وقال الأحنف بن قيس [١] : لأفعى تحكّك في ناحية بيتي أحبّ إليّ من أيّم [٢] رددت عنها كف ءا، وكان يقال: ما بعد الصواب إلا الخطأ، وما بعد منعهنّ من الأكفاء إلا بذلهنّ السّفلة والغوغاء. وقالوا: لا تصرف حوائجك إلا من معيشته من رؤوس المكاييل وألسنة الموازين.
[في اللحن]
وحكى الجاحظ في كتابه المعروف بالبيان والتبيين: أنّ أبا حنيفة [٣] قيل له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده؟ قال:
لا، ولو جلد رأسه بأبا قبيس [٤] .
وحكي أنّ يوسف بن خالد السمتي [٥] قال لعمرو بن عبيد [٦] : ما تقول
стр. 387
في دجاجة ذبحت من قفائها، قال عمرو: أحسن، قال: من قفاؤها، قال:
أحسن، قال: قفاءها، قال له عمرو: ما عنّاك إلى هذا؟ قل: قفاها واسترح. [١]
وحكي أنّ بشر المريسي [٢] قال: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهناؤها [٣] ، فقال قاسم التمّار: هذا على قوله: [٤] [المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فصار احتجاج قاسم أطيب من لحن بشر.
قال: كانت أم نوح وبلال ابني [١٤٩ ظ] جرير عجميّة، فقالا لها لا تكلمي إذا كان عندنا رجال، فقالت يوما: يا نوح، جردان دخل في عجان [٥] أمّك. وقد كان الجرذ أكل من عجينها.
قال أبو الحسن: أهدوا إلى فيل مولى زياد حمار وحش، فقال لزياد:
стр. 388
أهدوا لنا همار وهش قال: أي شىء تقول ويلك؟ قال: أهدوا لنا أيرا، يريد عيرا، قال زياد: الثاني شر [من الأول] . [١]
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن هجنة على الشريف، والعجب آفة الرأي [٢] . وكان يقول: اللحن أقبح من آثار الجدري في الوجه. [٣]
قال: أخبرني الربيع بن عبد الرحمن السلمي قال: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء [٤] ، قال، قلت: فتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي [٥] .
قال خلف [٦] ، قلت لأعرابي: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك ألقه. [٧]
قال الجاحظ: ولا بد لمن استكده [٨] الجد من الاستراحة إلى بعض الهزل [٩] .
стр. 389
[من أخبار النوكى والحمقى]
قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم [١] فرسا في حلبة، فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبه، بأي شىء أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.
قالوا: ومن النّوكى [٢] مالك بن زيد مناة بن تميم، الذي لما دخل على امرأته ورأت به ما رأت من الجهل والجفاء، وجلس في ناحية منقبضا مشتملا، قالت: ضع علبتك، قال: يدي أحفظ لها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحفظ لهما، قالت: فضع شملتك، قال: ظهري أولى بها، فلما رأت ذلك قامت [١٥٠ و] فجلست إلى جنبه، فلما شمّ ريح الطّيب، قام فوثب عليها [٣] .
قال الجاحظ في البيان والتبيين [٤] : ومن المجانين والموسوسين [٥] والنوكى: ابن قنان، وصباح الموسوس [٦] ، وديسيموس [٧] اليوناني، وأبو حية النميري، وأبو ياسين الحاسب، وجعيفران الشاعر، وجرنبش [٨] ، ومنهم سارية الليل، ومنهم أم ريطة [٩] بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا [١٠] ، فضرب الله بها المثل، وهي التي قيل لها:
стр. 390
«خرقاء وجدت صوفا» [١] ، ومنهم دغة، وجهيزة، وشولة، ودرّاعة القديد، قال: ولكل واحد من هؤلاء قصة سنذكرها في مواضعها، وذكر بعضهم، ولم يذكر باقيهم، فممن ذكره ديسيموس، قال: وأما ديسيموس فكان من موسوسي اليونانيين، قال له قائل: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشعر ولا يستطيع قوله؟ قال: مثله مثل المسنّ يشحذ ولا يقطع.
وأما جعيفران الموسوس [٢] الشاعر، فكان يتشيع، فقال له قائل: تشتم فاطمة وتأخذ درهما؟ قال: لا، بل أشتم عائشة وآخذ نصف درهم، وهو الذي يقول: [٣] [مجزوء المجتث]
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير ... فكلّهم يدّعيه
هذا يقول بنيي ... وذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منه ... لعلمها بأبيه
[١٥٠ ظ] وأما أبو ياسين الحاسب، فانه ذهب عقله بسبب تفكيره في مسألة، فلما جنّ كان يهذي بأنه سيصير ملكا، وقد ألهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم، وكان أبو نواس والرقاشي يقولان على لسانه أشعارا على مذهب أشعار ابن أبي عقب الليثي ويرويانها أبا ياسين، فاذا حفظها لم يشك أنه الذي قالها.
стр. 391
وأما إبو حيّة النميري [١] ، فانّه كان أجنّ من جعيفران، وكان أشعر الناس، وهو الذي يقول: [٢] [الطويل]
ألا حيّ أطلال الرسوم البواليا ... لبسن البلى ممّا لبسن اللياليا
وفي هذه القصيدة يقول:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يملّ التقاضيا
وهو الذي يقول: [٣] [الطويل]
فأرخت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وأما جرنفش [٤] ، فانه لما خلع الفرزدق لجام بغلته، وأدنى رأسها من الماء، قال جرنفش: نحّ بغلتك حلق الله شأفتك [٥] ، قال: ولم عافاك الله؟
قال: لأنك كذوب الحنجرة، زاني الكمرة [٦] .
ومن المجانين في الكوفة عنباوة [٧] ، وطاق البصل، ومنهم بهلول، وكان يتشيع، وقال إسحاق بن الصبّاح: أكثر الله في الشيعة [١٥١ و] مثلك، قال:
بل أكثر الله في المرجئة مثلي، وأكثر في الشيعة مثلك، وكان جيد القفا،
стр. 392
فكان ربّما مرّ به من يحبّ العبث فيقفده [١] ، فحشا قفاه خراء، وجلس على قارعة الطريق، فكلما قفده إنسان، تركه حى يجوز ثم يصيح: يا فتى شمّ يدك، فلم يعد بعدها أحد يقفده، وكان يغنّي بقيراط، ويسكت بدانق [٢] .
قال حجر بن عبد الجبار: مرّ موسى بن أبي الروقاء، فناداه صباح الموسوس: يا ابن أبي الروقاء، أهزلت دينك وأسمنت [٣] براذينك، أما والله، إنّ أمامك عقبة لا يجوزها إلا المخفّ، فحبس موسى برذونه، فقيل له: هذا صباح الموسوس، فقال: ما هو بموسوس، [هذا نذير] . [٤]
قال عمر بن عثمان [٥] : شيّعت عبد العزيز بن عبد المطلب المخزومي [٦] وهو قاضي مكة إلى منزله، وبباب المسجد مجنونة تصفق وتقول: [الرجز]
أرّق عيني ضراط القاضي ... هذا المقم ليس ذاك الماضي
فقال يا أبا حفص، أتراها تعني قاضي مكة؟
وقال مجنون البكرات [٧] : أنا أيضا ألثغ إذا أردت أن أقول شريط، قلت: رشيط.
стр. 393
وقال بعض الشعراء: [الطويل]
فتى زاده عزّ المهابة ذلّة ... وكلّ عزيز عنده متواضع
وقال: [البسيط]
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدب
إنّ الغصون إذا قؤّمتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قوّمته الخشب
[١] [١٥١ ظ] ومرّ ابن أبي علقمة [٢] فصاح بن الصبيان فهرب منهم، وتلقّى شيخا له ضفيرتان فقال: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
[٣] .
وأنشد المعيطي: [٤] [الطويل]
وأنزلني دار النّوى طول غربة ... إذا شئت لا قيت امرأ لا أشاكله [٥]
فحامقته حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال أبو كعب: كنا عند عيّاش بن القاسم ومعنا سيفويه القاصّ، فأتينا بفالوذجة حارة، فابتلع سيفويه منها لقمة غشي عليه من شدّة حرّها، فلما أفاق قال: مات لي ثلاثة بنين، ما دخل جوفي من الحرقة ما دخل جوفي من حرقة هذه اللّقمة.
سعيد بن أبي مالك، قال: جالسني رجل ساعة [٦] ، ثم قال لي: جلست قطّ على رأس تنّور فخريت فيه آمنا مطمئنا؟ قال: قلت: لا، قال: فانّك لم تعرف شيئا من النعيم قطّ.
стр. 394
قال: شرد بعير لهبنّقة القيسي [١]- وبجنونه يضرب المثل- فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ قال: إنّكم لا تعرفون فرحة الوجدان، واسمه يزيد بن ثروان، وكنيته أبو رافع.
قال: وخطب عتّاب بن ورقاء [٢] فقال: هذا كما قال الله: إنما يتفاضل الناس بأعمالهم، وكل ما هو آت قريب. قالوا له: إن هذا ليس من كتاب الله، قال: ما ظننت إلا أنّه من كتاب الله.
قال: وخطب علي بن وثّاب [٣] فقال: أقول كما قال العبد الصالح: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
[١٥٢ و] وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
[٤] ، قالوا: ليس هذا قول عبد صالح، وإنما هو قول الله [٥] ، قال: من قاله فقد أحسن.
[أوصاف الخلفاء]
وقال عبد الملك بن مروان في خطبة له: إني والله ما إنا بالخليفة
стр. 395
المستضعف (يعني عثمان) ، ولا بالخليفة المداهن (يعني معاوية) ، ولا أنا بالخليفة المأبون (يعني يزيد بن معاوية) [١] .
قال أبو إسحاق [٢] : والله لولا نسبك من هذا المستضعف، ونسبك من هذا المداهن، لكنت منها أبعد من العيّوق [٣] ، والله ما أخذتها من جهة الميراث، ولا من جهة السابقة، ولا من جهة القرابة، ولا تدّعي شورى ولا وصيّة.
[العي في الخطبة]
وقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر فتكلّم، فلما صعد المنبر حصر، وقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء [وبقي ساكتا] [٤] فأنزلوه، وأصعدوا آخر، فلما استوى قائما وقابل بوجهه وجوه الناس، فوقعت عينه على صلعة رجل، فقال: اللهم العن هذه الصّلعة.
وقيل لوازع اليشكري: قم واصعد وتكلّم، فلما رأى جمع الناس قال:
لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة اليوم ما أتيتها، وأنا أشهدكم أنّها طالق ثلاثا، ولذلك قال الشاعر: [٥] [الطويل]
стр. 396
وما ضرّني أن لا أقوم بخطبة ... وما رغبتي في ذا الذي قال وازع
وقال آخر: [١] [الوافر]
عفاريتا عليّ وأخذ مالي ... وجبنا عن أناس آخرينا
[١٥٢ ظ] فهلّا غير عمّكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلّمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس الأمّ أكيس للبنينا
[في عيادة المرضى]
وعاد رجل رقبة بن الحر، فنعى إليه رجالا اعتلوا مثل علّته، فنعى بذلك إليه نفسه، فقال له رقبة: إذا دخلت على المرضى فلا تنع عليهم الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.
[رأي شريك في أبي حنيفة]
وسئل شريك [٢] عن أبي حنيفة فقال: أعلم الناس بما لا يكون، وأجهلهم بما يكون [٣] .
[من آداب السفر]
وعدا رجل من أهل المعسكر قدام المأمون، فلما انقضى كلامه معه قال له بعض من يسير بقربه: يقول لك أمير المؤمنين اركب، قال المأمون: لا يقال لمثل هذا اركب، إنما يقال لمثل هذا: انصرف.
стр. 397
أبو الحسن قال، قال ابن جابان، قال المهدي: كان شبيب بن شيبة [١] يسايرني في طريق خراسان، فيتقدمني بصدر دابته، فقال لي يوما: ينبغي لمن يساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شىء لا يلتفت، ويكون من ناحية إن التفت إليه لم تستقبله الشمس، قال: فبينا نحن كذلك، إذ انتهينا إلى مخاضة، فأقحمت دابتي ولم يقف وأتبعني، فملأ ثيابي ماء وطينا، قال: فقلت: يا أبا معمر، ليس هذا في الكتاب.
وقال بشار: [٢] [الطويل]
خليليّ إنّ العسر ليس يفيق ... وإنّ يسارا من غد لخليق [٣]
[١٥٣ و] وما كنت إلا كالزمان فان صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق [٤]
[ومن النوكى]
ومن النّوكى: الربيع العامري [٥] ، واسمه عبد الله، وكان قد ولي بعض منابر اليمامة، وفيه يقول الشاعر: [الطويل]
شهدت بأنّ الله حقّ لقاؤه ... وأنّ الربيع العامريّ رقيع
أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدع ... دماء كلاب المسلمين تضيع
ومنهم ربيعة بن عسل [٦] أحد بني عمرو بن يربوع، وفد على معاوية فقال
стр. 398
له معاوية: ما حاجتك؟ قال: زوجني ابنتك، قال: اسقوا ابن عسل عسلا، فأعاد عليه، فأعاد العسل عليه ثلاثا، فتركه وقد كاد ينقدّ [١] بطنه. قال:
فاستعملني على خراسان؟ قال: زياد [٢] أعلم بثغوره، قال: فاستعملني على شرطة البصرة؟ قال: زياد أعلم بشرطته، قال: فاكسني قطيفة، أو قال: هب لي مائة ألف جذع لداري، قال: وأين دارك؟ قال: بالبصرة، [قال: كم ذرعها؟ قال: فرسخان في فرسخين] [٣] ، قال: فدارك في البصرة أو البصرة في دارك؟
[عبد الله بن شداد]
عبد الله بن شداد [٤] قال: أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقي فاليه ينزع، لا تزهدنّ في معروف، فانّ الدهر ذو صروف، فكم راغب قد كان مرغوبا إليه، وطالب أضحى مطلوبا إليه، الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان.
[بين عبد الرحمن ومعاوية]
أبو الحسن قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية: [١٥٣ ظ] أما والله لو كنّا على السواء بمكة لعلمت! قال معاوية:
إذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان، منزلي الأبطح [٥] ، ينشقّ عني سيله،
стр. 399
وكنت أنت عبد الرحمن بن خالد منزلك أجياد [١] ، أعلاه مدرة وأسفله عذرة.
قال سهيل بن عمرو: أشبه امرؤ بعض بزّه، فصار مثلا.
[أشعار مختارة]
وقال ابن الرقاع: [٢] [الكامل]
والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء
والقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء
وقال آخر: [٣] [الكامل]
بيضاء ناصعة البياض كأنّها ... قمر توسّط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إنّ الحسان مظنّة للحسّد
وترى مآقيها تقلّب مقلة ... حوراء ترغب عن سواد الإثمد
خود إذا كثر الكلام تعوّذت ... بحمى الحياء وإن تكلّم تقصد
قال [أبو] المثلم الهذلي: [٤] [الطويل]
стр. 400
أصخر بن عبد الله إن كنت شاعرا ... فانّك لا تهدي القريض لمفحم
وقال بلعاء بن قيس: [١] [الطويل]
أبيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... وولّيتم سمعي وما كنت مفحما [٢]
[١٥٤ و]
[من بليغ الكلام]
وقال عبد الله بن مصعب: وقف معاوية على امرأة من كندة [٣] ، فقال لها: هل من قرى؟ قالت: نعم، قال: وما قراك؟ قالت: عندي خبز خمير، ولبن فطير [٤] ، وماء نمير.
وقد سأل رجل بلالا [٥] مولى أبي بكر، وقد أقبل من جهة الحلبة، فقال له: من سبق؟ قال: المقربون [٦] ، وقال: أسألك عن الخيل، قال: وإنما أجيبك عن الخير، فترك جواب لفظه إلى خير هو أنفع.
حدثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني يعقوب بن الفضل الهاشمي، قال: بعث أبو جعفر إلى سلم [٧] ...
стр. 401
يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم [١] وعقر نخلهم، قال: فكتب إليه سلم:
بأي ذلك نبدأ؟ بالدور أم بالنخل، قال: فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد، فاني لو أمرتك فافساد ثمرهم لكنت تستأذنني بأية نبدأ بالبرني أو بالشهريز [٢] ، وعزله وولّى محمد بن سليمان [٣] . قلت: ولعلّ سلما إنما دافع ليكفي عاقبة الظلم.
ولما أقدم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص عليه من مصر، قال عمر:
(لقد سرت سير عاشق) ، قال [عمرو] : إني والله ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني البغايا في غبّرات المآلي [٤] ، قال عمر: (والله [ما هذا] بجواب كلام سألتك عنه، وإنّ الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، والبيضة منسوبة إلى طرقها) [٥] .
стр. 402
ولما رأى الفرزدق درست بن رباط الفقيمي [١] على المنبر، وكان أسود دميما قصيرا، قال: [الطويل]
بكى المنبر الشرقي إذ قام فوقه ... أمير فقيميّ قصير الدوارج [٢]
[١٥٤ ظ] وقال: [الطويل]
بكى المنبر الشرقيّ والناس إذ رأوا ... أميرا فقيميا قصير القوائم
وإنما كان يعادي بني فقيم لأنهم قتلوا أباه غالبا.
قال أبو عبيدة، قال رجل ليونس بن حبيب [٣] : إذا أخذتم في مذاكرة الحديث، وقع عليّ النعاس، قال: فاعلم أنك حمار في مسلاخ إنسان.
قال: ودخل عبد الله بن خازم [٤] على عبيد الله بن زياد، وهو يخطر في مشيته، فقال المنذر بن جارود [٥] : حرّكه، قال، قال: يا ابن خازم، إنّك
стр. 403
لتجرّ ثوبك كما تجرّ البغيّ ذيلها، قال: أما والله، إني مع ذلك لأنفذ بالسّرية [١] ، وأضرب هامة البطل المشيح [٢] ، ولو كنت وراء هذا الحائط لوضعت أكثرك شعرا [٣] بالأرض، وقد كان قبض عطاءه، فصبّه بين أيديهم، ثم قال: لعنك الله من دراهم، ما تقومين بمؤونة خيلنا! وقال عمرو بن العاص لأهل الشام يوم صفّين [٤] : «أقيموا صفوفكم مثل قصّ الشارب، وأعيرونا جماجمكم ساعة من النهار، فقد بلغ الحقّ مقطعه، وإنّما هو ظالم أو مظلوم» .
ولما أقاموا ابن قمير بين العقلين [٥] قال له أبوه: طد [٦] رجلك بالأرض، وصرّ إصرار الفرس، واذكر أحاديث غد، وإيّاك وذكر الله في هذا الموضع، فانّه من الفشل.
وقال عمر: «بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك» ، وقال: «العمائم تيجان العرب» [٧] ، وقال: «نعم المستند الاحتباء» .
وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن الجمل [١٥٥ ظ] وصفّين فقال:
стр. 404
«تلك دماء كفّ الله يدي عنها، فأنا لا أحب أن أغمس لساني فيها» .
وقال فيروز حصين [١] : إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة، كان أول ما يغيّر منه عقله.
عمر بن ذر [٢] قال: الحمد لله الذي جعلنا من أمة تغفر لهم السيئات، ولا تقبل من غيرهم الحسنات.
وقال أبو دهمان الغلّابي: [٣] [الطويل]
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وخلّفت خلفي كلّ ما كنت آمل [٤]
فما كلّ ما يخشى الفتى بمصيبة ... وما كلّ ما يرجو الفتى هو نائل
وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل
قال: سأل رجل محمد بن عمير بن عطارد [٥] ، وعتّاب بن ورقاء [٦] في
стр. 405
عشر ديات، فقال محمد: عليّ ديّة، فقال عتّاب: الباقي عليّ، فقال محمد:
نعم العون اليسار على المروءة [١] .
[بين البائع والشاري]
وقال رجل لرجل: بكم تبيع الشاة؟ قال: أخذتها بستة، وهي خير من سبعة، وقد أعطيت بها ثمانية، فان كانت من حاجتك بتسعة فزن عشرة.
وقالت الحضرمية لزوجها وتجرّدت له: هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت؟ قال: أرى فطورا.
[رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري]
علي بن محمد عن عمر بن مجاشع، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فانّ للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركني وإيّاك عمياء مجهولة [وضغائن محمولة] [٢] ، وأهواء متبعة، ودنيا مؤثرة، فأقم الحدود [١٥٥ ظ] ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران، أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا، فانّ الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وكونوا من خشية الله على وجل، وعد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم، [وافتح بابك، وباشر أمرهم بنفسك، فانما أنت رجل منهم] غير أنّ الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغ أمير المؤمنين أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركوبك، ليس للمسلمين مثلها، فاياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة التي مرّت بواد خصيب، فلم يكن لها همّة إلا السّمن، وإنّما حتفها في السّمن، واعلم أنّ العامل [٣] إذا زاغ زاغت رعيته» .
стр. 406
[التقعر في الكلام]
وقال آخر: [الرجز]
يقعّر القول لكيما تحسبه ... من الرجال الفصحاء المعربه
وهو إذا نسبته من كربه ... من نخلة نابتة في خربه
[عائشة وحرب الجمل]
علي بن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، قال: بعثني وعمران بن حصين [١] عثمان بن حنيف [٢] إلى عائشة، فقلنا: يا أم المؤمنين، اخبرينا عن مسيرك هذا، أعهد عهده رسول الله ﷺ ، أم رأي رأيته؟ قالت: «بل رأى رأيته حين قتل عثمان، إنّا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع السحابة المحماة [٣] ، وإمرة سعيد والوليد [٤] ، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث، حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر
стр. 407
الحرام، بعد أن [١٥٦ و] مصناه كما يماص [١] الإناء، فاستنقى، فركبتم هذه منه ظالمين، فغضبنا لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيفكم؟» . قلت: وما أنت وسيفنا وسوط عثمان، وأنت حبيس رسول الله [ ﷺ ] ، أمرك أن تقري في بيتك، فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض، قالت: «وهل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟ قلنا: نعم، قالت: ومن يفعل ذلك، أزنيم [٢] بني عامر؟ ثم قالت: هل أنت مبلغ عني يا عمران؟ قال: لا، لست مبلغا عنك خيرا ولا شرا، قلت: لكني مبلغ عنك فهاتي ما شئت، قالت: اللهم اقتل مذمّما قصاصا بعثمان- تعني محمد بن أبي بكر- وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوي، وأدرك عمّارا بخفرته في عثمان» [٣] .
[من بليغ الكلام]
وصف أعرابي رجلا فقال: ذلك والله ممن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.
стр. 408
وقال آخر لخصمه: لئن هملجت إلى الباطل إنّك لقطوف عن الحق.
وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم! قال: نحن ألف رجل وفينا حازم، ونحن نطيعه، فكأنّا ألف حازم.
قال مورق العجلي [١] : ما تكلمت بكلمة في الغضب أندم عليها في الرضا، وقد سألت الله حاجة مذ أربعين [٢] سنة، فما أجابني، وهي أني تمنيت ألا أتكلم إلا فيما يعنيني.
قال: مكتوب في حكمة داود: حق على العاقل أن يكون مالكا للسانه، مقبلا على شانه.
[١٥٦ ظ] قال: لما قدم الفرزدق الشام، قال له جرير هناك: ما ظننت أنّك تقدم بلدا أنا فيه! قال الفرزدق: إني طالما خالفت رأي العجزة.
قال يونس بن حبيب: إذا قالوا غلّب الشاعر فهو الغالب، وإذا قالوا مغلّب فهو المغلوب [٣] .
وقال بعضهم: [الرجز]
إني امرؤ ينفع قومي مشهدي ... أذبّ عنهم بلساني ويدي
قال: وعزّى أعرابيّ ناسا فقال: يرحم الله فلانا، كان كثير الإهالة [٤] ، دسم الأشداق.
стр. 409
[في الهجاء]
قال واثلة بن خليفة السدوسي يهجو عبد الملك بن المهلب [١] ، يقول: [٢] [الطويل]
لقد صبرت للذّلّ أعواد منبر ... يقوم عليها في يديك قضيب
بكى المنبر الغربيّ إذ قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب
رأيتك لمّا شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأزد حين تشيب
سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب [٣]
وقد أوحشت منهم رساتيق بيهق ... وبالمصر منهم جمّة ودروب [٤]
وقال ابن شبرمة [٥] لإياس بن معاوية [٦] : شكلي وشكلك لا يتفقان،
стр. 410
أنت لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع.
[بلاغة سريالية]
قال الحسن بن بشار البرقي: كان [١٥٧ و] عندنا واحد يتكلم في البلاغة، فسمعته يوما يقول: لو كنت ليس أنا أنا، وأنا ابن من أنا منه، لكنت أنا أنا، وأنا ابن من أنا منه، فكيف وأنا أنا، وأنا ابن من أنا منه.
[من كلام الإمام عليّ]
وقال علي بن أبي طالب ﵇: [١] «بقيّة السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا» ، ووجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه ولده، من نهك السيف، وكثرة الذرو [٢] ، وكرم النّجل. [٣]
[من وعيد الحجاج]
وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: «والله لأعدّنّكم عدّا، ولأحصدنّكم حصدا» ، قالت: أنت تحصد والله يزرع، فانظر قدرة المخلوق من قدرة الخالق.
ولم يظهر من عدد القتلى مثل الذي ظهر في آل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلب.
стр. 411
[الإسهاب في الجواب]
قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة، فقال: ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن، قيل: ولم؟ قال: رأيت عهودا تنبذ.
قال الأصمعي: صلى أعرابي فأطال الصلاة، وإلى جانبه ناس، فقالوا:
ما أحسن صلاته، قال: وأنا مع هذا صائم.
وقال طاهر بن الحسين [١] لأبي عبد الله المروزي: منذكم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة، قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين.
[في مجلس الشعبي]
قالوا: بينا الشّعبي [٢] جالس في مجلسه، وأصحابه يناظرونه في الفقه، وإذا شيخ [١٥٧ ظ] بقربه قد أقبل عليه بعد أن طال جلوسه، فقال [له] : إني أجد في قفاي حكّة، أفترى لي أن أحتجم؟ قال [الشعبي] : الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة [٣] .
стр. 412
[الرواة من قريش]
قالوا: وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار، وعلماءهم بالأنساب والأخبار؛ مخرمة بن نوفل [١] بن وهيب بن مناف بن زهرة، وأبو الجهم بن حذيفة [٢] بن غانم بن عامر بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. وحويطب بن عبد العزى [٣] بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي. وعقيل بن أبي طالب [٤] بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب الناس، فعادوه لذلك، وقالوا فيه وحمّقوه، وسمعت ذلك العامة منهم، ولا تزال [تسمع الرجل يقول] : قد سمعت الرجل يحمّقه، وسمعت ذلك، حتى ألّف بعض الأعداء فيه الأحاديث، فمنها قولهم: ثلاثة حمقى، وثلاثة عقلاء، والأمهات واحدة، عليّ وعقيل وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وعتبة ومعاوية ابنا أبي سفيان، وأمهما هند بنت عتبة بن ربيعة، وعبد الملك ومعاوية ابنا مروان، وأمهما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص [٥] .
وقيل لعمر ﵀: فلان لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه [٦] .
стр. 413
[حلاوة الآباء]
حدثني [١] إبراهيم بن السندي بن شاهك [٢] عن أبيه قال: [١٥٨ و] دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، وقال: مرض أبي ﵁، يوم كذا وكذا، ومات أبي ﵁ يوم كذا، وخلف ﵁ من المال كذا، ومن الولد كذا، فانتهره الربيع [٣] ، وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي الدعاء لأبيك؟ فقال الشاب: لا ألومك، لأنك لم تعرف حلاوة الآباء، قال: فما علمنا أن المنصور ضحك في مجلسه [ضحكا] قط حتى افترّ عن نواجذه إلا يومئذ.
[آداب مجالسة الملوك]
وحدثني إبراهيم السندي عن أبيه، قال: دخل شاب من بني هاشم [٤] على المنصور، فاستجلسه ذات يوم، ودعا بغدائه، فقال للفتى: ادنه، قال الفتى: قد تغديت يا أمير المؤمنين، فكفّ عنه الربيع، حتى ظننت أنه لم يفطن لخطابه، فلما نهض للخروج أمهله، حتى إذا صار وراء الستر، دفع في قفاه، فلما رأى الحجّاب ذلك منه، دفعوا في قفاه حتى أخرجوه من الدار، فدخل
стр. 414
رجال من عمومة الفتى فشكوا الربيع إلى المنصور [١] ، فقال المنصور: إن الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا ومعه حجّة، فاذا شئتم أغضيتم على ما فيها، وإن شئتم سألته وأنتم تسمعون، قالوا: فسله، فدعا الربيع وقصّوا قصّته، فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلم من بعيد وينصرف، فاستدناه أمير المؤمنين حتى سلّم عليه من قرب، ثم أمره بالجلوس، ثم تبذّل بين يديه فأكل، ثم دعاه إلى [١٥٨ ظ] طعامه ليأكل معه من مائدته، فبلغ من جهله بفضيلة المرتبة التي صيّره فيها أن قال حين دعاه إلى غدائه: قد تغديت، وإذا ليس عنده لمن تغدّى مع أمير المؤمنين إلا سدّ خلّة الجوع، ومثل هذا لا يقوّمه القول دون الفعل [٢] .
[في براعة التشبيه]
لبعض العرب: [٣] [الطويل]
بدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكلّ حجازيّ له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام ليلى كلّها والأسالق [٤]
وقال آخر: [الطويل]
أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا فيما يهبّ ويهجع
سرى كاحتساء الطير والليل ضارب ... بأرواقه والصّبح قد كاد يسطع [٥]
стр. 415
[عروة بن مسعود]
قال: ولما كلّم عروة بن مسعود الثقفي [١] النبي ﵌، كان في ذلك ربّما مسّ لحية النبي ﷺ ، فقال له المغيرة بن شعبة [٢] : نحّ يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ألّا ترجع إليك.
[من مستحسن الرثاء]
وقال ابن هرمة أو غيره: [٣] [الكامل]
لله درّ سميدع فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام
هشّ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدّام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام
[١٥٩ و]
[خفي عليه المسلك]
واستشهدوا أعرابيا على رجل وامرأة، فقال: رأيته قد تقمّصها، يحفزها بمؤخره، ويجذبها بمقدّمه، وخفي عليّ المسلك.
стр. 416
وقال آخر: رأيته وقد تبطّنها، ورأيت خلخالها شائلا، وسمعت نفسا عاليا، ولا علم لي بشىء بعد [١] .
[قالوا في الشيب]
وقال بعضهم: الشيب توأم الموت. وقال السهمي: الشيب تمهيد الحمام. وقال العتّابي: الشيب تاريخ الكتاب [٢] . وقال النميري: الشيب عنوان الكبر.
[الكذب في الحديث]
قال: وقلت لحباب [٣] : إنك لتكذب في الحديث، قال: وما عليك إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه، فوالله ما ينفعك صدقه ولا يضرّك كذبه، وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن، ولكنّك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك، ولذهب كلامك [٤] .
قال: ودخل رجل على معاوية وقد سقطت أسنانه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الأعضاء يرث بعضها بعضا، فالحمد لله الذي جعلك وارثها، ولم يجعلها وارثتك.
[وفاة ابن عمر بن عبد العزيز]
حدثنا إسماعيل بن علي [٥] قال: حدثنا زياد بن أبي حسان، أنه شهد عمر بن عبد العزيز [﵀] [٦] ، حين دفن ابنه عبد الملك، فلما سوّي
стр. 417
عليه قبره بالأرض، وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة، واستوى قائما، وأحاط به الناس، قال: «رحمك الله يا بنيّ، قد كنت بارا بأبيك، وما زلت مذ وهبك الله لي [١٥٩ ظ] بك مسرورا، ولا والله ما كنت قطّ أشدّ بك سرورا، ولا أرجى لحظّي فيك [١] ، مذ وضعك في الموضع الذي صيّرك الله إليه، فغفر الله لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، وتجاوز عن سيّئتك، ورحم الله كلّ شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب، رضينا بقضاء الله، وسلّمنا الأمر لله، والحمد لله رب العالمين، ثم انصرف.
قال الأحنف بن قيس: «ربّ ملوم لا ذنب له» [٢] .
[أبيات في الهجاء]
وقال أوس بن جابر لابن عامر: [٣] [الكامل]
ظلت عقاب النوك تخفق فوقه ... رخو طفاطفه قديم الملعب
قد ظلّ يوعدني وعين وزيره ... خضراء خاسفة كبطن العقرب
وقال ابن مناذر في خالد بن طليق: [٤] [الطويل]
أتى دهرنا والدهر ليس بمعتب ... بآبدة والدهر جمّ الأوابد
بعزل عبيد الله عنّا فيا له ... خلافا وباستعمال ذي النّوك خالد
وقال: [٥] [السريع]
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطىء فينا مرة بالصواب
стр. 418
وقال آخر: [١] [مجزوء الرمل]
خالد يحكم في النا ... س بحكم الجاثليق
يا أبا الهيثم ما كن ... ت لهذا بخليق
لا ولا كنت لما حمّ ... لت منه بمطيق
أيّ قاض أنت للمط ... ل وتعطيل الحقوق [٢]
وقال: [السريع]
يقطع كفّ القاذف المفتري ... ويجلد اللّص ثمانينا
وقال آخر [السريع]
يا قوم من دلّ على حاكم ... يعلم ما حدّ حرّ سارق
وقال آخر: [٣] [الطويل]
ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
والعرب تقول: «أخزى الله الرأي الدّبريّ» [٤] .
وقال الشاعر: [٥] [الطويل]
إذا ظعنوا عن دار ضيم تعادلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها
[نعل الزبيري]
أبو الحسن قال: قال سعيد بن عثمان [٦] الزبيري، قال: سرقت نعل
стр. 419
عامر بن عبد الله بن الزبير، فلم يتخذ نعلا حتى مات.
وما أحسن ما قال أيوب السختياني [١] حيث يقول: «في أصحابي من أرجو دعوته، ولا أقبل شهادته» فاذا لم يجز في الشهادة كان من أن يكون حاكما أبعد.
وقال الشاعر: [٢] [البسيط]
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
[انتظار الفرج]
وقال علي بن أبي طالب ﵇: «من أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج» [٣] .
وقال الشاعر: [٤] [البسيط]
إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج
وقال أعرابي: [٥] [الطويل]
تبصّرني بالعيش عرسي كأنّما ... تبصّرني الشىء الذي أنا جاهله [١٦٠ ظ]
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكلّ كأن لم تلق حين تزايله
стр. 420
[بين الأزواج والزوجات]
وقال آخر: [١] [الوافر]
فهلّا من وزان أو حصين ... حميتم فرج محصنة كعاب
وأقسم أنّه قد حلّ منها ... محلّ السيف من قعر القراب
آخر في مثله: [٢] [الكامل]
الله يعلم يا مغيرة أنّني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل
وأخذتها أخذ المقصّب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزّل [٣]
[في السيادة والكرم]
وقال آخر: [٤] [الطويل]
وتعجب أن حاولت منك تنصّفا ... وأعجب منه ما تحاول من ظلمي [٥]
أبا حسن يكفيك ما فيك شاتما ... لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي
وقال إسحاق بن قوهي [٦] : [الطويل]
стр. 421
ودون النّدى في كلّ قلب تنيّة ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
وقال آخر: [١] [الوافر]
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود [٢]
[١٦١ و] وقال آخر: [٣] [الوافر]
أترجو أن تسود ولا تعنّى ... وكيف يسود ذو الدّعة البخيل
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وقال جرير: [٤] [الطويل]
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلّاء بالبخل
وقال معن بن أوس: [٥] [الكامل]
стр. 422
ولقد بدا لي أنّ قلبك ذاهل ... عنّي وقلبي لو بدا لك أذهل
كلّ يجامل وهو يخفي بغضه ... إنّ الكريم على القلى يتجمّل
[في أبناء الزمان]
وقال آخر: [١] [الطويل]
وزهّدني في صالح العيش أنّني ... رأيت لداتي في المجالس قلّت
وقال الآخر: [٢] [المتقارب]
أعلّل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المالق الأحمق [٣]
وقال الآخر: [٤] [مجزوء الوافر]
تولّت بهجة الدنيا ... وكلّ جديدها خلق
وخان الناس كلّهم ... فما أدري بمن أثق
[١٦١ ظ] رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطرق
ولا حسب ولا أدب ... ولا دين ولا خلق
وقال آخر: [٥] [الرمل]
عقمت أمّ أتتنا بكم ... ليس فيكم رجل غير دنيّ
وإذا ما الناس عدّوا أشرفا ... كنتم من ذاك في بال رخيّ [٦]
وقال آخر: [٧] [مجزوء الرمل]
стр. 423
قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاء ... فاذا كلّ مواعيدك والجحد سواء
قال: وأنشدني [١] ابن الأعرابي: [٢] [الرمل]
أهلكتني بفلان ثقتي ... وظنون بفلان حسنه
ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت خيرا منه من بعد سنه
وقال آخر: [٣] [الطويل]
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره
فان أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك قدرة ... وصمّم إذا أيقنت أنّك عاقره
[١٦٢ و] وقال آخر: [٤] [الطويل]
على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وقال أحيحة بن الجلاح [٥] : [البسيط]
стр. 424
استغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن الناس
والبس عدوّك في رفق وفي دعة ... لباس ذي إربة للدهر لبّاس [١]
ولا تغرّنك أضغان مزمّلة ... قد يضرب الدّبر الدامي بأحلاس [٢]
وقال أيضا: [٣] [البسيط]
واستغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عمّ ولا عمّ ولا خال [٤]
إنّي أكبّ على الزوراء أعمرها ... إنّ الكريم على الأقوام ذو المال [٥]
وقال آخر: [٦] [الوافر]
وحظّك زورة في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا من كلّ شيء ... يعود به الصديق على الصديق
[مختارات شعرية]
وقال عطارد بن قرّان [٧] : [الطويل]
стр. 425
ولا يلبث الحبل الضعيف إذا التوى ... وجاذبه الأعداء أن يتجذّما [١]
وما يستوي السيفان سيف مؤنّث وسيف ... إذا ما عضّ بالعظم صمّما [٢]
[١٦٢ ظ] وأنشد: [٣] [الطويل]
وينفر منّا كلّ وحش وينتمي ... إلى وحشنا وحش البلاد فيرتع
وقالت الخنساء: [٤] [البسيط]
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
مثل الردينيّ لم تدنس عمامته ... كأنّه تحت طيّ البرد أسوار [٥]
وقال آخر: [٦] [الوافر]
رأيت الناس لمّا قلّ مالي ... وأكثرت الغرامة ودّعوني
فلما أن غنيت وثاب وفري ... أراهم لا أبالك راجعوني [٧]
وقال آخر: [٨] [الوافر]
وكنّا نستطبّ إذا مرضنا ... فصار [سقامنا] بيد الطبيب [٩]
وكيف نجيز غصّتنا بشيء ... ونحن نغصّ بالماء الشروب [١٠]