفقيه الإمام أحد العلماء الأعلام أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، تفقه بالشافعي، وسمع من ابن عيينة وغيره، وبرع في العلم، ولم يقلد أحداً، قال أحمد بن حنبل: هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري، أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة في تصنيفه في الأحكام بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله في مذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه واتبعه ورفض مذهبه الأول. وقال له محمد بن الحسن يوماً: يا أبا ثور، حسبت هذا الحجازي قد غلبنا عليك، فقال: أجل، الحق معه، ولم يزل مائلاً إلى مذهب الشافعي إلى أن توفي. وفي السنة المذكورة توفي الحسن بن عيسى النيسابوري، وكان ورعاً دينا أسلم على يد ابن المبارك، وسمع الكثير منه ومن ابن الأحوص وطائفة، ولما مر ببغداد حدث بها، وعدوا في مجلسه اثني عشر ألف محبرة. وفيها توفي أبو العميثل " بفتح العين والميم والمثلثة وسكون المثناة من تحت قبل المثلثة " عبد الله بن خليل مولى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، كان يعجم الكلام ويعربه، وكان كاتب عبد الله بن طاهر وشاعره، وكاتب أبيه طاهر من قبله، وكان مكثراً من ثقل اللغة، عارفاً بها شاعراً مجيداً، ومن شعره في عبد الله بن طاهر قوله: يا من يحاول أن يكون صفاته ... كصفات عبد الله أنصت وأسمع فلقد نصحتك في المشورة والذي ... حج الحجيج إليه فاسمع أودع

стр. 445

أصدق وعن وبر واصبر واحتمل ... واصفح وكاف ودار واحلم واسجع والطيف ولن وتأن وارفق وابتد ... واحرم وجد رجام واحمل وارفع ولقد محضتك إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسد المهيع قلت: وعدد كلمات بيته الثالث والرابع كل واحد عشر كلمات، ولي بيت جمعت فيه اثنتي عشرة كلمة في مخاطبة الله بالدعاء. وهو قولي في بعض القصائد: وسبحانك اللهم يا سامع الدعاء ... ويا منقذ الهلكى ويا راحم الورى أقل واسترا جبروا رفق ارزق وعاف واهدهوالطف تجاوز واعطف وارحم لنا اغفرا والألف التي بعد الراء من " اغفر "، أبدل من نون التأكيد أي اغفرن، ولما حجب أبو العميثل عن الدخول على عبد الله المذكور، وقد وصل إلى بابه قال: سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخف قليلاً إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلاً فبلغ ذلك عبد الله، فأمر بدخوله، وكان أبو العميثل يقول: النعمان اسم من أسماء الدم، ولذلك قيل شقائق النعمان نسبت إلى الدم لحمرتها. قال: وقولهم إنها منسوبة إلى النعمان بن المنذر ليس بشيء. وقال ابن قتيبة: إن النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوك الحيرة من الحمير، خرج إلى ظهر الكوفة، وقد اعتم بناته من بين أصفر وأحمر وأخضر، وإذا فيه من الشقائق شيء كثير، فقال: ما أحسنها، إحموها فحموها، فسمي شقائق النعمان، وكذا اذكر الجوهري أنها منسوبة إلى النعمان. ويحكى أن أبا تمام الطائي لما أنشد عبد الله بن طاهر قصيدة مدحه بها، كان أبو العميثل حاضراً فقال: يا أبا تمام، لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: يا أبا العميثل: لم لا تفهم ما يقال؟ وقبل يوماً كف عبد الله بن طاهر فاستخشن شاربه فقال أبو العميثل في الحال: شوك القنفذ لا يؤلم كف الأسد فأعجبه كلامه، وأمر له بجائزة سنية، وصنف كتباً منها " ما اتفق لفظه واختلف معناه "، و " كتاب التشابه "، و " كتاب الأبيات السائرة "، و " كتاب معاني شعر ". وفيها توفي مفتي القيروان وقاضيه أبو سعيد عبد السلام بن سعيد، المعروف بسحنون المغربي المالكي، صاحب المدونة، والمدونة أصلها مسائل أخذها عن ابن قاسم، وكانت غير مرتبة، فرتب سحنون أكثرها وبوبها على ترتيب التصانيف، واحتج لبعض مسائلها بالآثار، وأول من شرع في جمع المدونة أسد بن الفرات الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق من أسئلة سأل عنها ابن القاسم، وكتبها عنه سحنون، ثم رحل بها إلى ابن

стр. 446

القاسم، فعرضها عليه، فاصلح فيها مسائل وحررها، ثم رجع بها إلى القيروان، وعلى نسخته يعتمدون. ولقب سحنوناً باسم طائر وحديد في المغرب يسمونه بذلك لحدة ذهنه وذكائه، أخذ عن أبي القاسم وابن وهب وأشهب. وفيها توفي عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي صاحب " كتاب الجيدة " سمع من سفيان بن عيينة، وناظر بشر المريسي فقطعه، وهو معدود من أصحاب الشافعي. إحدى وأربعين ومائتين فيها توفي إمام المحدثين في عصره السيد الكبير فريد دهره، ذو العلم والعمل والحق والتحقيق والزهد الصادق والورع الدقيق، المعظم المبجل أحمد بن حنبل الشيباني المروزي الأصل رضي الله تعالى عنه خرج من جماعة من الكبار، ورحل إلى اليمن وسمع من الإمام الحافظ عبد الرزاق في صنعاء، والإمام إبراهيم بن الحكم في عدن وغيرهما من شيوخ اليمن. وقيل: كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وخواضه والمحبين له والمعتقدين فضله والمعظمين قدره والمبجلين محله. وقد تقدم في ترجمة الشافعي الإشارة إلى تفخيم الإمام أحمد له. وكذلك كان الشافعي يفخمه، ولما ارتحل إلى مصر قال في حقه: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل، ودعي بعد وفاة الشافعي لست عشرة سنة إلى خلق القرآن فلم يجب، وضرب فصبر مصراً على الإمتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم الإمامان الحافظان قدوتا المحدثين، محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولد سنة أربع وستين ومائة " وتوفي " ضحى نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة بقين من الشهر المذكور، وقيل من ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب، وقبره مشهور يزار رحمة الله عليه، وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. قلت: فإن صح ذلك فإسلامهم يحتمل سببين: أحدهما: أن يكون ذلك لكثرة من رأوا من الخلائق مجتمعين على فضله وتعظيمه والصلاة عليه والأسف على فراقه. والثاني: أن يكون بعضهم رأى آية، كما رأى بعض اليهود في جنازة سهل بن عبد الله، وهي أنه لما نظر إلى جنازته قال: أترون ما أرى. قالوا: وما ترى؟ قال: أرى أقواماً ينزلون،

стр. 447

من السماء يتبركون بالجنازة، ثم أسلم وحسن إسلامه. وحكي أن إبراهيم الحربي قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خرج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك. فقال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمك. فقال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطته. قلت: فما فعل يحيى بن معين وفلان سماه من أئمة الحديث. قال: تركتهما، وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟ قال: قد عرفت هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم، وكان رضي الله تعالى عنه حسن الوجه، ربعة يخضب بالحناء خضاباً ليس بالثاني، وفي لحيته شعرات سود قد جاوز سبعاً وسبعين سنة، وقد جمع ابن الجوزي أخباره في مجلد، ذلك البيهقي والهروي. ومن مناقبه أيضاً ما ذكر بعض العلماء في مناقب الإمام الشافعي عن الربيع قال: لما خرج الشافعي إلى مصر وأنا معه كتب كتابأ وقال: يا ربيع، خذ كتابي هذا، وامض به إلى عبد الله أحمد بن حنبل، وأتني بالجواب. قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب فلقيت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح، فصليت معه، فلما انتقل من المحراب سلمت إليه شاب وقلت: هذا كتاب الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟ قلت: لا، فكسر الختم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع فقلت له: إيش فيه؟. فقال: يذكر أنه رأى النبي ﵌، فقال له: أكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، واقرأ ﵇ وقل له: إنك ستمتحن وتدعي للقول بخلق القرآن، فلا تجبهم، فسترفع لك علم إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة فخلع قميصه الذي يلي جلده ودفعه إلي، وأخذت جواب الكتاب، وخرجت إلى مصر فسلمت الكتاب للشافعي وقال: يا ربيع، إيش الذي دفع إليك. قلت: القميص الذي يلي جلده، فقال الشافعي: لا نفجعك به، ولكن بله، وادفع إلي الماء حتى أكون شريكاً لك فيه. وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن حماد الحضرمي البغدادي، والحافظ أبو قدامة عبد الله بن سعيد رحمهم الله تعالى. اثنتين وأربعين ومائتين فيها توفي القاضي أبو حسان الزيادي الحسن بن علي بن عثمان، وكان إماماً ثقة، إخبارياً. مصنفاً كثير الإطلاع. وفيها توفي الإمام الرباني أبو الحسن محمد بن أسلم الطوسي الزاهد صاحب المسند في صاحب المسند والأربعين، وكان يشبه في وقته بابن المبارك. رحل وسمع من

стр. 448

يزيد بن هارون وجعفر بن عون وطبقتهما، وروى عنه إمام الأئمة المعروف بابن خزيمة. وقال: لم تر عيناي مثله، وقال غيره: يعد من الإبدال رحمة الله عليه. وفيها توفي الفقيه العلامة المفخم القاضي المشهور يحيى بن أكثم " بالمثلثة " التميمي. كان فقيهاً بارعاً عالماً بصيراً بالأحكام، سالماً من انتحال البدعة، قائماً بكل معضلة، غلب على المأمون حتى أخذ بمجامع قلبه، فقلده القضاء وتدبير مملكته، وكانت الوزراء لا تعمل شيئاً إلا بعد مطالعته، كذا قال طلحة الشاهد، وقال غيره: جعل المتوكل يحيى في مرتبة ابن أبي دؤاد، ثم غضب عليه، وقال أبو حاتم فيه نظر، قلت: وقد تقدم في ترجمة ابن أبي دؤاد أنه قال: كان ابتداء اتصالي بالمأمون أني كنت أحضر مجلس يحيى بن أكثم مع الفقهاء، وأنا عنده يوماً إذ جاء رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: أنتقل إلينا أنت وجميع من معك من أصحابك. قال: فلم يحدث أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، فتكلمت بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إلى آخر كلامه المتقدم. ومنه أنه لما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وأنه سخط المتوكل على القاضي ابن أبي دؤاد وولده وصادرهما، وفوض القضاء إلى يحيى بن أكثم على ما ذكره ابن خفكان في تاريخه، وهو واضح في تقدم يحيى بن أكثم بولايته القضاء في زمن المأمون، ثم عزله بابن أبي دؤاد في زمن المعتصم، ثم عزل ابن أبي دؤاد، ابنه بابن أكثم في زمن المتوكل، وكل ذلك ظاهر على ما تقدم والله أعلم. رجعنا إلى ذكر ابن أكثم. قال طلحة بن محمد المذكور: ولا نعلم أحداً غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي دؤاد وسئل رجل من البلغاء عنهما ليهما لنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته ويحيى، ويهزل مع خصيمه وعدوه، وكان يحيى سليماً من البلدة، وينتحل مذهب أهل السنة، بخلاف ابن أبي دؤاد في إعتقاده وتعصبه للمعتزلة. وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي في " كتاب الفرائض " في آخر المسائل الملقبات، وهي أربع عشرة المعروفة بالمأمونية التي هي: أبوان وابنتان، ولم يقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين، وخلفت من المسألة، الأولى سميت المأمونية لأن المأمون أراد أن يولي رجلاً على القضاء، فوصف له يحيى بن أكثم، فاستحضره، فلما دخل عليه وكان ذميم الخلق استحقره المأمون، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله عن هذه المسألة فقال: الميت الأول رجل أو امرأة، فعلم المأمون أنه قد علم المسألة. وفي رواية أنه قال له: إذا عرفت الميت الأول فقد عرفت

стр. 449

الجواب، وذلك أنه إن كان الميت الأول رجلاً فيصح المسألتان من أربعة وخمسين، وإن كان امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية، لأنه أب وأم، فتصبح المسألتان من ثمانية عشر سهماً. قال بعضهم، كان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة فقالوا: كم سن القاضي. فعلم أنه قد استضغر، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به، أو قال: وجهه النبي ﵌ قاضياً على أهل مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي ﵌ قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور " بضم السين المهملة " الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاضياً على أهل البصرة فجعل جوابه احتجاجاً. قلت: وقد روي أيضاً أنه كان سنة ثماني عشرة سنة، فقال: سني سن عتاب بن أسيد حين ولآه رسول الله ﵌ على مكة ثمان عشر سنة، وكانت ولاية يحيى ابن أكثم على قضاء البصرة بعد إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة سنة اثنتين ومائتين. وروى محمد بن منصور قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكراً غداً إليه. فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا إليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵌. وعلى عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل حتى أنتهي عما فعله رسول الله ﵌ أو أبو بكر. قال محمد بن منصور وأومى أبو العيناء إلي إذا كان هذا القول يقوله في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكيف نكلمه نحن؟. فسكتنا حتى جاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا. فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيراً فقال: يا أمير المؤمنين، لما حدث في الإسلام، قال: ما حدث في الإسلام؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله تعالى وحديث رسول الله ﵌، قال الله تعالى: " قد أفلح المؤمنون "، إلى قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " " المؤمنون ا - ١٧ " يا أمير المؤمنين: زوجة المتعة ملك اليمين؟. قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث، ويلحق منها الولد، ولها شرائطها. قال: لا؟ قال فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، قال: أمرني

стр. 450

رسول الله ﵌ أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري. فقلنا: نعم، يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم، مالك بن أنس فقال: أستغفر الله، بادروا بتحريم المتعة فبادروا بها. وقال أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي القاضي الفقيه المالكي البصري، وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال: كان له يوماً لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم، وكانت كتب يحيى في الفقه " أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين وبينه وبين داود بن علي مناظرات كثيرة ". قالوا: وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور قال يوماً وزير المأمون أحمد بن أبي خالد وهو واقف بين يدي المأمون وابن أكثم معه على طرف السرير يا أمير المؤمنين، إن القاضي يحيى صديقي، ومن أثق به في جميع أمري، وقد تغير عما عهدته منه، فقال المأمون: يا يحيى، إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم، وما بعد لكما عندي عهد، فما هذه الوحشة فيكما؟. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، والله إنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف، ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة حتى خشي أن أتغير عليه يوماً فأقدح فيه عندك. فأحدث أن يقول لك هذا ليأمن مني، وإنه لو بلغ نهاية مساوىء، ما ذكرته بسوء عندك أبداً. فقال المأمون: أكذلك هو يا أحمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال. نستعين الله عليكما، فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فتنة منكما. وكان يحيى إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن حديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعرف النحو سأله عن الكلام ليقطعه. وذكر الخطيب في تاريخه أنه ذكر لأحمد بن حنبل ﵁ ما يرمي الناس به يحيى بن أكثم، وينسبونه إليه من الهنات فقال: سبحان الله من يقول هذا أنكر ذلك إنكاراً شديداً. وذكر الخطيب أيضاً أن المأمون قال ليحيى المذكور: من الذي يقول: قاضي يرى الحد في الزنا ... ولا يرى على من يلوط من بأس قال: أو ما تعرف يا أمير المؤمنين. قال: لا، قال: يقوله أحمد بن أبي نعيم الذي يقول: لا أحسب الجور ينقضي ... وعلى الأمة وال من آل عباس

стр. 451

قال: فاقحم المأمون خجلاً وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند. وهذان البيتان من جملة أبيات له منها قوله: لا أفلحت أمة، وحق لها ... يطول مكس، وطوله أنعاس ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسواس ومما يناسب إنشاد المأمون البيت المذكور وجواب ابن أكثم بالبيت المقحم له، ما يحكى أن معاوية بن أبي سفيان لما اشتد مرض موته، وحصل اليأس منه، دخل عليه بعض ذرية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يعوده فوجده قد استند جالساً متجلداً، ثم ضعف عن القعود، فاضطجع وأنشد: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع فأنشد العلوي عند ذلك: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... الفيت كل تميمة لا تنفع فتعجب الحاضرون من جوابه. وهذان البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، يرثي بها بنيه، وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد بالطاعون في طريق مصر، وقيل في طريق إفريقية، وقيل في طريق المغرب، ثم هلك هو بعدهم. ومما يناسب الجواب المذكور، ما يحكى أن بعض الشعراء وهو عبد الله بن إبراهيم المعروف بابن المؤدب القيرواني امتدح ثقة الدولة بقصيدة رجا فيها صلته فلم يصله بشيء يرضيه، وكان قد بلغ ثقة الدولة عنه شيء، فلم يزل يرسل الطلب بعد حتى ظفر به فقال له: ما الذي بلغني عنك. قال: المحال، أيد الله الأمير. فقال: من هو الذي يقول في شعره: " فالحر ممتحن بأولاد الزنا "؟ فقال: هو الذي يقول: " وعداوة الشعراء بئس المقتنى "، فتسمر ساعة، ثم أمر له بشيء، وأخرجه من المدينة كراهية أن تثور عليه نفسه فيعاقبه، بعد أن عفا عنه، فخرج منها. وهذا المستشهد به عجزا البيتين من شعر المتنبي في قصيدة مدح بها ابن عمار. وصدر الأول منهما: وإنه المسير عليك في نصلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا وصدر الثاني: ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعر بئس المقتنى رجعنا إلى ذكر القاضي يحيى بن أكثم ولما توتجه المأمون إلى مصر في سنة

стр. 452

خمس عشرة ومائتين، وكان معه القاضي يحيى، فولاه قضاء مصر، فحكم بها ثلاثة أيام، ثم خرج مع المأمون. وروي عن يحيى أنه قال: اختصم إلي في " الرصافة " الجد الخامس يطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه. قلت: ومثل هذا، وجد عندنا في يافع من بلاد اليمن، حتى كان يقول الإبن السافل: يا جد أجب جدك، وكان بعض الشعراء يتردد إليه ويغشى مجلسه، وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه، إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها، فانقطع عنه، فلامته زوجته في ذلك مراراً فأنشدها: تكلفني إذلال نفسي لغيرها ... وكان عليها أن أهان لتكرما تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سليه رب يحيى بن أكثما ولم يزل الأحوال تختلف على ابن أكثم وتتقلب به الأيام إلى أن عزل محمد بن القاضي أحمد بن أبي دؤاد عن القضاء في أيام المتوكل، فولي ابن أكثم كما تقدم، وخلع عليه خمس خلع، ثم عزله وولي في رتبته جعفر بن عبد الواحد الهاشمي. فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى فقال: سلم الديوان، فقال: شاهدان عادلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك، فأخذ الديوان منه قهراً، وغضب عليه المتوكل، فأمر بقبض أملاكه، وألزم بيته، ثم حج وحمل أخته معه، وعزم على أن يجاور، فلما اتصل به رجوع المتوكل له رجع يريد العراق، فلما وصل إلى الربذة توفي بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة من السنة المذكورة، وقيل في غيره سنة ثلاث وأربعين، ودفن هناك. وحكى أبو عبد الله بن سعيد قال: كان يحيى بن أكثم القاضي صديقاً لي، وكان يودني وأوده، وكنت أشتهي أن أراه في المنام بعد موته، فأقول له: ما فعل الله بك. فرأيته ليلة، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي إلا أنه وبخني، ثم قال لي: يا يحيى، خلطت علي في دار الدنيا، فقلت: يا رب إتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: إنك قلت: إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار، فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في دار الدنيا. ذكر كذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته. قلت: ومما يناسب هذه الحكاية أو يقرب منها أنه توفي شيخ كان عندنا في بلاد اليمن وكيلاً على باب القاضي في عدن. فلما توفي راه بعض الناس في المنام، فقال له: ما فعل الله بك. قال: أوقفني بين يديه وقال: يا شيخ السوء جئتني بموبقات الذنوب، أو قال

стр. 453

بالذنوب الموبقات، فقال: قلت: يا رب، ما هكذا بلغني عنك. قال: وما الذي بلغك عني؟ قلت: العفو والكرم، قال: صدقت، أدخلوه الجنة أو كما قال. ولما ذكرت هذه الحكاية عند ولد له وكيل أيضاً في الخصومات قال: نعم وهو وكيل ما يعجزه الجواب يعني أباه ما أجاب به. قلت: وكلامه هذا، إن كان مزاحاً فهو قبيح، وإن كان جداً فباطل غير صحيح، لأن الثبات في الآخرة ليس إلا بتوفيق الله، وما ينعم به من نوال لا بفصاحة اللسان وما يعرفه الإنسان في الدنيا من الجدال. نعوذ بالله من الإغترار والزيغ والضلال. ثلاث وأربعين ومائتين فيها توفي الشيخ الكبير العارف معدن الأسرار والحكم والمعارف وإمام الطريقة ولسان الحقيقة الحارث بن أسد المحاسبي " بضم الميم " البصري الأصل، ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، والفضائل الفاخرة، وجميل المحاسن. وله تصانيف في السلوك والمواعظ والأصول. ومن كتبه المشهورة النفيسة " كتاب الرعاية "، ومن دقيق ورعه أنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئاً لأن أبان كان يقول بالقدر. قال: وقد صحت الرواية عن رسول الله ﵌ أنه قال: " لا يتوارث أهل ملتين شتى "، ومات وهو محتاج إلى درهم، خلف أبوه ضياعاً وعقاراً، فلم يأخذ منه شيئاً. ومن المشهور أنه كان محفوظاً إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة يتحرك في إصبعه عرق، فيمتنع من تناوله، وكان يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع صيانة، وحسن القبول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وهو أحد شيوخ الجنيد. وقيل له المحاسبي: لكثرة محاسبة نفسه، وهو من الخمسة الشيوخ الجامعين بين علم الظاهر والباطن في عصر واحد، وهم: " هو " و " أبو القاسم الجنيد "، و " أبو محمد رويم "، و " أبو العباس عطاء "، و " عمرو بن عثمان المكي " رحمهم الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الإمام أبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي المصري الحافظ مصنف " المختصر والمبسوط " ﵀، روى عن ابن وهب مائة ألف حديث، وتفقه بالإمام الشافعي، قيل: وكان أكثر أصحابه اختلافاً إليه واقتباساً منه و " التجيبي ": بضم المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها موحدة. نسبة إلى امرأة نسبت أولادها إليه. وفيها توفني إبراهيم بن عباس الصولي الشاعر المشهور، كان من الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر، كله نحت وهو صغير، ومن رقيق شعره:

стр. 454

ثنت بانا من عزتنا زيارة ... وشط بليلي عن دنو مزارها وإن مقيمات بمنسرج اللوى ... لأقرب من ليلى، وهاتيك دارها وله: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ورعاً وعند الله منها مخرج كلمت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنا نظنها لا تفرج أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان بالفهم في المنزل الخشن وله هذان البيتان، وقيل هما في ديوان الوليد الأنصاري مجردان: لا يمنعك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيراناً بجيران وفيها توفي محمد بن يحيى بن أبي عمرو العداني الحافظ صاحب المسند، روى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى. وفي السنة المذكورة توفي ابن الراوندي أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وله مقالة في علم الكلام، وينسب إلى الزيغ والإلحاد. وله مائة وبضع عشرة كتاباً، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام. قال ابن خلكان بعدما أثنى على فضله، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم قال: وكان من فضلاء عصره، ومن تصانيفه " كتاب فضيحة المعتزلة "، قلت: وهو رد عن المعتزلة، فأصحابنا ينسبونه إلى ما هو أضل وأفظع من مذهب المعتزلة. عاش نحواً من أربعين سنة. ونسبته إلى راوند. قرية من قرى قاسان بالسين المهملة بنواحي أصفهان غير التي بالشين المعجمة المجاورة لقم بضم القاف، و " راوند " أيضاً ناحية ظاهر نيسابور، وراوند هذه هي التي ذكرها أبو تمام في كتاب الحماسة في باب المراثي. قلت: وذكر أصحابنا في باب النسخ من كتب الأصول أنة هو الذي لقن اليهود الإحتجاج على عدم جواز النسخ بزعمهم بنقل مفترى بأن قال لهم: قولوا أن موسى ﵇ أمرنا أن نتمسك بالسبت، ما دامت السموات والأرض، ولا يجوز أن يأمر الأنبياء، إلا بما هو حق، وهذا القول بهت وافتراء على موسى ﵌ وعلى نبينا وعلى جميع النبيين والمرسلين.

стр. 455

أربع وأربعين ومائتين فيها وقيل في سنة ست وأربعين ومائتين مات دعبل " بكسر الدال وسكون العين المهملين وكسر الموحدة وبعدها لام " ابن علي الخزاعي الشاعر المشهور، يرجع في نسبه إلى عامر بن مريقياً، كان شاعراً مجيداً بذيء اللسان، مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس. هجا الخلفاء فمن دونهم، وعمل في إبراهيم بن المهدي أبياتاً من جملتها: ثغر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهقاً إليه كل أطلس مائق يقال: فلان أحمق مائق إذا كان فيه حمق وغباوة، والأطلس الذي لا لحية له. فدخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله وقال: يا أمير المؤمنين، هجاني دعبل فانتقم لي منه فقال: ما قال لعل قوله: " ثغر ابن شكلة بالعراق وأهله "، وأنشد الأبيات فقال: هذا من بعض هجائه وقد هجاني بما هو أقبح من هذا: فقال المأمون لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته وقال في: أيسومني المأمون حظة جاهل ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد إني من القوم الذين سيوفهم ... فللت أخاك وشرفتك بمقعد سادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد فقال إبراهيم: زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتباعاً لحلمك، وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي وحصاره بغداد وقتله الأمير محمد بن الرشيد، وبذلك ولي المأمون الخلافة، ودعبل خزاعي فهو منهم، وكان المأمون إذا أنشد قوله هذا يقول: قبح الله دعبلاً ما أوقحه، كيف يقول علي هذا وقد ولدت في الخلافة ورضعت ثديها وربيت في مهدها؟ ومن شعره في الغزل: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا لا تأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي طرفي في دمي اشتركا

стр. 456

ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي أمير مصر: زمني بمطلب سقيت زماناً ... ما صرت إلا روضة وجنانا كل الندى إلا نداك تكلف ... لم أرض غيرك كائناً من كانا أصلحتني بالبر يدك فسدتني ... وتركتني السخط الإحسانا ومما حكاه دعبل قال: كنا يوماً عند فلان ابن فلان الكاتب البليغ، وسماه، ولكن كرهت ذكره لوصفه له بما يقبح ذكره قال: وكان شديد البخل فأطلنا الحديث، واضره الجوع إلى أن استدعى بغذائه فأتي بقصعة فيها ديك فرم لا يقطعه السكين، ولا يؤثر ضرس، فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته، وقلب جميع ما في القصعة، ففقد الرأس ق مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه، وقال للطباخ: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال ظننت أنك لا تأكله، قال: لبئس ما ظننت، ويحك، والله لأمقت من يرمي رجليه، فكيف من يرمي رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصيح، ولولا صوته لما فضل وفيه عرقه الذي يتبرك به، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل، فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكليتين، ولم ير عظم قط أحسن من عظم رأسه، أو ما علمت أنه. من طرف الجناح ومن الساق والعنق؟ فإن كان قد بلغ مني بتلك أنك لا تآكله فانظر رميت به؟ قال: لا أدري أين هو، قال: لكني أدري أين هو، رميت به في بطنك، فالله حسيبك. ولما مات دعبل وكان صديق البحتري وكان أبو تمام قد مات قبله رثاهما البحتري بأبيات منها: قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل جوى لازال السماء محيلة ... يغشا كما يماء مزن مسبل حدث على الأهواز يبعد دونه ... مسيري النغى ورمسة بالموصل وفيها توفي الإمام اللغوي النحوي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت " بكسر السين المهملة وتشديد الكاف وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة فوق "، صاحب كتاب " إصلاح المنطق " وغيره من التصانيف في علم اللغة والنحو معاني الشعر، وفسر دواوين الشعر، وجمع في ذلك قول البصريين والكوفيين، وأجاد وجاوز فيها تفسير كل من تقدمه على ما ذكر المرزباني فقال: ولم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم منه، وكان

стр. 457

عالماً بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر راوية ثقة، قد أخذ عن البصريين، وسمع من الأعراب وقال: ابن عساكر: حكى أبو يوسف عن أبي عمرو وإسحاق بن مرار الشيباني محمد بن مهنا ومحمد بن صبيح بن السماك الواعظ. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة الفراء: وجماعة، وروى عنه أحمد بن فرج المقرىء ومحمد بن عجلان الأخباري، وأبو عكرمة الضبي، وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم. وقال، وقال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم مارآهم، ورأس المداراة ترك المماراة، وكتبه جيدة صحيحة، وهو صحيح السماع، وله حظ من السنن والدين، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، فلما جلس عنده قال له: بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ، يعني من العلوم؟ فقال: بالإنصراف، قال: فأقوم؟. قال المعتز: فأنا أحق نهوضاً منك، فقام المعتز واستعجل، فعثر بسراويله، وسقط، فالتفت إلى ابن السكيت كالخجل، قد احمر وجهه فأنشد ابن السكيت. يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته في الرجل تترا على مهل فلما كان من الغد، دخل ابن السكيت على المتوكل وأخبره، فأمر له بخمسين ألف درهم وقال: بلغني البيتان، وأمر له بجائزة. قلت: ومن جناية اللسان على النفس المشار إليها في النظم الذي أنشده ما جرى له مع كونه محقاً مأجوراً شهيداً، وذلك ما ذكروا أنه بينما هو يوماً مع المتوكل، إذ جاء المعتز المؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب أنما أحب إليك، ابناي هذان أم الحسن والحسين؟. فغض ابن السكيت من ابنيه وذكر من محاسن الحسن والحسين ما هو معروف من فضلهما، أمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره ومات من الغد. وفي رواية أخرى: إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وابنيه حسن والحسين، رضوان الله عليهم، وكان ابن السكيت شديد المحبة لهم والميل إليهم، فقال تلك المقالة، فقال ابن السكيت: والله أن قنبر خادم علي رضي الله تعالى عنه، خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلو لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك فمات، رحمه الله تعالى. وقال ثعلب: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، قلت: وهذا موافق لما تقدم من قول المرزباني، وقال أبو العباس المبرد: ما رأيت بغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السكيت " إصلاح المنطق ". وقال غيره من العلماء:

стр. 458

إصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وأدب الكاتب خطبة بلا كتاب، لأن خطبته مطولة مودعة فوائد، وعددوا له أيضاً من التصانيف المفيدات غير كثير. خمس وأربعين ومائتين وفيها توفي محمد بن هشام بن عوف التميمي السعدي، كان ممدوحاً بالحفظ وحسن الرواية. قال مورج " بكسر الراء المشددة والجيم " أخذ مني كتاباً فحبسه ليلة، ثم جاء به، وحفظه بالحفظ وحسن الرواية. قال محمد بن هشام المذكور: لما قدمت مكة لزمت مجلس ابن عيينة فقال لي يوماً: لا أراك تخطىء بشيء مما تسمع؟. قلت: وكيف ذلك. قال: لا أراك تكتب؟ فقلت: إني أحفظه. فاستعاد مني مجالس، فأعدتها على الوجه. قال: حدثنا الزهري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء قال: وضرب بيده على جنبي وقال: أراك صاحب سبعين أو قال: من أصحاب السبعين، وقيل لسعدي المذكور: مات الضعفاء في هذا الغد، وسلم الأقوياء فقال: أنا سمعت: رأيت جلتها في الحدب باقية ... ينقي الجواسي عنها حين يزدحم لأن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد لم يعبأ بها السلم وأنشد أيضاً: وما يواسيك في ما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الفيض ثوبان، وقيل الفيض بن إبراهيم المصرفي المعروف بذي النون، أحد رجال الطريقة، كان لسان هذا الشأن، وأوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً، وكان أبوه نوبياً، سئل عن سبب توبته فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة؟ عمياء سقطت من وكرها، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفي إحداهما سم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا، فقلت: حسبي قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني، وكان قد سعوا به إلى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكرماً، وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع حي هلا بذي النون.

стр. 459

ومن ورعه ما ذكروا أنه أهدي إليه طعام، وهو في سجن المتوكل، فأتاه رسول السجان فحمله إليه فامتنع من أكله، فقيل له في ذلك فقال: طعام أتاني على مائدة ظالم فلا آكله، أو كما قال، ويعني بمائدة الظالم كف السجان التي حملت الطعام إليه من باب السجن. وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون يقول وفي يده الغل وفي رجله القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس يبكون حوله، وهو يقول: هذا من مواهب الله وعطاياه، وكل عذب حسن طيب، ثم أنشد: لك من قلبي المكان المصون ... كل يوم علي فيك يهون لك عزم بأن أكون قتيلاً ... فبك الصبر عنك ما لا يكون ولما أخرج من السجن، وأدخل على المتوكل وعظه حتى بكى وخرج من عنده مكرماً. اجتمع إليه الصوفية في الجامع في بغداد، واستأذنوه في السماع، وحضر، القوال، وأنشد شعراً: صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنك وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركاً فتواجد ذو النون، وسقط فأنشج رأسه. وكان يقطر منه الدم، ولا يقع على الأرض، فقام شاب يتواجد، فقال ذو النون: الذي يراك حين تقوم، فقعد الشاب. قال بعض الشيوخ: كان ذو النون صاحب إشراف، والشاب صاحب إنصاف، يعني لما قيل منه، فقعد إذ لم يكن في قيامه كامل الصدق. ومن كلام ذي النون: من علامة المحب لله متابعة حبيب الله ﵌ في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته. وسئل عن التوبة فقال: توبة العوام عن الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة. وله من الحكايات الغريبات والكرامات العجيبات ما يتعذر حصره، ولا يليق بهذا الكتاب. وقد ذكرت شيئاً من ذلك في الكتب اللائقة ذكره بها، المحبوبة عند أهلها، ولكني أذكر من كراماته التي هي بفضله شاهدة ها هنا كرامة واحدة وهي ما ذكر خلائق من الصالحين، ورواه عنهم كثير من العلماء العاملين أن الشيخ الكبير المشهور أبا الفيض ذا النون المذكور كان مع بعض أصحابه في البراري في وقت القائلة، فقالوا: ما أحسن هذا

стр. 460

المكان لو كان فيه رطب، فقال رضي الله تعالى عنه: لعلكم تشهون الرطب، فقالوا: نعم، فقام إلى شجرة، وقال: أقسمت عليك بالذي خلقك، وابتدأك شجرة إلا ما نثرت علينا رطباً جنياً، فنثرت عليهم رطباً جنياً، فأكلوا ثم ناموا، فلما استيقظوا حركوا فنثرت عليهم شوكاً. ست وأربعين ومائتين فيها توفي موسى بن عبد الملك الأصفهاني صاحب ديوان الخراج. كان من جملة الرؤساء وفضلاء الكتاب، وله ديوان رسائل، وله شعر رقيق، وخدم جماعة من الخلفاء ومن شعره: لما وردت الفارسية ... جئت مجتمع الدقاق وشممت من أرض الحجاز ... نسيم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق وضحكت من فرح اللقاء ... كما بكيت من الفراق ولهذه الأبيات حكاية مستظرفة ذكرها الحافظ أبو عبد الله الحميدي وغيره من مؤرخي المغاربة، وهي أن أبا علي الحسن بن الأسكري " بضم الهمزة والكاف وسكون السين المهملة بينهما وكسر الراء " المصري قال: كنت من جلساء الأمير تميم بن أبي تميم، فأرسل إلى بغداد، فاشترى له جارية رائقة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة وأمرها بالغناء فغنت: وبدا له بعدما اندمل الهوى ... بريق تألق موهناً لمعانه الأبيات المعروفة، وأحسنت الجارية الغناء، فطرب الأمير تميم ومن حضر، ثم غنت: ستسليك عما فات دولة مفضل ... أوأيله محمودة وأواخره ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البر مذ شذت إليه الموازره قال فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً، ثم غنت بيتاً من قصيدة محمد بن رزق الكاتب البغدادي. أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فاشتد طرب الأمير المذكور، وأفرط جداً ثم قال لها: تمني ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: لا والله، لا بد أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما
следующие страницы →