← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا قوة، ولذلك قال تعالى: ﴿وما النصر﴾ أي في ذلك غيره ﴿إلا من عند الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم. ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال: ﴿العزيز﴾ الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد ﴿الحكيم *﴾ الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من غير تأكيد أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر الوعد ذكر ثمرته فقال معلقاً الجار بيمددكم: ﴿ليقطع﴾ أي بالقتل ﴿طرفاً﴾ أي طائفة من كرامهم، يهنون بهم ﴿من الذين كفروا﴾ أي ويهزم الباقين ﴿أو يكبتهم﴾ أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي

стр. 1892

أذلاء، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه ﴿فينقلبوا﴾ أي كلهم مهزومين ﴿خائبين *﴾ وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ويجوز تعليق ﴿ليقطع﴾ بفعل التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله: ﴿وما جعله الله إلا بشرى﴾ أو بقوله: ﴿ولتطمئن﴾ وهو حسن أيضاً.

стр. 1893

ولما كان ﷺ حريصاً على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه ﵃ قال تعالى: ﴿ليس لك من الأمر﴾ أي فيهم ولا غيرهم ﴿شيء﴾ موسطاً له بين المتعاطفات، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن أراد فعل بهم ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: ﴿أو يتوب عليهم﴾ أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم ﴿أو يعذبهم﴾ كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، أو يعذبهم هو من

стр. 1894

غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم علل الأقسام الأربعة بقوله: ﴿فإنهم ظالمون *﴾ وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ - إلى قوله: ﴿ظالمون﴾ » ورواه موصولاً في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ، وفيه «اللهم العن فلاناً وفلاناً» . ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعظم وحده ﴿ما في السماوات﴾ أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب «ما» لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر ﴿وما في الأرض﴾ كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء، وفي التعبير ب «ما» أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل.

стр. 1895

ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] : ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره ﴿ويعذب من يشاء﴾ بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل. ولما كان ﷺ لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: ﴿والله﴾ أي المختص بالجلال والإكرام ﴿غفور رحيم *﴾ أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح ﴿ليس لك﴾ [آل عمران: ١٢٨] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له الأمر

стр. 1896

وحده. ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه ﷺ عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع الشهوات فكان مبعداً لمتعاطيه من الرحمة مدنياً من النقمة، وكان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي ﷺ بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان، صدقوا إيمانكم بأن ﴿لا تأكلوا الربا﴾ أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح، وهو كما ترى إقبال متلطف منادٍ لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣] ؛ ﴿والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧] ؛ ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] ناهٍ عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها

стр. 1897

بطريق الإشارة بدلالة التضمن، إذ المطلق جزء المقيد، ففي هذه العبارة التي صريحها ناهٍ عن الإقبال على الدنيا إقبالاً يوجب الإعراض عن الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من له أدنى تقوى، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٨٦] . ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة، دلالة على تناهي الحب للتكاثر، ناسب المقام ربا التضعيف فقال: - أو يقال: لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة، وكان حب الزيادة حلالاً قد يجر إلى حبها حراماً، فيجر إلى الربا المضاعف، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال -: ﴿أضعافاً مضاعفة﴾ أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلاً عن الإعراض عنه فضلاً عن الإقبال عليه، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها،

стр. 1898

وعلى مطلق الزيادة بتضمنها، وهي من وادي قوله ﷺ : «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» وختام الآية بقوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لعلكم تفلحون﴾ مشير إلى ذلك، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم، ويمنعكم إن تساهلتم، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلاً وقوة بطريق الإشارة، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها، والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سبباً لنزول هذه الآية ووضعها عنا، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد، فقد كان حلفه ﷺ أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه

стр. 1899

حمزة ﵁ سبباً لنزول آخر سورة النحل ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخرها، ولم توضع هنا، والأمر الصالح لأن يكون سبباً لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمروا بن أقيش ﵁ كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ ﵁ فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضباً لهم، أم غضباً لله ؟ فقال: بل غضباً لله ورسوله ﷺ ، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة. والقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم

стр. 1900

عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود، ولفظ العيشي: إن عمرو بن وقش - وقال الدينوري: أقيش - كان له ربا في الجاهلية، وكان يمنعه ذلك الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم، فجاء ذات يوم ورسول الله ﷺ زاد الدينوري: وأصحابه بأحد فقال: أين سعد ابن معاذ؟ وقال العيشي: فقال لقومه: أين سعد بن معاذ؟ قالوا: هو بأحد، قال الدينوري: فقال: أين بنو أخيه؟ قالوا: بأحد، فسأل عن قومه، فقالوا: بأحد، فأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته، ثم أتى أحداً؛ وقال الدينوري: ثم ذهب إلى أحد، فلما رآه السملمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحاً، فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته -: سليه! وقال العيشي: فقال لأخته: ناديه، فقولي؛ وقال الدينوري: فقالت: أجئت غضباً لله ورسوله أم حمية وغضباً لقومك؟ فنادته، فقال: جئت غضباً لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط؛ وقال الدينوري: قال أبو هريرة: ودخل الجنة، وما صلى لله صلاة. ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة ﵃ أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط؛ وقال الواقدي: أخبروني برجل يدخل الجنة

стр. 1901

لم يسجد لله قط، فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة ﵁: هو أخو بني عبد الأشهل؛ وقال ابن إسحاق: فإذا لم يعرفه الناس سألوا: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه؛ زاد ابن إحساق: قال الحصين - يعني شيخه: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله ﷺ إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيف فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن

стр. 1902

مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» والمعنى على هذا: يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً جليلاً، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة،

стр. 1903

ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ثم نص عليه في هذه الآية، فصار محرمأً مرتين: مفهوماً ومنطوقاً، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها.

стр. 1904

ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى: ﴿واتقوا النار﴾ أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته ﴿التي أعدت﴾ أي هيئت ﴿للكافرين *﴾ أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة عصياناً بالعرض. ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقرباً قال اتباعاً للوعيد بالوعد: ﴿وأطيعوا الله﴾ ذا الجلال والإكرام ﴿والرسول﴾ أي الكامل في الرسلية كمالاً ليس لأحد مثله، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص ﴿لعلكم ترحمون *﴾ أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره. ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا، المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا، المشار إلى ذمها في قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾ [آل عمران: ١٤] ، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه

стр. 1905

توصلاً إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، ﴿وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة ﴿قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا﴾ [آل عمران: ١٥] ، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده، وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ١٣٠] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في سبيل الله في مرضاة رسول الله ﷺ من الجهاد وغيره في السراء والضراء، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالاً يخلّ ببعض الأوامر، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل او جراحة، والعفو عمن

стр. 1906

يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشاداً إلى أن لا يكون جهادهم إلا غضباً لله تعالى، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلاً، وبالصبر أيضاً على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل ﷺ في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد المطلب، فإنه وقف ﷺ في ذلك اليوم الذي كان أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها، فهزم ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال: «ما تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيراً! أخ وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد الله تعالى فقال تعالى: ﴿وسارعوا﴾ أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق خصماً ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾ أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب ﴿وجنة﴾ أي عظيمة جداً بعمل كل ما يحصل

стр. 1907

الثواب، ثم بين عظمها بقوله: ﴿عرضها السماوات والأرض﴾ أي كعرضهما، فكيف بطولها، ويحتمل أن يكون كطولهما، فهي أبلغ من آية الحديد - كما يأتي لما يأتي، وعلى قراءة ﴿سارعوا﴾ بحذف الواو يكون التقدير: سارعوا بفعل ما تقدم، فهو في معناه، لا مغائر له. ولما وصف الجنة بين أهلها بقوله: ﴿أعدت﴾ أي الآن وفرغ منها ﴿للمتقين *﴾ وهم الذين صارت التقوى شعارهم، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة، ثم وصف المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالاً على وجه معرف بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من المؤمنين بادئاً بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي هو عديل الروح فقال: ﴿الذين ينفقون﴾ أي مما آتاهم الله، وهو تعريض بمن أقبل على الغنيمة ﴿في السراء والضراء﴾ أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء. ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: ﴿والكاظمين﴾ أي الحابسين ﴿الغيظ﴾ عن

стр. 1908

أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه. ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو بقوله: ﴿والعافين﴾ وعمم في الحكم بقوله: ﴿عن الناس﴾ أي ظلمهم لهم ولو كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف عليه تنويهاً بدرجة الإحسان قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب المحسنين *﴾ أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار. ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلاباً لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: ﴿والذين إذا فعلوا﴾ أي باشروا عن علم أوجهل فعله ﴿فاحشة﴾ أي من السيئات الكبار ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾ أي بأي نوع كان من الذنوب، لتصير الفاحشة موعوداً بغفرانها بالخصوص وبالعموم ﴿ذكروا الله﴾ أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه ﴿فاستغفروا﴾ الله، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها ﴿لذنوبهم﴾ أي فإنه يغفر لهم

стр. 1909

لأنه غفار لمن تاب. ولما كان هذا مفهماً لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغباً في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين: ﴿ومن يغفر الذنوب﴾ أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها ﴿إلا الله﴾ أي الملك الأعلى. ولما كان قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون *﴾ أي إنهم على ذنب. ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلماً بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأً لا يقدر الله حق قدره -: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿جزآؤهم مغفرة﴾ أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله: ﴿من ربهم﴾ أي المسحن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: ﴿وجنات﴾ أيّ جنات، ثم بين عظمها بقوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ حال كونكم ﴿خالدين فيها﴾ هي أجرهم على عملهم ﴿ونعم أجر العاملين *﴾ هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم.

стр. 1910

ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً، فقال تعالى معللاً للأمر بالمسارعة إلى المغفرة: ﴿قد خلت﴾ ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض، ولا في جميع الزمان، أثبت الجار فقال: ﴿من قبلكم﴾ اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم ﴿سنن﴾ أي وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين، وأحوال وطرائق كانت للفريقين، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد ﴿فسيروا في الأرض﴾ أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير، وتعتبروا من العين بالأثر، وتقرنوا بين النقل والنظر، ولما كان الرجوع عن الهفوة واجباً على الفور عقب بالفاء قوله: ﴿فانظروا﴾ أي نظر اعتبار، ونبه على

стр. 1911

عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال: ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المكذبين *﴾ . ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك بقوله على طريق الاستفتاح: ﴿هذا بيان﴾ أي يفيد إزالة الشبه ﴿للناس﴾ أي المصدقين والمكذبين ﴿وهدى﴾ أي إرشاد بالفعل ﴿وموعظة﴾ أي ترقيق ﴿للمتقين*﴾ .

стр. 1912

ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره: فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل -: ﴿ولا تهنوا﴾ أي في جهاد أعدائكم الذين هم أعداء الله، فالله معكم عليهم، وإن ظهروا يوم أحد نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر ﴿ولا تحزنوا﴾ أي على ما أصابكم منهم ولا على غيره مما عساه ينوبكم ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿أنتم الأعلون﴾ أي في الدارين ﴿إن كنتم مؤمنين *﴾ أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن الله - لكم صفة راسخة، فإنهم لا يهنون؛

стр. 1913

لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل، ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملكَ الكبير لمن قتل، والنصر والتوزر لمن بقي، وهو حي قيوم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم، فهو ناصركم وخاذلكم، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهم في النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبداً. ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله: ﴿إن يمسسكم قرح﴾ أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم ﴿فقد مس القوم﴾ أي الذين لهم من قوة المحاولة ما قد علمتم، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر ﴿قرح مثله﴾ أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم بدر، على أنه كما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم، ويوم أحد بالقتل

стр. 1914

والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق، ترجون من الله ما لا يرجون، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر ﴿وتلك الأيام﴾ ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد، وكانت إنما تعظم بعظم أحوالها ذكر الحال المنبه عليها بقوله: ﴿نداولها بين الناس﴾ أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى. ولما كان التقدير: ليدال على من كانت له الدولة، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله: ﴿وليعلم الله﴾ أي المحيط بجميع الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم، ومعنى ﴿ليعلم﴾ أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيباً إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة، لا غيبة فيها، فهو يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهوداً عليهم

стр. 1915

أصلاً بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره، فإن الله يحب المؤمنين، وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء ﴿والله﴾ أي الملك الأعلى ﴿لا يحب الظالمين *﴾ أي الذين يخالف فعلهم قولهم، فهو لا يستشهدهم، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم، وفيه بشارة في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب، لئلا يحزنوا على ما أصابهم، ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو، والآية من الاحتباك: إثبات الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً. ولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة بقوله: ﴿وليمحص﴾ أي وليطهر ﴿الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿الذين أمنوا﴾ أي إن أصيبوا، ويجعل مصيبتهم سبباً لقوتهم ﴿ويمحق الكافرين *﴾ أي شيئاً فشيئاً في تلك الحالتين بما يلحقهم من

стр. 1916

الرجس، أما إذا كانت لهم فبالنقص بالقوة بالبطر الموجب للعكس، وأما إذا كانت عليهم فبالنقص بالفعل الموجب للقطع بالنار. ولما كان السياق يرشد إلى أن المعنى: أحسبتم أنه لا يفعل ذلك، عادله بقوله: ﴿أم حسبتم﴾ أي يا من استكره نبينا على الخروج في هذا الوجه ﴿أن تدخلوا الجنة﴾ أي التي أعدت للمتقين ﴿ولما يعلم الله﴾ أي يفعل المحيط علماً وقدرة بالامتحان فعل من يريد أن يعلم ﴿الذين جاهدوا منكم﴾ أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة، ثم أمضوه بالفعل تصديقاً للدعوى ﴿ويعلم الصابرين *﴾ أي الذين شأنهم الصبر عند الهزاهز والثبات عند جلائل المصائب تصديقاً لظاهر الغرائز، فإن ذلك أعظم دليل على الوثوق بالله ووعده الذي هو صريح الإيمان. ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: فلقد كنتم تقولون: لئن خرجت بنا ليبتلين الله بلاء حسناً، عطف عليه قوله: ﴿ولقد﴾ ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ﴿حسبتم﴾ ﴿كنتم تمنون الموت﴾ أي الحرب، عبر عنها به لأنها سببه، ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة

стр. 1917

﴿من قبل أن تلقوه﴾ أي رغبة فيما أعد الله للشهداء ﴿فقد رأيتموه﴾ أي برؤية قتل إخوانكم، والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب، وللموت نفسه برؤية أسبابه القريبة، وقوله: ﴿وأنتم تنظرون *﴾ بمعنى رؤية العين، فهو تحقيق لإرادة الحقيقة.

стр. 1918

ولما كان التقدير: فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذباً: ألا إن محمداً قد قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ أي من شأنه الموت، لا إله، ثم قرر المراد من السياق بقوله: ﴿قد خلت﴾ أي بمفارقة أممهم، إما بالموت أو الرفع إلى السماء، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال: ﴿من قبله الرسل﴾ أي فيسلك سبيلهم، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم. ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله: ﴿أفإن﴾ ولما كان الملك القادر على ما يريد

стр. 1919

لا يقول شيئاً وإن كان فرضاً إلا فعله ولو على أقل وجوهه، وكان في علمه سبحانه أنه ﷺ يموت موتاً - لكونه على فراشه، وقتلاً - لكونه بالسم، قال: ﴿مات﴾ أي موتاً على الفراش ﴿أو قتل﴾ أي قتلاً ﴿انقلبتم﴾ أي عن الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم قرر المعنى بقوله: ﴿على أعقابكم﴾ لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن ﴿ومن﴾ أي انتقلتم والحال أنه من ﴿ينقلب على عقبيه﴾ أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه ﴿فلن يضر الله﴾ أي المحيط بجميع العظمة ﴿شيئاً﴾ لأنه متعالٍ عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده، فلو أراد لهداهم أجمعين، ولو أراد أضلهم أجمعين، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله، وسيجزي الله الشاكرين، ومن سار ثابتاً على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله ﴿وسيجزي الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿الشاكرين *﴾ أي كلهم، فالآية من الاحتباك: أثبت الانقلاب وعدم الضر أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، والجزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً.

стр. 1920

ولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سبباً للفرار إلا إذا كان موته بغير إذن صاحب الدين، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن يكون سبباً للنجاة، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين، والفرار لا يكون سبباً في زيادة الأجل ولا نقصه؛ أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وما كان لنفس﴾ أي من الأنفس كائنة من كانت ﴿أن تموت﴾ أي بشيء من الأشياء ﴿إلا بإذن الله﴾ أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها «كتب لكل نفس عمرها» ﴿كتاباً مؤجلاً﴾ أي أجلاً لا يتقدم عنه بثبات، ولا يتأخر عنه بفرار أصلاً. ولما كان المعنى: فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام، ومن أحجم ذممته ولم ينفعه الإحجام، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله، والحامل على الإحجام إيثار الدنيا؛ عطف على ذلك قوله: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا﴾ أي بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب والفارون كفراً لنعمة الله ﴿نؤته منها﴾ أي ما أراد، وختام الآية يدل على أن التقدير هنا: وسنردي الكافرين ولكنه طواه رفقاً لهم ﴿ومن يرد ثواب الآخرة﴾ أي وهم الثابتون شكراً على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد، ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله تعالى علينا قال:

стр. 1921

﴿نؤته﴾ ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال: ﴿منها﴾ أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: ﴿وسنجزي الشاكرين *﴾ لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. ولما ذكر هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل، وأوضح بحال الزلل، وكان التقدير بعد انقضائها: فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد، فكانوا على هذين القسمين، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي، ولم يضرنا ذلك شيئاً، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله: ﴿وكأين﴾ وهي بمعنى كم، وفيها لغات كثيرة، قرىء منها في العشر بثنتين: الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه

стр. 1922

الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في ﴿كأين﴾ ، وقال سبحانه: ﴿من نبي﴾ لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله: ﴿قتل﴾ أي ذلك النبي حال كونه ﴿معه﴾ لكن الأرجح إسناد ﴿قتل﴾ إلى ﴿ربيون﴾ لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو -: قاتل معه ﴿ربيون﴾ أي علماؤهم ورثة الأنبياء، وعلى منهاجهم ﴿كثير فما﴾ أي فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة -: قتل الربيون، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم ﴿وهنوا﴾ أي ضعفوا عن عملهم ﴿لما أصابهم في سبيل الله﴾ أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله ﴿وما ضعفوا﴾ أي

стр. 1923

مطلقاً في العمل ولا في غيره ﴿وما استكانوا﴾ أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال: اذهبَوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، بل صبروا، فأحبهم الله لصبرهم ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب الصابرين *﴾ أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه. ولما أثنى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: ﴿وما كان﴾ أي شيء من القول ﴿قولهم﴾ أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم ﴿إلا أن قالوا﴾ أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا﴾ أي التي استوجبنا بها الخذلان ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾ هضماً لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله: ﴿أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ [آل عمران: ١٣٥] .

стр. 1924

ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: ﴿وثبت أقدامنا﴾ إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة - إنما تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، لا لحظ من حظوظ النفس أصلاً بقوله: ﴿وانصرنا على القوم الكافرين *﴾ .

стр. 1925

فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال ﴿فأتاهم الله﴾ المحيط علماً وقدرةً ﴿ثواب الدنيا﴾ أي بأن قبل دعاءهم بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر. ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوباً وبالبلاء مصحوباً، لأنها دار الأكدار؛ أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: ﴿وجسن ثواب الآخرة﴾ أي مجازاً بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا، وحقيقة في الآخرة، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله، فأحبهم

стр. 1926

لإحسانهم ﴿والله﴾ المحيط بصفات الكمال ﴿يحب المحسنين *﴾ كلهم، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: ﴿نؤته منها﴾ [آل عمران: ١٤٥] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة ﵃ على طريقة اللف والنشر المشوش، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ [آل عمران: ١٤٣] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم ﴿ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ [آل عمران: ١٣٥] وثبات الإقدام إشارة إلى ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ [آل عمران: ١٤٥] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، لأن علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل

стр. 1927

لا تنقص، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجاً زائداً لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عوداً واثبت عموداً وأربط جأشاً وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. ولما أمر بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلاً بالنداء في آية الربا: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿إن تطيعوا﴾ بخضوع واستئمان أو غيره ﴿الذين كفروا﴾ أي هذا الفريق منهم أو غيره ﴿يردوكم على أعاقبكم﴾ بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين

стр. 1928

﴿فتنقلبوا خاسرين *﴾ في جميع أموركم في الدارين، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب﴾ [آل عمران: ١٠٠] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق. ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقاً ما دمتم مؤمنين، عطف عليه قوله: ﴿بل الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿مولاكم﴾ مخبراً بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: ﴿وهو خير الناصرين *﴾ أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان فمنع غيره - كائناً من كان - من إذلاله ثم قرر ذلك بقوله محققاً للوعد: ﴿سنلقي﴾ أي بعظمتنا ﴿في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: ﴿بما أشركوا بالله﴾ أي ليعلموا

стр. 1929

قطعاً أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: ﴿ما لم ينزل﴾ أي في وقت من الأوقات ﴿به سلطاناً﴾ أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به سلطاناً فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: ﴿ومأواهم النار﴾ ثم هوّل أمرها بقوله: ﴿وبئس مثوى الظالمين *﴾ أي هي، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. ولما كانت السين في ﴿سنلقي﴾ مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ [آل عمران: ١٢٣] كما مضى -: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ أي في قوله ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذ تحسونهم﴾ أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم ﴿بإذنه﴾ فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون

стр. 1930

رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر: هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم طوراً يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم وقال يفاخر بقومه كلهم: إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: ﴿وتنازعتم﴾ أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من
следующие страницы →