Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
في المؤمن المذكور قبله دية ﴿مسلّمة إلى أهله﴾ على حسب دينه، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها ﴿وتحرير رقبة مؤمنة﴾ وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظاً للعهد، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً على الوفاء به، لأنه أمانة لا طالب له إلا الله؛ وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى.
وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر ﴿فمن لم يجد﴾ أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها ﴿فصيام﴾ أي فالواجب عليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ حتى لو أفطر يوماً واحداً بغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ذنباً تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط: ﴿توبة﴾ أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته.
ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها بختم الآية بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال
стр. 2242
﴿عليماً﴾ أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر ﴿حكيماً *﴾ في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.
стр. 2243
ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: ﴿ومن يقتل مؤمناً﴾ ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفراً، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم ﴿متعمّداً﴾ أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره ﴿فجزاؤه﴾ أي على ذلك ﴿جهنم﴾ أي تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم المقتول
стр. 2244
﴿خالداَ فيها﴾ أي ماكثاً إلى ما لا آخر له ﴿وغضب الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك ﴿عليه ولعنه﴾ أي وأبعده من رحمته ﴿وأعد له عذاباً عظيماً *﴾ أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية.
ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ مشيراً بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى ﴿وحرض المؤمنين﴾ [النساء: ٨٤] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2245
وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة «إذا» في قوله تعالى: ﴿إذا ضربتم﴾ أي سافرتم وسرتم في الأرض ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه خالصاً ﴿فتبينوا﴾ أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم ﴿ولا تقولوا﴾ قولاً فضلاً عما هو أعلى منه ﴿لمن ألقى﴾ أي كائناً من كان ﴿إليكم السلام﴾ أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده ﴿لست مؤمناً﴾ أي بل متعوذ - لتقتلوه.
ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل «تقولوا» ﴿تبتغون﴾ أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً بقتله ﴿عرض الحياة الدنيا﴾ أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
« ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ قال:
стр. 2246
كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم: فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله ﴿عرض الحياة الدنيا﴾ » ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين، ﴿فمنَّ الله عليكم﴾ وأظهر الإسلام ﴿فتبينوا﴾ ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله: ﴿فعند الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿مغانم كثيرة﴾ أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها؛ ثم علل النهي من أصله بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم إياه بعيداً عن الإسلام ﴿كنتم﴾ وبعّض زمان القتل - كما هو الواقع - بقوله: ﴿من قبل﴾ أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام ﴿فمنّ الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿عليكم﴾ أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالاً لأمره بذلك، فقوى أمر الإيمان في قلوبكم قليلاً قليلاً
стр. 2247
حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيداً لما مضى إعلاماً بفظاعة أمر القتل: ﴿فتبينوا﴾ أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغباً مرهباً: ﴿إن الله﴾ أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة ﴿كان بما تعملون خبيراً *﴾ أي يعلم ما أقدمتم عليه عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم.
ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد، والتفتت إلى ﴿وحرض المؤمنين﴾ [النساء: ٨٤] وإلى آية التحية، فاشتد اعتناقها لهما، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر، فكان ربما فتر عنه؛ بين فضله لمن كأنه قال: فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم، بقوله: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ أي عن الجهاد حال كونهم ﴿من المؤمنين﴾ أي الغريقين في الإيمان، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد.
ولما كان من الناس من عذره برحمته استثناهم،
стр. 2248
فقال واصفاً للقاعدين أو مستثنياً منهم: ﴿غير أولي الضرر﴾ أي المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه، وبهذا بان أن الكلام في المهاجرين؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه
«أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليّ فقال: يا رسول الله! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى؛ فأنزل الله ع وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سرى عنه فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾ » وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: «لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون﴾ - الآية، قال النبي ﷺ : ادع لي زيداً وليجىء باللوح والدواة والكتف؛ ثم قال: اكتب - فذكره» وحديث زيد أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي داود: قال: «كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت شيئاً أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ، ثم سرى عنه فقال لي: اكتب،
стр. 2249
فكتبت في كتف ﴿لا يستوي القاعدون﴾ إلى آخرها؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله ﷺ ! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، فسرى عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد! فقرأت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ فقال رسول الله ﷺ ﴿غير أولي الضرر﴾ - الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف» ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه: «إن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله » .
ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله: ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ ولما كان نفي المساواة سبباً لترقب كل من الحزبين الأفضليبة، لأن القاعد وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله، إذ يحيي الدين بالاشتغال بالعلم ونحوه؛ قال
стр. 2250
متسأنفاً: ﴿فضل الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿المجاهدين﴾ ولما كان المال في أول الأمر ضيقاً قال مقدماً للمال: ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ أي جهاداً كائناً بالفعل ﴿على القاعدين﴾ أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة ﴿درجة﴾ أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم بغيرها، وفي البخاري في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
«لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر» .
ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: ﴿وكلاً﴾ أي من الصنفين ﴿وعد الله﴾ أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم ﴿الحسنى﴾ بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما القاعد عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه، فقال: ﴿وفضل الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه ﴿المجاهدين﴾ أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال ﴿على القاعدين﴾ أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة ﴿أجراً عظيماً *﴾ ثم بينه بقوله: ﴿درجات﴾
стр. 2251
وعظمها بقوله: ﴿منه﴾ وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل.
ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: ﴿ومغفرة﴾ أي محواً لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها ﴿ورحمة﴾ أي كرامة ورفعة ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿غفوراً رحيماً *﴾ أزلاً وأبداً، لم يتجدد له ما لم يكن؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ أي تقبض أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه حذف التاء، وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر جُبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها ﴿قالوا﴾ أي الملائكة موبخين لهم ﴿فيم كنتم﴾ أي في أي شيء من الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب.
ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة
стр. 2252
﴿قالوا﴾ معتذرين ﴿كنا مستضعفين في الأرض﴾ أي أرض الكفار، لا نتمكن من إقامة الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها، فكأنه قيل: هل قنع منهم بذك؟ فقيل: لا، لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال: فما قيل لهم؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ أي الملائكة بياناً لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم ﴿ألم تكن أرض الله﴾ أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء ﴿واسعة فتهاجروا﴾ أي بسبب اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين ﴿فيها﴾ أي إلى حيث يزول عنكم المانع، فالآية من الاحتباك: ذكر الجهاد أولاً في ﴿وفضل الله المجاهدين﴾ [النساء: ٩٥] دليل عى حذفه ثانياً بعد ﴿ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧] ، وذكر الهجرة ثانياً دليل على حذفها أولاً بالقعود عنها، ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى.
ولما وبخوا على تركهم الهجرة، سبب عنه جزاؤهم فقيل: ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من اجتهادهم لأنفسهم ﴿مأواهم جهنم﴾ أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار وانبساطهم في
стр. 2253
وجوه أهل الناس ﴿وساءت مصيراً *﴾ روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله ﷺ ، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى ﴿إن الذين توافاهم﴾ [النساء: ٩٧] .
стр. 2254
ولما توعد على ترك الهجرة، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفاً بذكر من لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيهاً على أنهم جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم، فقال بياناً لأن المستثنى منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف: ﴿إلا المستضعفين﴾ أي الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعُدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ ثم بين ضعفهم بقوله: ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ أي في إيقاع الهجرة ﴿ولا يهتدون سبيلاً *﴾ أي إلى ذلك.
ولما كانت الهجرة شديدة، وكان ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف، وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس بقادر؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: ﴿فأولئك﴾ ولما كان الله أن يفعل ما يشاء، لا يجب عليه شيء
стр. 2255
ولا يقبح منه شيء، بل له أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ويفعل ويقول ما يشاء ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء إيذاناً بأن ترك الهجرة في غاية الخطر فقال: ﴿عسى الله﴾ أي المرجو والخليق والجدير من الملك المحيط بأوصاف الكمال ﴿أن يعفو عنهم﴾ أي ولو آخذهم لكان له ذلك، وكل ما جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى، وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن عسى من الله واجبة، معناه أنه مع أن له أن يفعل ما يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل السليم ﴿وكان الله﴾ أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلاً وأبداً ﴿عفواً﴾ أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه ﴿غفوراً *﴾ أي يزيل أثره أصلاً ورأساً بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون بحيث يذكر أصلاً، ولعل العفو راجع إلى الرجال، والغفران إلى النساء والولدان.
ولما رهب من ترك الهجرة، رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان من أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة، وأنه ربما تجشم المشقة فاخترم قبل بلوغ القصد، فقال تعالى: ﴿ومن يهاجر﴾ أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله ورسوله ﷺ بهجرته ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي لا أعظم من
стр. 2256
ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع ﴿يجد في الأرض﴾ أي في ذات الطول والعرض ﴿مراغماً﴾ أي مهرباً ومذهباً ومضطرباً يكون موضعاً للمراغمة، يغضب الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال، فيخجل مما جروه من سوء معاملتهم له؛ من الرغم وهو الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، تقول: راغمت فلاناً، أي هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك.
ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحداً فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة، وصف بما يقتضي العدد فقال ﴿كثيراً﴾ .
ولما كانت المراغمة لذة الروح، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها؛ أتبعها قوله: ﴿وسعة﴾ أي في الرزق، كما قال ﷺ «صوموا تصحوا وسافروا تغنموا» أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ﵁ ولفظه «واغزوا، وهاجروا تفلحوا» .
ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي ﷺ فظن أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال: ﴿ومن يخرج من بيته﴾ أي فضلاً عن بلده ﴿مهاجراً إلى الله﴾ أي رضى الملك
стр. 2257
الذي له الكمال كله ﴿ورسوله﴾ أي ليكون عنده ﴿ثم يدركه الموت﴾ أي بعد خروجه من بيته ولو قبل الفصول من بلده ﴿فقد وقع أجره﴾ أي في هجرته بحسب الوعد فضلاً، لا بحسب الاستحقاق عدلاً ﴿على الله﴾ أي الذي له تمام الإحاطة فلا ينقصه شيء، وكذا كل من نوى خيراً ولم يدركه «لا حسد إلا في اثنتين» فهو موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريم منكم.
ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبُر تقصيره قال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿غفوراً﴾ أي لتقصير إن كان ﴿رحيماً *﴾ يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات.
ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة، وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء؛ ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله : ﴿وإذا ضربتم﴾ أي بالسفر ﴿في الأرض﴾ أيّ سفر كان لغير معصية. ولما كان القصر رخصة غير عزيمة، بينه بقوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾ أي إثم وميل في ﴿أن تقصروا﴾ ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: ﴿من
стр. 2258
الصلاة﴾ أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلاً في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له: كيف تقصر وقد أمنا -: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك -، فقال رسول الله ﷺ «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه «من» ، وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما، فهذا سر قوله: ﴿وإن خفتم أن يفتنكم﴾ أي يخالطم مخالطة مزعجة ﴿الذين كفروا﴾ لا أنه شرط في القصر، كما بينت نفي شرطيته السنة، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة؛
стр. 2259
روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
«فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» .
ولما ذكر الخوف منهم، علله مشيراً بالإظهار موضع الإضمار، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما، أعرق فيه، أو إلى أن المجبول على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال: ﴿إن الكافرين﴾ أي الراسخين منهم في الكفر ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً. ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله: ﴿لكم﴾ دون عليكم ﴿عدواً﴾ ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال: ﴿مبيناً﴾ أي ظاهر العداوة، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلاً، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها، ولولا أنها لا رخصة فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت من الوقت وغيره.
стр. 2260
ولما أتم بيان القصر في الكمية مقروناً بالخوف لما ذكر، وكان حضور النبي ﷺ مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد العصمة من الناس، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من الأمور القاضية بأن له العاقبة؛ بيَّن حال الصلاة في الكيفية عند الخوف، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش بغيبته ﷺ ، فجوازها لقوم ليس هو ﷺ فيهم مفهوم موافقة، فقال : ﴿وإذا كنت﴾ حال الخوف الذي تقدم فرضه ﴿فيهم﴾ أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر ﴿فأقمت﴾ أي ابتدأت وأوجدت ﴿لهم الصلاة﴾ أي الكاملة وهي المفروضة ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو ﴿وليأخذوا﴾ أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر ﴿أسلحتهم﴾ كما يأخذها من هو خارج الصلاة، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه «أنهم غزوا مع النبي ﷺ فقاتلوا قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم،
стр. 2261
فأخبر جبرئيل ﵊ رسول الله ﷺ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ ، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة» الحديث ﴿فإذا سجدوا﴾ يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره، فيكون الضمير في ﴿فليكونوا﴾ للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار في قوله ﴿وإذا كنت فيهم﴾ وفي ﴿فلتقم طائفة منهم﴾ أي فإذا سجد الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم ﴿من ورائكم﴾ فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ أي من الجماعة ﴿لم يصلوا فليصلوا معك﴾ كما صلت الطائفة الأولى، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم صلاتها، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل، فكأنه قال: فإذا صلوا، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه، والضمير حينئذ
стр. 2262
في «فليكونوا» للطائفة الساجدة، وقوله: ﴿وليأخذوا﴾ يمكن أن يكون ضميره للكل، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون ﴿حذرهم وأسلحتهم﴾ في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها فجعل الحذر الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو وخص آخر الصلاة بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر، فلهذا خص بمزيد الحذر، وهذا الكلام على وجازته محتمل - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما واراه السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال ﴿ولم يصلوا﴾ اي بقيد المتابعة له فيها - والله الهادي.
وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ [النساء: ٧١] فهو من رد المقطع على المطلع، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقوياً لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب
стр. 2263
عليهم: ﴿ودَّ﴾ أي تمنى تمنياً عظيماً ﴿الذين كفروا﴾ أي باشروا الكفر وقتاً ما، فكيف بمن هو غريق فيه ﴿لو تغفلون﴾ أي تقع لكم غفلة في وقت ما ﴿عن أسلحتكم﴾ .
ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال: ﴿وأمتعتكم﴾ ولما كانت الغفلة ضعفاً ظاهراً، تسبب عنها قوله: ﴿فيميلون﴾ وأشار إلى العلو والغلبة بقوله: ﴿عليكم﴾ وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله: ﴿ميلة﴾ وأكده بقوله: ﴿واحدة﴾ .
ولما كان الله - وله المنّ - قد رفع عن هذه الأمة الحرج، وكان المطر والمرض شاقين قال: ﴿ولا جناح﴾ أي حرج ﴿عليكم إن كان بكم أذى﴾ أي وإن كان يسيراً ﴿من مطر﴾ أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سبباً لبلّه ﴿أو كنتم مرضى﴾ أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص ﴿أن تضعوا أسلحتكم﴾ أي لأن حملها يزيد المريض وهنا.
ولما خفف ما أوجبه أولاً من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر، فكان التقدير: فضعوه إن شئتم؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله: ﴿وخذوا حذركم﴾ أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعاً للمؤمنين، وإعلاماً بأن الأمر بالحزم إنما هو
стр. 2264
للجري على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب، فهو من باب «اعقلها وتوكل» فقال: ﴿إن الله﴾ المحيط علماً وقدرة ﴿أعدَّ﴾ أي في الأزل ﴿للكافرين﴾ أي الدائمين على الكفر، لا من اتصف به وقتاً ما وتاب منه ﴿عذاباً مهيناً *﴾ أي يهينهم به، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدماً، ولا تمكنهم معه منكم فرصة.
стр. 2265
ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر، فقال مشيراً إلى تعقيبه به: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها ﴿فاذكروا الله﴾ أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى ﴿قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾ أي في كل حالة، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن.
ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد، وحارس من شياطين الإنس والجن، ومسكن للقلوب ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ؛ أشار
стр. 2266
إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال الطمأنينة، تنبيهاً على عظم قدرها، وبياناً لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس، لأنها مشتملة على مجامع الذكر ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٨] فقال: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ أي عما كنتم فيه من الخوف ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق سفراً أو حضراً بقوله: ﴿إن الصلاة﴾ مظهراً لما كان الأصل فيه الإضمار تنيبهاً على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده ﴿كانت على المؤمنين كتاباً﴾ أي هي - مع كونها فرضاً - جامعة على الله جمعاً لا يقارنها فيه غيره ﴿موقوتاً *﴾ أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من الأرزاق. وللقلوب بما تجلب من المعارف والأنوار.
ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر،
стр. 2267
وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه، عاطفاً على نحو: فافعلوا ما أمرتكم به، أو على ﴿فأقيموا الصلاة﴾ : ﴿ولا تهنوا﴾ أي تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا صلا، فقد يسرت ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن شيء من أمر الجهاد ﴿في ابتغاء القوم﴾ أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن تكونوا تألمون﴾ أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل وما دونه ﴿فإنهم يألمون كما تألمون﴾ أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم.
ولما بين ما يكون مانعاً لهم من الوهن دونهم، لأنه مشترك بينهم؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال: ﴿وترجون﴾ أي أنتم ﴿من الله﴾ أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿ما لا يرجون﴾ أي من النصر والعزم والكرم واللطف، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد الكفار أو لا.
стр. 2268
ولما كان العلم مبنى كل خير، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى؛ ﴿وكان الله﴾ أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء ﴿عليماً﴾ أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا ﴿حكيماً﴾ فهو يتقن لمن يأمره الأحوال، ويسدده في المقال والفعال، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج السعادة، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه ومعاده.
ولما كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيباً من الكتاب في ضلالهم وإضلالهم، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت، ثم التعجيب من حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة، ثم رضي بحكم غيره، وساق أصول ذلك وفروعه، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين، وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة والسيف، وسوّر ذلك بصفتي العلم والحكمة؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه أنزل هذا الكتاب بالحق وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام غيره فقال: ﴿إنا أنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل عظمة ﴿إليك﴾ أي خاصة وأنت أكمل الخلق ﴿الكتاب﴾ أي الكامل الجامع لكل خير ﴿بالحق﴾ أي ملتبساً بما يطابقه الواقع
стр. 2269
﴿لتحكم بين الناس﴾ أي عامة، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك وابتغى خيراً من غير كتابك، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله: ﴿بما أراك الله﴾ أي عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل، فإن كان قد بين لك شيئاً غاية البيان فافعله، وإلا فانتظر منه البيان؛ ثم شرع في إتمام ما بقي من أخبارهم، وكشف ما بطن من أسرارهم، وبيان علاماتهم ليعرفوا، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم.
ولما كان قد خفف عليه ﷺ بأن شرع له القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن سرائرهم بالدفع عن طعمة بن أبيرق، لأن أمره كان مشكلاً، فإنه سرق درعاً وأودعها عند يهودي، فوجدت عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله الآية، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما يريده في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما لا يعلمه إلا الله إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله تعالى
стр. 2270
في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر ﵊ نبي، وكان نبينا ﷺ قد أعطى مثل جميع معجزات الأنيباء صلوات الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم والبركات، فقال تعالى عاطفاً على ما علم تقديره من نحو: فاحكم بما نريك من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب: ﴿ولا تكن للخائنين﴾ أي لأجلهم، من طعمة وغيره ﴿خصيماً *﴾ أي مخاصماً لمن يخاصمهم، وأتبع ذلك قوله: ﴿واستغفر الله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة والغنى المطلق ﴿كان﴾ أي أزلاً وأبداً ﴿غفوراً رحيماً *﴾ وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك، معصوم منه، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى ﴿فقل ضل ضلالاً بعيداً﴾ من وجه مستقص مبين بياناً شافياً وسمى بني أبيرق بشراً وبشيراً ومبشراً، ولم يذكر طعمة - والله
стр. 2271
سبحانه وتعالى أعلم، قال: عن قتادة بن النعمان قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، فكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح درع وسيف، فعدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق
стр. 2272
استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -؛ والله ما نرى صابحكم إلا لبيد بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق! فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقةَ! قالوا: إليك عنا أيها الرجل! فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له! قال قتادة: فأتيته، فقال النبي ﷺ : سآمر في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال
стр. 2273
قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال: فقال لي عمي: يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بام قال لي رسول الله ﷺ فقال: الله المستعان! فلم يلبث أن نزل القرآن ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ إلى ﴿خصيماً﴾ بني أبيرق، ﴿واستغفر الله﴾ مما قلت لقتادة، ﴿إن الله كان غفوراً رحيماًْ﴾ إلى قوله: ﴿فسوق نؤتيه أجراً عظيماً﴾ ؛ فلا نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ إلى قوله: ﴿ضلالاً بعيداً﴾ » وروى الحديث ابن إسحاق في السيرة وزاد: إن حساناً قال في نزوله عندها أبياتاً فطردته، فلحق بالطائف فدخل بيتاً ليسرق منه، فوقع عليه فمات، فقالت قريش: والله ما يفارق محمداً من أصحابه أحد فيه خير.
стр. 2274
ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن، وهو من وقعت منه خيانة ما؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال : ﴿ولا تجادل﴾ أي في وقت ما ﴿عن الذين يختانون﴾ أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا ﴿أنفسهم﴾ بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة، فإنه يعزم عليها أولاً ثم يفعلها، فأدنى لذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جداً، وذلك أنه عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في الظاهر، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم أشار إلى أن من خان غيره كان مبالغاً في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام ﴿لا يحب﴾ أي لا يكرم ﴿من كان
стр. 2275
خواناً أثيماً﴾ بصيغتي المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم ذلك، لأن فيه دفعاً للضر عن البريء وجلباً للنفع إليه؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة الجدوى، فقال معجباً منهم بما هو كالتعليل لما قبله: ﴿يستخفون﴾ أي هؤلاء الخونة: طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره ﴿من الناس﴾ حياء منهم وخوفاً من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفاً مع الوهم كالبهائم ﴿ولا يستخفون﴾ أي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة ﴿من الله﴾ أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿معهم﴾ لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، ولا يعجزه شيء من نكالهم، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! ﴿إذ﴾ أي حين ﴿يبيتون﴾ أي يرتبون ليلاً على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي ﴿ما لا يرضى من القول﴾ أي من البهت والحلف عليه، فلا يستحيون منه ولا يخافون، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب.
стр. 2276
ولما أثبت علمه بهذا من حالهم عمم فقال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له ﴿بما يعملون﴾ أي من هذا وغيره ﴿محيطاً *﴾ أي علماً وقدرة.
ولما وبخهم على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنياً أنها لا تجديهم شيئاً، مخوفاً لهم جداً بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعد: ﴿هاأنتم هؤلاء﴾ وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة، فقال مبيناً لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: ﴿جادلتم عنهم﴾ في هذه الواقعة أو غيرها ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي بما جعل لكم من الأسباب.
ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه فقال: ﴿فمن يجادل الله﴾ أي الذي له الجلال كله ﴿عنهم﴾ أي حين تنقطع الأسباب ﴿يوم القيامة﴾ ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون «ها» من ﴿هأنتم﴾ للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين.
стр. 2277
ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله: ﴿أم من يكون﴾ أي فيما يأتي من الزمان ﴿عليهم وكيلاً *﴾ أي يعلم منهم ما يعلم الله بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر.
ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليماً حكيماً -: ﴿من يعمل سوءاً﴾ أي قبيحاً متعدياً يسوء غيره شرعاً، عمداً - كما فعل طعمة - أو غير عمد ﴿أو يظلم نفسه﴾ بما لا يتعداه إلى غيره شركاً كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر ﴿ثم يستغفر الله﴾ أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها ﴿يجد الله﴾ أي الجامع لكل كمال ﴿غفوراً﴾ أي ممحيّاً للزلات
стр. 2278
﴿رحيماً *﴾ أي مبالغاً في إكرام من يقبل إليه «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وأنها نزلت بعدها.
ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثاً على التوبة وتهييجاً إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال: ﴿ومن يكسب إثماً﴾ أي إثم كان ﴿فإنما يكسبه على نفسه﴾ لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً.
ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه ﴿حكيماً *﴾ فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
стр. 2279
ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: ﴿ومن يكسب خطيئة﴾ أي ذنباً غير متعمد له ﴿أو إثماً﴾ أي ذنباً تعمده. ولما كان البهتان شديداً جداً قلَّ من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم يرم به بريئاً﴾ أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله: ﴿فقد احتمل﴾ وبقوله: ﴿بهتاناً﴾ أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم ﴿وإثماًَ﴾ أي ذنباً كبيراً ﴿مبيناً﴾ يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبيناً لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوماً ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس.
ولما وعظ في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على نبيه ﷺ في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي الملك الأعلى
стр. 2280
﴿عليك﴾ أي بإنزال الكتاب ﴿ورحمته﴾ أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد ﴿لهمت طائفة منهم﴾ أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق، لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد ﴿أن يضلوك﴾ أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ولو هموا لما أضلوك ﴿وما يضلون﴾ أي على حالة من حالات هذا الهم ﴿إلا أنفسهم﴾ إذ وبال ذلك عليهم ﴿وما يضرونك﴾ أي يجددون في ضرك حالاً ولا مالاً بإضلال ولا غيره ﴿من شيء﴾ وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية المائدة أيضاً وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر ﴿وأنزل الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿عليك﴾ وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك ﴿الكتاب﴾ أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين ﴿والحكمة﴾
следующие страницы →