وقال نبيّنا فيما رواه ... عن الرحمن من علم الغيوب
محال أن ينال العفو من لا ... يمنّ به على أهل الذنوب
وله أيضا: [مجزوء الكامل]
ما كالعيون مخبّر ... عمّا تضمّنت القلوب
فصن الجيب بغضّها ... عنه إذا حضر الرقيب
وله أيضا: [الطويل]
بصغاء من تهوي اليك بخدّه ... لتلثمه يوم الفراق على رعب
تجاوز لنا عن سالف الذنب منعما ... وزرنا فقد تبنا إليك من الذنب
سترت شيبي عن الغواني ... فدلّسلوني مع الشباب
وله أيضا: [الطويل]
وانتقدوني فصيّروني ... في الردّ لّما رأوا خضابي
وله أيضا: [الكامل]
إتظنّني من زلّة أتعتّب ... قلبي عليك أرقّ ممّا تحسب
روحي وقلبي في يديك وإنّما ... أنت الحياة فأين عنك المذهب
وله أيضا: [٧٨ ظ] [السريع]
قد قلت للقلب وعاتبته ... على التّصابي ما أتى مرّه
يا قلب دع عنك طلاب الصّبا ... ما كلّ عام تسلم الجرّه
وله أيضا: [مجزوء الرمل]
قلت للمعجب لمّا ... قال مثلي لا تراجع
يا قريب العهد بالمخ ... رج لم لا تتواضع
стр. 212
آخر: [السريع]
بدر يخاف البدر من حسنه ... فضيحة فهو له ضدّ
في جيده خشف وفي لحظه ... سحر وفي نكهته ندّ
في ريقه خمر وفي قدّه ... غصن وفي خدّيه لي ورد
جحظة: [١] [البسيط]
جاء الشتاء وما عندي له ورق ... ممّا وهبت ولا عندي له خلع
كانت ففرّقها جود ولعت به ... وللمقلن أيضا بالنّدى ولع [٢]
بكر بن النطاح: [٣] [الطويل]
كفى حزنا أنّ الغنى متعذّر ... عليّ وأني بالمكارم مغرم
فو الله ما قصّرت في نيل غاية ... ولكنني أسعى إليها فأحرم
الوزير المغربي ﵀: [٧٩ و] [الطويل]
ولو لم أسمك الوصل إلا لأنه ... أمين على سرّ الوداد نصيح
تسرّ قلوب العاشقين فلا ترى ... عليهم علامات الغرام تلوح
ولم أر مثل الهجر للسرّ فاضحا ... يعلّم جفن العين كيف يبوح
[فطنة أعرابية]
الأصمعي قال: بينا أنا بطريق مكة مع أصحاب لي، إذ مرّ بنا أعرابيّ وهو يقول: من أحسّ من جمل أحمر بعنقه علاط [٤] ، وبأنفه خزامة [٥] ، يتبعه بكرتان سمراوان، عهد العاهد به عند البئر؟ قال، فقلنا: جمع الله عليك، وحفظ علينا،
стр. 213
والله ما احسسنا شيئا، ولا رأينا جملا هذه صفته. قال: وجويرية على حوض لها تمدره، فقالت: لا حفظ الله عليك يا فاسق، أغرب قبّحك الله عنا، فقلت:
ما تريدين من رجل ينشد ضالّته؟ فقالت: والله ما ينشد إلا أيره وخصيته!!
[خالد القسري]
جمح بخالد بن عبد الله [١] بغل على جسر واسط [٢] ، فوثب رجل وأخذ بعنانه، فأمسكه، فسلم، فلما سلم قال: من أنت فقد عظمت يدك؟ قال: أنا الذي ضربته ألف سوط وحبسته، قال: حلّ عن اللجام، فنعم مستودع الهوان اللئام.
[أمّ تشفع لولدها]
قال: أخذ مالك بن طوق [٣] رجلين قد عاثا في بلده، يقال لأحدهما زيد
стр. 214
ابن عامر الكلبي، وللآخر الوليد بن همام الشيباني، فأما زيد، فركب في رجال من كلب فوهبه لهم، وأما الوليد، فلجّ فيه، وعدّد عليه ذنوبا أسلفها إليه، قال حسين لخادم: فبينا نحن كذلك [٧٩ ظ] إذ أقبلت أمّ الوليد، فأعلمها طوق ما سلفت بيديه الوليد من ذنوب، وأنه على قتله واستئصال ما بقي من قومه، فأشفقت من ذلك، وبكيت بكاء شديدا، وأنشأت تقول: [الطويل]
بني عمّنا لا تبعثوا الحرب بيننا ... وإلا خشينا أن يميل عمودنا
ولا تقطعوا الأرحام بعد اشتباكها ... فيسخط مولانا ويرضى حسودنا
وكن مثل جدّيك اللذين تقدّما ... نكن مثل ما كانت عليه جدودنا
إذا نحن لم تذنب لديك غواتنا ... ولم يبد منّا حدّنا وحديدنا
ولم تغض عن زلّاتنا يا ابن مالك ... وعمّا بدا منّا فكيف يسودنا
وكيف يرجّي جارنا فضل عزّنا ... وكيف يرجّي الخير منا بعيدنا
فتملك بالنّعمى عليه رقابنا ... وتنشر في الآفاق عنك وفودنا
قال: فضحك طوق عجبا منها ومن شعرها، وقال: يا أمّ الوليد، قد وهبت لك ذنوب الوليد، ثم أمر به فأحضر يرفل في قيوده، ففكّها عنه وخلع عليه من ثيابه، وأثبته في وجوه رجاله.
[العفو وبلاغة الاعتذار]
حدث ابن كشمرد [١] قال: لما خرج [٨٠ و] تميم بن جميل الأوسي على المعتصم بالله، وكان قد عاث على شاطئ الفرات، كتب المعتصم إلى مالك بن طوق أن يسري إليه [٢] ويقبض عليه، فسار مالك حتى نزل الرّحبة فامتثل فيه أمر المعتصم، وحمله مكبّلا بالحديد، قال علّان بن كشمرد:
فحدثني أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد القاضي [٣] قال: كنت في اليوم الذي
стр. 215
أتى به على باب المعتصم، فأدخل عليه، فدخلت معه في أثره، فلما مثل بين يديه، أمر فبسط له النّطع، وانتضي له السيف، وان تميم رجلا عظاما جسما، فأحبّ المعتصم [١] أن يعلم أين جنانه وبيانه من جثّته وجثمانه، فقال له:
يا تميم هيه، إن كانت لك حجّة فأت بها، أو عذر فادل به، قال أحمد بن أبي دواد: فو الله ما رأيت رجلا عاين الموت فما ذهله ولا شغله عمّا أراد أن يفعله حتى فعله غيره، فقال تميم: أمّا إذا أذن أمير المؤمنين بالكلام فأقول:
الحمد لله الذي أحسن كلّ شئ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين [٢] ، ثم جعل نسله من ماء مهين جبر الله بك يا أمير المؤمنين صدع الدين، ولمّ بك شعث الأمّة، أخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبل الحق، إنّ الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وأيم الله لقد عظمت الجريرة، وساء الظنّ، وانقطعت الحجّة، ولم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو [٨٠ ظ] أن يكون أقربهما منك، أولاهما بخلائقك، وأشببها بسؤددك العفو، ثم أطرق ورفع رأسه وأنشأ يقول [٣] : [الطويل]
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي ... وأيّ امرئ ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرئ يدلي بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعزّ على الأوس بن تغلب موقف ... يهزّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّني ... لأعلم أنّ الموت حتم مؤقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعي إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
стр. 216
فان عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن مت موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
فتبسّم المعتصم وقال: يا تميم، قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر فحلّ وثاقه وخلع عليه، وعقد له ولاية على الفرات وما أخذ أخذه.
[من سيرة الإمام علي]
سلمان الفارسي [١] رحمة الله عليه، قال: دخلت على مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ليلة من الليالي وهو جالس ينظر في حساب، وبين يديه [٨١ و] مصابح يقد فجلست إليه مليّا، فلما فرغ من حسابه أطفأ المصباح وأمر باشعال غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت عجبا، فقال: يا سلمان، أتراك تشير إلى المصباح، فقلت: أجل، فقال: هو زيت المسلمين وحسابهم، فلما فرغ أطفأته، ثم لبس نعليه وخرج إلى باحة الدار وتبعته، فنظر إلى السماء مليّا وتنفس الصعداء، ثم قال: يا سلمان، إنّ بين جنبيّ علما جمّا، لو أجد له جملة، ثم أنشأ يقول: [٢] [البسيط]
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... الله أعلم أنّي لم أقل فندا
إنّي لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
стр. 217
[عشرة أعضاء أولها كاف]
قال عبد الملك بن مروان لسويد بن غفلة [١] : أخبرني عن عشرة أشياء في جسدي أوائل أسمائها (كاف) ، ولك ألف درهم ودست ثياب، فقال:
هي: الكفّ، والكوع، والكرسوع [٢] ، والكتف، والكتد [٣] ، والكاهل، والكبد، والكرش، والكلية، والكعب. فقال: أخطأت، ليس للإنسان كرش، وإنما هي أعفاج [٤] ، هات تمام العشرة، قال: ابلعني ريقي، قال: قد أبلعتك الفرات، ولن تأتي بها، فقام سويد ليبول، فلما حلّ سراويله ذكر بطنه إلى إحليله، فجعل يعدد محلول السراويل وهو يقول: خذ بيدك: الكمرة [٥] ، فهي تمام العشرة، فقال عبد الملك أعطها [٦] . [٨١ ظ]
[لحية ابن عياش]
قال المنصور يوما لعبد الله بن عيّاش [٧] المنتوف: قد بغّضت إليّ صورتك عشرتك، وأقسمت بالله لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعنّ يدك فأعفاها حتى اتصلت وخرجت، وكان عنده يوما يحدثه بأحاديث استحسنها
стр. 218
واستفادها، فقال: سلني حاجتك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، تعطيني لحيتي أفعل بها ما أريد، فضحك المنصور، وقال: قد فعلت.
[الأعراب تسلب الخليع]
للخليع الشامي [١] : [٢] [السريع]
أنا شاعر أنا ناثر أنا شاكر ... أنا جائع أنا راجل أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها بغيار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى ... ألّا تكلفني دخول النار [٣]
[أبو البختري]
دخل الرشيد يوما إلى دور حرمه، وهو آخذ بيد أبي البختري، وهب بن وهب [٤] ، فتوقف أبو البختري، فقال له الرشيد: ادخل، فدخل معه، فقال
стр. 219
الرشيد: والله يا أبا البختري، إنّ هذا مدخل ما دخله غيرك، قال: لا جرم أنّ المنّة لي فيه يا أمير المؤمنين، قال: كيف ويحك؟ قال: يدخل أمير المؤمنين كأنّه قمر زاهر، وأدخل [٨٢ و] أنا معه وأنا شيخ أصلع قصير بطين أزرق، فوالله ما يظنّ كلّ من في القصر إلا أنّ كلّ من وراء هذه الخدر [١] من الرجال مثلي، قال: فضحك الرشيد وأمر له بجائزة.
[تعليق للوزير المغربي]
ووجدت بخط الوزير أبي القاسم المغربي ﵀ في الحاشية عند هذا البيت: [البسيط]
لا تمسكي بعرى أحلامه سفها ... كم قد أوى ووأى مينا ومخترصا [٢]
ما أدري إيش قال، وهذا البيت من قصيدة للقاضي أبي تغلب الواسطي أنفذها إليه، جوابا عن قصيدة للوزير على هذا الوزن والقافية.
[حومل]
قال العتبي: سأل أبي أبا وائل الأعرابي: كيف وجدك بحومل؟ [٣] فقال: ما أمّ واحد بين صفّي بأشفق مني عليها، وإني لأذكرها وبيني وبينها
стр. 220
عقبة الطير [١] ، فأجد من ذكرها ريح المسك، ولئن لم يكن الحبّ من الجنون إنه لعصارة السحر.
[لا تعجل بحمد أو ذم]
ابن مسعود: [٢] لا تعجّل بحمد أحد ولا بذمّه، فربّ من يسوؤك اليوم يسرّك غدا، وربّ من يسرك اليوم يسوؤك غدا.
[من شعر الحسين اليمامي]
قال الوزير ﵀: أنشدنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن إسماعيل بن رحمة اليوسفي اليمامي من بني حسن ﵈ لنفسه: [الطويل]
لئن عتمت رجلي وقمت على العصا ... ولم يشتعني لمّة الحدثان [٣]
أجب داعي الشوق الذي لا يجيبه ... ضعيف ولا رثّ القوى متوان
إذا استظهر الجبس الدّنيّ لحافه ... عليه وغطّى الليل كلّ جنان
[٤] [٨٢ ظ] تبرّأت إلّا من قميصي وصارم ... من المشرفيّات العتاق يمان
وقمت ولي في ساحة الحيّ صاحب ... مقرّ بعيني منذ كنت وكان
قال الوزير: وكان قد عرج من ضربات لحقته، فأقام أخا فراش سنة لا
стр. 221
يقوم على رجله، ثم قام ومشى على عرجة شنيعة رأيناها به، حفظه الله.
قلت: وإنما نقلت هذه الأبيات، وحكاية الوزير عنه لأوردهما عند ذكره في جملة نسب بني حسن بن حسن إن شاء الله.
روي أنه ما كان أحد قطّ يشكو إلى رسول الله ﷺ وجعا في رأسه، إلا قال له احتجم، ولا في رجله، إلا قال اخضبها.
[مزاعم النساء]
النساء يزعمن أنّ العقارب كان بينها وبين نوح ﵇ عهد، فاذا ذكر لهنّ لم يلسعن، فخرجت جارية للجمّاز [١] تفتح الباب وهي تقول: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
[٢] ، فلسعتها عقرب فصاحت، فقال لها الجماز: نفسك، تتركين محمدا ﵊ وتطلبين الفضول؟
[إنما أنت حية]
بدوي: [الطويل]
ثمانين حولا لا أرى منك راحة ... لهنّك في الدنيا لباقية العمر [٣]
وما لك عمر إنّما أنت حيّة ... إذا هي لم تقتل تعش آخر الدهر
[قصيدة لبعض الحسينيين]
قال الوزير: أنشدني الأمير أبو الفتوح حرسه الله، يعني صاحب مكة
стр. 222
[٨٣ و] لبعض الحسينيين من أهل المدينة، في حرب بينهم، فقال: [الطويل]
أيا عترة الطّهر التي بسقت لها ... شوامخ مجد لا يمارى حسيبها [١]
أفي أن دعوناكم لنصر عشيركم ... على حين نار الحرب هرّ كليبها
وأجمعت الإخوان من آل جعفر ... علينا فهبّ المرد منها وشيبها
قلبتم لنا ظهر المجنّ وأشعلت ... قصائد مكروه الأذايا شبوبها [٢]
وأتيتم فينا الشهادات أنّنا ... نهبّ إذا العيدان حان هبوبها
فقل واستعن بالصدق يا با محمد ... فمن شرّ أقوال العشير كذوبها
وسل عالما في حلمنا يا ابن يوسف ... وحلمك والأبناء تنمى خطوبها
أنحن هببنا بالرّعاع عليهم ... أم أنت ببدر يوم طار عكوبها [٣]
صبحتهم جأواء من آل تبّع ... قليل تناهيها سريع وثوبها [٤]
ولولا رجال من عليّ لأصبحت ... على حالة تشكو الهوان حريبها
فألّا نهاك الحلم عنهم فلم تطع ... لسورتها نفسا شديدا شغوبها
معوّذة ألّا تطا الحشف ما بدت ... شماريخ رضوى ربدها وفنودها [٥]
وكم قد رمونا قبلها يا ابن يوسف ... بموبقة أعيى دواها طبيبها
стр. 223
حلمنا لها والحلم منّا سجيّة ... لدى الرحم عاد صابا حليبها
[٨٣ ظ] فلما رأينا أنّه لا يصدّهم ... عن الجهل إلا خطّة وركوبها
قد عناهم عنا بكلّ مهنّد ... وخطّيّة سمر لدان كعوبها [١]
وقمنا فنادينا عليّا فأقفصت ... لنا جعفر حضّارها وغريبها [٢]
فيا ليتنا كنّا بكينا ولم نكن ... دعونا عليّا دعوة لا نخيبها
وهذه نقلتها لأوردها في موضعها من كتاب النسب إن شاء الله تعالى.
[تحقيق نسب ابن مسعود]
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن فار [٣] بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل. وقالوا: قار، وهو خطأ بالقاف، وقالوا: فار بالفاء وهو صحيح، وقد ذكر ابن حبيب، وفار بن شمخ في رواية أخرى.
[وصية إبي نواس]
لما حضرت أبا نواس الوفاة، كان له خاتمان؛ أحدهما حديد صيني مربع عليه مكتوب: (الحسن بن هاني يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا) ، والآخر عقيق أحمر مربع عليه مكتوب: [٤] [الطويل]
يعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
فقال: إذا متّ فاقلع الفصّ الحديد واغسله وصيّره في فمي، وخلّني وربّي.
стр. 224
[من شعر المأمون]
للمأمون: [الخفيف]
عرفت حاجتي إليها فضنّت ... ورأت طاعتي لها فتجنّت
وإذا النفس رامت الصّبر عنها ... ذكرت حسرة الفراق فجنّت
[٨٤ و] لا تلومنّ غير نفسك فيها ... أنت حنّنتها عليك فجنّت
[مقتل أعشى همدان]
محمد بن سلام عن أبان بن عثمان، قال: كان أعشى همدان [١] مع ابن الأشعث [٢] وقال له: [٣] [الكامل]
ولقد سألت المجد أين محلّه ... فالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشج وبين قيس بيته ... بخ بخ لوالده وللمولود [٤]
فلما أتى به الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث قال له: أنت المبخبخ بهجائك؟ قال: أنا الذي يقول [٥] : [الطويل]
أبى الله إلا أن يتمّم نوره ... ويطفيء نار الفاسقين فتخمدا
стр. 225
قال: اقعد يا غلام، اكتبها، فلما فرغ منها قال: يا غلام، اضرب عنقه، والله لا تبخبخ بعده لأحد.
[منصور النمري]
أنشد منصور النمري [١] الرشيد يوما من الأيام قصيدة يقول فيها: [٢] [الوافر]
بني حسن ورهط بني حسين ... عليكم بالسّداد من الأمور
فقد ذقتم قراع بني أبيكم ... غداة الرّوع بالبيض الذكور
وحين شفوكم من كلّ وغم ... وضمّوكم إلى كنف وثير [٣]
وجادتكم على ظمأ قديم ... سماء من نوالهم الغزير [٤]
وما كان العقوق لهم جزاء ... بنعمتهم إدراك الثّؤور [٥]
وإنّك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحزون الضمير
[٨٤ ظ] قال: فقال هارون: كأنك والله في قلبي [٦] .
стр. 226
[عزل قاضي دمشق]
محمد بن عمران الأحتسي قال: أظنه عن إبراهيم الموصلي، قال: كنا قدّام المأمون بدمشق، فتغنى علويه [١] فقال: [٢] [الطويل]
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عنّي كما قالوا
ولكنّهم لما رأوك شريعة ... إليّ تواصوا بالنميمة واحتالوا [٣]
فقد صرت للواشين أذنا سميعة ... ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
قال المأمون: يا علويه، لمن هذا الشعر؟ قال: للقاضي، قال: أيّ قاض ويحك؟ قال: قاضي دمشق، فقال: اعزلوه، قال: فعزل، ثم قال:
ليحضر الساعة، فأحضر شيخ قصير مخضوب، فقال له المأمون: من أنت؟
قال: فلان بن فلان الفلاني، قال: أتقول الشعر؟ قال: كنت أقوله في حداثتي، قال: يا علويه أنشده، فقال: هذا الشعر لك؟ قال: نعم، قال فقال: يا إسحاق، اعزله، فما كنت لأولّي رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام.
[كسرى وسيف بن ذي يزن]
قال: لما وفد سيف بن ذي يزن [٤] على كسرى وهو في القصر الأبيض
стр. 227
بالمدائن [١] ، فأذن له فدخل منكّس الرأس من باب الإيوان، وهو رجل حيدر أي قصير [٢] ، فقام خطيبا، فبينا هو في كلامه إذ سقطت مخصرته [٣] من يده، قال: فقطع الكلام حتى ردّت عليه، ثم مضى في كلامه، فلما صار إلى حاجته قال: استنصرك بالقرابة، فأقعده إلى جانبه، ثم قال: إني قد أنكرت عليك مذ رأيتك ثلاثا [٨٥ و] ، قال: يسألني الملك عنهنّ أطلعه ثباتا هنّ، قال: رأيتك حين دخلت نكست رأسك من إيواني، وأنت ما رأيت قطّ أطول منه، ولم آر قطّ أقصر منك، قال: هذه واحدة، قال: والثانية أنك تكلمت بأحسن كلام وأبلغه، فوقعت المخصرة من يدك فقطعت كلامك حتى ردّت عليك، قال:
والثالثة قولك: واستنصرك بالقرابة، وأنت رجل من العرب، وأنا رجل من الفرس، قال: صدقت، أما مطأطأتي رأسي عن إيوانك على ما ترى من قصري، فانما طأطأته بهمّتي لا ببدني، قال: زه، وكان إذا قال للرجل زه أعطي أربعة ألف واف، فأخذها، قال: وأما قطعي الكلام عند سقوط المخصرة، فاني ابتدأت كلامي على أمر فكرهت أن ينقطع إلا عليه، فأعاد
стр. 228
عليه زه، فأعيدت عليه الدراهم أربعة آلاف واف، فأخذها، قال: وأما استنصاري إياك بالقرابة وأنا رجل من العرب وأنت رجل من فارس، فاني أبيض الجلدة وأنت أبيض الجلدة، وأستنصرك على قوم سود الجلود، قال:
زه، فأعطي أربعة آلاف واف. قال: ثم حضر غداؤه، فأمر كسرى فوضعت بين يدي كل رجل ممن معه دجاجة، مع ما يختلف به عليهم من الطعام، فغمز كسرى أصحابه ليتحرّشوا به، فتناول رجل منهم الدجاجة التي بين يدي سيف، فرفع سيف مخصرته فقنّع بها كفه، فقال كسرى: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، لو أقررت عليّ الضّيم في بلادي لم آتك في بلادك [٨٥ ظ] استنصرك فيها، قال: زه، فأخذ آربعة ألف واف، وخرج بالمال معه، فلما صار بالباب أنهبه، فأتي كسرى فأعلم بذلك، فقال: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، ما أرجو أنا بالمال، وإنما أنا طالب ثار، وأنا أدعوك إلى أرض ترابها المال. قال: فما استماله بشيء ولا استعطفه بأمر مثل هذه الكلمة، فوجّه معه ست مئة كانوا عنده في الحبوس [١] ، فحملهم في البحر، وقيل له: أنت تريد قتلهم، فان غرقوا فهو الذي أردت، وإن سلموا فقتلوا فهو ما أردت، وإن ينجوا وظفروا فهو ما أردت، وسلموا وفتحوا، وغلبوا على الحبشة، وقد كان كسرى تقدم إلى صاحبه: إذا فتحت فانظر، فان كان سيف له موضع شرف يصلح أن يولى مثله، فولّه، فولاه وكان من أمره وأمر الحبشة ما كان.
[الحذر من الأعداء]
فضيل بن عبسي قال: أنشدني بعض إخواني: [٢] [الطويل]
стр. 229
تكثّر من الإخوان جهدك إنّهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ لعاقل ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
[في اللغة]
أنا آتيك عصرا أو قصرا [١] ؛ العصر بعد الظهر، والقصر بعد العصر، وأقصرنا دخلنا في حدود المغرب [٢] ، المجمد الأمين، والجامد البخيل [٣] .
[الشماتة بالعدو]
إبراهيم بن المدبر [٤] : [الوافر]
يقول العاذلون تسلّ عنها ... وأطف غليل قلبك بالسّلوّ
[٨٦ و] وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدوّ
[أبو علي البصير]
أبو علي البصير [٥] في عليّ ابنه: [البسيط]
стр. 230
ارحم أبا واحد يا ربّ ليس له ... علق سواه يرجّيه ويدّخر
عوّضت من بصري لمّا فجعت به ... من لو أطاق فداه السّمع والبصر
عزّيت عنّي ولا عزّيت عنك فان ... ن العيش بعدك مرّ طعمه كدر
[عروة بن أذينة]
لبعض القرشيين: [١] [الكامل]
وقفوا ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض هنالك ما هم [٢]
متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ تفرّق لم يندموا [٣]
ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والركن يعرفهنّ لو يتكلّم [٤]
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
عن نصر بن سيّار: إن فلانا يكتب، قال: تلك الزمانة [٥] الخفية.
[علي وأذى أصحابه]
قال: كان عليّ صلوات الله عليه إذا آذاه أصحابه وشغبوا عليه يقول: [٦] [الرجز]
خلوا سبيل العير يأتي أهله ... سوف ترون فعلكم وفعله
стр. 231
[في الأمثال]
ذكر المفضل: أن سعد بن زيد مناة حضر عكاظ، ومعه غنم له، فقال لابنه: اسرح، فقال: والله لا أسرح فيها سنّ الحسل [١] ، والحسل: ولد الضّبّ، فقال للآخر: اسرح [٨٦ ظ] معزاك، فقال: لا والله لا أسرح ألوة الفتى هبيرة بن سعد [٢] ، فأنهبها الناس وقال: أقسم على رجل أن يدع أن يأخذ منها، وأقسم على رجل أن يجمع بين اثنتين، فأنهبها الناس، فلذلك قالوا في المثل: (حتى يجتمع معزى الفزر [٣] ) ، وبهذا قيل له الفزر.
[التفاؤل بالأسماء]
أنشد: [الطويل]
وسمّيته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل
توخيت فيه الفأل أبغي حياته ... ولم أدر أنّ الفأل فيه مغيل
[في الاعتذار من البكاء]
وأنشد وهو لبشار: [٤] [الوافر]
стр. 232
وناداني أميركم نداء ... وفيه عن مشاورتي صدود
أنظعن أم نقيم فقد أردنا ... بلادا كلها حال مجود [١]
وأبرزت الهوادج ناعمات ... عليهنّ المجاسد والبرود
فلما ودّعونا واستقلّت ... بهم صهب هواديهنّ قود [٢]
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهنّ ليتهم بعيد
وفاضت عبرة من ماء عيني ... كأنّ وكيف وابلها الفريد [٣]
فقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطّرب الجليد [٤]
ولكني أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد [٥] [٨٧ و]
فقلن ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود [٦]
لقيل دموع عينك خبّرينا ... بما جمحت بزفرتك الصعود
стр. 233
[زهد الفضيل بن عياض]
عن سفيان بن عيينة [١] ، قال: دعانا هارون- يعني هارون الرشيد- فدخلنا عليه، فدخل الفضيل [٢] آخرنا مقنّعا رأسه بردائه، فالتفت إليّ فقال:
يا سفيان، أيّهم أمير المؤمنين؟ قال: قلت له هذا، فقال [٣] : أنت هو يا حسن الوجه، الذي تقلدت أمر هذه الرعية في عنقك، لقد تقلدت أمرا عظيما، قال: فبكى فضيل وبكى هارون معه، قال: ثم أتى كل واحد منا ببدرة فوضعت بين يديه، فكلنا حمل بدرته إلا فضيلا، فقال له هارون يومئذ: يا أبا علي- قال سفيان والأيمان مهيب-: إن لم يستحلك أخذها منا- يعني لنفسك- فخذها واعطها مديونا وأشبع بها جائعا، اكس بها عاريا، فرّج بها عن مكروب، فقال: ولا هذا، اعفنا منه يا أمير المؤمنين، فقال سفيان: فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، أخطأت اليوم، قال: وكيف؟ قلت: هذه إذا لم تقبلها نهلا، أخذتها فقضيت عن مديون، أو أشبعت جائعا، أو فرّجت عن مكروب. قال سفيان: فأخذ بأطراف لحيتي فقال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد، والمنظور إليه، تغلط هذا الغلط، لو طابت لأولئك لطابت لي. قال سفيان: فصغّر والله إليّ نفسي.
[بلال بن أبي بردة]
قيل لذي الرمة: لم اختصصت بلالا [٤] بالمدح؟ قال: لا والله، وطّأ مضجعي، وأكرم مجلسي. [٨٧ ظ]
стр. 234
[أرق لبيتين من الشعر]
أبو بكر العمري قال: أنشد الحسن بن زيد أبا السائب المخزومي [١]- وكان ظريفا- بالليل وهما على العشاء بيتين يعجبانه، فانصرف إلى منزله فتذكّرهما، فلم يذكرهما، فأرّقاه، فخرج بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، حتى دقّ عليه الباب وقد نام، فخرجت الجارية فقالت: هو نائم، فقال: ما نائم، لا أنام الله عينك، أفنام ولا أنام أنا؟ فانتبه فقال: ادخلوه، ما جاء به إلا حادث، فدخل عليه فقال: البيتين اللذين أنشدتني أعدهما، قال ويحك، أنبهتني لبيتين؟ قال: أفتنام أنت وأسهر أنا؟
[قاضي حمص]
رجل من أهل حمص قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى واليه بحمص [٢] : أن ابعث إليّ بأعقل رجلين بحمص، قال: فوقف على باب المسجد الجامع، فنظر إلى رجلين نبيلين عليهما ثياب جياد وقلنسوتان طويلتان، وهيئة حسنة، فقال لهما: أجيبا أمير المؤمنين، قال: فشخصا إلى سليمان، فقدما إليه، وسليمان في غرفة يتشرّف [٣] ، فلما نظرا إلى سليمان همس أحدهما إلى صاحبه بشىء، ثم صعدا إلى سليمان، وهو وحده، وفي حجره صبي، فقال أحدهما لصاحبه: أيّهما هو؟ فقال له الآخر: أبو الصبي،
стр. 235
فقال لهما سليمان: ما قال أحدكما لصاحبه حيت رأيتماني؟ قالا: خيرا، قال: عليّ ذلك، قال: شبّهك صاحبي بأبي حيرون بيطار عندنا، قال:
اخرجا، فخرجا، وكتب إلى واليه أن ابعث لي بقاضي حمص، فبعث بالقاضي، فقدم على سليمان، فسلّم، وسأله فقال: ما اسمك؟ قال: يا أمير المؤمنين، اسم قديم، قال: واخبرني به [٨٨ و] قال: حمران، قال: فأبو من؟ قال: فأبو الهواء، قال: فنظر إلى خاتم في يده كبير الفصّ، فقال له:
هذا خاتمك؟ الذي تختم به للقضاء؟ قال: نعم، قال: أيّ شيء عليه؟ قال:
ثبت الحبّ ودام، وعلى الله التمام، قال: اخرج قبّحك الله. [١]
[رسالة]
هذه رسالة إلى الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، كتبها إليه أبو الحسن علي بن الحسين [٢] الأمير، ابن اخت العصفري. كذا استلوحت [٣] من خط الوزير أبي القاسم على هذه الرسالة، لأن المجلد كان حاف بالقطع عليه فلم يبق منه إلا التوهم، وذكر أنه لما كتب هذه الرسالة كان وزير فضلون بجنزة [٤] ، والله أعلم. [٨٨ ظ]
стр. 236
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله الطيبين، صلاة دائمة إلى يوم الدين، أما بعد، أعاذك الله من سلطان الهوى، وأشعر قلبك عز التقوى، وجنّبك موارد الزّيغ والزلل، وألهمك الإنصاف في القول والعمل، وعمر بك مواسم الأدب، ودفع عنك محاذر النّوب، وثلج ببرد اليقين صدرك، ورفع في درج المتقين ذكرك، وكان غير هذا الخطاب أولى بك وأدعى إلى استمالة سمعك، ولكني أستحسن مبادي رقاع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وكتبه مفاتيح رسائله وخطبه، وأسلك أن يحملني على ذلك الأسلوب، وتعلم أني من المقدرين به، والآخذين عنه، والمنقطعين إليه، فان أصبت فمنه، وإن أخطأت فعليه، فاني كنت أرى أصحابنا من كتّاب أذربيجان في منصرفي من العراق، يرون البلاغة هذرا، والإسهاب خرقا، والإطالة ملقا، والفصاحة هجنة، والذلاقة وصمة، والسلاطة نقيصة، والبيان رعونة، والغيّ فضلا، والحصر عقلا، حتى أنار بك دجاها، ودارت عليك رحاها، وانجاب برأيك ظلامها، وأشرقت بايحائك أيّامها، وطلعت شمس الفضائل بعد أن طال أفولها، ولاحت غرر المناقب وحجولها، وورت زنود المعالي والرتب، وكبت جدود المخازي والريب، واحتجنا أن نطلق المقاول من عقالها، ونرسل الخواطر عن [٨٩ و] كلالها، ونجيد سهام المجادلة، ونرهف شباة المساجلة، ونعود إلى عادة اللّسن، وننتهي عن دناءة اللّكن، ونقول للقرائح استيقظي، فقد طال رقادك، وللجوارح هبّي فقد ساء اعتيادك، فهنيئا لدهر لا تغفر ذنوبه إلا بك، ولا توهب حرائره إلا لك، ولا تصدر محاسنه إلا عنك، ولا تنسب مآثره إلا إليك، لا تعرف له حسنة سواك، ولا تنشر عنه منقبة غيرك.
فقد حدثني [١] على إملاء هذه الرسالة في إيجاب الحجة، وإيضاح المحجّة أمور أوّلها: أنّي منذ عرفتك قبل أن أيفعت وإلى حين الاكتهال، ومنذ لدن نشأت إلى حد الاكمال، والعلم غايتك التي إليها تجري، وغرضك
стр. 237
الذي إليه ترمي، وحليتك التي بها تروّيت، وشيمتك التي إليها اعتزيت، وكنزك الذي له تدّخر، وعزّك الذي تفتخر، عليه شدّ نطاقك، وإليه نزعت أعراقك، فكيف الآن وقد بلغت أشدّك، وعضضت ناجذك، وامتطيت كاهل الزمان حنكة، وحلبت أشطر الدهر دربة، ثم إني صورت لك هذا المسعى الأنجح، والمتجر الأربح، حتى إذا فتح الله عليك ما أغلق، ودفع عنك ما عوّق، كنت كالشاهد لمنازله ومياهه وعقاته [١] ورماله ومفاوزه وجباله وحياضه، وحفارة ومعالمه وآثاره، فتردّ على نصيره، وتقدم على وثيقه، فقد قيل: (قتل أرضا عالمها) [٢] ، و (قتلت أرض جاهلها) [٣] ، وأيضا فانّ تحديد النظر، وما يزف إلى ثاقب رأيك من بنات [٨٩ ظ] الفكر، والدلائل عيانا من المواعظ والعبر، تشحذ بصيرتك، وتوقظ عزيمتك، لا نتهاز الفرصة، وتقديم العدّة ليوم الشدة، فان ظلمة الشك لا تنجلي إلا بمصباح اليقين، ومنها أنّ أبي ﵁، سمعته يقول: عاد رجل من حجه فتهافت عليه إخوانه، وتواتر إليه جيرانه، يسألونه عن خبره وحاله في سفره، حتى قطعوه عن مهمّه، فأخذ صحيفة وأودعها قصّته مشوقة، وصورته مشروحة، فكان إذا أتاه آت يستخبرونه، رمى نحوه الصحيفة، ونبذ إليه الدّرج، وقال: هذا أعلم، فتداوله القوم قراءة وتصفحا، واستراح منهم.
ولذكر البادية حرس الله النعمة عليك، وعلينا بك، بداهة يرتاع لها الصّرورة [٤] إذا سمع بها، وهيبة يجزع منها الفروقة [٥] إذا خبّر عنها، وأيم الله
стр. 238
ما سافر امرؤ سفرا أسعد وأيمن منه وأرفق، وإنّ كان الله عزّ اسمه خبّرنا في محكم كتابه أنه لا يبلغ إلا بشق الأنفس [١] ، تصديقا لقول أصدق القائلين:
(فانما هي الشقة يجدها المسافر في كل طريق نازح) [٢] ، وأما النسيم العليل والهواء الرقيق، والماء العذب، والصحة من غير سقم، وملاذ المأكل والمشرب من غير بشم، فكل ذلك موجود بلا اختلاف، وأنا أسأل الله أن يختم مساعيك الحميدة به وينشر لك الأمل فيه، ولنا الرجعى إليه.
[إذا الله سنى عقد أمر تيسرا]
أخبرنا محمد بن محمد النّسوي، من نسا خراسان [٣] ، عن ابن مقسم، عن أبي بكر محمد بن مجاهد، في عرض حديث [٩٠ و] رفعه باسناد أخره ابن عباس رحمة الله عليه: (إذا أحب الله أمرا سهّل دواعيه وكثّر أسبابه) [٤] ، وقديما قالت العرب: [٥] [الطويل]
إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا
فأما من حجب فلم يصل، ومنع فلم ينل، وانتجع فرجع، وسار فحار، وشخص فنكص، ونهض فاندحض، فأكثر من أن يحصى.
[ذكريات حاج]
حدثني غير واحد من حاج خراسان، منهم أبو بكر الفقيه النيسابوري،
стр. 239
عن رجل من مياسيرهم، أنه حجب ثلاث دفعات، ما فيهن واحدة إلا وقد أجهد فيها نفسه، وأنفق ماله، وأما إحداهن فانه نزل لبعض أمره بعقبة إبليس [١] ، وللناس وجيف [٢] في المصعد، فانما هي أيام معدودة يخشى فوتها، فما ملك نفسه نعاسا حتى ثوّروا، واحتاج أن يعود إلى الكوفة بعد اللتيّا والتي.
وأما الثانية: فانه بلغ ذات عرق [٣] فمرض بها وأقام، فما ضحّى الناس حتى عاد كالظليم، ورجع وقد فاته الحجّ.
وأما الثالثة: فانّ طيّئا عرضت بالهبير [٤] بحاج خراسان، فما قطع إلا قطاره [٥] دون الخلق، وسار الناس، وبقي في تلك الحال تائها، فأقول: ما جربت ما جربت من بركات العترة [٦] الطاهرة من آل محمد ﵇ وعليهم، الذين هم سرج الدين اللائحة، وطرق النجاة الواضحة، ومنار الحق، ومظان الوحي، والحجّة في الأرض، والشفعاء يوم العرض، كنت بالزي بعد مضي شاهنشاه، وأنا مترجّح تائه من أشغال [٩٠ ظ] لا آمن غوائلها، وأعمال لا أحمد عواقبها، وحجّ قد جدّ جدّه، ولا يؤذن لي فيه، فلجأت إلى المشهد، مشهد الشريف عبد العظيم ﵀، ظهيرة يوم
стр. 240
الجمعة، وركعت ركعات، وتشفّعت بذلك الجدث المطهّر، وأكثرت التضرّع في سجودي، وعدت إلى داري لا أعقل ما أطأ وجوما وحيرة، وأعدت الاستئذان والناس لي غالب، وكلّ في الإلحاح عليّ عاتب، فوالذي شقّهنّ خمسا من واحدة، ما كان بأسرع وأوحى [١] من أن أتاني الإذن مهنّئا، والمال معجّلا، والكتب مؤكّدة، وسأذكر في هذا الباب ما ليس منه بسبب:
كنت في النصف من شعبان سنة إحدى وسبعين في الاعتقال العضدي الصعب بمدينة السلام، على أقوى درجات اليأس، وكانت طائفة من أصحابنا الشيعة تغشاني، وأنا باك لفوت الزيارة، لاه عمّا فجأني من البشارة، لا أطمع غير الذّماء [٢] ، ولا أرجو سوى البقاء، فكلّ أشار بأن أصلي ركعتين وأقوم كأني سائر زائر، وأخطو خطوات، فاذا ردني الموكلون من الباب قلت: اللهم إنك ترى، وتكون القصة إلى الشهيد بكربلاء ﵇، مكتوبة تحمّلها من يزور عني، ففعلت ذلك، فوالله ما وصلت حتى أتاني البشير برفع القيد، فجذبني من كنت على حبل ذراعه من ولاة الأمر، إنهم أمروا بذلك فجأة من غير ذكر تقدّم، وبغتة من غير خلق تكلم.
وكنت دخلت الزيّ [٣] [٩١ و] في آخر سنة خمس وستين، فاستقبلني بعض أشراف العلويين، فسألته عن أحمد بن محمد بن بندار، وكان لي دون أبي صديقا، فقال: وقيذ [٤] من ضربة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فما زادني في قوله على التعجب مرة والتكذيب أخرى، ودخلت يوم ذاك وقد قضى أبو العباس نحبه، وطالت على الأيام،
стр. 241
حتى أتيت الشريف أبا محمد بالدينور فأخبرته، وكان المرء لا يمين [١] في القول، ولا يدين إلا بالحق، فقال: سهرنا ذات ليلة في مجلس الأستاذ ذي الكفايتين [٢] وأبو العباس حاضر، وجرت مسألة في الإمامة تنازعها الأقوام، وطال فيها الخصام، إلا أن أبا العباس دون الجماعة تقلد المناصبة وأعلن الخلاف، رافعا عقيرته بالتشغيب منهم، ومظهرا شكيمته في التعصّب عليهم، وتقوّض الليل وانفضت الجماعة، وقمنا معاشر أل أبي طالب، وكلّ منه مغتاظ، وعليه محنق، فجمعتنا الدار من غد للعادة، وقد حضر الطعام، وأحمد في جملة الأدباء منتظر، فعاد داعيه بهذه الرقعة، وعرضها عليّ، وأنا قرأتها بخطه الذي أعرفه إليّ، وهو اليوم محتفظ عند القوم بالدينور، وهذا ما أحضر الذكر منها، عدنا عن مجلس مولانا البارحة، وقد اشتدت شكيمتي على الجماعة الحاضرة من آل أبي طالب ﵈، عند المسألة التي جرت في الإمامة، واضطجعت مهموما، فاذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه [٩١ ظ] ، قد هجم عليّ آخذا بعضادتي الباب، متقلدا سيفين؛ قضيبا وصمصامة [٣] ، وصرخ بي متلظيا: يا أحمد، ما بالي وبالك، ما أردت من ولدي البارحة، فكأني كنت ألجأ إلى الأستاذ وأتعلق
стр. 242
بثوبه، مستغيثا به أن امنعني، فكأنه نفضني نفضة وقال: ويحك، من يجير من علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين ﵇، فعندها نفحني بقائم سيفه مغمودا، ما أدري أيهما كان، فانتبهت وقيذا والأثر في جنبي ظاهر، فليغثني بطيب، وما زال في انتكاسه حتى مضى.
وكان بماه الكوفة [١] أخوان،؛ أحدهما عريف بالباب، والآخر على خزانة السروج يسمّى مسعرا، وضرب الدهر ضربة على عادته، وتقلّبت بنا الأحوال، وإني لسائر بمدينة السلام يوم الجمعة إلى المسجد الجامع ببراثا [٢] ، وإذا مسعر مكفوف أكمه [٣] يقوده قائده على لقم الطريق [٤] في زمن السؤال، ودلني عليه أحد من سايرني من غلماني، معجبا ومتوجّعا، فعجت عليه بما حضر من بر، واستوصفت دارنا فكان يغشاها، فيستعين باللهنة [٥] ، ويتبلغ بالكثبة [٦] ، ثم انقطع غير كثير، فاذا هو قد أتاني مصحّحا
стр. 243
بعيني جؤذر [١] ، ملتمسا كتابا إلى الديلم [٢] ، قلت خبّرني أولا عن نفسك؟
قال: سئمت العيش، وجلت كثيرا، فأشار عليّ من رحمني بقصد كربلاء، والتوسل بساكنيه ﵈، فاعتكفت في قبّة المصرع ثلاثا، أصومها نهارا، وأقومها ليلا، وأجأر إلى مواليّ [٩٢ و] صلوات الله عليهم، وأتضرّع، فرأيت في الليلة الثالثة طيرا أبيض قد طلع من خوخة [٣] هناك وصفها لي، وقد رأيتها وأنا بين النائم واليقظان، فهبط عليّ ومسح بأحد جناحيه عيني، فانتبهت كما ترى.
وليس هذا من الباب الذي قصدنا، وإياه أردنا، ولكنه يتعلق منه بسبب، والحديث ذو شجون.
[فضائل البيت العتيق]
فأما فضائل البيت المعمور ومناقبه ومعجزاته ومفاخره، وما ورد فيه من الآيات المسطورة في الكتاب المنزل، والأحاديث المأثورة عن النبي المرسل، صلوات الله عليه وآله، فلو جعلنا صفحات الأرض قرطاسا، ومهابّ الرياح الأربع ألفاظا وأنفاسا، ثم أردنا جمعه على استقصاء أبوابه، واستيفاء شوارده، لما بلغنا المعشار منه، وإنما الشرط أن نذكر ما أدركه العيان والمشاهدة، ونتوخّى الإيجاز [٤] ، حتى لا تخرج هذه الرسالة عن نمط الترسل، وتنتهي إلى حد التعمّل، وبالله التوفيق.
قال الله ذاكرا شرفه وقدمه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
الآية [٥] ، وقال تعالى:
стр. 244
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[١] ، وقرن به العمرة، فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[٢] ، ثم بيّن شهوره ومواقيته، فقال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
الآية [٣] .
حدثنا عمر بن الحسن في الحرم تجاه مقام إبراهيم ﵇، قال:
حدثنا محمد بن الحسن الأجري [٩٢ ظ] قال: حدثنا المروزي عن عاصم بن علي، عن المسعودي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله ﷺ : (حجة مبرورة غير مردودة خير مما طلعت عليه الشمس، وما جزاء الحجة المبرورة إلا الجنة) [٤] .
حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السرّي بالكوفة، قال: حدثنا القاضي أبو حصين قال: حدثنا أحمد بن يونس عن أبيه قال: حدثنا إسرائيل [٥] عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من مات في أحد الحرمين بعثه الله آمنا) [٦] .
وإذا كان الغرض في هذه الرسالة الإيجاز، وهو الأسّ الذي عليه بنينا، والغاية التي إليها أجرينا، لئلا تدخل في غمار تصانيف العامة المؤلفة، وكتبها المتكلفة، فليكن [ما] نضمّنه إياها ذكر ما شاهده العيان، ليرد ما يرد على سمعك
стр. 245
منها بديعا غير مبتذل، وبكرا غير مفترع، وتلذّه المسامع، وتهشّ له الطبائع.
وبعد، فما عسى يبلغ مدح المادح، وجهد الواصف من كنه الثناء على بيت عظّمته الملائكة، وطافت به الجنّ والإنس، ثم الأمم على اختلاف مذاهبها، وتباين عقائدها، ولم يقع على قديم الدهر في تعظيمه وتقديسه وتفخيم شأنه واستلام أركانه، اختلاف من الموحّد والملحد، وأهل الشّرك والإيمان، فكلّ في المذاهب والملل، والشرائع والنّحل، والوسائط والرّسل، مختلف، وإلى تفضيله داع، وإلى الطواف به والصلاة فيه شاع، وبالإذعان [٩٣ و] له مقرّ، وعلى التوسل به مستمر، وما ظنّك ببيت تجافى عنه طوفان نوح، وردّ دونه فيل الحبشة، وخاب عن ثلمه كيد الفراعنة، وثبت فيه مقام إبراهيم، وأشرفت نبوّة محمد ﵌، ودرجت عنه الأئمّة الزّهر، والذي يذكره المشاهد بالعيان، وما يحقّقه حاضر الامتحان لتكون أردّ على المنكر، وأقطع بحجّة المخالف، وأشحذ لنيّة المؤمنين، وأقرّ لعين المهتدين، فأول ذلك أنه لم يضق قطّ عن الحجيج، وأكثر الروايات الصحيحة بالإجماع، أنه لن يتمّ موسما بدون الأربع مئة ألف نسمة، فان نقصت العدّة تمّمتها الملائكة، ثم إنّ أهل النظر والتبيين، والفحص والتبحّث، يعتبرون في ابتداء كل عام، إذا دخلت الشمس رأس النقطة الا عتدالية من الحمل، فان نشأت السحائب من تلقاء الركن العراقي، كان الخصب في العراق، وإن نشأت من تجاه الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإن نشأت من إزاء الركن الشامي، كان الخصب بالشام، وإن عمّت السحائب من الأركان الأربعة كان الخصب ذلك العام عاما.
ثم إنه معلوم أنّ حجة لا تتمّ إلا برمي الجمار، وعلى كل مسلم رمى إحدى وسبعين حصاة، وقد ذكرنا الرواية في عدد من يتكامل به الموسم، وذلك أنّ من لدن آدم، وإلى حيث زماننا هذا، فلو اجتمع بالمزدلفة [١] لكان جبلا لا
стр. 246
يبلغه ثبير [١] ، ولا يعشره يلملم [٢] ، ولا تبلغه هضبات يذبل [٣] [٩٣ ظ] ذي يفاع الأطول، لولا معجزة الله بها أعلم، والأحاديث عنها تكثر، ومنها أنّا لا نرى لأربع مئة ألف ضحية تنحر في صعيد واحد كل سنة من فرث أو دم، أو ما يتولد من الذبائح والمقاذر والروائح شيئا تأباه النفس، وتنبو عنه العين، وأنت لو اعتبرت ذلك في مدينة يذبح قصّابوها الأعداد اليسيرة، لرأيت ما يغضّ الناظر، ويشمئزّ منه الخاطر، ويدل ذلك على موضع الإعجاز والإعجاب، فانّه أمر لا يخفى إلا على عديم حسّ، وسقيم نفس، ثم إني اعتبرت في مقامي أمر الحمام، مع كثرة العدد ونميّه على طول الأبد، وهو لا يعرض له خارج، ولا يذعره صائد ولا ذابح، ولا نرى حمامة طارت على سطح الكعبة، إلا أن تكون عليلة، فترى هناك طريحة كالمستشفية حتى تبرأ، ثم تعود إلى عادتها.
حدثني شيخ من أهل المدينة يكنّى أبا القاسم، ونحن في الروضة ما بين القبر والمنبر، وهو يقسم بهما، أنّ ختنا [٤] له يكنّى أبا الطيب الدينوري، كان مجاورا بمكة ثلاثين سنة، قال: فزرته في بعض السنين التي حججت فيها في منزله، فقلت: أبا الطيب قد أخذت من المجاورة بنصيب، فلو عدت بأهلك إلى مسقط رأسك، فان تلق منيّة ففي غير غربة، وحيث يشاهدك ذووك، ولا يعرف عنك أقربوك، فقال: أصبت ما في نفسي، وكان موسرا، فحاسب معامليه، وجمع حاشيته، وعمل على الرجوع، فبينا هو كذلك في المسجد،
стр. 247
طائفا به للتوديع حين خفّ أهله عند [٩٤ و] الهاجرة، وقد انتعل كلّ شيء ظلّه، حتى رأى غزالا هبط من أعلى أبي قبيس [١] ، ودخل من باب إبراهيم ﵇، وطاف بالبيت سبعا، ثم سما إلى الحجر الأسود يرومه بأظلافه، وهو لا يكاد يبلغه، فاشتمله ثم رجع على أدراجه، صاعدا إلى أبي قبيس، فقال لي: يا أبا القاسم، يستجير به الوحش، وأرحل أنا عنه!! كلا، والذي عظّمه وكرّمه، فأقام مجاورا إلى أن قضى نحبه.
ولو لم يكن لهذا البيت إلا أنه بلد لقاح لم يملكه أحد على وجه الأرض، ولم تطل عليه يد، ولم يزل مضافا إلى الله تعالى، فيقال: بيت الله، وحرم الله، وكعبة الله، ويدعى سكانه جيرة الله، وأهله أهل الله، لكان ناهيك به فضلا، وحسبك به فخرا ونبلا، ثم إن العرب كانت تنتمي إليه، وتسمي أولادها به، تنويها بهم، وتفخيما لهم، وكان عثمان بن عامر أبو قحافة [٢] ، سمّى ولده في الجاهلية عبد الكعبة، حتى أتى الله ﵎ بالإسلام، فسمّاه النبي صلى الله عليه عبد الله، وكانت لعبد المطلب عدّة كنى، وكان أشرفها عندهم (أبو البطحاء) ، يرون الانتماء له إلى ملك الأباطح منقبة لا توازيها المناقب، ونسبا لا تدانيه المناسب، وكم من مولدي الإسلام يسمّى بالمكّي والمدني والحجاج والحاجي.
حدثنا المروزي، من حاج خراسان، عن فقيه ذكره، قال: رأيت في المرجع رسول الله ﷺ ، مقبلا [٩٤ ظ] في أصحابه، فقلت:
يا رسول الله، هل يقبل منّا حجّنا؟ فقال: كيف لا يقبل وأنا معكم، أو فيكم الشكّ مني؟
стр. 248
وحدثنا القاضي التراسي حين بدأنا بالبادية، سائرين من القادسية، قال:
جرت البارحة بيني وبين طائفة من بلدي منازعة، فقال غمر من أغمارهم: هذا دهليز المنيّة، وأول أبواب الشقوة، ومفتاح التغرير بالمهجة، فقلت: كلا، بل هو باب الرحمة والطريق إلى الجنة، وفاتحة العفو والمغفرة، قال: فهوّمت في محملي، وفي قلبي هاجس من ذلك، فأريت أرض البادية كلها كصفائح الفضّة المجلوّة، والسيوف البواتر المصقولة، أو كالصرح الممرّد بعجيب الصنعة، وعن اليمين والشمال قباب شامخة، وقناديل معلّقة زاهرة، وكأنّ هاتفا يهتف بي ويقول: ما قلت اليوم وما قيل لك؟ فأعدت ما جرى، فقال:
القول ما قلته، فسكن روعي وقلت: ما هذه القناديل والقباب؟ قال: هي للحاج كل سنة.
[في الطريق إلى مكة]
المنازل بين همذان [١] ومكة وأوصافها سرنا منها إلى أسد آباذ [٢] ، وإلى قصر اللصوص [٣] وإلى العيون [٤] ،......
стр. 249
وإلى حيار نسر [١] وإلى قرمسين [٢] ، إلى قصر عمرو [٣] ، ثم إلى المرج [٤] وحلوان [٥] ، وهو آخر الأعمال البدرية التي أفاض الله عزّ اسمه عليها العدل وأشملها الخصب، وما زلنا بها في خير لا يطير غرابه [٦] ، ولا يخشى انقضاؤه، والذئب والنعجة في سقيفة، واللص والتاجر في قطيفة [٧] ، وسرنا [٩٥ و] من حلوان إلى قصر شيرين [٨] ، ومنها إلى خانقين [٩] ، ومنها إلى جلولاء [١٠] ، ...
стр. 250
ثم إلى دسكرة [١] وجللتا [٢] والنهروان [٣] ومدينة السلام، وما زال الحاج في مثل برائن الأسود، وأفواه الدواهي السود، ظلما لا ينجلي ظلامه، وغشما [٤] لا ينقشع غمامه، ونيران شرّ تستعر، وسيوف شغب تسهر، وحروبا تتلظّى نارها، ولا يطفأ أوارها، وأفعالا دنيّة، تردّ طرف الإسلام غضيضا، وأحكاما سدومية [٥] تذر الليالي البيض سودا، فلما شارفتها، رأيت المنايا على الحوايا [٦] ، فقلت أرجع على أدراجي، متأدبا بآداب الله تعالى في قوله:
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[٧] ، فاستقبلني نفر من غلمان لنا أتراك، كنت