بذلك. فلما أرادوا هدمه لم يخرج حسن رضوان الله عليه حتى تناوله الشّرط بالسياط، وصاح النساء فخرج، فانتقلت فاطمة بنت الحسين صلى الله عليه إلى موضع دارها بالحرّة وهي براح [١] فابتنتها، وقالت: ما بدّ لي من بئر، فصلّت في موضع البئر منها ودعت، ثم أخذت المسحاة فاحتفرت بيدها، ثم أمرت العمّال فعملوا، فما لقيت حصاة حتى أماهت [٢] .
وهدمت حجرات أزواج النبي ﷺ ، وأدخلت في البناء، قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم [٣] . قال رسول الله صلى الله عليه: (يا أمّ سلمة، شرّ ما ذهبت فيه أموال الناس البنيان) [٤] .
[في لزوم جماعة المسلمين]
علي بن عيسى بن الجراح الوزير، حدثنا أبو جعفر أحمد بن بديل [١٣٧ ظ] ابن قريش اليامي [٥] الكوفي بسر من رأى، في جمادى الآخر [ة] سنة أربع وخمسين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن أبيه، يبلغ به إلى أبي ذر ﵀، قال، قال رسول الله ﷺ :
стр. 352
(من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [١] . وحدّث علي بن المدائني قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني يسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا أدريس الخولاني، يقول: سمعت حذيفة بن اليمان [٢] ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، قال، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنا أهل جاهلية وشرّ، وجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، فقلت: وهل بعد الشر خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) [٣] ، قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يستنون بغير سنّتي، وبغير هداي، تعرف منهم وتنكر) [٤] ، قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها) [٥] ، قلت:
يا رسول الله، صفهم لنا، قال: (هم قوم من أهل جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) ، قال، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) [٦] ، قلت: فان لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) .
стр. 353
وحدّث هشيم عن العوام [١٣٨ و] بن حوشب عن عبد الله بن مسعود، في قول الله ﷻ : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[١] ، قال: حبل الله الجماعة.
وروى سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال، قال النبي ﷺ : (يا عليّ، إنها ستكون فتن وسيحاجك قومك) [٢] ، قال، قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟
قال: (اتبع الكتاب) أو قال: (حكم الكتاب) [٣] .
انظر حقّ النظر تعلم أنّ عليا ﵇ هو الجماعة المأمور بلزومها عند الفتن، لأنه ﵇ أمر حذيفة في الخبر المتقدم عن الفتنة بلزوم الجماعة والإمام، وأمر عليا ﵇ عندها باتباع الكتاب وحكمه، لا الجماعة والإمام، لأنه المعنيّ بها، وأوضح الأمر بأنّ قومه سيحاجّونه، إفصاحا عن منازعتهم إياه حقّه، ولم يقل مثل هذا لحذيفة ﵁، وفي هذا بيان وهدى لمن رفض الهوى.
وحدّث حماد بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ :
(تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم تعمل بعد ذلك برهة بالرأي، فاذا عملوا بالرأى فقد ضلوا) [٤] .
وعن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
стр. 354
قال: (لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم شبرا شبرا، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه) [١] ، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال:
فمن [٢] . [١٣٨ ظ]
[أي القرآن أشرف]
أبو الأحوص عن أبي إسحاق التميمي قال: قلت لابن عباس رحمة الله عليه: أي القرآن أشرف؟ قال: البقرة، قلت: أيّ آية؟ قال: آية الكرسي.
حزم بن أبي حزم القطيعي قال: سمعت الحسن يقول: ذكر لنا أنّ النبي ﷺ قال: (أتدرون أيّ القرآن أعظم؟) [٣] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (السورة التي تذكر فيها البقرة) [٤] ، قال: (أتدرون أيّها أعظم؟) [٥] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*
[٦] إلى آخر الآية.
عاصم بن أبي النجود، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: لكل شيء سنام، وسنام القرآن البقرة، وإنّ لكل شىء لبابا، ولباب القرآن المفصّل، وما خلق الله من سهل ولا جبل، ولا سماء ولا أرض، أعظم من آية الكرسي.
وعن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : (آيتان من
стр. 355
أخر سورة البقرة تكفيان من قراءة ليلة) [١] . وعن أنس بن مالك قال، قال نبي الله ﷺ ، قال خلف في حديث هذا فيه: (ما على أحدكم أن يقرأ في ليلة، بقل هو الله أحد، ثلاث مرات، فانها بعدل القرآن كله) [٢] . وعن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن ابن مسعود أنه ذكر: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[٣] ، فقال: هي المانعة، تمنع من عذاب القبر.
[سورة الملك]
توفي رجل فأتي من قبل رجليه، فتقول رجلاه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ عليّ سورة الملك. ويؤتى من قبل بطنه، فتقول بطنه: إنه لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان أوعى في سورة الملك، ويؤتى من [١٣٩ و] قبل رأسه، فيقول رأسه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ سورة الملك، قال: وفي التوراة مكتوب: سورة الملك من قرأها في ليلة أكثر وأطيب.
سفيان عن عبد الكريم عن طلق بن حبيب، قال: (من تعلّم القرآن ثم نسيه، خطّ بكل آية درجة، وجاء يوم القيامة مخصوما) [٤] . وفي حديث آخر عن أبي الدرداء: (جاء يوم القيامة أجذم اليدين والرجلين) ، وعن طاووس، أحسبه عن النبي صلى الله عليه قال: (أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله) [٥]
[عند نزول القرآن]
وقد روي أن النبي ﷺ كان يخرج على أصحابه رحمة
стр. 356
الله عليهم إذا جاءه التنزيل، فان كانت السورة مفتتحة استعاذ وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن لم تكن مفتتحة، استعاذ وتلا التنزيل، وقال: ضمّوا هذا إلى موضع كذا من سورة كذا.
وإنّ عليا ﵇ قال: التأليف من رسول الله ﷺ ، وقد جاء في الحديث عنه ﷺ ، أنه قال: (جاءني جبريل ﵇ بهذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
[١] ، وقال: ضعها على رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة) وهذا يدل على أنّ التأليف لرسول الله صلى الله عليه وآله، وعن جبريل صلى الله عليه، وإنما جمع أصحابه في المصحف السور خوفا من أن يشذّ شىء منها، وألّفوها سورة بعد سورة، على ما [١٣٩ ظ] رأوه، ولذلك خالف هذا المصحف مصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب في تأليف السور، وخالفهما أيضا في اللفظة بعد اللفظة، والحرف بعد الحرف، فأما أن يزيدا به أو يسقطا فمعاذ الله تعالى.
وروي أنّ آخر آية أنزلت: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[٢] .
[الإجماع على قراءة القرآن]
وقال الشعبي: كان أعلم الناس بما بين اللوحين عليّ بن أبي طالب، صلى الله عليه، وقراءته ﵇ معروفة، قرأها أبو عمر حفص بن سليمان الأسدي، على عاصم بن أبي النجود بهدلة النحوي، وقال أبو عمر:
لم أخالف عاصما إلا في حرف واحد، قرأ: مِنْ ضَعْفٍ
[٣] ، وقرأت:
стр. 357
(مِنْ ضَعْفٍ)
، للخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، قال: لم أخالف أبا عبد الرحمن في شىء من قراءته، وقال أبو عبد الرحمن: لم أخالف عليّا ﵇ في شىء من قراءته، وقال أبو عبد الرحمن: كنت ألقى زيد بن ثابت بالمواسم، فأجمع له أحرف عليّ ﵇، فأسأله عنها، فما خالفه إلا في (التَّابُوتُ) *
[١] ، قرأها زيد بالهاء، وروى عكرمة عن عثمان أنه قال لما أتي بالمصحف: لو كان المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف، لم يوجد فيه هذا، يعني اللحن.
[أنزل القرآن على سبعة أحرف]
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵀، أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، صارت في عجز هوازن منها خمسة أحرف، وعجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر [١٤٠ و] وبنو نصر، وبنو جشم.
[قرّاء القرآن]
ويقال: قارىء وقرأة، مثل: فاجر وفجرة، ومن القرّاء؛ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة [٢] ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز [٣] ، مولى محمد بن
стр. 358
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن رومان [١] مولى آل الزبير بن العوام، وكان فقيها قارئا، وبعد التابعين أبو جعفر يزيد بن القعقاع [٢] مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، ويقال إنه كان عابدا، وكان يقرىء في مسجد رسول الله ﷺ ، قبل الحرّة في سنة ثلاث وستين، وعن عبد الله بن عيّاش أخذ القراءة.
وشيبة بن نصاح [٣] مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، جاءوا به إليها رضوان الله عليهما ورحمته صغيرا، فمسحت رأسه وباركت عليه، وكان إمام أهل المدينة في القراءة بعد أبي جعفر. وبعدهما نافع بن عبد الرحمن [٤] بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثي، حليف حمزة بن عبد المطلب ﵇.
وقال مجاهد بن جبر: قرأت القرآن على عبد الله بن عباس تسعا وعشرين مرة، كلما بلغت: فَادْخُلِي فِي عِبادِي
[٥] ، أخذ عليّ: (فَادْخُلِي فِي عِبادِي) .
стр. 359
وبعد التابعين: عبد الله بن كثير [١] ، قال أبو بكر بن مجاهد: انتهت القراءة بمكة إليه، وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له الداري، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ ابن عامر على أبيّ بن كعب رحمة الله عليه. ومن القراء: حميد بن قيس [٢] [١٤٠ ظ] مولى بني هاشم.
[إعادة بناء المسجد النبوي]
قال: وكتب الوليد إلى ملك الروم [٣] : أني أريد بناء مسجد نبيّنا الأعظم صلى الله عليه وآله، فأعنّي بالعمال والفسيفساء، فبعث إليه بأحمال من الفسيفساء، وعشرين عاملا، وبمائتي ألف دينار عونا له، وبالسلاسل التي فيها القناديل، فهدمه عمر [٤] سنة إحدى وتسعين وبناه بالمذهب [٥] والمرمر والساج والفسيفساء، وبنى بأنقاضه داره بالحرّة، وخلا المسجد يوما للعمال فقال أحدهم: ألا أبول على قبر نبيهم، فنهاه أحدهم، فلم ينته، ففعل فاقتلع فألقي على رأسه، فانتثر دماغه، فأسلم بعضهم.
ولم يزل المسجد على ما أحدثه، حتى ولي أبو جعفر، فشاور في الزيادة
стр. 360
فيه، فكتب إلى الحسن بن زيد [١] ﵁، أن زيد فيه من الناحية الشرقية، توسّط قبر النبيّ ﷺ المسجد، فكتب إليه: قد عرفت الذي أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان، وتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا.
وكان مما دخل في المسجد أيام المهدي، دار مكمل بن عوف [٢] أخي عبد الرحمن، وكانت يتشاءم بها، وهي التي قالوا له صلى الله عليه: يا رسول الله اشتريناها ونحن جميع، فافترقنا ونحن أغنياء، فافتقرنا، فقال ﷺ : (دعوها ذميمة) [٣] ، وأراد قثم بن جعفر أن يشتريها فحمّ من ليلته، وفرغ من بنائه في هذه الدفعة في سنة خمس وستين ومائة، طول المسجد على ما استقرّ أخيرا مائتان وأربعون ذراعا، وعرضه [١٤١ و] ثمانية وسبعون ذراعا، وفيه من الأساطين مائتان وست وتسعون، وأبوابه عشرون بابا.
[الصلاة في المسجد النبوي]
المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، والذى أسس على تقوى من الله ورضوان مسجد قبا، قال صلى الله عليه وآله:
(صلاة في مسجدي هذا كألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام) [٤] ،
стр. 361
(وصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة) [١] .
رأى عطاء بن يسار [٢] إنسانا يبيع في المسجد، فقال: عليك بسوق الدنيا، فانّ هذه سوق الآخرة.
[القصّاص]
مرّ عمر بقاص فخفقه بالدّرّة [٣] ، ثم قال: ما أنت؟ قال: قاص، قال:
كذبت، قال الله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
[٤] ، فقال: أنا مذكّر، فقال: كذبت، قال الله : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[٥] ، فقال: ما أدري، فقال: قل أنا أحمق مرائي متكلف.
وأول من قصّ تميم الداري [٦] ، رخّص له عمر في ذلك، ثم استكثر من القصص والقصّاص معاوية لما كانت الفتنة.
стр. 362
[في آداب المسجد]
رأى رسول الله ﷺ نخامة في المسجد، فقال: (ما أقبح هذا) [١] ، فجاء صاحبها فحكّها وطلاها بزعفران، فقال رسول الله ﷺ : (هذا أحسن من ذاك) [٢] ، فمن هنا جعل الخلوق [٣] في المساجد.
وقال ﷺ : (إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها ويدفنها ويبصق عليه، فان ذلك كفارتها) [٤] .
أخرج رسول الله [١٤١ ظ] ﷺ ، ناسا في المسجد، وقال: (لا ترقدوا في مسجدي هذا) [٥] ، قال فخرج الناس، وخرج علي بن أبي طالب ﵇ معهم، فقال لعليّ:
(تعال فقد أحلّ لك فيه، ما أحلّ لي، كأني بك تذودهم على الحوض وفي يدك عصا عوسج) [٦] . وقال صلى الله عليه وآله للنائم على وجهه: (إنها نومة يبغضها الله) [٧] .
[حسان ينشد في المسجد]
بنى رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت منبرا في المسجد، ينشد عليه الشعر، وذكر حسان بن ثابت يوما علقمة فأنشد: [٨] [السريع]
стр. 363
علقم ما أنت إلى عامر فقال النبي ﷺ : (اعرض يا حسان عن ذكر علقمة، فان أبا سفيان ذكرني عند هرقل، فشعّث مني، فرد عليه علقمة [١] ، فقال حسان:
يا رسول الله: فمن نالتك يده وجب علينا شكره.
[البخور والإنارة في المسجد]
بعث سعد بن أبي وقاص إلى عمر بسفط عود [٢] ، فلم يسع الناس قسمة، فقال عمر: جمّروا به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر والإمام يخطب، فصار سنّة.
أول من استصبح [٣] في المسجد تميم الداري. قال صلى الله عليه: (من أكل من هذا فلا يقرب مسجدنا) [٤] ، قال طلحة: هو الثوم والبصل والكراث والفجل.
[أبو بكر يصف الأنصار]
طفيل الغنوي في بني جعفر، تمثل به أبو بكر في الأنصار: [٥] [الطويل]
стр. 364
جزى الله عنا جعفرا حين أشرفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت [١]
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت
[١٤٢ و] فذو المال موفور وكلّ معصّب ... إلى حجرات أوطأت وأظلّت [٢]
[أم كلثوم بنت عقبة]
أم كلثوم [٣] بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: أنزلت فيّ آيات من القرآن، قدمت المدينة على أخي الوليد أيام الهدنة، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ
[٤] ، ففسخ العقد مع المشركين فيّ، ثم أنكحني زيد بن حارثة، فقلت: يا رسول الله، زوّجت ابنة عمّك مولاك، فأنزل الله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
[٥] ، ثم قتل عني زيد ﵁، فأرسل إليّ الزبير: إني ابن خالتك، فاحبسي عليّ نفسك، فقلت: نعم، فنزل: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ
[٦] .
стр. 365
[سبب نزول آية الحجرات]
ابن أبي مليكة: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
[١] ﷺ ، نزلت في أبي بكر وعمر لما قدمت تميم، أشار أبو بكر أو عمر بالأقرع بن حابس [٢] ، وخالفه الآخر فتلاحيا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي صلى الله عليه وآله، حدّثه كأخي السرار، ولم يسمعه حتي يستفهمه من خفض صوته.
[المسألة في غير حاجة]
قال صلى الله عليه وعلى آله: (من سأل وعنده ما يغنيه فانّما يستكثر من جمر جهنّم) [٣] ، قالوا: يا رسول الله، ما يغنيه؟ قال: (ما يغدّيه أو يعشّيه) [٤] .
[المحدود والمجدود]
كان يقال: رأي عامر وحظّ عيينة، كان عامر عاقلا محدودا، وعيينة أهوج مجدودا [٥] ، أتي النبيّ ﷺ بشابّ فأعطاه رحلا فستره، فقال عيينة [٦] : يا رسول الله، ما هذا؟ قال: (خلّة أتاها الله قوما، ومنعكموها
стр. 366
هذا الحياء) . [١] [١٤٢ ظ] ربّع [٢] عيينة في الجاهلية وخمّس [٣] في الإسلام، ولم يجتمع ذلك لعربي غيره.
[شعر زبان بن سيار]
زبّان بن سيّار في عيينة، وترك فتقا في قومه، وسار إلى يثرب يطلب طعمة له عليهم في كل عام: [الطويل]
تركت بني ذبيان لم تأس بينهم ... وأصعدت في ركب إلى أهل يثربا
وما جئتهم إلا لتأكل تمرهم ... وتسرق من أهل الحجاز وتكذبا
يسوقون لحّاظا إذا ما رأيته ... بسلع رأيت الهجرس المتربّبا
يعيبه بكثرة التلفّت والنظر.
[المتنبئون]
تنبّىء في عهد رسول الله ﷺ مسيلمة [٤] ، وامرأته
стр. 367
سجاح [١] ، وطليحة [٢] ، والأسود [٣] ، وعجرة.
[الحلم والأناة]
قال ﷺ : (خير أهل المشرق عبد القيس) [٤] لما وفدوا.
وقال للأشجّ العبدي، وهو المنذر بن عائذ: (يا أشجّ إنّ فيك خلتين يحبهما الله ورسوله) [٥] ، قال: وما هما بأبي أنت وأمي، قال: (الحلم والأناة) [٦] .
стр. 368
[من صفات النبي]
مجموع من غرائب أقوالهم في صفته ﷺ : قال عليّ صلى الله عليه: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، وإذا مشى يتحدّر من صبب، وكأنّما يتقلّع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا [١] .
قال ابن عباس ﵀: كان أفلج الثّنيتين والرباعيتين، إذا تكلّم رئي من بين ثناياه كالبرق جابر بن سمرة [٢] : كان لا يضحك إلا تبسّما، وكان ضخم الهامة صلى الله عليه.
[١٤٣ و] وقال أويس [٣] : ما رأيت خزّا ألين من كفّه، ولا شممت طيبا قطّ مسكا ولا غيره أطيب من رائحته.
حدّث ابن عباس بعض الناس أنه رآه ﷺ ، فقال:
فذكرت الحسن بن علي قال: إي والله، لقد ذكرته وتفيّؤه في مشيته، قال ابن عباس: إنه كان يشبهه.
قال أبو جحيفة [٤] : رأيت النبي ﷺ وعنفقته [٥] بيضاء.
وقال سعيد بن المسيب: [٦] كان شيبه صلى الله عليه وآله وضحا على
стр. 369
ناصيته وفي عفقته. قال أويس: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول الله ﷺ عشرين. وقال غيره: كان سبع عشرة شعرة، وكان له أربع غدائر، وكان يخضب بالحنّاء والكتم [١] .
قال أبو رمثة: [٢] انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته قال أبي: أتدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا رسول الله ﷺ ، قال: فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لا يشبه الناس، فاذا هو بشر له وفرة، وبه ردع حنّاء، وعليه بردان أخضران، فسلم عليه أبي، ثم تحدثا ساعة، ثم قال لأبي: (ابنك هذا؟) قال: إي ورب الكعبة، قال: (حقا) ، قال: أشهد به، فتبسّم صلى الله عليه من ثبت شبهي في أبي، ومن خلف أبي عليّ، فقال: (إن ابنك هذا لا يجني عليك ولا تجني عليه) [٣] ، ثم قرأ: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[٤] [١٤٣ ظ] قال العباس ﵁: قلت يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضها
стр. 370
بعضا لقوا ببشر حسن، وإذا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب غضبا شديدا، وقال: (والذي نفس محمد [١] بيده، لا يدخل قلب عبد الإيمان حتى يحبّكم لله ولرسوله) [٢] ﷺ .
[الصدقات لا تحل لآل محمد]
اجتمع العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ومعهما ابناهما؛ الفضل وعبد المطلب بن ربيعة، فقالا: لو بعثنا هذين الفتيين إلى رسول الله ﷺ ، يستعملهما على بعض ما يستعمل عليه الناس، فبينا هما كذلك، أتى عليّ ﵇ فقال: ما يقول الشيخان، فأخبراه، فقال: لا عليكما أن تفعلا، فليس بفاعل، فقالا: يا أبا حسن، ما نفسنا عليك قرابتك وصهرك، أفتنفس علينا باستعمال هذين الفتيين؟ فقال:
والله ما بي نفاسة عليكما، ولكني أعلم أنّه غير فاعل، ثم جمع رداءّ فجلس عليه وقال: جرّبا، أنا أبو حسن اليوم، قال الفتيان: فجئنا فصلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر، وتبعناه إلى الباب، وهو يومئذ يوم زينب بنت جحش، فدخل وأذن لنا، فقال: (أخرجا ما تصرران) [٣] ، فقلنا له ما بعثنا أبوانا فيه، فقال: (إن هذه الصدقات أوساخ أيدي الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد) [٤] ، ثم قال: (ادعوا لي أبا سفيان بن الحارث ومحمية ابن جزء الزبيدي) [٥] ، وكان على خمس المسلمين [١٤٤ و] ، فقال لأبي سفيان [٦] : زوّج ابنتك الفضل) ، قال: قد فعلت يا رسول الله، وقال
стр. 371
لمحمية [١] : (شقّ عنهما) .
[إيثار عليّ المسلمين بالخمس وقت الشدة]
قال عمر لعلي صلى الله عليه في نصيبهم من الخمس: ارفقونا به في عام اشتدت فيه حال المسلمين، ففعل، فقال العباس لعلي ﵇:
أعطيتموه الخمس، لقد حرمنا الغداة شيئا لا يردّ علينا أبدا إلى يوم القيامة، قال علي: وكان العباس ﵀ رجلا داهيا.
وكتب ابن عباس ﵀ في جواب مسائل كثيرة لنجدة: كنت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنّا نقول هو لنا، فأبى قومنا ذلك علينا، قال: وكان عليّ صلى الله عليه، وإلى ما يخصهم من الخمس أيام رسول الله صلى الله عليه وأبي بكر، وبعض أيام عمر حتى استنزلهم عنه.
[سامة بن لؤي]
خرج سامة بن لؤي [٢] من مكة، فنزل على رجل من الأزد عمان
стр. 372
وقال: [١] [الخفيف]
بلغا عامرا وكعبا رسولا ... إنّ نفسي إليهما مشتاقه
إن تكن في عمان داري فانّي ... ماجد ما خرجت من غرّ فاقه
وقد بات عند أزدي فقراه، فرأته زوجة الأزدي يستنّ [٢] فأعجبها، فلما قضم سواكه تناولت قضمة سواكه فمصّتها، فرأها زوجها، فحلب ناقة، وجعل في الحلاب سمّا، فأشارت المرأة إلى سامة أن لا يشربه، فاهراقه [١٤٤ ظ] ورحل، فانه ليسير بمكان يقال له جرف الخميلة، فأهوت ناقته إلى عرفجة فانتشلتها، فاذا فيها أسود، فنفحت به فألقته على ساقه، فنهشته فمات، فلما بلغ الأزدية قالت هذه الأبيات: [٣] [الخفيف]
عين فابكي لسامة بن لويّ ... علقت ساق سامة العلّاقه
لا أرى مثل سامة بن لؤيّ ... حملت حتفه إليه الناقه
ربّ كأس هرقت يا بن لؤيّ ... حذر الموت لم تكن مهراقه [٤]
وحروس السّرى تركت رديّا ... بعد جدّ وجرأة ورشاقه [٥]
وتعاطيت مفرقا بحسام ... وتعاطيت قالة العواقه [٦]
وهذا الصحيح، وإنما اختلط الشعران.
[كرامة الأنصار]
اجتمعت الأنصار فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه،
стр. 373
نسأله أن يجعل لنا ماء سيحا، فقد اشتدت علينا النواضح [١] ، وإنّا لن نسأله شيئا إلا أعطانا، ولا يسأل ربّه شيئا إلا أعطاه، فأتوه فخرج عليهم فقال:
(مرحبا بالأنصار) يقولها ثلاثا، (لا يسألون اليوم شيئا إلا أعطيتكموه، ولا أسأل ربّي شيئا إلا أعطانيه) [٢] ، قال: فتركوا مسألتهم التي جاؤوا فيها، وقالوا: يا رسول الله، ادع لنا بالمغفرة، فقال: (اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) [٣] . [١٤٥ و]
стр. 374
الفصل الثاني من المجموع اللفيف
تأليف المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ما السرور ؟]
قال قتيبة [١] للحضين بن المنذر [٢] : ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء [٣] ، وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل لضرار بن الحضين: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على
стр. 375
السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك بن صالح [١] : ما السرور؟ قال: [مجزوء الكامل]
كل الكرامة نلتها ... إلا التحية بالسلام
وقيل لعبد الله بن الأهتم [٢] : ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، والقدرة على النماء. وقيل للفضل بن سهل [٣] : ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ.
وقال بعضهم لامرىء القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدنيا؟ قال:
بيضاء رعبوبة [٤] بالطيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وسئل عن ذلك الأعشى فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية. وقيل مثل ذلك لطرفة فقال: مطعم شهيّ، ومركب وطيّ، وملبس دفيّ. [١٤٥ ظ]
[المسيح وقول الخير]
قال: مرّ المسيح بن مريم، ﷺ ، بخلق من بني إسرائيل، فكلما قالوا شرا، قال المسيح خيرا، فقال له شمعون الصفا: أكلما
стр. 376
قالوا شرا تقول خيرا؟ قال المسيح: كل امرىء يعطي مما عنده [١] .
[تعلم السباحة]
قال، قال الحجاج لمعلم ولده: علّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فانهم يصيبون من يكتب لهم، ولا يصيبون من يسبح عنهم. قال: رأيت أبا هاشم الصوفي مقبلا من جهة النهر، فقلت: في أي شىء كنت اليوم؟ قال: في تعلم ما لا ينسى، وليس لشىء من الحيوان عنه غنى، قال، قلت: وما ذاك؟ قال:
السباحة.
قال، كتب عمر بن الخطاب إلى ساكني الأمصار: أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية، وروّوهم ما سار من المثل، وحسن من الشعر.
وكان ابن التوم يقول: تمام ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلموهم الحساب والكتابة والسباحة.
[مختارات شعرية]
وقال العتبي [٢] : [٣] [الطويل]
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر
стр. 377
لئن حجبت عنّي نواظر أعين ... رمين بأحداق المها والجآذر [١]
فاني من قوم كريم نثاهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر [٢]
خلائف في الإسلام في الشرك قادر ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر
وقال حاجب بن ذبيان المازني: [٣] [الطويل]
ونحن بنو الفحل الذي سال بوله ... بكل بلاد لا يبول بها فحل [١٤٦ و]
أبى الناس والأقوام أن يحسبونهم ... إذا حصّل الأخماس أو يحسب الرمل
وإن غضبوا أسد المفارق منهم ... ملوك وحكام كلامهم فصل
وقال أعرابيّ من بني حنيفة وهو يمزح: [البسيط]
مرّ الجراد على زرعي فقلت له ... إلزم طريقك لا تولع بافساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... إنّا على سفر لا بدّ من زاد
أعشى بني ثعلب: [٤] [البسيط]
ما ضرّ غازي نزار أن تفارقه ... كلب وجرم إذا أبناؤه اتفقوا
قالت قضاعة إنّا من بني يمن ... الله يعلم ما برّوا ولا صدقوا
يزداد لحم المناقي في منازلنا ... طيبا إذا عزّ في أعدائنا المرق [٥]
وما خطبنا إلى قوم بناتهم ... إلا بأرعن في حافاته الحرق
وفي المثل: الحاجة تفتح أبواب المعرفة. [٦]
стр. 378
وقال سويد الحارثي: [١] [الطويل]
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل عقلا أو نحكّم قاضيا
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا [١٤٦ ظ]
فان قلتم إنّا ظلمنا فانّكم ... بدأتم ولكنّا أسأنا التقاضيا
قال: تقول العرب: (الخلّة تدعو إلى السّلّة) [٢] ، وكانوا إذا أسروا أسيرا، قال المادح: أسّره في مزاحفة، ولم يأسره في سلّة.
وقال ضابىء بن الحارث [٣] : [٤] [الطويل]
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال حارثة بن بدر: [٥] [الطويل]
стр. 379
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله [١]
وقال أيضا: [٢] [الوافر]
إذا ما متّ سرّ بني تمم ... على الحدثان لو يلقون مثلي
عدوّ عدوّهم وهم عدوّي ... كذلك شكلهم أبدا وشكلي
[وصايا الآباء لأبنائهم]
وقال ابن هبيرة [٣] وهو يؤدب بعض ولده: لا تكوننّ أول مشير، وإيّاك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، لا تشر على مستبد ولا على وغد ولا على متلوّن ولا على لحوح، وخف الله في موافقة هوى المستشير، فانّ التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه جناية.
وقال المهلب [٤] : يا بنيّ، تباذلوا تحابّوا، فانّ بني الأم يختلفون، فكيف
стр. 380
بنو العلّات [١] ، إنّ البرّ ينسىء في [١٤٧ و] الأجل، ويزيد في العدد، وإنّ القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلّة، واتّقوا زلّة اللسان فانّ الرجل تزلّ رجله فينتعش، ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فانّها أبلغ من النجدة، فانّ القتال إذا وقع وقع القضاء، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرط.
وقال جرير: [٢] [الكامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
وقال آخر: [الطويل]
نهيت جميع الخضر عن ذكر خطّة ... يدبّرها في رأيه ابن هشام
فلما وردت الباب أيقنت أنّنا ... على الله والسلطان غير كرام [٣]
اعتذر ابن عون إلى إبراهيم النخعي [٤] فقال: اسكت معذورا، فقال:
الاعتذار يخالطه الكذب.
[عليّ: الدنيا دار صدق]
قال بعضهم: ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵇، فقال عليّ: الدنيا دار صدق لمن صدّقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن
стр. 381
تزوّد منها، مهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترهيبا وترغيبا، فيا أيها الذامّ للدنيا المعلّل نفسه، متى خدعتك الدنيا، أم متى استذمت إليك بمصارع [١٤٧ ظ] آبائك في البلى، أم بمصارع أمّهاتك في الثرى، كم مرّضت بيديك، وعلّلت بكفّيك، تطلب الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواء، ولا ينفعه بكاء.
[عمر: المرأة لحم على وضم]
قال عمر ما بالك، ثاني وسادة عند امرأة مغوية، إنّ المرأة لحم على وضم [١] ، إلا ما ذبّ عنه.
قال بعضهم: مات ابن لبعض العظماء، فعزّاه بعضهم فقال: لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها.
[رثاء أوفى]
وقال أخو ذي الرمة: [٢] [الطويل]
تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن بكاء القرح بالقرح أوجع
[الحجاج وأهل العراق]
وقال مالك بن دينار [٣] : والله لربّما رأيت الحجاج يتكلم على منبره،
стр. 382
ويذكر حسن صنيعته إلى أهل العراق، وسوء صنيعهم إليه، حتى إنّه ليخيّل للسامع أنّه صادق مظلوم.
[زياد بن أبيه والزيرقان]
عبد الله بن سلم قال: دخل الزبرقان بن بدر [١] على زياد وقد كفّ بصره، فسلّم تسليما جافيا، فأدناه زياد وأجلسه معه وقال: يا أبا عيّاش، القوم يضحكون من جفائك، قال: وإن ضحكوا، فوالله إن منهم رجل إلا يودّ أني أبوه دون أبيه لغيّة أو رشدة.
[من أقوال الحكماء]
وكان يقال: صاحب السوء قطعة من النار.
قال: وكان يقال: عذابان لا يكترث بهما الداخل فيهما؛ السفر الطويل، والبناء الكثير.
وقال سهل بن هارون [٢] : ثلاثة يعودون إلى [١٤٨ و] أجنّ المجانين،
стр. 383
وإن كانوا أعقل العقلاء؛ الغضبان، والغيران، والسكران، قال له أبو عبدان المخلّع الشاعر: فما تقول في المنعظ، فضحك حتى استلقى، ثم أنشد: [١] [الوافر]
وما شر الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
قال: قال إبليس لعنه الله: البخل قيد والغضب جنون، والسكر مفتاح جميع الشر.
قال، قال إبراهيم بن عبد الله [٢] بن الحسن لأبيه: ما شعر كثيّر عندي كما يصف الناس، فقال له أبوه: إنّك لن تضع بهذا كثيّرا، وإنما تضع بهذا نفسك.
[إياك وصدر المجلس]
وكان يقال: إياك وصدر المجلس، وإن صدّرك صاحبه، فانه مجلس قلعة [٣] . قال، وقال زياد: ما أتيت مجلسا قطّ إلا تركت منه ما لو أخذته كان لي، وترك ما لي أحبّ إليّ من أخذ ما ليس لي [٤] .
стр. 384
[عزة النفس]
قال سعد بن سلم [١] : كنت واليا على أرمينية، فغبر أبو دهمان العلائي [٢] على بابي أياما، فلما وصل [إليّ] مثل قدّامي بين السماطين، وقال: [٣] والله إني لأعرف أقواما لو علموا أنّ سفّ التراب يقيم أود أصلابهم، لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزّه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله، إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعّدا، والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه، إنّ هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله [١٤٨ ظ] حديثا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب، فانّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله [٤] ، وهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله.
قال، وقيل لعبد الله بن كرز: هلّا أجبت أمير المؤمنين عن مالك حين
стр. 385
سألك عنه؟ قال: إنّه إن استكثره حسدني، وإن استقلّه حقرني.
[موعظة الآباء للأبناء]
أبو الحسن قال: وعظ عروة بنيه فقال: تعلموا العلم، فانكم إن تكونوا صغار قوم، فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، ثم قال: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآرائهم، وإذا رأيتم من رجل خلّة سوء فاحذروه، واعلموا أنّ عنده لها أخوات.
[هرب من الطاعون]
قال: هرب الوليد بن عبد الملك من الطاعون، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إنّ الله يقول: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتّعون إلا قليلا) ، قال: ذلك القليل تريد.
[قرحة الدارمي]
قال الأصمعي: خرجت بالدارمي قرحة في جوفه، فبزق بزقة خضراء، فقيل له: قد برأت إذ بزقتها خضراء، فقال: والله لو لم تبق في الدنيا زمردة إلا بزقتها ما برئت.
[من جوامع الكلم]
وقالوا: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا؛ من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب. [١٤٩ و] وقال أبو ذر الغفاري رحمة الله عليه: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه. وقال آخر: كان يقال: لا وحشة أوحش من عجب، ولا ظهر أعون من مشورة، ولا فقر [١] أشد من عدم العقل.
стр. 386
وقال الأحنف بن قيس [١] : لأفعى تحكّك في ناحية بيتي أحبّ إليّ من أيّم [٢] رددت عنها كف ءا، وكان يقال: ما بعد الصواب إلا الخطأ، وما بعد منعهنّ من الأكفاء إلا بذلهنّ السّفلة والغوغاء. وقالوا: لا تصرف حوائجك إلا من معيشته من رؤوس المكاييل وألسنة الموازين.
[في اللحن]
وحكى الجاحظ في كتابه المعروف بالبيان والتبيين: أنّ أبا حنيفة [٣] قيل له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده؟ قال:
لا، ولو جلد رأسه بأبا قبيس [٤] .
وحكي أنّ يوسف بن خالد السمتي [٥] قال لعمرو بن عبيد [٦] : ما تقول
стр. 387
في دجاجة ذبحت من قفائها، قال عمرو: أحسن، قال: من قفاؤها، قال:
أحسن، قال: قفاءها، قال له عمرو: ما عنّاك إلى هذا؟ قل: قفاها واسترح. [١]
وحكي أنّ بشر المريسي [٢] قال: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهناؤها [٣] ، فقال قاسم التمّار: هذا على قوله: [٤] [المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فصار احتجاج قاسم أطيب من لحن بشر.
قال: كانت أم نوح وبلال ابني [١٤٩ ظ] جرير عجميّة، فقالا لها لا تكلمي إذا كان عندنا رجال، فقالت يوما: يا نوح، جردان دخل في عجان [٥] أمّك. وقد كان الجرذ أكل من عجينها.
قال أبو الحسن: أهدوا إلى فيل مولى زياد حمار وحش، فقال لزياد:
стр. 388
أهدوا لنا همار وهش قال: أي شىء تقول ويلك؟ قال: أهدوا لنا أيرا، يريد عيرا، قال زياد: الثاني شر [من الأول] . [١]
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن هجنة على الشريف، والعجب آفة الرأي [٢] . وكان يقول: اللحن أقبح من آثار الجدري في الوجه. [٣]
قال: أخبرني الربيع بن عبد الرحمن السلمي قال: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء [٤] ، قال، قلت: فتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي [٥] .
قال خلف [٦] ، قلت لأعرابي: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك ألقه. [٧]
قال الجاحظ: ولا بد لمن استكده [٨] الجد من الاستراحة إلى بعض الهزل [٩] .
стр. 389
[من أخبار النوكى والحمقى]
قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم [١] فرسا في حلبة، فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبه، بأي شىء أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.
قالوا: ومن النّوكى [٢] مالك بن زيد مناة بن تميم، الذي لما دخل على امرأته ورأت به ما رأت من الجهل والجفاء، وجلس في ناحية منقبضا مشتملا، قالت: ضع علبتك، قال: يدي أحفظ لها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحفظ لهما، قالت: فضع شملتك، قال: ظهري أولى بها، فلما رأت ذلك قامت [١٥٠ و] فجلست إلى جنبه، فلما شمّ ريح الطّيب، قام فوثب عليها [٣] .
قال الجاحظ في البيان والتبيين [٤] : ومن المجانين والموسوسين [٥] والنوكى: ابن قنان، وصباح الموسوس [٦] ، وديسيموس [٧] اليوناني، وأبو حية النميري، وأبو ياسين الحاسب، وجعيفران الشاعر، وجرنبش [٨] ، ومنهم سارية الليل، ومنهم أم ريطة [٩] بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا [١٠] ، فضرب الله بها المثل، وهي التي قيل لها:
стр. 390
«خرقاء وجدت صوفا» [١] ، ومنهم دغة، وجهيزة، وشولة، ودرّاعة القديد، قال: ولكل واحد من هؤلاء قصة سنذكرها في مواضعها، وذكر بعضهم، ولم يذكر باقيهم، فممن ذكره ديسيموس، قال: وأما ديسيموس فكان من موسوسي اليونانيين، قال له قائل: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشعر ولا يستطيع قوله؟ قال: مثله مثل المسنّ يشحذ ولا يقطع.
وأما جعيفران الموسوس [٢] الشاعر، فكان يتشيع، فقال له قائل: تشتم فاطمة وتأخذ درهما؟ قال: لا، بل أشتم عائشة وآخذ نصف درهم، وهو الذي يقول: [٣] [مجزوء المجتث]
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير ... فكلّهم يدّعيه
هذا يقول بنيي ... وذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منه ... لعلمها بأبيه
[١٥٠ ظ] وأما أبو ياسين الحاسب، فانه ذهب عقله بسبب تفكيره في مسألة، فلما جنّ كان يهذي بأنه سيصير ملكا، وقد ألهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم، وكان أبو نواس والرقاشي يقولان على لسانه أشعارا على مذهب أشعار ابن أبي عقب الليثي ويرويانها أبا ياسين، فاذا حفظها لم يشك أنه الذي قالها.