أعظمي رماما، كان للبلى انقضاء، وللشقاء نهاية، ولكني أرفع بعد ذلك إلى صحيحة الحشر، فأرد أهوال مواقف الجزاء، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي، فأيّ عيش يلتذ من يكون إلى هذا الشأن صيّوره [١] .
فلما سمع الملك هذه المقالة، ألقى نفسه عن فرسه، وعقد بين يدي الرجل وقال له: يا هذا، لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي، وملك الإشفاق قلبي، فأعد عليّ بعض قولك، واشرع [٢] لي دينك، قال له الرجل: أما ترى هذه العظام التي بين يدي؟ قال: بلى، قال هذه عظام ملوك، غرّتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها، وألهتهم عن التأهب لهذه المصارع، حتى فاجأتهم الآجال، وخذلتهم الآمال، وعصبتهم عزّة الملك، وسلبتهم بها النعيم، وأودعتهم أطباق الأرض، حتى صيّرتهم إلى ما ترى، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما، ثم تجازى بأعمالها، فأما إلى دار القرار، وأما إلى محلّ البوار، ثم امتلس [٣] الرجل فلم ير له أثر، وتلاحق أصحاب الملك به وقد أمتقع لونه، وتواصلت عبراته، فركب وقيذا [٤] ، فلما جنّ عليه ألقى ما كان عليه من لباس الملك، ولبس طمرين، وخرج تحت الليل، فكان آخر العهد به.
[لا سبية من قريش]
قال: ليس في الأرض [٦٥ و] عربي يدّعي أنّ له أمّا من قريش أو الأنصار أو ثقيف سبيّة، إلا مبطل، وذاك أنّ قريشا [٥] ، كانت في الحرم، فلم تغز ولم تسب، وكانت ثقيف في حصن منيع، فلم تغز ولم تسب، واشتغلت
стр. 177
الأنصار بحروبهم بينهم، فلم يغزهم أحد من العرب، ولم يغزوه.
[بنو الأصفر]
عن العباس عن أبيه، قال: انخرق ملك الروم في الزمان الأول، فبقيت منهم امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شرّ، فاصطلحوا أن يملّكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلسا لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق [١] منه العبد، فأشرف عليهم، فقالوا: انظروا في أي شئ وقعتم، فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاما فسمّوه الأصفر، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق، أنا عبده، فأرضوه وأعطوه حتى رضي.
[هذا زمان الحمقى]
عبد الرحمن عن عمه [٢] ، قال: كان بالمدينة غلام يحمّق، فقال لأمّه:
يوشك أن تريني عظيم الشأن، فقالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابّتيها [٣] أحمق منك، فقال: والله ما رجوت هذا الأمر إلا من حيث يئست منه، قال: أفما علمت أنّ هذا زمان الحمقى، وأنا أحدهم.
[ابن المتمنية]
عن أبي عبيدة قال: كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بن مروان، بكلام غليظ، والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية [٤] ، ما ذكرك عجائز الجنّة، وكانت
стр. 178
جدة الحجاج القائلة: [٦٥ ظ] [البسيط]
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال له عبد الملك: أقسمت عليك بالله ألا أمسكت.
[فتوى في حب الحسان]
الأصمعي قال: قال رجل لمالك بن أنس [١] : قلت أبيات شعر وذكرتك فيها، فاجعلني في حلّ، قال: أنت في حلّ، قال: أحبّ أن تسمعها، قال:
لا حاجة لي بذلك، قال: بلى، قال: هات إذن، فأنشده: [٢] [الطويل]
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصّبا ... وحبّ الحسان المنجبات الفوارك
ينبّئكم أني مصيب وإنّما ... أسلّي هموم النفس عنّي بذلك
فهل من محبّ يكتم الحبّ والهوى ... أثام وهل في ضمّة المتهالك
فضحك مالك، وكان يظن أنه قد هجاه.
[موعظة أويس القرني]
الأصمعي قال: بلغني أنّ هرم بن حيّان [٣] .........
стр. 179
قال لأويس القرني [١] ﵁: إنني آنس بك، فقال أويس: ما كنت أحسب أنّ أحدا يستوحش مع الله : قال: فأين تأمرني أن أنزل؟
فقال: عليك بالشام، فانزل سيف بحرها، قال: فكيف بالمعاش؟ قال: أفّ، خالط اليأس القلوب، فما ينفعها موعظة، تفرّ إلى الله بدينك، وتتّهمه في رزقك؟
[أنشد الأصمعي]
أنشد عبد الرحمن عن عمّه: [الطويل]
تقول سليمى سار أهلك فارتحل ... فقلت وهل تدرين ويحك من أهلي
فهل لي أهل غير ظهر مطيّتي ... أروح وأغدر ما يفارقها رحلي
[خيانات الولاة]
القاسم بن عدي قال: كتب عدي بن أرطاة [٢] إلى عمر بن عبد العزيز:
أما بعد: [٦٦ و] فإن قبلي ناسا من العمال، قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما، لست أقدر على استخراجه من أيديهم، إلا أن يمسّهم شيء من
стр. 180
العذاب، فان رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعل، فكتب إليه عمر:
أما بعد، فالعجب، كلّ العجب من استيذانك إياي في عذاب بشر، كان لك جنّة من عذاب الله، وكان رضاي ينجيك من سخط الله، فانر فمن قامت عليه البيّنة فخذه بما قامت به عليه، ومن أقرّ لك بشيء فخذه بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله، وخلّ سبيله، فو الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم.
[بخيل الأغنياء يخيب]
أنشد أبو حاتم ولم يسم قائلها: [الطويل]
لا تعديني الفقر يا أمّ مالك ... فانّ الغنى للمنفقين قريب
وللمال اشراك وإن ضنّ ربّه ... يصاب الفتى من ماله ويصيب
فما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الأغنياء يخيب
[موعظة علي بن أبي طالب]
عن يونس قال: بلغني أن ابن عباس ﵁ كان يقول: كتب إليّ عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه بموعظة، ما سررت بموعظة سروري بها: [١] أما بعد فإن المرء يسرهّ درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا [٦٦ ظ] تتبعه أسفا، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت.
[وصية زياد بن أبيه]
عن يونس قال: كان زياد إذا ولّى رجلا عملا قال له: [٢] خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنّك مصروف رأس سنتك، وأنّك تصير إلى أربع
стр. 181
خلال، فاختر لنفسك؛ إنّا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك، وسلمت من معرّتنا [١] بأمانتك، وإن وجدناك قويّا خائنا استهنّا بقوتك، وأحسنّا على خيانتك أدبك، وأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك وإن جمعت علينا الجرمين، جمعنا عليك المضرّتين، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثّرنا مالك، وأوطأنا عقبك.
[حين يفتي الأعرابي ؟]
الأصمعي قال: [٢] كان أبو العاج السّلمي أعرابيا جافيا، فولي البصرة، فأتي برجل من النصارى، فقال: ما اسمك؟ قال: بندار شهر بندار، فقال:
اسم ثلاثة وجزية واحدة، ولا والله العظيم، فأخذ منه ثلاث جزى.
[في تعجيل الطلب]
عن العتبي قال: وعد رجل أعرابيا فكثر تردده إليه، فقال: [الطويل]
إذا كنت مطلوبا فعجّل لطالب ... بحاجته كيلا تذمّ وتحمدا
فأنّك لو أصبحت طالب حاجة ... لسرّك أن تقضى ولا تتردّدا
[بطون غطفان]
عن أبي عبيدة قال: قال بعض ملوك غسان للحكم بن مروان العبسي:
أخبرني عن غطفان [٣] ، قال: فزارة، فرس أكلّ عنه الخيل، وثعلبه بن سعد؛ جمل حجازي يشمّ آباط الإبل [٦٧ و] ولا يشمّ أبطه، وعوف بن سعد؛ (لا حرّ بوادي عوف) [٤] ، وأنمار بن بغيض؛ خيار في أحسابهم، شرار في
стр. 182
أخلافهم، وأشجع؛ أفعى الطريق، وإن وطئتها نشطتك [١] ، وإن تركتها تركتك، وعبد الله بن غطفان؛ سبع في غيضة، لا يخرج منها. قال الملك:
فعبس؟ قال: رمح حديد، لا تسوّى طعنته. قال الملك: ما سمّتك أمّك حكما باطلا.
[غيبة السفلة]
عن عبد الرحمن عن عمّه قال: رأيت أبا طفيلة الحرمازي [٢] متعلقا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم إني استغفرك من كل ذنب، إلا من غيبة السفّل [٣] ، فانها أحلى من لحم العصفور
[كرم ابن أبي بكرة]
عبد الرحمن عن عمه [٤] ، عن أبي الجنوب: أن عبيد الله بن أبي بكرة [٥] أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصبّ في حجره، فتخرق ثوبه، فبكى، فقال:
стр. 183
أعلى قميصك تبكي؟ قال: لا والله، ولكن على ما يأكل التراب من كرمك.
[كرم عبيد الله بن عباس]
لقي عبيد الله بن العباس ﵁ معن بن أوس المزني [١] ، فسأله عن حاله، فقال له: كثر ديني، وقلّ عيني، ثم قال: [٢] [الطويل]
أخذت بأصل المال حتى نهكته ... وداينت حتى ما أكاد أدان [٣]
وحتى طلبت المال عند ذوي الغنى ... وردّ فلان حاجتي وفلان [٤]
فقال عبيد الله: [٥] كم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، ثم قال: أمرنا لك بلقمة وإن لكتها انتزعت من فيك، فلما لعيالك؟ فأمر له بمثلها.
[أيام السرور]
عن أبي البيداء الرياحي [٦] ، قال: سرور ساعة النكاح، وسرور يوم
стр. 184
النورة [١] وسرور [٦٧ ظ] جمعة غسل الثوب، وسرور شهر الثوب الجديد، وسرور سنة التزويج، وسرور إلى انقضاء الأجل صديق موات، وسرور لا انقطاع له الجنة.
[صورة رجل فريد]
عبد الرحمن عن عمه عن أبيه، قال: ذم أبو طفيلة الحرمازي رجلا فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة وذلّ قابلة، وملق دأية [٢] ، وبخل كلب، وخرس نبّاش.
[است نادمة]
عن ابن عياش [٣] : قالت امرأة مريد له: طلقني، فطلقها، فخرّت ساجدة، فقال: أما والله، لئن خضّعت رأس خاشعة، لقد رفعت أست نادمة.
[مرحبا بحسنة لأعلمها]
يونس بن عبيد، عن الحسن [٤] ، وقيل له: إنّ فلانا يغتابك، فقال:
مرحبا بحسنة لم أعلمها، ولم أتعب فيها، ولم يدخل فيها عجب ولا رياء.
стр. 185
[إكرام العلم]
عن عمرو بن عليّ قال: سمعت أبا معاوية الضرير [١] يقول: تغديت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد بالرقّة [٢] ، فلما أردت غسل يدي، إذا أنا بإنسان يصبّ عليّ، فلما قاربت الفراغ قال: أتدري من يصبّ عليك أبا معاوية؟
قلت: لا، قال: أنا أمير المؤمنين، قلت: أكرمك الله كما أكرمت العلم، قال: ما أردت غير ذلك.
[من تؤاخي من الناس ؟]
عن الحسن قال: واخ من الناس من يعينك على نفسك، ولا تواخ من الناس من حظك عنده مقدار حاجته إليك، فإذا انقطعت حاجته منك، انقطعت مودتك من قلبه.
[لذائذ العيش]
قال الحجاج لخريم الناعم [٣] : صف لي العيش، فقال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا يلذ عيشا، قال: زدني، قال: والعافية، فأني [٦٨ و] [رأيت] [٤] العليل لا يلذ عيشا، قال: زدني: قال: والشباب، فإني رأيت الشيخ لا يلذ عيشا، قال: زدني: قال: لا مزيد.
стр. 186
[عذر متنبئ]
أبو هفّان قال: تنبأ رجل على عهد المهدي وأدخل عليه، فقال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من أرسلت؟ قال: وتركتموني أذهب إلى إنسان؟
بعثت بالغداة، وأخذتموني بالعشيّ، قال: صدقت، لقد عاجلناك، وأمر له بنفقة وكسوة، وخلّى سبيله.
[من خصال الأحنف بن قيس]
قال الأحنف بن قيس [١] : ثلاث ما أقولهنّ إلا ليعتبر معتبر، وما أتيت بها هؤلاء- يعني السلطان- إلا أن أدعى إليه، ولا دخلت بين أثنين حتى يكونا هما يدخلانني، وما ذكرت أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير.
وقال: طوبى لمن قدم على ربّه بخير، وخلّف عياله بشرّ، والويل لمن قدم على ربه بشر، وخلّف عياله بخير.
[قاض يمدح نفسه]
قال: كان عبد الرحمن بن مسهر، أخو علي بن مسهر [٢] قاضيا على المبارك [٣] ، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي [٤] في
стр. 187
الحراقة [١] ، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل المبارك: اثنوا عليّ عند أمير المؤمنين، وعند القاضي، فأبوا عليه، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلسانا أسود، وجاء إلى الشريعة، فلما أقبلت الحراقة، رفع صوته، وقال: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضينا، قاضي صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى فقال مثل مقالته الأولى، فالتفت هارون الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب، هذا شرّ قاض في الأرض، قاض [٦٨ ظ] في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد، فقال أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين، هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال: هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبدا، فكان إذا ذكره قال: هذا لا يعزل أبدا.
وقيل لأبي يوسف: وتولّي مثل هذا القضاء؟ فقال: إنه أقام ببابي مدة وشكا إلىّ الحاجة فولّيته.
[الرشيد ومدعي النبوة]
عبد الرحيم بن موسى الشيباني قال: كنت عند الرشيد، فأدخل إليه رجل في عنقه حبل أسود، وهو مغلول مقيّد يدّعي النبوة، فضحك الرشيد وقال: ما تقول؟ قال: أقول كما قال أخي نوح: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)
[٢] ، فقال الرشيد:
من أنت من الأنبياء؟ قال: شمعون، قال: يا شمعون، ما حجتك؟ قال:
جعلت فداك، أمرت بالرسالة، ولم أؤمر بالمناظرة، ولو جعلت إليّ مناظرتك
стр. 188
لناظرتك، فقال له: لكل نبي آية، فما آيتك؟ قال: أعلم الغيب، قال: وكيف ذلك؟ قال: أعلم ما في نفسك، قال: فما في نفسي؟ قال إن أخبرتك تؤمن بي؟ قال: نعم، قال: أضمرت في نفسك أني كذاب، قال: صدقت، وأجازه وخلّى سبيله.
[من نوادر الأزواج]
عن الزبير [١] قال: حدثنا عمي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: غاب رجل عن زوجته، فلما قدم دنا منها، فقالت: [الرجز]
ما مسّني بعدك يا صفيّ ... غير غلام واحد فتيّ
وآخران من بني عديّ ... وستة كانوا على الرّكيّ
[٦٩ و] فوثب وأخذ العصا يضربها، وقال: لو تركتها لعدّت ربيعة ومضر.
[لا يؤم الولد أباه]
عن عطاء [٢] قال: لا يؤمّ الرجل أباه وإن كان أفقه منه.
[من وصايا المهلب]
قال: كان المهلب [٣] يقول: إذا أخطأت الصنيعة عند ذي دين،
стр. 189
فاصطنعها عند من يتّقي العار، وكان يقول لبنيه: يا بنيّ، لا تقفوا في الأسواق إلا على زرّاد أو ورّاق [١] .
[زوجة عرجاء]
قال: زوّج أبو سويد السعدي يتيمة كانت عنده لرجل، فلما دخلت عليه رآها عرجاء، فقدّمه الرجل إلى القاضي وقال: أعز الله القاضي، هذا زوجني امرأة عرجاء، فقال له القاضي: ما تقول فيما ادّعى عليك؟ فقال: أعز الله القاضي، هذا زوّجته امرأة ينيكها، ولم أزوجه جملا يحجّ عليه.
[جميل وبثينة]
رجل من بني عامر قال: إن جميلا أتى بثينة زائرا بعد ما زوّجت، وهو لا يعلم بذلك، فلما رأته أنشأت تقول مازحة: [٢] [الطويل]
ألم تر أنّ الماء بدّل حاضرا ... وأنّ شعاب القلب بعدك حلّت [٣]
فأجابها وهو يقول: [٤] [الطويل]
فان تك حلّت فالشّعاب كثيرة ... وقد نهلت منها قلوصي وعلّت
ثم خرج من عندها، فلم يرها حتى فارق الدنيا، والدليل على ذلك قوله: [٥] [الطويل]
стр. 190
ولست وإن عزوا عليّ بقائل ... لها بعد صرم يا بثين صليني
[١] [٦٩ ظ] لحى الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مدّ غير متين
[كسرى وحاجب بن زرارة]
قال: أقام حاجب بن زرارة [٢] بباب كسرى لا يؤذن له، ثم بعث إليه:
أنت سيد العرب؟ قال: لا، قال: فسيد قومك أنت؟ قال: لا، ثم أذن له، فلما دخل عليه قال: من أنت؟ قال: أنا سيّد سيد العرب، قال: أما سألتك فزعمت أن لا؟ قال: صرت سيّدهم بكلامك، فقال كسرى: زه، وملأ فاه جوهرا.
[وجه أبي شراعة]
الرياشي [٣] قال: نظر أبو شراعة المري وجهه في المرآة، وكان سمجا [٤] فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره. وقال: [المنسرح]
من كان يبكي الشباب من جزع ... فلست أبكي الشباب من جزع
لأنّ وجهي لقبح صورته ... ما زال لي كالمشيب والصّلع
أشبّ ما كنت قطّ أهرم ما ... كنت فسبحان خالق البدع
إذا أخذت المرآة أذهلني ... قبحي فناديت هول مطّلعي
стр. 191
شغفت باللهو والقيان وما ... يصلح وجهي إلا لذي ورع
كي يعبد الله في الفلاة ولا ... يشهد فيه مشاهد الجمع
[من نوادر الأعراب]
الأصمعي قال: رأيت أعرابيا وقد حفر حفرة في يوم شديد البرد، فقلت: ما هذا يا أعرابي؟ قال: من شدة البرد، فقلت: هل قلت في ذلك شيئا؟ قال: نعم، فأنشأ يقول: [الطويل]
فيا ربّ إنّ البر أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم لا تعلّم [٧٠ و]
فان كنت يوما مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا وهو يقول: إلهي ما توهمت سعة رحمتك يوم القيامة إلا وكأنّ نعمة عفوك تملأ مسامعي بأن قد غفرت لي، فلا تخيّب سعة أملي، وصدّق حسن ظني.
[النظر إلى الثقيل]
الهيثم بن عدي، عن الأعمش، قال جالينوس [١] : لكل شيء حمّى، وحمى العين النظر إلى الثقيل.
[عائشة وليلة القدر]
الأصمعي قال: ذكر لرجل من أهل المدينة من أهل المدينة قول عائشة:
لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العافية، فقال المديني: والظفر يوم الجمل [٢]
стр. 192
[الجاحظ ونصائح إبليس]
عمرو بن بحر الجاحظ قال: رأيت إبليس في النوم كأنه راكب على كركيّ [١] أبيض، ملجم بأفعى، يسوقه بأخرى، فاستوقفته، فوقف لي، فأفحمت عن كلامه، فعرف ذلك وقال لي: ويلك يا عمرو، احفظ عني ما أقول، ثم أنشأ يقول: [السريع]
ألم ير القاضي وأصحابه ... ما يفعل الله بأهل القرى
بلى ولكن ليس من ساقط ... إلا إذا استعلى أذل الورى
فليتني قد كنت فيمن مضى ... ولم أعش حتى أرى ما أرى
وكلّ ذي خفض وذي رفعة ... لا بد أنّ يعلو عليه الثّرى
ثم قال لي: ويلك يا عمرو، احفظ عني: لا تحسد الناس، فالحسد أقامني مقام الخزي [٧٠ ظ] ، واغششن بني آدم تعش بينهم محببا، ثم قال:
[السريع]
مخرق على الناس ومخرق بهم ... فانّما الناس مخاريق [٢]
قال: ثم ضرب الكركي بالأفعى، ومضى وتركني.
[لا سلام ولا كلام]
عبد الله بن عبيد الله الرازي، عن الحسن بن علي عليهما سلام، قال:
ليس في الحمّام سلام ولا كلام.
[ذنب الجاهل وذنب العال]
أبو عبيدة عن فضيل بن عياش [٣] قال: قال أبي: يغفر الله للجاهل
стр. 193
سبعين ذنبا من قبل أن يغفر للعالم ذنبا واحدا.
[النعمان بن المنذر]
المدائني قال: خرج النعمان بن المنذر [١] ذات يوم في عقب سماء، فمر برجل من بني يشكر، جالس على غدير، فقال له: أتعرف النعمان؟ قال اليشكري: أليس ابن سلمى؟ قال: نعم، قال: ولله لربما مررت يدي على فرجها، قال: ويحك، [أمّ] [٢] النعمان بن المنذر؟ قال: قد أخبرتك، فما انقضى كلامه حتى لحقته الخيل، وحيّوه بتحية الملك، فقال له: كيف قلت؟
قال: أبيت اللعن، والله ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أخسّ ولا أعضّ ببظر أمّة من شيخ بين يديك، فقال النعمان: دعوه، ثم قال: [٣] [مجزوء الكامل]
تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسي ... ر وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها
[٧١ و]
[الخلق الحسن]
ابن عباس قال: لكلّ شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن، وكان يتمثل بشعر الأعشى: [الكامل] [٤]
стр. 194
ما كلّ من تهوى يحبّك قلبه ... ولا كلّ من صافيته لك منصف
إذا المرء لم يحببك إلا تكلّفا ... فذره إذا ما قلّ منه التّعطّف
فما الناس بالناس الذين عهد تهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف [١]
[لا حرمة للفاجر]
عن الحسن [٢] قال: لا حرمة للفاجر، قال قتادة: كأنه يرى أنّك إذا اغتبت الفاجر أنه لا بأس به.
[أبو الأسود الدؤلي]
قال: زوّج أبو الأسود الدؤلي [٣] ﵁ ابنته، فلما أراد إهداءها إلى زوجها قال لها: يا ينيّة، إنّ أطيب الطّيب الماء، وإنّ أحسن الحسن الدهن، وإنّ أحلى الحلاوة الكحل، يا بنيّة، لا تكثري مباشرة زوجك فيملّك، ولا تباعدي منه فيجفوك، وكوني كما قلت لأمّك: [٤] [الطويل]
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في صولتي حين أغضب [٥]
ولا تنقريني نقرة الدّفّ مرة ... فانّك لا تدرين كيف المغيّب
فأني رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
стр. 195
[لا يحل المكر]
عن عليّ صلى الله عليه، قال: لو استحللت المكر ما مكرني معاوية. [١]
[لمن الحكمة ؟]
عن أبي حازم، قال: من يعرض الحكمة على من لا يريدها، فهو كالمغني عند رأس الميت.
[من حكم الأعراب]
عن الأصمعي قال: وقفت على أعرابي نائم في ظل شجرة [٧١ ظ] ، فقلت:
أين أهلك؟ فقال: في ملك المليك، فقلت: ما مالك؟ فأنشأ يقول: [البسيط]
للناس مال ولي مالان ما لهما ... إذا تحارس أهل المال حرّاس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأس ممّا يملك الناس
قال: فأخرجت درهما ودفعته إليه، فقال: يا فتى، هذا من مالي الذي أخبرتك.
[أصول الوعظ]
سليمان الخواص [٢] قال: من وعظ أخاه بينه وبينه فقد نصحه، ومن وعظه بين الناس فقد بكّته [٣] .
[من وصايا المهلب]
الهيثم بن عدي قال: المهلب بن أبي صفرة [٤] لبعض ولده: إياك
стр. 196
والسرعة بنعم، فانّ أولها سهل، ومخرجها ثقيل في فعلها.
[من شعر المبرد]
أنشد المبرد [١] لنفسه: [البسيط]
اسم المبرد في معناه مقتضب ... حقا كما اشتق داجي الليل من نسبه
وقلّ ما أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكّرت في لقبه
[طلب واستعطاف]
رسالة لبعضهم
الآمال أعزك الله قرائن النّعم، لا ينفكّ منها، ولا يتحول عنها، إلا إذا حمى الشّحّ أكنافها، ومنع حوزتها، وصار حاجزا دونها، وحاشى لما أودعك الله من نعمه، وخوّلك من مواهبه، أن تكون حمى على الآمال أن تردّه، وعلى الرجاء [٧٢ و] أن يسترفده، لأن ذلك ذخيرة من توفّي نعمته على همّته، ويزيد حظّه على أمنيّته، ويرى الاحتفاظ بما في يده من أعدّ عدده على نوائب دهره، فأما من كانت نفسه فوق ما خوّل، وقسمه دون ما يؤمّل، ومن يرى البقاء الذي لا يغتاله الغناء، والذخر الذي لا يتخوّنه الدهر، أحدوثة حسنة توثر، وذكرا جميلا ينشر، وصنيعة تسدى وتستثمر، فليس يرضى أن تذود عن فنائه أملا [أن] يجد له على ما قبله معوّلا، ولا بأن يجعل المعاذير جنّة، وهو يجد على ماله وجاهه وماله محتملا، وقد جعل الله كذلك فسهّل الله لك ما تحاوله، ولا قصّر بك عن غاية ما تؤمّله، وذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة، كما أنّ المتجرّم به مذموم على التناسي والإذالة، ومن مذهبي الوقوف
стр. 197
بنفسي دون الغاية التي يقدمني إليها حقي، ويشرف بي عليها استحقاقي لأمرين، أولهما: أنّ الرضا بدون الحق أزيد في الحق، والثاني: أني أرى النفس في الحظ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق، والكف لي ذمام المودّة الصادقة، التي كلّ حرمة تبع لها، ومطّرح معها، وحقّ الشكر الذي جعله الله وفاء بالنّعم، وإن جلّ قدرها، وانتهت الآمال دونها، وأنت أعزّك الله فراعي المعالي، وحافظ بغية التّكرّم، أن تخترمها [١] الأيام والليالي، فأيّ سبيل للعذر، أم أيّ موضع للإكداء [٢] ، [٧٢ ظ] بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك، لا والله ما أعرف إلا أن تأتي الأقدار بما لا يقع في ظنّ الحازم، ولا تبلغه إنذار الخائف، والله يعيذك ومؤمليك من ذلك، ومن أن أكون أول من يستثنى به عند وصف مساعيك، وذكر منّتك وأياديك بخيبته عليك لسان القادح، وقول العدو الكاشح.
ولئن تقادم عهد حاجتي وطالت مدتها، وتراخى النّجح عنها، إنّ ثقتي بك لتامّة وافية، غير منهوكة [٣] بالظنون السيئة، لأني لا أرى لسوء الظن مجازا إليك، ولا متقدما على فضلك، ولا بد من الأدّكار مع ما تعتورك من الأمور التي لا ينكر مع استبدادها وغلبتها عليك، أن تسقط عند بعض الفرائض التي لا يسع إغفالها، فضلا عما هو دونها، وأنت أعزك الله عارف أنّني فسحت للعذر سبيله، وكثّرت طرقه ووجوهه في مفتتح هذه الحاجة، ولم يكن تمهيدي إياه لنبوة خفتها منك، ولا لأني لم أجد للقول مصرفا فيما حاولته قبلك، ولكنني نزهتك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى، ويعتزله الوفاء، وأحببت أن يتقرّر عندك أملي فيك، أبعد من أن اختلس الأمور منك، اختلاس من يرى أنّ في عاجلك عوضا من آجلك، وأنشد: [٧٣ و] [السريع]
إنّ الذي شقّ فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني
стр. 198
أنشد: [الطويل]
شفيعي شفيع لا يردّ له أمر ... فياليت شعري هل يساعدني الدهر
إذا الشافع استقصى لك الأمر كلّه ... وإن لم يكن نجح فقد وجب الشكر
[الفروق في اللغة]
أحققت الحديث: إذا لم يكن عندك حقّا، ثم صار حقا، وحقّقته:
حفظته. يقال: ماء شروب: إذا كان عذبا، وماء شريب [١] ، إذا لم يكن طيبا، وكان بين الملح والعذب.
إياك والأهلب [٢] ؛ يقال للرجل إذا حذّر من آخر لشرّه أو لعداوته.
قال: ليس في القرآن لام تعجب إلا لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
[٣] ، يقول:
تعجّبوا لما أعطيت قريشا. حصبوه: رموه، وأحصبوا عنه: ولّوا عنه. أزهرت الأرض، وزهرت النار. جهنّم [٤] : من الجهنام، وهي البئر البعيدة القعر [٥] .
أتانا وقد نام ظالع الكلاب، عند هدوّ جميع الحيوان. سكرا بزيم [٦] من البزم، وهو العضّ، وإبزين خطأ [٧] .
يقال: فلان أمّة؛ إذا كان علما في الخير، ولا يقال ذلك في الشر،
стр. 199
ومعناه: أنه يؤتمّ به، والشرّ لا يقتدى بصاحبه. ما أدرى أغاز أم ماز [١] الغور: تهامة وما وراء نجد [٢] ، كما تقول: ما أدري أين سلك. في مثل: فهما يتنازعان جلد الظربان، إذا استبّا [٣] . [٧٣ ظ] فلان منقطع القبال [٤] ، إذا لا رأي له. يوم أهلب [٥] ؛ إذا كان كثير المطر. الأنين: من مرض، والأليل: من حزن [٦] . والشخير: من الحلق، والنخير: من الرأس.
هذا سيف مسقى، وهو أفصح من: مسقيّ، لأن أسقيت يتضمّن معنى إدامة السقي.
ويله وويحه وويبه وويسه، فالويل: من لا وأل [٧] ، والويح: من التوحية، والويب: [٨] من الحافر الوأب [٩] ، ...
стр. 200
والويس: [١] من الأوس [٢] ، وهو العوض من الخير الشر.
العرب تقول: العرق طلوب، والخال [٣] جدوب، والشّبه غلوب.
عال يعيل: افتقر، ويعول: يقوم بأمر عياله. هين لين: بالتخفيف، مدح، وهيّين ليّن، بالتشديد: ذم. المتقهّل [٤] : المبالغ في لبسه وزينته.
[من جيد المدح]
لكثير: [٥] [الطويل]
قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا سمعت منه الألية برّت [٦]
حلم رزين ذو أناة وأربة ... بصير إذا ما كفّة الحبل جرّت [٧]
[صبر الأعراب على الجوع]
أعرابي من أهل فيد: [٨] [الطويل]
إذا لم يكن للمرء جدي يناله ... ولا تحف ممّا تحوز الموائد
وكان له خبز وملح ففيهما ... له مقنع حتى تجئ الفوائد
стр. 201
فما هي إلا جوعة إن سددتها ... فكل طعام بين جنبيك واحد
اختلط المرعى بالهمل: إذا اختلط الأشراف والخسّاس.
[يا حمام الأيك]
خرج عوف [١] بن محلم [٧٤ و] مع عبد الله بن طاهر [٢] لما أراد خراسان، فلما صار بالري، نزل تحت دوحة، وجاء عوف فأخذ يحادثه تحتها، فبينا هما كذلك، إذ صدح طائر من الدوحة، فقال عبد الله: يا عوف،
стр. 202
قاتل الله أبا كبير الهذلي [١] حيث يقول: [٢] [الطويل]
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شئ فانّني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطّت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: والله أيها الأمير، لقد أحسن، فقال عبد الله: أجز يا عوف، فقال: أيها الأمير، إن شعري قد رقّ، فيمهلني الأمير، ففعل، فغدا عليه فأنشده: [٣] [الطويل]
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنّوى من ونية فتروح [٤]
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح
وأرّقنى بالريّ نوح حمامة ... فنحت وذو الشّجو القريح ينوح [٥]
على أنّها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح [٦]
стр. 203
عسى جود عبد الله أن يعكس النّوى ... فتلقي عصا التطواف وهي طريح [١]
فانّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وإنّ النوى بالمقترين طروح [٢]
[٧٤ ظ] فأمر له عبد الله بعشرة آلاف درهم، وقال: قد عكسنا عنك النوى، فان شئت فكن معنا، وإن شئت فألمّ بأهلك والحق بنا، ففعل.
[لوعة الوداع]
أنشد: [الطويل]
فوا عجبا ممّن يمدّ يمينه ... إلى إلفه عند الوداع فيسرع
ضعفت عن التوديع حين أردته ... فودّعته بالقلب والعين تدمع
وأنشد [الكامل]
ومودع يوم الفراق بطرفه ... شرق من العبرات ما يتكلّم
متلفت نحو الحبيب بغصّة ... لا يستطيع وداعه فيسلّم
خالد الكاتب: [٣] [المتقارب]
ولما التقينا وقد مزّقت ... جلابيب صبرى يدا هجره
وقد كان يعذر في وعده ... فكذّب ما كان من غدره
عقدت يدي على خصره ... وألصقت نحري على نحره
وأقبلت أروي صدى مهجتي ... ببرد المراشف من ثغره
وقلت ألا ليت إنّ الصباح ... إلى الحشر يغفل عن فجره
стр. 204
[مختارات غزلية]
ابن ميادة [١] : [الطويل]
فيا ليت حظي من نوالك أنه ... يبلّغ حاجاتي إليك رسول [٧٥ و]
لكي تعلمي أنّ الذي قلت صادق ... وأنّك مخلاف العدات مطول
أنلت قليلا ثم أسرعت منّة ... ونيلك ممنون كذاك قليل
أنشد: [الطويل]
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... وإن هو لاقاها فغير بليغ
كأنّك ظمآن يطالب موردا ... فان نال ريّا كان غير مسيغ
أنشد أبو عطاء: [الطويل]
بنفسي من لا تقنع النفس دونه ... بشيء ولا يسلى مودّته الهجر
فيا ربّ هل في طول كتماني الهوى ... وصبرى على ما أنت تعلمه أجر
قال محمد بن يزيد الأزدي [٢] : دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وهو مفتصد [٣] ، فذهبت أدعو له لفصده، فقال: يا أبا العباس، لم يكن ذاك من علّة، فانظر ما تحت المصلّى، فنظرت فاذا رقعة مكتوب فيها: [٤] [السريع]
حلف المحبّ ليقطعن يده ... إذا مسّ من يهواه بالألم
حتى إذا ضاق الوفاء به ... جعل الفصاد تحلّة القسم
стр. 205
فقلت له: فكيف كان هذا؟ فقال: إني ضربت جارية لي أحبّها البارحة، فأشرقت، فحلفت أن أقطع يدي، فاستفتيت، فقيل لي بالفصد.
من إنشاد أبي علي: [٧٥ ظ] [المديد]
والذي يعطيني الأملا ... ما ابتعت نفسي بكم بدلا
ولقد أصبحت في شغل ... ولقد أمسيت لي شغلا
فدعي سوء الظنون بنا ... فلقد صيّرتني مثلا
يوم أجفوكم وأقطعكم ... فرأيت الموت بي نزلا
وأنشد: [البسيط]
إنّا من الدرب أقبلنا نؤمكم ... أنضاء شوق على أنضاء أسفار
لا يد للصّبّ أن تبدو صبابته ... إذا تبدّل غير الدار بالدار
وأنشد: [المتقارب]
عتبت عليّ ولا ذنب لي ... وللذنب كان ولا شكّ لك
تخوّفت لومي فبادرتني ... إلى اللوم من قبل أن يأخذك
آخر:
الذنب للأيام ليس لمن ... تجوز عليه ذنب
لا خير في طول الحياة لمن ... يحبّ ولا يحبّ
للمنتصر بالله [١] ، وهو محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد: [الطويل]
متى ترفع الأيام من قد وضعنه ... وينقاد لي دهر عليّ جموح
стр. 206
أعلل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروح
[٧٦ و]
[حاله بعد الموت]
كبة الكاتب، واسمه محمد بن هارون، أخو ميمون بن هارون، متوكلي، يقول في رواية أبي هفّان:
كأني بأخواني على حافتي قبري ... يهيلونه فوقي وأعينهم تجري
عفا الله عنّى يوم أصبح ثاويا ... أزار فلا أدري وأجفا فلا أدري
[منية العشاق]
أبو الفتح محمد بن الفتح بن خاقان، صاحب المتوكل: [الكامل]
وغريرة شغل الجمال بصنعها ... عيش الهوى ومنية العشّاق
شغلت بتنفيض الدموع شمالها ... ويمينها مشغولة بعناق [١]
[بكي لي عذالي]
أبو نصر العسقلاني، واسمه محمد بن أحمد الكتاني، يقول: [البسيط]
قد جاء بعدك عذّالي فما برحوا ... حتى بكى لي مع الباكين عذّالي
[شربة من الراح]
وزير بن عمرو الجذامي من أهل فلسطين: [الطويل]
سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذّة ما ذقتها لشراب
وما طبخوها غير أنّ غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب
[عازفة العود]
العباس المرأه [٢] عن أبي أسامة جنادة، للراضي [٣] أبي العباس محمد
стр. 207
ابن جعفر المقتدر بالله، أكثر الخلفاء شعرا وأوسعهم افتنانا: [السريع]
قد أفصحت بالوتر الأعجم ... وأفهمت من كان لم يفهم [٧٦ ظ]
جارية تخلق من لطفها ... مخاطبا ينطق لا من فم
جسّت من العود مجاري الهوى ... جسّ الأطبّاء مجاري الدم
[في مجلس معاوية]
الأعشى بن عوف بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، واسمه يزيد، وقيل: إن معاوية بن أبي سفيان ﵀ أنشدها: [١] [السريع]
يا أيها السائل عمّا مضى ... من ريب هذا الزمن الذاهب [٢]
إن كنت تبغي العلم أو نحوه ... أو شاهدا يخبر عن غائب [٣]
فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب [٤]
стр. 208
[شعر ليزيد في الخمرة]
ليزيد بن معاوية يقوله للحسين بن علي عليه سلام، ودعاه إلى مجالسة على شرابه، فأبى عليه: [١] [مجزوء الوافر]
ألا يا صاح للعجب ... دعوتك ثم لم تجب
إلى اللذات والقينا ... ت والنشوات والطرب [٢]
وباطية مكلّلة ... عليها سادة العرب
وفيهنّ التي تبلت ... فؤادك ثم لم تثب
فقال له الحسين ﵇: بل فؤادك يا يزيد.
[الحلم عن السفهاء]
ليحيى بن منصور [٣] بن سماعة الذهلي وكان شاعرا ناقض الفرزدق، وكان خطيبا، وتكلم عند سليمان بن عبد الملك، وعند هشام بعده، وطال عمره إلى أن أدرك الدولة العباسية [٧٧ و] كبرا، ومات في آخر أيام المنصور: [الوافر]
стр. 209
أطيل الحلم عن سفهاء قومي ... ولكني سأغشم في انتصاري
وأعرض عن قوارص مؤذيات ... إذا ما لم يكن إحدى الكبار
على مضض وأدفعهنّ حتى ... يفرّخ بيضها عمّا أداري
أعيّرتنا لنحلم عن رجال ... وليس الحلم عن رهطي بعار
أقيل المرء ذا العثرات منهم ... ولا يخشون قد علموا عثاري
وقد أكفي مقام الكره منهم ... أخا الضّغن المبيّن والضّرار
وإني قد أهين لهن تلادي ... وأبرز مجلسي وتشبّ ناري
[في الحكمة والنصيحة]
وهب بن جرير بن حازم الجهضمي البصري، أحد رواة الحديث، وهو القائل في عبد الرحمن بن مهدي، من قصيدة: [البسيط]
لا يلهينّك دنيا طال ما لعبت ... بالناس قبلك فيها أيّما لعب
غرّارة، أهلها منها على وجل ... أيّ امرئ بسهام الموت لم يصب
لا تأمننّ انقلاب الدهر إنّ له ... تصرّفا لم يزل في سائر الحقب
دع المزاح فقد يزري بصاحبه ... وربّما آلت العقبى إلى غضب
[من جيد التشبيهات]
للقاضي أبي الحسن علي [١] بن النعمان: [٧٧ ظ] [البسيط]
وشاكلت ملح في الحبّ مونقة ... ما في الرياض وفي الأشجار من ملح
ثغر وخذّ ونهد واختضاب يد ... كالطّلع والورد والرمان والبلح [٢]
стр. 210
[دلالة الفاكهة]
آخر: [البسيط]
حافت فأكبرها من أن يقول لها ... حافت فأهدى لها في السرّ تفّاحا
فأرسلت نحوه الأترجّ تعلمه ... أن جرت فاختصما سرا وما باحا
فما أراد بمعكوس اسم ما بعثا ... إلا لما أفسد الواشون إصلاحا
[مختارات شعرية]
يروى لسيف الدولة بن حمدان [١] ﵁: [البسيط]
يا طلعة الشمس لما وافقت خللا ... من السحاب على أرض من الزهر
بدرت والبدر نحو الحسن في قرن ... فجئت قامرة يا قامر القمر [٢]
لابن الرومي: [٣] [الطويل]
إذا أنا نالتني فواضل منعم ... فأهلا بها ما لم تكن بهوان
ومن ذا الذي يلتذّ شهدا بعلقم ... أبت لهواتي ذاك والشّفتان
ولا أنّني أغشى المعايش كلّها ... ومالي بأن أغشى الهوان يدان
أريد مكانا من كريم يصونني ... وإلا فلي رزق بكلّ مكان
تذكّرت أنّي هالك وابن هالك ... فهانت عليّ الأرض والثّقلان
لمنصور الفقيه [٤] : [٧٨ و] [الوافر]
стр. 211
وقال نبيّنا فيما رواه ... عن الرحمن من علم الغيوب
محال أن ينال العفو من لا ... يمنّ به على أهل الذنوب
وله أيضا: [مجزوء الكامل]
ما كالعيون مخبّر ... عمّا تضمّنت القلوب
فصن الجيب بغضّها ... عنه إذا حضر الرقيب
وله أيضا: [الطويل]
بصغاء من تهوي اليك بخدّه ... لتلثمه يوم الفراق على رعب
تجاوز لنا عن سالف الذنب منعما ... وزرنا فقد تبنا إليك من الذنب
سترت شيبي عن الغواني ... فدلّسلوني مع الشباب
وله أيضا: [الطويل]
وانتقدوني فصيّروني ... في الردّ لّما رأوا خضابي
وله أيضا: [الكامل]
إتظنّني من زلّة أتعتّب ... قلبي عليك أرقّ ممّا تحسب
روحي وقلبي في يديك وإنّما ... أنت الحياة فأين عنك المذهب
وله أيضا: [٧٨ ظ] [السريع]
قد قلت للقلب وعاتبته ... على التّصابي ما أتى مرّه
يا قلب دع عنك طلاب الصّبا ... ما كلّ عام تسلم الجرّه
وله أيضا: [مجزوء الرمل]
قلت للمعجب لمّا ... قال مثلي لا تراجع
يا قريب العهد بالمخ ... رج لم لا تتواضع
стр. 212
آخر: [السريع]
بدر يخاف البدر من حسنه ... فضيحة فهو له ضدّ
في جيده خشف وفي لحظه ... سحر وفي نكهته ندّ
في ريقه خمر وفي قدّه ... غصن وفي خدّيه لي ورد
جحظة: [١] [البسيط]
جاء الشتاء وما عندي له ورق ... ممّا وهبت ولا عندي له خلع
كانت ففرّقها جود ولعت به ... وللمقلن أيضا بالنّدى ولع [٢]
بكر بن النطاح: [٣] [الطويل]
كفى حزنا أنّ الغنى متعذّر ... عليّ وأني بالمكارم مغرم
فو الله ما قصّرت في نيل غاية ... ولكنني أسعى إليها فأحرم
الوزير المغربي ﵀: [٧٩ و] [الطويل]
ولو لم أسمك الوصل إلا لأنه ... أمين على سرّ الوداد نصيح
تسرّ قلوب العاشقين فلا ترى ... عليهم علامات الغرام تلوح
ولم أر مثل الهجر للسرّ فاضحا ... يعلّم جفن العين كيف يبوح
[فطنة أعرابية]
الأصمعي قال: بينا أنا بطريق مكة مع أصحاب لي، إذ مرّ بنا أعرابيّ وهو يقول: من أحسّ من جمل أحمر بعنقه علاط [٤] ، وبأنفه خزامة [٥] ، يتبعه بكرتان سمراوان، عهد العاهد به عند البئر؟ قال، فقلنا: جمع الله عليك، وحفظ علينا،
стр. 213
والله ما احسسنا شيئا، ولا رأينا جملا هذه صفته. قال: وجويرية على حوض لها تمدره، فقالت: لا حفظ الله عليك يا فاسق، أغرب قبّحك الله عنا، فقلت:
ما تريدين من رجل ينشد ضالّته؟ فقالت: والله ما ينشد إلا أيره وخصيته!!
[خالد القسري]
جمح بخالد بن عبد الله [١] بغل على جسر واسط [٢] ، فوثب رجل وأخذ بعنانه، فأمسكه، فسلم، فلما سلم قال: من أنت فقد عظمت يدك؟ قال: أنا الذي ضربته ألف سوط وحبسته، قال: حلّ عن اللجام، فنعم مستودع الهوان اللئام.
[أمّ تشفع لولدها]
قال: أخذ مالك بن طوق [٣] رجلين قد عاثا في بلده، يقال لأحدهما زيد
стр. 214
ابن عامر الكلبي، وللآخر الوليد بن همام الشيباني، فأما زيد، فركب في رجال من كلب فوهبه لهم، وأما الوليد، فلجّ فيه، وعدّد عليه ذنوبا أسلفها إليه، قال حسين لخادم: فبينا نحن كذلك [٧٩ ظ] إذ أقبلت أمّ الوليد، فأعلمها طوق ما سلفت بيديه الوليد من ذنوب، وأنه على قتله واستئصال ما بقي من قومه، فأشفقت من ذلك، وبكيت بكاء شديدا، وأنشأت تقول: [الطويل]
بني عمّنا لا تبعثوا الحرب بيننا ... وإلا خشينا أن يميل عمودنا
ولا تقطعوا الأرحام بعد اشتباكها ... فيسخط مولانا ويرضى حسودنا
وكن مثل جدّيك اللذين تقدّما ... نكن مثل ما كانت عليه جدودنا
إذا نحن لم تذنب لديك غواتنا ... ولم يبد منّا حدّنا وحديدنا
ولم تغض عن زلّاتنا يا ابن مالك ... وعمّا بدا منّا فكيف يسودنا
وكيف يرجّي جارنا فضل عزّنا ... وكيف يرجّي الخير منا بعيدنا
فتملك بالنّعمى عليه رقابنا ... وتنشر في الآفاق عنك وفودنا
قال: فضحك طوق عجبا منها ومن شعرها، وقال: يا أمّ الوليد، قد وهبت لك ذنوب الوليد، ثم أمر به فأحضر يرفل في قيوده، ففكّها عنه وخلع عليه من ثيابه، وأثبته في وجوه رجاله.
[العفو وبلاغة الاعتذار]
حدث ابن كشمرد [١] قال: لما خرج [٨٠ و] تميم بن جميل الأوسي على المعتصم بالله، وكان قد عاث على شاطئ الفرات، كتب المعتصم إلى مالك بن طوق أن يسري إليه [٢] ويقبض عليه، فسار مالك حتى نزل الرّحبة فامتثل فيه أمر المعتصم، وحمله مكبّلا بالحديد، قال علّان بن كشمرد:
فحدثني أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد القاضي [٣] قال: كنت في اليوم الذي
стр. 215
أتى به على باب المعتصم، فأدخل عليه، فدخلت معه في أثره، فلما مثل بين يديه، أمر فبسط له النّطع، وانتضي له السيف، وان تميم رجلا عظاما جسما، فأحبّ المعتصم [١] أن يعلم أين جنانه وبيانه من جثّته وجثمانه، فقال له:
يا تميم هيه، إن كانت لك حجّة فأت بها، أو عذر فادل به، قال أحمد بن أبي دواد: فو الله ما رأيت رجلا عاين الموت فما ذهله ولا شغله عمّا أراد أن يفعله حتى فعله غيره، فقال تميم: أمّا إذا أذن أمير المؤمنين بالكلام فأقول:
الحمد لله الذي أحسن كلّ شئ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين [٢] ، ثم جعل نسله من ماء مهين جبر الله بك يا أمير المؤمنين صدع الدين، ولمّ بك شعث الأمّة، أخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبل الحق، إنّ الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وأيم الله لقد عظمت الجريرة، وساء الظنّ، وانقطعت الحجّة، ولم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو [٨٠ ظ] أن يكون أقربهما منك، أولاهما بخلائقك، وأشببها بسؤددك العفو، ثم أطرق ورفع رأسه وأنشأ يقول [٣] : [الطويل]
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي ... وأيّ امرئ ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرئ يدلي بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعزّ على الأوس بن تغلب موقف ... يهزّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّني ... لأعلم أنّ الموت حتم مؤقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعي إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا