أحمد بن إبراهيم الأشناني، عن أحمد بن عبيد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن أبي نجح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال نمرود [١] عند صنيع إبراهيم ﵇ بأصنامهم ما صنع:
ما ندري بأي شىء نعاقبه، قال: فقال له رجل من الأعراب: حرّقه بالنار. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: أو لهم أعراب؟ فقال: الأكراد أعراب فارس، فهذا [١٢٤ ظ] يبطل دعوى الأعراب في العرب، وأما أنا فرأيت جماعة منهم يتقيّسون، ويدعون رجوع مناسبهم إلى قيس عيلان، على ما ذكر أولا.
وحكى ابن دريد في جمهرته، عند حرف الدال والراء والكاف، عن أبي اليقظان قال: زعم أنه كرد بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، [٢] وأنشدوا بيتا: [الطويل]
لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنّه كرد بن عمرو بن عامر
قال ابن الكلبي: هو كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، فان كان عربيا فاشتقاقه من المكاردة، وهو مثل المطاردة في الحرب.
ونعود إلى تعليق الوزير ﵀، قال: وهذه الأمم التي ذكرنا انسلاخها من العربية، فانّ المتأمّل إذا حقّق في أمرها أبان من نزوع أعراقهم، ومن اجتذاب المحتد لعاداتهم، ومن ظهورهم عليهم في القليل والكثير من شمائلهم ما يعجب منه.
حدثني أبو طالب بن حمّاد الكاتب، أنه شاهد رجلا أعجميا من ولد
стр. 317
السيد الحميري، وأنه وجده قحّا لا يفصح بنغية [١] من كلام العرب، قال: إلا أني وجدت العرق قد نزع به فصار في الشعر العجمي، من أحذق الناس به، والسيد الحميري [٢] فيما ذكر الأصمعي، من ولد يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري [٣] ، وإن كان كذلك، فانه لعجيب أن يكون هذا الطبع فيهم من ريعان الزمان إلى هرمه، ومن صدر مدار [١٢٥ و] الفلك إلى عقبه، لأن يزيد كان أحد الشعراء المطبوعين، والهاجين الموجعين، وهم من آل ذي رعين، ولذلك يقول السيد: [٤] [البسيط]
إني امرؤ حميريّ حين ينسبني ... جدّي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي حسن
قال أبو طالب: فقلت له يوما: ما بلغ من حذقك في هذه الصناعة؟
فقال: سمعت العرب يعجبون من قول امرىء القيس: [٥] [الطويل]
стр. 318
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
ومن إيراده تشبيهين في بيت واحد، فشبّهت نفسي بالشمعة من ست جهات في بيت واحد، فقلت كلاما ترجمته: أني أشبه الشمعة في وحدتها ونحولها ولونها ودمعها واحتراقها وسهرها، وأردت أنا وأبو طالب أن نصنع بيتا يحتوي على ذلك، فلم يتيسّر لنا إلا بيت يكون مملوء ابالتشبيه، إلا أنه مضمّن ببيت قبله، يدلّ على معناه، وهو: [الطويل]
أرى شمعة الجلّاس يشبه وصفها ... محبّا من الألّاف بالهجر مقصودا
نحولا ودمعا لا يقرّ ووحدة ... ولونا محيلا واحتراقا وتسهيدا
فلما رأينا أنه لا يتمّ إلا ببيتين عجبنا من اختصار العجم، وعلمنا أنّ ذلك إنّما هو [١٢٥ ظ] لقصدهم المعنى من طريق الإشارة، كما نقصده نحن من طريق الإبانة.
[خط السيمياء]
وللزوم خطّ يسمّى السيمياء [١] ، قال لي بعض من دخل القسطنطينية، إنّه خطّ يختصّ بمعرفة الوزراء والعظماء، فاذا جاء الملك كتاب طويل اختصره الوزير في ثلاثة أسطر بذلك القلم، وعرضه عليه، وقد ذكر جالينوس هذا الخط بعينه وسمّاه (السريع) في كتاب: (تعرّف المرء عيوب نفسه) [٢] ، وليس أوقن إلا أنّه خطّ يتضمن أعلاما قد وضعت للدلالة على معاني من طريق الاصطلاح، لا من طريق تطبيق كل معنى بلفظه.
[أشعار العجم]
وللعجم على كل حال اقتصار وأشعار، وقد أنشدونا لجماعة منهم
стр. 319
أشعارا مطربة الأوزان، عجيبة الأغراض، وأنا أعجب من موافقة النابغة في قوله: [١] [الطويل]
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبق منهنّ كوكب
للبلهبذ مغني كسرى أبرويز [٢] لما قال شعرا، أنا أكتبه أعجميا، وأذكر تفسيره عربيا، ليتأمله فانه طريف، وكان قد زار قيصر خاقان كسرى، فقال البلهبذ عند اجتماع الثلاثة وغناه به:
قيصر ماه ماند خاقان خرشيد ... قيصر يشبه القمر وخاقان الشمس
إن من خداي ابن ماندكا مغاران ... والذي هو مولاي يشبه الغيم المتمكن
كجا هد ما يوشد كجا هد خرشيد ... إذا شاء غطى القمر وإذا شاء غطى الشمس
[١٢٦ و] تأمل قوله: يشبه الغيم المتمكن، فانّ لفظة المتمكن جليلة القدر في هذا الموضع، وهذا الشعر يتزن به العروض، ويخرج من بحر إلى بحر.... علي..... [٣]
هكذا وجدت بخط الوزير، ولم يذكر من أي بحر يخرج، وهو يحتاج فضل تأمل، وكان البلبهذ المروزي هذا ذا غناء وطرف وأدب، فطرب إليه أبرويز ليلة، فدعا به، وكان عنده سيرين [٤] ، وذاك في برد شديد، فقال له:
اشتقت إليك وأحببت أن أقطع ليلتي بغنائك، فغناه حتى سكر بلبهذ، وخرج ليبول، فسقط عند أصل سدرة، فقال أبرويز لسيرين: ليت شعري، أين ضيفنا،
стр. 320
وخرج فرآه نائما فطرح عليه فرو سمّور [١] كان عليه، ولما كان في وجه الصبح، قال أبرويز لسيرين: ما ترين من أمر ضيفنا؟ قالت: الملك أعلم، قال: أراه هبّ في نومه، فلما رأى ثوبي عليه عرفه وأجلّه، فنزعه ونزع قباءّه فبسطه ووضع ثوبي عليه وكفر قائما [٢] عنده، فقالت سيرين: إن كان هكذا، فالملك ينظر بالنور، قال: قومي، فقاما، فوجداه كذلك، فأمر له بمال وأقطعه برار الروز وبالدي وغيرهما.
[البلبهذ يعلم غلاما الشعر ثم يقتله]
وكان أبرويز مرّ في طريق، فرأى غلاما يقال له سركاس، ومعه بقرة عليها سماد، وهو يغني، فأعجب بحسن خلقه، فضمّه إلى بلبهذ وأمر بتعليمه الغناء، فعلّمه ففاقه، فحسده فقتله، فأتى به كسرى أبرويز فقال له: أبى حسد صدرك، ونغل جوفك [٣] [١٢٦ ظ] إلا قتله، وقد علمت أني كنت أستريح منه إليك، ومنك إليه، وأمر بالقائه تحت الفيلة، فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك، وقتلتني أنت، قتلت الشطر الآخر، ألست تذهب طربك كلّه، وتكون جنايتك على نفسك أكبر من جنايتي!! فقال كسرى: ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من المدّة، وأمر بتخليته.
ويقال إن بلهبذ بقي بعد كسرى دهرا، وإياه عنى البحتري بقوله: [٤] [الخفيف]
[توهمت أنّ كسرى أبرويز ... معاطيّ والبلهبذ أنسي]
في القصيدة العجيبة التي هي من بدائعه، إلا أنه بلغني عن أبي الفضل
стр. 321
ابن العميد [١] ، وكان من العلم بالمقام الأمين، أنه قال: مازلت أعد البحتري في المطبوعين حتى سمعت له هذه القصيدة، فاستدللت يها على تكلفه. وما أدري من أين قال ذلك، ألا أن يكون أخذ عليه البيت الأول [٢] فانه خسيس الكلام.
ومن مضحك أشعار العجم قول بعض الشعراء لمسلحة قيّمها أعجمي:
[مجزوء الرمل]
يا أبا عبد الإله ... حبسنا لا يستقيم
فقال له الأعجمي:
من ندانم جمكوي ... هر خري دد رم ونيم
قال: أنا ما أدري إيش يقول كل حمار درهمين ونصف. قال الوزير:
أنشدنيه أبي عن أبيه، قال: وإذا فسّرت أشعار الفرس إلى العربية، وصيغت بعد ذلك شعرا، جاءت كأنّ معانيها معاني الحديث، لا معاني أشعار العرب:
[١٢٧ و] مثل ما قال عبد الله بن المقفع [٣] في معنى شعر نقله من الفارسية إلى العربية، وهو: [السريع]
إنّ الفتى قنّى كحرقوصة ... يشرب ما يشربه الفيل [٤]
стр. 322
من بعد ما يأكل أمثاله ... وما له عرض ولا طول
فانّ معنى هذين البيتين كأنه حديث، لا كأنه شعر.
[مباراة عجيبة بين رومي وفارسي]
وأصل قولهما في الفارسية أنّ كسرى وأحسبه أبا شيرويه، كان قد بعث إليه ملك الروم برومي جسيم طويل، وقال: إن كان في ملكك من يؤاكل هذا الرومي أو يشاربه أو يناومه، أقررت بعظيم سلطانك، وإلا أقررت بعظيم سلطاني، فلم يجد كسرى من يفعل ذلك بعد أن يئس، إلا ملاحا نصرانيا قصيرا دميما يسمّى (قنّى) ، فقال: أنا أواكله وأشاربه وأناومه، وإن لم أفعل فليقتلني الملك، فجمع بينه وبين الرومي، فقدّم إلى الرومي كبش مسلوخ، فجعل يكبّب له ويأكل حتى أتى عليه، وقدّم إلى قنّى كبشان مسلوخان، فأتى عليهما، بعد أن طبخ له أحدهما في قدر، وثرد له فيها خمسون رغيفا، فأذعن له الرومي بالأكل، ثم أتي الرومي بدنّ، فجعل يشرب بخماسيّة معه حتى أتى عليه، ثم أتي قنّى بالشراب فأتى على دنّين، فأذعن له الرومي بالشرب، ثم قاما ليناما، فقال قنّى: ادخلوا لنا إلى البيت [١٢٧ ظ] لحافا وكساء، فقال الرومي: وما تصنع بذلك ونحن بالصيف؟ قال: إذا هجم الشتاء علينا كان عندنا دثار معدّ، فأذعن له الرومي بالنوم، فأقطعه كسرى الموضع الذي يعرف اليوم ب (دير قنّى) [١] ، وأجازه وكساه، وقيل فيه الشعر المقدم قبله، فنقله ابن المقفع إلى العربية.
وقد يذكر الشىء بالشىء إذا أشبهه، كان القاضي أبو عبد الله حسين بن علي بن النعمان، وهو المقتول، ينشد لأبيه علي بن النعمان [٢] ، بيتين يستحقان أن يذكرا، وهما: [البسيط]
стр. 323
وشاكلت ملح في الحبّ مونقة ... ما في الرياض وفي الأشجار من ملح
خد وثغر ونهد واختضاب يد ... كالورد والطّلع والرّمان والبلح
وقد تقدم إثبات هذين البيتين في الكراسة الثانية عشر من هذا الجزء. [١]
قال الوزير ﵀: وليس العربي الصريح إذا طالت مخالطته العجم، أو كانت ولادته فيهم، ونشوؤه على لغتهم، فنزع به عرقه، وجنحت به غريزته إلى قول الشعر، أو إلى رصف النثر، وكان بالجملة مبينا عن غرضه، وبليغا بين أهل منطقه، بأفخر ولا أحقّ بالشكر، ولا أفضل من أعجمي استثني من غثارة [٢] العجم، ومن معتلج [٣] النبطية الصّرف، فلانت قريحته لقبول الاعتياد، وأجابت خواطره إلى استفادة صنعة البيان، ومال بلسانه وقلبه إلى الأفضل دون الأتلد [١٢٨ و] وانصرف عن الأول، وإن كان عليه سهلا إلى الثاني، وإن كان عليه صعبا ومنه بعيدا، مثل جماعة من الموالي برعوا في الشعر، هم معروفون لا نطيل بذكرهم، وقد كان تهيّأ لنا مجموع في أشعار أولاد الأحرار من فارس باللسان العربي، يشتمل على كثير ممّا أومأنا إليه.
ومن أعجب ما رأيت أو سمعت به، خادم صقلبي [٤] أبيض محبوب كان لآل عمّار الذين منهم كاتب المعتصم، يقال له أبو علي يندون، كان يقول الشعر ويحبّر النثر.
قال الوزير: ونحن نذهب شوطا في ذكره، وينشد قطعا من شعره، فهو
стр. 324
وإن لم يكن مبرّزا، فانّ التعجب منه يبلغه درجة العجب به، والاستطراف لشذوذه يجبر نقيصة خلله، وهو عندي عجيب، بل العجيب دونه.
ثم لم يذكر شيئا من نظمه ولا نثره، وإنما علقت أنا ذكره تذكرة للفحص، وطليعة للكشف.
[العودة لذكر العور]
ومن العور حيّان بن بشر [١] والي قضاء الشرقية، وسوار بن عبد الله [٢] العنبري، والي قضاء الغربية، وكلاهما من قبل يحيى بن أكثم [٣] ، وما رأينا لهما شعرا، ولكن فيهما يقول بعض الشعراء: [٤] [الوافر]
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفا ونصفا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
стр. 325
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذ افتتح القضاء بأعورين [١٢٨ ظ]
قال الوزير موقعا على خطه بخطه: أظنّ هذا غلطا، وهو كما قال، لأن سوار بن عبد الله كان قاضيا من قبل المنصور [١] ، وله حديث مع السيد الحميري، وهجاء السيد فيه، نحن نذكره في غير هذا الموضع، فزمان يحيى بن أكثم يتأخر عنه، وإنما علّقت الأبيات لأكشف عنها.
قال المتنبي: [٢] [الوافر]
فيا ابن كروّس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير
قال الوزير: كأنه ملحوظ به قول أبي علي البصير: [السريع]
يا معشر البصراء لا تتطرّفوا ... جندي ولا تتعرّضوا لنكيري
ردّوا إليّ الحارثيّ فانّه ... أعمى يدلّس نفسه في العور
وأنا أقول: إنه بالبيت المتقدم أولى، وهو: [الوافر]
هما اقتسما العمى نصفا ونصفا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وفي بيت المتنبي زيادة، وهو نصف البصير، يقوم بقوله:
كما اقتسما قضاء الجانبين فالبيتان في أقسام التساوي والتكافي.
[عمرو بن أحمر]
عمرو بن أحمر الباهلي [٣] ، قال ابن داود: في المعمرين، أسلم وغزا
стр. 326
الروم، وأصيب بعينه هناك، قال: وهو أحد العور المحسنين من الشعراء، وأنشد، قال: أنشدني ابن يزيد المبرد له في عينه: [١] [البسيط]
ضمّا وسادي فانّ الليل قد بردا ... وإنّ من كان يرجو النوم قد هجدا [١٢٩ ظ]
فما على الجانب الوحشيّ مرتفق ... ولا على الظهر ما لم تجعلا سندا
شلّت أنامل مخشيّ ولا اجتبرت ... ولا استعان بضاحي كفّه أبدا
غادرني سهمه أعشى وغادره ... سيف ابن عيساء يشكو النحر والكبدا [٢]
أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا [٣]
قال المبرد: القرد، الذي لم ينعّم سحقه [٤] ، كذا وجدت بخط الوزير، وغزا بلاد الروم، وأصيب بعينه هناك، ولم تصب عينه إلا في حرب كانت بين العشيرة، وقوله: (شلّت أنامل مخشيّ) شاهد بأنه لم تصب عينه هناك.
[عوران قيس]
وعوران قيس خمسة: عمرو بن أحمر أحدهم، وحميد بن ثور الهلالي [٥] ، وعبيد بن الحصين النميري الراعي [٦] ، وتميم بن أبيّ بن مقبل
стр. 327
العجلاني [١] ، والشماخ بن ضرار الثعلبي [٢] .
ومن الحوص [٣] : الأحوص بن عبد الله [٤] بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسم الأقلح قيس بن عصمة بن النعمان بن أمّه بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس. يقول في نفسه، أنشده ثعلب: [٥] [الرجز]
اسمج به من ولد وأقبح [٦] ... مثل جريّ الكلب لم يفقّح
стр. 328
يرى شوى ما لم يقم فينبح [١] ... بالباب عند خلقه المستقبح
[١٢٩ ظ] والأحوص بن جعفر بن كلاب [٢] ، والأحوص عمرو بن حريث بن عمرو ابن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
[أبيات في وصف الفرس]
قال لي الأمير سيف الدولة أبو غانم حامد بن عبدان، أنشدت الأمير شيخ الدولة عبد الرحمن بن لؤلؤ بيتين للطاهر الجزري في صفة الفرس، وهما: [الكامل]
أبت الحوافر أن يمسّ بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة تراهنّ طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
فأنشدني لنفسه في مثله: [الطويل]
وأدهم كالليل البهيم مطهّم ... فقد عزّ من يعلو بساحة عرفه
يفوت هبوب الريح سبقا إذا جرى ... نهاية رجليه مواقع طرفه
بخط ابن السراج [٣] ، المندمة [٤] : الدكان يجتمع عليه الشراب، وفي
стр. 329
المدينة موضع يقال له منادم بشر [١] .
[استنفار أبي بكر لأهل اليمن]
قال أبو زيد عمر بن شبّة النميري [٢] ، في خبر ذكره، حفظته عن أبي عبيدة، وهو إمام الناس في زمانه، في التثبت في الرواية، والفحص عن صحة الخبر وسقمه، قال أبو القاسم المغربي، فيما نقلته من خطه في اختيار واختصار أخبار المدينة والكوفة، هذا لفظه، يعني أبا زيد في أبي عبيدة، وهو عندي، تركته حليلة لأبي عبيدة، لما كتب [١٣٠ و] أبو بكر يستنفر أهل اليمن إلى الشام، جاءت حمير عليها ذو الكلاع واسمه سميفع [٣] ، ذكره أبو زيد في فتوح الشام.
كاتب زنك في ابن النديم في أبيات: [الكامل]
стр. 330
وإذا تغنّاهنّ أكتافا له ... فكأنّه طير تزقّ فراخا
لما استنفر أبو بكر الأعراب إلى الشام، كان فيمن قدم عليه أبو الأعور السّلمي [١] وهو عمرو بن سفيان، فسرّحه إلى الشام.
[جعادة بنت جرير]
تزوج بعض ولد سعيد بن العاص جعادة بنت جرير بن الخطفى، بعد أبيها، فسأله نساؤه أن يطلقهن لأنهن يئسن عنده من الحظوة معها، فقال:
[الكامل]
هاب الضرائر من جعادة جانبا ... قلن التزحزح عن جعادة أروح
وكرهن شرك الحنظلية إنّها ... أبهى إذا ذكر الحسان وأملح
[أشعار في الحكمة]
عبد الله بن المعتز: [٢] [الطويل]
فسبحان ربّي راضيا بقضائه ... [و] كان اتقائي الشرّ يغري بي الشّرا
فيا خابطا في غمرة الجهل آمنا ... خف الدهر إنّي قد أحطت به خبرا
آخر: [الكامل]
لا يوئسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم
فاذا نبا فاستبقه وتأنّه ... حتّى يفيء به الطباع الأكرم
[٣] [١٣٠ ظ]
[من عقلاء المجانين]
قيل: إن بعض عقلاء المجانين قال في تهتك حرم بختيار بعده:
[الخفيف]
стр. 331
ليت شعري أأول الحشر هذا ... أم محا الدهر غيرة الفتيان
[ضبط الأسماء]
بنو عتوراة [١] بن ليث، بضم العين كما ترى بخط الباهلي، وهم بنوه عصيدة ذو قرد، وذو قرد [٢] ، بضم القاف والفتح، بخط الباهلي. حبيب بن جمّاز بالزاي، يروي عن أبي ذر. بنو قينقاع بكسر النون. بطحان [٣] بتسكين الطاء وفتح الباء كما ترى.
[في كتمان السر]
أنشد: [الطويل]
أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا ... فلما كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا
فما حفظوا العهد الذي كان بيننا ... ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
[من فضائل المدينة المنورة]
وقال رسول الله ﷺ : (غبار المدينة شفاء من الجذام) [٤] ، وقال ﷺ : (من أخاف أهل المدينة، أخافه الله، وعليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يقبل منه صرف ولا عدل) [٥] .
стр. 332
ورأى سعد بن أبي وقاص [١] رجلا يصيد في حرم المدينة، فسلبه، فكلّم فيه، فقال: لا أردّ عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، أنه ﷺ حرّم هذا الحرم، وقال: (إن رأيتم أحدا يصيد شيئا فلكم سلبه) ، ولكن إن شئتم رددت عليكم ثمنه، وحدّ حرمها ما بين لابتيها، هذا أقوى ما ذكر، [١٣١ و] وقال ﷺ : (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فاني أشفع لمن يموت بها) [٢] ، وقال ﷺ : (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي) [٣] .
[معنى البرابر]
طرفة بن العبد: [٤] [الطويل]
ولكن دعا من قيس عيلان عصبة ... يسوقون في أعلى الحجاز البرابرا
стр. 333
البرابر: الغنم الصغار، واحدها بر بر.
[القتل في الدين اليهودي]
كان سكنى يهود الحجاز من بعث بعثه موسى ﵇ إلى الكنعانيين [١] ، وأمرهم أن لا يستبقوا أحدا بلغ الحلم، فقتلوهم وقتلوا ملكهم بتيماء [٢] الذي يقال له الأرقم بن الأرقم، وأصابوا ابنا له شابا حسنا، فضنوا به عن القتل، وقفلوا به معهم، ومات موسى ﵇ قبل مقدمهم، فلقيهم الناس وأخبروهم خبرهم، فقالت بنو إسرائيل: إنها لمعصية إذ خالفتم نبيكم موسى في استبقاء هذا الغلام، والله لا تدخلوا علينا بلادنا، فقال أؤلئك القوم: ما بلد خير لكم إذ منعتم بلادكم من البلد الذي قفلتم منه، وكانت أشجر بلاد الله وأكثرها ماء، فعادوا فسكنوها بعد العماليق [٣] ، ومكثوا بعد ذلك زمانا.
ثم إن الروم ظهرت على بني إسرائيل ببغيهم، فخرج النضير وقريظة [٤]
стр. 334
وهذل هاربين إلى الحجاز، فأتبعهم الروم طلبا فأعجزوهم، وبلغت الروم في طلبهم الثّمد [١] الذي بين الحجر [٢] والجنينة [٣] ، فتقطعت أعناقهم [١٣١ ظ] عطشا، فسمّي بهلاكهم ثمد الروم إلى اليوم.
[من نزل المدينة قبل الأوس والخزرج]
وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب، لما تفرق أهل التهمة، نزلها بنو القين، ثم تنقلوا نقلا بعد نقل حتى أتوا الشام، ونزلتها أيضا مزينة قبل الأوس والخزرج، فوبئوا [٤] ، فافترقوا عنها، ونزلها بنو ضبيعة بن حرام من بليّ، وهم سلمة ووائلة والعجلان بنو حارثة بن ضبيعة حلفاء الأنصار، فوبئوا فانتقلوا إلى الجزل والسقيا [٥] ، ونزل بنو أنيف من بليّ
стр. 335
قبا [١] وهم رهط طلحة بن البراء الأنصاري، ونزل غصينة وهم بنو سواد رهط المجذّر بن ذياد المدينة، ونزل أبو عبيد رهط أبي بردة بن نيار المدينة أيضا، ونزلت قبائل من بني شغبا وبدا، ثم ألجأت قوما من بلي حروب بينهم إلى تيماء [٢] فأبى آلها أن يدخلوهم إلا بعد أن يتهوّدوا ففعلوا، وخرج قوم منهم بعد ذلك إلى يهود المدينة، فكانوا معهم حتى أظهر الله الإسلام، فيقال إن منهم عويم بن ساعدة، وسواد بن غزيّة، وكعب بن عجرة، وكان بها موضع يقال له الجوانيّة [٣] ، به قوم من يهود لهم أطم [٤] يقال له صرار.
[الفطيون ملك اليهود]
وإنّما نزل الأوس والخزرج المدينة عند قصة سيل العرم، فكانت تدين لملك يهود، في عيش ضيّق وجهد شديد، وكان ملك يهود هناك الفطيون [٥] ،
стр. 336
أحد بني ثعلبة، ولم يكن تزوّج امرأة إلا دخلت عليه [١٣٢ و] قبل زوجها، وإنّ أختا لمالك بن العجلان السالمي زوّجت، فخرجت ليلة عرسها كاشفة عن ساقيها، وأخوها مالك في النادي، فقال: لقد جئت سوءة، قالت:
الذي يراد بي أشدّ من ذلك، أدخل على غير زوج، فدخل مالك مستخفيا مع النساء، فاغتاله فقتله وهرب، حتى أتى الشام، فدخل على أبي جبيلة أحد الخزرج، وكان قد أصاب بالشام ملكا في غسان، فشكا إليه حالهم، فعاهد الله ألا يقرب امرأة ولا يمسّ طيبا [حتى] يذلّ يهود، وتكون الأوس والخزرج أعزّ أهل المدينة، وسار كأنه يريد اليمن، حتّى حلّ بالمدينة، وأنفذ إلى رؤساء اليهود يدعوهم إلى التكرمة، فاغتروا بمكره وأتوه، فجمعهم في حائر [١] فقتلهم، وإنما فعل ذلك لئلا يتحصنوا منه بآطامهم، فعزّت الأوس والخزرج.
[شعر الرمق السالمي]
وقال الرمق بن زيد السالمي: [٢] [مجزوء الكامل]
لم تقض دينك من الحسان ... وقد غنيت وقد غنينا [٣]
أشباه غزلان الصّرائم ... يأثرون ويرتدينا
الرّيط والديباج وال ... حمل المضاعف والبرينا
وأبو جبيلة خير من ... يمشي وأوفاهم يمينا
стр. 337
وأبرّه برّا وأع ... لمه بفعل الصالحينا [١] [١٣٢ ظ]
أبقت لنا الأيام وال ... حرب الملّمّة تعترينا [٢]
كبشا له درق تف ... لّ متونها الذكر السنينا [٣]
ومعاقلا شمّا وأس ... يافا يقمن وينحنينا
ومحلّة زوراء تجح ... ف بالرجال الظالمينا
وكان ضئيلا، فقال أبو جبيلة: عسل طيب في وعاء سوء.
[رثاء سارة القرظية]
وقالت سارة القرظية ترثي من أصيب يومئذ: [٤] [الوافر]
بأهلي رمّة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... [سيوف] الخزرجية والرماح [٥]
ولو أربوا بأمرهم لجالت ... هنالك دونهم جول رداح [٦]
[أطم أهل المدينة]
بنى أحيحة [٧] الضحيان بالحجارة السود، وبنى على رأسه مثل الفضة،
стр. 338
يرى من مسيرة بريد، وكان معه غلام له يقال له (زنبر) رومي، فقال أحيحة:
لقد بنيت حصنا ما بني عربي أمنع ولا أكرم منه، وإن فيه لحجرا لو نزع لوقع جميعا، فقال غلامه وهو فوق الأطم: وأنا والله أعرفه، فقال: أرنيه، فأراه إياه، فدفعه من فوق الحصن فمات. [١]
قال أعور بني واقف [٢] قيس بن رفاعة: [البسيط]
كيف أرجّي لذيذ العيش بعدهم ... وبعد من قد مضى من أهل ريدان [٣]
[١٣٣ و] وكان لبني خطمة [٤] أطم يقال له ذرع [٥] بوزن عمر، وهو الذي جاء في الحديث أنّ النبي ﷺ توضأ من ذرع بني خطمة، وبصق فيها.
والسّنخ اسم أطم، وكان عبد الله بن أبيّ [٦] إذا احتبى بفناء مزاحم [٧] ، لم يمرر به أحد يغير حتى جاء الإسلام، ومزاحم أطم له، قال قيس: [٨] [الطويل]
صبحنا بها الآطام حول مزاحم ... قوانس أولى بيضها كالكواكب
стр. 339
بنى مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار المنيف [١] ، وفيه قال الشاعر يرثيه: [مجزوء الكامل]
يا عين فابكي مالكا ... ولعزّ ذلك هالكا
ولقد بنيت مشيّدا ... حتى الكواكب سامكا
[دور الأنصار]
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو الأشهل، ثم بلحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة) [٢] ، فبلغ ذلك سعد بن عبادة فقال: جعلنا آخر الدور، اسرجوا لي حماري، قبلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (في كل دور الأنصار خير) . [٣]
قال كعب: [الطويل]
فلما هبطنا العرض قالت سراتنا ... علام إذا لم يمنع العرض نزرع [٤]
[١٣٣ ظ] قال تبّع، وهو تبّع الآخر بن حسان [٥] تبّع بن كليكرب بن تبّع الأقرن:
[الكامل]
ولقد شربت على براجم شربة ... كادت بنا فيه الحياة تديع
براجم: ماء بالمدينة، قال: لأنه نشبت في حلقه علقة.
стр. 340
من ملح قول قيس: [١] [المنسرح]
إنّا وإن قدّموا التي علموا ... أكبادنا من ورائهم تجف
لما بدت نحونا جباههم ... حنّت إلينا الأرحام والصّحف [٢]
[وصية أحيحة بن الجلاح]
قال أحيحة [٣] لابنه عمرو عند وفاته: أصلح مالك، فانّ قومك لا يزالون يعرفون لك فضلا ما علموا غناك، واعلم أني لم أترك عليك دينا ولا خلّة أعرابيّ، فانّ الأعرابي لو أتاك بأديم حلم [٤] قد بعته له، ودفعته إليه نقيا صحيحا، رأى أنه قد أحسن إليك.
قال قيس: [٥] [المتقارب]
ونحن فوارس يوم النقي ... ع قد علموا كيف فرسانها [٦]
موضع [٧] التقوا فيه معروف.
وقال كعب بن مالك يهجو أبا قيس بن الأسلت: [٨] [الطويل]
стр. 341
تشوّهت إذ تسعى على جلّ مالك ... وهل لك في أبناء مالك بن أصل
بنو مالك أبناء عمرو بن عامر ... وأنت يهوديّ تشقّ خصى الفحل
[من خدع أبي جهل]
من خدعات الدهاة:
كانت الأوس والخزرج في حروبهم تلك قد خافت بجمع الخزرج عليها، فخرجت إلى قريش تحالفها، فأظهروا أنهم محرمون للعمرة، وقلدوا آطامهم [١٣٤ و] الحبال على رؤوسها، وعلقوا فيها كرانيف [١] النخل، وكانت تلك علامة الإحرام، وكان يكفّ بعضهم عن بعض إذا أحرموا، فأتوا قريشا فقالوا: بعدت دارنا عن داركم، متى يدرككم غوثنا، أو متى تجيبون صريخنا، ولكن احتملوا إلينا بأهلكم نحالفكم، ففعلوا، فقال الوليد بن المغيرة وأبو جهل، وكانا غائبين أو أحدهما: والله ما دخل قوم قطّ على قوم في دارهم إلا غلبوهم على شرفهم وفخرهم وعزهم، وورثوا ديارهم، قالوا: فما المخرج؟ قال أبو جهل: أنا أكفيكم، إنهم أهل كرامة [٢] وغيرة، فأنا آتيهم من قبل ذلك، فقال: إنّ لنا سنّة لا يزال الرجل منّا قد لقي المرأة في السوق فضرب على عجيزتها وعبث بها، فان طبتم أنفسا بأن يكون نساؤكم إسوة بنسائنا، وإلا فردوا على قومي حلفهم، قالوا: قد رددناه.
[دور آل جحش بعد الهجرة]
رأى العباس ﵀ دور آل جحش [٣] خلاء، تصفق أبوابها الريح،
стр. 342
وكانوا قد أوعبوا [١] في الهجرة، فأنشد: [البسيط]
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدخلها النكباء والحوب [٢]
فقال له أبو جهل: ما يبكيك على قلّ بن قل [٣] ، وذلّ بن ذل، فتراجعا حتى كان بينهما لحاء [٤] .
[بين الأوس والخزرج]
قالت الأوس لحضير الكتائب [٥] وهو رئيسهم، لما كثر الخزرج، لو حاجزت القوم يا أبا أسيد، وأرسلت إلى حلفائك [١٣٤ ظ] مزينة، فقال وهو جالس واضع سيّة قوسه [٦] على ثناياه، فألقى القوس من يده وقال: أنتظر مزينة، وقد نظرت إلى القوم ونظروا إليّ، الموت أحسن من ذلك، وذمر أصحابه [٧] فنصروا يومئذ على الخزرج.
وقال أبو أحمد عبد بن جحش في أخذ أبي سفيان دورهم [٨] ، وكانوا
стр. 343
تنزهوا عن ارتجاعها بعد فتح مكة: [١] [مجزوء الرجز]
أبلغ أبا سفيان عن ... أمر عواقبه ندامه
دار ابن أختك بعتها ... يقضي بها عنك الغرامه [٢]
ونزيلكم وحليفكم ... بالله مجتهد القسامه [٣]
اذهب بها اذهب بها ... طوّقتها طوق الحمامه
[آية نزلت في عليّ]
نزلت في علي صلى الله عليه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[٤] ، لما نام علي على فراش رسول الله صلى الله عليه ليلة سرى من مكة.
[مرور الرسول بالجحفة]
لمّا مرّ رسول الله ﷺ بالجحفة [٥] مرّ بابل وراع، فقالا، ومعه أبو بكر: لمن هذه الإبل؟ فقال: لرجل من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبكر: سلمت إن شاء الله، ما اسمك؟ قال: مسعود قال: سعدت إن شاء الله.
стр. 344
[خيمتا أم معبد]
لما نزلا بخيمتي أم معبد [١] من خزاعة، أرسلت ابنا بعناق، فقالت:
يا بني اذهب بهذه الشفرة إلى هذين الرجلين، فمرهما فليذبحا [١٣٥ و] فليأكلا ويطعمانا، فجاء إليهما فقال: إنّ أمّي تقريكما السلام وتقول: كيت وكيت، فاستدناها رسول الله صلى الله عليه وآله، فمسح ضرعها فاذا هو ممتلىء لبنا، فشرب وسقى أبا بكر، ثم أعطاه الحلاب، فقال: اذهب به إلى أمّك، فأتاها فقال: يا أمّتاه، هذا والله من العتاق، فقالت: والله إني لأظنّه العبد الصالح الذي بلغنا بمكة، وقاما فارتحلا، فقالت للنبي صلى الله عليه وآله: أوصني، فقال أبو بكر: سر، فقال: ما أنا بمنطلق حتى أوصيها:
(أوصيك باطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة والناس نيام) [٢] ، ودعا لها ولغنمها بالبركة، ثم سار صلى الله عليه.
[أبيات سراقة بن مالك]
قال سراقة بن مالك [٣] لأبي جهل: [٤] [الطويل]
стр. 345
أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمّدا ... رسول ببرهان فمن ذا يكاتمه [١]
عليك بكفّ القوم عنه فانّني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر تودّ النّضر فيه بأسرها ... لو أنّ جميع الناس طرّا يسالمه [٢]
[النبي في المدينة]
مرّ رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبيّ [٣] ، مدخله المدينة، فوقف ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، فقال عبد الله: انظر الذين دعوك فانزل عليهم، وهو يومئذ سيد الخزرج، وكان مقدمه صلى الله عليه يوم الاثنين [١٣٥ ظ] لأربع عشرة مضت من شهر ربيع الأول [٤] ، وبدر يوم الاثنين لسبع عشرة من شهر رمضان [٥] ، ووفاته يوم الاثنين لخمس عشرة من شهر ربيع
стр. 346
الأول [١] ، وأقام بقبا [٢] ثنتين وعشرين ليلة، وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل ركوبه من قبا، فمشوا حول ناقته، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة، شحّا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وآله، كلما مرّ بدار دعوه إلى المنزل، وهو يقول: (دعوها فانها مأمورة) [٣] ، حتى بركت على باب دار أبي أيوب [٤] ، وابتدر أبو أيوب رحله وراحلته فأدخلهما منزله [٥] .
[قال: وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فاذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا أو ثوما، فرده رسول الله ﷺ ، ولم أر ليده فيه أثرا، قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، رددت عشاءك، ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا، تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك، نبتغي بذلك البركة، قال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه، قال: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد] [٦] .
стр. 347
[بناء مسجد النبي]
لما أسس رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، كان عمّار [١] ﵁ يومئذ ينقل لبنتين لبنتين، وكان رسول الله صلى الله عليه يمسح رأسه من التراب، ويقول: (يا ويحك يا ابن سميّة تقتلك الفئة الباغية) [٢] .
وكان عثمان رجلا نظيفا متنظفا يجافي اللبنة عن ثوبه إذا حملها، وينفض كمّه إذا وضعها، فقال عليّ ﵇: [٣] [الرجز]
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
فعلقها عمّار يرتجز بها، فقال عثمان: يابن سميّة، ما أعرفني بمن تعرّض، ومعه جريدة [١٣٦ و] فقال: والله لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك، فسمعها رسول الله صلى الله عليه، وهو جالس في ظلّ، فقال: (إنّ عمّارا جلدة ما بين عيني وأنفي، وإذا بلغ من المرء ذلك فقد بلغ) [٤] .
قال ﷺ : (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد، إلا باب أبي بكر [٥] فاني لا أعلم أحدا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي
стр. 348
بكر) ﵁. وفي حديث آخر: (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب عليّ [١] ، إنّ الله أمر موسى ﵇ أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شير وشبير، وإن الله تعالى أوحى إليّ أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعليّ وأبناه علي حسن وحسين) [٢] .
وقال للعباس وقد خاطبه في ذلك: (يا عمّ والله ما سددت عن أمري، وما أنا أسكنت عليا، ولكن الله أسكنه) [٣] ، وكان لا يأذن لأحد أن يجلس في المسجد، ولا يمرّ فيه جنبا، إلا لعليّ وحده صلى الله عليه.
كان في المسجد جذع نخلة يستند إليه النبيّ صلى الله عليه يوم الجمعة، إذا أراد أن يكلّم الناس، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتخذ لك شيئا يستند إليه ظهرك؟ فقال: (لا عليكم أن تفعلوا) [٤] ، فجعلوا هذا المنبر ثلاث مراقي، فخار الجذع كما تخور البقرة، وحنّ كحنين الناقة، فنزل صلى الله عليه وآله فاعتنقه، فسكن، وكان المنبر من طرفاء الغابة، والجذع من أمّ جرذان من حائط أبي أيوب، ودفن [١٣٦ ظ] الجذع بين المنبر والمغرب، وكان طوله سبع أذرع.
[معاوية يطلب نقل منبر الرسول إلى الشام]
كتب معاوية إلى مروان [٥] أن ابعث إليّ منبر رسول الله صلى الله عليه
стр. 349
وآله [١] ، فقلعه فكسفت الشمس حتى رأوا النجوم، وأصابتهم ريح وظلمة، فكان يلقى الرجل الرجل يصكّه لا يعرفه، فقال مروان: أيها الناس، تزعمون أن أمير المؤمنين أمرني أن يقلع منبر رسول الله صلى الله عليه والبعثة به إليه، وهو أعلم بالله أن يفعل ذلك، إنما كتب يأمرني أن أرفعه عن الأرض، ودعا النجاجرة فعملوا له ست درجات، فصار تسع درجات بالمجلس، ثم لم يزد فيه أحد بعده ولا قبله.
[من جلس مجلس الرسول]
أول من جلس مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عثمان، ثم عليّ ﵇، قال محمد بن عمّار [٢] مؤذن عليّ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنّ صاحبيك كانا يكفّان عن هذا المجلس، قال: قد علمت، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يعطى أحد في مجلسي هذا شيئا ولا يفي به إلا سقاه الله من طينه الخبال) [٣] ، فأردت أن آخذ منهم وأعطيهم عليه.
стр. 350
[توسعة مسجد الرسول]
كان الوليد على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب، فرأى حسن ابن حسن بن علي [١] ﵇، في بيت فاطمة ﵍، بيده مرآة ينظر فيها، فنزل فأمر عمر بابتياعه، فأبوا أن يبيعوه، وقالوا: لا نأكل له ثمنا، وكان قد دفع إليهم به ثمانية ألف دينار، فأمر الوليد بهدمه وإدخاله في المسجد، وطرح الثمن في بيت المال، ويقال: إن أصل الزيادة [١٣٧ و] في المسجد أيام الوليد، إنما كان احتيالا على هذا البيت، وذاك أنّ بعض أصحاب أخبار الوليد [٢] الذين كان يبعثهم في كل سنة إلى المدينة، يتعرفون له الأخبار، جاءه فقال: والله لقد رأيت أمرا ما لك معه سلطان، فقال: ما هو؟ قال: كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فاذا منزل عليه كلّة، فلما أقيمت الصلاة، رفع صاحبه الكلة فصلى بصلاة الإمام هو ومن معه، فلما انقضت الصلاة أرخيت الكلة، ودعي بالغداء فتغدى هو وأصحابه، فسألت عنه، فقيل: هو حسن بن حسن، فقال: ويحك فما أصنع؟ هو بيته وبيت أمّه، قال: تزيد في المسجد وتدخل هذا البيت فيه، فكتب إلى عمر [٣]
стр. 351
بذلك. فلما أرادوا هدمه لم يخرج حسن رضوان الله عليه حتى تناوله الشّرط بالسياط، وصاح النساء فخرج، فانتقلت فاطمة بنت الحسين صلى الله عليه إلى موضع دارها بالحرّة وهي براح [١] فابتنتها، وقالت: ما بدّ لي من بئر، فصلّت في موضع البئر منها ودعت، ثم أخذت المسحاة فاحتفرت بيدها، ثم أمرت العمّال فعملوا، فما لقيت حصاة حتى أماهت [٢] .
وهدمت حجرات أزواج النبي ﷺ ، وأدخلت في البناء، قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم [٣] . قال رسول الله صلى الله عليه: (يا أمّ سلمة، شرّ ما ذهبت فيه أموال الناس البنيان) [٤] .
[في لزوم جماعة المسلمين]
علي بن عيسى بن الجراح الوزير، حدثنا أبو جعفر أحمد بن بديل [١٣٧ ظ] ابن قريش اليامي [٥] الكوفي بسر من رأى، في جمادى الآخر [ة] سنة أربع وخمسين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن أبيه، يبلغ به إلى أبي ذر ﵀، قال، قال رسول الله ﷺ :
стр. 352
(من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [١] . وحدّث علي بن المدائني قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني يسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا أدريس الخولاني، يقول: سمعت حذيفة بن اليمان [٢] ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، قال، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنا أهل جاهلية وشرّ، وجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، فقلت: وهل بعد الشر خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) [٣] ، قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يستنون بغير سنّتي، وبغير هداي، تعرف منهم وتنكر) [٤] ، قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها) [٥] ، قلت:
يا رسول الله، صفهم لنا، قال: (هم قوم من أهل جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) ، قال، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) [٦] ، قلت: فان لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) .
стр. 353
وحدّث هشيم عن العوام [١٣٨ و] بن حوشب عن عبد الله بن مسعود، في قول الله ﷻ : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[١] ، قال: حبل الله الجماعة.
وروى سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال، قال النبي ﷺ : (يا عليّ، إنها ستكون فتن وسيحاجك قومك) [٢] ، قال، قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟
قال: (اتبع الكتاب) أو قال: (حكم الكتاب) [٣] .
انظر حقّ النظر تعلم أنّ عليا ﵇ هو الجماعة المأمور بلزومها عند الفتن، لأنه ﵇ أمر حذيفة في الخبر المتقدم عن الفتنة بلزوم الجماعة والإمام، وأمر عليا ﵇ عندها باتباع الكتاب وحكمه، لا الجماعة والإمام، لأنه المعنيّ بها، وأوضح الأمر بأنّ قومه سيحاجّونه، إفصاحا عن منازعتهم إياه حقّه، ولم يقل مثل هذا لحذيفة ﵁، وفي هذا بيان وهدى لمن رفض الهوى.
وحدّث حماد بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ :
(تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم تعمل بعد ذلك برهة بالرأي، فاذا عملوا بالرأى فقد ضلوا) [٤] .
وعن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
стр. 354
قال: (لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم شبرا شبرا، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه) [١] ، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال:
فمن [٢] . [١٣٨ ظ]
[أي القرآن أشرف]
أبو الأحوص عن أبي إسحاق التميمي قال: قلت لابن عباس رحمة الله عليه: أي القرآن أشرف؟ قال: البقرة، قلت: أيّ آية؟ قال: آية الكرسي.
حزم بن أبي حزم القطيعي قال: سمعت الحسن يقول: ذكر لنا أنّ النبي ﷺ قال: (أتدرون أيّ القرآن أعظم؟) [٣] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (السورة التي تذكر فيها البقرة) [٤] ، قال: (أتدرون أيّها أعظم؟) [٥] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*
[٦] إلى آخر الآية.
عاصم بن أبي النجود، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: لكل شيء سنام، وسنام القرآن البقرة، وإنّ لكل شىء لبابا، ولباب القرآن المفصّل، وما خلق الله من سهل ولا جبل، ولا سماء ولا أرض، أعظم من آية الكرسي.
وعن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : (آيتان من
стр. 355
أخر سورة البقرة تكفيان من قراءة ليلة) [١] . وعن أنس بن مالك قال، قال نبي الله ﷺ ، قال خلف في حديث هذا فيه: (ما على أحدكم أن يقرأ في ليلة، بقل هو الله أحد، ثلاث مرات، فانها بعدل القرآن كله) [٢] . وعن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن ابن مسعود أنه ذكر: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[٣] ، فقال: هي المانعة، تمنع من عذاب القبر.
[سورة الملك]
توفي رجل فأتي من قبل رجليه، فتقول رجلاه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ عليّ سورة الملك. ويؤتى من قبل بطنه، فتقول بطنه: إنه لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان أوعى في سورة الملك، ويؤتى من [١٣٩ و] قبل رأسه، فيقول رأسه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ سورة الملك، قال: وفي التوراة مكتوب: سورة الملك من قرأها في ليلة أكثر وأطيب.
سفيان عن عبد الكريم عن طلق بن حبيب، قال: (من تعلّم القرآن ثم نسيه، خطّ بكل آية درجة، وجاء يوم القيامة مخصوما) [٤] . وفي حديث آخر عن أبي الدرداء: (جاء يوم القيامة أجذم اليدين والرجلين) ، وعن طاووس، أحسبه عن النبي صلى الله عليه قال: (أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله) [٥]
[عند نزول القرآن]
وقد روي أن النبي ﷺ كان يخرج على أصحابه رحمة