← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

أبي وقاص وجماعة ﵃ كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيراً قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله ﷺ : كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم» حكاه البغوي عن الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال:» إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم «فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ » الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم، ليس غير. ولما عجب ﵊ منهم إنكاراً عليهم كان كأنه قال: فما أقول لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم

стр. 2207

بقوله: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ أي ولو فرض أنه مدّ في آجالكم إلى أن تملوا الحياة، فإن كل منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان منغصاً بالكدورات ﴿والآخرة خير لمن اتقى﴾ أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول ﴿ولا تظلمون فتيلاً *﴾ أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا أرزاقكم باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه من المشقة، لأنه حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، ولا يفعل شيئاً إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل.

стр. 2208

ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء،

стр. 2209

وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف فقال تعالى - مبكتاً من قال ذلك، مؤكداً بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير القتال، مجيباً بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول على سبيل التنزل -: ﴿أينما تكونوا﴾ أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم ﴿يدرككم الموت﴾ أي فإنه طالب، لا يفوته هارب ﴿ولو كنتم في بروج﴾ أي حصون برج داخل برج، أو كل واحد منكم في برج. ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في ﴿مشيّدة﴾ أي مطولة، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص، فلا خلل فيه أصلاً، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره.

стр. 2210

ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: ﴿ربنا لم كتبت﴾ [النساء: ٧٧] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول ﷺ الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: ﴿وإن﴾ أي قالوا ذلك والحال أنه إن ﴿تصبهم﴾ أي بعض المدعوّين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض ﴿حسنة﴾ أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان ﴿يقولوا هذه من عند الله﴾ أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت ﴿يقولوا هذه من عندك﴾ أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك. ولما كان هذا أمراً فادحاً، وللفؤاد محرقاً وقادحاً، سهل عليه بقوله: ﴿قل كل﴾ أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية ﴿من عند الله﴾ أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي ﷺ ،

стр. 2211

فقال النبي ﷺ كما في السيرة -: «بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً» . ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال منكراً عليهم: ﴿فما﴾ وحقرهم بقوله: ﴿لهؤلاء﴾ وكأنه قال: ﴿القوم﴾ الذي هو دال على القيام والكفاية، إما تهكماً بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان ﴿لا يكادون يفقهون﴾ لا يقربون من أن يفهموا ﴿حديثاً *﴾ أي يلقي إليهم أصلاً فهما جيداً. ولما أجابهم بما هو الحق إيجاداً علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال مستأنفاً: ﴿ما أصابك من حسنة﴾ اي نعمة دنيوية أو أخروية ﴿فمن الله﴾ أي إيجاداً وفضلاً، والإيمان أحسن الحسنات، قال الإمام: إنهم يقولون: إنهم اتفقوا على أن قوله ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ [فصلت: ٣٣] المراد به كلمة الشهادة ﴿وما أصابك﴾ وأنت خير الخلق ﴿من سيئة﴾ أي بلاء ﴿فمن نفسك﴾ أي بسببها فغيرك بطريق الأولى.

стр. 2212

ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته ﷺ إلا أن فعل كل خارق، وأخبر بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال مخبراً بما اختصه به عنهم: ﴿وأرسلناك﴾ أي مختصين لك بعظمتنا ﴿للناس﴾ أي كافة ﴿رسولاً﴾ أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه، وقد اجتهدت في البلاغ والنصيحة، ولم نجعلك إلهاً تأتي بما يطلب منك من خير وشر، فإن أنكروا رسالتك فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات ﴿وكفى بالله﴾ المحيط علماً وقدرة ﴿شهيداً *﴾ لك بالرسالة والبلاغ. ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته؛ قال مرغباً مرهباً على وجه عام يسكن قلبه، ويخفف من دوام عصيانهم له، دالاً على عصمته في جميع حركاته وسكناته: ﴿من يطع الرسول﴾ أي كما هو مقتضى حاله ﴿فقد أطاع الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفوء له، لأنه داع إليه، وهو لا ينطق عن الهوى، إنما يخبر بما يوحيه إليه ﴿ومن تولى﴾ أي عن طاعته. ولما كان التقدير: فإنما عصى الله. والله عالم به وقادر عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك!

стр. 2213

عبر عن ذلك كله بقوله: ﴿فما أرسلناك﴾ أي بعظمتنا ﴿عليهم حفيظاً﴾ إنما أرسلناك داعياً. ولما كان من شأن الرسول ﷺ أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله، وكان قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك، لكونه لا يحيط بذلك علماً وإن اجتهد؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكياً لبعض أقوالهم مبيناً لنفاقهم فيه وخداعهم ﴿ويقولون﴾ أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك ﴿طاعة﴾ أي كل طاعة منا لك دائماً، نحن ثابتون على ذلك، والتنكير للتعظيم بالتعميم ﴿فإذا برزوا﴾ أي خرجوا ﴿من عندك بيَّت طائفة﴾ هم في غاية التمرد ﴿منهم﴾ أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلاً ﴿غير الذي تقول﴾ أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالاً لتوالي الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد؛ وأظهر الباقون، والإدغام أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما

стр. 2214

فصح من محالهم. ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال: ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال ﴿يكتب ما يبيتون﴾ أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به عاداتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئاً. ولما تسبب عن ذلك كفايته ﷺ هذا المهم قال: ﴿فأعرض عنهم﴾ أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم ﴿وتوكل﴾ أي في شأنهم وغيره ﴿على الله﴾ أي الذي لا يخرج شيء عن مراده ﴿وكفى بالله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿وكيلاً *﴾ فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم.

стр. 2215

ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه ﷺ رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم

стр. 2216

إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعاني المعجز المباني، الفائت لقوى المخاليق، المظهر لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال دالاً على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه: ﴿أفلا يتدبرون﴾ أي يتأملون، يقال: تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته وآخر أمره ﴿القرآن﴾ أي الجامع لكل ما يراد علمه من تمييز الحق من الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: وهذا دليل على وجوب تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن النبي ﷺ ، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على النظر والاستدلال. ولما كان التقدير: فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه قوله: ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار ﴿لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً *﴾ أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستوٍ عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلوق عاجز عن

стр. 2217

التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح. ولما أمر بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحاً بالثاني وتلويحاً إلى الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه؛ ذكر أيضاً المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبيناً ما ان عليهم فقال: ﴿وإذا جاءهم﴾ أي هؤلاء المزلزلين ﴿أمر من الأمن﴾ من غير ثبت ﴿أو الخوف﴾ كذلك ﴿أذاعوا﴾ أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد ﴿به﴾ أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول الله ﷺ ، وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان: إن محمداً قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان

стр. 2218

وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي ﷺ : «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد» فاستجابوا حينئذ، وأكسبهم هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم الله ورسوله ﷺ إن صبروا واتقوا، فكذب ظنهم وصدق الله ورسوله، وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده بما يكذب من أخبارهم هذه التي يشيعونها ويختلف، وأن ما كان من غيره تعالى فمختلف - وإن تحرى فيه متشبه - وإن دل عقله وتناهي نبله إلا أن استند عقله إلى ما ورد عن العالم بالعواقب، المحيط بالكوائن على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وإلى أن القياس حجة. وأن تقليد القاصر للعالم واجب، وأن الاستنباط واجب على العلماء، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2219

رأس العلماء، وإلى ذلك يومي قوله تعالى: ﴿ولو ردوه﴾ أي ذلك الأمر الذي لا نص فيه من قبل أن يتكلموا به ﴿إلى الرسول﴾ أي نفسه إن كان موجوداً، وأخباره إن كان مفقوداً ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ أي المتأهلين لأن يأمروا وينهوا من الأمراء بالفعل أو بالقوة من العلماء وغيرهم ﴿لعلمه﴾ أي ذلك الأمر على حقيقته وهل هو مما يذاع أو لا ﴿الذين يستنبطونه﴾ أي يستخرجونه بفطنتهم وتجربتهم كما يستخرج الإنباط المياه ومنافع الأرض ﴿منهم﴾ أي من الرسول وأولي الأمر. ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول وورّاث علمه لاستبيحت بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين؛ عطف عليه قوله: ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب وتقويم العقول ﴿ورحمته﴾ بإرسال الرسول ﴿لاتبعتم الشيطان﴾ أي المطرود المحترق ﴿إلا قليلاً *﴾ أي منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله بما وهبهم من صحيح العقل من غير واسطة رسول؛ وهذه الآية من المواضع المستصعبة على الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من آتاه الله علماً بالمناسبات، وفهماً ثاقباً بالمراد بالسياقات، وفطنة بالأحوال والمقامات

стр. 2220

تقرب من الكشف، وذلك أن من المقرر أنه لا بد من مخالفة حكم المستثنى لحكم المستثنى منه وهو هنا من وجد عليهم الفضل والرحمة فاهتدوا ومخالفة المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد، إما بأن يعدموا الفضل فيتبعوه، ويلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي، وهو خلاف المشاهد؛ أو بأن يعدموه فلا يتبعوه، فيكونوا مهتدين من غير فضل؛ أو بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه، فيكونوا ضالين مع الفضل والرحمة اللذين كانا سبباً في امتناع الضلال عن المخاطبين. فيكونان تارة مانعين، وتارة غير مانعين، فلم يفيدا إذن مع أن أيضاً يلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد بالفضل الإرسال وضح المعنى ويكون التقدير: ولولا إرسال الرسول لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنهم لا يتبعونه من غير إرشاد الرسول، بل بهداية من الله وفضل بلا واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل؛ والدليل على هذا المقدر أن السياق لرد الأشياء كلها إلى الرسول ﷺ ، والمنع من الاستقلال بشيء دونه. ولما بين نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم

стр. 2221

وتنشيطهم لغيرهم، كان ذلك سبباً لأن يمضي ﷺ لأمره من غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا، فقال بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعاً، وبيان أن منهم المبطىء، مشيراً إلى أن الأمر باق وإن بطّأ الكل: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾ أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك. ولما كان كأنه قيل: فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا؟ قال - معلماً بأنه قد جعله أشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها، وهو مع تأييده بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد -: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ أي ليس عليك إثم أتباعك لو تخلفوا عنك، وقد أعاذهم الله من ذلك، ولا ضرر عليك في الدنيا أيضاً من تخليهم، فإن الله ناصرك وحده، وليس النصر إلا بيده ، وما كان ليأمره بشيء إلا وهو كفوء له، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم، ولقد عزم في غزوة بدر الموعد - التي قيل: إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى الكفار ولو لم يخرج معه أحد؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه:

стр. 2222

عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما. ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال: ﴿وحرض المؤمنين﴾ أي مرهم بالجهاد وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف دائماً. ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال: ﴿عسى الله﴾ أي الذي استجمع صفات الكمال ﴿أن يكف﴾ بما له من العظمة ﴿بأس الذين كفروا﴾ أي عن أن يمنعوك من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه، ولقد فعل ذلك، فصدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، حتى ظهر الدين، ولا يزال ظاهراً حتى يكون آخر ذلك على يد عيسى ﵊. ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك، قال ترغيباً وترهيباً واحتراساً: ﴿والله﴾ أي الذي لا مثل له ﴿أشد بأساً﴾ أي عذاباً وشدة من المقاتِلين والمقاتَلين ﴿وأشد تنكيلاً *﴾ أي تعذيباً بأعظم العذاب، ليكون ذلك مهلكاً للمعذب ومانعاً لغيره عن مثل فعله؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز: يقال: نكلته تنكيلاً - إذا عملت به عملاً يكون نكالاً لغيره، أي عبرة فيرجع عن المراد من

стр. 2223

أجله، وهو أن الناظر إليه والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله، أي فيكون له ذلك قيداً عن الإقدام؛ والنكل - بالكسر: القيد.

стр. 2224

ولما كان ذلك موجباً للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في الجهاد، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم، الحاملة للشفاعة فيهم، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من الأعذار الكاذبة، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم، أو في إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه العجز - وفي غير ذلك، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم، وكان البر ما سكن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والإنسان على نفسه بصيرة، وكانت البواطن لا يعلمها إلا الله ، وكان الإنسان ربما أظهر شراً في صورة خير؛ رغب في البر، وحذر من الإثم بقوله - معمماً مستأنفاً في جواب من كأنه قال:

стр. 2225

أما تقبل فيهم شفاعة -: ﴿من يشفع﴾ أي يوجد ويجدد، كائناً من كان، في أي وقت كان ﴿شفاعة حسنة﴾ أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل إليه خيراً، أو يدفع عنه ضيراً ﴿يكن له نصيب منها﴾ بأجر تسببه في الخير ﴿ومن يشفع﴾ كائناً من كان، في أي زمان كان ﴿شفاعة سيئة﴾ أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز، والتسبب في إعلائه وجبر دائه؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصلح، فقال - معبراً بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظاً في الزجر -: ﴿يكن له كفل منها﴾ وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي «من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» حَسُنَ اقترانهما جداً، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له

стр. 2226

من إسعاد وإبعاد؛ قال أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر - بالكسر: الضعف والنصيب والحظ، ومادة «نصب» يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضاً الحد والغاية والجد الوقوف؛ ومادة «كفل» تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١ والتوبة: ٣٤ والانشقاق: ٢٤] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ذلك زاجراً عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي السيئة بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه

стр. 2227

تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ عبر بالكفل فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد: ٢٨] إلى آخرها. ولما كان النصيب مبهماً بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور الشافعين، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله علماً وقدرة؛ قال تعالى مرغباً ومرهباً: ﴿وكان الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿على كل شيء﴾ من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة ﴿مقيتاً *﴾ أي حفيظاً وشهيداً وقديراً على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر. ولما كان ذلك موجباً للإعراض عنهم رأساً ومنابذتهم قولاً وفعلاً، وبين أن التحية ليست من وادي الشفاعة، وأن الشفاعة تابعة للعمل، والتحية تابعة للظاهر، فقال عاطفاً

стр. 2228

على ما تقديره: فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم، فقال معبراً بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكاً، وفي حكم الملوك، يحبون ويشفع عندهم، وحثاً على التواضع: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة، وأصل التحية الملك، واشتقاقها من الحياة، فكأن حياة الملك هي الحياة وما عداها عدم ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به عند اللقاء؛ وقال الأصبهاني: لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ كأن تزيدوا عليها ﴿أو ردوها﴾ أي من غير زيادة ولا نقص، وذلك دال على وجوب رد السلام - من الأمر، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك، وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام؛ قال الأصبهاني: والمبتدىء يقول: السلام عليكم، والمجيب يقول: وعليكم السلام، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله . وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف

стр. 2229

والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨] ، وإما غيره ومن أعظمه القول، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية، قال ﵊ فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة ﵁ «والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل. ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض، ومقصد السورة التواصل، فشأنها أهم والنظر إليها آكد، ثم رغب في الإحسان في الرد، ورهب من تركه بقوله معللاً: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة ﴿كان﴾ أي أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء حسيباً *﴾ أي محصياً لجميع المتعددات دقيقها وجليلها، كافياً لها في أقواتها ومثوباتها، محاسباً بها، مجازياً عليها، وذلك كله شأن المقيت؛ ثم علل ذلك بقوله دالاً على تلازم التوحيد والعدل: ﴿الله﴾ أي الذي لا مثل له ﴿لا إله إلا هو﴾ أي وقد أمركم بالعدل في الشفاعة والسلام، فإن لم تفعلوه - لما لكم من النقائص

стр. 2230

التي منها عدم الوحدانية - فهو فاعله ولا بد فاحذروه لأنه واحد فلا معارض له في شيء من الحساب ولا غيره، ولا يخفى عليه شيء فالحكم على البواطن إنما هو له تعالى، وأما أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر. ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله مبيناَ لوقت الحساب الأعظم: ﴿ليجمعنكم﴾ وأكده باللام والنون دلالة على تقدير القسم لإنكار المنكرين له، ولما كان التدريج بالإماتة شيئاً فشيئاً، عبر بحرف الغاية فقال: ﴿إلى يوم القيامة﴾ والهاء للمبالغة، ثم آكده بقوله: ﴿لا ريب فيه﴾ أي فيفصل بينكم وبين من أخبركم بهم من المنافقين ونقد أحوالهم وبين محالهم، فيجازي كلاً بما يستحق. ولما كان التقدير: فمن أعظم من الله قدرة! عطف عليه قوله: ﴿ومن أصدق من الله﴾ أي الذي له الكمال كله فلا شوب نقص يلحقه ﴿حديثاً﴾ وهو قد وعد بذلك لأنه عين الحكمة، وأقسم عليه، فلا بد من وقوعه، وإذ قد تحرر بما مضى أن المنافقين كفرة، لا لبس في أمرهم، وكشف الحكم في باطن أمرهم بالشفاعة وظاهره بالتحية، وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه حكمته من الجمع ليوم الفصل للحكم بالعدل، وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ذلك صدق؛ كان ذلك سبباً لجزم القول بشقاوتهم والإعراض

стр. 2231

عنهم والبعد عن الشفاعة فيهم، والإجماع على ذلك من كل مؤمن وإن كان مبنى السورة على التواصل، لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي إلى مقاطعة أمر الله، فقال تعالى مبكتاً لمن توقف عن الجزم بإبعادهم: ﴿فما لكم﴾ أيها المؤمنون ﴿في المنافقين﴾ أي أيّ شيء لكم من أمور الدنيا أو الآخرة في افتراقكم فيهم ﴿فئتين﴾ بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق بهم. ولما كان هذا ظاهراً في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله؛ ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿أركسهم﴾ أي ردهم منكوسين مقلوبين ﴿بما كسبوا﴾ أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم، فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان؛ وفي عزوة أحد والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «لما خرج النبي ﷺ إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين﴾ - الآية، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب وفي رواية: - كما تنفي النار خبث الفضة» انتهى. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه الآيات.

стр. 2232

ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر ذلك عليهم صريحاً لبت الأمر في كفرهم فقال ﴿أتريدون﴾ أي أيها المؤمنون ﴿أن تهدوا﴾ أي توجدوا الهداية في قلب ﴿من أضل الله﴾ أي وهو الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: ﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يضلل الله﴾ أي بمجامع أسمائه وصفاته ﴿فلن تجد﴾ أي أصلاً أيها المخاطب كائناً من كان ﴿له سبيلاً *﴾ أي إلى ما أضله عنه أصلاً، والمعنى: إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلاً للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته ديناً، وقتله قربة، والإغلاظ واجباً.

стр. 2233

ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال: ﴿ودّوا﴾ أي أحبوا وتمنوا تمنياً واسعاً ﴿لو تكفرون﴾ أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً ﴿كما كفروا﴾ ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم مساوين لهم تلازم، عطف على الفعل المودود - ولم يسبب - قوله: ﴿فتكونون﴾ أي وودوا

стр. 2234

أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم ﴿سواء﴾ أي في الضلال، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد. ولما أخبر بهذه الودادة، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا، بياناً لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال: ﴿فلا تتخذوا﴾ أي أيها المؤمنون ﴿منهم أولياء﴾ أي أقرباء منكم ﴿حتى يهاجروا﴾ أي يوقعوا المهاجرة ﴿في سبيل الله﴾ أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا شبه له، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها، وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم، والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه.

стр. 2235

ولما نهى عن موالاتهم وغيّي النهي بالهجرة، سبب عنه قوله: ﴿فإن تولوا﴾ أي عن الهجرة المذكورة ﴿فخذوهم﴾ أي اقهروهم بالأسر وغيره ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفاً قال: ﴿ولا تتخذوا﴾ أي تتكلفوا أن تأخذوا ﴿منهم ولياً﴾ أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي ﴿ولا نصيراً﴾ على أحد من أعدائكم، بل جانبوهم مجانبة كلية. ولما كان قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى منه فقال: ﴿إلا الذين يصلون﴾ فراراً منكم، وهم من الكفار عند الجمهور ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم ﴿أو﴾ الذين ﴿جاءوكم﴾ حال كونهم ﴿حصرت﴾ أي ضاقت وهابت وأحجمت ﴿صدورهم أن﴾ أي عن أن ﴿يقاتلوكم﴾ أي لأجل دينهم وقومهم ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ أي لأجلكم فراراً أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، لأنهم كالمسالمين بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في «جاء»

стр. 2236

إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم. ولما كان التقدير: فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً واحداً عليكم، عطف عليه قوله: ﴿ولو﴾ أي يكون المعنى: والحال أنه لو ﴿شاء الله﴾ أي وهو المتصف بكل كمال ﴿لسلطهم﴾ أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار ﴿عليكم﴾ ينوع من أنواع التسليط، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد، لأن بهم قوة على قتالكم ﴿فلقاتلوكم﴾ أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللام فيه جواب «لو» على التكرير، أو البدل من سلط. ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله: ﴿فإن اعتزلوكم﴾ أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم ﴿فلم يقاتلوكم﴾ منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أي الانقياد ﴿فما جعل الله﴾ أي الذي

стр. 2237

لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات ﴿لكم عليهم سبيلاً *﴾ أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم. ولما كان كأنه قيل: هل بقي من أقسام المنافقين شيء؟ قيل: نعم! ﴿ستجدون﴾ أي عن قرب بوعد لا شك فيه ﴿آخرين﴾ أي من المنافقين ﴿يريدون أن يأمنوكم﴾ أي فلا يحصل لكم منهم ضرر ﴿ويأمنوا قومهم﴾ كذلك، لضعفهم عن كل منكم. فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم، ولهم الكفر إذا لقوهم، وهو معنى ﴿كلما ردوا إلى الفتنة﴾ أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة ﴿أركسوا﴾ أي قلبوا منكوسين ﴿فيها﴾ . ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ، وطوى ما صرح به، ثم قال: ﴿فإن لم يعتزلوكم﴾ ولما كان الاعتزال خضوعاً لا كبراً، صرح به في قوله: ﴿ويلقوا إليكم السلم﴾ أي الانقياد. ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال: ﴿ويكفوا أيديهم﴾ أي عن قتالكم وأذاكم ﴿فخذوهم﴾ أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه ﴿واقتلوهم﴾ .

стр. 2238

ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة، وأخلاقهم في نهاية الدناءة، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال: ﴿حيث ثقفتموهم﴾ فإن معناه: صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم، حاذقون في قتالهم، فطنون به، خفيفون فيه، فإن الثقف: الحاذق الخفيف الفطن، ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال: ﴿وأولئكم﴾ أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير ﴿جعلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿لكم عليهم سلطاناً﴾ أي تسلطاً ﴿مبيناًَ *﴾ أي ظاهراً قوته وتسلطه. وهذه الآيات منسوخة بآية براءة، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك. ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم، وختم بالتسلط عليهم، وكان ربما قتل من لا يستحق القتل بسبب الإلباس؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل: ﴿وما كان لمؤمن﴾ أي يحرم عليه ﴿أن يقتل مؤمناً﴾ أي في حال من الحالات ﴿إلا خطأ﴾ أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل، أو لا يقصد الشخص، أو يقصده

стр. 2239

بما لا يقصد به زهوق الروح، أو لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم، أو بأن يكون غير مكلف، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه «فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له! فقال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً﴾ صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، ولعله عبَّر بالوصف تنبيهاً على أنه إن لم يكن كذلك في نفس الأمر لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر ﴿خطأ﴾ . ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة، فكان لذلك يظن أنه لا شيء على المخطىء؛ بين أن الأمر في القتل ليس كذلك حفظاً للنفوس، لأن الأمر فيها خطر جداً، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل -: ﴿فتحرير﴾ أي فالواجب عليه تحرير ﴿رقبة﴾ أي نفس، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها

стр. 2240

كاملة الرق ﴿مؤمنة﴾ ولو ببيع الدار أو البساتين، سليمة عما يخل بالعمل، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ ﴿ودية مسلّمة﴾ أي مؤداة بيسر وسهولة ﴿إلى أهله﴾ أي ورثته يقتسمونها كما يقسم الميراث ﴿إلا أن يصدّقوا﴾ أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية، فلا شيء عليه حينئذ، وعبر بالصدقة ترغيباً ﴿فإن كان﴾ أي المقتول ﴿من قوم﴾ أي فيهم منعة ﴿عدو لكم﴾ أي محاربين ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿مؤمن فتحرير﴾ أي فالواجب على القاتل تحرير ﴿رقبة مؤمنة﴾ وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم قال: ﴿من﴾ ومعناه - كما قال الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما -: في ﴿وإن كان﴾ أي المقتول ﴿من قوم﴾ أي كفرة أيضاً عدو لكم ﴿بينكم وبينهم ميثاق﴾ وهو كافر مثلهم ﴿فدية﴾ أي فالواجب فيه كالواجب

стр. 2241

في المؤمن المذكور قبله دية ﴿مسلّمة إلى أهله﴾ على حسب دينه، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها ﴿وتحرير رقبة مؤمنة﴾ وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظاً للعهد، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً على الوفاء به، لأنه أمانة لا طالب له إلا الله؛ وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى. وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر ﴿فمن لم يجد﴾ أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها ﴿فصيام﴾ أي فالواجب عليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ حتى لو أفطر يوماً واحداً بغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ذنباً تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط: ﴿توبة﴾ أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته. ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها بختم الآية بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال

стр. 2242

﴿عليماً﴾ أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر ﴿حكيماً *﴾ في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.

стр. 2243

ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: ﴿ومن يقتل مؤمناً﴾ ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفراً، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم ﴿متعمّداً﴾ أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره ﴿فجزاؤه﴾ أي على ذلك ﴿جهنم﴾ أي تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم المقتول

стр. 2244

﴿خالداَ فيها﴾ أي ماكثاً إلى ما لا آخر له ﴿وغضب الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك ﴿عليه ولعنه﴾ أي وأبعده من رحمته ﴿وأعد له عذاباً عظيماً *﴾ أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية. ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ مشيراً بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى ﴿وحرض المؤمنين﴾ [النساء: ٨٤] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2245

وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة «إذا» في قوله تعالى: ﴿إذا ضربتم﴾ أي سافرتم وسرتم في الأرض ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه خالصاً ﴿فتبينوا﴾ أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم ﴿ولا تقولوا﴾ قولاً فضلاً عما هو أعلى منه ﴿لمن ألقى﴾ أي كائناً من كان ﴿إليكم السلام﴾ أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده ﴿لست مؤمناً﴾ أي بل متعوذ - لتقتلوه. ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل «تقولوا» ﴿تبتغون﴾ أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً بقتله ﴿عرض الحياة الدنيا﴾ أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: « ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ قال:
следующие страницы →