أنشدنا المبرد لعبد الصمد: [١] [مجزوء الكامل]
أعاذلتي أقصري ... أبع جدّتي بالمنن
ذريني إجد بالثرا ... ء حمدا فنعم الثّمن
أرى الناس أحدوثة ... فكوني حديثا حسن
فما منك دهر خلا ... ولا لك باقي الزمن
وليس حياة الفتى ... سوى ساعة لم تبن
كأن لم يزل ما أتى ... وما قد مضى لم يكن
يعيش الفتى حاسرا ... ويتلف تحت الجبن
ويخطئه خوفه و ... يصرعه ما أمن
وكل أمري بالردى ... إلى أجل مرتهن
بلوت صروف الزمان ... في فرحي والحزن
فسرّ فلم أبتهج ... وساء فلم أستكن
[ماردة أم المعتصم]
قال صالح التركي مولى رشيد الخادم، وكان المعتصم في حجره، فقال: اشترى الرشيد ماردة بنت شبيب [٢] أم أبي إسحاق المعتصم، فعشقها عشقا مبرّحا، وقال فيها شعرا، فمما قال فيها: [٥١ ظ] [السريع]
وإذا نظرت إلى محاسنها ... فبكلّ موقع نظرة نبل
وتنال منك بحدّ مقلتها ... ما لا ينال بحدّه النّصل
شغلتك وهي لكلّ ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم تباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... وليينها من عينها كحل
стр. 142
[أشعار في الغزل]
ابن عبد كان [١] الكاتب: [الرمل]
وكلانا مرتد صاحبه ... كارتداء السيف في يوم الوغا
بخدود شافيات من جوى ... وشفاه مرويات من ظما
نتساقى الريق فيما بيننا ... زقّ أمّات القطا زعب القطا
[عريب الشاعرة]
أبو عبد الله بن حمدون، قال: كانت عريب [٢] تتعشق حامدا الخاقاني [٣] ، فطرقته ليلة فجعل يعاتبها، فقالت له: يا جاهل، دع العتاب للكتاب، وأجعل قميصي مخنقي [٤] .
أبو جعفر الوراق، وكان ينزل درب سليمان، قال: سمعت فتح بن سحرب يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: أبو عبيد أعلم مني ومن الشافعي.
стр. 143
لأبي بكر الصولي: [١] [الرجز]
وشعر حين بدا ... في صحن خدّ حسن
مثل الفريد لائحا ... في متن سيف يمني
ممّا تولّت غرسه ... فيه أكفّ الزّمن
[التفكر بأحوال الدنيا]
أبو العباس أحمد بن الحسين بن حمدان التميمي: [مجزوء الهزج]
أراني مهلكا نفسي ... بأطماع من الحدس
وما أصحى من الأطما ... ع إلا بالذي أمسي
مسافات من العمر ... تقضّيها منى النّفس
ألا هل موقظ قلبا ... رقود الفكر والحسّ
ليوم تصبح الأرض ... كأن لم تغن بالأمس
قال أبو العباس: حضر جماعة من الكتاب وكنت حاضرا، فقالوا: كنا نحبّ أن يكون قول الناس: كاف خائن خير من أمين مضيّع في نظم، فقالت جماعة من أهل الأدب في ذلك، وقلت هذه الأبيات: فاستحسنت واختيرت، وهي: [الخفيف]
صدق القائلون كاف خؤون ... حين يختار لا مضيع أمين
يتقصّى الكافي فان خان شيئا ... كان في جنب فضل لا يبين
والأمين المهين قد ضيّع الأص ... ل مدلا بقولهم فيه دين
стр. 144
جحظة قال: كان يقال: الخرق [١] العجلة قبل الاستمكان، والدالة على السلطان. الصولي [٢] : [مجزوء الوافر]
نصير شقائق الوجنات ... عذب مناهل القبل [٥٢ ظ-]
قبول اللحظ والحركات ... غاية منتهى الأمل
[نصيحة عمرو بن عتبة]
ابن أبي خالد عن أبيه، قال: عمرو بن عتبة ورجل: تشتم بين يديّ رجلا ويلك، وما قالها لي قبلها ولا بعدها، نزّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزّه لسانك عن الكلام به، قال: السامع شريك القائل، وإنما نظر إلى شرّ ما في وعائه فافرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها، كما شقي قائلها.
[موعظة سبيع الحنفي]
عبد الرحمن عن عمّه قال: أحسن ما قيل لمن أشير عليه يقبل الرأي، قول سبيع الحنفي لأهل اليمامة: يا بني حنيفة، بعدا لكم كما بعدت عاد [٣] وثمود [٤] ، والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأني أسمع
стр. 145
جرسه [١] ، وأبصر غيبه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنبتم الندم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق، ومن تهمتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكا، ومن دلّكم [٢] الجزع، وأصبح ما فات غير مردود، وما بقي غير مأمون، وإني لما رأيتكم تتهمون النّصح، وتسفهون الحليم، استشعرت منكم الناس، وخفت عليكم البلاء، والله ما منعكم الله التوبة، ولا أخذكم على غرّة، ولقد امهلكم حتى ملّ الواعظ، ووهن الموعظ، وكنتم كأنما يعني بما أنتم فيه غيركم.
[من شعر ابن دريد]
لأبي بكر ابن دريد من أبيات: [٣] [٥٣ و] [الخفيف]
وحديث ألذ من رقدة الفج ... ر وأذكى من نفحة الروض طيبا
قد ترشّفته بسمعي والليل ... يصادي نجومه أن تغيبا [٤]
وعقار تعلّم القبس المش ... عل منها شعاعها واللهيبا
قد هتكنا حجابها وهو ذنب ... وعسى الله أن يقيل الذنوبا
قال أعرابي لآخر: أراك لا تزال رطب اللسان من عيوب أصدقائك، فلا تردهم في إعدائك.
[متيم الهاشمية]
محمد بن سعد الكراني: [٥] ............... .....
стр. 146
قال: كانت بالبصرة قينة يقال لها متيم [١] ، وكانت موصوفة بالجمال والحذق، فجاءت إلى الحسن بن عبيد الله العنبري، قاضي البصرة- وكان المعتصم ولاه- تستبيع [٢] وتظهر التوبة، فباعها الحسن على مولاها، فلما كشفت عن وجهها افتتن الناس بها، مالت نفس القاضي إليها، فقال عبد الصمد بن المعذل: [٣] [الطويل]
ولما سرت عنها القناع متيّم ... تروّح منها العنبريّ متيّما [٤]
رأى ابن عبيد الله وهو محكّم ... عليها لها طرفا عليه محكّما
فان يصب قلب العنبريّ فقبله ... صبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما [٥]
[الحسن البصري مثال نادر]
حميد الطويل، قال: خطب رجل إلى الحسن [٦] بنته، وكتب السفير
стр. 147
بينهما، قال: فانثنيت [٥٣ ظ] عليه ذات يوم فقلت له: يا أبا سعيد، إنّ له خمسين ألفا، قال: فقال: ثبت [١] خمسون ألفا، ما اجتمعت من حلال، قال:
فقلت: يا أبا سعيد، إنه والله ما علمت لورع مسلم، قال: لئن كان جمعها من حلال، لقد ضنّ بها عن الحق، لا يجري الله بيننا وبينه صهر أبدا.
دعاء
اللهمّ قرّ عيني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكلفت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا استغفرك.
[من شعر عنترة]
محمد بن محمد، بن الزبير، قال: كان موسى بن جعفر [٢] بن محمد ﵇ يتشهّى هذا الشعر، ويقترحه لعنترة: [٣] [الكامل]
وأنا المجرّب في المواطن كلّها ... من آل عبس منصبي وفعالي
ولئن صرمت الحبل يا ابنة مالك ... وسمعت فيّ مقالة العذّال
فلربّ حرب قد شددت ضرامها ... ومضيت قبل تلاحق الأبطال
قال لقمان لابنه: ذقت المرار، فلم أذق شيئا أمرّ من الفقر. [٤]
стр. 148
[توجيه بيتين في الشيب]
لبعضهم: [الخفيف]
خمّر الشيب لمّتي تخميرا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا [١]
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعي بالحساب أين المصيرا
نصيب (المصير) بشعري، وبناه على ليتني أشعر المصير أين هو، وحدا فعل للشيب، واللّمّة الشعر المجموع في الرأس ودونه الجمّة الوفرة [٢] ، قالت عائشة: شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة وفوق الوفرة. [٥٤ و]
[حسين مني وأنا من حسين]
سعيد بن أبي راشد، أنه حدث، يعني ابن مرّة، أنهم خرجوا مع رسول الله ﵌ إلى الطعام دعوا له، فإذا الحسين ﵇ يلعب في صبية في السكة، فاستنتل رسول الله ﷺ أمام القوم، فبسط يديه، فطفق الغلام يفر هاهنا وهاهنا، ويضاحكه رسول الله صلى الله عليه، حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخري في فأس رأسه [٣] ، ثم أقنعه فقبّله، قال: (حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط) [٤] . استنسل: تقدم، وأقنعه: رفعه، ويقال: هم صبوة وصبية بالياء والواو.
стр. 149
[استسقاء عبد المطلب]
العباس بن هشام عن أبيه عن معروف بن خربوذ [١] المكي، قال:
قحطت بلاد قيس [٢] ، فلم يكن لها مرعى، ولم تنبت كلا، فاجتمعت قيس للمشهورة وإجالة الرأي، فقالت فرقة منهم: انتجعوا [٣] وادي تميم وبلاد بني العنبر، وقالت فرقة: إنّ تميما عدد كبير لا يفضل منهم ما يكفيكم، وقالت فرقة: لينتجع كل ولد أب منكم ولد أب من غيركم، فاعقدوا بينكم وبينهم حلفا يشركوكم في ريفهم، فقام رجل مجتمع الخلق، حسن الوجه، جيد الرأي [فقال] [٤] : إنّ سيد البطحاء استسقى فسقي، واستشفع فشفّع، فاجعلوا قصدكم إليه، واعتمادكم عليه، فأنه أنجح للطلب، وأقرب للسبب. فارتحلت قيس وأسد وهذيل ومن داناهم [٥٤ ظ] من مضر، حتى دخلوا على عبد المطلب بن هشام [٥] ، فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: أفلحت الوجوه، فتكلم ذلك الرجل المشير، فقال: يا أبا الحارث، نحن ذوو أرحامك الواشجات [٦] ، أصابتنا سنون مجدبات، أفقرن الغنيّ منا، وأهزلن السمين من شائنا وإبلنا، وقد بلغنا خبرك، وبان لنا أثرك، فاشفع لنا إلى مشفّعك، فقال: بالرحب
стр. 150
والكرامة، والبركة والسلامة، إلهنا عظيم، وسيدنا كريم، يجيب الدعاء، ويشكف البلاء، موعدكم موعدكم [١] في غد جبل عرفات، ثم غدا في ولده وولد أبيه من بني عبد مناف، فصعد الجبل، ثم صفّ ولده مما يلي، وولد أبيه خلفهم، وسائر بطون العرب خلف ولد أبيه، ثم تقدمهم عبد المطلب حاسرا، ثم قال: اللهمّ ربّ البرق الخاطف، والريح العاصف، والرعد القاصف، مالك الرقاب، ومسبّب الأسباب، هذه مضر خير البشر، قد شعثت شعورها، ودبّت ظهورها، وغارت عيونها، ويبست جلودها، قد صاروا أنضاء بعد نعيم رغد وعيش في خفض [٢] ، قد جاءوا إليك، وأناخوا بفنائك، يشكون سوء الحال، وشدة الزمان، وضعفا من الهزال، قد خلّفوا نساء صلعا، وأطفالا رضّعا، وبهائم رتعا، فافتح لهم اللهمّ ريحا ذرّارة، وسماء خرّارة [٣] ، تضحك أرضهم، وتذهب ضرّهم، بسحابات مزن، تفرغ مطرا سحّا متداركا [٤] ، متدفقا رويّا. فما فرغ عبد المطلب [٥٥ و] من كلامه، حتى نشأت سحابة دكناء، لها دويّ، فرفع عبد المطلب رأسه فقال: إيه، هذا أوان خروجك فسحّي سحّا، يا معشر قيس، أرجعوا فقد سقيتم، فرجعت قيس وقد كثرت مياهها، واخضرّت أرضها، فلما مات عبد المطلب، زارت قيس قبره، فأقاموا عليه ثلاثا، ونحروا عنده البدن [٥] ، وقالوا لا تلبسنّ النعال بمكة، فلم يزالوا كذلك حتى استسقى أبو طالب فسقي، فلبست قيس النّعال.
قال العباس بن هشام قال: وإنما سقي عبد المطلب وأبو طالب ببركة رسول الله ﷺ .
وعن ابن عباس قال: لما مات جدي عبد المطلب بن هاشم نفرت قيس
стр. 151
وهذيل ومن داناهم من مضر، وأقاموا على قبره أياما، وتحالفوا ألا يدخلوا مكة إلا حفاة، فدخلوا على عبد مناف بن عبد المطلب، وهو أبو طالب [١] يعزونه، ولم يكن له إذ ذاك ولد أسنّ منه فتكلمت هذيل فقالوا: يا أبا طالب:
هدمتنا مصيبتك، وهدّتنا رزيّتك، فخطب لعمرك جسيم، ومصاب عظيم، مات ربيع الناس، ومعوّذ الناس [٢] ، ذو الوجه الأغر، ملك فقدر، وولد فأكثر، فعظّم الله أجرك، وجبر كسرك، فأنت أبا طالب. خير خلف من أكرم سلف.
ثم تكلمت بنو أسد فقالوا: يا أبا طالب، علينا بعقد أبي الحارث ساقي الحرم، ومعلم الكرم، عاش فحمد، ومات ففقد، مصيبته عظيمة: [٥٥ ظ] ورزيّته جسيمة وأنت وارث الجود، ومعدن الوفود، ولا تجري الأسود إلا مع الأسود.
ثم تكلمت غطفان فقالوا: أبا طالب، وترنا الزمان [٣] ، واجتاحنا الحدثان، [٤] ، بالأغرّ الأبلج [٥] ، والملك المتوجّ، علن الجود إذا علن، وفقد الجود إذا هلك، ولنعم الثّمرة أنت من تلك الشجرة.
ثم تكلمت هوازن فقالوا: يا أبا طالب، موت أبي الحارث خطب جليل ثقيل، كان شفيعا لمن شفع، عزّا لمن شسع، لا تخمد ناره، ولا يخاف جاره، وأنت بعده تمنع فقده، وتشد عقده.
ثم تكلم أبو عفير، فقال: أبا طالب، أصبحت رأس الحسب، وسيد
стр. 152
العرب، فاشدد حبوة المجد، واعقد تاج السؤدد، ولمأثرات عبد المطلب.
فقال أبو طالب في ذلك: [١] [الطويل]
أبو نا شفيع الناس حتى سقاهم ... من الغيث رجاف العشيّ بكور
ونحن سنين المحل قام شفيعنا ... بمكّة يدعو والمياه تغور
فلم تبرح الأقدام حتى رأت بها ... سحابات مزن صوبهنّ درور
فما برحت حتى سقى الله أرضها ... بشيبة غيثا فانبات نضير [٢]
[شعر للفضل بن العباس]
وقال الفضل بن العباس [٣] بن عتبة بن أبي لهب: [الكامل]
جدي الذي حجّت نزار قبره ... جزعا عليه فما تريد زيالا
وله تحالفت القبائل كلّها ... أن يخلعوا جزعا عليه نعالا
[٥٦ و]
[تأويل وتفسير]
قال أبو بكر: ويروى بيت أبو طالب [٤] ﵁:
إبونا شفيع الناس حتى سقوا به ... من الغيث رجاف العشيّ بكور
فرجاف يرتفع بفعل مقدر: حتى سقوا به من الغيث سقاهم رجّاف، كما قالت العرب: أكل طعامك عبد الله بن، بدون أكله عبد الله، وكما قرأ أبو
стр. 153
طالوت [١] : (وما يخدعون إلا أنفسهم) [٢] ، ويروي بيت توبة بن الحميّر [٣] :
[الطويل]
حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقيت من الغرّ الغوادي مطيرها [٤]
بمعنى سقيت من الغوادي سقاك مطيرها.
[حكيم يوصي بنيه]
الأصمعي عن أبيه قال: قال بعض الحكماء لبنيه: يا بنيّ، تجنبوا ثماني خصال، فمن تعرّض لواحدة منهنّ فلا يلومنّ إلا نفسه، لا يكوننّ منكم الحدّث من لا يسمع منه، ولا داخل بين اثنين لم يدخلاه بينهما، ولا من يأتي دعوة لم يدع إليها، ولا من يجلس في مجلس لا يستحقه، ولا طالب للفضل من أيدي اللئام، ولا متعرّض للخير من يد عدوه، ولا المتحمّق بالدالّة، ولا المتكلف ما لا يعنيه.
[مقتل أبي مسلم الخراساني]
الفضل بن الربيع [٥] عن أبيه قال: لمّا همّ أبو جعفر المنصور بقتل أبي
стр. 154
مسلم [١] [٢] ، وهو بالرومية، رومية المدائن [٣] ، قال: فقال لعثمان بن نهيك وللمسيّب: كونا من وراء المضرب [٤] ، فاذا أنا صفقت بيدي فاخرجا إليه بسيفيكما، قال: واتخذ سيفا تحت ثني فراشه وانتضاه، قال، وقال لي [٥٦ ظ] : إذا هو أتاك فسكّنه وأعلمه أني نائم، ثم استأذن له عليّ، قال: فلما أقبل أبو مسلم إلى باب المضرب تلقاه عثمان بن نهيك [قائلا] : كأنك أكلت الدفلى [٥] ، فقال: خير أصلح الله الأمير، قال: فقال للربيع: استأذن لي، قال، فقال: أمير المؤمنين نائم، فتنزل أصلح الله الأمير ثم أستأذن لك عليه، قال، فقال: أعود، ومضى إلى عيسى بن موسى [٦] ، فتحدث عنده، قال: ثم
стр. 155
أرسل إلى الربيع [١] : إذا انتبه أمير المؤمنين فابعث إليه، قال: فلما انتبه أرسل إليه، وكان أبو جعفر تقدّم إليّ فقال: إذا صار أبو مسلم بين السترين وانقطع من أصحابه، فخذ السيف من عنقه، قال: فأقبل فقال له: ادخل أصلح الله الأمير، فلما صار بين السترين وانقطع من أصحابه، وقد كان أبو جعفر أعدّ فيه الرجال من خاصّته، قال: فتناولت سيفه، فقال: خلّ لا أمّ لك، قال قلت: أصلح الله الأمير، إنّ هذا أمر جدّ بعدك، ليس يدخل على أمير المؤمنين أحد بسيف، قال: فأخذته من عنقه قال: فدخل، وإذا أبو جعفر قد جعل رجليه مما يلي الباب وهو مستلق، وقد ألقي مقعد دون الفراش، قال:
فسلّم، فلم يردد [٢] ﵇، يوهمه أنه نائم، قال: فصار أبو مسلم في المقعد، وتناول رجل أبي جعفر ليقبّلها، قال: فدفعه برجله، ثم استوى جالسا، قال: فعاتبه مليا، حتى قال: فيم قتلت فلانا؟ قال: أمرني الإمام أن أقتل كلّ من أتّهمه، وإني اتّهمته فقتلته، قال فقال: [٥٧ و] له: كتبت يا ابن اللخناء [٣] كان خيرا منك، قال: يا أمير المؤمنين، إنك قد غضبت، فتأذن لي فانصرف، ثم آتيك [وأنت] راض، قال، فقال: كلا، ثم صفّق بيديه فهابه الرجلان، قال: فوثب أبو جعفر إلى السيف فأخذه من ثني فراشه، ثم علاه به، قال، فقال: استبقني يا أمير المؤمنين، قال، فقال: لا أبقاني الله إذن، قال: وسمع الرجلان وقع السيف بأبي مسلم، المسيّب وعثمان بن نهيك،
стр. 156
فخرجا يبتدرانه بسيفيهما، قال، فقال: إليكما عني لا نصر الله من نصرتما، قال: فلم يزل يضربه بسيفه حتى برد. قال الأصمعي: كان المنصور أشدّ من الحارث بن ظالم [١] .
[بنو نمير وبنو قشير]
العتبي قال: زعم أبو أمية القرشي قال: اجتمع قوم في حلقة في المسجد الجامع بالبصرة، فأنشد رجل منهم من بني قشير بيت زياد الأعجم [٢] وقلبه: [الوافر]
لعمرك ما رماح بني قشير ... بطائشة الصدور ولا قصار
وإنما قال زياد: لعمرك ما رماح بني نمير [٣] وفي الحلقة رجل من بني نمير، فأنشد النميري: [٤] [الوافر]
فغض الطّرف إنّك من قشير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فقال القشيري: هذا والله من بني نمير، فقال النميري: هما والله من قبيلة واحدة [٥] ، فان شئت فخذهما جميعا، وإن شئت فدعهما جميعا.
стр. 157
[العظاءة]
قال أبو بكر: في العظاية ثلاث لغات، يقال: هي العظاءة [١] ، وهي أفصحها، وهي العظاية والعظاء، قصروا والثالثة أردؤها [٥٧ ظ]
[جنازة ابن هرمة]
عن شيخ يقال له: أبو بكارة أنه قال وذكر بيت ابن هرمة: [٢] [الخفيف]
ما أظنّ الزمان يا أمّ عمرو ... تاركا إن هلكت من يبكيني
قال أبو بكار: فرأيت جنازة ابن هرمة يحملها أربعة [٣]
[جزاء من نسي الجائزة]
محمد بن عمر، وكان أديبا، قال: قدم على عبد الله بن مالك [٤] رجل فمدحه، فأقام ببابه ينتظر صلته، فسها عنه حتى عقد له هارون في جيش عظيم ليخرج إلى خراشة [٥] ، وركب هارون يشيّعه، فقصد له الشاعر وقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة، قال: وما هي؟ قال: [الكامل]
لا ترسلنّ إلى ربيعة غيرها ... إنّ الحديد بغيره لا يقطع
стр. 158
ارسل يزيد فانّه يكفيكها ... ماذا بقتل خراش جندك تصنع
لو كنت فيهم كان عودي ناضرا ... بل حالفت قومي خلائق أربع
صعر الرؤوس وذلّة ومهانة ... ولدى الحروب من الثعالب أخشع [١]
قال: وكان الرجل من اليمن، فدعا هارون يزيد فولاه الجيش، وعقد له، وردّ عبد الله معه، وأمر للشاعر بمئة ألف، وأمر له يزيد بمثلها [٢] .
[مصرع بطل من الشراة]
عن أحمد بن سيّار قال، قال يزيد بن مزيد لأصحابه، وهو [يريد أن يواقع] [٣] الوليد بن طريف من الغداة، وكان بنصيبين [٤] ، وولد له خالد بن يزيد في تلك الليلة: ابشروا، فإنه لم يولد لي غلام قط في حرب إلا رزقت الظّفر، وكان الوليد بكفر توثا [٥] ، وكان هارون قد أرسل [٥٨ و] مع يزيد رجلا من أهل بخارى في فرسان من أهل بلاده عينا على يزيد ومحاربا [٦]
стр. 159
للوليد، ولم يكن تحت يد يزيد، فلما نظر إلى الوليد، قال البخاري ليزيد:
دعني وإياه، فقال له يزيد: أنا أبصر بقتال العرب منكم، إنّكم ترمونهم بالنشاب، وإنهم يداخلونكم بالسيوف والرماح، قال: هذا حسد منكم لأهل خراسان، ومحاباة لابن عمك [١] قال له: فدونك.
فلقي الوليد فهزمه الوليد، وقتل في أصحابه، والتقى يزيد والوليد، فكانت الحرب بينهما على السواء، وخرج رجل من أصحاب الوليد، فدعا البراز، فخرج إليه، يزيد فقتله، فانهزم الوليد،. وعدّوا القتلى بينهما، فاذا ثلاثون قتيلا من أصحاب يزيد، وثلاثون رجلا من أصحاب الوليد، وعبر الوليد الفرات، وتبعه يزيد، وقد كان أسد بن يزيد أصابته ضربة في جبينه في ذلك اليوم، قال محمد بن عبد الله فحدثني هدبة أخو مهدي الشاري قال:
ضرب أسدا تلك الضربة حوقل، وكان لحوقل سيف يقال له النحّار، لا يمرّ بشيء إلا هتكه، فرجع أسد ألى أبيه وبه تلك الضربة، والدماء على وجهه، فقال: من ضربك هذه الضربة؟ قال: حوقل، قال: ما يسرني أنها في الحائط دون جبينك، عد إلى الحرب، والله لئن عدت إليّ لأضربنّ عنقك.
قال: وتبع يزيد الوليد، وعبر الفرات خلفه، وأرسل أسدا ابنه، وبكر بن مزيد أخاه ينفضان الطريق، ويتعرفان خبر الوليد، فلقيهما أعرابي [٥٨ ظ] راجل، فقالا له: ممن أنت؟ قال: من بني شيبان، قالا: ونحن من بني شيبان، أنا أسد بن يزيد، وهذا بكر عمّي: فأنفسكما من الوليد، فاني تركته مع أصحابه بالحديثة، [٢] قد حطّوا عن دوابهم.
стр. 160
قال: فقصده يزيد بن مزيد، وركب الوليد بن طريف مع ركب معه من أصحابه، فقال لهم الوليد: من صدقت نيّته، وعزم على أن يموت فليتبعني، ومن ظنّ أنه لا يصبر فليدعني فأقبل في نفر يسير، فلما بدا له علم يزيد قال:
هذا علم الشيخ، وحمل على خيل يزيد، وهو يقول: [١] [الطويل]
إذا كنت مقتولا فكن أنت قاتلي ... وبعض منايا اليوم أكرم من بعض
وكرّ عليه بكر بن مزيد، وأسد بن يزيد وعدّة من أصحاب يزيد، فضربوه على رأسه فقتلوه، فبعث يزيد برأسه مع شراحيل بن معن بن زائدة إلى هارون الرشيد، فسجد هارون عند ذلك.
قال أحمد بن سيار، وقال مروان بن أبي حفصه: [٢] [الطويل]
أتانا شراحيل بن معن برأسه ... وشرّ رؤوس القوم رأس وليد
فقال يزيد لمروان: لم هجوتني حين زعمت أنّي قتلت شرّ الناس؟ كان ينبغي أن تمدحه بالشجاعة، ثم تذكر قتلي إياه.
فلما دخل يزيد بغداد، لم تبق عذراء إلا ما شاء الله، ولا امرأة ولا رجل إلا وقفوا ليزيد ويشرفوا عليه من السطوح، وبلغ عند هارون مبلغا عظيما.
[أخت الوليد بن طريف ترثيه]
لأخت الوليد بن طريف الشاري ترثيه: [٣] [الطويل]
بتلّ نهاكى رسم قبر كأنّه ... على جبل فوق الجبال منيف [٤]
стр. 161
تضمّن مجدا عدمليا وسؤددا ... وهمّة مقدام ورأي حصيف [١]
فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تحزن على ابن طريف [٢]
فتى لا يحبّ الزاد إلا من التّقى ... ولا الكنز إلا من قنا وسيوف [٣]
ولا المال إلا كلّ جرداء شطبة ... معاودة للكرّ بين صفوف [٤]
كأنّك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
ولم تستلم يوما لورد كريهة ... من السّرد في خضراء ذات رفيق
ولم تسع يوم الحرب والحرب لا قح ... وسمر القنا ينهزنها بأنوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فان مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الربيع وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
إلا يا لقوم للحمام وللبلى ... وللأرض همّت بعده برجوف [٥]
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لّما أزمعت بكسوف [٦]
ولليث كلّ الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف
فان يك أراده يزيد بن مزيد ... فربّ زحوف لفّها بزحوف
ولا تجزعا يا ابني طريف فانّنى ... أرى الموت وقّاعا بكلّ شريف [٧]
стр. 162
[أبيات مختارة] [٥٩ ظ]
عن أبي عكرمة الضبي قال: قال بعض العرب: كان لنا نوتيّ [١] يسنو على سانية لنا، فاذا كان الليل، رطن برطانة له، يأخذه عليها طرب، فمرّ بنا نوتي يحسن العربية، فسألناه: ما يقول؟ فقال: يقول: [الطويل]
فقلت لها أنّى اهتديت لفتية ... أناخوا بجعجاع قلائص سهّما [٢]
فقالت: كذاك العاشقون ومن يخف ... عيون الأعادي يجعل الليل سلّما
أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى: [٣] [الطويل]
ولما أبت إلا صدودا بودّها ... وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدّر ... وليس يعاف الرّنق من كان صاديا [٤]
قال لبيد: [٥] [الطويل]
تخاف ابنتاى أن يموت أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر [٦]
وفي ابني نزار أسوة إن نظرتما ... وإن تسألاهم تلقيا فيهم الخبر [٧]
فان حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر [٨]
стр. 163
وقولا هو المرء الذي لا كريمة ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر [١]
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
كمسمعتين يندبان بعاقل ... أخا ثقة لا عين منه ولا أثر [٢]
[الأحنف يسكت معاوية]
ابن زنجويه باسناد له قال: قام معاوية خطيبا فقال: [وإن من شئ إلا عند الله خزائنه، وما ننزّله إلا بقدر معلوم] [٣] [٦٠ و] ، فلم نلام نحن؟ فقال إليه الأحنف بن قيس [٤] فقال: يا معاوية، إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله تعالى، إنما نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك عليه، فسكت معاوية.
[بثينة في نظر جميل]
عن جعفر بن كثير قال: [٥] دخلت حماما بمصر يعرف بحمام التين،
стр. 164
فبينا أنا فيه، إذ دخل رجل ما رأيت مثل جماله وجسمه لرجل، فقلت له: من أنت؟ أنا جميل، فقلت جميل بثينة؟ [١] فقال: نعم، فقلت: قد ملأت بها بلاد الله تنويها، وصار اسمها لك نسبا، وإني لأظنها حديدة العرقوب، دقيقة الظنبوت [٢] ، كثيرة وسخ المرافق، فضحك وقال: يا ابن أخي، لو رأيتها لوددت أنّك تلقى الله زانيا بها، مصرّا غير تائب، ولو كبّك الله على منخريك في النار.
[وعد شاعرة ظريفة]
عن ابن سلام قال: أخبرني على بن عثّام، أو من أخبره عنه قال: كان بالكوفة رجل يكنّى أبا الشعثاء، عفيفا مزّاحا، وكان يدخل على سراة أهل الكوفة، فمزح مع جارية لبعضهم، وأخبرها أنّه يهواها، وكانت شاعرة ظريفة، فقالت: [الرمل]
لأبي الشعثاء حبّ باطن ... ليس فيه تهمة للمتّهم
يا فؤادي فازدجر عنه وإن ... عبث الحبّ به فاقعد وقم
جاءني منه كلام صائب ... ورسالات المحبين الكلم [٦٠ ظ]
صلّ إن أحببت أن تعطي المنى ... يا أبا الشعثاء لله وصم
ثم ميعادك بعد الموت في ... جنّة الخلد إن الله رحم
حيث نلقاك غلاما ناشئا ... ناعما قد كملت فيك النّعم
الحرمازي قال: سمعت شبيب بن شيبة، وذكروا أحسن ما قيل في النساء، فقال: قول الشاعر: [السريع]
стр. 165
جارية أحسن من حليها ... والحلي فيه الدرّ والجوهر
وريحها أطيب من طيبها ... والطّيب فيه المسك والعنبر
دخل ثابت بن عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، فقال: ما ثابت من الأسماء؟ والله ما هو باسم رجل ولا امرأة، فقال: لا ذنب يا أمير المؤمنين للرجل فيما سمّاه أبواه، ولو كان اسمي إليّ لتسميت زينب حتى تحبني، يعرض له بزينب التي يقال: زينب وكعكتان
[موعظة حكيم]
عبد الرحمن عن عمه قال: قال بعض حكماء العرب لابنه، وهو يعظه، يا بنيّ، إنّ التواضع مع البخل وسوء الأدب، أحمد عند العلماء من التجبّر مع السخاء وحسن الأدب، وأعظم بها حسنة عفّت عن صاحبها سيّئتين، وأكبرها من خطيئة أفسدت على صاحبها من حسنتين.
[هجاء دعبل لإبراهيم بن المهدي]
عن ابن أبي داود [١] قال: دخلت على المعتصم، فقال لي: يا أبا عبد الله، أيظنّ دعبل [٢] أنّه يجد عندي من الاحتمال، ما كان يجده عند المأمون؟
стр. 166
فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ [٦١ و] ، قال: أخبرني عمي إبراهيم [١] أنّه هجاني، قلت: يا أمير المؤمنين، دعبل أقلّ قدرا، وأوضع خطرا من أن يبلغ بك الغضب، هذا وإبراهيم بن المهدي متّهم في دعبل، قال: ولم؟ قلت: لأنّه هجاه، قال: بماذا؟ قلت: في قوله: [٢] [الكامل]
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق [٣]
ولتصلحنّ من بعد ذاك لزرزر ... ولتصلحنّ من بعده للمارقي [٤]
حتى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق [٥]
فضحك وقال: صدق دعبل، فخرجت من عنده فلقيت دعبلا بالباب، فأخبرته وقلت: لا تبق بهذا منه، فلحق بالسند [٦] .
[من رقيق الغزل]
لطفيل بن الأخرم المازني من بني تميم: [الطويل]
سبا القلب إلا أنّ فيّ جلادة ... غزال غداة المائحين ربيب
стр. 167
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وشاحي خود كالغزال لعوب [١]
وهل أسلبنّ الناشئ العزّ ثوبه ... وليس علينا يوم ذاك رقيب
وهل يرفعن رأسي الوساد ودونه ... بنان كهدّاب الدّمقس خضيب [٢]
أبيني لنا ما تفعلن سقاكم ... هزيم أذرّته صبا وجنوب [٣]
لبعض قضاعة: [الوافر]
كأنّك مزنة برقت بليل ... بحرّان يضئ له سناها
فلم تمطر عليه وجاوزته ... وقد أشفى عليه أو رجاها [٦١ ظ]
[حدّث الأصمعي]
عبد الرحمن عن عمّه [٤] قال: وكان يقال: مستتمّ الصنيعة، من عدّل زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه، فإنّ أول المعروف مستخف، وآخره مستقل، تكاد أوائله تكون للهوى [دون] [٥] الرأي، وأواخره للرأي دون الهوى، ولذلك قيل: ردّ الصنيعة أشدّ من ابتدائها.
[نصيحة شريف تحقن الدماء]
عبد الرحمن بن عبد الله عن عمّه قال: لمّا عزم داود بن علي [٦] أن يقتل
стр. 168
بني أمية بالحجاز، قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن [١] : يا عمّ، إذا أسرعت في قتل أكفائك، فمن تباهي بسلطانك، فاعف يعف الله عنك، فأضرب عمّا كان عزم عليه.
[هجاء أهل الغنى]
لمجنون من أهل البصرة: [السريع]
رفضت بالبصرة أهل الغنى ... إني لأمثالهم رافض
فيهم أناس لا أسميهم ... طعم الندى عندهم حامض
[بخل خالد بن صفوان]
أبو عبيد قال: قيل لخالد بن صفوان [٢] : ما لك لا تبذل مالك؟ ولا تقوم بحوائج قومك؟ قال: أما مالي، فما أحب أن يطمع فيه طامع، وأما بحوائج قومي عند السلطان، فما كنت لأفسد جاهي بحوائجهم، قيل: فما يرجو منك قومك؟ قال: الحديث والماء البارد، قال بعض تميم: إذن يفي بالحديث ولا يفي بالماء البارد [٣] .
стр. 169
[من حكم الأعراب]
عبد الرحمن عن عمه [١] قال: سمعت أعرابيا يقول: يا ابن أخي، يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى فلا تحرمنّ تقوى، فربّ شبعان من النّعم غرثان من الكرم.
عبد الرحمن عن عمّه، قال: أخبرني من سمع أعرابيا يقول لقريب له:
يا ابن عمّ، مالك أسرع [٦٢ و] إلى ما أكره من الماء إلى قراره، ولولا ضني باخائك ما أسرعت إلى عتابك، فقال الآخر: يا ابن عمّ، والله ما أعلم تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست أقول إنك كذبت، ولا أني أذنبت.
[عواقب الأمور]
أنشد أبو حاتم: [٢] [مجزوء الكامل]
لا تعتبنّ على النوائب ... فالدهر يرغم كلّ عاتب
واصبر على حدثانه ... إنّ الأمور لها عواقب
ما كلّ ما أنكرته ... ورأيت جفوته تعاتب
فالدهر أولى ما صبر ... ت له على رنق المشارب
فلكلّ صافية قذى ... ولكلّ خالصة شوائب
كم فرجة مطوّية ... لك بين أثناء النوائب
ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
стр. 170
[وأين مكوكبها ؟]
عبد الرحمن عن عمّه قال: أخبرني من سمع أعرابيا يقول: خرجت في بعض الليالي الظلم، فاذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها، فقالت: ويلك، أما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت لها: إنّه والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: وأين مكوكبها؟
[خير الشرين]
الأصمعي قال: قال عمرو بن العاص [١] : ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الشرين.
الأصمعي [٦٢ ظ] قال: سمعت الحارث بن عمير يحدّث عن عاصم الجحدري، قال: جاءت بيعة يزيد وأنا أكتب في المصحف: (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)
[٢] .
عن عروة قال: ما رفع أحد نفسه بعد الإيمان بالله بمثل منكح صدق، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله تعالى بمثل منكح سوء، ثم قال: لعن الله فلانة ألقت بني فلان بيضا طوالا، فقلبتهم سودا قصارا.
[أمّ تفدي ابنها بقطع ثدييها]
أبو عبيدة قال: لما قتلت بنو تميم أسعد بن عمرو بن هند [٣] ، ووجدت
стр. 171
فعله فيهم، غزاهم عمرو بن هند فأحمى لهم الصّفا [١] ومشّاهم عليه، فندب غلام من بني طهيّة ليمشي على الصفا، فأقبلت أمّه وقد قطعت ثدييها فألقتهما إليه وقالت: وقّ بثديي قدمك، ليت يجدي ألمك، ثم أنشأت تقول: [الكامل]
أبنيّ لو قبل الفداء لجدت بال ... كبد التي أضحت عليك تقطّع
يا ليت لذع النار باشر مقلتي ... أو ليت قلبي دون رجلك تلذع
فرقّ لها الملك، فوهب لها من بقي من قومها، ورفع عنهم العذاب.
[ندم المخبل السعدي]
قال: بينما المخبّل السعدي [٢] يسير في عشيّة من عشاياه، إذ أدركه الليل عند قبّة ضخمة، فنزل فأكرم وذبح له، فبات بليلة نعيم، وغدا على مثل ذلك، فلما أراد أن يرتحل سأل عن صاحب القبّة وقال: والله لقد أكرمتموني وأحسنتم وأجملتم في القرى، ولا بدّ والله من أن أعرف صاحب هذا البيت، فكلّمته خليدة [٦٣ و] من خلف السّتر، فقالت: أنا رهوى، فقال: ومن سمّاك رهوى؟ [٣] قالت: أنت سميتني رهوى، فعرف فاستحيا، وقال: واسوأتاه، قد كان بيني وبين أخيك ما يكون بين الرجال، فجهدت عليه، وعليّ والله لا أعود بعدها أبدا، وأنا استغفر الله، وقال: [٤] [الطويل]
стр. 172
لقد ضلّ حلمي في خليدة إنني ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
فأقسم بالرحمن أن قد ظلمتها ... وجرت عليها والهجاء كذوب [١]
ومعنى قولها رهوى، لأن المخبل يقول لأخيها: [٢] [الطويل]
وأنكحت هزالا خليدة بعدها ... زعمت برأس العين أنّك قاتله [٣]
فأنكحته رهوى كأنّ عجانها ... مشقّ إهاب أوسع السّلخ ناجله [٤]
يلاعبها فوق الفراش وجاركم ... بذي شبرمان لم تزيّل مفاصله [٥]
[في فضائل الإمام علي]
عن أنس قال: نظر النبيّ ﷺ إلى عليّ صلوات الله عليه، فقال: (أنا وهذا حجّة الله على خلقه) [٦] .
عن أم عطية قالت: بعث رسول الله ﷺ عليّا في سرية، فسمعته يقول:
(اللهم لا تمتني حتى تريني عليّا) [٧]
[أعرابي يصف رجلا]
الأصمعي قال: وصف أعرابي رجلا فقال: هو والله مضغة، من ذاقها لفظها، وجمرة من مسّها كرهها، على أنّه مع هذا عذب في أفواه الأصدقاء ليّن للاولياء.
стр. 173
[حكايات عن الأعراب]
الأصمعي قال: دخل أعرابي على رجل من عمّال السلطان وهو يشرب [٦٣ ظ] فجعل ينشده ويحدّثه، ثم سقاه مما يشرب، فقال الأعرابي: هي والله أيها الأمير، أي هي الخمر، فقال: كلا، ولكنها زبيب وعسل، فشرب الأعرابي، فلما طرب قال له الرجل: قل فيها، فقال: [الطويل]
أتانا بها صفراء يزعم أنّها ... زبيب فصدّقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ليلة غاب نحسها ... أواقع فيها الذنب ثم أتوب
عبد الرحمن عن عمه، قال: عشق أعرابيّ يكنّى أبا الصبّاح أعرابية، فجعل يطلبها ولا تمكّنه، حتى تزوجها، فلما أرادها عجز عنها، فقالت:
[الرجز]
كان أبو الصبّاح ينزو في وهق [١] ... من شدّة النعظ ومن طول القلق
حتى إذا صادف ححرا ذا طبق [٢] ... ماوسه حتى إذا ارفضّ العرق [٣]
انكسر المفتاح واستدّ الغلق
أنشد أعرابي في بنته: [الطويل]
رزقتك بعد الأربعين وبعد ما ... علا شامل في الرأس فوق المفارق
أحبّك والرحمن يعلم أنّني ... بموتك مسرور حذار البوائق [٤]
ابن غنّام العامري في ابن له: [الرجز]
стр. 174
ظني إذا القوم تجاثوا للرّكب ... أن سوف يلقى إربة من الإرب [١]
ألوى إذا خاف ردى الصّدق كذب [٢]
[في حب البنات]
رجل من بحتر [٣] في بنته: [الرجز]
جارية يحبّها أبوها ... مليحة العينين عذب فوها
لا تحسن السّبّ ولو سبّوها
[٦٤ و] وقال فيها [الرجز]
يا بنت من لم يك يهوى بنتا ... ما كان إلا خمسة وستّا
حتّى حللت في الحشى وحتّى ... لأبت خير من غلام أبتا
يبيت سكران ويضحي سبتا
أبت يأبت أبتا: إذا قدم على الآثام بحرّة، وقوله: سبتا، يريد منسبتا على الناس، بمعنى جرى عليهم [٤] .
[امرؤ القيس السائح]
عن ابن الكلبي عن ابنه قال: كان امرؤ القيس البدي [٥] ، وهو محرّق
стр. 175
الأول ابن عمرو بن امرئ القيس، وأمّه الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الذي تعبّد وساح، فلا يدرى إلى ما صار أمره.
قال ابن الكلبي: كالن امرؤ القيس هذا ذا جمال ومنطق، وكان طويل المصاحبة للذات، كثير العكوف على اللهو، وكان مع ذلك يرجع إلى عقل أصيل، ورأي ثابت، فخرج يوما في بعض ملاهيه، إمّا متبدّيا أو متصيّدا، فانقطع عن أصحابه، فاذا هو برجل كالمفآد [١] عليه أطمار، قد جمع عظاما من عظام الموتى، وهي بين يديه، فقال له الملك: ما قصتك أيها الرجل؟ وما بلغ بك ما أرى من سوء الحال، وشسوف [٢] الجسم، وتلويح اللون، والانفراد بهذه الفلاة؟ فقال له الرجل: أمّا ما ترى من تغيّر حالي، ونحول جسمي وشحوبي، فأني على جناح سفر بعيد، وبي موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحلّ، مظلم القعر، كريه المقرّ، ثم يسلماني إلى مصاحبة البلى، ومجاورة الهلكى، بين أطباق الثّرى، فلو تركت بذلك المضجع [٦٤ ظ] مع جفائه وضيقه ووحشته، ويقطع أعضائي فيه، وارتعاء، أحناش الأرض [٣] في لحمي وعصبي وعظامي، حتى أعود رفاتا، وتصير
стр. 176
أعظمي رماما، كان للبلى انقضاء، وللشقاء نهاية، ولكني أرفع بعد ذلك إلى صحيحة الحشر، فأرد أهوال مواقف الجزاء، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي، فأيّ عيش يلتذ من يكون إلى هذا الشأن صيّوره [١] .
فلما سمع الملك هذه المقالة، ألقى نفسه عن فرسه، وعقد بين يدي الرجل وقال له: يا هذا، لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي، وملك الإشفاق قلبي، فأعد عليّ بعض قولك، واشرع [٢] لي دينك، قال له الرجل: أما ترى هذه العظام التي بين يدي؟ قال: بلى، قال هذه عظام ملوك، غرّتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها، وألهتهم عن التأهب لهذه المصارع، حتى فاجأتهم الآجال، وخذلتهم الآمال، وعصبتهم عزّة الملك، وسلبتهم بها النعيم، وأودعتهم أطباق الأرض، حتى صيّرتهم إلى ما ترى، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما، ثم تجازى بأعمالها، فأما إلى دار القرار، وأما إلى محلّ البوار، ثم امتلس [٣] الرجل فلم ير له أثر، وتلاحق أصحاب الملك به وقد أمتقع لونه، وتواصلت عبراته، فركب وقيذا [٤] ، فلما جنّ عليه ألقى ما كان عليه من لباس الملك، ولبس طمرين، وخرج تحت الليل، فكان آخر العهد به.
[لا سبية من قريش]
قال: ليس في الأرض [٦٥ و] عربي يدّعي أنّ له أمّا من قريش أو الأنصار أو ثقيف سبيّة، إلا مبطل، وذاك أنّ قريشا [٥] ، كانت في الحرم، فلم تغز ولم تسب، وكانت ثقيف في حصن منيع، فلم تغز ولم تسب، واشتغلت
стр. 177
الأنصار بحروبهم بينهم، فلم يغزهم أحد من العرب، ولم يغزوه.
[بنو الأصفر]
عن العباس عن أبيه، قال: انخرق ملك الروم في الزمان الأول، فبقيت منهم امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شرّ، فاصطلحوا أن يملّكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلسا لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق [١] منه العبد، فأشرف عليهم، فقالوا: انظروا في أي شئ وقعتم، فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاما فسمّوه الأصفر، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق، أنا عبده، فأرضوه وأعطوه حتى رضي.
[هذا زمان الحمقى]
عبد الرحمن عن عمه [٢] ، قال: كان بالمدينة غلام يحمّق، فقال لأمّه:
يوشك أن تريني عظيم الشأن، فقالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابّتيها [٣] أحمق منك، فقال: والله ما رجوت هذا الأمر إلا من حيث يئست منه، قال: أفما علمت أنّ هذا زمان الحمقى، وأنا أحدهم.
[ابن المتمنية]
عن أبي عبيدة قال: كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بن مروان، بكلام غليظ، والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية [٤] ، ما ذكرك عجائز الجنّة، وكانت
стр. 178
جدة الحجاج القائلة: [٦٥ ظ] [البسيط]
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال له عبد الملك: أقسمت عليك بالله ألا أمسكت.
[فتوى في حب الحسان]
الأصمعي قال: قال رجل لمالك بن أنس [١] : قلت أبيات شعر وذكرتك فيها، فاجعلني في حلّ، قال: أنت في حلّ، قال: أحبّ أن تسمعها، قال:
لا حاجة لي بذلك، قال: بلى، قال: هات إذن، فأنشده: [٢] [الطويل]
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصّبا ... وحبّ الحسان المنجبات الفوارك
ينبّئكم أني مصيب وإنّما ... أسلّي هموم النفس عنّي بذلك
فهل من محبّ يكتم الحبّ والهوى ... أثام وهل في ضمّة المتهالك
فضحك مالك، وكان يظن أنه قد هجاه.
[موعظة أويس القرني]
الأصمعي قال: بلغني أنّ هرم بن حيّان [٣] .........
стр. 179
قال لأويس القرني [١] ﵁: إنني آنس بك، فقال أويس: ما كنت أحسب أنّ أحدا يستوحش مع الله : قال: فأين تأمرني أن أنزل؟
فقال: عليك بالشام، فانزل سيف بحرها، قال: فكيف بالمعاش؟ قال: أفّ، خالط اليأس القلوب، فما ينفعها موعظة، تفرّ إلى الله بدينك، وتتّهمه في رزقك؟
[أنشد الأصمعي]
أنشد عبد الرحمن عن عمّه: [الطويل]
تقول سليمى سار أهلك فارتحل ... فقلت وهل تدرين ويحك من أهلي
فهل لي أهل غير ظهر مطيّتي ... أروح وأغدر ما يفارقها رحلي
[خيانات الولاة]
القاسم بن عدي قال: كتب عدي بن أرطاة [٢] إلى عمر بن عبد العزيز:
أما بعد: [٦٦ و] فإن قبلي ناسا من العمال، قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما، لست أقدر على استخراجه من أيديهم، إلا أن يمسّهم شيء من
стр. 180
العذاب، فان رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعل، فكتب إليه عمر:
أما بعد، فالعجب، كلّ العجب من استيذانك إياي في عذاب بشر، كان لك جنّة من عذاب الله، وكان رضاي ينجيك من سخط الله، فانر فمن قامت عليه البيّنة فخذه بما قامت به عليه، ومن أقرّ لك بشيء فخذه بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله، وخلّ سبيله، فو الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم.
[بخيل الأغنياء يخيب]
أنشد أبو حاتم ولم يسم قائلها: [الطويل]
لا تعديني الفقر يا أمّ مالك ... فانّ الغنى للمنفقين قريب
وللمال اشراك وإن ضنّ ربّه ... يصاب الفتى من ماله ويصيب
فما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الأغنياء يخيب
[موعظة علي بن أبي طالب]
عن يونس قال: بلغني أن ابن عباس ﵁ كان يقول: كتب إليّ عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه بموعظة، ما سررت بموعظة سروري بها: [١] أما بعد فإن المرء يسرهّ درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا [٦٦ ظ] تتبعه أسفا، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت.
[وصية زياد بن أبيه]
عن يونس قال: كان زياد إذا ولّى رجلا عملا قال له: [٢] خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنّك مصروف رأس سنتك، وأنّك تصير إلى أربع