Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقماً حسيباً، عطف عليه قوله: ﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿كان غفوراً رحيماً *﴾ أي محّاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام.
ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: ﴿وإن يتفرقا﴾ أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه ﴿يغن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿كلاًّ﴾ أي منهما، أي يجعله غنياً هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه، وبين منشأ هذا الغني فقال: ﴿من سعته﴾ أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل صفة كمال، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال: ﴿وكان الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً ﴿واسعاً﴾ أي محيطاً بكل شيء ﴿حكيماً *﴾ أي يضع الأشياء في أقوم محالها.
стр. 2312
ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل،
стр. 2313
لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن الزبير: ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيراً في هذه السورة الأمرُ بالاتقاء، وبه افتتحت ﴿اتقوا ربكم﴾ [النساء: ١] ، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١] ، ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [النساء: ١٣١] .
ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيباً في سؤاله: ﴿ولله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: ﴿وما في الأرض﴾ وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله: ﴿وإن تحسنوا وتتقوا﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وإن تصلحو وتتقوا﴾ [النساء: ١٢٩] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، لم تزل قديماً وحديثاً، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، وأهون على النفس، فقال تعالى: ﴿ولقد وصينا﴾ أي على ما لنا من العظمة.
стр. 2314
ولما كان الاشتراك في الأحكام موجباً للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ أي التوراة والإنجيل وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير كتاب، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: ﴿من قبلكم﴾ أي من بني إسرائيل وغيرهم ﴿وإياكم﴾ أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله: ﴿أن اتقوا الله﴾ أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له.
ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه قوله: ﴿وإن تكفروا﴾ أي بترك التقوى ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الكمال المطلق ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله: ﴿وما في الأرض﴾ منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجساداً وأروحاً وأحوالاً.
ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر بكفركم، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم،
стр. 2315
لا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ أكده بقوله دالاً على غناه واستحقاقه للمحامد: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له الإحاطة كلها ﴿غنياً﴾ أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته ﴿حميداً *﴾ أي محموداً بكل لسان قالي وحالي، كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته.
ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام: ﴿ولله﴾ أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ﴿ما في السماوات﴾ وأكد لمثل ما مضى فقال: ﴿وما في الأرض﴾ أي هو قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعاً أو كرهاً، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: ﴿وكفى بالله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ﴿وكيلاً *﴾ أي قائماً بالمصالح قاهراً متفرداً بجميع الأمور، قادراً على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن جملة «لله» المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلاً على شيء غير الذي قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات كثيرة يحسن
стр. 2316
أن يستدل به على كل واحد منها. وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة واحدة، لأن عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل؛ وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال عل صفات الكمال لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، فكان في غاية الحسن والكمال.
ولما تقرر بهذا شمول علم من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهدداً مخوفاً مرهباً: ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ وصرح بالعموم إشارة إلى عموم الإرسال بقوله: ﴿أيها الناس﴾ أي المتفرعون من تلك النفس الواحدة كافة لغناه عنكم وقدرته على ما يريد منكم ﴿ويأت بآخرين﴾ أي من غيركم يوالونه ﴿وكان الله﴾ أي الواحد الذي لا شريك له أزلاً وأبداً ﴿على ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام ﴿قديراً *﴾ أي بالغ القدرة، وهذا غاية البيان لغناه وكونه حميداً وقاهراً وشديداً، وإذا تأملت ختام قوله تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 2317
في آخر هذه السورة ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ [النساء: ١٧١] زاد ذلك هذا السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحاً.
ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف، وكان مدار أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمرَ الدنيوي، وكان قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض الفاني خصوصاً قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه؛ قال تعالى تفييلاً لآرائهم وتخسيساً لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع القوة على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضاً منه تعالى، فلا يفوتهم شيء من معوّلهم مع إحراز الأنفس: ﴿ما كان يريد ثواب الدنيا﴾ لقصور نظره على المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم ﴿فعند﴾ أي فليقبل إلى الله فإنه عند ﴿الله﴾ أي الذي له الكمال المطلق ﴿ثواب الدنيا﴾ الخسيسة الفانية ﴿والآخرة﴾ أي النفسية الباقية فليطلبها منه، فإنه يعطي من أراد ما شاء، ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع له بينهما، كمن يجاهد الله خالصاً، فإنه يجمع له بين الأجر والمغنم، وما أشد التئامها مع ذلك بما قبلها، لأن من كان تام القدرة واسع الملك كان كذلك.
стр. 2318
ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولاً أو فعلاً، وكان الفعل قد يكون قلبياً قال: ﴿وكان الله﴾ أي المختص بجميع صفات الكمال ﴿سميعاً﴾ أي بالغ السمع لكل قول وإن خفي، نفسياً كان أو لسانياً ﴿بصيراً *﴾ أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال، والعلم بكل ما يبصر وما لا يبصر منها ومن غيرها فيكون من البصر ومن البصيرة، فليراقبه العبد قولاً وفعلاً.
стр. 2319
ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له، التفت إليهم مستعطفاً بصيغة الإيمان، جائياً بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم، قائلاً ما هو كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث عليه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان بألسنتهم ﴿كونوا قوَّامين﴾ أي قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه.
ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال: ﴿بالقسط﴾ بخلاف ما يأتي في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى الموفى له ﴿شهداء﴾ أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم الدخول فيه ﴿لله﴾ أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره ﴿ولو﴾ كان ذلك القسط ﴿على أنفسكم﴾ أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء، وإلا تفعلوا ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على
стр. 2320
رؤوس الأشهاد، ففضحتم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد.
ولما كان ذكر أعز ما عند الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ذلك الهيبة فقال: ﴿أو﴾ أي أو كان ذلك القسط على ﴿الوالدين﴾ وأتبعه ما يعمهما وغيرها فقال: ﴿والأقربين﴾ أي من الأولاد وغيرهم، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن يكن﴾ أي المشهود له أو عليه ﴿غنياً﴾ أي ترون الشهادة له بشيء باطل دافعة ضراً منه للغير من المشهود عليه أو غيره، أو مانعة فساداً أكبر منها، أو عليه بما لم يكن صلاحاً طمعاً في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك ﴿أو فقيراً﴾ فيخيل إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى منه تسكن فتنة ﴿فالله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿أولى بهما﴾ أي بنوعي الغني والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم، فهو المرجو لجلب النفع ودفع الضر بغير ما ظننتموه، فالضمير من الاستخدام، ولو عاد للمذكور لوحد الضمير لأن المحدث عنه واحد مبهم.
стр. 2321
ولما كان هذا، تسبب عنه قوله: ﴿فلا تتبعوا﴾ أي تتكلفوا تبع ﴿الهوى﴾ وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في المحب له ﴿أن﴾ أي إرادة أن ﴿تعدلوا﴾ فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك.
ولما كان التقدير: فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديراً، عطف عليه قوله: ﴿وإن تلوا﴾ أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعاً من التحريف أو تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلاً، وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل، أو الليّ ﴿أو تعرضوا﴾ أي عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما ﴿فإن الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿كان﴾ أي لم يزل ولا يزال ﴿بما تعملون خبيراً *﴾ أي بالغ العلم باطناً وظاهراً، فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه، فاحذروه إن خنتم، وارجوه إن وفيتم، وذلك بعد ما مضى من تأديبهم على وجه الإشارة والإيماء من غير أمر، وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام الختامين: ختام هذه بصفة الخبر وتلك بصفتي السمع والبصر.
стр. 2322
ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته وبيان فائدته فقال: ﴿يا أيها الذين ءامنوا﴾ أي أقروا بالإيمان؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال مفصلاً له: ﴿ءامنوا بالله﴾ أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها.
ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال: ﴿ورسوله﴾ أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر ﴿والكتاب الذي نزل﴾ أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً ﴿على رسوله﴾ أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق ﴿والكتاب الذي أنزل﴾ أي أوجد إنزاله ومضى؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد بقوله: ﴿من قبل﴾ من الإنجيل والزبور
стр. 2323
والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله.
ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالماً بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا من الله بنياً للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم بالفاعل، وصرحت قراءة الباقين به.
ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: ﴿ومن يكفر﴾ أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات ﴿بالله وملائكته وكتبه﴾ أي التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة ﴿ورسله﴾ أي من الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه.
ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ أي الذي أخبرت به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف الحقائق وتجمع الخلائق،
стр. 2324
ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل وتجتني ثمرات الفضل ﴿فقد ضل﴾ وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال: ﴿ضلالاً بعيداً *﴾ أي لا حيلة في رجوعه معه.
стр. 2325
ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجداً للكفر مجدداً له، نبه على إغراقه في البعد بغضبه لتماديه معلماً أن الثبات على الكفر عظيم جداً، وصوّره بأقبح صورة، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال: ﴿إن الذين ءامنوا﴾ أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى ﴿ثم كفروا﴾ أي أوقعوا الكفر فعوَّجوا ما أقامه الله من فطرهم ﴿ثم ءامنوا﴾ أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج ﴿ثم كفروا﴾ أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه ﴿ثم ازدادوا﴾ أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت ﴿كفراً لم يكن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿ليغفر لهم﴾ أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به ﴿ولا ليهديهم سبيلاً *﴾ أي من السبل الموصلة إلى المقصود.
ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق، بعضها حقيقة
стр. 2326
وبعضها مجازاً، قال جواباً لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكماً بهم: ﴿بشر المنافقين﴾ فأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿بأن لهم عذاباً أليماً *﴾ ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى: ﴿الذين يتخذون الكافرين﴾ أي المجاهرين بالكفر ﴿أولياء﴾ أي يتعززون بهم تنفيراً من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق، وبياناً لأن مرادهم بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي، ونبه على دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي الغريقين في الإيمان، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: ﴿أيبتغون﴾ أي المنافقون يتطلبون، تطلباً عظيماً ﴿عندهم﴾ أي الكافرين ﴿العزة﴾ فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبُعد من الصواب، لأنه لا شيء من العزة عندهم.
ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: ﴿فإن العزة لله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿جميعاً *﴾ أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب﴾ [النساء: ٤٤] المختتمة بقوله: ﴿وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وقد﴾
стр. 2327
أي يتخذونهم والحال أنه قد ﴿نزل عليكم﴾ أي أيتها الأمة، الصادقين منكم والمنافقين ﴿في الكتاب﴾ أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبداً، لأنهم لا ينفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر، وذلك هو المراد من قوله: ﴿أنْ﴾ أي إنه ﴿إذا سمعتم آيات الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام.
ولما كان السماع مجملاً بين المراد بقول: ﴿يكفر بها﴾ أي يستر ما أظهرت من الأدلة من أي كافر كان من اليهود وغيرهم ﴿ويستهزأ بها﴾ أي يطلب طلباً شديداً أن تكون مما يهزأ به ﴿فلا تقعدوا معهم﴾ أي الذين يفعلون ذلك بها ﴿حتى يخوضوا﴾ وعبر عن الشروع بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا يخلو عن شيء في غير موضعه، رمزاً إلى عدم مجالستهم على كل حال ﴿في حديث غيره﴾ فهذا نهي من مجرد مجالستهم فكيف بولايتهم.
ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع المجالسة لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من
стр. 2328
غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: ﴿إنكم إذاً﴾ أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك ﴿مثلهم﴾ أي في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة على أن إظهاره لما أظهر نفاق، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى بالكفر كفر، فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفاً لجواب السؤال عما تكون به المماثلة: ﴿إن الله﴾ أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته ﴿جامع﴾ .
ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله: ﴿المنافقين﴾ أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر ﴿والكافرين﴾ أي الذين يجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه ﴿في جهنم﴾ التي هي سجن الملك ﴿جميعاً﴾ كما جمعهم معهم مجلس الكفر الذي هو طعن في ملك الملك، والتسوية بينهم في الكفر بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصي ومجالسه بالخلطة من غير إنكار؛ ثم وصفهم بما يعرف بهم فقال: ﴿الذين يتربصون بكم﴾ أي يثبتون على حالهم انتظاراً لوقوع ما يغيظكم ﴿فإن كان لكم فتح﴾ أي ظهور وعز وظفر، وقال: ﴿من الله﴾ أي الذي له العظمة كلها - تذكيراً للمؤمنين بما يديم اعتمادهم عليه وافتقارهم إليه ﴿قالوا﴾ أي الذين آمنوا نفاقاً لكم أيها المؤمنون ﴿ألم نكن معكم﴾ أي ظاهراً بأبداننا بما تسمعون من
стр. 2329
أقوالنا فأشركونا في فتحكم ﴿وإن كان للكافرين﴾ أي المجاهرين، وقال: ﴿نصيب﴾ تحقيراً لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل للمؤمنين من الفتح ﴿قالوا﴾ للكافرين ليشركوهم في نصيبهم ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾ أي نطلب حياطتكم والمحافظة على مودتكم حتى غلبنا على جميع أسراركم واستولينا عليها، وخالطناكم مخالطة الدم للبدن، من قولهم: حاذه، أي حاطه وحافظ عليه ﴿ونمنعكم من المؤمنين﴾ أي من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به، ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرغبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد، لتصديقهم لنا لأظهارنا الإيمان، ورضانا من مداهنة من نكره بما لا يرضاه إنسان.
ولما كان هذا لأهل الله أمراً غائظاً مقلقاً موجعاً؛ سبب عنه قوله: ﴿فالله﴾ أي بما له من جميع صفات العظمة ﴿يحكم بينكم﴾ أي أيها المؤمنون والكافرون المساترون والمجاهرون.
ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في الدار التي لا يظهر فيها لأحد غيره أمر ظاهراً ولا باطناً، وتظهر فيها جميع المخبئات فقال: ﴿يوم القيامة﴾ ولما كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال: ﴿ولن يجعل الله﴾ عبر بأداة التأكيد وبالاسم الأعظم لاستبعاد الغلبة
стр. 2330
على الكفرة لما لهم في ذلك الزمان من القوة والكثرة ﴿للكافرين﴾ أي سواء كانوا مساترين أو مجاهرين ﴿على المؤمنين﴾ أي كلهم ﴿سبيلاً *﴾ أي بوجه في دنيا ولا آخرة، وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول: يا أيها المتربصون بأحباب الله الدوائر، المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت الأدلة على أن العزة جميعاً لله -! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه! وما أغلظ أكبادكم! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي، ولا يملك كافر مال مسلم قهراً؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع، وما أضلهم حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا، فقال معاللاً لمنعهم السبيل.
стр. 2331
﴿إن المنافقين﴾ لإظهارهم لكل من غلب أنهم منه ﴿يخادعون الله﴾ أي يفعلون بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع مع من له الإحاطة الكاملة بكل شيء لأنه يستدرجهم من حيث لا يشعرون، وهم يخدعون المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر ﴿وهو﴾ الذي أمر المؤمنين بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك معه وهو ﴿خادعهم﴾ باستدراجهم من حيث لا يعلمون، لأنه قادر على أخذهم من مأمنهم وهم ليسوا قادرين على خدعه بوجه ﴿وإذا﴾ أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا ﴿قاموا إلى الصلاة﴾ أي المكتوبة ﴿قاموا كسالى﴾
стр. 2332
متقاعسين متثاقلين عادة، لا ينفكون عنها، بحيث يعرف ذلك منهم كل من تأملهم، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة - أقوى من الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس؛ ثم استأن في جواب من كأنه قال: ما لهم يفعلون ذلك؟ فقال: ﴿يرآءون الناس﴾ أي يفعلون ذلك ليراهم الناس، ليس إلا ليظنوهم مؤمنين، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون ﴿ولا يذكرون الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها ﴿إلا قليلاً *﴾ أي حيث يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم، يفعلون ذلك حال كونهم ﴿مذبذبين﴾ أي مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء، وحقيقة: الذي يذب عن كلا الجانبين ذباً عظيماً.
ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال: ﴿بين ذلك﴾ أي الإيمان والكفر؛ ولما كان الإيمان يدل على أهله والكفر كذلك قال: ﴿لا إلى﴾ أي لا يجدون سبيلاً مفر إلى ﴿هؤلاء﴾ أي المؤمنين ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ أي الكافرين؛ ولما كان التقدير! لأن الله أضلهم، بنى عليه قوله: ﴿ومن يضلل الله﴾ أي
стр. 2333
الشامل القدرة الكامل العلم ﴿فلن تجد﴾ أي أصلاً ﴿له سبيلاً *﴾ أي طريقاً إلى شيء يريده.
ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ، صرح به مخاطباً للمؤمنين فقال: ﴿يا أيها الذين ءامنوا﴾ أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً ﴿لا تتخذوا﴾ أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا ﴿الكافرين﴾ أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه ﴿أولياء﴾ أي أقرباء، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه.
ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي الغريقين في الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان، ولذلك قال منكراً: ﴿أتريدون﴾ أي بموالاتهم ﴿أن تجعلوا لله﴾ أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله ﴿عليكم﴾ أي في النسبة إلى النفاق ﴿سلطاناً﴾ أي دليلاً اضحاً على كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين ﴿مبيناً *﴾ واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم
стр. 2334
وجعلكم في زمرة المنافقين.
стр. 2335
ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان جزائهم عنده فقال: ﴿إن المنافقين في الدرك﴾ أي البطن والمنزل ﴿الأسفل من النار﴾ لأن ذلك أخفى ما في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأدناه، وهو أيضاً أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع الكفر، وفيه أن من السلطان وضع فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وسميت طبقات النار أدراكاً لأناه متداركة متتابعة إلى أسفل كما أن الدرج متراقية إلى فوق.
ولما أخبر أنهم من هذا المحل الضنك، أخبر بدوامه لهم على وجه مؤلم جداً فقال: ﴿ولن تجد﴾ أي أبداً ﴿لهم نصيراً *﴾ وأشار بالنهي عن موالاتهم وعدم نصرهم إلى ختام أول الآيات المحذرة من الكافرين ﴿وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً﴾ [النساء: ٤٥] .
ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقاً أولاً - متعذر، وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى، تنبيهاً على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن
стр. 2336
مات على ذلك، ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلاً لما ذكره في حيزه وتنفيراً منه فقال تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع ﴿وأصلحوا﴾ أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون فيها وغيرها بالإقلاع عن النفاق ﴿واعتصموا بالله﴾ أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه.
ولما كان الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلاً ورأساً في غاية العسر قال حثاً على مجاهدة النفس فيه: ﴿وأخلصوا دينهم﴾ أي كله ﴿لله﴾ أي الذي له الكمال كله، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا رياء ولا غيره ﴿فأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿مع المؤمنين﴾ أي الذي صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً في الجنة، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار ﴿وسوف يؤت الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿المؤمنين﴾ أي بوعد لا خلف فيه وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال عذابهم، تهذيباً لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ «سوف» ﴿أجراً عظيماً *﴾ أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها، ولا يتكدر يوماً نزيلها، فيشاركهم من كان معهم، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
стр. 2337
ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه؛ قال مؤكداً لذلك على وجه الاستنتاج منكراً على من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق في المهالك: ﴿ما يفعل الله﴾ أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق ﴿بعذابكم﴾ أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً.
ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال: ﴿إن شكرتم﴾ أي نعمه التي من أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد، المنقذ من كل ضلال، المبين لجميع ما يحتاج إليه العباد، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها، فأذعنتم له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته.
ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه، ولما كان لا يقبل إلا به قال: ﴿وآمنتم﴾ أي به إيماناً خالصاً موافقاً فيه القلب ما أظهره اللسان؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم، بل يشكر ذلك قال عاطفاً عليه: ﴿وكان الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً ﴿شاكراً﴾ لمن شكره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه ﴿عليماً *﴾ بمن عمل له شيئاً وإن دق، لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه.
стр. 2338
ولما أتم ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم
стр. 2339
بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم؛ أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به، وكذا كل جهر بسوء إلا ما استثناه، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته، فقال معللاً ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية: ﴿لا يحب الله﴾ أي المختص بصفات الكمال ﴿الجهر﴾ أي ما يظهر فيصير في عداد الجهر ﴿بالسوء﴾ أي الذي يسوء ويؤذي ﴿من القول﴾ أي لأحد كائناً من كان، فإن ذلك ليس من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله ولا من شكر الناس في شيء ولا يشكر الله من لا يشكر الناس ﴿إلا من﴾ أي جهر من ﴿ظلم﴾ أي كان من أحد من الناس ظلم إليه كائناً من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي.
ولما كان القول مما يسمع، وكان من الظلم ما قد يخفي، قال مرغباً مرهباً: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿سمعياً﴾ أي لكل ما يمكن سماعه من جهر وغيره ﴿عليماً *﴾ أي بكل ما يمكن أن يعلم
стр. 2340
فاحذروه لئلا يفعل بكم فعل الساخط، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلاً فيما يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلاً - لكن جعله من جملة السوء وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة، وهي نهي الفطن عن تعاطيه وحثه على العفو، لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - كف عنه إن كان موفقاً.
ولما كانت معاقد الخيرات على كثرتها منحصرة في قسمين: إيصال النفع إبداء وإخفاء، ودفع الضرر، فكان قد أشار إلى العفو، وختم بصفتي السمع والعلم؛ قال مصرحاً بالندب إلى العفو والإحسان، فكان نادباً إليه مرتين: الأولى بطريق الإشارة لأولى البصارة، والثانية بطريق العبارة للراغبين في التجارة، حثاً على الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل في باب الكرم: ﴿إن تبدوا خيراً﴾ أي من قول أو غيره ﴿أو تخفوه﴾ أي تفعلوه خفية ابتداء أو في مقابلة سوء فعل إليكم؛ ولما ذكر فعل الخير أتبعه نوعاً منه هو أفضله فقال: ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ أي فعل بكم.
ولما كان التقدير: يعلمه بما له من صفتي السمع والعلم فيجازي عليه بخير أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم؛ سبب عنه قوله: ﴿فإن﴾
стр. 2341
أي فأنتم جديرون بالعفو بسبب علمكم بأن ﴿الله كان﴾ أي دائماً أزلاً وأبداً ﴿عفواً﴾ ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفواً إلا إذا كان من قادر وكان الكف - عند القدرة عن الانتقام، ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيداً، شاقاً على النفس شديداً؛ قال تعالى مذكراً للعباد بذنوبهم إليه وقدرته عليهم: ﴿قديراً *﴾ أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال الجانين والقدرة على كل ما يريد ومن يريد، فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز أولى بالعفو طمعاً في عفو القادر عنه وخوفاً من انتقامه منه وتخلقاً بخلقه العظيم والاقتداء بسنته.
ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو، وختم بصفتي العفو والقدرة؛ شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب، وبيان أنهم هم الذين أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسَّعَ عقولهم لها ما أنعم به عليهم من العلم، فأبدوا الشر وكتموا الخير، فوضعوا نعمته حيث يكره، ثم كشف بعض شبههم، فقال مبيناً لما افتتح به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، ويريدون ضلال غيرهم، بعد أن كان ختم هناك
стр. 2342
ما قبل قصصهم بقوله عفواً قديراً: ﴿إن الذين يكفرون﴾ أي يسترون ما عندهم من العلم ﴿بالله﴾ أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال ﴿ورسله﴾ .
ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال: ﴿ويريدون أن يفرقوا بين الله﴾ أي الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه ﴿ورسله﴾ أي فيصدقون بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم، المستلزم لنسبتهم إلى الكذب على الله المقتضي لكون الله بريئاً منهم.
ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال: ﴿ويقولون نؤمن ببعض﴾ أي من الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى ﵊ وغيره إلا عيسى ومحمداً ﷺ فكفروا بهما ﴿ونكفر ببعض﴾ أي من ذلك وهم الرسل كمحمد ﷺ ﴿ويريدون أن يتخذوا﴾ أي يتكلفوا أن يأخذوا ﴿بين ذلك﴾ أي الإيمان والكفر ﴿سبيلاً *﴾ أي طريقاً يكفرون به، وعطف الجمل بالواو - وإن كان بعضها سبباً لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها على انفراده، وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم، وقدم نتيجتها،
стр. 2343
وختم بالحكم بها على وجه أضخم، تفظيعاً لحالهم، وأصل الكلام: أرادوا سبيلاً بين سبيلين، فقالوا: نكفر ببعض، فأرادوا التفرقة، فكفروا كفراً هو في غاية الشناعة على علم منهم، فأنتج ذلك: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم الكافرون﴾ أي الغريقون في الكفر ﴿حقاً﴾ ولزمهم الكفر بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ذلك الدليل، وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به على شيء كالمعجزة، فلزم حينئذ الكفر بالجميع، فثبت أن من كذب بنبوة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء، ومن لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به.
ولما كان التقدير: فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذاباً مهيناً، عطف عليه تعميماً: ﴿وأعتدنا للكافرين﴾ أي جميعاً ﴿عذاباً مهيناً *﴾ أي كما استهانوا ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة، والآية شاملة لهم ولغيرهم ممن كان حاله كحالهم، وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب شيء وأحسنه للتعريف بأنهم منافقون، من حيث أنهم يظهرون شيئاً من أمر النبي ﷺ ويبطنون غيره وإن كان ما يظهرونه على الضد مما يظهره المنافقون، وبأنهم هم الذين أضلوا
стр. 2344
المنافقين، وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم، وفي ذلك التفات إلى أول هذه القصة ﴿يا أيها الذين ءامنوا ءامِنوا بالله ورسوله﴾ [النساء: ١٣٦] .
стр. 2345
ولما بين ما أعد لهم بيّن ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته بقوله: ﴿والذين ءامنوا بالله﴾ أي الذي له الكمال والجمال ﴿ورسله﴾ ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران، صرح بما أفهمه فقال: ﴿ولم يفرقوا﴾ أي في اعتقادهم ﴿بين أحد منهم﴾ أي لم يجعلوا أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء، والتفرقة تقتضي شيئين فصاعداً، و «أحد» عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، فلذلك صح التعبير به بمعنى: بين اثنين أو جماعة، وكأنه اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان الإيمان بالبعض دون البعض كفراً ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة في رتب السعادة.
ولما كان المراد تأكيد وعدهم، وكان المشاهد فيه غالباً التأخر قال: ﴿سوف نؤتيهم﴾ أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر، فالمراد تحقيقه، لا تحقيق تأخره، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفاً وأشد تنفيساً، لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد، الشامل
стр. 2346
لمن لم يكن له عمل، ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى ﴿أجورهم﴾ أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم.
ولما كان الإنسان محل النقصان قال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه ما له من صفات الكمال ﴿غفوراً﴾ لما يريد من الزلات ﴿رحيماً *﴾ أي بمن يريد إسعادة بالجنات.
ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من اليهود قالا كذباً: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى ﵊ بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله: ﴿يسألك﴾ .
ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه
стр. 2347
بهذه الشبهة ونحوها، زيفها أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله: ﴿أهل الكتاب﴾ إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح ﴿أن تنزل عليهم﴾ أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم ﴿كتاباً من السماء﴾ ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى ﵊ أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام، ظناً منهم أن الله ﵎ أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة.
ولما كان هذا مما يستعظمه النبي ﷺ أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له ﷺ أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو
стр. 2348
فقال: ﴿فقد﴾ أي إن تستعظم ذلك فقد ﴿سألوا﴾ أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم ﴿موسى﴾ لغير داع سوى التعنت ﴿أكبر﴾ أي أعظم ﴿من ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك، ثم بينه بقوله: ﴿فقالوا أرنا الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا شبيه له وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته ﴿جهرة﴾ أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتاً للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله: ﴿فأخذتهم﴾ أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة ﴿الصاعقة﴾ أي نار نزلت من
стр. 2349
السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، فأهلكتهم ﴿بظلمهم﴾ أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة ﴿ثم﴾ بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة ﴿اتخذوا العجل﴾ أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه.
ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: ﴿من بعد﴾ وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه ﴿ما جاءتهم البينات﴾ أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات ﴿فعفونا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿عن ذلك﴾ أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم ﴿وآتينا﴾ أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة ﴿موسى سلطاناً﴾ أي تسلطاًَ واستيلاء قاهراً ﴿مبيناً *﴾ أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ظاهر إلى أنه يسلط محمداً ﷺ على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط.
стр. 2350
ولما بيَّن هذا من عظمته أتبعه أمراً آخر أعظم منه فقال: ﴿ورفعنا﴾ أي بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: ﴿فوقهم الطور﴾ أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب رفعه فقال: ﴿بميثاقهم﴾
следующие страницы →