← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

البينات﴾ أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. ولما كان الخوف حاملاً على لزوم طريق السلامة قال: ﴿فاعلموا﴾ فإن العلم أعون شيء على المقاصد ﴿أن الله﴾ الحاوي لصفات الكمال ﴿عزيز﴾ لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل ﴿حكيم﴾ يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه.

стр. 1052

ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عاداً وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديراً بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ أي ينتظرون إذا زلوا. سائقاً له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي مجد الذي

стр. 1053

لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، كائناً مجده ﴿في ظلل من الغمام﴾ ظلة في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله ﴿والملائكة﴾ أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ وهل ينتظرون

стр. 1054

من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله: ﴿وقضي﴾ أي والحال أنه قد قضي ﴿الأمر﴾ أي نفذ بإهلاكهم سريعاً فرجعوا إلى الله بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً ﴿وإلى الله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة وحده ﴿ترجع الأمور﴾ كلها دنيا وأخرى، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله في أوائل فهم

стр. 1055

الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا بواسطة فهناك هو ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن﴾ [مريم: ٥٢] إلى: ﴿إني أنا الله﴾ [طه: ١٤] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى ﵊ وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى ﵊، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة محمد ﷺ فإن فاران هي مكة المشرفة.

стр. 1056

ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم

стр. 1057

الجلال قال تعالى: جواباً لمن كأنه قال: كيف يكون هذا؟ ﴿سل﴾ بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل ﴿بني إسرائيل﴾ أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار ﴿كم آتيناهم﴾ من ذلك ومن غيره

стр. 1058

﴿من آية بينة﴾ بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي: ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فقال: ﴿سل﴾ ، استنطاقاً لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات النبي ﷺ إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحداً فيخبره؛ انتهى - كذا قال، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه ﷺ ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة

стр. 1059

عليهم وغير هذا من الفوائد. ولما كان التقدير: فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله: ﴿ومن يبدل﴾ من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان ﴿نعمة الله﴾ أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سبباً لضلال أو سبباً لشكر فيجعلها سبب الكفر كائناً من كان. قال الحرالي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي

стр. 1060

يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت قال تعالى: ﴿من بعد ما جآءته﴾ أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان. ولما كان التقدير: يهلكه الله، علله بقوله: ﴿فإن الله﴾ أي العظيم الشأن ﴿شديد العقاب *﴾ وهو عذاب يعقب الجرم، وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات، قال في أوائل السفر الخامس من التوراة: فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم، لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم

стр. 1061

بها، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها: ما أحكم هذا الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب: اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض

стр. 1062

ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبهاً، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات. وكتبها على لوحين من حجارة، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار، احتفظوا، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ [البقرة: ٦٠] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى

стр. 1063

من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر؛ فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن» وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه «أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت وسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف؛ فلما أصبح حدث النبي ﷺ وقال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت

стр. 1064

ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» . ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتماً كان كأنه قيل: ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل: أبى أكثرهم، فقيل: إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل: تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه، فقيل: كيف يتصور من العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالباً الترفع والتعظم والكبر والبطر فرحاً بما في اليد وركوناً إليه وإعراضاً عما خبىء في خزائن الله في حجب القدرة فقال مستأنفاً بانياً للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين ﴿زين﴾ قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة.

стр. 1065

وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. ﴿للذين كفروا﴾ حتى بدلوا النعمة ﴿الحياة الدنيا﴾ لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال: ﴿ويسخرون﴾ أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية، وهي استزراء

стр. 1066

العقل هزؤاً. وقال الحرالي: هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حساً ﴿من الذين آمنوا﴾ لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضاً لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مراً وللنفوس مضراً قال تعالى مبشراً بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغباً في التقوى بعد الإيمان: ﴿والذين اتقوا﴾ أي آمنوا خوفاً من الله تعالى، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية ﴿فوقهم﴾ في

стр. 1067

الرزق والرتبة والمكان بدليل ﴿أفيضوا﴾ [الأعراف: ٥٠] وآية ﴿إني كان لي قرين﴾ [الصافات: ٥١] وكل أمر سار ﴿يوم القيامة﴾ فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون. ولما كان تبدل الأحوال قريباً عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك: برزق من عند الله يرزقهموه ﴿والله﴾ بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه ﴿يرزق من يشاء﴾ أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافاً لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال: ﴿بغير حساب *﴾ أي رزقاً لا يحد ولا يعد، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في

стр. 1068

حقه على حقيقتها من هذه الحيثية. ولما كان كأنه قيل: هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل: لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك، فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح ﴿كان الناس﴾ أي كلهم ﴿أمة﴾ أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً ثم أكد اجتماعهم فقال: ﴿واحدة﴾ أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [يونس: ١٩] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: على الإسلام كلهم

стр. 1069

﴿فبعث الله﴾ أي الذي لا حكم لغيره ﴿النبيين﴾ الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه ﴿مبشرين﴾ لمن أطاع، وهو جار مجرى حفظ الصحة، ولأنه مقصود بالذات قدم ﴿ومنذرين﴾ لمن عصى، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾ أي كلامه الجامع للهداية. قال الحرالي: إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب

стр. 1070

والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. ﴿بالحق﴾ أي الثابت كل ثبات ﴿ليحكم﴾ أي الله بواسطة الكتاب ﴿بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب ﴿وما اختلف فيه﴾ أي الكتاب الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف ﴿إلا الذين﴾ ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول ﴿أوتوه﴾ أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك.

стр. 1071

ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها الكتاب. قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها فقال: ﴿بغياً﴾ قال الحرالي: والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال ﵊: «ثلاث لا يسلم منهن أحد» ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها

стр. 1072

كانت باغية - انتهى. وزاده عجباً بقوله ﴿بينهم﴾ أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة. ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفاً على ما تقديره: فعموا عن البينات: ﴿فهدى الله﴾ في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. ﴿الذين آمنوا﴾ أي بالنبيين ببركة إيمانهم ﴿لما اختلفوا﴾ أي أهل الضلالة ﴿فيه﴾ ثم بينه بقوله: ﴿من الحق﴾ ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه

стр. 1073

من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون ﴿بإذنه﴾ أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿يهدي من يشاء﴾ أي بما له من أوصاف الكمال ﴿إلى صراط مستقيم *﴾ قال الحرالي: هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي «لا تزال طائفة من

стр. 1074

أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» انتهى. ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولاً عن خطاب النبي ﷺ المقول له ﴿سل بني إسرائيل﴾ [البقرة: ٢١٢] إلى خطاب الأتباع تشريفاً له عن ذلك ورفعاً

стр. 1075

لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطاً لهم وتقوية لعزائمهم: أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب ﴿أم حسبتم﴾ بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة. قال الحرالي: هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى ﴿أن تدخلوا الجنة﴾ أي التي هي نعيم دائم ﴿و﴾ الحال أنه

стр. 1076

﴿لما يأتكم مثل﴾ أي وصف ﴿الذين خلوا﴾ ولما كان القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال: ﴿من قبلكم﴾ أي يقص عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. وقال الحرالي: وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالاً وتفصيلاً في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب ﴿أم حسبتم﴾ تجاوزاً لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم

стр. 1077

في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات. ولما كان كأنه قيل: ما ذلك المثل؟ أجيب بياناً بقوله: ﴿مستهم البأساء﴾ أي المصائب في الأموال ﴿والضراء﴾ أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري، والأحسن عندي عكسه، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب كلاًّ منهما ولكل عمل جزاء ﴿وزلزلوا﴾ لأمور باطنة من خفايا القلوب

стр. 1078

انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال ﴿حتى يقول﴾ رفعه نافع على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد وجدا ومضيا فهما ماضيان وكأنك تحكي ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده: مرض حتى لا يرجونه، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب إلا مضارعاً بمعناه؛ ونصبه الجماعة على حكاية الحال أيضاً لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر حقق ذلك المتبين حتى يقول:

стр. 1079

﴿الرسول﴾ وهو أثبت الناس ﴿والذين آمنوا معه﴾ وهم الأثبت بعده لطول تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من مقالهم. وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتباً فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم ﴿متى نصر الله﴾ فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج، ففي إشعاره إعلام بأن الله إنما يفرج

стр. 1080

عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول ﷺ : «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» إعلاماً بأن الله ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ [غافر: ٥١] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع في البواطن والظواهر، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء

стр. 1081

من بيانها بالفعل. ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر بقوله: ﴿ألا﴾ قال الحرالي: استفتاحاً وتنبيهاً وجمعاً للقلوب للسماع ﴿إن﴾ تأكيداً وتثبيتاً ﴿نصر الله﴾ الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه ﴿قريب *﴾ لاستغنائه عن عدة ومدة، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية، والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة «قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير» قال ﷺ : «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» فانعطف ذلك على ما أراده الله ﵎ بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. وفي بعض الآثار: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر

стр. 1082

على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية، فانظر هذا التدريب في مصاعد التأديب، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة في قوله: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾ [البقرة: ٢١٢] والجنة في قوله: ﴿أن تدخلوا الجنة﴾ [البقرة: ٢١٤] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيساً لهم بذكرهما، وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم.

стр. 1083

ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفاً مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلماً لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ ﴿يسئلونك ماذا﴾ أي أيّ شيء

стр. 1084

﴿ينفقون﴾ من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعاً بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال ﷺ : «يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك» ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر ﵁ حين أتى بشطر

стр. 1085

ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع واجباً ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطاباً للنبي ﷺ وإعراضاً منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى. فقال: ﴿قل ما أنفقتم من خير﴾ أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيراً فقال معبراً بالماضي ليكون أشمل: ﴿ما أنفقتم من خير﴾ فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيراً وخص المصرف مبيناً أهمه لأن النفقة

стр. 1086

لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين﴾ لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب ﴿والأقربين﴾ لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة ﴿واليتامى﴾ لتعرضهم للضياع لضعفهم. وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى ﴿والمساكين﴾ لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب.

стр. 1087

قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعاً ولغة نبوية - انتهى. ﴿وابن السبيل﴾ لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي مما يعد خيراً من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم ﴿فإن الله﴾ المحيط علماً وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال: ﴿به عليم *﴾ أي بالغ العلم

стр. 1088

وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله: ﴿كتب﴾ . وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه

стр. 1089

المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج: ٣٩] فكان الأول إذناً لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حباً كان الخطاب لهم بالقتال إذناً لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حباً لهم يطلبون الوفاء به حباً للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة «حين عقلوا» وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة «في الحرب» ، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة

стр. 1090

استدراكاً فقال: ﴿كتب عليكم القتال﴾ أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعاً لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلداً إسرائيلياً ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٢٤] انتهى. ﴿وهو كره﴾ وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيراً عبر باللام في ﴿لكم﴾ وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوماً كان
следующие страницы →