Полный текст (1 334 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي أمير مصر:
زمني بمطلب سقيت زماناً ... ما صرت إلا روضة وجنانا
كل الندى إلا نداك تكلف ... لم أرض غيرك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر يدك فسدتني ... وتركتني السخط الإحسانا
ومما حكاه دعبل قال: كنا يوماً عند فلان ابن فلان الكاتب البليغ، وسماه، ولكن كرهت ذكره لوصفه له بما يقبح ذكره قال: وكان شديد البخل فأطلنا الحديث، واضره الجوع إلى أن استدعى بغذائه فأتي بقصعة فيها ديك فرم لا يقطعه السكين، ولا يؤثر ضرس، فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته، وقلب جميع ما في القصعة، ففقد الرأس ق مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه، وقال للطباخ: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال ظننت أنك لا تأكله، قال: لبئس ما ظننت، ويحك، والله لأمقت من يرمي رجليه، فكيف من يرمي رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصيح، ولولا صوته لما فضل وفيه عرقه الذي يتبرك به، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل، فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكليتين، ولم ير عظم قط أحسن من عظم رأسه، أو ما علمت أنه. من طرف الجناح ومن الساق والعنق؟ فإن كان قد بلغ مني بتلك أنك لا تآكله فانظر رميت به؟ قال: لا أدري أين هو، قال: لكني أدري أين هو، رميت به في بطنك، فالله حسيبك.
ولما مات دعبل وكان صديق البحتري وكان أبو تمام قد مات قبله رثاهما البحتري بأبيات منها:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل
جوى لازال السماء محيلة ... يغشا كما يماء مزن مسبل
حدث على الأهواز يبعد دونه ... مسيري النغى ورمسة بالموصل
وفيها توفي الإمام اللغوي النحوي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت " بكسر السين المهملة وتشديد الكاف وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة فوق "، صاحب كتاب " إصلاح المنطق " وغيره من التصانيف في علم اللغة والنحو معاني الشعر، وفسر دواوين الشعر، وجمع في ذلك قول البصريين والكوفيين، وأجاد وجاوز فيها تفسير كل من تقدمه على ما ذكر المرزباني فقال: ولم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم منه، وكان
стр. 457
عالماً بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر راوية ثقة، قد أخذ عن البصريين، وسمع من الأعراب وقال: ابن عساكر: حكى أبو يوسف عن أبي عمرو وإسحاق بن مرار الشيباني محمد بن مهنا ومحمد بن صبيح بن السماك الواعظ. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة الفراء: وجماعة، وروى عنه أحمد بن فرج المقرىء ومحمد بن عجلان الأخباري، وأبو عكرمة الضبي، وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم.
وقال، وقال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم مارآهم، ورأس المداراة ترك المماراة، وكتبه جيدة صحيحة، وهو صحيح السماع، وله حظ من السنن والدين، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، فلما جلس عنده قال له: بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ، يعني من العلوم؟ فقال: بالإنصراف، قال: فأقوم؟. قال المعتز: فأنا أحق نهوضاً منك، فقام المعتز واستعجل، فعثر بسراويله، وسقط، فالتفت إلى ابن السكيت كالخجل، قد احمر وجهه فأنشد ابن السكيت.
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته في الرجل تترا على مهل
فلما كان من الغد، دخل ابن السكيت على المتوكل وأخبره، فأمر له بخمسين ألف درهم وقال: بلغني البيتان، وأمر له بجائزة.
قلت: ومن جناية اللسان على النفس المشار إليها في النظم الذي أنشده ما جرى له مع كونه محقاً مأجوراً شهيداً، وذلك ما ذكروا أنه بينما هو يوماً مع المتوكل، إذ جاء المعتز المؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب أنما أحب إليك، ابناي هذان أم الحسن والحسين؟. فغض ابن السكيت من ابنيه وذكر من محاسن الحسن والحسين ما هو معروف من فضلهما، أمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره ومات من الغد.
وفي رواية أخرى: إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وابنيه حسن والحسين، رضوان الله عليهم، وكان ابن السكيت شديد المحبة لهم والميل إليهم، فقال تلك المقالة، فقال ابن السكيت: والله أن قنبر خادم علي رضي الله تعالى عنه، خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلو لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك فمات، رحمه الله تعالى.
وقال ثعلب: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، قلت: وهذا موافق لما تقدم من قول المرزباني، وقال أبو العباس المبرد: ما رأيت بغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السكيت " إصلاح المنطق ". وقال غيره من العلماء:
стр. 458
إصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وأدب الكاتب خطبة بلا كتاب، لأن خطبته مطولة مودعة فوائد، وعددوا له أيضاً من التصانيف المفيدات غير كثير.
خمس وأربعين ومائتين
وفيها توفي محمد بن هشام بن عوف التميمي السعدي، كان ممدوحاً بالحفظ وحسن الرواية. قال مورج " بكسر الراء المشددة والجيم " أخذ مني كتاباً فحبسه ليلة، ثم جاء به، وحفظه بالحفظ وحسن الرواية. قال محمد بن هشام المذكور: لما قدمت مكة لزمت مجلس ابن عيينة فقال لي يوماً: لا أراك تخطىء بشيء مما تسمع؟. قلت: وكيف ذلك. قال: لا أراك تكتب؟ فقلت: إني أحفظه. فاستعاد مني مجالس، فأعدتها على الوجه.
قال: حدثنا الزهري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء قال: وضرب بيده على جنبي وقال: أراك صاحب سبعين أو قال: من أصحاب السبعين، وقيل لسعدي المذكور: مات الضعفاء في هذا الغد، وسلم الأقوياء فقال: أنا سمعت:
رأيت جلتها في الحدب باقية ... ينقي الجواسي عنها حين يزدحم
لأن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد لم يعبأ بها السلم
وأنشد أيضاً:
وما يواسيك في ما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الفيض ثوبان، وقيل الفيض بن إبراهيم المصرفي المعروف بذي النون، أحد رجال الطريقة، كان لسان هذا الشأن، وأوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً، وكان أبوه نوبياً، سئل عن سبب توبته فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة؟ عمياء سقطت من وكرها، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفي إحداهما سم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا، فقلت: حسبي قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني، وكان قد سعوا به إلى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكرماً، وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع حي هلا بذي النون.
стр. 459
ومن ورعه ما ذكروا أنه أهدي إليه طعام، وهو في سجن المتوكل، فأتاه رسول السجان فحمله إليه فامتنع من أكله، فقيل له في ذلك فقال: طعام أتاني على مائدة ظالم فلا آكله، أو كما قال، ويعني بمائدة الظالم كف السجان التي حملت الطعام إليه من باب السجن.
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون يقول وفي يده الغل وفي رجله القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس يبكون حوله، وهو يقول: هذا من مواهب الله وعطاياه، وكل عذب حسن طيب، ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون ... كل يوم علي فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلاً ... فبك الصبر عنك ما لا يكون
ولما أخرج من السجن، وأدخل على المتوكل وعظه حتى بكى وخرج من عنده مكرماً. اجتمع إليه الصوفية في الجامع في بغداد، واستأذنوه في السماع، وحضر، القوال، وأنشد شعراً:
صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنك
وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركاً
فتواجد ذو النون، وسقط فأنشج رأسه. وكان يقطر منه الدم، ولا يقع على الأرض، فقام شاب يتواجد، فقال ذو النون: الذي يراك حين تقوم، فقعد الشاب. قال بعض الشيوخ: كان ذو النون صاحب إشراف، والشاب صاحب إنصاف، يعني لما قيل منه، فقعد إذ لم يكن في قيامه كامل الصدق.
ومن كلام ذي النون: من علامة المحب لله متابعة حبيب الله ﵌ في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته.
وسئل عن التوبة فقال: توبة العوام عن الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة. وله من الحكايات الغريبات والكرامات العجيبات ما يتعذر حصره، ولا يليق بهذا الكتاب.
وقد ذكرت شيئاً من ذلك في الكتب اللائقة ذكره بها، المحبوبة عند أهلها، ولكني أذكر من كراماته التي هي بفضله شاهدة ها هنا كرامة واحدة وهي ما ذكر خلائق من الصالحين، ورواه عنهم كثير من العلماء العاملين أن الشيخ الكبير المشهور أبا الفيض ذا النون المذكور كان مع بعض أصحابه في البراري في وقت القائلة، فقالوا: ما أحسن هذا
стр. 460
المكان لو كان فيه رطب، فقال رضي الله تعالى عنه: لعلكم تشهون الرطب، فقالوا: نعم، فقام إلى شجرة، وقال: أقسمت عليك بالذي خلقك، وابتدأك شجرة إلا ما نثرت علينا رطباً جنياً، فنثرت عليهم رطباً جنياً، فأكلوا ثم ناموا، فلما استيقظوا حركوا فنثرت عليهم شوكاً.
ست وأربعين ومائتين
فيها توفي موسى بن عبد الملك الأصفهاني صاحب ديوان الخراج. كان من جملة الرؤساء وفضلاء الكتاب، وله ديوان رسائل، وله شعر رقيق، وخدم جماعة من الخلفاء ومن شعره:
لما وردت الفارسية ... جئت مجتمع الدقاق
وشممت من أرض الحجاز ... نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقاء ... كما بكيت من الفراق
ولهذه الأبيات حكاية مستظرفة ذكرها الحافظ أبو عبد الله الحميدي وغيره من مؤرخي المغاربة، وهي أن أبا علي الحسن بن الأسكري " بضم الهمزة والكاف وسكون السين المهملة بينهما وكسر الراء " المصري قال: كنت من جلساء الأمير تميم بن أبي تميم، فأرسل إلى بغداد، فاشترى له جارية رائقة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة وأمرها بالغناء فغنت:
وبدا له بعدما اندمل الهوى ... بريق تألق موهناً لمعانه
الأبيات المعروفة، وأحسنت الجارية الغناء، فطرب الأمير تميم ومن حضر، ثم غنت:
ستسليك عما فات دولة مفضل ... أوأيله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البر مذ شذت إليه الموازره
قال فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً، ثم غنت بيتاً من قصيدة محمد بن رزق الكاتب البغدادي.
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب الأمير المذكور، وأفرط جداً ثم قال لها: تمني ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: لا والله، لا بد أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما
стр. 461
أتمنى؟ فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني ببغداد قال: فامتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس وقام، وقمنا، ثم أرسل إلي فرجعت فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت عليه، وقمت بين يديه فقال: ويحك، أرأيت ما امتحنا به؟. فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب للسير معها إلى بغداد، فإذا غنت هناك فاصرفها، فقلت: سمعاً وطاعة، ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء، تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل، فأدخلت فيه، فسرنا إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في خلنا في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية اتتني السوداء فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن. فقلت لها: نزول بالقادسية. فأخبرتها فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء بالأبيات المذكورة، فتصايح الناس: أعيدي بالله، أعيدي بالله، فما سمع لها كلمة. ثم نزلنا " الياسرية " بالياء المثناة من تحت وكسر السين المهملة والراء وبعدها ياء النسبة. وبينها وبين بغداد خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها ثم يبكرون الدخول إلى بغداد، فلما كان وقت الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت: مالك. قالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك، وأين هي؟ فقالت: والله ما أدري. قال: فلم أحس لها أثراً بعد ذلك، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها، ثم انصرفت إلى تميم فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه واغتم لها غماً شديداً، ثم ما زال ذاكراً لها. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الإمام أحمد بن أبي الحواري، ريحانة الشام. سمع أبا معاوية وطبقته، وكان من كبار المحدثين وأجلاء الصوفية العارفين، صحب الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبا سليمان الداراني رحمهما الله تعالى.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب، أخرج الله نور
اليقين والزهد من قلبه، ومن عمل بلا اتباع السنة، فعمله باطل وأفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته، على غير الموافقة، وقال: ما ابتلى الله بشيء أشد من القسوة والغفلة.
وكان سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. وكانت زوجته رائفة الشامية تقول له: أحبك حب الإخوان لا حب الأزواج. وكانت تطعمه الطيب وتطيبه وتقول: اذهب بنشاطك إلى أزواجك، وتقول عند تقريب الطعام إليه: كل فما نضج إلا بالتسبيح، وتقول إذا قامت من الليل:
قام المحب إلى الموصل قومة ... كاد الفؤاد من السرور يطير
وفيها توفي العباس بن عبد العظيم البصري الحافظ، أحد علماء السنة.
стр. 462
سبع وأربعين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهري البغدادي الحافظ صاحب المسند، المخرج في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في نيف وعشرين جزءاً.
وفي شوال منها قتل المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. فكتوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر، وهو الذي أحيى السنة وأمات البدعة، غير أنه كان فيه انهماك على اللذات والمكاره، وفيه كرم وتبذير. وكان قد عزم على خلع ابنه المنتصر من العهد وتقديم المعتز عليه لفرط محبته لأمه، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد. وكان المتوكل قد صادر بعض رؤساء الدولة، فعملوا عليه، ودخل عليه خمسة بالسيوف في جوف الليل.
ثمان وأربعين ومائتين
فيها توفي الإمام العالم أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري الحافظ. قال بعض المحدثين: كتبت عن ألف شيخ حجتي فيما بيني وبين الله رجلان أحمد بن صالح وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.
وفيها توفي الإمام الفقيه المتكلم الحسين بن علي الكرابيسي البغدادي. تفقه على الإمام الشافعي، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة، وكان متضلعاً من الفقه والأصول والحديث ومعرفة الرجال والكرابيس: الثياب الغلاظ. وله عدة تصانيف، وأخذ عنه الفقه خلق كثير.
وفيها توفي أمير خراسان طاهر بن عبد الله الخزاعي، والمنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله. وكانت خلافته سبعة أشهر، وعمره ستاً وعشرين سنة، وكان مهيباً مليح الصورة كامل العقل محباً في الخير، قيل أن أمراء الترك خافوه، فلما حم دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار، فقصده بريشة مسمومة، وقيل ثم نم في تكثرات، وحكي أنه قال لأمه: يا أماه، ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت.
تسع وأربعين ومائتين
فيها توفي الحسن بن الصباح، الإمام أبو علي البرار، كان الإمام أحمد يرفع قدراً ويجله ويحترمه.
стр. 463
وفيها توفي عبد بن حميد الكشي الحافظ أبو محمد صاحب المسند والتفسير.
وفيها توفي أبو حفص عمرو بن علي الباهلي البصري الصيرفي الفلاس الحافظ، أحد الأعلام. قال أبو زرعة ذلك من فرسان الحديث.
خمسين ومائتين
فيها توفي أبو الحسن أحمد بن محمد البزي المقرىء، مؤذن المسجد الحرام وشيخ الإقراء به رحمه الله تعالى.
وفيها توفي وقيل في سنة خمس وخمسين ومائتين الإمام أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني النحوي اللغوي المقرىء، صاحب المصنفات. أخذ العربية عن أبي عبيدة الأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب، وكتب الحديث على طائفة من المحدثين. ولما مات حاتم بلغت قيمة كتبه أربعة عشر ألف دينار، فوجه ابن السكيت من اشتراها بدون هذا قليلاً، وحابوه فيها. قال أبو حاتم المذكور: مر رجل براهب فقال له: عظني، قال: أعظكم وفيكم القرآن، ومنكم محمد ﵌. قال: نعم، قال: فاتعظ ببيت شعر، قاله رجل منكم:
تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
وفيها توفي عمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ البصري، وقيل بل في سنة خمس وخمسين، وهنالك يأتي ترجمته إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أبو عمرو نصر بن علي الجهضمي البصري الحافظ، أحد أوعية العلم. كان المستعين قد طلبه ليوليه القضاء فقال لأمير البصرة. حتى أرجع، فأستخر الله، فرجع وصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خيراً فأقبضني إليك، ثم نام، فنبهوه فإذا هو ميت.
وفيها توفي الخليع الحسين بن الضحاك البصري الشاعر. كان حسن الإفتنان في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالسه الخلفاء ما لم يتصل إليه أحد إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي، فإنه قاربه في ذلك، وقيل ساواه. وأول من صحب منهم الأمين بن هارون الرشيد ثم هلم جراً إلى المستعين. وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين،، بينه وبين أبي نواس مجازاة لطيفة ووقائع ظريفة، وسمي خليعاً لكثرة هجوته وخلاعته، ومن شعره:
أطلب بخدي وخديك تلق عجيباً ... من معان يحار فيها الضمير
стр. 464
فبخديك للربيع رياض ... وبخدي للدموع غدير
وله:
إذا اخنتم بالغيب عهدي ... تدلون إدلال المقيم على العبد
صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الضد
وفيها توفي الفضل بن مروان، وزير المعتصم، وله ديوان شعر، ومن كلامه: الكتاب كالدولاب، إذا تعطل تكسر. وكان قد جلس يوماً لقضاء حوائج الناس، فرفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقة فيها مكتوب:
تفرغت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... بأيديهم الإقياد والحبس والقتل
فإنك قد أصبحت في الناس ظالماً ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
أراد بالثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل. ثم إن المعتصم تغير على الفضل بن مروان، وقبض عليه وقال: عصى الله في طاعتي، فسلطني عليه. ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء.
إحدى وخمسين ومائتين
فيها توفي الإمام الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن منصور المروزي.
اثنتين خمسين ومائتين
فيها توفي المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، بويع بعد المنتصر، وكان أمراء الترك قد استولوا على الأمر، وبقي المستعين مقهوراً معهم، فتحول من سامراً إلى بغداد غضبان، فوجهوا يعتذرون إليه، ويسألونه الرجوع، فامتنع، فعمدوا إلى الحبس، وأخرجوا المعتز بالله وخلفوا له. وجاء أخوه أبو أحمد لمحاصرة المستعين، فتهيأ المستعين ونائب بغداد ابن طاهر للحرب، وبنوا سور بغداد، ووقع القتال، ونصبت المجانيق، ودام الحصار أشهراً. واشتدت البلاء وكثرت القتلى، وجهد أهل بغداد حتى أكلوا الجيف، وجرت وقعات عديدة بين الفريقين، قتل في وقعة منها نحو الألفين من البغاددة، إلى أن كلوا وضعف أمرهم، وقوي أمر المعتز بالله. ثم تخلى ابن طاهر عن المستعين لما رأى من البلاء، فكاتب المعتز، ثم سعوا في المصالح على خلع المستعين فخلع نفسه على شروط مؤكدة، ثم نفذوه إلى واسط، فاعتقل تسعة أشهر، ثم أحضر إلى
стр. 465
سامراء فقتلوه بقادسية سامراء في آخر رمضان، وكان مسرفاً في تبذير الجوائز والذخائر.
وفيها توفي بندار محمد بن بشار البصري الحافظ رحمه الله تعالى.
ثلاث وخمسين ومائتين
فيها وقيل في سنة ست، وقيل إحدى وخمسين ومائتين توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير ذو المقامات العلية والأحوال السنية والكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة، حب الفضل العديد والعزم السديد والورع الشديد السري السقطي أحد أولاء الطريقة، ومعادن أسرار الحقيقة، خال الأستاذ أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ الشيخ العارف بالله المقرب المعروف في بغداد بالترياق المجرب معروف القرخي، يقال: أن السري كان في دكان، فجاء معروف يوماً ومعه صبي يتيم فقال: اكس هذا، قال السري: فكسوته ففرح بذلك معروف وقال: بغض الله إليك الدنيا. وزاد بعضهم في روايته: وأراحك مما أنت.، فقال السري: فقمت من الدكان، وليس شيء أبغض إلي من الدنيا وكل ما أنا فيه من تركات معروف.
ويحكى أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الإستغفار من قولي مرة الحمد لله، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق فاستقبلني إنسان وقال: سلم حانوتك، فقلت: الحمد لله. فأنا نادم من ذلك الوقت على ما فعلت، حيث أردت لنفسي خيراً من الناس. وقال أبو قاسم الجنيد: دفع إلي السري رقعة وقال: هذه خير لك من سبع مائة قصة، فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواشيا
فما الحب حتى يلصق الظهر بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى ليس يبقي لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
وقال أيضاً: دخلت على السري يوماً وهو يبكي فقلت: ما يبكيك. قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت: يا أبت، هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلقه ها هنا، ثم إني حملتني، فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت. قالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان، وتناولت الكوز فضربت به الأرض. قال الجنيد: فرأيت الخزف المكسورة لم يرفعها حتى عفي عليه التراب، وفضائل السري ومحاسنه معروفة، وأوصافه بالجميل والجمال موصوفة قدس الله أسراره.
وفيها توفي الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، وصيف التركي، وكان من أكبر أمراء الدولة. وأبو جعفر أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي السرخسي، أحد الفقهاء والأئمة في الأثر، رحمة الله عليه.
стр. 466
أربع وخمسين ومائتين
فيها توفي العسكري أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بر موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني. عاش أربعين سنة، وكان متعبداً فقيهاً إماماً، استفتاه المتوكل مرة، ووصله بأربعة آلاف درهم وهو أحد الأثني عشر الذين تعتظ الشيعة الغلاة عصمتهم. وكان قد سعي به إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحاً وكتباً، وأوهموه أنه يطلب الخلافة، فوجه من هجم عليه وعلى منزله، فوجدوه وحده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، وهو يترم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فحمل إليه على الصفة المذكورة، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى جنبه. وكان المتوكل يشرب وفي يده كأس، فناوله الكأس الذي في يده فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي وعظمي قط، فاعفني عنه. فعفاه، وقال له: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الزواية للشعر. قال: لا بد أن تنشدني، فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال، فلم ينفعهم القلل
واستنزلوا بعد إعراض معاقلهم ... فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعدما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منغمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قال: فأشفق من حضر على العسكري، وظنوا أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين. قال: نعم أربعة آلاف، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً. وكانت ولادته في ثالث عشر رجب، وقيل في يوم عرفة سنة أربع، وقيل ثلاث عشرة ومائتين. وقيل له العسكري: لأنه لما كثرت السباية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها وأقره بسر من رأى، وهي تدعى بالعسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل له: العسكر، ثم نسب أبو الحسن المذكور إليها، لأنه أقام بها عشرين سنة وأشهراً، وتوفي بها، ودفن في داره رحمة الله عليه.
وفيها توفي العتبي صاحب العتبة في مذهب مالك، وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأموي العتبي القطري الأندلسي الفقيه، أحد الأعلام ببلده. أخذ عن
стр. 467
يحيى بن يحيى، ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون، وبمصر عن أصبغ.
خمس وخمسين ومائتين
فيها خرج العلوي بالبصرة ودعا إلى نفسه، فبادر إلى إجابة دعوته عبيد أهل البصرة والسودان، ومن ثم الزنج، والتفت إليه كل صاحب فتنة حتى استفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة واستباح البصرة وغيرها، وفعل الأفاعيل، وامتدت أيامه إلى أن قتل في سنة سبع وسبعين.
وفيها توفي الإمام الحبر أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي، صاحب المسند المشهور، ورحل وطوف وسمع النضر بن شميل ويزيد بن هارون وطبقتهما.
وفيها قتل المعتز بالله، أبو عبد الله محمد بن المتوكل، خلعوه وأشهد على نفسه كرهاً، ثم أدخلوه بعد خمسة أيام حماماً فعطس حتى عاين الموت، وهو يطلب الماء بمنع، ثم أعطوه ماء بثلج فشربه. فسقط ميتاً. واختفت أمه وكانت ذات أموال عظيمة، منها ياقوت وزمرد وغيرهما من الجواهر، قوموها بألفي ألف دينار، ولم يكن في خزاين خلافة شيء، فطلبوا من أمه مالاً فلم تعطهم، فأجمعوا على خلعه، ولبسوا السلاح، أحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافياً ليخلع فيه نفسه فأجاب، وأحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه معتز بالله، ولقبوا محمداً بالمهدي بالله.
وفيها توفي ذو النوادر والغرائب والظرف والعجائب من حوادث الزمان العوارض، أبو عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ الكناني الليثي المعتزلي البصري العالم المشهور صاحب التصانيف المفيدة في فنون عديدة، له مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الفرقة معروفة بالجاحظية من المعتزلة، وهو تلميذ إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم المشهور، ومن أحسن تصانيفه وأوسعها " كتاب الحيوان "، لقد جمع فيه كل غريبة، وكذلك " كتاب بيان والتبيين ". وكان مع فضائله مشوه الخليفة. وإنما قيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، أي ناتئتين، ومن جملة أخباره أنه قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده ولقيت محمد بن إبراهيم يعني إبراهيم بن المهدي، وهو يريد الإنصراف إلى مدينة السلام، فعرض
стр. 468
علي الخروج معه والإنحدار في حراقته، وكان بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، فلما انتهينا إلى فم نهر القاطوع نصب ستارة، وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
وسكتت فأمر الطنبور فغنت:
وارحمنا للعاشقين ... ما أن أرى لهم مغنيا
كم يهجرون ويصرمون ... ويقطعون ويضربونا
قال فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا. قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها، وبرزت كأنها فلقة قمر، فألقت نفسها في الماء، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال، وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تصير بين الماء فأنشد:
أنت التي عرفتني ... بعد القضاء لو تعلمينا
وألقى نفسه في الماء في إثرها، فأدار الملاح الحراقة، فإذا بهما معتنقين، ثم غاصاً فلم يريا، فاستعظم محمد ذلك، وهاله أمره، ثم قال: يا عمرو لتحدثني ما يسليني عن فعل هذين، وإلا ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلى جارية حتى تغني ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ يزيد من ذلك، وأمر أن يخرج إليه، ويأتيه برأسه، أتبع الرسول رسولاً آخر، يأمره أن يدخل إليه الرجل، فأدخله، فلما وقف بين يديه قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والإتكال على عفوك. فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عودها، فقال له الفتى: غني:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: غني:
تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
فغنته، قال له يزيد: قل، قال: تأمر لي برطل شراب؟ فأمر له به، فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد ورمى نفسه على دماغه فمات. فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهلي ظن أني أخرج إليه جاريتى،. وأردها إلى ملكي؟ يا غلمان، خذوا بيدها، واحملوها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها
стр. 469
عنه. فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت، فسري عن محمد، وأجزل صلتي، وقال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد، فجرى ذكر جاحظ، فقص عنه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت: اسكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله، فقال: لم أجد في مقابلة مقالته أبلغ من تركه على جهله، ولو وافيته وبينت له النظر في كتبه صار لك إنساناً يا أبا القاسم. فكتب الجاحظ: تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً. ولم أستصلحه لذلك، قلت: يعني لم أره أهلاً لذلك. وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج، وكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قرض مقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول في مرضه: اصطلحت على جسدي الأضداد: إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي. أنا من جانبي الأيسر مفلوج، لو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرس، فلو مر به. الذباب لتألمت، وبي حصاة لا ينشرح لي البول معها، وأشد ما علي ست وتسعون سنة. وكان ينشد:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كربتك نفس لبس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وحكى بعض البرامكة قال: كنت توليت السند، فأقمت بها ما شاء الله ثم اتصل بي، انصرفت عنها وكنت قد كسبت ثلاثين ألف دينار، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه، فصنعته عشرة آلاف أهليلجة، وكل أهليلجة ثلاثة مثاقيل. ولم يمكث الصارف أن أتى، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة، فخبرت أن الجاحظ بها أنه عليل بالفالج، فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف، فقرعته فخرجت إلي خادمة صفراء فقالت: من أنت. فقلت رجل غريب، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ، فبلغته الخادمة ما قلته، فسمعته يقول: قولي له: وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حابل؟ فقلت للجارية: لا بد من الوصول إليه، فلما بلغته قال: هذا رجل اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فأراد الإجتماع بي ليقول: قد رأيت الجاحظ. ثم أذن لي
стр. 470
فدخلت فسلمت عليه فرد علي رداً جميلاً وقال: من تكون أعزك الله تعالى؟ فانتسبت له فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ولقد انجيز بهم خلق كثير، فسقياً لهم ورعياً. فدعوت له وقلت له: أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر فأنشدني:
لئن قدمت قبلي رجال، فطالما ... شئت على رسلي فكنت المقدما
ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضاً وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز قال: يا فتى، أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج؟ قلت لا، قال: إن الإهليلج الذي معك ينفعني، فابعث لي منه، فقلت: نعم، وخرجت متعجباً من وقوفه على خبري مع كتماني. وبعثت إليه مائة إهليلجة، وقال أبو الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ:
وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعاً فما خلدوا
سقاهم جميعاً كؤوس المنون ... فمات الصديق ومات العدو
قلت: كان المناسب لقوله: " فمات الصديق ومات العدو " أن يذكر الأعداء الأصدقاء في البيت الأول، فيقال لنا: أصدقاء مضوا مع أعداء، فيكون قوله في آخر البيت الأخير: فمات الصديق ومات العدو مطابقاً لأول الأول.
ست وخمسين ومائتين
كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته، وقتل المعتز وظفر بأمه، فصادر حتى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار، ونفاها إلى مكة، ثم صادر خاصة المعتز وكتابه، وقتل بعضهم.
فلما دخلت السنة المذكور أقبل موسى بن بغا وعبأ جيشه، ودخلوا سامراء ملبسين مجمعين على قتل صالح بن وصيف، وهم يقولون: قتل المعتز وأخذ أموال أمه وأموال الكتاب. وصاحت العامة: يا فرعون، جاءك موسى. ثم هجم بمن معه على المهتدي وأركبوه فرساً، وانتهبوا القصر، ثم أدخلوا المهتدي دار ناجور " بالنون والجيم والراء على ما ضبطه في الأصل المنقول منه "، وهو يقول: يا موسى، ويحك ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا ينالك سوء. ثم حلفوه لا يمالىء صالح ابن وصيف عليهم، وبايعوه فطلبوا صالحاً ليناً، ظروه على أفعاله فأخرج، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح.
стр. 471
وفي رجب قتل المهتدي بالله أمير المؤمنين محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. وكانت دولته سنة، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة. وكان مليح، الصورة ورعاً تقياً متعبداً عادلاً شجاعاً قوياً في أمر الله تعالى خليقاً للإمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير. وقيل: إنه سرد الصوم مدة أمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وخل، وزيت، وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز، وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد، فيهما لله، وكان قد سد باب الملاهي والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم. وكان يجلس بنفسه، لعمل حساب الدواوين، ثم إن الأتراك خرجوا عليه، فلبس السلاح وشهر سيفه وحمل عليهم فأسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله، وأقاموا بعده المعتمد على الله.
وفيها توفي أبو عبد الله الزبير المعروف بابن بكار القرشي الأسدي الزبيري كان من أعيان العلماء، تولى قضاء مكة، وصنف الكتب النافعة منها " كتاب أنساب قريش " جمع فيه كثيراً، وعليه إعتماد الناس في معرفة أنساب القرشيين. وله مصنفات غيره دلت على فضله واطلاعه. روى عن ابن عيينة ومن في طبقته، وروى عنه ابن ماجة القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما، وتوفي بمكة وهو قاض عليها وعمره أربع وثمانون سنة.
وفي ليلة عيد الفطر منها توفي البخاري الحافظ الإمام قدوة الأنام وعالي المقام جامع أصح الكتب المصنفة في السنن والأحكام، إمام المحدثين وشيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري مولى الجعفيين صاحب الجامع الصحيح وغيره من التصانيف، ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ورحل سنة عشرة ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم وأبا عاصم النبيل وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد فاجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " والخطيب في " تاريخ بغداد " البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأعدوا له مائة حديث، متونها وأسانيدها، وجعلوا متن كل واحد لإسناد آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل واحد عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وعين الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرها. ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب أو قال: ابتدر واحد لعشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحد بعد واحد حتى فرغ من عشرة، ثم كذلك كل واحد من العشرة جعلوا يسألونه عن الأحاديث المذكورة واحد بعد واحد والبخاري يقول: لا
стр. 472
أعرفه. وكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعضهم، ويقولون: الرجل منهم. وما كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم وقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وأما الثاني فهو كذا، وكذلك الثالث والرابع وباقي أحاديثه إلى تمام العشرة على الولاء، يرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه. ثم كذلك فعل بكل واحد من التسعة حتى رتب المائة جميعها كل واحد منها في موضعه إسناداً ومتناً، فأقر له الناس بالحفظ فاعترفوا له بالفضل. وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكيس النطاح. ونقل الفربري عنه أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ست مائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. قلت: وسيأتي إن شاء الله تعالى أن سنن أبي داود خرجها من خمس مائة ألف حديث.
وقال الفربري: سمع صحيح البخاري يعني عليه تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. وممن روى عنه أبو عيسى الترمذي. وكانت ولادة البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة، وقيل اثنتي عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر، رحمة الله عليه ورضوانه.
سبع وخمسين ومائتين
فيها وثب العلوي قائد الزنج والسودان على الأيلة، فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفاً، فساق العسكر لحربه سعيد لحاجب فالتقوا فانهزم سعيد واستحر القتل بأصحابه، ثم دخلت الزنج البصرة، وخربوا الجامع، وقتلوا بها اثني عشر ألفاً، وهرب باقي أهلها بأسوأ حال فخربت.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ المعمر أبو علي الحسن بن عرفة العبدي البغدادي المؤذن، وله مائة وسبع سنين. " والحافظ " زهير بن محمد المروزي ثم البغدادي كان من أولياء الله، قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان تسعين ختمة رحمة الله عليهم.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أبو سعيد الأشجع الكندي الكوفي.
стр. 473
ثمان وخمسين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو جعفر الباقي اليامي قاضي الكوفة ثم قاضي همدان، وكان صالحاً عادلاً في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة بعبادته.
وفيها توفي الحافظ أحمد بن الفرات أحد الأعلام، صنف المسند والتفسير وقال: كتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف حديث.
وفيها توفي الإمام الحافظ أحد الأعلام محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، سمع عبد الرحمن بن مهدي وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجله ويعظمه، وقال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
وفيها توفي الشيخ العارف بحر الحكم والمعارف واعظ عصره وحكيم زمانه بحيى بن معاذ الرازي، ومن كلامه: كيف يكون زاهداً من لا ورع له. تورع عما ليس لك ثم أزهد في مالك. وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل الجليل من العطاء. وفي هذا المعنى قلت:
جليل العطايا في دقيق التورع ... فدقق تنل عالي المقام المرفع
وتسلم من المحظور في كل حالة ... وتغنم من الخيرات في كل موضع
وتحمد جميل السعي بالفوز في غد ... فسارع إليه اليوم مع كل مسرع
ولا تك مثلي وابناً متخلقاً ... لجوهر عمر عن شر مضيع
تسع وخمسين ومائتين
فيها استفحل أمر يعقوب بن الليث الصفار، واستولى على اقليم خراسان وأسر محمد بن طاهر أمير خراسان، وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن يحيى الأسفرائني شيخ الحافظ أبي عوانة.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن موسى بن شاكر أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب إليهم حيل بني موسى، وهم مشهورون بها، وأسماء إخوانه أحمد والحسن، وكانت لهم إليهم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل. وأتعبوا أنفسهم في شأنها، وكان الغالب عليهم من علوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم، وهو الأقل. ولهم في الخيل كتاب عجيب نادر، يشتمل على كل غريبة، وهو مجلد واحد، وصفه ابن خلكان بكونه ممتعاً، ومما اختصوا به في ملة الإسلام، وأخرجوه من القوة إلى الفعل، وإن كان
стр. 474
أرباب الأرصاد المتقدمون قد فعلوه، لكنه لم ينقل أن أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله الأهم، وهو ما سيأتي ذكره في ترجمة الصولي في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وهو إيضاح مساحة كرة الأرض أربعة وعشرين ألف ميل استخراجاً من ارتفاع القطب، وكون كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثا ميل بالعمل، ومشيهم في الأرض المستوية في جهة الشمال، كما سيأتي واضحاً في السنة المذكورة إن شاء الله تعالى.
ستين ومائتين
فيها صال يعقوب بن الليث، وجال، وهزم الشجعان والأبطال، وترك الناس بأسوأ حال. ثم قصدا الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، فالتقوا فانهزم العلوي، وتبعه يعقوب في تلك الجبال، فنزل على أصحاب يعقوب بلاء سماوي نزل عليهم ثلج عظيم أهلكهم، مات فيه أربعون ألفاً، فذهب عامة خيله وأمواله.
وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه الحافظ صاحب الإمام الشافعي. روى عن ابن عيينة، وطبقته مثل وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون، وروى عنه البخاري في صحيحه وأبو داود السجستاني والترمذي وغيرهم. والزعفراني بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح الفاء والراء نسبة إلى الزعفرانة وهي قرية بقرب بغداد. ودرب الزعفراني في بغداد منسوب إلى الإمام المذكور، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وفيه مسجد الشافعي، وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه، ولله الحمد والمنة، يعني في درب الزعفراني، وكان الزعفراني: يتولى كتب الشافعي، وهو أحد رواة أقواله القديمة. ورواتها أربعة هو والإمام أحمد بن حنبل وأبو ثور والكرابيسي ورواة أقواله الجديدة ستة، المزني والبويطي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، وكان الزعفراني من أذكياء العلماء، وبرع في الفقه والحديث، وصنف فيها كتباً، ولزم الإمام الشافعي حتى بحر وسار ذكره في الآفاق.
وفيها توفي الشريف العسكري أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق، أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر عندهم صاحب السرداب، ويعرف بالعسكري، وأبوه أيضاً يعرف بهذه النسبة. توفي في يوم الجمعة سادس ربيع الأول، وقيل ثامنه. وقيل غير ذلك من السنة المذكورة، ودفن بجنب قبر أبيه بسر من رأى، وقد تقدم ذكر سبب هذه النسبة.
وفيها توفي حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور، كان إمام وقته في صناعة
стр. 475
الطب، وكان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة، وهو الذي عرب كتاب إقليدس، ونقله من لغة اليونانيين إلى لغة العرب، ثم نقحه ثابت بن قرة، وهذبه كما تقدم في ترجمته، وكذلك كتاب المجسطي، وأكثر كتب الحكماء والأطباء كانت بلغة اليونانيين، فعربت، وكان حنين المذكور أشد اعتناء بتعريبها من غيره، وعرب غيره أيضاً بعض الكتب، ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بتلك الكتب، لعدم المعرفة بلسان اليونان. لا جرم، كل كتاب لم يعربوه باق على حالا لا ينتفع به إلا من عرف تلك اللغة، وكان المأمون مغرياً بتعريبها وتحريرها وإصلاحها، ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة أهل بيته أيضاً، لهم بها اعتناء. لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر، ولحنين المذكور مصنفات في الطب مفيدة. قال ابن خلكان: ورأيت في كتاب أخبار الأطباء أن حنيناً كان في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام، فيصب على رأسه الماء، ويخرج فيلتف قطيفة، ويشرب قدح شراب يعني من شراب الفساق ويأكل كعكة، ويتكىء حتى ينشف عرقه وربما نام ثم يقوم ويتبخر، ويقدم له طعام فروج كبير مسمن، قد طبخ بزبرباج، ورغيف وزنه مائتا درهم، فيحس من المرقة، ويأكل الفروج والخبز وينام. فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً يعني من الشراب المصحح للأبدان الهادم للأديان فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والسفرجل، وكان ذلك دأبه إلى أن مات.
إحدى وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، نزيل طرابلس المغرب صاحب التاريخ والجرح والتعديل.
وفيها توفي أبو شعيب السوسي صالح بن زياد مقرىء أهل الرقة وعالمهم، قرأ على يحيى اليزيدي، وروى عن عبد الله بن نمير وطائفة، وتصدر للإقراء، وحمل عنه طائفة.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير صاحب المقام العالي المشكور والحال الحالي المشهور أبو يزيد المسمى بطيفور بن عيسى، ذو الفضل السامي الفتى المعروف بالبسطامي، قيل له: بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ قال ببطن جائع، وبدن عار. وقيل: ما أشد ما لقيته في سبيل الله؟ فقال: لا يمكن وصفه. فقيل: ما أهون ما لقيت نفسك منك. فقال: أما هذا فنعم، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجب، فمنعتها الماء سنة. وكان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهوى، فلا تعتبروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة. وله مقالات علية، وكرامات سنية، ومجاهدات عظيمة، وشيم كريمة. توفي سنة إحدى، وقيل أربع وستين ومائتين.
стр. 476
وبسطام بفتح الموحدة وسكون السين وبالطاء المهملتين وبعد الألف ميم بلدة مشهورة من أعمال قومس. ويقال أنه أول بلاد خراسان من جهة العراق والله أعلم ومن جلالته وعظم هيبته قضية مشهورة مع الشاب الذي قال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب ومختصرها أنه لما رآه وقد خرج من غيضة مات الشاب، فقال أبو تراب لأبي يزيد: قتلت صاحبنا. فقال: لا، بل كان صاحبكم صادقاً، وكان مستوراً عنه حاله، فلما رآنا تجلى له حاله في مرآتنا، فلم يطق حمل بطاقة فمات. فقال أبو يزيد: أقمت في الزهد ثلاثة أيام، زهدت في اليوم الأول في الدنيا، وزهدت في اليوم الثاني في الآخرة، وزهدت في اليوم الثالث فيما سوى الله تعالى.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، أحد أركان الحديث، وصاحب الصحيح وغيره. ومناقبه مشهورة، وسيرته مشكورة. رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل. وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة، وروى عنه أهلها، وروي عنه أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقد اختلف أئمة الحديث المتأخرون في تفضيل الصحيحين، فالأكثرون منهم فضلوا صحيح البخاري على صحيح مسلم، وبعضهم فضلوا صحيح مسلم، حتى قال أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث. قلت: والمعروف أن كتاب البخاري أفقه، وكتاب مسلم أحسن سياقاً للروايات.
وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه، وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاري بنيسابور أكثر مسلم من الإختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ نادى عليه، ومنع الناس من الإختلاف إليه حتى هجر وخرج من نيسابور. في تلك المحنة قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديماً وحديثاً لم يرجع عنه. فقال: في مجلسه إلا من قال باللفظ: فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. وأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه. وجمع كل ما كان كتب منه، وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخفف عنه وعن زيارته.
стр. 477
اثنتين وستين ومائتين
فيها لما عجز المعتمد على الله عن يعقوب بن الليث، كتب إليه بولاية خراسان وجرجان، فلم يرض يوافي باب الخليفة، وأضمر في نفسه الإستيلاء على العراق. وخاف المعتمد، فتحول عن سامراء إلى بغداد، وجمع أطرافه وتهيأ للملتقى. وجاء يعقوب في سبعين ألف فارس، فنزل واسط، فتقدم المعتمد، وقصده يعقوب، وقدم المعتمد أخاه الموفق يجهز الجيش، فالتقيا في رجب. واشتد القتال فوقعت الهزيمة على الموفق، ثم ثبت وشرعت الكسرة على أصحاب يعقوب، فولاه الأدبار واستبيح عسكرهم. وكسب أصحاب الخليفة ما لا يحد ولا يوصف، وخلصوا محمد بن طاهر الذي كان مع يعقوب في القيود، ودخل يعقوب إلى فارس، وخلع المعتمد على محمد بن طاهر أمير خراسان، ورده على عمله وأعطاه خمسمائة ألف درهم. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أحد الأعلام يعقوب بن شيبة الدوسي، صاحب المسند المعلل الذي ما صنف أحد أكبر منه، ولم يتمه.
ثلاث وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ محمد بن علي بن ميمون الرقي العطار. قال الحاكم: كان إمام أهل الجزيرة في عصره.
والحسن بن أبي الربيع الجرجاني الحافظ.
والوزير عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل.
أربع وستين ومائتين
وفيها أغارت الزنج على واسط، وهرب أهلها حفاة عراة، ونهبت ديارهم، وأحرقت فسار لحربهم الموفق.
وفيها غزا المسلمون الروم، وكانوا أربعة آلاف عليهم ابن كافور فلما نزلوا بعض المنازل تبعهم البطارقة وأخدقوا بهم، فلم ينج منهم إلا خمسمائة، واستشهد الباقون.
وفيها توفي أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري الحافظ. كان ممن رحل إلى اليمن، وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته، وكان يقول: كتبت عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث.
стр. 478
وفيها توفي أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي الحافظ، الأئمة الأعلام، في آخر يوم من السنة. رحل وسمع من أبي نعيم والقعنبي وطبقتهما. قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله علماً وفقهاً وصيانة وصدقاً. وهذا ممن لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله. وقال إسحاق بن راهويه: " حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل.
وفيها توفي الإمام أبو موسى يونس بن عبد الأعلى المصري الفقيه المقرىء المحدث. روى عن ابن عيينة وابن وهب، وتفقه على الشافعي، وأخذ عنه الحديث. وكان الشافعي يصف عقله ويقول: ما رأيت بمصر أعقل منه، وقرأ القرآن على ورش، وتصدر للإقراء والفقه، وكان ورعاً صالحاً عابداً كبير الشأن، وروى القراءة عنه من الأئمة جماعة منهم محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري الإمامان الجليلان وغيرهما وكان محدثاً جليلاً من أفاضل أهل زمانه، وكان من العقلاء، ذكر ذلك عنه أبو عبد الله القضاعي، وروى غير القضاعي أن يونس روى عنه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، وأبو عبد الرحمن النيسابوري، وأبو عبد الله بن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث الكبار. وقال قاضي مصر محمد بن الليث: لما عزم القاضي بكار لما ولي، وقد استشاره في من يشاوره عليك برجلين: أحدهما عاقل وهو يونس بن عبد الأعلى، فإني سعيت في دمه، فقدر فحقن دمي. والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم، فإنه رجل زاهد، فقال بكار: صف لي الرجلين، فوصفهما، فلما دخل مصر ودخل عليه الناس عرفهما فرفهما وقيل: إن موسى المذكور اختص به القاضي بكار، وكان يتبرك به لزهده، فقال له يوماً: أبا هارون، من أين المعيشة؟. فقال: من وقف وقفه أبي، فقال له بكار: يكفيك، قال: تكفيت به. وقال: قد سألني القاضي فأريد أن أسأله، قال: سل، قال: هل ركب القاضي دين بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء؟ قال: لا. قال: فهل رزق ولداً أحوجه إلى ذلك قال: لا، ما نكحت قط. قال: فلك عيال كثير؟. قال: لا، قال: فهل أجبرك السلطان وعرض عليك العذاب وخوفك؟ قال: لا. قال: فضربت آباط الإبل من البصرة لغير حاجة ولا ضرورة. قال: لله علي، لا دخلت عليك أبداً، فقال: يا أبا هارون، أقلني، قال: أنت بدأت بالمسألة ولو سكت لسكت، ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها.
وقال يونس: قال لي الشافعي: دخلت بغداد؟ فقلت: لا، فقال: ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس.. وتوفي يونس بمصر، ودفن بالقرافة.
стр. 479
وفيها توفي الفقيه الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي.
وكان زاهداً عابداً مجتهداً محجاجاً غواصاً على المعاني الدقيقة، اشتغل عليه خلق كثير، وقال الشافعي في صفة المزني: ناصر مذهبي. وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطريق الشافعي وفتاواه وما ينقله عنه. صنف كتباً كثيرة منها: " الجامع الكبير "، و " الجامع الصغير "، و " مختصر المختصر "، و " المنثور "، و " المسائل المعتبرة "، و " الترغيب في العلم "، " وكتاب الوثائق "، وغير ذلك. وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب، وصلى ركعتين شكراً لله تعالى. وقال أبو العباس بن شريح: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتض. وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتبوا وبكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الإجتماع بالمزني مئة فلم يتفق، واجتمعا يوماً في صلاة جنازة فقال القاضي بكار لبعض أصحابه: سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الحديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم قدمتم التحريم على التحليل؟. فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراماً في الجاهلية ثم حلل، ووقع الإتفاق على أنه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه وقيل: وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية من الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من
كوز نحاس، فقيل له في ذلك فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا بطهر ذلك، وقيل: إنه إذا كان فاته الصلاة في جماعة، صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استدراكاً لفضيلة الجماعة، مستنداً في ذلك إلى قوله ﵌: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة "، وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه قدم عليه في شيء من الأشياء، وهو الذي تولى غسل الشافعي، وقيل: كان معه أيضاً الربيع، ومناقبه كثيرة. والمزني نسبة إلى مزينة بنت كلب، وفاته لست بقين من رمضان، ودفن بالقرب من تربة الشافعي بالقرافة الصغرى رحمة الله عليهما.
خمس وستين ومائتين
فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو حفص الحداد النيسابوري، شيخ
стр. 480
خراسان. كان كبير الشأن صاحب أحوال وكرامات وسمو في المقامات، وكان عجباً في الجود والسماحة. ويقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء، أو لمحه بقلبه. وقد نفد مرة بضعة عشر ألف دينار يستفك بها أسارى، وبات وليس له عشاء، ومن كلامه: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن. والفتوة أداء الإنصاف، وترك مطالبة الإنتصاف. وقال: من لم يزن أفعاله وأحواله كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال.
وفيها توفي محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم الذي تلقبه الرافضة بالحجة وبالقائم وبالمهدي وبالمنتظر، وبصاحب الزمان. وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب، وهو عندهم خاتم الأثني عشر الإمام. وضلال الرافضة ما عليه مزيد، فإنهم يزعمون أنه داخل السرداب الذي بسر من، رأى، وأمه تنظر إليه، فلم يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين، وقيل ست وخمسين ومائتين وهو الأصح، فاختفى إلى الآن، وكان عمره لما عدم تسع سنين، وقيل أربع سنين، وقيل غير ذلك في سنه، وفي السنة التي عدم فيها. وهم ينتظرون ضالته منذ خمس مائة سنة، وما وجدوها ولا يجدونها.
قلت: والمهدي الذي وردت به الأخبار، اسمه محمد بن عبد الله، كما قال ﵌: " يواطي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي "، وقد أوضحت فساد مذهبهم، وما هم عليه من الضلالة والخرافات والمحال في " كتاب المرهم في علم الأصول ".
وفي السنة المذكورة توفي الإمام العلامة محمد بن سحنون المغربي المالكي، مفتي القيروان، تفقه على أبيه، وكان بارعاً مناظراً كثير التصانيف، معظماً بالقيروان، خرج له عدة أصحاب، وما خلف بعده مثله.
وفيها توفي يعقوب بن الليث الصفار الذي غلب على بلاد المشرق، وهزم الجيوش. وقام بعده أخوه عمرو بن ليث، وكانا شابين صفارين فيهما شجاعة مفرطة، فصحبا صالح بن النضر الذي كان يقاتل الخوارج بسجستان، فآل أمرهما إلى الملك، ولما مات يعقوب قام بعده أخوه بالعدل والدخول في طاعة الخليفة، وامتدت أيامه. وكان موت يعقوب بالقولنج. وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين. وقيل أن الطبيب قال: لا دواء لك إلا الحقنة، فامتنع منها وخلف أموالاً عظيمة من الذهب ألف ألف دينار ومن المراهم خمسين، ألف درهم.
стр. 481
ست وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أحد أذكياء المحدثين أبو إسحاق إبراهيم بن أرومة الأصفهاني.
وفيها توفي محمد بن شجاع فقيه العراق، وشيخ الحنفية. تفقه بالحسن بن زياد اللؤلؤي، وصنف واشتغل، وتوفي ساجداً في صلاة العصر، وله نحو من تسعين سنة، رحمة الله عليه.
سبع وستين ومائتين
فيها برز قائد الزنج في ثلاثمائة ألف فارس وراجل، والمسلمون في خمسين ألفاً، وفصل النهر بين الجيشين، فلم يقع بينهم واقعة. وكان قبل ذلك قد هزم الموفق الزنج وقائدهم العلوي غائب عنهم فلما جاءته الأخبار بهزيمة جنوده إختلف إلى الكنيف مراراً وتقطعت كبده.
وفيها توفي يحيى بن محمد بن عبد الله الذهلي الحافظ شيخ نيسابور بعد أبيه، وكان أمير المطوعة المجاهدين.
وفيها توفي الحافظ أبو بشر إسماعيل بن عبد الله العبدي الأصفهاني.
ثمان وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أبو الحسن أحمد بن سيار المروزي، مصنف تاريخ مرو، وكان يشبه في عصره بابن المبارك علماً وزهداً، وكان صاحب وجه في مذهب الشافعي، أوجب الأذان للجمعة، والحافظ عيسى بن أحمد العسقلاني.
وفيها توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري مفتي الديار المصرية، تفقه بالشافعي وأشهب، وروى عن ابن وهب وغيره من أصحاب الإمام مالك، فلما قدم الإمام الشافعي مصر، صحبه وتفقه عليه، وحمل في المحنة إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد الإيادي في بغداد، فلم يجب إلى ما طلب منه، فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة بها. روى عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننه. وقال المزني: قال الشافعي: رددت لو أن لي ولداً مثله وعلي ألف دينار لا أجد لها قضاء.
وحكى عن محمد المذكور قال: كنت أتردد إلى الشافعي، فاجتمع قوم من أصحابنا
стр. 482
إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا:. يا أبا محمد، إن محمداً ينقطع إلى هذا الرجل، ويتردد إليه الناس، إن هذا رغبة عن مذهب أصحابنا، فجعل أبي يلاطفهم ويقول: هو حدث، ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول: لي في السر: يا بني، الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسائل، فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك من أشهب. قال: فلزمت الشافعي، فلما قدمت بغد، قلت في مسألة: قال أشهب عن مالك، فقال القاضي بحضرة جلسائه كالمنكر: ما أعرف أشهب قال: ابن خزيمة، ما رأيت أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه. وقال غيره: له مصنفات كثيرة.
تسع وستين ومائتين
توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري صاحب ابن وهب وتوفي الأمير عيسى بن شيخ الذهلي، وكان قد ولي دمشق، فأظهر الخلاف، وأخذ الخزائن، وغلب على دمشق، فجاء عسكر المعتمد، فالتقاهم ابنه ووزيره، فهزموا، فقتل ابنه، وصلب وزيره، وهزم عيسى، ثم استولي على آمل وديار بكر مدة.
سبعين ومائتين
فيها التقى المسلمون وقائد الزنج الخبيث، واجتمع مع الموفق نحو ثلاث ألف مقاتل، فالتقى الخبيث إلى جبل، ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينتهم، فحاربهم المسلمون فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون، ثم استقبل هو وفرسانه، وحملوا على الناس فأزالوهم، فحمل عليه الموفق والتحم القتال، فإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده، فلم يصدقه الموفق، فعرفه جماعة من الناس، فحينئذ ترتجل الموفق وابنه المعتضد والأمراء، فخروا سجداً لله، وكبروا، وسار الموفق فدخل بالرأس بغداد، وعملت القباب " بالموحدة أو قال القنان بالنون " وكان يوماً مشهوداً، وشرعوا يتراجعون الأمصار التي أخذها الخبيث. وكانت أيامه خمس عشرة سنة، قال بعض المؤرخين: قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مائة ألف، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان الخبيث خارجياً يسب عثمان وعلياً ومعاوية وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، وقيل كان زنديقاً يتستر بمذهب الخوارج.
стр. 483
وفي السنة المذكورة توفي أمير الديار المصرية والشامية: أبو العباس أحمد بن طولون، وكان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريماً جواداً شجاعاً مهيباً حازماً لبيباً، كان المعتز بالله قد ولاه مصر، ثم استولي على دمشق والشام أجمع وأنطاكية والثغور في مدة استعمال الموفق ابن المتوكل، وكان نائباً عن أخيه المعتمد على الله. وكان ابن طولون المذكور حسن السيرة ناقد البصيرة، يباشر الأمور بنفسه، ويعمر البلاد، ويتفقد أحوال الرعايا، ويصلح الفساد، ويحب أهل العلم ويحسن فيهم الإعتقاد. وكانت له مائدة يحضرها الخاص والعام في كل يوم من الأيام، وكان له في كل شهر ألف دينار للصدقة، فقال له وكيله: تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب، فتطلب مني فأعطيها، فقال، من مد يده إليه فاعطه، قال القضاعي: وكان طائش السيف، فأحصي من قتله صبراً ومن مات في سجنه، فكان عددهم ثمانية عشر ألفاً، وكان يحفظ القرآن الكريم، وكان كثير التلاوة حسن الصوت، وكان أبوه من مماليك المأمون. ملك أبو العباس المذكور الديار المصرية ست عشرة سنة، وبنى الجامع المنسوب إليه بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين، على ما حكاه الفرغاني. وذكر القضاعي أنه شرع في عمارته في سنة أربع وستين، وفرغ منه في ستة وستين ومائتين، وأنفق على عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينار، على ما حكاه بعضهم. وطولون بسكون الواوين وضم اللام بينهما والطاء المهملة وفي آخره نون وهو اسم تركي.
وفيها توفي أبو محمد الربيع بن سليمان المرادي مولاهم المؤذن المصري، صاحب الإمام الشافعي، روى أكثر كتبه القائل في حقه الشافعي: الربيع راويتي. وقال: ما أخذ مني أحد ما أخذ مني الربيع. وكان يقول له: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. وحكى الخطيب في تاريخه قال الربيع بن سليمان المرادي: كنا جلوساً بين يدي الشافعي، أنا والبويطي والمزني، فنظر إلى البويطي وقال: ترون هذا، إنه لن يموت إلا في الحديدة، ثم نظر إلى المزني فقال: ترون هذا، أما أنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئاً فيخبطه، ثم نظر إلي وقال: إنه ما في القوم أحد أنفع لي منه، ولوددت أني حسوته العلم.
وفي رواية أخرى أنه قال لإبن عبد الحكم: وأما أنت يا فلان، فسترجع إلى مذهب مالك، والربيع هذا آخر من روى عن الشافعي بمصر، توفي في عشرة المائة، وكان إماماً ثقة صاحب حلقة بمصر. قال ابن خلكان: رأيت بخط الحافظ عبد العظيم المنذري شعراً للربيع
стр. 484
المذكور وهو:
صبراً جميلاً ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ير له أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا
وفيها توفي أبو محمد الربيع بن سليمان الجيزي صاحب الإمام الشافعي، لكنه كان قليل الرواية عنه، وكان ثقة. روى عنه أبو داود والنسائي. وتوفي في ذي الحجة من السنة المذكورة بالجيزة، وقبره بها كذا قاله القضاعي.
وفيها توفي داود بن علي الفقيه، الإمام الأصبهاني الظاهري صاحب التصانيف، سمع القعنبي وسليمان بن حرب وطبقتهما، وتفقه على أبي ثور وابن راهوية وكان زاهداً وناسكاً متقللاً كثير الورع، وكان من كثر الناس تعصباً للإمام الشافعي، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل بنفسه، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية. وكان ولده أبو بكر على مذهبه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وقيل: كان يحضر مجلسه أربعمائة طيلسان أخضر، قال داود: حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب البويطي، وكان من أهل البصرة، وعليه أخرقتان، فتصدر لنفسه من غير أن يجلسه أحد، وجلس إلي جانبي وقال: سل عما بدا لك؟. فكأني أغضبت منه فقلت له مستهزئاً: أسألك عن الحجامة، فبرك، ثم روى طريق " أفطر " الحاجم والمحجوم ومن أرسله ومن أسنده ومن وقفه، ومن ذهب إليه من الفقهاء. وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله ﵌، وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراً، ما لم يعطه. وروى بطريق أن النبي ﵌ احتجم بقرن، وذكر الأحاديث الصحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة. مثل: ما مررت بملأ من الملائكة، ومثل: شفاء أمتي في ثلاث، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله ﵌: لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا. ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان، وما ذكروه فيها، ثم ختم كلامه بأن قال: أول ما خرجت الحجامة من أصفهان. فقلت له: والله لا أحقرن بعدك أحداً أبداً. وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقل داود كثر من علمه. وتوفي في ذي القعدة، وقيل في شهر رمضان، وقال ولده أبو بكر: رأيت أبي في المنام فقلت: ما فعل الله بك. فقال: غفر لي وسامحني. فقلت: غفر لك، فبم سامحك. فقال: يا بني، الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يسامح.
وفيها توفي محمد بن إسحاق الصاغاني البغدادي الحافظ الحجة.
стр. 485
وفيها توفي القاضي بكار بن قتيبة الثقفي، يرجع في نسبه إلى الحارث بن كلدة الثقفي الصحابي، كان بكار حنفي المذهب، تولى القضاء بمصر، وله مع ابن طولون صاحب مصر وقائع، وكان يدفع إليه كل سنة ألف دينار، غير المقرر له، فيتركها بختمها، ولا يتصرف فيها، فدعاه إلى خلع الموفق ابن المتوكل من ولاية العهد، وهو والد المعتضد، فامتنع القاضي بكار من ذلك، فاعتقله ابن طولون، ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، فاستحيي أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، وأمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل وجعله كالخليفة له، وبقي مسجوناً مدة سنين، وكان يحدث في السجن من طاق فيه، بعد أن استأذن أصحاب الحديث، وشكوا إلى ابن طولون انقطاع السماع، وكان ابن بكار أحد البكائين والتالين لكتاب الله ، وكان إذا فرغ من الحكم حاسب نفسه، وعرض عليه القصص التي حكم فيها، ويقول: يا بكار ما يكون جوابك غداً؟. وتوفي مسجوناً وهو باق على القضاء رحمة الله عليه.
إحدى وسبعين ومائتين
كان ابن طولون قد خلع الموفق من ولاية العهد ومات، وقام بعده ابنه خمارويه على ذلك، فجهز الموفق ولده أبا العباس المعتضد في جيش كثير، وولاه مصر والشام. فسار حتى نزل بفلسطين، وأقبل خمارويه، فالتقى الجمعان بفلسطين، وحمي الوطيس، حتى جرت الأرض بالدماء، ثم انهزم خمارويه إلى مصر، ونهبت خزائنه، وكان سعد الأعسر كميناً لخمارويه، فخرج على المعتضد وجيشه، وهم غازون، فأوقعوا به، فانهزموا حتى وصلوا طرسوس في نفر يسير، وذهبت أيضاً خزائنه، حواها سعد وأصحابه.
وفي السنة المذكورة توفي عباس بن محمد الحافظ أبو الفضل مولى بني هاشم. ومحمد بن حماد الظهراني الرازي الحافظ. ويوسف بن سعيد الحافظ محدث المصيصة.
وفيها توفيت بوران بنت الحسن بن سهل، زوجة المأمون، وقد تقدم ذكر زواجها منه، وما عمل أبوها من الولائم والنثار والإنفاق في عرسها في سنة اثنتين ومائتين، ولم تزل
стр. 486
في صحبة المأمون إلى أن توفي عنها سنة ثمان عشرة ومائتين، وعاشت بعده إلى إحدى وسبعين ومائتين، وعمرها ثمانون سنة.
اثنتين وسبعين ومائتين
فيها توفي الحافظ أبو معين الرازي، الحسين بن الحسن. والحافظ سليمان بن يوسف محدث حران وشيخها. وأبو معشر المنجم، وكان بارعاً في فنه ماهراً فيه. وله عدة تصانيف، وكانت له إصابات عجيبة. حكي أنه كان متصلاً بخدمة بعض الملوك، وأن ذلك الملك طلب رجلاً من أكابر دولته ليعاقبه، فاستخفى، وعلم أن المنجم المذكور يدل عليه بالطريق الذي يستخرج به الخبايا، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه، فأخذ طشتاً وعمل فيه دماً، وجعل في الدم هاون ذهب. وقعد على الهاون أياماً. وبالغ في طلبه الملك، فلم يجده، وعند العجز أحضر المنجم وسأله عن موضعه، فعمل العمل الذي يستخرج به في العادة، وسكت زماناً حائراً، فقال له الملك: ما سبب سكوتك وحيرتك. قال: أرى شيئاً عجباً، قال: وما هو؟ قال: أرى المطلوب على جبل من ذهب، والجبل في بحر من دم، ولا أعلم في العالم موضعاً على هذه الصفة. فقال له: أعد نظرك وجد، فأخذ الطالع، وفعل ثم قال: ما أراه إلا كما ذكرت. فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذه الطريق، ناس في البلد بالأمان للرجل ولمن أجاءه. فلما وثق بأمانه ظهر وحضر، فسأله عن الموضع الذي كان فيه، فأخبره، فأعجبه حسن احتياله، ولطافة المنجم في استخراجه والفقيه الأديب الأوحد، أحد أوعية العلم محمد بن عبد الوهاب العبدي النيسابوري. والحافظ محمد بن عوف الطائي محدث حمص.
وفيها توفي سليمان بن وهب، كان شاعراً بليغاً مرسلاً فصيحاً، وله ديوان رسائل، وقد مدحه أبو تمام والبحتري، وحكي أنه بلغه يوماً أن الواثق نظر إلى أحمد بن الخطيب الكاتب فأنشد:
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليحان لو شاءا لقد صدقاني
خليلي أما أم عمر فإنها ... وأما عن الأخرى فلا تسألاني
فقال أحمد بن الخصيب بن عمرو، وأما الآخر فأنا. وكذلك كان. فإنه يكتبهما بعد أيام، ولما تولى سليمان بن وهب الوزارة وقيل تولاها ابنه عبد الله بن سليمان، كتب إليه عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
стр. 487
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن تحب وتعظم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم
ثلاث وسبعين ومائتين
فيها توفي حنبل بن إسحاق أبو علي الحافظ ابن عم الإمام أحمد وتلميذه.
والحافظ الكبير محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، صاحب السنن والتفسير والتاريخ.
كان إماماً في الحديث، عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلق به، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث. وكتابه في الحديث أحد الكتب الستة التي هي أصول الحديث وأمهاته. قلت: هكذا قال الذهبي: وهو مذهب بعض المحدثين ومذهب بعضهم، وبه قال الشيخ محيي الدين النواوي ﵀، إن أمهات الحديث خمسة: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي. والذين قالوا هي ستة اختلفوا، فبعضهم يقول: السادس هي سنن ابن ماجة المذكور، وبعضهم يقول هو الموطأ.
وفيها توفي صاحب الأندلس محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأمير الأموي، وكانت ولايته خمساً وثلاثين سنة، وكان فقيهاً عالماً فصيحاً مفوهاً، رافعاً لعلم الجهاد، قال الإمام الحافظ، بقي بن مخلد: ما رأيت ولا سمعت أحداً من الملوك أفصح منه ولا أعقل، وقال أبو مظفر ابن الجوزي: وهو صاحب وقعة وادي سليط التي لم يسمع بمثلها، يقال أنه قتل فيها ثلاثمائة ألف فارس.
أربع وسبعين ومائتين
فيها توفي خلف بن محمد الواسطي الحافظ، وعبد الملك بن عبد الحميد الفقيه الميموني. ومحمد بن عيسى المدايني رحمة الله عليهم.
خمس وسبعين ومائتين
فيها توفي أبو بكر المروزي، وكان أجل أصحاب الإمام أحمد، وكان إماماً في
стр. 488
الفقه والحديث كثير التصانيف، خرج مرة من الرباط فشيعه نحو خمسين من بغداد إلى سامراء.
وفيها توفي الإمام الكبير الحافظ سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستانى الأزدي، أحد أئمة الحديث وحفاظه ومعرفة علمه وعلله، وكان في الدرجة العاليه من النسك والصلاح، طوف البلاد وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والحجازيين والحرميين، وجمع كتاب السنن، قديماً، فربما عرضه. على الإمام أحمد بن حنبل فاستجازه واستحسنه. وعده الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد. وكان يقول: كتبت عن رسول الله ﵌ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قول النبي ﷺ : " الأعمال بالنيات "، والثاني قوله: " ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، والثالث قوله: " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه "، والرابع قوله: " الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات ". الحديث بكماله، وجاءه الشيخ الكبير الوالي الشهير العارف بالله الخبير سهل بن عبد الله التستري، فقيل له: يا أبا داود، هذا شهل عبد الله، قد جاءك زائراً. قال فرحب به وأجلسه فقال: يا داود، لي إليك حاجة، قال: هي؟ قال: تقول قضيتها، قال: قضيتها مع الإمكان. قال: اخرج لسانك الذي حدثت به رسول الله ﵌ حتى أقبله، فأخرج لسانه فقبله، توفي رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة منتصف شوال من السنة المذكورة. وكان رأساً في الحديث، رأساً الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع، حتى كان يشبه شيخه أحمد بن حنبل، رحمة الله عليهم.
ست وسبعين ومائتين
فيها توفي الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي، أحد الأعلام سمع يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير، وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وصنف التفسير الكبير والمسند الكبير. قال ابن حزم أقطع. إنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره. وكان بقي بن
стр. 489
مخلد علامة فقيهاً مجتهداً صواماً قواماً متبتلاً عديم المثل.
وفيها توفي الإمام الحافظ أحد العباد أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة، ويقال إنه روى من حفظه ستين ألف حديث.
وفيها توفي محدث الأندلس قاسم بن محمد بن قاسم الأموي مولاهم الفقيه، تفقه على الحارث بن مسكين وابن عبد الحكم، وكان مجتهداً لا يقلد. قال رفيقه بقي بن مخلد: هو أعلم من ابن عبد الحكم. وقال ابن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أعلم من قاسم.
وفيها توفي محدث مكة أبو جعفر محمد بن إسماعيل الصائغ. ومحدث دمشق أبو القاسم يزيد بن محمد بن عبد الصمد. ومحدث الكوفة أبو عمرو ومحمد بن حازم الغفاري الحافظ.
وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي الإمام صاحب " كتاب المعارف "، و " أدب الكاتب " كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة. وروى عنه ابنه أحمد وابن درستويه الفارسي، وله تصانيف كلها مفيدة، منها ما تقدم ومنها " غريب القرآن الكريم "، و " غريب الحديث "، و " عيون الأخبار "، و " مشكل القرآن "، و " مشكل الحديث "، و " طبقات الشعراء "، و " الأشربة "، و " إصلاح الغلط "، و " كتاب النفقة "، و " كتاب الخيل، و " كتاب إعراب القرآن "، و " كتاب الأنوار "، و " كتاب المسائل والجوابات "، و " كتاب الميسر والقداح " وغير ذلك. توفي في أول ليلة من رجب وقيل منتصف رجب من السنة المذكورة، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل بل سنة سبعين، وكان موته فجأة، صاح صيحة سمعت من بعد، ثم أغمي عليه ومات، وقيل: أكل هريسة فأصابته حرارة، فصاح صيحة شديده ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر ثم مات. قلت: وقد تقدم ما قيل أن أكثر أهل العلم يقولون: " أدب الكاتب " خطبة بلا كتاب و " إصلاح المنطق "، كتاب بلا خطبة. قال ابن خلكان: وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن " أدب الكاتب " قد حوى على كل شيء، وهو مفنن، وما أظنهم حملهم على هذا القول، إلا أن خطبته طويلة، والإصلاح فيه قصير الخطبة، واسم كتابه المذكور " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ".
стр. 490
سبع وسبعين ومائتين
فيها توفي حافظ المشرق أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي في شعبان وكان بارع الحفظ واسع الرحلة، من أوعية العلم جارياً في مضمار البخاري وأبي الرازي رحمة الله عليهم.
ثمان وسبعين ومائتين
فيها مبدأ ظهور القرامطة بسواد الكوفة، وهم خوارج زنادقة مارقون من الدين وفيها توفي الموفق بن المتوكل، ولي عهد أخيه المعتمد، وكان ملكاً مطواعاً وشجاعاً ذا بأس وأيد ورأي وحزم، حارب الزنج حتى أبادهم، وقل طاغيتهم، وكان الجيوش إليه، ومحبباً إلى الخلق، وكان المعتمد مقهوراً معه، اعتراه نقرس فبرح به وأصاب رجله داء الفيل. وكان يقول: قد أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، وما أصبح، فيهم أسوأ حالاً مني، واشتد ألم رجله وانتفاخها إلى أن مات منها، وكان قد ضيق على أبنه أبي العباس وخاف منه. فلما احتضر رضي عنه، فلما توفي ولاه المعتمد ولاية العهد، ولقبه المعتضد، وكان بعض الأعيان يشبه الموفق بالمنصور في حزمه ودهائه ورأيه، قيل: وجميع الخلفاء الذين بعده من ذريته.
وفي السنة المذكورة توفي عبد الملك بن الهيثم الدير عاقولي.
تسع وسبعين ومائتين
فيها منع المعتضد من بيع كتب الفلاسفة والجدل، وتهدد على ذلك، ومنع المنجمين والقصاص من الجلوس.
وفيها توفي المعتمد على الله، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة ويومين. ومات فجأة بين المغنين والندماء، فقيل: سم في رؤوس أكلها، وقيل: في كأس بالشراب. ودخل
стр. 491
عليه القاضي والشهود فلم يروا به أثراً، وكان منهمكاً في اللذات، فاستولي أخوه على المملكة وحجر عليه في بعض الأشياء، فاستصحب المعتضد الخال بعد أبيه، وكان للمعتضد شعر متوسط، وأمه أم ولد.
وفيها توفي الحافظ ابن الحافظ زهير بن حرب النسائي. ثم البغدادي مصنف التاريخ، وله أربع وتسعون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما.
وفيها توفي جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ وله تسعون سنة، وكان زاهداً عابداً ثقة ينفع الناس ويعلمهم الحديث.
وفيها توفي الإمام الحافظ مصنف الجامع في السنن أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث، وكان يضرب به المثل، وهو تلميذ محمد بن إسماعيل البخارى، وشاركه في بعض شيوخه، وكان ضريراً، قيل ولد أكمه. رحمه الله تعالى.
ثمانين ومائتين
فيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البوني الفقيه الحافظ صاحب المسند. كان بصيراً بالفقه عارفاً بالحديث وعلله، زاهداً عابداً كبير القدر من أعيان الحنفية. والإمام الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي صاحب المسند والتصانيف، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، وكان قائماً بالسنة مغيظاً للمبتدعة.
إحدى وثمانين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو بكر محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي مولاهم البغدادي، صاحب التصانيف والإمام أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، سمع أبا معمر وأبا نعيم وطبقتهما، وصنف التصانيف، وكان محدث الشام في زمانه.
وفيها توفي العلامة محمد بن إبراهيم الإسكندراني المالكي، صاحب التصانيف، كان إليه المنتهى في تفريع المسائل.
стр. 492
اثنتين وثمانين ومائتين
فيها وقع الصلح بين المعتضد وخمارويه، وتزوج المعتضد بابنة خمارويه على مهر مبلغه ألف ألف درهم، فأرسلت إلى بغداد، وبني بها المعتضد، وقدم جهازها بألف ألف دينار، وأعطت الذي مشى في الدلالة مائة ألف درهم.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الطوسي، سمع يحيى بن يحيى التميمي فمن بعده، وكان محدث الوقت وزاهده بعد محمد بن أسلم بطوس، صنف المسند الكبير في مائتي جزء.
وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي سمع مولاهم البصري الفقيه المالكي، مات ببغداد فجأة وله ثلاث وثمانون سنة. سمع الأنصاري ومسلم بن إبراهيم وطبقتهما، وصنف التصانيف في القراءة والحديث والفقه وأحكام القرآن والأصول، وتفقه على أحمد بن المعدل، وأخذ علم الحديث عن ابن المديني، وكان إماماً في العربية حتى قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني.
وفيها توفي الحافظ أبو الفضل جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي البغدادي في رمضان، سمع عفان وطبقته، وكان ثقة متحرياً إلى الغاية.
وفيها توفي الحارث أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، يوم عرفة وله ست وتسعون سنة.
وفيها توفي الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي المفسر، نزيل نيسابور، كان آية في معاني القرآن، صاحب فنون متعبداً، قيل إنه كان يصلي في اليوم والليلة ست مائة ركعة، وعاش مائة وأربع سنين. روى عن يزيد بن هارون والكبار.
وفيها توفي أبو الجيش خمارويه " بضم الخاء المعجمة وفتح الميم وبعدها ألف ثم راء ثم واو مفتوحتان ثم مثناة من تحت ثم هاء مكسورة "، ابن أحمد بن طولون.
لما كان سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الأفشين بن محمد صاحب أرمينية والجبال في جيش عظيم، وقصد مصر، فلقيه خمارويه في بعض عمال دمشق، فانهزم الأفشين، واستأمن أكثر عسكره، وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الرقة، ثم عادوا، وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة، ولما مات المعتمد وتولى المعتضد الخلافة، بادر إليه
стр. 493
خمارويه بالهدايا والتحف، فأقره المعتضد على عمله، وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته أسماء الملقبة بقطر الندى للمكتفي بالله بن المعتضد، وهو إذ ذلك ولي العهد، فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها في هذه السنة، وقيل في سنة اثنتين وثمانين ومائتين والله أعلم.
وكان صداقها ألف ألف درهم، وكانت موصوفة بفرط الجمال والعقل، حكي أن المعتضد خلى بها يوماً للأنس في مجلس أفرده لها، ما حضره سواها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقلته وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست في ساحة القصر، فاستيقظ ولم يجدها فاستشاط غضباً، ونادى بها فأجابته على قرب فقال: لم أجلل إكراماً لك؟ ألم أدفع إليك بهجتي دون سائر خصائصي؟ فتضعين رأسي على وسادة، فتذهبين؟. فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به أبي إذ قال، لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي مع النيام. ويقال إن المعتضد أراد بنكاحها إفتقار الطولونية، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل: إنه كان لها ألف هاون ذهباً، وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار، فأقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه بدمشق على فراشه، وعمره اثنتان وثلاثون سنة. وكان شهماً صارماً، وقيل قتل قاتلوه أجمعون، وحمل تابوته إلى مصر ودفن عند أبيه بسفح المقطم، وكان من أحسن الناس خطاً. ولفا حملت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد خرجت معها عمتها العباسية ابنة أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر أعمال مصر من جهة الشام، ونزلت هناك، وضربت فساطيطها، وبنت هناك قرية فسميت بإسمها وقيل لها " العباسية " قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن، وبها جامع حسن وسوق قائم. وماتت قطر الندى سنة سبع وثمانين ومائتين، ودفنت داخل قصر الرصافة.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو محمد الفضل بن محمد الشعراني، طوف الأقاليم وكتب الكثير، وجمع وصنف.
وفيها توفي العلامة أبو العيناء محمد بن القاسم البصري الضرير اللغوي الأخباري، صاحب النوادر والشعر والأدب. سمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لساناً، ومن ظرفاء العالم، وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء ما ليس في أحد من نظرائه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح، وها أنا أذكر شيئاً يسيراً من ذلك.
حضر يوماً مجلس بعض الوزراء، فجرى حديث البرامكة وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء وقد بالغ في وصفهم: قد أكثرت من ذكرهم، وإنما هذا تصنيف
стр. 494
الوراقين وكذب المؤلفين، فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير؟ فكذبه الوزير، وعجب الحاضرون من إقدامه عليها. وشكا إلى الوزير عبيد الله بن سليمان سوء الحال فقال له: أليس قد كتبت إلى فلان من أمرك؟ قال: نعم، قد كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر وذل الأسر ومعاناة الدهر، فأخفق سعي وخاب طلبي، فقال عبيد الله: أنت اخترته، فقال: وما علي أيها الوزير في ذلك، وقد اختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رشد، واختار النبي ﵌ عبد الله بن أبي سرح كاتباً، فرجع إلى المشركين مرتداً واختار علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أبا موسى الأشعري حاكماً له، فحكم عليه. وقوله: ذل الأسر يعني أنه أسره علي بن محمد صاحب الزنج بالبصرة، وسجنه فنقب السجن وهرب. ودخل أبو العيناء يوماً على الوزير أبي الصفر فقال: ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء. فقال: سرق حماري، قال: وكيف سرق " قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهل أتيتنا على غيره؟ فقال: أقعدني عن السير قلة يساري، وكرهت ذلة المكاري، ومنة العواري. وخاصم علوياً فقال العلوي: أتخاصمني وأنت تقول: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: لكنني أقول الطيبين الطاهرين ولست منهم.
ووقف عليه رجل من العامة فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، فقال: مرحباً بك أطال الله بقاءك ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع. ومر بباب بعض من بغضه وهو مريض فقال لغلامه: كيف حاله. فقال: كما تحب، فقال: مالي لا أسمع الصراخ عليه وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنا دمناه، فقال: إن عفاني من روية الأهلة وقراءة نقش القصوص، فأنا أصلح للمنادمة. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدة المكذبيين بالبصرة؟ فقال: مثل عدد البغائين ببغداد. وقال له المتوكل يوماً: ما تقول في دارنا هذه فقال: الناس بنوا الدار في الدنيا، وأنت بنيت الدار في دارك، فاستحسن كلامه.
ثلاث وثمانين ومائتين
فيها ظفر المعتضد برأس الخوارج هارون الشاري " بالشين المعجمة " وجيء به راكباً فيلاً، وزينت بغداد.
وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد بتوريث ذوي الأرحام وإبطال دواوب المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له. وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز وقيد النيران وأمات
стр. 495
ستة المجوس.
وفيها توفي أبو العباس علي بن العباس المعروف بابن الرومي مولى عبيد الله بن عيسى بن أبي جعفر المنصور العباسي الشاعر المجيد المشهور صاحب النظم العجيب والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، ويستخرجها من مكامنها، ويبرزها بأحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا يبقي فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصولي على الحروف، وجمعه وراق بن عبدوس من جميع النسخ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت، وله القصائد المطولة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء والمديح كل طريق ومليح، من ذلك قوله:
كم ضن بالمال أقوام وعندهم ... وفر، وأعطى العطايا وهو يدان
أراكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصالح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
وله من المعاني البديعة قوله:
وإذا امرؤ مدح أمرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراه هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
وكذلك قوله في ذم الخضاب:
إذا دام للمرء السواد فما خلت ... شبيبة ظن السواد خضابا
فكيف يروم الشيخ أن خضابه ... يظن سواداً أو يخال شبابا
قال بعض علماء الأدب: ما سبقه إلى هذا المعنى أحد. وله في بغداد وقد غاب عنها.
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وكان سبب موته في بغداد أن الوزير القاسم بن عبد الله وزير المعتضد كان يخاف من هجوه، فدس عليه ابن فراس، فأطعمه خشكنانة مسمومة، وهي في مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم، فقال له الوزير: إلى أين تذهب. فقال إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال:
следующие страницы →