يبلغه ثبير [١] ، ولا يعشره يلملم [٢] ، ولا تبلغه هضبات يذبل [٣] [٩٣ ظ] ذي يفاع الأطول، لولا معجزة الله بها أعلم، والأحاديث عنها تكثر، ومنها أنّا لا نرى لأربع مئة ألف ضحية تنحر في صعيد واحد كل سنة من فرث أو دم، أو ما يتولد من الذبائح والمقاذر والروائح شيئا تأباه النفس، وتنبو عنه العين، وأنت لو اعتبرت ذلك في مدينة يذبح قصّابوها الأعداد اليسيرة، لرأيت ما يغضّ الناظر، ويشمئزّ منه الخاطر، ويدل ذلك على موضع الإعجاز والإعجاب، فانّه أمر لا يخفى إلا على عديم حسّ، وسقيم نفس، ثم إني اعتبرت في مقامي أمر الحمام، مع كثرة العدد ونميّه على طول الأبد، وهو لا يعرض له خارج، ولا يذعره صائد ولا ذابح، ولا نرى حمامة طارت على سطح الكعبة، إلا أن تكون عليلة، فترى هناك طريحة كالمستشفية حتى تبرأ، ثم تعود إلى عادتها.
حدثني شيخ من أهل المدينة يكنّى أبا القاسم، ونحن في الروضة ما بين القبر والمنبر، وهو يقسم بهما، أنّ ختنا [٤] له يكنّى أبا الطيب الدينوري، كان مجاورا بمكة ثلاثين سنة، قال: فزرته في بعض السنين التي حججت فيها في منزله، فقلت: أبا الطيب قد أخذت من المجاورة بنصيب، فلو عدت بأهلك إلى مسقط رأسك، فان تلق منيّة ففي غير غربة، وحيث يشاهدك ذووك، ولا يعرف عنك أقربوك، فقال: أصبت ما في نفسي، وكان موسرا، فحاسب معامليه، وجمع حاشيته، وعمل على الرجوع، فبينا هو كذلك في المسجد،
стр. 247
طائفا به للتوديع حين خفّ أهله عند [٩٤ و] الهاجرة، وقد انتعل كلّ شيء ظلّه، حتى رأى غزالا هبط من أعلى أبي قبيس [١] ، ودخل من باب إبراهيم ﵇، وطاف بالبيت سبعا، ثم سما إلى الحجر الأسود يرومه بأظلافه، وهو لا يكاد يبلغه، فاشتمله ثم رجع على أدراجه، صاعدا إلى أبي قبيس، فقال لي: يا أبا القاسم، يستجير به الوحش، وأرحل أنا عنه!! كلا، والذي عظّمه وكرّمه، فأقام مجاورا إلى أن قضى نحبه.
ولو لم يكن لهذا البيت إلا أنه بلد لقاح لم يملكه أحد على وجه الأرض، ولم تطل عليه يد، ولم يزل مضافا إلى الله تعالى، فيقال: بيت الله، وحرم الله، وكعبة الله، ويدعى سكانه جيرة الله، وأهله أهل الله، لكان ناهيك به فضلا، وحسبك به فخرا ونبلا، ثم إن العرب كانت تنتمي إليه، وتسمي أولادها به، تنويها بهم، وتفخيما لهم، وكان عثمان بن عامر أبو قحافة [٢] ، سمّى ولده في الجاهلية عبد الكعبة، حتى أتى الله ﵎ بالإسلام، فسمّاه النبي صلى الله عليه عبد الله، وكانت لعبد المطلب عدّة كنى، وكان أشرفها عندهم (أبو البطحاء) ، يرون الانتماء له إلى ملك الأباطح منقبة لا توازيها المناقب، ونسبا لا تدانيه المناسب، وكم من مولدي الإسلام يسمّى بالمكّي والمدني والحجاج والحاجي.
حدثنا المروزي، من حاج خراسان، عن فقيه ذكره، قال: رأيت في المرجع رسول الله ﷺ ، مقبلا [٩٤ ظ] في أصحابه، فقلت:
يا رسول الله، هل يقبل منّا حجّنا؟ فقال: كيف لا يقبل وأنا معكم، أو فيكم الشكّ مني؟
стр. 248
وحدثنا القاضي التراسي حين بدأنا بالبادية، سائرين من القادسية، قال:
جرت البارحة بيني وبين طائفة من بلدي منازعة، فقال غمر من أغمارهم: هذا دهليز المنيّة، وأول أبواب الشقوة، ومفتاح التغرير بالمهجة، فقلت: كلا، بل هو باب الرحمة والطريق إلى الجنة، وفاتحة العفو والمغفرة، قال: فهوّمت في محملي، وفي قلبي هاجس من ذلك، فأريت أرض البادية كلها كصفائح الفضّة المجلوّة، والسيوف البواتر المصقولة، أو كالصرح الممرّد بعجيب الصنعة، وعن اليمين والشمال قباب شامخة، وقناديل معلّقة زاهرة، وكأنّ هاتفا يهتف بي ويقول: ما قلت اليوم وما قيل لك؟ فأعدت ما جرى، فقال:
القول ما قلته، فسكن روعي وقلت: ما هذه القناديل والقباب؟ قال: هي للحاج كل سنة.
[في الطريق إلى مكة]
المنازل بين همذان [١] ومكة وأوصافها سرنا منها إلى أسد آباذ [٢] ، وإلى قصر اللصوص [٣] وإلى العيون [٤] ،......
стр. 249
وإلى حيار نسر [١] وإلى قرمسين [٢] ، إلى قصر عمرو [٣] ، ثم إلى المرج [٤] وحلوان [٥] ، وهو آخر الأعمال البدرية التي أفاض الله عزّ اسمه عليها العدل وأشملها الخصب، وما زلنا بها في خير لا يطير غرابه [٦] ، ولا يخشى انقضاؤه، والذئب والنعجة في سقيفة، واللص والتاجر في قطيفة [٧] ، وسرنا [٩٥ و] من حلوان إلى قصر شيرين [٨] ، ومنها إلى خانقين [٩] ، ومنها إلى جلولاء [١٠] ، ...
стр. 250
ثم إلى دسكرة [١] وجللتا [٢] والنهروان [٣] ومدينة السلام، وما زال الحاج في مثل برائن الأسود، وأفواه الدواهي السود، ظلما لا ينجلي ظلامه، وغشما [٤] لا ينقشع غمامه، ونيران شرّ تستعر، وسيوف شغب تسهر، وحروبا تتلظّى نارها، ولا يطفأ أوارها، وأفعالا دنيّة، تردّ طرف الإسلام غضيضا، وأحكاما سدومية [٥] تذر الليالي البيض سودا، فلما شارفتها، رأيت المنايا على الحوايا [٦] ، فقلت أرجع على أدراجي، متأدبا بآداب الله تعالى في قوله:
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[٧] ، فاستقبلني نفر من غلمان لنا أتراك، كنت
стр. 251
تركتهم صغارا، وما فيهم اليوم إلا حاجب ذو مهابة، أو قائد ذو عصابة، فاستمر بي العزم استظهارا بهم: (إنّ الذليل الذي ليست له عضد) [١] ، وما زال الحاج في سخطه من ظلم السلطان، وبغداد كأسوأ المدن حالا، وما بقي في جانب الشرقي إلا بقايا دمن، ومكامن ريب وفتن، وخشارات [٢] لم أعهدها أيام الخير والعمارة، وزمن العدل والنضارة، ورأيت دوري على الشط بقصر عيسى [٣] ، والبصر بين مسافي ريح ومنابت شيح، ومنها إلى صرصر [٤] فطلعت علينا بعدك العرب سعود وشموس، وانكشفت عنا نحوس ونحوس، ومنها إلى كوثى [٥] ، والقصر والحمام، والكوفة والقادسية [٦] ولحجنا [٧] في البادية، وللإبل رغاء وعجيج [٨] [٩٥ ظ] ، وللناس بكاء وضجيج، فرقا من ذلك البر
стр. 252
العابس، والبحر اليابس، فسرنا في يومين وليلتين إلى واقصة [١] ، وفي مثل ذلك إلى زبالة [٢] ، وفي مثله إلى الثّعلبية [٣] وفي مثله إلى فيد [٤] ، وكان بها متعرض الأصيفر وجنوده، وتعريس [٥] يومين للخروج إليه من شروطه وعقوده، ومنها إلى سميراء [٦] ، وبها ماء شريب [٧] ، لا يقدم عليه إلا المضطر، فسألت امرأة عن الخبز، فقالت: ما سمعت باسمه لا عرفته ولا ذقته، قلت: فيم تعيشون؟ قالت: بما تجمعه النمل في قراها [٨] ، وتحتكره لشتوتها، نتبعه ونستخرجه، ونسد به الجوعة، ومنها إلى معدن النفرة، وسالت الأودية بالعرب من هنا وهنا، وموقرة رواحلها بسطائح [٩] الماء، وبلغت القربة ثمانين درهما، ومنها إلى ذات عرق [١٠] ، ...
стр. 253
وكانت الربذة [١] على طريقنا، فخرجت امرأة طويلة ذات منطق حلو ولسان عذب، على ما بها من رثاثة الهيئة وقشف البادية، فقلت: ما الاسم؟ قالت:
ميّة، فسألت عن حالهم، فقالت: نحن في قانت [٢] من العيش، بقنيص الظباء بشرك، فمنها قوتنا، قلت: فالصيد ليس بموثوق دوامه، ولا بمأمول انصرامه، قالت: فورق الطلح [٣] نخبطه [٤] ونتبلّغ به، قلت: فالماء؟ فناولتني من سقاء معها زعاقا [٥] يفقأ عين الطير، فرثيت لأبي ذر ﵀ حين بلي بشربه، فقلت: أتجردون [٦] ؟ فتأوهت وقالت: واخصباه، وأين الجراد، كنا نجنيه برهة ونأكل منه وندّخر، وقد انقطع الآن بسوء النيّة وقلّة الشكر.
وأحرم الناس، فرأيت [٩٦ و] صفات المحشر، خلقا عراة حفاة يجأرون إلى الله عزت قدرته بالتلبية والبكاء والاستغفار.
ولبني هذيل من ذات عرق إلى مكة في تلك المضايق سطوة بالنبال من شعف الجبال، وبطون الأودية والرمال.
وأدّينا فرائض الحج بمقتضى الكتاب والسنّة، وأقبلت عساكر مصر مع القائد لمفضل المغربي، في أطهر زينة، وأقيمت الخطبة للإمام الحاكم بأمر الله [٧] ، وأفيضت على الأئمة والقضاة وسدنة البيت رسومهم من الجوائز
стр. 254
والخلع، وجدّدت كسوة البيت بالشقاق المذهبة المعملة، ومما استبدعته [١] واستغربته خفقان الطبول والبوقات حول البيت عند ذلك.
وسألت شيخا ذا شارة في المسجد الحرام من بني شيبة عن الحجر الأسودما هو؟ قال: الذي صح عندنا عن أشياخنا، أن آدم لما نقم عليه ربه تعالى، بكى كثيرا على خطيئته، ثم شكا بعد دهر إلى ربه الضحى، فأنزلت له من الجنة خيمة تكنّه، فنصبت بمكان الكعبة، ثم شكا ظلمة الليل، فأنزل هذا الحجر، وكانت درة بيضاء تتلألأ نهارا، وتشرق ليلا، فما زالت الأكفّ النّجسة من البشر تلمسه حتي اظلمّ واسودّ كما ترى.
ثم نفرنا إلى المعلاة [٢] ، وكان المسير إلى بطن مرّ [٣] ، وهي ذات نخل كثير وماء نمير، ومنها إلى عسفان [٤] ، والأمر بها أمم [٥] لا وجدان ولا عدم،
стр. 255
ومنها إلى الحليفة [١] ، ولها ماء عذب، وهي ذات عمارة وخصب.
حدثني [٩٦ ظ] الشريف يحيى بن عبيد الله من ولد جعفر بن محمد الصادق [٢] ﵇، في إسناد رفعه لم أحفظه، أن النبي ﷺ ، لما أخرج من مكة، دعا ربه عز اسمه فقال: (أي ربّ، إنك قد أخرجتني من أحبّ البلاد إليّ، فاسكنّي أحبّ البلاد إليك) [٣] فأسكنه يثرب.
ومنها إلى خيمتي أم معبد [٤] ، وقطعنا إليها عقبة السويق، وعقبة الذناب، ومن أعلاها يرى الرائي بحر جدة، وهو اليم الأعظم الذي يولد الدرّ ويقذف العنبر، ومنها إلى الجحفة [٥] ،
стр. 256
وهي غنّاء مريعة، ومنها إلى الأبواء [١] ، وسقيا يزيد [٢] ، والناس فيهما في قانت من العيش [٣] ، ليس بالفائض العميم، ولا الغائض العديم، ومنه إلى العرج [٤] ، وهي من قطائع بني حرب، وهم طائفة من العرب لهم ذمام وبهم انتفاع. ومنها إلى الرّوحاء [٥] ، ثم إلى يثرب [٦] مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وأهلها معاسير [٧] مملقون، لكنهم ألين عريكة، وأحمد طريقة، وأكثر إنصافا، وأوطأ أكنافا من أهل مكة، فانّا نرى فيهم فظاظة تشهد بها اللحاظ،
стр. 257
وزعارة [١] تدرّ عليها الألفاظ، وكنت أظن ذلك من رجالهم دون نسائهم مكتسبا لا جبلّة [٢] ، ومقتبسا لا طبيعة، حتى ميزت أضعافه في أصاغر صبيانهم، وضعائف ولدانهم ونسوانهم، فعلمت أنّه شيء ولدته التربة، ونتجته الطبيعة.
وزرنا قبر النبي صلى الله عليه، وعطفنا على البقيع [٣] ، إلى تلك المواقف الكريمة والآثار القديمة، وتنادى الناس بالمسير والتزود بالماء، [٩٧ و] وسرنا سبعا لا نذوق بلالا [٤] ، وأصبح الحجيج مرملين [٥] ، والإبل طليحة [٦] قد أجهدها السير، وأضناها العطش، وأوجفنا [٧] رجاء لوجود الماء بواد وصف لنا أنه لم تزل مفعمة آباره، مدهقة [٨] حفاره، فهجمنا منه على قفر لا يغمر صوفة ببلّة، ولا ينقع بعوضة من غلّة، وطوى الناس السير، والسماء مصحية سافرة القناع، والأرض عابسة مغبرّة البقاع، فبينا نحن كذلك حتى أرعدت وأبرقت، وأرخت عزاليها [٩] ، وتدفقت، فوالله الذي وجهي زمم [١٠] بيته، إن الاكلا ولا [١١] حتى رويت الإبل من عند أخفافها، وملئت القرب والسطائح [١٢] ، وتزود الناس، واكتفوا وأرووا، أو ارتووا، ثم أقشعت
стр. 258
وانجابت، وأشمست وطابت، وكان الميقات المقدّر، والمقدار المعدّل لم ينته إلى حدّ الإفساد، ولم ينقص عن كنه المراد، وكانت دلالة تقطع حجج الملحدين، وآية تثلج صدور الموحدين، وشهادة تخفي لطف الله للمؤمنين، واتصلت بعد ذلك المنازل، تعيد على النسق المذكور، وبالله التوفيق.
[ما بين العذيب ومكة]
عدد المنازل والفراسخ والبرد والمشرّفات بين العذيب ومكة
اعلم أيدك الله أن البرد المنصوبة بين العذيب [١] ومكة سبعة وخمسون بريدا، وسبعة وخمسون مشرفا [٢] ، بين كل بريد ومشرف ستة أميال فرسخا [٣] [٩٧ ظ] من فراسخ العرب، وتشتمل البادية من نخل العذيب إلى الرامتين بمكة على مائتي وعشرين فرسخا، والمنصف [٤] التور، وهو منهل من وراء فيد بثمانية عشر ميلا مكتوبا على بابه: هذا المنصف، فان لم تقبل فارجع وعد.
والمشاهد والمساجد بين العذيب ومكة: مسجد سعد، ومسجد الرّبذة، وهي لتي نفي إليها أبو ذر [٥] ﵀، ومسجد الحسين بن علي صلوات الله
стр. 259
عليهما، وقبر العبادي، وليس بمشهد، وله حديث يطول.
والعقاب بينهما
عقبة واقصة [١] وهي عقبة إبليس، عقبة الهردسة [٢] ، عقبة السويق، عقبة الذناب، عقبة المدرج.
جبال الرمل بينهما
جبل زرود [٣] وهو أطولها، والمربخ [٤] ، والعزيز [٥] ، ...
стр. 260
والهبير [١] ، ومضرّط البخت أصعبها، وعلّك تقول أيها القارىء المتصفح أن الذي شرحته مشهور متعالم، ومعروف متدارك [٢] ، وإنما يذكر الغريب الشارد، ما الأمر كما ذهب إليه وهمك، وزاغ فيه ظنك، فلو تزك الناس أعراضهم من النظم والنثر، والجد والهزل، اعتمادا على السابقين الأولين، لماتت الخواطر، وسقطت الهمم، ولكن لكل جديد لذة [٩٨ و] ولكل حديث بهجة، كما أنّ كل قديم يسأم، وكل [حديث] ينشم [٣] ، فأنت إذا تأملت شعر امرىء القيس، وجدنه قد سبق إلى كل معنى نادر، وذهب بكل فضل باهر، ولم يترك لذي نيقة [٤] مجالا يشق فيه غباره، ومقالا يبلغ فيه شأوه، ولا ترى اليوم أكسد من ديوان شعر بالعراق، وقد صارت الرغبة كلها في ديوان أبي نواس [٥] والصنوبري وكشاجم والمتنبي، وأشباههم من شعراء الوقت.
ثم اعلم أن أكثر من تراه قد حجّ، ولا تجده إذا اختبرته يعرف صدرا من ورد، ولا يفرّق بين غور ونجد، وأنا سألت شيخا بماه الكوفة [٦] ، له ظاهر يغرّ وباطن يعرّ [٧] ، وقد جاء عائدا من الحجّ: كيف خلّفت بيت الله الحرام؟
قال: كسائر البيوت، ولكن كل شيء يحتاج إلى بخت. فهل هذا وأشباهه إلا صور ممثّلة وأشباح مهملة، وبهائم مرسلة، وإذا سألت هذا: فيم خرج، وأين
стр. 261
ولج، وفي أي واد هبط، وبأيّة أرض سقط؟ لم يدر إلا أنه في الجملة عمل ما عمله الجمهور تقليدا.
وإذ قد أتينا على شرح ما بلغته المشاهدة، وأدركه العيان من فضائل البيت الحرام، فلنبدأ بذكر الشوق ودواعيه، والودّ وتمكن مراسيه، وأقول: أما الودّ فمتزايد كتزايد فضلك، ونام كنمي [١] محاسنك، ومتضاعف كتضاعف أياديك: [الطويل] تمرّ به الأيام تسحب ذيلها فتبلى به الأيام وهو جديد [٩٨ ظ] وأما الشوق فمتوقّد في أحشائي كما توقّدت هممك، وفاش في جوانحي كما فشت نعمك، ولئن فرّقت بيننا الأماكن والمنازل، لقد جمعتنا الضرائب [٢] والشمائل، ولئن تناءت بنا الأشباح، لقد تآلفت منا الأرواح.
حدثني أبو علي محمد بن الحسين الحاتمي، قال: حدثنا أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد على رغم أنف الجاحد [٣] ، قال: لما خلع جعفر المقتدر [٤] ، وبويع لعبد الله بن المعتز [٥] ، وكانت خلافته يوما واحدا، ثم
стр. 262
أعتدت في المقتدر [١] ، لزم عبد الله داره، وهجر أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا [٢] تقية وحذرا، بعد أن كان خصيصا، وله واصلا، فكتب إليه بهذه الأبيات: [٣] [الرجز]
ما وجد صاد في الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفّق
بالريح لم يطرق ولم يرنّق ... جادت به أخلاق دجن مغدق [٤]
في صخرة إن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزجاج الأزرق
إلا كوجدي بك لكن أتّقي ... يا فاتحا لكلّ علم مغلق
وصيرفيّا ناقدا للمنطق ... إن قال هذا بهرج لم ينفق
إنّا على البعاد والتّفرّق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
فأنشدت الأبيات أبا العباس ابن المنجم، فزادني بيتا زعم أن ثعلبا كان يستره ولا يظهره، وهو بعد قوله:
إلا كوجدي بك لكن أتّقي ... صولة من إن همّ بي لم يفرق
[٩٩ و] ولما انتهي بي الإملاء في هذه الرسالة إلى هذا الفصل، أخبرني بعض من عرف كلفي بالبحث عن أخبارك، وعلم شغفي بتعرّف أحوالك، أنّ مجاورا لك ممّن غلط الدهر بايداعه نعمة، وهفت الأيام بايلائه منحة، طمح إلى مساويك في الرتب، وسما إلى مباراتك في تصدير الكتب، فطفقت
стр. 263
أعجب من الفلك وظلمه، والقدر وحكمه، إذ صارت أيامها تنتقل إلى شرار أكفائها، ويستذري أسوأ أفيائها، فكذلك على رغمها انتقلت من هاشم في محارب، وقد لعمري إنّ هذه عادتها، كشفت بها عن عوارها، بسوء الاختيار، ولؤم النّجار، ولكن الناقص وإن علا مناكب الجوزاء، وامتطى كواهل العلياء، يضؤل إذا التقت عليه المحافل، ويتطامن إذا انبرى له الأفاضل، ويتخاضع إذا جمعته حلبة الرهان، ويتخاشع إذا لزّته [١] حقيقة الامتحان، وذلك أيّدك الله، قالب جهل غطّت عليه نعمة غارت عن ذويها، وحلّيت عن مستحقيها، وثوت عبدة بخد ترب، ودمع منسكب، إذ انتقلت عن مآلفها الكريمة، ومغارسها القديمة، فان تغش قوما غيرهم أو تزرههم، فكالوحش يدنيها من الإنس المحلّ، ومثله لا يعبأ به، ولا يعتب على الدهر فيه، وشاء صدقك أحسن الله توفيقك.
الناس اثنان؛ عالم منصف، وجاهل معاند، فأما الأول: فهو الحجة وعليه العمدة، فقد عرف بروز شأوك في كل علم [٩٩ ظ] ووفور حظّك من كل فضل، فانّ أذربيجان كانت آهلة بشيوخ الوزارة والرياسة من ذوينا، ومأنوسة برجال ناهيك بهم رجالا، وأعلام أكرم بهم أعلاما، فكلّ خلّى لك عن طريق السداد، وسلّم إليك قصب الرشاد، ووفّر عليك حقّ التفضيل، ولم يدفع في صدرك عن منازل التبجيل.
فأما الرأي الجزل، والقول الفصل، والحقّ الصّرف، والحكم العدل، فما يدفعك عنه دافع إلا قلّ، ولا ينازعك فيه منازع إلا ضلّ، وأما عفاف الطعمة، وطيب الحجزة [٢] ، وظلف النفس [٣] ، وعلوّ الهمّة، والترفع عمّا تسفّ إليه دنيات المطامع، والتغمّض عمّا يحتقب المرء منه مخزيات الملاوم، والاحتقار لزبرج الدنيا [٤] التي تستخفّ كلّ حليم، وزخرفها الذي يستفزّ كلّ
стр. 264
حكيم، فحظّه مسلّم إليك، وحماله موقر عليك، وهذه واحدة لا ينوء بحملها العابد الزاهد، ولا ينهض بعبئها إلا الفارد الشارد.
وقديما قالت الحكماء: الزاهد في الذهب الأحمر أعزّ من الذهب الأحمر، وحدثنا محمد بن علي البصري قال: حدثنا أبو روق عن الرياشي عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء، هي المطامع.
وأما الثاني وهو من لا يعبأ به، ولا يعرّج عليه، ولا يشال إليه طرف، ولا يسمع منه حرف، وإنّما يعيب بالصحة على الثقة، ويشكو مرارة الحق، وينكر المقام على وتيرة النصح، وأكبر ما يقال في [١٠٠ و] هذه الطائفة قول الشاعر: [١] [الطويل]
إذا رضيت عني كرام قبيلتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
وقد سئل الأحنف [٢] : من سيد القوم؟ فقال: من إذا أقبل هابوه، وإن أدبر اغتابوه، فليهنك أبا الحسن أن يكون الحقّ المرّ غاية ما يعيبك به العائب، والصحة المحضة أقصى ما ينسبه إليك الناسب، فأنت في أعلى رتبة مما نسبك إليه الصديق الناصح، وفي أوسع عذر مما رماك به العدوّ الكاشح، ولقد أحسن حسان في قوله لرجل- أظنه كان يشغب في رسول الله ﷺ في كلمة له: [٣] [الوافر]
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
أدركني ذهني في هذا الموضع، فقلت: لعل بعض من يحضر مجلسك
стр. 265
ممن لم ينفح علمه ملاقاة الرجال، ولم يصل من آداب العرب إلا إلى الدعوى والانتحال، ينكر تجريدي لك الكنية في هذا الفضل، وعلمي بارتقائك إلى أعلى الرتب من الأدب، واحتوائك على جميع مذاهب العرب، يضمن لي عنك الكفاية في تكذيب مقاله، والرد عليه وعلى أمثاله، ولكن الاحتراز أحرز، والاحتجاج أصوب، وكثيرا كنت أسمع عضد الدولة [١] يقول: الفلج للحاضر، وحجّة الغائب غائبة.
اعلم أيها العائب، أن العرب تخاطب السادة في الأندية، والزعماء تحت الألوية، فيقول أبا فلان، تريد بذلك النص والتنبيه [١٠٠ ظ] والهزّ والتفخيم، أما سمعت قول الأخيلية [٢] للحجاج بن يوسف، وقد دخلت إليه يوما، وهو في أحفل مجلس، وإنّما كان جبّارا يتّقد نارا: [٣] [الطويل]
أحجاج لا تغلل سلاحك إنّما ... المنايا بكفّ الله حيث تراها
وأبين من هذا وأكشف وأدّل على المعنى وءأصحّ قول فزارة: [٤] [البسيط]
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا
كذاك أدّبت حتى صار من خلقي ... أنّي وجدت ملاك الشيمة الأدبا
نعم ولا ترضى بتجريد الاسم والكنية عند الشاهي [٥] في المدح، حتى
стр. 266
يقول: أبيت اللعن، وهبلته أمّه، وويل أمّه، قال الشاعر: [الرجز]
ويل أمّه إذا احتفل ... ثم أطال وارتجل
وقال آخر: [السريع]
ويل أمّه مسعر حرب إذا ... ألفي فيها وعليه الشّليل
والقول في هبلته أمه [١] كثير متى استوفيناه خرجنا عن الشرط في توخي الإيجاز، وكان غير هذا مما يتفاوضه الأودّاء والإخوان، أولى أن أطيل به الخطاب، ولكن ينطقني بهذه الفصول التي أراها تشعّب شعبا، ويستنجد شواهد وخطبا، الاهتزاز لفضلك الباهر إن ثلبه ثالب، شعر: [١٠١ و] [الطويل]
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
وقد كنت سمعت بتهامة [٢] بيتا شرودا، أرسله مستعتبا بفرط الإدلال، وأطلقه مستعطفا بدالّة الإخلاص، وإنما كان عتابا في [با] طنّه [٣] ودّ، وملاما بين أثنائه نصح، واستيفاءة في أدراج العذل، واستقالة بين أطراف الضّجر، ووصلا في معرض هجر، ومزحا يفترّ عن صحة عقد، وأخبث قائله بأبيات، وهي هذه: [المتقارب]
ألكني إلى ابن أبي خالد ... مقال وديد به واجد
نصيحة خلّ على ودّه ... مقيم وعن عرضه ذائد
أتتني مقالة مستعطف ... لرأيك مستعتب جاهد
стр. 267
لئن كان مغزاه ما قد ذكرت ... لما زاغ عن سنن القاصد
لأنّك ما زلت ذا شوكة ... شديدا على العاند الجاحد
سجاما على الأمل المجتدي ... حماما على الكاشح بالعائد
سأنصح والقول ما قد سمعت ... من ثقة الأهل بالرائد
تنبّه عن الخير لا ترقدن ... ن فقد خسرت صفقة الراقد
وفز بالمحامد في وقتها ... فما الوقت إن فات بالعائد بالعلئد
ويا أيكة حلوة المجتنى ... بقيت لنا أبد الآبد
[١٠١ ظ] وبقيت الآن واحدة، يبعثني عليها فرط النصيحة، ويقتضيني عنها فضل الحشمة: الناس أيدك الله على تباين آرائهم، واختلاف مذاهبهم، مجمعون على أنّ الدنيا إلى انقضاء، وكل وال معزول، ولكلّ عمل ثواب، وكل آت قريب، فكيف مثلك ممّن غذته الحكمة، وهذّبته الدّربة، وأدّبته الحنكة [١] ، وضرّسته الأمور، ونجّذته [٢] الشؤون، ودرس كتب الأوائل، ونظر في سير الأفاضل، وأريد أن يكون عمل الخير أغلب على فعالك، وبثّ العدل أملك بخصالك، وعقد المكارم غاية اختيارك، واقتناء المحامد جلّ أخطارك، والمنافسة في السير فاتحة أخبارك، حتى ينشر عنك نوافح شكر تلتذه المسامع، وتأرج به المشاهد والمجامع، فيبقى ذكرها غررا [٣] على أوجه الأيام، وقلائد في أعناق الأنام، إلى أن تصل إلى ما وعد الله المتقين، وأعدّ للمحسنين، وقد قادتني الحاجة في هذا الفصل إلى ذكر ما استقبحه علم الله، فانّ ظاهره يجرى مجرى التزكية والتناهي، إلى أنّ فضلك يضمن لي أنك تصرف خطابي [٤] إلى أجمل وجه، وتحمله على أصحّ جهاته، أحبّ أن تسل موثوقا به ممّن ورد من نواحي الجبل عن صنيع أهل قرمسين [٥] والدينور
стр. 268
وهمذان وغيرها من تلك النواحي، وإيثارهم التوبة، وإظهارهم الرهبة، وسقوط دواعيهم، اقتداء بواليهم، إذ شملهم العدل والإنصاف، وجنّبهم الظلم والاعتساف، لتستبدل بحاضر حلاوة [١٠٢ و] العدل والإحسان اللذين أتى فيهما آي القرآن، وتضمنتهما شرائع الإيمان، من الثواب العظيم، والنعيم المقيم.
وبعد، فما عذر من ساعدته الأيام، وساعفته الأحكام، حتى لانت له أكنافها، ودرّت عليه أخلافها [١] ، وهو يعلم ألا يرضع إلا ليفطم، ولا يوصل إلا ليصرم، أن يدع أيام ملكه المهتبلة، وفرص عزّه المنتهزة، مهملة غير معقولة، ومرسلة غير مشكولة بالإحسان والبرّ، وإعقالا لا رسوم لها من المكارم، وبهما لا أوضاح عليها من المحاسن والمحامد، ولو جاز أن استبضع التمر إلى هجر [٢] ، وأعرض الحكمة على بقراط [٣] ، لأثبتّ قسطا من أحكام العرب في ذلك، لكن متى فتحنا هذا الباب، خرجنا إلى مجال رحب.
والجملة، أن الملوك الراشدين، والوزراء الصالحين، حين أعجزهم الخلود في الدنيا، جعلوا باقي الذكر الجميل بعدهم كالخلود، فقالوا:
[الطويل]
وما المال والأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد
стр. 269
وقرأت في كتاب التاج أن كسرى أنو شروان كان إذا أمسى تصفّح في يومه ذاك، وقال لموبذه: (هل أسدينا يومنا معروفا؟ هل أغثنا ملهوفا؟ هل جبرنا كسيرا؟ هل فككنا أسيرا؟ فان قال: نعم، سجد لآلهه شكرا، وإن قال:
لا، قال: اسقطوا هذا اليوم من تاريخ الملك، فهو علينا لا لنا، واحذفوه من أيام العمر، فنحن فيه منحوسون) .
فان قال في هذا الفصل قائل: نعم، كان ذلك في الزمن الأول والدهر [١٠٢ ظ] الأفضل، لا في عصرنا هذا الشديد، فقد طوى النصح عن مستحقّه، وطلب العذر من غير وجهه، وأوطأ الغشوة وابتغى الخديعة، ولم يوفّ حقّها العشرة، فان الزمان عندهم هو السلطان، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
ذكر أنّ معاوية سمع رجلا يسبّ الزمان، فقال: لو عرف هذا الزمان لضربت عنقه، يعني أنّه هو.
وأنشد لبعضهم: [١] [الوافر]
يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
فجوابنا لهذا ورأيه الغاش لجلسائه، أن الذي شاهدنا في وقتنا هذا المذموم عندك، يوفي على سير الكرام المتقدمين، ويزيد على سنن الأجواد الأولين، وأنت لو سمعت غرر الصاحب الجليل [٢] بالري وأصبهان والجبل،
стр. 270
فانها هناك مشهورة فائضة، وفي أرضنا هذه مغمورة غامضة، لوجدت أيامه تكاد تواري أيام آل مصعب [١] والفضل بن سهل [٢] ، وإن لم ترق إلى أيام بني برمك.
وبالأمس شاهدنا ما اشتملت عليه المحاسبة في ديوان المكارم بالري، من أبواب البر والصدقات التي أخرجها فخر الدولة من الترائك [٣] والمظالم والحطائط [٤] ، نيّف على عشرة ألف ألف درهم، وذكر الميثمي وكيل الشريف أبي الحسن محمد بن عمر بن يحيى، أنه رفع إليه في بعض السنين زيادة في سعر الطعام بالكوفة، حين أعوز الضعفاء من الناس أقواتهم فوقّع بألف كرّ [٥] طعاما يخرج ليرخص به السعر، ثم يتصدق بثمنه، وأنا سألت الأمير [١٠٣ و] أبا النجم بدرا أيده الله في أمر الثغور الباجنيسية [٦] ، وقد حضرني شيوخها مع
стр. 271
الشريف أبي محمد مهدي، مستغيثين بي عليه، فأمر لها ولمرمّات حصن زبالة [١] ، ولوجوه أخر من مصالح البادية بسبع مئة درهم لفظة واحدة، سوى رسم الأصيفر، وهو في كل سنة سبعة ألف دينار، كان أمر بها قبل ذلك المجلس، وعدت إلى داري وبها القاضي ابن كجّ [٢] يترقبني فأعلمته الخبر كالمستكثر المتعجب، فوجدته عنده مستقلا بالقياس إلى مكارم [٣] جليلة وصفها عنه، ثم استدعى كتابا من بيته كان كتبه إليه أيام الربيع، نسخته:
«رسم سيدنا الأمير لي الركوب في جماعة الشيوخ، وثقات المهندسين والبنائين للقنطرة، فيما خرّبته السيول، واحتملته المدود [٤] من القناطر والجسور والشاذروانات [٥] ما بين المرج وآخر أعمال الجبل، وتقدير ما يلزم في أعادة بنائها، فامتثلنا على أمره، ونظرنا على استقصاء واحتياط، فبلغ التقدير مائتي ألف دينار، وإن اقتصرنا على الرمّات [٦] دون الأحكام والأعراق في الإتمام، رجونا أن يسقط الثلث من هذا التقدير، ولرأيه الفضل» ، فوقع في الجواب ما قرأته، ونسخته:
«قد أحمدت ما يجشّمه القاضي والجماعة معك، من النظر في هذا المهم، وساءني ما ختمت به خطابك من ذكر الاقتصار علي المرمات، [١٠٣ ظ] ورسمت إطلاق مائتي ألف دينار كاملة، فليقبض هذا قبل مسيري
стр. 272
إلى باب أصفهان، فان النفقات في ذات الله، كلما كانت أكثر، كان الثواب بها أوفر» . كأنه رأى الزيادة في هذا وما جرى مجراه احتياطا، والسّرف اقتصارا، والتكثير تقتيرا، والتبذير توفيرا، والتضييع تثميرا.
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا (والتبذير توفيرا والتضييع تثميرا) .
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا يقطع ويمنع، وأنت إذا انتصفت لنفسك من نفسك، وراجعت الصحيح من رأيك، وطردت الهوى المحسّن للزلل عن وهمك، وحكّمت وكيل الله عندك، وشاهده عليك وهو عقلك، علمت أنّ القيّم في الأرض منذ دحيت، وعلى البرية منذ أنشئت، هم الملوك منسوبون بسيرهم إلى الأعوان الراشدين، والكفاة الصالحين، وإنما ذكرت لك نفرا ممّن جمعنا وإياهم الزمان والمكان، إما بالمشاهدة والعشرة، وإما بالمصاحبة والخدمة، وصدّرت ذكر الصاحب [١] الجليل، على سوء آثاره عني، لئلا يقول إني رجّحت بالهوى، وملت بالعصبية، وما فيهم إلا من الأمير، الأمير الأجل أبو نصر أعزّ الله نصره، أندى منه ظلا، وأكرم أصلا، وأثبت في العز قدما، وتحسب نعم الله عنده، فلتكن أيامه قوانين عدل وإحسان، وتواريخ جود وأفضال، وأنا أجلّك- جعلك الله ممّن يهتدي بالهدى [١٠٤ و] ويأمر بالتقوى، ويعصي سلطان الهوى- أن تصغي إلى من عساك يغرك عن دينك، ويعدل بسمعك عن أخيك وخدينك [٢] ، وأنت تسمع قول عمر: (نستعيذ بالله من جليس يطري، وصديق يغري، وعدو يسري) ، وقول الشاعر: [الطويل]
ولا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من تسيء فيعذر
стр. 273
وقول العرب: (عليك بأمر مبكياتك لا مضحكاتك) [١] ، وقولها: (إن من صدقك فأرمضك، خير لك ممن غرّك فسرك) ، وإنما تلك الطائفة إخوان الخوان، وفراش الطمع، وإذا أنت ميّزت قول أحدهم علمت أنه قد زاغ عن الحق وبرح، وأنه لا حقّ الله أدى، ولا السلطان نصح، وإنما الصديق الصدوق من لا يكفّ عن واجب النصح لجزع، ولا يسفّ بزخرف القول لطمع، والله ولي التوفيق.
وإذا قد أشفينا على الإملال والإضجار، وبؤنا في الذنب في الإطالة والإكثار، فلنعد إلى التنصّل والاعتذار، وأقول: إنّ كاتب رسالة، ومنشىء خطاب إلى مثلك، ولا مثل لك في قوة الانتقاد، وجودة الارتياد، يحتاج أن ينتقد النسخ تحكيكا وتنقيحا، ويستشرف الأدراج تسويدا وتصحيحا، فربّما وصل إلى السلامة عليك دون أن يظفر بالإحماد منك، فأما إذا أبدت البديهة في إملائها ارتجالا، وأرسل الخاطر في إنشائها إرسالا، فقد تقدم إليك على آلة حدباء [٢] نابية، [١٠٤ ظ] الظهر، إلا أن يتيح الله منك سجية للعثرات مقبلة، وعينا عن الهفوات كليلة.
وبعد فاكثاري عليك، جمع الله بك شمل الحكم، وحرس علينا وعليك ضوافي النعم، بحسب ما يبلغني عنك من لهجك برقاعي إذا وصلت إليك، وغرامك بكتبي إذا عرضت عليك، فذلك يدعوني إلى مناجاتك، ويحدوني إلى مناغاتك، فيما يختلج بفكري، فان يقع مواقع الإحماد، فالمنّة لك، لأنه كسب يدك، وإن يرد لموارد الإنكار، فالسهو منك، ونفسك حيث علمك، عصمنا الله وإياك من محفظات الكلم، وصرف عنا وعنك موبقات النّقم، وحسبنا الله وحده.
تمت الرسالة. وعلى السادة الأخيار محمد وآله الأبرار السلام كثيرا.
стр. 274
[رأي عمر بن عبد العزيز في علي]
روى ابن الأنباري، أن رجلين بقرقيسياء [١] اختصما في تفضيل علي ﵇، ومعاوية، فارتفعا إلى ابن علاثة عامل قرقيسياء، فكتب بخبرهما إلى ميمون بن مهران، وهو والي الرقّة، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز [٢] بخبرهما، فكتب إليه عمر باطلاق القائل أن عليا ﵇ أفضل، وضرب الزاعم أن معاوية أفضل الحدّ، ونفيه عن البلد.
[المخيس أول من مدح المهدي]
كان مخيّس بن أرطاة المنقري [٣] قد ذكر للمهدي أنه قال: [الرجز] أصبحت بعد القرطق الخزيّ [٤] مسوّدا ولست بالبلخيّ [٥] [١٠٥ و]
стр. 275
فكتب باشخاصه، فدخل عليه مقيّدا، فقال له: يا مخيس أنت الذي تقول:
أصبحت بعد القرطق الخزيّ. فقلت: وتمامه:
مسودا في طاعة المهديّ قال: وما شاهدك؟ قال: ونظرت إلى القوافي بين عينيّ، وكأنها اليعاسيب [١] ، فقلت: [الرجز]
الآن قرّ الملك في مقرّه ... وابتسم العابس عن مفترّه
وسكنت هامة مقشعرّه ... إلى بني العباس أهل سرّه
ومهمه ظعنت في مغبرّه ... وقد دجا الليل بمكفهرّه
بناعج ينفخ ثنيي زرّه ... كأنه في مرّه وكرّه [٢]
قدح أدارته يدا مدّرّه ... إلى الإمام عمّنا ببرّه
فقال لي احتكم، فقلت: يا أمير المؤمنين، قضاء ديني، قال: هو لك، وكم هو؟ قلت سبعون ألفا، قال: وذكرت أن مروان بن أبي حفصة [٣] أخذ مئة ألف وألفا، فوجدتها وقرة [٤] في قلبي، فقلت: يا أمير المؤمنين: وكذا وكذا من كسوة وغيرها، حتى جاوزته، فأعطيت ذلك، وكانت عيني عن اليمامة [٥] سبعا وعشرين ليلة، حتى رجعت بالمال والفوائد.
стр. 276
مسألة في أحكام الساكنين إذا التقيا:
من حكم الساكنين [١] إذا التقيا، ألّا يجمع بينهما، إلا أن يكون الساكن الأول حرف مد ولين، ويكون الثاني مدغما، فللمدّ [١٠٥ ظ] الذي في الأول وإدغام لفظ الثاني، جمع بينهما، لأن المد يجري مجرى الحركة، والحرف الملفوظ به هو المدغم فيه المتحرك، فكأنه لم يلتق ساكنان، وذلك نحو:
دابّة، وبهذا قرأت القراء: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
[٢] ، ومن العرب من يهمز، وهذه اللغة أضعف اللغتين، ويقول: دأبّة، وروي عن أبي زيد أنه قال: صليت صلاة الفجر خلف عمرو بن عبيد، فقرأ:
وَلَا الضَّالِّينَ
، وروى:
خأطمّها زأمّها أن تذهبا والجمع بين ساكنين مثل: (دابّة) تقع في المتقارب في العروض، ولا تقع في غيره، وأنشد: [المتقارب]
وذاك القصاص وكان التّقا ... ص فرضا وحتما على المسلمينا
стр. 277
وروي: (وكان القصاص) ، وإنما لم يجز الجمع بين الساكنين إلا فيما ذكرناه، لأنّ الفطرة تمنع من الوقوف على متحرك، والابتداء بساكن، فلو جمعنا بينهما لوقفنا على الساكن الذي توجبه الفطرة، وابتدأنا بالساكن الذي تمنع منه الفطرة، فوجب من ذاك الحذف مع الواو والياء والألف، والتحريك مع ما عدا ذلك لاستثقال الحركات في حروف المدّ واللّين.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أو الحذف، أن يكون بالأول، لأن ذلك سبب إلى النطق بما بعده، إلا أن يمنع من ذلك مانع، نحو:
رجلان، ومسلمون، لم يجب معه الحذف للإخلال [١٠٦ و] بالمعنى، وكان التحريك نحو: قامت المرأة، والحذف نحو: لم يقم [١] زيد.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أن يكون الكسر، إلا أنّ بعض ما يمنع من ذلك من استثقال، نحو فتحة (كيف) و (أين) للياء قبلهما، وقد جاء الكسر في مثل هذا، وهو قليل، قالوا: (جير لأفعلنّ) ووقع في (حيص) على لغة من كسر، واستحباب الحركة ما قبلها، نحو فتحة النون في (الآن) للألف التي قبلها، وإنما وجب الكسر لأنّ الضم والفتح قد يكونا إعرابا بلا اقتران التنوين معهما، وذلك فيما لا ينصرف، ولا يكون الكسر إعرابا، إلا والتنوين يصحبه، فوجب الكسر ليعلم أنّه حركة بناء لا حركة إعراب، وسيبويه يلقب حركات البناء بغير تلقيب حركات الإعراب، ليفرق بينهما، ويلقّب حركة التقاء الساكنين بالكسر ليعلم البناء دون الإعراب. وفيه قول آخر؛ وهو أن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء، لاختصاص كل واحد منهما في بابه، والضمّ والفتح يشتركان في الأسماء والأفعال، فلما احتيج إلى حركة، كان الأولى الحمل على حركة النظير، وكذلك تعمل العرب في القوافي المخفوضة [٢] إذا وقع معها مجزوم أو ساكن، كقوله: لم يعقد، وكأن قد [٣] .
стр. 278
والساكنان في مفعول من بنات الواو والياء، نحو: (مقول، ومبيع) ، فالمحذوف منهما على مذهب الخليل وسيبويه، الواو الزائدة [١] دون العين، لأن الواو [١٠٦ ظ] الزائدة مجتلبة في الكلام، فلما احتيج إلى الحذف حذفت، وردّت الكلمة إلى أصلها، والأخفش يرى أن المحذوف العين، ويحتجّ بأنّ الحركة أو الحذف إذا احتيج إلى أحدهما كان بالأول دون الثاني، إلا أن يعرض بما يمنع من ذلك، ولا مانع، فألزم أن يكون (مبوع) ، فذكر أنّ الواو انقلبت ياء، لأنّ الياء التي هي عين لما كسر لها الضمة المنقولة من العين إلى الفاء، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصادفت الكسرة واو مفعول وهي ساكنة، فقلبت ياء، وهذا عند النحويين نقض لأصله، لأنه لا يرى قلب الضمة كسرة في مثل هذا من الآحاد، وإنما يراه في الجموع، لأن الجمع أثقل من الواحد، فالتزم التخفيف. ويقول في جمع أبيض (بيض) ، ولو بنى فعلا من البياض لقال: (بوض) ، فقلب الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو رأي أبي العباس المبرد، وكان يقول:
(معيشة) مفعل لا غير، ولا يرى ما رآه الخليل وسيبويه من النحويين أن تكون (مفعلة) فقلب حركة العين إلى الفاء، وقلبت كسرة، ويرى سيبويه والخليل أن: (فيلا وديكا) ، يكونان فعلا على اللفظ، وفعلا على التقدير الذي ذكرناه، ومفعول من ذوات الواو، ويلزمه الاعتلال ولا غير، لنقل الواو وبنات الياء قد جاء فيها الاعتلال بالإتمام، فقيل: (مخيط ومخيوط) لحقه الياء، ولم يأت الإتمام في بنات الواو إلا في حرفين: (مسك مذووف، وثوب مصوون) ، [١٠٧ و] وإنما أعلّ: (مقول) ولم يعلّ:
(قؤول) ، لأنا لما أعللنا الواو في (مقؤول) ألقينا الحركة على الساكن، و (قؤول) متحرك ما قبلها، فلم يجز الإعلال، وإذا جمعنا (قؤولا) أعللنا الجمع بالتسكين، لأنّ مثاله من غير المعتل قد يسكّن، نحو: (رسول ورسل) ، فلزم الإعلال، وقد يأتي بصحيحة في الشعر، قال الشاعر: (تمنحه
стр. 279
سوك الأسحل) . وبنات الياء في هذا تجري مجرى غير المعتل، نحو:
(غيور وغير) ، و (دجاجة بيوض ودجاج بيض) .
[المولعة بشعر كثير عزة]
أبو عبد الرحمن الأنصاري، حدّث عن السائب راوية كثيّر، قال: والله إني لأسير ذات يوم مع كثير، حتى إذا كنا ببطن صرار [١] ، وهو جبل من المدينة على أميال، ونحن نريد عكرمة، تقدم كثير وتأخرت عنه، فاذا أنا بامرأة في رحالة على بغلة متنقّبة، معها عبيد يسعون معها، حتّى مرّت بجنباتي، فسلّمت ثم قالت: ممّن الرجل؟ قلت: من أهل الحجاز، قالت:
فهل تروي شيئا من الشعر؟ قلت: إنّي لأروي، قالت: فهل تروي لكثيّر شيئا؟
قلت: نعم، قالت: أما والله ما كان بالمدينة من شىء هو أحبّ إليّ من أن أرى كثيّرا وأسمع من شعره، فهل تروي قصيدته: [٢] [الطويل]
أهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمّنه فرش الجبا فالمسارب [٣]
قال: قلت: نعم، قالت: أنشدنيها، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله: [٤] [الطويل]
ألا يا لقوم للنّوى وانفتالها ... وللصّرم من أسماء ما لم ندالها [٥]
[١٠٧ ظ] قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي
стр. 280
قوله: [١] [الطويل]
أبائنة سعدى نعم ستبين ... كما انبتّ من حبل القرين قرين
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
كأنّك لم تسمع ولم تر قبلها ... تفرّق ألّاف لهنّ حنين
قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله: [٢] [الطويل]
أأطلال سعدى باللوى نتعهد ... أتبلى على الأقوام أم تتجدّد [٣]
قال، قلت: نعم، فأنشدتها حتى إذا بلغت:
أقول لماء العين أمعن لعلّه ... بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أر مثل العين ضنّت بمائها ... عليّ ولا مثلي على الدمع يحسد
ولم أدر أنّ العين قبل فراقها ... غداة الشّبا من لاعج الوجد تجمد [٤]
قالت: قاتله الله، فهل قال قول كثيّر أحد على الأرض، والله لأن أكون رأيت كثيّرا، وسمعت منه شعرا، أحبّ إليّ من مائة ألف درهم، فقلت:
والله ذاك الراكب أمامك، وأنا السائب راويته، قالت: فحيّاك الله، ثم هزّت بغلتها حتى أدركته. قالت: أنت كثيّر؟ قال: مالك ويلك، قالت: أنت الذي تقول: [٥] [الطويل]
إذا حسرت عنه العمامة راعها ... جميل الحفوض أغفلته الدواهن [٦]
[١٠٨ و]
стр. 281
قالت: والله ما رأيت عربيا قطّ أقبح ولا ألمّ [١] منك، قال: أنت والله أقبح وألمّ قالت: أنت الذي يقول: [٢] [الطويل]
كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهّما [٣]
تراهن إلا أن يؤدين نظرة ... بمؤخّر عين أو يقلّبن معصما
يحاذرن منّي غيرة قد عرفتها ... قديما فما يضحكن إلا تبسّما
لعن الله الذي يفرق منك، قال: لعنك الله، قالت: أنت الذي تقول: [٤] [الوافر]
إذا ضمريّة عطست فنكها ... فانّ عطاسها طرف الوداق [٥]
قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك من أنا. قال: والله إني لأراك لئيمة الأصل والعشيرة، قالت: حيّاك الله أبا صخر، والله ما كان بالمدينة رجلّ أحبّ إليّ وجها ولا لقاء منك، قال: لا حياك الله، ولكن والله ما كان أحد على الأرض أبغض إليّ وجها ولا لقاء منك، قالت: أفتعرفني؟ قال: أعرفك، إنّك لئيمة من اللئام، فانتسبت له، فاذا هي أم ولد بشر بن مروان [٦] ، قال:
стр. 282
فسايرناها حتى أسندنا في الجبل من قبل زرود [١] ، قالت: أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه، قال: أفي سبيل [٢] تضمنين لي؟ لا والله، ولا خراج العراق على هذه الحال. فلما قامت تودعه سفرت، فاذا أحسن من رأيت من أهل الدنيا، وأمرت له بعشرة ألف درهم، فيعدّ شرّ ما أخذها، وأمرت له بخمسة ألف درهم، فلما ولّوا قال: يا سائب، أين نعنّي أنفسنا؟ [١٠٨ ظ] إلى عكرمة انطلق بنا، نأكل هذه حتى يأتينا الموت، فذلك قوله: [٣] [الوافر]
شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورة عرضا فؤادي
[رؤيا أبي الوزير المغربي]
وجدت بخط أبي القاسم الحسين [٤] ﵁ وكتبه لي بخطّه، قال: وكتبه لي بخطه، قال: كنت آوي في منامي إلى مجلس والدي ﵁، فأنبهني ذات ليلة، ونحن بمصر سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، فقال:
اكتب رؤيا رأيتها في هذه الساعة. فكتبت:
(رأيت في المنام كأنّني جالس إذ دخل بعض غلماني، فاستأذن لأبي الحسن سهل بن عبد السلام، وهذا رجل من وجوه متكلمي الشيعة، لم يشاهد قطّ مثله، وقد كنّا سمعنا خبره، ولم نشاهده، قال: فلما دخل سلّمت عليه، وتحفّيت به، ثم قلت له: ما الدليل على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 283
وسلم، نصّ على رجل بعينه بالإمامة؟ فقال لي: إجماع الأمّة، فقلت: وعلى ما أجمعت الأمة، فقال: أجمعت الأمة لا خلاف بينها أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، كان إذا عرض له أمران، يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه، لم يوقع منهما إلا أحسنهما وأجملهما، وأوفاهما وأكملهما، فهذا اجماع كما تري، وعقد بخنصره واحدا، ثم قال: وأجمعت الأمة على أنّ ما أجمع على أحسنه أحسن مما اختلف في حسنه، وعقد اثنتين، ثم قال:
واختلفت الأمة فقالت طائفة أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله نصّ على رجل، وأنّ النص حسن مفروض فعله، وأنّ الاهمال قبح لا يجوز منه كونه [١٠٩ و] ، وقالت طائفة أخرى: لم ينصص، ولو نصّ لكان النصّ حسنا جميلا، وأجمعت الطائفتان على حسن النص، واختلفت في قبح التّرك، وقد قدّمنا على أنّ ما أجمع على حسنه أحسن مما اختلف في حسنه، فواجب أن يكون فعله صلى الله عليه ما أجمع على حسنه، كما أجمعنا عليه.
قال: فعجبت من هذا وكتبته بخطّي، ولم تمض إلا سواد تلك الليلة، حتى ورد إلينا أبو الحسن سهل بن عبد السلام ﵀ في غدها، فاستأذن، كما رأى أبي ﵁ في المنام، فدخل فجلس مجلسه الذي [١] رآه فيه، فقصّ عليه المنام الذي رآه، فطفق يتعجّب من ذلك، واقشعرّ بدنه وقفّ شعره [٢] ، وقال: هذا والله دليل لي لم يسبقني إليه أحد، أسمّيه دليل الإجماعات، وزاد فيه عند قوله: يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه في وقت واحد، والذي يوقعه ضدّ للذي يدعه، فكأنّ هذا تمام الدليل.
[مناظرة مع يهودي]
ونقلت أيضا من خطّه ﵀: جرت بحضرتي في ميافارقين [٣] في
стр. 284
شهر رمضان من سنة ست وأربعمائة بين أبي سعد النيسابوري المتكلم الوارد في صحبة الأستاذ الفاضل أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، أدام الله تأييده، وبين شيخ يهودي من أهل صور، متكلم ورد منتجعا اليهود بهذه البلدة، مناظرة في النسخ سمعا، فقال أبو سعد: هذا الذي تدّعي أنّ التوراة تدل عليه من تأييد الشريعة، أهو عام أم مستثنى منه [١٠٩ ظ] من لا عقل له؟
ومن قد مات فسقط التكليف عنه؟ قال: بل مستثنى منه هذان الصنفان، قال أبو سعد: فما تنكر أن يكون إذا تطرق عليه الحوض، وهو عام في الظاهر أن يكون مستثنى منه بجنس آخر، وهو ورود شريعة أخرى تنسخه، فقال موسى اليهودي: الصنفان اللذان استثنى بهما دل العقل على الاستثناء بهما، وأعيى ما في الفطرة من معرفتهما عن أن يقيّدا بالاستثناء ظاهر في اللفظ.
قال أبو سعد: وكذلك في الفطرة لا يجوز جمع الضدين، والجمع بين شريعة وشريعة أخرى، جمع بين ضدين، وهذا غير جائز في العقل، فكما كان في لفظ التأييد استثناء عقلي وإن لم تلفظ به، بالجنون والموت لدلالة العقل على سقوط التكليف عن صاحبها، فكذلك فيه استثناء عقلي بورود شريعة أخرى تنقضه لدلالة العقل على امتناع الجمع بين ضدين.
فأفحم اليهودي على بهته، وعلم أنّا قد اطلعنا من سرائر التوراة على ما سنفرد به رسالة نستعين عليها بأهل الخبرة، ونضمنها بعض التعليقات المهمّة.
هذا الكلام الأخير كلام الوزير ﵀.
[خطبة القاضي ابن قريعة]
خطبة خطبها القاضي أبو بكر ابن قريعة [١] ﵀، في دعوة لأبي