← Адаб

Адаб · id 9096

المجموع اللفيف

ابن هبة الله

Полный текст (631 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قالت: والله ما رأيت عربيا قطّ أقبح ولا ألمّ [١] منك، قال: أنت والله أقبح وألمّ قالت: أنت الذي يقول: [٢] [الطويل] كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهّما [٣] تراهن إلا أن يؤدين نظرة ... بمؤخّر عين أو يقلّبن معصما يحاذرن منّي غيرة قد عرفتها ... قديما فما يضحكن إلا تبسّما لعن الله الذي يفرق منك، قال: لعنك الله، قالت: أنت الذي تقول: [٤] [الوافر] إذا ضمريّة عطست فنكها ... فانّ عطاسها طرف الوداق [٥] قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك من أنا. قال: والله إني لأراك لئيمة الأصل والعشيرة، قالت: حيّاك الله أبا صخر، والله ما كان بالمدينة رجلّ أحبّ إليّ وجها ولا لقاء منك، قال: لا حياك الله، ولكن والله ما كان أحد على الأرض أبغض إليّ وجها ولا لقاء منك، قالت: أفتعرفني؟ قال: أعرفك، إنّك لئيمة من اللئام، فانتسبت له، فاذا هي أم ولد بشر بن مروان [٦] ، قال:

стр. 282

فسايرناها حتى أسندنا في الجبل من قبل زرود [١] ، قالت: أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه، قال: أفي سبيل [٢] تضمنين لي؟ لا والله، ولا خراج العراق على هذه الحال. فلما قامت تودعه سفرت، فاذا أحسن من رأيت من أهل الدنيا، وأمرت له بعشرة ألف درهم، فيعدّ شرّ ما أخذها، وأمرت له بخمسة ألف درهم، فلما ولّوا قال: يا سائب، أين نعنّي أنفسنا؟ [١٠٨ ظ] إلى عكرمة انطلق بنا، نأكل هذه حتى يأتينا الموت، فذلك قوله: [٣] [الوافر] شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورة عرضا فؤادي [رؤيا أبي الوزير المغربي] وجدت بخط أبي القاسم الحسين [٤] ﵁ وكتبه لي بخطّه، قال: وكتبه لي بخطه، قال: كنت آوي في منامي إلى مجلس والدي ﵁، فأنبهني ذات ليلة، ونحن بمصر سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، فقال: اكتب رؤيا رأيتها في هذه الساعة. فكتبت: (رأيت في المنام كأنّني جالس إذ دخل بعض غلماني، فاستأذن لأبي الحسن سهل بن عبد السلام، وهذا رجل من وجوه متكلمي الشيعة، لم يشاهد قطّ مثله، وقد كنّا سمعنا خبره، ولم نشاهده، قال: فلما دخل سلّمت عليه، وتحفّيت به، ثم قلت له: ما الدليل على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 283

وسلم، نصّ على رجل بعينه بالإمامة؟ فقال لي: إجماع الأمّة، فقلت: وعلى ما أجمعت الأمة، فقال: أجمعت الأمة لا خلاف بينها أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، كان إذا عرض له أمران، يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه، لم يوقع منهما إلا أحسنهما وأجملهما، وأوفاهما وأكملهما، فهذا اجماع كما تري، وعقد بخنصره واحدا، ثم قال: وأجمعت الأمة على أنّ ما أجمع على أحسنه أحسن مما اختلف في حسنه، وعقد اثنتين، ثم قال: واختلفت الأمة فقالت طائفة أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله نصّ على رجل، وأنّ النص حسن مفروض فعله، وأنّ الاهمال قبح لا يجوز منه كونه [١٠٩ و] ، وقالت طائفة أخرى: لم ينصص، ولو نصّ لكان النصّ حسنا جميلا، وأجمعت الطائفتان على حسن النص، واختلفت في قبح التّرك، وقد قدّمنا على أنّ ما أجمع على حسنه أحسن مما اختلف في حسنه، فواجب أن يكون فعله صلى الله عليه ما أجمع على حسنه، كما أجمعنا عليه. قال: فعجبت من هذا وكتبته بخطّي، ولم تمض إلا سواد تلك الليلة، حتى ورد إلينا أبو الحسن سهل بن عبد السلام ﵀ في غدها، فاستأذن، كما رأى أبي ﵁ في المنام، فدخل فجلس مجلسه الذي [١] رآه فيه، فقصّ عليه المنام الذي رآه، فطفق يتعجّب من ذلك، واقشعرّ بدنه وقفّ شعره [٢] ، وقال: هذا والله دليل لي لم يسبقني إليه أحد، أسمّيه دليل الإجماعات، وزاد فيه عند قوله: يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه في وقت واحد، والذي يوقعه ضدّ للذي يدعه، فكأنّ هذا تمام الدليل. [مناظرة مع يهودي] ونقلت أيضا من خطّه ﵀: جرت بحضرتي في ميافارقين [٣] في

стр. 284

شهر رمضان من سنة ست وأربعمائة بين أبي سعد النيسابوري المتكلم الوارد في صحبة الأستاذ الفاضل أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، أدام الله تأييده، وبين شيخ يهودي من أهل صور، متكلم ورد منتجعا اليهود بهذه البلدة، مناظرة في النسخ سمعا، فقال أبو سعد: هذا الذي تدّعي أنّ التوراة تدل عليه من تأييد الشريعة، أهو عام أم مستثنى منه [١٠٩ ظ] من لا عقل له؟ ومن قد مات فسقط التكليف عنه؟ قال: بل مستثنى منه هذان الصنفان، قال أبو سعد: فما تنكر أن يكون إذا تطرق عليه الحوض، وهو عام في الظاهر أن يكون مستثنى منه بجنس آخر، وهو ورود شريعة أخرى تنسخه، فقال موسى اليهودي: الصنفان اللذان استثنى بهما دل العقل على الاستثناء بهما، وأعيى ما في الفطرة من معرفتهما عن أن يقيّدا بالاستثناء ظاهر في اللفظ. قال أبو سعد: وكذلك في الفطرة لا يجوز جمع الضدين، والجمع بين شريعة وشريعة أخرى، جمع بين ضدين، وهذا غير جائز في العقل، فكما كان في لفظ التأييد استثناء عقلي وإن لم تلفظ به، بالجنون والموت لدلالة العقل على سقوط التكليف عن صاحبها، فكذلك فيه استثناء عقلي بورود شريعة أخرى تنقضه لدلالة العقل على امتناع الجمع بين ضدين. فأفحم اليهودي على بهته، وعلم أنّا قد اطلعنا من سرائر التوراة على ما سنفرد به رسالة نستعين عليها بأهل الخبرة، ونضمنها بعض التعليقات المهمّة. هذا الكلام الأخير كلام الوزير ﵀. [خطبة القاضي ابن قريعة] خطبة خطبها القاضي أبو بكر ابن قريعة [١] ﵀، في دعوة لأبي

стр. 285

إسحاق الصابي [١] ، قال الوزير أبو القاسم: ألحقت بها زيادة وجدتها في نسخة أخرى بشيراز [٢] : [١١٠ و] الحمد لله الذي تيّن فوزّر [٣] وعنّب فرزّق، ورطّب فسكّر، وخوّخ فشطّب، وكمثر فسختن، ومشمش فصغّر، وتفّح فعطّر، وموّز فكبّر، وبطّخ فعبدل وعسّل، وأجّص فعمّر، وسفجل [٤] فكوك، ورمّن فملّس، ورقّق فحوّر، وجردق [٥] فسمّد، وبورد فكثّر، وسكرج [٦] فلوّن، وملّح فخردل، وبقّل فخضّر، وبورن [٧] فنعّم، ومصمص فحمّص، وطحن فخفّف، وسنبس فثلّث، وترمر فلفّف، وخيّر [٨] فرطب، وقثى [٩] فدقّق،

стр. 286

وسكبج فزعفر، [١] وهرّس فصولج [٢] ، ومصّل فعقّد، وسبذج فصغّد، وسمّق فمزّز [٣] ، وجدى فرضع [٤] ، ورخّل [٥] فكحّل، وبطبط فصدّر، ودجّج ففوق وسمّن، وفرّخ فشأم، وفعلل فبزر، وجوذب [٦] فأدهن، ورزّز فألبن، وخبّص فلوّز، وفلذج [٧] فحمّر وفلّل، وقطّف [٨] فأغرق، ولوزج [٩] فأمرق، ومورد فجوّر، ومسّك [١٠] فثّبت، وكفّر فربّح، وندّد [١١] فعنبر، وغلّف فغلّى [١٢] . أحمده على الضرس الطحون، والفم الجروش، والحلق البلوع، والمعدة الهضوم، والسّرم النثور، والذّكر القيوم، والعين النؤوم، والغداء والعشاء والفطور والسحور، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، محلّل الطيبات، وخالق الشهوات، وأشهد أنّ محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، مبيح المحللات، وحاظر [١٣] المحرمات، وأن أبا إسحاق إبراهيم بن هلال أطعمنا فصدّرنا، وأماهنا [١٤] فأثلجنا، وسقانا فأسكرنا [١١٠ ظ] ومدّ ستارته فأطربنا، واستنشدناه فأنشدنا، واستحدثناه فحدّثنا، فارفعوا أيديكم إلى الله بالدعاء له، وتسهيل الدعوة الثانية عليه، إنّه سميع قريب مجيب، فعّال لما يريد.

стр. 287

[بيتان في الكرم] أبو محمد عبد الوهاب بن الحسن بن جعفر الحاجب: [المديد] قلت للّا ئمي على بذل مالي ... عنك لومي فلم تلمني بخير كيف أجزي صرف الليالي ببخل ... وادّخار وهنّ تنقص عمري [اسم أم حبيبة] اسم أم حبيبة [١] بنت أبي سفيان زوج رسول الله ﷺ رملة، عن الزبير. [أبو العباس الأعمى] أبو العباس الأعمى [٢] مولى بني الديل [٣] بن بكر الشاعر المعروف، فانه كان قد بلغ من قوة نفسه وشدة تنزّيه [٤] ، وسعة ذراعه أن هاجى عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، على جلالته في الشعر، وعلى مكانه السّرو [٥] ،

стр. 288

ومن المنزلة عند أهل الملك، فقال عمر لأبي العباس، رواه ثعلب عن زبير عن رجاله، فقال: [١] [الرمل] أفتني إن كنت ثقفا شاعرا ... عن فتى أعوج أعمى مختلف سيّء السّحنة باد لؤمه ... مثل عود الخروع البالي القصف [٢] فردّ عليه أبو العباس: [٣] [الطويل] أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى ... وسيّدنا لولا خلائق أربع نكولك في الهيجا وتقوالك الخنا ... وشتمك للمولى وأنّك تبّع [٤] [١١١ و] قال ثعلب: تبّع نساء مثل تبع نساء، وهذا الخبر يدلك على طول عمر أبي العباس الأعمى، لأنه يقول في إخراج ابن الزبير [٥] بني أميّة عن مكة والمدينة إلى الشام: [٦] [الطويل] ولم أر مثل الحيّ حين تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت [٧]

стр. 289

أعفّ وأحمى عند مختلف القنا ... وأعرف بالمسكين أين يبيت كست أسد إخوانها ولو انّني ... ببلدة إخواني إذن لكسيت وذلك سنة اثنتين وستين من الهجرة، في أيام يزيد بن معاوية، وأكل أيام بني أمية، ولقيه المنصور اللقاءة الثانية سنة إحدى وأربعين ومائة، فذلك ثمانون سنة، سوى ما كان له من العمر قبل قوله الأبيات الأول، وسوى ما عاشه بعد فراقه أبا جعفر، وهذا من المعمرين. [أبو عبد الله النديم وحكاية قطع أذنه] إسحاق بن إبراهيم الموصلي [١] المغني الأديب الراوية، عمي آخر عمره، قال أبو عبد الله ابن حمدون النديم [٢] : لقيت إسحاق بن إبراهيم ببغداد بعد ما كفّ بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان، فعرّفته، ثم شكوت إليه حزني بقطع أذني، فجعل يسليني ثم قال لي: من المتقدم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه؟ فقلت: محمد بن عمر، فقال: [ومن هذا الرجل] وما مقداره في الأدب؟ فقلت: لا أدري، إلا أنّ مروان بن أبي حفصة [٣] دخل فأنشد المتوكل يوم عقد العهد لأولاده الثلاثة أبياته التي يقول فيها: [٤] [١١١ ظ] [مجزوء الكامل] بيضاء في وجناتها ... ورد فكيف لنا بشمّه فسرّ بذلك سرورا كثيرا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير، ولقطت وجعلت في حجره، وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال مروان: ما رأيت كاليوم،

стр. 290

ولا أرى أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: بعد عمر طويل إن شاء الله. فقال لي إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك وغمّك [١] قطعها لئلا يفوتك استماع مثل هذا الكلام، ويلك لو أنّ لك مكّوك [٢] آذان، إيش كان ينفعك مع هؤلاء. وقد أختلف في سبب قطع المتوكل أذن أبي عبد الله بن حمدون، فقيل في ذلك قولان؛ أحدهما [أن] أبا عبد الله كان شديد الاختصاص بأبي الفتح ابن خاقان [٣] والكثرة عنده، والمنادمة له، والعيش برفده وبرّه، حتى إنه حدّث قال: كنت يوما عند الفتح بن خاقان، حتى خرج إليه خادم من خدم حرمه، ومعه رقعة فنظر فيها، وحذف بها إليّ، فاذا فيها: [مجزوء الرمل] سيدي جد لي بريق ... من ثناياك العذاب فلما قرأتها رددتها إليه، فضمّنها بيتا وردّها إليّ، فاذا هو قد كتب: [مجزوء الرمل] بأبي أنت وأمّي ... أنا في إثر الجواب ثم دفعها إلى الخادم ونهض، فقمت لقيامه، فأمرني بالجلوس،

стр. 291

فجلست، فخرج إليّ خادم ومعه درج ذهب، ورقعة مختومة، فقرأت الرقعة فاذا فيها: [١١٢ و] [مجزوء الرمل] قد تركناك وحيدا ... حلف إيحاش وقلّه فاجعل الخاتم رهنا ... وانصرف في دعة الله قال: ففتحت الدّرج فاذا فيه خاتم ياقوت أحمر، فانصرفت من وقتي فاجتزت بابن حبّاب الجوهري، فقدمت إليه الخاتم وقلت: قوّمه؟ فقال: أنا أعرفه، ابتعته للفتح بن خاقان بثمان مائة دينار، فانصرفت بألف دينار، لأن الدّرج كان وزنه مأتي دينار. فبلغ إحسان الفتح بأبي عبد الله إلى أن غرّر معه بدمه، وذاك أنّ المتوكل كان يقرّبه ويأنس به، وكان الفتح يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه: [١] [الطويل] أشاهك ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني من بعد الدموع تسيل [٢] وبي منك والرحمن ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل أشاهك لو يجزى المحبّ بودّه ... جزيت ولكنّ الوفاء قليل وكان أبو عبد الله يسعى له فيما يحبّه، فعرف المتوكل الخبر، فقال: إنّما أردتك لتنادمني لا لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، وطلّق نساءه، وأعتق مماليكه، ولزمه حجّ ثلاثين عاما، فكان يحجّ، ثم أمر بنفيه إلى تكريت [٣] ، وأنفذ زرافة إليه فقطع طرف أذنه [١١٢ ظ] ، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: ما أعاملك إلا كما يعمل الفتيان. وقيل: إن المتوكل كان يرى مذهب أبي نواس، وأنه دخل علي غلام فائق الحسن

стр. 292

فأتأره [١] أبو عبد الله بنظره، فقال المتوكل: ما حكم الفتيان في الفتى إذا تعرّض لغلام الفتى؟ قال: قطع أذنه، قال: فبهذا الحكم نحكم عليك، وقطع أذنه. وكان أبو عبد الله أديبا شاعرا، ومن قوله: [٢] [السريع] يا دير درمالس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك [٣] لئن سكنت الدير يا منيتي ... فانّ في جوف الحشا مسكنك ويحك يا قلب أما تنتهي ... من شدّة الوجد بمن أحزنك [٤] أرفق به بالله يا سيدي ... فانّه من حينه مكّنك [٥] يعني دير درمالس، وقالوا: إنه نحو الشماسية ببغداد، وإنه نزه كثير الخضر، وكثير الطارقين للهو واللعب، وكان أبو عبد الله ابن حمدون قد تنزّه إليه وقت إبعاده عن سرّ من رأى إلى بغداد، فطرب لحسنه ولملاحة الأحداث المتنزّهين فيه، ولنظافة خدمهم وحسن عشرتهم، ولأبي عبد الله يعاتب علي ابن يحيى المنجم: [٦] [المديد]

стр. 293

من عذيري من أبي الحسن ... حين يجفوني ويصرمني إنّما يزداد معرفة ... بودادي حين يفقدني [١١٣ و] كان لي إلفا وكنت له ... كامتزاج الروح بالبدن فوشي واش فغيّرفة ... وعليه كان يحسدني [إسحاق الموصلي] ونعود إلى إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق من الشعراء المجوّدين، وهو القائل لما مدح الرشيد: [١] [الطويل] وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شىء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل [٢] سوامي سوام المكثرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل [٣] وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل [مقتل يحيى بن عمر الطالبي] وأبو الحسين عمرو بن خلف الضرير الباهلي، وذكره أبو جعفر محمد بن الأزهر في كتابه الذي سمّاه كتاب الهزج والأحداث، وأنشد له شعرا يرثي به أبا الحسين يحيى بن عمر [٤] بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين

стр. 294

ابن علي بن أبي طالب، صلى الله عليهم، الخارج أيام المستعين في سنة خمسين ومائتين [١] بالكوفة ونواحيها، وأمّه فاطمة، وتكنّى أم الحسين بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵁: [السريع] يا عين بكّي ابن النبيّ فقد ... جرح الفؤاد فليس يندمل [١١٣ ظ] فلئن قتلت فلم تكن ضرعا ... غمرا بل أنت السيّد البطل قل للحسين قتلت خير فتى ... ثاو وخير الناس إن رحلوا أفترتجي من حوضهم بللا ... لا والذي حجّت له الإبل يخاطب الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وكان محمد بن عبد الله بن طاهر ندبه لقتال يحيى، فظفر بيحيى وقتله. وفي هذه القصة يقول أحمد بن أبي طاهر [٢] يهجو سعيد بن حميد الكاتب [٣] ، وكان قد كتب كتابا عن المستعين في مقتل أبي الحسين يحيى، فذكر فيه الطالبيين ذكرا غير موقّر: [٤] [مجزوء الرمل]

стр. 295

أظهر الزنديق في آل ... رسول الله حقده إذ غدا يشتم يحيى ... في كتاب قد أعدّه فهو لا يشتم يحيى ... إنّما يشتم جدّه قل له يبلغ في آ ... ل رسول الله جهده قد علمنا أنّ من أب ... غضهم ليس لرشده وكان أبو الحسين من أشدّ آل أبي طالب بأسا، وأحسنهم وجها، وأسمعه عمر بن فرج الرجخي كلمة عند قدومه من خراسان، لما حمله السلطان منها في أيام المتوكل، فشتم عمر في مجلسه، فلم يزل محبوسا، ثم كفل به أهله [١١٤ و] وأطلق، فصار إلى مدينة السلام، وأقام بها في شرّ حال، ربما أقام هو وغلامه ودابته على الطّوى، ولا يقبل من أحد شيئا، ثم ظهر بالكوفة بعد أيام، فأخذ ما كان في بيت مالها، وهو من العين ألفا دينار ونيّف، ومن الورق سبعون ألف درهم، ثم ندب لمحاربته الحسين بن إسماعيل، فجرت له قصص يطول شرحها، ثم التقوا، فوجد أبو الحسين وقد تقطّر [١] به البرذون الذي كان تحته، وقد انقرح قلبه، أما لضرب القربوس [٢] أو غيره، فذبح واحتزّ رأسه، وحمل إلى محمد بن طاهر وهو ببغداد، فجمع الطالبيين ليعرفوا صحة أمر رأسه، فقال له أبو هاشم الجعفري، وكان أسنّهم: إنك لتستبشر بقتل رجل لو أنّ رسول الله ﷺ حيّ لعزّي به، وهو الذي رثاه علي بن العباس الرومي فقال القصيدة الجيمية التي أولها، ومن مختاوها: [٣] [الطويل] أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج ... طريقان شتّى مستقيم وأعوج أكلّ أوان للنبيّ محمّد ... قتيل زكىّ بالدماء مضرّج

стр. 296

لنا وعلينا لا عليه ولا له ... تسحسح أسراب الدموع وتنشج بنفسي وإن فات الفداء بك الردى ... محاسنك اللّائي تمحّ فتنهج [١] [١١٤ ظ] لمن تستجدّ الأرض بعدك زينة ... فتصبح في أثوابها تتبرّج سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظلّ سجسج [٢] ولا برح القاع الذي أنت جاره ... يرفّ عليه الأقحوان المفلّج ألا إنّما ناح الحمائم بعد ما ... ثويت وكانت قبل ذاك تهزج أخذه من قول حبيب: [٣] شجا الريح فازدادت حنينا لفقده ... وأحدث شجوا في بكاء الحمائم ألا أيها المستبشرون بيومه ... أظلّت عليكم غمّة لا تفرّج أكلّكم أمسى اطمأنّ مهاده ... بأنّ رسول الله في القبر مزعج [٤] فلو شهد الهيجا بوجه أبيكم ... غداة التقى الجمعان والخيل تمعج [٥] لأعطى يد العاني أو ارمدّ هاربا ... كما ارمدّ بالقاع الظليم المهيّج [٦] يعرّض بأسار العباس بن عبد المطلب ليلة بدر. [٧] [أبو بكر المعيطي] قال الوزير أبو القاسم المغربي: وكان بمصر رجل يقال له أبو بكر

стр. 297

المعيطي، من آدب الناس وأطرفهم وألسنهم، فاتفق [أن] بات ليلة في بعض المساجد، ينتابها أهل مصر للتبرّك بالدعاء فيها، مثل مسجد موسى ﵇، والموضع المعروف بكهف السودان وغيرها، وبات في المسجد جماعة، فصاح به رجل عباسيّ وسط الليل، والمجلس بأزز [١] : يا أبا بكر، من ضرب رقبة عقبة [١١٥ و] بن أبي معيط؟ [٢] فقال: قد اختلف القول علينا في ذلك، فقيل عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه، وهو الأحبّ إلينا، وقيل: أبو اليسر بن [عمرو] [٣] وهو الذي شدّ يد سيدي العباس بالقدّ ليلة بدر فأحجله [٤] ، وأضحك منه السامعين. قال الوزير ﵀: وأنا أتعجب من قوله: (سيدي العباس) فان هذه اللفظة هي العيارة والنّكف [٥] كلّه، وكان أبو بكر هذا أديبا مليحا. قال الوزير أبو القاسم المغربي ﵀: وأخبرني أبي قال: كان أبو بكر المعيطي أشدّ مخالطة ومؤانسة لأبي جعفر العلوي المعروف بمسلم، وهو: محمد بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله ابن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، وكان بينهما مع موجبات التباين مثل الذي كان بين الكميت والطرماح [٦] ،

стр. 298

قال: فأنفذ إليه مسلم في عيد أضحى شاتين عجفاوين جرياوين، يداعبه بذلك، فكتب إليه: [مجزوء الرمل] يا شريف العصر يا من ... تؤخذ الآداب منه ربّ معروف وبرّ ... تركه أحسن منه وكان هذا المعيطيّ جليل القدر في نفوس ملوك الأندلس، ورأيت جريدة بخط شبل بن تكين النسابة مولى باهلة بخطه بنسخه درج، ورد من الأندلس إلى أبي بكر ابن المعيطي بأسماء لجماعة ادّعوا أنسابا شكّوا فيها، فأرادوا السؤال [١١٥ ظ] عنها، وتحت كل اسم بخط شبل حقيقة حالها، فأما أن نقول صدق أو نقول كذب، ليس لهذا أصل. [العودة لقصيدة ابن الرومي] عدنا إلى قصيدة ابن الرومي: [١] [الطويل] ولكنه ما زال يغشى بنحره ... شبا الحرب حتى قال ذو الجهل أهوج كدأب عليّ في المواطن قبله ... أبي حسن والغصن من حيث يخرج كأنّي أراه إذ هوى عن جواده ... وعفّر بالترب الجبين المشجّج فحبّ به جسما إلى الأرض إذ هوى ... وحبّ به روحا إلى الله تعرج أأرديتم يحيى ولم يطو أيطلا ... طراد ولم يدبر من الخيل منسج [٢] أجنّوا بني العباس من شنآنكم ... وشدّوا على ما في العياب وأشرجوا [٣] لعل لهم في منطوي الغيب ثائرا ... سيسمو لكم والصبح في الليل مولج بمجر تضيق الأرض عن زفراته ... له هينم ينفي الوحوش وهزمج [٤]

стр. 299

تدانوا فما للنقع فيهم خصاصة ... تنفّسه عن خيلهم حين ترهج [١] فلو حصبتهم بالفضاء سحابة ... لظلّ عليهم حصبها يتدحرج كأنّ الزّجاج اللهذميّات فيهم ... قتيل بأطراف الرّدينيّ مسرج [٢] فيدرك ثأر الله أنصار دينه ... ولله أوس آخرون وخزرج وإن كنتم منهم وكان أبوهم ... أباكم فانّ الرّنق بالصفو يمزج [٣] [١١٦ و] ورثاه أيضا عبد الله بن محمد بن سلام الشاعر، فقال وأحسن في أبيات: [الطويل] فتى كان يستعدي على المحل راحة ... فينهلّ بالمعروف منها المواهب ويلهب أطراف العوالي فتصطلي ... مشارق من نيرانها ومغارب لقد شيّد الإسلام بالبيض والقنا ... فتى طالبيّ البأس للحقّ طالب كلا طرفيه من عليّ وجعفر ... تلاقت عليه المحصنات المناجب وكان يدا فيها على الدهر سطوة ... وطودا لهذا الدين منه مناكب تذكّر عيني شخصه كلّ منبر ... يقوم عليه في العروبة خاطب فلا غرو أنّ حلّت بيحيى مصيبة ... فهانت علينا بعد ذاك المصائب كأنّك لم تسمع بيحيى بوقعة ... تشيب لها من شانئيه الذوائب ولم تر يحيى فوقه تبّعيّة ... تردّ عنه السيف والسيف قاضب تقارب منها السرد حتى كأنّما ... تخازر منه بالعيون الجنادب وحسبي عزّا أنّه مات مقدما ... على الدهر إذ دارت عليه النوائب ولولا يد المقدار ما ناله الردى ... ولا ابتزّ عنه جنّة الحرب ساكب أقامت عليه الجنّ والإنس مأتما ... وهبّت لمنعاه الصّبا والجنائب [٤]

стр. 300

فما لزمان بعد موتك ذمّة ... ولا أحد في العيش بعدك راغب [١١٦ ظ] ولا كنت ممّن يقسم الهول لبّه ... شعاعا ولا سدّت عليك المذاهب [١] ولو شئت والآجال صعر خدودها ... لنجّتك منها الناجيات السلاهب [٢] وصهب من العيدي لا الزيغ قادها ... إليك ولا مدح من القول كاذب [٣] تعودن خبط الليل في كلّ سربخ ... فقد عرفت أخفافهنّ السباسب [٤] نعاك لها الناعي فأصبحن ضلّعا ... عجافا وخانتها الذّرى والغوارب [٥] فان حمّل الدهر الرزايا نفوسكم ... فأنتم قروم الحادثات المصاعب [٦] وإن تغلبوا الأملاك أو يغلبوكم ... ففي الناس مغلوب كريم وغالب [أبو السري الأعمى يذكر خداشا] وأبو السري الأعمى شاعر كان في أعجاز أيام بني أمية، وهو القائل في رواية أحمد بن يحيى بن جابر، هذه الأبيات: [الخفيف] وخداش المحلّ إذ خدش الدي ... ن وأوفى بدعوة الضّلّال دان بالرفض والتحرّم حينا ... وبقتل النساء والأطفال أي شيء يكون أعجب من ذا ... أزرقيّ ورافضي في حال قال هذا: يعني به عمار بن يزداد [٧] ، وكان قد أنفذه محمد بن

стр. 301

علي [١] بن عبد الله بن عباس إلى خراسان في افتتاح دعوتهم، فتسمى بخداش وغيّر سنن الدعاة، وترك ما كان في سيرة من قبله، وحكم بأحكام [١١٧ و] منكرة، فوثب إليه أصحاب محمد بن علي فقتلوه، وكان قد قيل: خدش خداش الدين. وقيل إنّ عمّارا هذا كان حرّانيا نصرانيا من أهل الحيرة، ثم أظهر الإسلام، وصار معلما بالكوفة، وقيل: إن منفذه لم يكن محمد بن علي، وإنما كان محمد بن علي قد ولّى كثيرا من أمر الدعوة بكير بن ماهان، فأنفذ بكير عمّارا هذا. [شعر عبد الله بن عباس] عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁، أنشد له أبو عبد الله محمد بن داود في كتاب الورقة قطعة روى أنه قالها بديها بمحضر معاوية لما نعي إليه الحسن بن علي ﵉، وهي هذه: [٢] [الرمل]

стр. 302

أصبح اليوم ابن هند آمنا ... ظاهر النخوة إذ مات الحسن رحمة الله عليه إنّه ... طال ما أشجى ابن هند وأرن [١] فارتعى اليوم ابن هند آمنا ... إنّما يقمص بالعير السّمن [٢] واستراح اليوم منه إنّه ... بعده رهن لأحداث الزّمن فاتّق الله وأحدث توبة ... إنّ ما كان كشيء لم يكن وهذا شعر مطبوع. [ما قيل في العمى] قال الوزير: وأخبرني علي بن إبراهيم بن أبي شيخ الفتوى، عن عبد الله بن الزبير المعتز، عن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، عن عمرو [١١٧ ظ] بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه قال: حدّثت أنّ عبد الله بن عباس [٣] لما كفّ بصره قال: [البسيط] ما زال عمري على الأيام منتقصا ... حتى فنيت وحبل الدهر ممدود أقدّم العود قدّ امي وأتبعه ... وكنت أمشي وما يمشي بي العود ولما وقع في عين عبد الله الماء، أراد أن يتعالج منه، فقيل له: إنك تبقى كذا وكذا يوما مضطجعا لا تصلّي، فكره ذلك. [ما قيل في العصا] ومن مليح ما قيل في العصا، ما أنشدنيه أبي، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن مهذّب التنوخي، من أهل معرّة النعمان، للحسن بن المصباح أبي حازم المشعوف، وهو شاعر معروف كان في تلك البلاد: [مجزوء الخفيف] قل لماشي على العصا ... حين أمسى وأصبحا

стр. 303

ما عليها يد امرىء ... بعد موسى فأفلحا قال الوزير: وقال ابن معمعة، رجل كان عندنا بحلب، يصف اعتماده على العصا: [مجزوء الوافر] وقد ألفت عصاي يدي ... فأحملها وتحملني وربّتما كبت تحتي ... فتلقيني على الذّقن وقال أبو يوسف القاضي [١] : لا يموت الزاني إلا فقيرا، والقوّاد إلا أعمى، ذكره الجاحظ في كتاب تفضيل اللّواط على الزّنّاء. [٢] [العور] ومن العور الواثق بن هارون [٣] بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي [١١٨ و] بن عبد الله بن عباس، ذكر الصولي أنه كان في عينه اليسرى (كوكب) خفيف، وهذا من الصولي في مثل الواثق كناية عن العور، ولذلك قال فيه المسدود المعنّى، وهو أحد أستاذي جحظة، فقال: [مجزوء الهزج] من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين أنا طبل له شق ... أيا طبلا بشقين

стр. 304

وكان هذا المسدود أديبا، ويعجبني جوابه المنتصر [١] ، وذاك أنه تحدث عنده بحديث، فقال له المنتصر: متى كان ذاك؟ فقال المسدود: ليلة لا ناه ولا زاجر، فأحفظ ذاك المنتصر، وإنّما غنّى ليلة قتل المتوكل، والشعر لوضاح اليمن، وأول البيت: [٢] [السريع] فاسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا زاجر وكان الواثق أديبا شاعرا، وذلك لأنّ المأمون ربّاه وكان يجلسه ويقفّ أباه [٣] ، وكان قد غناه مخارق: [٤] [السريع] حتى إذا الليل دجا لونه ... وغابت الجوزاء والمرزم [٥] أقبلت والوطء خفيّ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم [من شعر الواثق العباسي] فاستملحه، فعمل في نحو معناه: [٦] [١١٨ ظ] [السريع]

стр. 305

قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل خفيّ وط الرجل من حارس ... ولو درى كان لي الويل قال الوزير أبو القاسم: وقد كنت صنعت على هذه القافية- وإن لم يكن الوزن متفقا- أبياتا طارت بها الأوتار بمصر كلّ مطار، وهي: [١] [مجزوء الهزج] كساني الهجر ثوبا من ... نحول مسبل الذّيل فما يعلم إلا الدم ... ع ما أحييت من ليلي وقد أرجف بالبين ... فان صحّ فواويلي ومن شعر الواثق في خادمه مهج: [مجزوء الخفيف] مهج يملك المهج ... بدجى اللحظ والدّعج ناعم القدّ مخطف ... ذو دلال وذو غنج ليس للعين إن بدا ... عنه باللحظ منعرج وله أيضا: [٢] [الرجز] سألته حويجة فأعرضا ... وعلّق القلب بها ومرّضا [٣] فسلّ متي سيف عزم منتضى ... فكان ما كان وكابرنا القضا [٤] وكان يحبّ خادما أهدي إليه من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم سمعه يقول لبعض الخدم: والله إنه ليروم منذ أمس أن أكلّمه، فلم أفعل، فقال الواثق: [٥] [١١٩ و] [البسيط]

стр. 306

يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجازينا على قدر ... وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى [١] وقالوا إن للواثق فيه لحنا في خفيف الثقيل. وقال محمد بن عطية مؤدب المهتدي: كنت أمشي مع الواثق يوما في صحن داره، فقال لي: يا محمد، ادع بدواة وقرطاس، فدعوت بهما، فقال: اكتب، فكتبت هذين البيتين: [الوافر] تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده ستكفى من عدوّك كلّ كيد ... إذا كاد العدوّ ولم تكده ثم قال: اكتب، فكتبت: [البسيط] هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال يوما تريش خسيس الناس ترفعه ... إلى السماء ويوما تخفض العالي ثم فكّر طويلا فلم يأته شىء، فقال: حسبك. ومن شعره لما رواه ابن أبي فنن: [البسيط] لما استقلّ بأرداف تجاذبه ... واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه وأشرق الورد من نسرين وجنته ... واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه كلّمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردّه ما قال حاجبه وللواثق في خادم اشتكت عينه: [١١٩ ظ] [الخفيف] لي حبيب قد طال شوقي إليه ... لا أسمّيه من حذاري عليه لم تكن عينه لتجحد قتلي ... ودمي شاهد على جفنيه ومن هذا أخذ القائل قوله- قلت أنا [٢] : وأظنه الأمير تميما-: [المنسرح] قالوا اشتكت عينه فقلت لهم من كثرة القتل مسّها الوصب

стр. 307

حمرتها من دماء من قتلت والدم في النّصل شاهد عجب قال: وقد أحسن السري الرفّاء في قوله يصف الرمد: [١] [الخفيف] [أيهذا الأمير ما رمدت عي ... ناك حاشا لها ولا أجفانك بل حكت فعلك الكريم ليضحى ... شأنها في العلى سواء وشانك فهي تحمرّ مثل سيفك في الرّو ... ع وتصفو كما صفا إحسانك] ومن قول الواثق: [الخفيف] بعدوا والبعاد موت الوداد ... وحموا مقلتيّ طيب الرّقاد إنّما عزّ من هويت لأني ... صرت في حبّه ذليل القياد ومن مليح قوله: [٢] [الخفيف] يفرح الناس بالسماع وأبكي ... أنا حزنا إذا سمعت السّماعا ولها في الفؤاد صدع مقيم ... مثل صدع الزجاج أعيا الصّناعا وكان جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان على البصرة، أميرا من قبل الواثق، وكان [١٢٠ و] فصيحا بليغا، يرتجل الخطب ارتجالا من غير تزوير ولا استعداد، وهو آخر من كان منهم يفعل ذلك، فقال على لسان بعض شعرائه يخاطب نفسه: [الكامل] ولدت أميرك أمّهات سبعة ... لطهارة بين الوصيّ وفاطم

стр. 308

يقال إنه لحن فقال (سبعة) ولم يقل (سبع) عامدا [١] ، لئلا يظنّ أنّ الشعر له. فشركت في العباس كلّ خليفة ... ثم انفردت بسؤدد ومكارم جدّي عليّ والنبيّ وبيته ... لا من مهجّنة ولا من خادم [٢] لو قيل للمهديّ من لخلافة ... من بعد فقدك يا بن خير العالم لحكى حكاية عالم بمقالة ... إنّ الخليفة جعفر بن القاسم فبلغت هذه الأبيات الواثق، فحمّ من وقته غيظا وعزله، وكتب إلى أحمد بن رياح وهو يلي القضاء على البصرة أن يقيم جعفر بن القاسم للناس، وينادى عليه، وينصف منه ففعل، وكانت له شؤون طالت، وأجابه الواثق عن شعره فقال: [الكامل] أنت الوضيع بنفسه لا بيته ... ما أنت من أعلى العيوب بسالم ولكلّ بيت دقّة وقمامة ... تلقى وأنت قمامة من هاشم [عين الواثق ولسان مروان بن محمد] ولعين الواثق حديث عجيب، وإن لم يكن من العور في شىء، قالوا: إنّ أيتاخ [٣] دخل على الواثق ليعرف هل مات أو لا، وهو في كرب العلّة، فدنا منه، فنظر إليه الواثق بمؤخر عينه، ففزع إيتاخ، ورجع القهقرى، فوقع سيفه ما بين البابين فاندق وسقط على قفاه هيبة منه للحظه الواثق، فلم تتمّ

стр. 309

ساعة حتى مات [١] ، فعزل في بيت ليغسل فجاء جرذ فأكل عينه التي نظربها إلى إيتاخ، فكثر تعجّب من عاين ذلك، وإنها لعبرة على الحقيقة. وتشبه هذه الحكاية ما يحكى من أنّ رأس مروان بن محمد [٢] لما جاءوا به إلى عبد الله بن علي [٣] ، نظر إليه، وعزل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه، وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من العبرة إلا أن لسان مروان مذ ساعة ينفذ أمرا ونهيا، وهو الآن في فم هرة تمضغه، لكان ذلك كافيا. [العودة إلى ذكر العور] ومن العور الشعراء أبو الحسن علي بن منصور [٤] الديلمي الشاعر، وكان أبوه من جند سيف الدولة ﵁، وأسر فحمل في الإسار مع أبي

стр. 310

فراس الأمير الشاعر ﵀، فكان أبو فراس لا يأنس إلا بأن يسمر في مجلسه بكتاب تاريخ الطبري، فأعاده عدة دفعات، وكل ذلك بمسمع من با منصور هذا، فخرجوا من الإسار وبا منصور من أحفظ خلق الله لتاريخ الطبري وأجودهم مذاكرة به، ونشأ ابن علي بن با منصور من أطبع الناس شعرا وأحسنهم قولا، وكان أعور فقال لي [١٢١ و] الحسن بن محمد البسّامي من آل نصر بن منصور بن بسام، وكان الحسن هذا من أمجن الناس وأشدهم تعرضا لأجوية، وأحلاهم في ذلك طريقة، قال: رأيته يوما بحمص جالسا في دكان بعض التجار، فاستثقلت شخصه، فقيل لي: إنه شاعر، فأردت العبث به، فقلت مازحا هازئا: قلت أيها الشاعر في عورك شيئا؟ منتظرا منه أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم فديتك، وأنشدني: [الخفيف] كيف آسى لفقد إنسان عيني ... وفنون الجمال في معتاضه وعذيري من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه قال: فاقشعرّ بدني منه، وعلمت أنّه من الصّيد الذي لا يحلّ أكله، وكان ابن با منصور هذا يعشق صبيا أعور، وهذا من أعاجيب حماقات العشاق، فقال فيه: [الوافر] له عين أصابت كلّ شىء ... وعين قد أصابتها العيون وأنشدت هذا البيت أبا عبد الله محمد بن أسد، فقال: قاتله الله، والله ما أظنّه إلا قال هذا الشعر لمّا اعتنّ معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه، ليجعله معرضا لقوله. ومن شعره: [الخفيف] غنّني يا أعزّ ذا الخلق عندي ... حيّ نجدا ومن بأكناف نجد واسقني ما يصير ذو البخل منه ... حاتما والجبان عمرو بن معدي [١] [١٢١ ظ]

стр. 311

واغتنم شربها فقد فضح الليل ... هلال كأنّه فتر زند والثريّا خفّاقة في رواق الغرب ... تهوي كأنّها رأس فهد وغدير كأنّما فيه مرآة ... تجلّت عن جوهريّ الفرند طينه عنبر وحصباؤه ... درّ عليه وماؤه ماء ورد زعزعته الصّبا فكان كوجه ... ساتر حسنه بفاحم جعد ليس في الناس يا فتى الناس خلق ... يتعدّاه دهره المتعدّي في زمان الشّباب قابلني الشّي ... ب وهذا من أول الدّنّ دردي [١] ومن قوله: [البسيط] يا أهل بغداد زاد الشوق في أرقي ... وفي حنيني وفي وجدي وفي قلقي بالهند تطبع أسياف الحديد وفي ... بغداد يطبع أسياف من الحدق [من شعر حمدان الدارمي] هذا البيت الأخير يشبه شعر الحمدان بن سمّورة الدارمي الكرماني، رجل كان بالجبل يمدح يعقوب بن الليث، فقال: [السريع] جرّدت لي يا نصر سيفين ... طبعهما من مقل العين سيفين ما فاتهما فائت ... قطّ ولو كان بروحين فاعطف على قلب أسير ترى ... عليه من حبّك قيدين ولحمدان هذا أيضا: [١٢٢ و] [المديد] عنّت الذلفاء بالعنت ... من ملاحاتي ومعذلتي [٢] إن رأت لي راحة جعلت ... خولا للمجد ما حوت لست بالواني الجبان ولا ... بالذي إن يفتقر يمت ليت إنّ الرزق مطلبه ... بين شقي ضيغم هرت [٣]

стр. 312

فمتى لا أحتويه فلا ... شيّدت بالفخر مأثرتي وهو القائل: [البسيط] أقصى ثنائي في أدنى محاسنه ... كقطرة الماء في بحر تلقّاها أبا عليّ أنمت الدهر مجتهدا ... عنّي وأنبهني للدهر أنباها ومن قوله: [المجتث] زعمت أنّك عمّي ... كذبت بل أنت غمّي لأنّ فيك خصالا ... أذمّها كلّ ذمّ قال الوزير أبو القاسم ﵀: وقرأت شعره كلّه في دار العلم فوجدته نحوا من مائة ورقة بخط الأقرع، وهو شديد التكلف قليل المتخير. [العودة إلى حديث ابن با منصور] وعدنا إلى حديث ابن با منصور، وحدثني عنه البيني قال: كان أزنى من قرد، ثم نزع نزوعا نصوحا، فسألته عن سبب ذلك فقال [١٢٢ ظ] لي: كنت قد ذهبت لبعض أوطاري فقعدت على باب دار، أنتظر بعض من فيها، فرأيت صبيّة صغرى فاشتغلت بمحادثتها إلى أن قلت لها: أتحبين أن أكون زوجك؟ فقالت: لا، فقلت: لم؟ قالت: أنت شيخ، قال: فاعتقدت أن لا أتعرّض للزنى أبدا، لأنه إذا بلغ من مشنوء [١] منظري، ونكد طلعتي أن تأباني هذه الصبية التي لا عقل لها، فكيف بمن سواها؟ فتركت ذلك الشأن بالكلّيّة. وله في هذا المعنى، وهو طريف: [المنسرح] يخلو فراش خليلتي ... إذ خلّها شيخ مخلّ ومن قوله: [الطويل] يرى في ابيضاض الكأس حمرة خدّه ... فيحسبها ملأى ولا شىء في الكاس وهو من مفاخر الديلم [٢] ، وللديلم رجال أشراف، فأولهم أبو زكريا

стр. 313

يحيى بن زياد الفرّاء [١] النحوي، وليس بالرماني، هذا آخر من قرأ على أبي علي الفارسي، وهو اليوم تاريخ النحو في المشرق، وقال لي أبو عبد الله محمد بن علي بن عرس، وهو من أعدل من رأيته من أهل العراق، إلى أدب كثير وشعر مستملح، قال: عمل علي بن عيسى [٢] كتابا رد فيه على عثمان بن جني كتابه في شعر المتنبي [٣] ، قال: فجاء فيه بكل عجيبة، إلا أنه كان يأتي بالفقرة النادرة بين عشرين ورقة من شتم ابن جني، وقذف أهله، وتحريق عرضه، والانحطاط من السباب إلى قبحه ورذله، قال: فسعد بذلك ابن جني، لأنّ الفوائد ضاعت في أثنائه [١٢٣ و] ، ولو أنه استخلص المعلوم منه، وألغى الهذيان، لكان أضرّ شىء في الدنيا على ابن جني، وقيل إنّ عليّ بن عيسى هذا ليس بعاقل. [أصل الديلم] قال الوزير أبو القاسم ﵀: وقد رأيت رجلا ديلميا من أبرع الناس صناعة في تذهيب المصاحف، وأحسنهم خطّا في الكوفيّ المجلّس [٤] ، وكان يجمع ذلك محبّة للعلم، وشدوا في النظر، واعتلاقا بشعبة الفقه، فأما

стр. 314

الارتجال بالقضيب والغناء الصوفي العجيب، فكان فيه ما قال هذا المصري ابن بشر، فقال: [مجزوء الكامل] غنّى وللأيقاع قب ... ل بيان منطقه بيان [١] فكأنما يده فم ... وقضيبه فيها لسان ويقال له إسماعيل بن محمد، وخدمني زمنا طويلا، وما يمنع الديلم من ذلك، وهم فيما يقول النسّابون: من ولد باسل بن ضبّة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وإيّاهم عنى الشاعر بقوله: [الطويل] لعمري لقد بثّ ابن ضبّة باسل بأرض العدى حربا وأمرا مذكّرا وضبّة من أشجع الناس بأسا، وأحسنهم شعرا، وهم من القبائل التي خلّجت [٢] نفوسها بالكلية من العربية إلى الأعجمية، أعني الديلم. [أصل الكرد] وكذلك الكرد، فانهم انسلّوا من خرشاء [٣] اللغة العربية وصاروا عجما قحاحا، وهم [١٢٣ ظ] فيما يقولون من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن حرب بن هوازن، ومنهم من يرى أنهم من ولد سبيع بن هوازن، ونسّاب مضر يقولون إنّ حربا وسبيعا ابني هوازن درجا، فلا عقب لهما، وقال آخرون من الأكراد: إنهم من ربيعة، ثم من بكر بن وائل، قال: وقعوا في قديم الدهر لحروب كانت بينهم إلى أرض الأعاجم وتفرّقوا، وحالت لغتهم، وصاروا شعوبا وقبائل، وفيهم خير كثير، ومنهم أبو سالم ديسم بن شاذلويه ملك أذربيجان. [من شعر إسماعيل الديلمي] وأنشدني أبي من شعره: [الوافر]

стр. 315

ظلوم تسبّني ذكرت بخير ... وتزعم أنّني ملق خبيث وأنّ مودّتي كذب وزر ... وأنّي للذي أهوى بثوث وليس كذا ولا ردّا عليها ... ولكنّ الظلوم هو النكوث رأت شغفي بها وشديد وجدي ... فملّتني كذا كان الحديث قال لي أبي: وكان أبو سالم هذا قد اتفق أن حصل عند سيف الدولة ﵀، في بعض الضرورات التي دعته (إلى الا يتراج عن مر شيء عزّه) [١] ، فلم يدخله قط سيف الدولة إلى مجلسه، لأنه لم يؤثر إجلاسه معه على سريره حسبما يقتضيه مكانته من الملك، ولم ير نصب مرتبة ولا مطرح له على حدة [١٢٤ و] ، فكان لا يلقاه إلا على الطريق، فاذا لقيه خاطب سيف الدولة ﵀ أبا سالم: يا أبا سالم، وخاطبه أبو سالم: أطال الله بقاء الأمير، وتسالما على ظهور دوابهما، وكان عند سيف الدولة من دقائق الأنف، ومن غوامض التّيه والكبر ما ليس عند مخلوق، ومن عجيب ذلك ما حدثني به أبي، قال: كان يمك غلام سيف الدولة ﵀ التركي، الذي يقول فيه المتنبي: [٢] [الطويل] وكنت إذا أبصرته لك قائما ... نظرت إلى ذي لبدتين أديب أراد أن يدعو يانس المؤنسي، وهو من أجلّ أصحاب السيوف من غلمان مؤنس المظفر، واتفق أن حصل عند سيف الدولة، فقال يمك لمولاه سيف الدولة ﵀: كيف ألقاه؟ فقال: ضع طرف ذيلك تحت رجلك، وقم قياما تاما، إلا ما يخبؤه اغترار ذيلك من قامتك، وهذا طريف عجيب. [العودة إلى أصل الكرد] قال الوزير: حدّث الحسن بن عبد الصمد بن الحسين عن أبيه، عن

стр. 316

أحمد بن إبراهيم الأشناني، عن أحمد بن عبيد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن أبي نجح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال نمرود [١] عند صنيع إبراهيم ﵇ بأصنامهم ما صنع: ما ندري بأي شىء نعاقبه، قال: فقال له رجل من الأعراب: حرّقه بالنار. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: أو لهم أعراب؟ فقال: الأكراد أعراب فارس، فهذا [١٢٤ ظ] يبطل دعوى الأعراب في العرب، وأما أنا فرأيت جماعة منهم يتقيّسون، ويدعون رجوع مناسبهم إلى قيس عيلان، على ما ذكر أولا. وحكى ابن دريد في جمهرته، عند حرف الدال والراء والكاف، عن أبي اليقظان قال: زعم أنه كرد بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، [٢] وأنشدوا بيتا: [الطويل] لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنّه كرد بن عمرو بن عامر قال ابن الكلبي: هو كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، فان كان عربيا فاشتقاقه من المكاردة، وهو مثل المطاردة في الحرب. ونعود إلى تعليق الوزير ﵀، قال: وهذه الأمم التي ذكرنا انسلاخها من العربية، فانّ المتأمّل إذا حقّق في أمرها أبان من نزوع أعراقهم، ومن اجتذاب المحتد لعاداتهم، ومن ظهورهم عليهم في القليل والكثير من شمائلهم ما يعجب منه. حدثني أبو طالب بن حمّاد الكاتب، أنه شاهد رجلا أعجميا من ولد

стр. 317

السيد الحميري، وأنه وجده قحّا لا يفصح بنغية [١] من كلام العرب، قال: إلا أني وجدت العرق قد نزع به فصار في الشعر العجمي، من أحذق الناس به، والسيد الحميري [٢] فيما ذكر الأصمعي، من ولد يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري [٣] ، وإن كان كذلك، فانه لعجيب أن يكون هذا الطبع فيهم من ريعان الزمان إلى هرمه، ومن صدر مدار [١٢٥ و] الفلك إلى عقبه، لأن يزيد كان أحد الشعراء المطبوعين، والهاجين الموجعين، وهم من آل ذي رعين، ولذلك يقول السيد: [٤] [البسيط] إني امرؤ حميريّ حين ينسبني ... جدّي رعين وأخوالي ذوو يزن ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي حسن قال أبو طالب: فقلت له يوما: ما بلغ من حذقك في هذه الصناعة؟ فقال: سمعت العرب يعجبون من قول امرىء القيس: [٥] [الطويل]

стр. 318

كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي ومن إيراده تشبيهين في بيت واحد، فشبّهت نفسي بالشمعة من ست جهات في بيت واحد، فقلت كلاما ترجمته: أني أشبه الشمعة في وحدتها ونحولها ولونها ودمعها واحتراقها وسهرها، وأردت أنا وأبو طالب أن نصنع بيتا يحتوي على ذلك، فلم يتيسّر لنا إلا بيت يكون مملوء ابالتشبيه، إلا أنه مضمّن ببيت قبله، يدلّ على معناه، وهو: [الطويل] أرى شمعة الجلّاس يشبه وصفها ... محبّا من الألّاف بالهجر مقصودا نحولا ودمعا لا يقرّ ووحدة ... ولونا محيلا واحتراقا وتسهيدا فلما رأينا أنه لا يتمّ إلا ببيتين عجبنا من اختصار العجم، وعلمنا أنّ ذلك إنّما هو [١٢٥ ظ] لقصدهم المعنى من طريق الإشارة، كما نقصده نحن من طريق الإبانة. [خط السيمياء] وللزوم خطّ يسمّى السيمياء [١] ، قال لي بعض من دخل القسطنطينية، إنّه خطّ يختصّ بمعرفة الوزراء والعظماء، فاذا جاء الملك كتاب طويل اختصره الوزير في ثلاثة أسطر بذلك القلم، وعرضه عليه، وقد ذكر جالينوس هذا الخط بعينه وسمّاه (السريع) في كتاب: (تعرّف المرء عيوب نفسه) [٢] ، وليس أوقن إلا أنّه خطّ يتضمن أعلاما قد وضعت للدلالة على معاني من طريق الاصطلاح، لا من طريق تطبيق كل معنى بلفظه. [أشعار العجم] وللعجم على كل حال اقتصار وأشعار، وقد أنشدونا لجماعة منهم

стр. 319

أشعارا مطربة الأوزان، عجيبة الأغراض، وأنا أعجب من موافقة النابغة في قوله: [١] [الطويل] بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبق منهنّ كوكب للبلهبذ مغني كسرى أبرويز [٢] لما قال شعرا، أنا أكتبه أعجميا، وأذكر تفسيره عربيا، ليتأمله فانه طريف، وكان قد زار قيصر خاقان كسرى، فقال البلهبذ عند اجتماع الثلاثة وغناه به: قيصر ماه ماند خاقان خرشيد ... قيصر يشبه القمر وخاقان الشمس إن من خداي ابن ماندكا مغاران ... والذي هو مولاي يشبه الغيم المتمكن كجا هد ما يوشد كجا هد خرشيد ... إذا شاء غطى القمر وإذا شاء غطى الشمس [١٢٦ و] تأمل قوله: يشبه الغيم المتمكن، فانّ لفظة المتمكن جليلة القدر في هذا الموضع، وهذا الشعر يتزن به العروض، ويخرج من بحر إلى بحر.... علي..... [٣] هكذا وجدت بخط الوزير، ولم يذكر من أي بحر يخرج، وهو يحتاج فضل تأمل، وكان البلبهذ المروزي هذا ذا غناء وطرف وأدب، فطرب إليه أبرويز ليلة، فدعا به، وكان عنده سيرين [٤] ، وذاك في برد شديد، فقال له: اشتقت إليك وأحببت أن أقطع ليلتي بغنائك، فغناه حتى سكر بلبهذ، وخرج ليبول، فسقط عند أصل سدرة، فقال أبرويز لسيرين: ليت شعري، أين ضيفنا،

стр. 320

وخرج فرآه نائما فطرح عليه فرو سمّور [١] كان عليه، ولما كان في وجه الصبح، قال أبرويز لسيرين: ما ترين من أمر ضيفنا؟ قالت: الملك أعلم، قال: أراه هبّ في نومه، فلما رأى ثوبي عليه عرفه وأجلّه، فنزعه ونزع قباءّه فبسطه ووضع ثوبي عليه وكفر قائما [٢] عنده، فقالت سيرين: إن كان هكذا، فالملك ينظر بالنور، قال: قومي، فقاما، فوجداه كذلك، فأمر له بمال وأقطعه برار الروز وبالدي وغيرهما. [البلبهذ يعلم غلاما الشعر ثم يقتله] وكان أبرويز مرّ في طريق، فرأى غلاما يقال له سركاس، ومعه بقرة عليها سماد، وهو يغني، فأعجب بحسن خلقه، فضمّه إلى بلبهذ وأمر بتعليمه الغناء، فعلّمه ففاقه، فحسده فقتله، فأتى به كسرى أبرويز فقال له: أبى حسد صدرك، ونغل جوفك [٣] [١٢٦ ظ] إلا قتله، وقد علمت أني كنت أستريح منه إليك، ومنك إليه، وأمر بالقائه تحت الفيلة، فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك، وقتلتني أنت، قتلت الشطر الآخر، ألست تذهب طربك كلّه، وتكون جنايتك على نفسك أكبر من جنايتي!! فقال كسرى: ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من المدّة، وأمر بتخليته. ويقال إن بلهبذ بقي بعد كسرى دهرا، وإياه عنى البحتري بقوله: [٤] [الخفيف] [توهمت أنّ كسرى أبرويز ... معاطيّ والبلهبذ أنسي] في القصيدة العجيبة التي هي من بدائعه، إلا أنه بلغني عن أبي الفضل
следующие страницы →