Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
قوله: ﴿ولو آمن أهل الكتاب﴾ أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك ﴿لكان﴾ أي الإيمان ﴿خيراً لهم﴾ إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت.
ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً: ﴿منهم المؤمنون﴾ أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل ﴿وأكثرهم الفاسقون *﴾ أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم. ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: ﴿لن يضروكم﴾ ولما كان الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام، ثم استثنى منه فقال: ﴿إلا أذى﴾ أي بألسنتهم، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة ﴿وإن يقاتلوكم﴾ أي يوماً من الأيام ﴿يولوكم﴾
стр. 1857
صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب ﴿الأدبار﴾ أي انهزاماً ذلاً وجبناً.
ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: ﴿ثم لا ينصرون *﴾ أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك.
ولما أخبر عنهم بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم بأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال مستأنفاً: ﴿ضربت عليهم الذلة﴾ وهي الانقياد كرهاً، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه ﴿أين ما ثقفوا﴾ أي
стр. 1858
وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال ﴿إلا﴾ حال كونهم معتصمين ﴿بحبل﴾ أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد الجزية وما شاكله ﴿من الله﴾ أي الحائز لجميع العظمة ﴿وحبل من الناس﴾ أي قاطبة: الذي آمنوا وغيرهم، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله .
ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: ﴿وبآءو﴾ أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح ﴿بغضب من الله﴾ الملك الأعظم، ملازمٍ لهم، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: ﴿وضربت﴾ أي مع ذلك ﴿عليهم﴾ أي كما يضرب البيت ﴿المسكنة﴾ أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل، فكأنه قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: ﴿ذلك﴾ أي الإلزام لهم بما ذكر ﴿بأنهم﴾ أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم ﴿كانوا يكفرون﴾ أي يجددون الكفر مع الاستمرار ﴿بآيات الله﴾ اي
стр. 1859
الملك الأعظم الذي له الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم ﴿ويقتلون الأنبياء﴾ أي الآتين من عند الله حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة.
ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال: ﴿بغير حق﴾ أي يبيح قتلهم؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الكفر والقتل العظيمان ﴿بما عصوا وكانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يعتدون *﴾ أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر، فقال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله سبحانه
стр. 1860
وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي.
стр. 1861
ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفاً نافياً لذلك: ﴿ليسوا سوآء﴾ أي في هذه الأفعال، يثني على من أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفاً ولا خلفاً بعيداً ولا قريباً. ثم استأنف قوله بياناً لعدم استوائهم: ﴿من أهل الكتاب﴾ فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم ﴿أمة﴾ أي جماعة يحق لها أن تؤم ﴿قائمة﴾ أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: ﴿يتلون﴾ أي
стр. 1862
يتابعون مستمرين ﴿آيات الله﴾ أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها ﴿آناء الليل﴾ أي ساعاته ﴿وهم يسجدون *﴾ أي يصلون في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: ﴿يؤمنون﴾ وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: ﴿بالله﴾ أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها، لأنه الحامل على كل خير فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ أي إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم.
ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقوّمون غيرهم فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ أي مجددين ذلك مستمرين عليه ﴿وينهون عن المنكر﴾ لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم
стр. 1863
في جميع أنواعه فقال: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ ولما كان التقدير: فأولئك من المستقيمين، عطف عليه: ﴿وأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿من الصالحين *﴾ إشارة إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات.
ولما كان التقدير: فما فعلوا من خير فهو بعين الله ، يشكره لهم، عطف عليه قوله: ﴿وما تفعلوا﴾ أي أنتم ﴿من خير﴾ من إنفاق أو غيره ﴿فلن تكفروه﴾ بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدباً معه ، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون، قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عليم بالمتقين *﴾ من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم
стр. 1864
على كل خير، فهو يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب، هذا على قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته.
ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل ﵊ على وجه أنتج أن بنيه كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم ﵊، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء الليل وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهباً، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد من تقدم، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: ﴿إن الذين
стр. 1865
كفروا﴾ أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره ﴿لن تغني عنهم أموالهم﴾ أي وإن كثرت ﴿ولا أولادهم﴾ وإن عظمت ﴿من الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ أي من الإغناء تأكيداً لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً.
ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: ﴿هم فيها خالدون *﴾ ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً، ضائعاً وإن كثر بوراً، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بقوله جواباً لهذا السؤال: ﴿مثل ما ينفقون﴾ أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: ﴿في هذه الحياة الدنيا﴾ أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص. ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح ﴿كمثل ريح فيها صر﴾ أي برد شديد ﴿أصابت حرث قوم﴾ موصوفين بأنهم
стр. 1866
﴿ظلموا أنفسهم﴾ أي بالبناء على غير أساس الإيمان ﴿فأهلكته﴾ فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين، بل ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالاً لأمر معقول، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب، فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه.
ولما كان موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس: ﴿وما ظلمهم﴾ أي الممثل بهم والممثل لهم ﴿الله﴾ الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى المطلق
стр. 1867
لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال: ﴿ولكن﴾ لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم.
стр. 1868
ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحاً وبَذوله شحيحاً؛ قال مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله ﴿لا تتخذوا بطانة﴾ أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة
стр. 1869
والصفاء ومبادلة المال والوفاء ﴿من دونكم﴾ أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، وعبر بذلك إعلاماً بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علّي درجتها بموادتهم. ثم وصفهم تعليلاً للنهي بقوله: ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ أي يقصرون بكم من جهة الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً: ﴿ودّوا ما عنتم﴾ أي تمنوا مشقتكم.
ولما كان هذا قد يخفى بيَّنه بقوله معللاً: ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا. ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعاً وعلم الفطن من عباده بالقياس ظناً بقوله: ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ مما ظهر على سبيل الغلبة. ثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله: ﴿قد بيَّنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لكم﴾ أي بهذه الجمل ﴿الآيات﴾ أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف. وزادهم إلهاباً بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿تعقلون *﴾ ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم
стр. 1870
فقال منبهاً أو مبدلاً الهاء من همزة الإنكار: ﴿ها أنتم أولاء﴾ أي المؤمنون المسلمون المستسلمون ﴿تحبونهم﴾ أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء بواطنكم ﴿ولا﴾ أي والحال أنهم لا ﴿يحبونكم﴾ لمخالفتهم لكم في الدين، فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان ﴿وتؤمنون﴾ أي أنتم ﴿بالكتاب كله﴾ أي ويكفرون هم به كله، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض ﴿وإذا لقوكم قالوا﴾ أي لكم ﴿آمنا﴾ لتغتروا بهم ﴿وإذا خلوا﴾ أي منكم، وصوّر شدة حنقهم بقوله: ﴿عضّوا عليكم﴾ لما يرون من ائتلافكم وحسن أحوالكم ﴿الأنامل من الغيظ﴾ أي المفرط منكم، ومن جعل الهاء في ﴿ها أنتم﴾ بدلاً عن همزة الاستفهام فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعليّ الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن كيس فطن؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق.
стр. 1871
ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطباً للرأس المسموع الأمر المجاب الدعاء: ﴿قل﴾ أي لهم ﴿موتوا بغيظكم﴾ أي ازدراء بهم ودعاء عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكداً لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة: ﴿إن الله﴾ أي الجامع لصفات الكامل ﴿عليم بذات الصدور *﴾ أي فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه.
стр. 1872
ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجاً ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: ﴿إن تمسسكم﴾ أي مجرد مس ﴿حسنة تسؤهم﴾ ولما كان هذا دليلاً شهودياً ولكنه ليس صريحاً أتبعه الصريح بقوله: ﴿وإن تصبكم﴾ أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها ﴿سيئة يفرحوا بها﴾ ولما كان هذا أمراً مبكتاً غائظاً مؤلماً داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطاً بشرط التقوى والصبر فقال: ﴿وإن تصبروا وتتقوا﴾ أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى ﴿لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ ثم علل ذلك بقوله:
стр. 1873
﴿إن الله﴾ أي ذال الجلال والإكرام ﴿بما يعملون محيط *﴾ أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله، والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه.
ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقاً ومفهوماً محتاجاً إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات، مشيراً إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور، مخاطباً لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، تهييجاً لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى: ﴿وإذ﴾ أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم
стр. 1874
فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ثم في بدر، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ ﴿غدوت﴾ أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! ﴿من أهلك﴾ أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء، أو في يوم الخميس لقتالكم. وبنى من ﴿غدوت﴾ حالاً إعلاماً بأن الشروع في السبب شروع في مسببه فقال: ﴿تبوىء﴾ أي تنزل ﴿المؤمنين﴾ أي صبيحة يوم السبت وعبر بقوله: ﴿مقاعد﴾ إشارة إلى أنه ﷺ تقدم إلى كل أحد بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئاً إلا بأمره لا سيما الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: ﴿للقتال﴾ .
ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام
стр. 1875
كثير خفي وجلي بقوله: ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته ﴿سميع﴾ أي لأقوالكم ﴿عليم *﴾ أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله خص النبي ﷺ بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضاً لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضاً لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب﴾ [آل عمران: ١٠٠] ، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريباً، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان: المساءة بالحسنة،
стр. 1876
والفرح والمسرة بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدراً - كما ترى - بعد محكمة ستذكر، وأطلق كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله ﷺ ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي ﷺ يحرسونه ﷺ وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم في سيفه، وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة المكث في المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق الأسطحة، وكان عبد الله بن أبيّ المنافق على هذا الرأي، فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله
стр. 1877
بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ يلحون عليه ﷺ في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له ﷺ وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: «ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» .
وفي رواية «حتى يلاقي» فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على حرسه محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم أدلج من سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح في الشوط وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالاً ﵁ فأذن وأقام، وصلى بأصحابه ﷺ الصبح صفوفاً، فانخزل عبد الله بن أبيّ بثلث العسكر فرجع وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو
стр. 1878
بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلاً - يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم الله! سيغني الله نبيه ﷺ عنكم، ورجع فوافق النبي ﷺ يصف أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ونزل ﷺ الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال:
«لا يقاتلن أحد حتى نأمره!» وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه، حتى قال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا» وبرز
стр. 1879
صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحداً بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي ﷺ أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا فلما وقع الصحابة ﵃ في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله ﷺ فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة ﵃ من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس: إن محمداً قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع النبي ﷺ منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي ﷺ الشهداء وصف أصحابه ﵃ فأثنى على الله ثناء عظيماً، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في
стр. 1880
مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني.
ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلاً عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سبباً في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها بقوله - مبدلاً من ﴿إذ غدوت﴾ دليلاً على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالاً وغير ذلك -: ﴿إذا همت طائفتان﴾ وكانا جناحي العسكر ﴿منكم﴾ أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ﴿أن تفشلا﴾ أي تكسلاً وتراخياً وتضعفاً وتجبناً لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع المنافقون ﴿والله﴾ أي والحال أن ذا الجلال والإكرام ﴿وليهما﴾ وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما،
стр. 1881
أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره لتضعفا بخذلانه ﴿و﴾ الحال أنه ﴿على الله﴾ أي الذي له الكمال كله وحده ﴿فليتوكل المؤمنون *﴾ أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، فالأمر بالتوكل ثانياً دال على وجوده أولاً، وإثبات الولاية أولاً دال على الأمر بها ثانياً، وفي البخاري في التفسير عن جابر ﵁ قال: فينا نزلت ﴿إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا﴾ قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله : ﴿والله وليهما﴾ .
стр. 1882
ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما كان سبباً في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق من عجائب المقدور في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ [آل عمران: ١٢] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر، وهم في القلة دون ما هم الآن بكثير، مشيراً لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر، وحالهم إذ ذاك حال الآيس منه، ولذلك كانوا في غاية الكراهة للّقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة، حثاً على ملازمة التوكل، منبهاً على أنه لا يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على الدين كله فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان قليلاً فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم للرسول ﷺ في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك بما أمركم به ﷺ ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع
стр. 1883
عنكم شيئاً -: ﴿ولقد نصركم الله﴾ بما له من صفات الجلال والجمال ﴿ببدر﴾ المشار إليها أول السورة بقوله تعالى: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ [آل عمران: ١٣] لما صبرتم واتقيتم.
ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال: ﴿وأنتم أذلة﴾ أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم، وهو دليل أيضاً على منطوق قوله تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠] كما كان أمر أحد دليلاً على منطوقها ومفهومها معاً: دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم آخره - والله الموفق؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي ﷺ كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ [آل عمران: ٥٢] ، فإن الصحابة ﵃ هزموهم - كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد ولا بقي عند نسائهم حامٍ، فلما خالف الرماة أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1884
وأقبلوا على الغنيمة أراد الله تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه ﷺ غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي ﷺ منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان، فاستمر ﵊ في نحورهم يحاولهم ويصاولهم، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى، والله تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب، وقتل بيده ﷺ أُبي بن خلف مبارزة، تصديقاً لما كان أوعده به قبل الهجرة، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار، ولم يرجع ﷺ من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم، وهم اثنان وعشرون رجلاً من سرواتهم وحمال راياتهم، وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس المجاهدين: إنه صح النقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نصر
стр. 1885
النبي ﷺ في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى.
كفى على ذلك دليلاً ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي ﷺ الإسلام: يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد ظهرت عليك، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفاً على قوله تعالى: ﴿نعمة﴾ في قوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾ [آل عمران: ١٠٣] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولاً أو فعلاً، المقتضي لهدم الدين من أصله، لأن همّ الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ [آل عمران: ١٤٩] ، ويكون
стр. 1886
إسناد الفعل في ﴿غدوت﴾ ، وأمثاله إلى النبي ﷺ ، والمراد الإسناد إلى الجمع، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم، ولشرف هذا الفعل، فكان الأليق إفراده به ﷺ ، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- كما هو الواقع - عليهم.
ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي في جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته فحينئذ التقوى من الشكر فإن أريد العموم انحل الكلام إلى: اشكروا لعلكم تشكرون، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: الواقية ما وقاك الشر، وكل شيء وقيت به شيئاً فهو وقاء له ووقاية، وقوله : ﴿لعلكم تتقون﴾ قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى.
فاتضح أن حقيقة ﴿واتقوا﴾ : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن
стр. 1887
سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى: خافوا - مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى: خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى: اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة: إن المعنى: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون: لعلكم تزدادون نعماً فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم.
ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيراً منها، وهي مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - البداءةُ بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه ﷺ قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر
стр. 1888
والتقوى تنبيهاً لهم على أن الخلل من جهتهم أتى، ثم وعظمهم بالنهي عما منعهم النصر، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من أنفسهم، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار بالذنب، فقال - مبدلاً من ﴿إذ غدوت﴾ عوداً على بدء تعظيماً للأمر حثاً على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره -: ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفاً وجبناً، مع ما كان النبي ﷺ أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها بذبح يكون في أصحابه، ليكون إقدامهم على بصيرة، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي ﷺ في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكراً آتياً بأداة التأكيد للنفي: ﴿ألن يكفيكم﴾ أي أيها المؤمنون ﴿أن يمدكم﴾ إمداداً خفياً - بما أشار إليه الإدغام ﴿ربكم﴾ أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم ﴿بثلاثة آلاف﴾
стр. 1889
ثم عظم أمرهم بقوله: ﴿من الملائكة﴾ ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله: ﴿منزلين *﴾ ثم تولى هو الجواب عنهم تحقيقاً للكفاية فقال: ﴿بلى﴾ أي يكفيكم ذلك، ثم استأنف قوله: ﴿إن تصبروا وتتقوا﴾ أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه ﴿ويأتوكم﴾ أي الكفار ﴿من فورهم﴾ أي وقتهم، استعير للسرعة التي لا تردد فيها، من: فارت القدر - إذا غلت ﴿هذا﴾ أي في هذه الكرة ﴿يمددكم﴾ أي إمداداً جلياً - بما أشار إليه إشارة لفظية: الفك، وإشارة معنوية: التسويم ﴿ربكم﴾ أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك ﴿بخمسة آلاف من الملائكة﴾ ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله: ﴿مسومين *﴾ أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب، والظاهر من التعبير بالتسويم إفهام القتال، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه، ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم.
قال البغوي: قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومدداً.
ولما كان التقدير: وليس الإمداد بهم موجود للنصر، وكان قد قدم في أول السورة قوله: ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ [آل عمران: ١٣] قال هنا
стр. 1890
قاصراً للأمر عليه: ﴿وما جعله الله﴾ أي الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها إلى شيء أصلاً ﴿إلا بشرى﴾ .
وما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة، وكان المقتول منهم أكثر قال: ﴿لكم﴾ لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم، ولمثل هذا قدم القلوب فقال: ﴿ولتطمئن﴾ وعلم أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك: لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن ﴿قلوبكم به﴾ أي الإمداد، فحكم هنا بأنه بشرى مقيداً بلكم، فكانت العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل: إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم، فوجب تأخير ضميره عنهم، والمعنى أنهم كانوا أولاً خائفين، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألزّ قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في بدر
стр. 1891
وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا قوة، ولذلك قال تعالى: ﴿وما النصر﴾ أي في ذلك غيره ﴿إلا من عند الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم.
ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال: ﴿العزيز﴾ الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد ﴿الحكيم *﴾ الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من غير تأكيد أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر الوعد ذكر ثمرته فقال معلقاً الجار بيمددكم: ﴿ليقطع﴾ أي بالقتل ﴿طرفاً﴾ أي طائفة من كرامهم، يهنون بهم ﴿من الذين كفروا﴾ أي ويهزم الباقين ﴿أو يكبتهم﴾ أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي
стр. 1892
أذلاء، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه ﴿فينقلبوا﴾ أي كلهم مهزومين ﴿خائبين *﴾ وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ويجوز تعليق ﴿ليقطع﴾ بفعل التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله: ﴿وما جعله الله إلا بشرى﴾ أو بقوله: ﴿ولتطمئن﴾ وهو حسن أيضاً.
стр. 1893
ولما كان ﷺ حريصاً على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه ﵃ قال تعالى: ﴿ليس لك من الأمر﴾ أي فيهم ولا غيرهم ﴿شيء﴾ موسطاً له بين المتعاطفات، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن أراد فعل بهم ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: ﴿أو يتوب عليهم﴾ أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم ﴿أو يعذبهم﴾ كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، أو يعذبهم هو من
стр. 1894
غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم علل الأقسام الأربعة بقوله: ﴿فإنهم ظالمون *﴾ وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ - إلى قوله: ﴿ظالمون﴾ » ورواه موصولاً في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ، وفيه «اللهم العن فلاناً وفلاناً» .
ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعظم وحده ﴿ما في السماوات﴾ أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب «ما» لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر ﴿وما في الأرض﴾ كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء، وفي التعبير ب «ما» أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل.
стр. 1895
ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] : ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره ﴿ويعذب من يشاء﴾ بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل.
ولما كان ﷺ لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: ﴿والله﴾ أي المختص بالجلال والإكرام ﴿غفور رحيم *﴾ أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح ﴿ليس لك﴾ [آل عمران: ١٢٨] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له الأمر
следующие страницы →