Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
ولما أثبت علمه بهذا من حالهم عمم فقال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له ﴿بما يعملون﴾ أي من هذا وغيره ﴿محيطاً *﴾ أي علماً وقدرة.
ولما وبخهم على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنياً أنها لا تجديهم شيئاً، مخوفاً لهم جداً بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعد: ﴿هاأنتم هؤلاء﴾ وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة، فقال مبيناً لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: ﴿جادلتم عنهم﴾ في هذه الواقعة أو غيرها ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي بما جعل لكم من الأسباب.
ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه فقال: ﴿فمن يجادل الله﴾ أي الذي له الجلال كله ﴿عنهم﴾ أي حين تنقطع الأسباب ﴿يوم القيامة﴾ ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون «ها» من ﴿هأنتم﴾ للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين.
стр. 2277
ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله: ﴿أم من يكون﴾ أي فيما يأتي من الزمان ﴿عليهم وكيلاً *﴾ أي يعلم منهم ما يعلم الله بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر.
ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليماً حكيماً -: ﴿من يعمل سوءاً﴾ أي قبيحاً متعدياً يسوء غيره شرعاً، عمداً - كما فعل طعمة - أو غير عمد ﴿أو يظلم نفسه﴾ بما لا يتعداه إلى غيره شركاً كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر ﴿ثم يستغفر الله﴾ أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها ﴿يجد الله﴾ أي الجامع لكل كمال ﴿غفوراً﴾ أي ممحيّاً للزلات
стр. 2278
﴿رحيماً *﴾ أي مبالغاً في إكرام من يقبل إليه «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وأنها نزلت بعدها.
ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثاً على التوبة وتهييجاً إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال: ﴿ومن يكسب إثماً﴾ أي إثم كان ﴿فإنما يكسبه على نفسه﴾ لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً.
ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه ﴿حكيماً *﴾ فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
стр. 2279
ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: ﴿ومن يكسب خطيئة﴾ أي ذنباً غير متعمد له ﴿أو إثماً﴾ أي ذنباً تعمده. ولما كان البهتان شديداً جداً قلَّ من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم يرم به بريئاً﴾ أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله: ﴿فقد احتمل﴾ وبقوله: ﴿بهتاناً﴾ أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم ﴿وإثماًَ﴾ أي ذنباً كبيراً ﴿مبيناً﴾ يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبيناً لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوماً ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس.
ولما وعظ في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على نبيه ﷺ في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي الملك الأعلى
стр. 2280
﴿عليك﴾ أي بإنزال الكتاب ﴿ورحمته﴾ أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد ﴿لهمت طائفة منهم﴾ أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق، لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد ﴿أن يضلوك﴾ أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ولو هموا لما أضلوك ﴿وما يضلون﴾ أي على حالة من حالات هذا الهم ﴿إلا أنفسهم﴾ إذ وبال ذلك عليهم ﴿وما يضرونك﴾ أي يجددون في ضرك حالاً ولا مالاً بإضلال ولا غيره ﴿من شيء﴾ وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية المائدة أيضاً وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر ﴿وأنزل الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿عليك﴾ وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك ﴿الكتاب﴾ أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين ﴿والحكمة﴾
стр. 2281
أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل، وعمم بقوله: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ أي من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا ﴿وكان فضل الله﴾ أي المتوحد بكل كمال ﴿عليك عظيماَ *﴾ أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل.
ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي ﷺ في الدفع عنه، نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي، ويحسن فيه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله : ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ أي نجوى جميع المناجين ﴿إلا من﴾ أي نحوى من ﴿أمر بصدقة﴾ ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال، عمم بقوله: ﴿أو معروف﴾ أيّ معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها.
ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ أي عامة، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من التناجي لا خير فيه، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنباً - كما روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه
стр. 2282
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ «أن عيسى ﵊ قال: إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه» .
ولما كان التقدير: فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير، وله عليها أجر؛ عطف عليه قوله: ﴿من يفعل ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ الذي له صفات الكمال، لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية ﴿فسوف نؤتيه﴾ أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه ﴿أجراًَ عظيماً *﴾ وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد.
ولما رتب الثواب العظيم على الموافقة، رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته على وجه المقاهرة، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد بالاستمرار، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة، ولأن السياق لأهل الأوثان وهم مجاهرون، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سبباً لنزول الآية في آخر قصته - كما مضى.
стр. 2283
ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها، لا في سياق الملة المعلومة بالعقل، أتى ب «من» تقييداً للتهديد بما بعد الإعلام بذلك فقال: ﴿من بعد ما﴾ ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد بالمشاققة. ولما كان ما جاء به النبي ﷺ في غاية الظهور قال: ﴿تبين له الهدى﴾ أي الدليل الذي هو سببه.
ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة، عبر بعد التبين بالاتباع فقالك ﴿ويتبع غير سبيل﴾ أي طريق ﴿المؤمنين﴾ أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة، والمراد الطريق المعنوي، وجه الشبه الحركة البدنية الموصلة إلى المطلوب في الحسي، والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى المطلوب في المعنوي ﴿نوله﴾ أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة ﴿ما تولى﴾ أي نكله إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلاناً منا له ﴿ونصله﴾ أي في الآخرة ﴿جهنم﴾ أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم.
ولما كان التقدير: فهو صائر إليها لا محالة، بين حالها في ذلك فقال: ﴿وساءت مصيراً *﴾ وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا على مخالفة الحق، وكذا حديث «لا تزال طائفة من أمتي
стр. 2284
قائمة بأمر الله - وفي رواية: ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله» رواه عن النبي ﷺ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة، بعض أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن، وبعضها في المسانيد، وبعضها في المعاجيم وغير ذلك؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي ﷺ بالحق في جملة أهل الإجماع والله الموفق.
ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين بما ألقوه إليهم من الشبه، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت أبصارهم أشعة التوحيد؛ حسن إيلاؤه قوله معللاً تعظيماً لأهل الإسلام، وحثاً على لزوم هديهم، وذما لمن نابذهم وتوعداً له، إشارة إلى أن من خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين، فكيف بمن نابذ المرسلين: ﴿إن الله﴾ أي الأحد المطلق فلا كفوء له ﴿لا يغفر أن يشرك به﴾ أي وقوع الشرك به، من أي شخص كان، وبأي شيء كان، لأن من قدح في الملك استحق البوار والهلك، وسارق الدرع أحق الناس بذلك ﴿ويغفر ما﴾ أي كل شيء هو ﴿دون ذلك﴾ أي الأمر الذي لم يدع للشناعة
стр. 2285
موضعاً - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية، ثم غلبته الشهوة فقصر في بعض أنواع الخدمة. ثم دل على نفوذ أمره بقوله: ﴿لمن يشاء﴾ .
ولما كان التقدير: فإن من أشرك به فقد افترى إثماً مبيناً، عطف عليه قوله: ﴿ومن يشرك﴾ أي يوقع هذا الفعل القذر جداً في أي وقت كان من ماض أو حال أو استقبال مداوماً على تجديده ﴿بالله﴾ أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد ﴿فقد ضل﴾ أي ذهب عن السنن الموصل ﴿ضلالاً بعيداً *﴾ لا تمكن سلامة مرتكبه، وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب، وذكر مقدمة الضلال، لأن معظم السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش، بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب.
стр. 2286
ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات، وكان أكثرهم أهل أوثان؛ ناسب كل المناسبة قوله معللاً لأن الشرك ضلال: ﴿إن﴾ أي ما ﴿يدعون﴾ وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء إشارة إلى أن كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع، فعابده أجهل الجهلة. ولما كان كل شيء دونه سبحانه
стр. 2287
وتعالى، لأنه تحت قهره؛ قال محتقراً لما عبدوه: ﴿من دونه﴾ أي وهو الرحمن.
ولما كانت معبوداتهم أوثاناً متكثرة، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى، ويقولون في الكل: إنها بنات الله، ويقولون عن كل صنم: أنثى بني فلان؛ قال: ﴿إلا إناثاً﴾ أي فجعلوا أنفسهم للإناث عباداً وهم يأنفون من أن يكون لهم لهم أولاداً، وفي التفسير من البخاري: إناثاً يعني الموات حجراً أو مدراً - أو ما أشبه ذلك؛ هذا مع أن مادة «أنث» و «وثن» يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة، وكل ذلك في غاية البعد عن رتبة الإلهية، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أنها آلهة، ومعنى الحصر: ما هي إلا غير آلهة لما لها من النقص ﴿وإن يدعون﴾ أي يعبدون في الحقيقة ﴿إلا شيطاناً﴾ أي لأنه هو الآمر لهم بذلك، المزين لهم ﴿مريداً﴾ أي عاتياً صلباً عاصياً ملازماً للعصيان، مجرداً من كل خير، محترقاً بأفعال الشر، بعيداً من كل أمن، من: شاط وشطن؛ ومرد - بفتح عينه وضمها، وعبر بصيغة فعيل التي هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيهاً على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في شرارته، لأنه شر كله، بخلاف ما في سورة الصافات، فإن سياقه يقتضي
стр. 2288
عدم المبالغة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ ثم بين ذلك بقوله: ﴿لعنه الله﴾ أي أبعده الملك الأعلى منكل خير فبعد فاحترق.
ولما كان التقدير: فقال إصراراً على العداوة بالحسد: وعزتك لأجتهدن في إبعاد غيري كما أبعدتني! عطف عليه قوله: ﴿وقال لأتخذنَّ﴾ أي والله لأجتهدن في أن آخذ ﴿من عبادك﴾ الذين هم تحت قهرك، ولا يخرجون عن مرادك ﴿نصيباً مفروضاً *﴾ أي جزءاً أنت قدرته لي ﴿ولأضلنهم﴾ أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس وتزيين الأباطيل ﴿ولأمنينّهم﴾ أي كل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة ﴿ولآمرنهم﴾ .
ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: ﴿فليبتكن﴾ أي يقطعن تقطيعاً كثيراً ﴿آذان الأنعام﴾ ويشققونها علامة على ما حرموه على أنفسهم ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ أي الذي له الحكمة الكاملة فلا كفوء له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من فقء عين الحامي
стр. 2289
ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى إبطاله في أول المائدة بقوله
﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ [المائدة: ١] المصرح به في آخرها بقوله: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ [المائدة: ١٠٣] ويكون التغيير بالوشم والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في السحق ومانحاً فيه نحوه.
ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان ولياً؛ عطف عليه معمماً قوله: ﴿ومن يتخذ﴾ أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير الفطرة الأولى فيأخذ ﴿الشيطان ولياً﴾ ولما كان ذلك ملزوماً لمحادة الله ، وكان ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعّض ليفهم الاستغراق من باب الأولى فقال: ﴿من دون الله﴾ أي المستجمع لكل وصف جميل ﴿فقد خسر﴾ باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك ﴿خسراناً مبيناً *﴾ أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير عنده؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿يعدهم﴾ أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه قريب الحصول، وأنه
стр. 2290
لا درك في تحصيله، وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر، فيسعون في تحصيله، فيضيع عليهم في ذلك الزمانُ، ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان ﴿ويمنيهم﴾ أي يزين لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله، ثم بين ذلك بقوله: ﴿وما﴾ أي والحالة أنه ما ﴿يعدهم﴾ وأظهر في موضع الإضمار تنبيهاً على مزيد النفرة فقال: ﴿الشيطان﴾ أي المحترق البعيد عن الخير ﴿إلا غروراًَ *﴾ أي تزييناً بالباطل خداعاً ومكراً وتلبيساً، إظهاراً - لما لا حقيقة له أو له حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى الطبع، فإن مادة «غر» و «رغ» تدول على الشرف والحسن ورفاهة العيش، فالغرور إزالة ذلك.
стр. 2291
ولما أثبت لهم ذلك أنتج بلا شك قوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من كل خير ﴿مأواهم جهنم﴾ أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها ولياً ﴿ولا يجدون عنها محيصاً *﴾ أي موضعاً ما يميلون إليه شيئاً من الميل.
ولما ذكر ما للكافرين ترهيباً أتبعه ما لغيرهم ترغيباً فقال: ﴿والذين آمنوا﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿جنات تجري﴾
стр. 2292
وقرب وبعض بقوله: ﴿من تحتها الأنهار﴾ أي لرّي أرضها، فحيث ما أجرى منها نهر جرى.
ولما كان الانزعاج عن مطلق الوطن - ولو لحاجة تعرض - شديداً، فكيف بهذا! قال: ﴿خالدين فيها﴾ ولما كان الخلود يطلق على مجرد المكث الطويل، دل على أنه لا بإلى آخر بقوله: ﴿أبداً﴾ ثم أكد ذلك بأن الواقع يطابقه، وهويطابق الواقع فقال: ﴿وعد الله حقاً﴾ أي يطابقه الواقع، لأنه الملك الأعظم وقد برز وعده بذلك، ومن أحق من الله وعداً، وأخبر به خبراً صاداقً يطابق الواقع ﴿ومن أصدق من الله﴾ أي المختص بصفات الكمال ﴿قيلاً *﴾ وأكثر من التأكيد هنا لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد.
ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد للمؤمنين من الثواب، وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة عليهم في التلاعب بالدين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويشجعهم على ذلك أهل الكتاب ويدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه، لا يؤاخذهم بشيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى أو من شفعوا فيه، ونحو هذه التكاذيب مما يطمعون به من والاهم بأنهم ينجونه، وكان
стр. 2293
المشركون يقولون: ﴿نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين﴾ [سبأ: ٣٥] ، ونحو ذلك - كنا قال العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد تقاضاه ديناً كان له عليه: دعني إلى تلك الدار فأقضيك مما لي فيها، فوالله لا تكون أنت وصاحبك فيها آثر عند الله مني ولا أعظم حظاً، فأنزل الله في ذلك: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾ [مريم: ٧٧] الآيات من آخر مريم، ويقول لهم أهل الكتاب: أنتم أهدى سبيلاً، لما كان ذلك قال تعالى راداً على الفريقين: ﴿ليس﴾ أي ما وعده الله وأوعده ﴿بأمانيكم﴾ أي أيها العرب ﴿ولا أماني أهل الكتاب﴾ أي التي يمنيكم جميعاً بها الشيطان.
ولما اكنت أمانيهم أنهم لا يجازون بأعمالهم الخبيثة، أنتج ذلك لا محالة قوله: ﴿ومن يعمل سوءاً يجز به﴾ أي بالمصائب من الأمراض وغيرها، عاجلاً إن أريد به الخير، وآجلاًَ إن أريد به الشر، وما أحسن إيلاؤها لتمنيه الشيطان المذكورة في قوله ﴿يعدهم ويمنيهم﴾
[النساء: ١٢٠] فيكون الكلام وافياً بكشف عوار شياطين الجن ثم الإنس في غرورهم لمن خف معهم مؤيساً لمن قبل منهم، وما أبدع ختامها بقوله: ﴿ولا
стр. 2294
يجد له﴾ ولما كان كل أحد قاصراً عن مولاه، عبر بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي حاز جميع العظمة ﴿ولياً﴾ أي قريباً يفعل معه ما يفعل القريب ﴿ولا نصيراً *﴾ أي ينصره في وقت ما! وما أشد التئامها بختام أول الآيات المحذرة منهم ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة﴾ [النساء: ٤٤] إلى قوله ﴿وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً﴾ [النساء: ٤٥] إشارة إلى أن مقصود المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ومتابعتهم إنما هو الولاية والنصرة، وأنهم قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن لا نصرة له، وتركوا من ليست النصرة إلا له.
стр. 2295
ولما أبدى جزاء المسيء تحذيراً، أولاه أجر المحسن تبشيراً فقال: ﴿ومن يعمل﴾ وخفف تعالى عن عباده بقوله: ﴿من الصالحات﴾ ولما عمم بذكر (من) صرح بما اقتضته في قوله: ﴿من ذكر وأنثى﴾ وقيد ذلك بقوله: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿مؤمن﴾ ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان ﴿فأولئك﴾ أي العالو الرتبة، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن المقصود نفس الفعل، لا كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة ﴿يدخلون﴾ أي يدخلهم الله ﴿الجنة﴾ أي الموصوفة ﴿ولا يظلمون﴾ وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود الخلاص
стр. 2296
منه لا بقيد فاعل معين ﴿نقيراً *﴾ أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جداً، كني بها عن العدم، وهذا على ما يتعارفه الناس وإلا فالله تعالى له أن يفعل ما يشاء، فإن مِلكه ومُلكه عام، لا يتصور منه ظلم كيف ما فعل.
ولما كشف سبحانه زورهم وبيَّن فجورهم، أنكر أن يكون أحد أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعماًَ تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن أحسن دائناً ومجازياً وحاكماً منه : ﴿ومن أحسن ديناً﴾ أو يكون التقدير: لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن ديناً منهم! لكنه أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وتعليماً لما يفعل يفعل المؤمن وحثاً عليه فقال: ﴿ممن أسلم﴾ أي أعطى.
ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال: ﴿وجهه﴾ أي قياده، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها ﴿لله﴾ فلا حركة له سكنة إلا فيما يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له، فهو حصر بغير صيغة الحصر، فأفاد فساد طريق من
стр. 2297
لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم، ويرون أنها موجبة لثوابهم، والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا يخافون غيرها؛ وأهل السنة فوّضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق، فهم المسلمون.
ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي، شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿محسن﴾ أي مؤمن مراقب، لا غفلة عنده أصلاً، بل الإحسان صفة له راسخة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره.
ولما كان هذا ينتظم مَنَ كان على دين أي نبي كان قبل نسخه، قيده بقوله: ﴿واتبع﴾ أي بجهد منه ﴿ملة إبراهيم﴾ الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع ﴿حنيفاً﴾ أي ليناً سهلاً ميّالاً مع الدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد.
стр. 2298
ولما كان التقدير ترغيباً في هذا الاتباع: فقد جعل الله ملة إبراهيم أحسن الملل، وخلقه يوم خلقه حنيفاً، عطف عليه قوله: ﴿واتخذ الله﴾ أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه ﴿إبراهيم خليلاً *﴾ لكونه كان حنيفاً، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه، وإجابة الدعوة، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود احتراساً من الإبهام وإعلاءً لقدره تنويهاً بذكره.
стр. 2299
ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه، وكان ربما توهم عدم القدرة على أخذه لغير ما أخذ، وجعله لغير ما جعل، أو تعنت بذلك متعنت فظن أن في الكلام دخلاً بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال: ﴿ولله﴾ أي والحال أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له ﴿ما في السماوات﴾ .
ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال: ﴿وما في الأرض﴾ من إبراهيم ﵊ ومن غيره إشارة إلى أنه التام المُلك العظيم المِلك، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه، ولا يختار إلا من علمه خياراً
стр. 2300
وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل، ولذلك قال: ﴿وكان الله﴾ أي الملك الذي له الكمال كله ﴿بكل شيء﴾ أي منهما ومن غيرهما ﴿محيطاً *﴾ علماً وقدرة، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعجزه شيء.
ولما كان قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاماً من الأصول والفروع، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب، وينظمها بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول، والنظم كذلك أجدر بالتأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقروناً ببشارة ونذارة، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظاً ومعنى، وفعل في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك
стр. 2301
كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام، وقامت البراهين وسطعت الحجج، وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث وغيره، وكان توريث النساء والأطفال - ذكوراً كانوا أو إناثاً - مما أبته نفوسهم، وأشربت بغضه قلوبهم، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع، وإلقاؤه شيئاً فشيئاً في قوالب البلاغة أنفع؛ وصل بذلك قوله تعالى: ﴿ويستفتونك﴾ في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها، أي له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلباً لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته ﴿في النساء﴾ طمعاً في الاستئثار عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثاً، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيباً، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالباً إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم المِلك التام المُلك العظيم المِلك بعض ما يريد، ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثاً
стр. 2302
لا حياة لها ولا منفعة مما في يده، وملكه في الحقيقة لغيره، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي.
ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجاً إلى زيادة الاعتناء قال: ﴿قل الله﴾ آمراً معبراً بالاسم الأعظم منبهاً على استحضار ما ذكر أول السورة ﴿يفتيكم﴾ أي يبين لكم حكمه ﴿فيهن﴾ أي الآن لأن تقوموا لهن بالقسط ﴿وما﴾ أي مع ما ﴿يتلى عليكم﴾ أي تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفاً قاطعاً وحكماً ماضياً جامعاً ﴿في الكتاب﴾ أي فيما سبق أول السورة في قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ ، وغير ذلك ﴿في يتامى النساء﴾ أي في شأن التيامى من هذا الصنف ﴿اللاّتي لا تؤتونهن﴾ أي بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه ﴿ما كتب لهن﴾ أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضاً وهو في غاية اللزوم ﴿وترغبون أن﴾ أي في أن أو عن أن ﴿تنكحوهن﴾ لجمالهن أو لدمامتهن ﴿و﴾ يفتيكم في ﴿المستضعفين﴾ أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم، يمنعهم حقوقهم ﴿من الولدان﴾ .
ولما كان التقدير؛ في أن تقوموا لهم بالقسط، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ولا تحقروهم لصغرهم؛ عطف عليه قوله: ﴿وأن تقوموا﴾ أي تفعلوا فيه من القوة والمبادرة فعل القائم المنشط ﴿لليتامى﴾
стр. 2303
من الذكور والإناث ﴿بالقسط﴾ أي بالعدل من الميراث وغيره.
ولما كان التقدير: فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليماً وعليكم قديراً؛ عطف عليه قوله ترغيباً: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي في ذلك أو في غيره ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿كان به عليماً *﴾ أي فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره، فطيبوا نفساً وتقروا عيناً؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود والنسائي في النكاح «عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قول الله : ﴿فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ إلى ﴿رباع﴾ قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ قال عروة: قالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2304
بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله (ويستفتونك - إلى - وترغبون أن تنكحوهن) »
والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ قالت عائشة ﵂: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ هي رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم: عن يتيمته - التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، زاد مسلم: إذا كن قليلات المال والجمال، وقال البخاري في النكاح: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وفي البخاري
стр. 2305
ومسلم في التفسير عن عروة أيضاً ﴿يستفتونك في النساء﴾ الآية قالت: «هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم: لعلها أن تكون قد شركته، في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية؛ وفي رواية مسلم: نزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينحكها لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ يقول: ما حللت لكم، ودع هذه التي تضر بها» وفي رواية له وللبخاري في النكاح «فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري: فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ولا يتزوجها ولا يزوجها، زاد البخاري: فنهاهم الله » عن ذلك، وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية
стр. 2306
تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها.
وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف، وذكر إبراهيم ﵊ الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم، وأنه كان حنيفاً ميالاً مع الدليل، تعنيفاً لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع! وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] مع قوله فيما قبل ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم﴾ [النساء: ٩] لاحت لك أيضاً مناسبة بديعة.
стр. 2307
ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال: ﴿وإن امرأة﴾ أي واحدة أو على ضرائر.
ولما كان ظن المكروه مخوفاً قال: ﴿خافت﴾ أي توقعت
стр. 2308
وظنت بما يظهر لها من القرائن ﴿من بعلها نشوزاً﴾ أي ترفعاً بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها ﴿أو إعراضاً﴾ عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفاً لملاطفتها بقوله وفعله ﴿فلا جناح﴾ أي حرج وميل ﴿عليهما أن يصلحا﴾ أي يوقع الزوجان ﴿بينهما﴾ تصالحاً ومصالحة، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير: إصلاحاً، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجرداً له: ﴿صلحاً﴾ بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك.
ولما كان التقدير: ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل، عطف عليه قوله: ﴿والصلح﴾ أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه ﴿خير﴾ أي المفارقة التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير، لكنها مفضولة، وتخصيصُ المفارقة بالطي لأن مبنى السورة على المواصلة.
стр. 2309
ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع، صوَّر ذلك تنفيراً عنه، فقال اعتراضاً بين هذه الجمل للحث على الجود بانياً الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المُحِضر لا يرضى أحد نسبته إليه: ﴿وأحضرت الأنفس﴾ أي الناظرة إلى نفاستها عجباً ﴿الشح﴾ أي الحرص وسوء الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير.
ولما كان هذا خلقاً رديئاً لم يذكر فاعله، والمعنى: أحضرها إياه مُحضر. فصار ملازماً لها، لا تنفك عنه إلا بتوفيق من الله في قهرها عليه بتذكير ما عنده من حسن الجزاء، ولما كان التقدير: فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم، عطف عليه قوله: ﴿وإن تحسنوا﴾ أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين ﴿وتتقوا﴾ أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق ﴿فإن الله﴾ أي وهو الجامع لصفات الكمال
стр. 2310
﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿بما تعملون﴾ أي في كل شح وإحسان ﴿خبيراً *﴾ أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء.
ولما ذكر أن الوقوف على الحق فضلاً عن الإحسان - وإن كانت المرأة واحدة - متعسر، أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر، فقال تعالى معبراً بأداة التأكيد: ﴿ولن تستطيعوا﴾ أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة ﴿أن تعدلوا﴾ أي من غير حيف أصلاً ﴿بين النساء﴾ في جميع ما يجب لكل واحدة منهن عليكم من الحقوق ﴿ولو حرصتم﴾ أي على فعل ذلك، وهذا مع قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: ٣] كالمختم للاختصار على واحدة.
ولما أخبر بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل، سبب عنه قوله: ﴿فلا﴾ أي فإن كان لا بد لكم من العدد، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا ﴿تميلوا﴾ ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به، بين المراد بقوله: ﴿كل الميل﴾ ثم سبب عنه قوله: ﴿فتذروها﴾ أي المرأة ﴿كالمعلقة﴾ أي بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد.
ولما كان الميل الكثير مقدوراً على تركه، فكان التقدير: فإن
стр. 2311
ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقماً حسيباً، عطف عليه قوله: ﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿كان غفوراً رحيماً *﴾ أي محّاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام.
ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: ﴿وإن يتفرقا﴾ أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه ﴿يغن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿كلاًّ﴾ أي منهما، أي يجعله غنياً هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه، وبين منشأ هذا الغني فقال: ﴿من سعته﴾ أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل صفة كمال، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال: ﴿وكان الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً ﴿واسعاً﴾ أي محيطاً بكل شيء ﴿حكيماً *﴾ أي يضع الأشياء في أقوم محالها.
стр. 2312
ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل،
стр. 2313
لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن الزبير: ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيراً في هذه السورة الأمرُ بالاتقاء، وبه افتتحت ﴿اتقوا ربكم﴾ [النساء: ١] ، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١] ، ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [النساء: ١٣١] .
ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيباً في سؤاله: ﴿ولله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: ﴿وما في الأرض﴾ وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله: ﴿وإن تحسنوا وتتقوا﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وإن تصلحو وتتقوا﴾ [النساء: ١٢٩] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، لم تزل قديماً وحديثاً، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، وأهون على النفس، فقال تعالى: ﴿ولقد وصينا﴾ أي على ما لنا من العظمة.
стр. 2314
ولما كان الاشتراك في الأحكام موجباً للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ أي التوراة والإنجيل وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير كتاب، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: ﴿من قبلكم﴾ أي من بني إسرائيل وغيرهم ﴿وإياكم﴾ أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله: ﴿أن اتقوا الله﴾ أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له.
ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه قوله: ﴿وإن تكفروا﴾ أي بترك التقوى ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الكمال المطلق ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله: ﴿وما في الأرض﴾ منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجساداً وأروحاً وأحوالاً.
ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر بكفركم، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم،
стр. 2315
لا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ أكده بقوله دالاً على غناه واستحقاقه للمحامد: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له الإحاطة كلها ﴿غنياً﴾ أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته ﴿حميداً *﴾ أي محموداً بكل لسان قالي وحالي، كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته.
ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام: ﴿ولله﴾ أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ﴿ما في السماوات﴾ وأكد لمثل ما مضى فقال: ﴿وما في الأرض﴾ أي هو قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعاً أو كرهاً، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: ﴿وكفى بالله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ﴿وكيلاً *﴾ أي قائماً بالمصالح قاهراً متفرداً بجميع الأمور، قادراً على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن جملة «لله» المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلاً على شيء غير الذي قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات كثيرة يحسن
следующие страницы →