Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم.
ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم، علل ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد من الإعادة - بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: ﴿إن ربكم﴾ أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ أي على اتساعهما وعظمتهما.
ولما كان ربما قال الكفار: ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده، فقال: ﴿في ستة أيام﴾ أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع الخلق إله واحد! أشار إلى
стр. 3327
عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: فلان جلس على سرير الملك، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد.
ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود: ﴿يغشي﴾ أي استوى حال كونه يغشي ﴿الليل النهار﴾ وقال أبو حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع
стр. 3328
النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ ﴿اليّل﴾ في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولاً، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيداً عمراً، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى - انتهى.
стр. 3329
ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل ﴿يطلبه﴾ أي الليل يجر ويطلب النهار دائماً طلباً ﴿حثيثاً﴾ أي سريعاً جداً لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل، لأنهما ضدان، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق، وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم في اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن جني أن يكون ﴿يطلبه﴾ حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر، وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين
стр. 3330
والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً، على أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل.
ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ أي خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته خال كون الكل ﴿مسخرات﴾ أي للسير وغيره ﴿بأمره﴾ وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر.
ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، أنتج قطعاً قوله ﴿ألا له﴾ أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: ﴿الخلق﴾ وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسماً او جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم الأمر بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره ﴿والأمر﴾ وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام
стр. 3331
كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية؛ وقال الرازي: كل ما كان بريئاً من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر، وعد الملائكة من عالم الأمر، فأتنج ذلك قطعاً قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذري الآفاق: ﴿تبارك﴾ أي ثبت ثبوتاً لا ثبوت في الحقيقة غيره اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة ﴿الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام.
ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال: ﴿رب العالمين*﴾ أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقاً وتصريفاً بأمره، وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما يقول هذه الدوبية - يعني بشراً المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد! يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، قال الله ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فالخلق خلق الله، والأمر القرآن - انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله ﴿بأمره﴾ وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته.
стр. 3332
ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك المعارف، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال: ﴿ادعوا ربكم﴾ أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع ﴿تضرعاً﴾ أي تذللاً
стр. 3333
ظاهراً ﴿وخفية﴾ أي وتذللاً باطناً، وقد أثنى على عبده زكريا ﵇ فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفياً﴾ [مريم: ٣] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن، أي أخلصوا له العبادة، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز الربوبية، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي، وهو المقصود من جميع العبادات، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه، ومن فعل خلاف ذلك فقد تجاوز الحد، وإلى ذلك أوماً بتعليله بقوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين*﴾ أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره، قالوا فالمعنى أن من ترك هذا لا يحبه الله، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه، فالآية من الاحتباك آخرها يدل على حذف ضده من صدرها، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر: ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين.
ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضياًَ للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله: ﴿ولا تفسدوا﴾ أي لا تدفعوا فساداً ﴿في الأرض﴾ أي بالشرك والظلم، فهو منع من
стр. 3334
إيقاع ماهية الإفساد في الوجود، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال ﴿بعد إصلاحها﴾ والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقاً بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله ﴿يغشي الليل النهار﴾ [الأعراف: ٥٤] ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول.
ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف، نفى ذلك بقوله ﴿وادعوه خوفاً﴾ أي من عدله؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه، عبر بالطمع فقال: ﴿وطمعاً﴾ أي في فضله، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلاً للرحمة ﴿إن رحمت الله﴾ أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبوية، فقال: ﴿قريب﴾ وكان الأصل منكم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: ﴿من المحسنين*﴾ .
стр. 3335
ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث، وهو من أجلّ أنواع الرحمة، وهو لا يكون إلا بالسحاب، وهو لا يكون إلا بالريح، قال تعالى عاطفاً على ﴿إن ربكم الله﴾ تنبيهاً بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد: ﴿وهو﴾ أي لا غيره ﴿الذي يرسل﴾ أي بالتحريك ﴿الرياح﴾ هذا في قراءة الجماعة، وأنواعها خمس: جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين، ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس ﴿بشرا﴾ بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة، أي منتشرة جمع نشور من النشر، وهو بسط ما كان مطوياً وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتهما إلى الهواء واحدة ﴿بين يدي﴾ أي قبل ﴿رحمته﴾ أي المطر، ولعله عبر فيه باليدين: اليمنى واليسرى، لدلالته - مع ما فيه من الفخامة - على انه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذاباً كما كان على قوم نوح ﵇ وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء، وتارة مفرقة مبطلة لها، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف، وتارة تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة؛ ثم غيّ الإرسال بقوله ﴿حتى إذا أقلت سحاباً﴾ أي حملتها
стр. 3336
لقلتها عندها لخفتها عليها ﴿ثقالاً﴾ أي بالماء؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق الأمر بالوصف، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعاً كأنه قطعة واحدة، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لاختل أمره، فقال: ﴿سقناه لبلد﴾ أي لأجله وإليه ﴿ميت﴾ أي بعدم النبات ﴿فأنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿به﴾ أي البلد، أو بسبب ذلك السحاب ﴿الماء﴾ أي هذا الجنس، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال ﴿فأخرجنا به﴾ أي بالماء ﴿من كل الثمرات﴾ أي الحقيقية على الأشجار، والمجازية من النبات وحبوبه، ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلاً ثانياً في غاية الدلالة على القدرة على البعث، قال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن ﴿نخرج الموتى﴾ أي من الأرض بعد أن صاروا تراباً ﴿لعلكم تذكرون*﴾ أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام، لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في الأرض وصار تراباً، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها، فهو
стр. 3337
قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة، لأنه لا فرق بين الإخراجين.
стр. 3338
ولما كانت الموت موتين: حسياً ومعنوياً - كما أشير في الأنعام في آية ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله﴾ [الأنعام: ٣٦] ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢] كان كأنه قيل: لا فرق في ذلك عندما بين أموات الإيمان وأموات الأبدان، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيداً وبعضها رديئاً كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيباً وبعضها خبيثاً، فالجيد العنصر يسهل إيمانه، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد استقامته وإيقانه ﴿والبلد الطيب﴾ أي الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة ﴿يخرج نباته﴾ أي إذا نزل عليه الماء خروجاً كثيراً حسناً سهلاً غزيراً ﴿بإذن﴾ أي بتمكين ﴿ربه﴾ أي المربي له بما هيأه له، والذي طاب في الجملة ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك، والخبيث لا يخرج له نبات أصلاً بمنع ربه له ﴿والذي خبث﴾ أي حصلت له خباثة في جبلته بكون أرضه سبخة أو نحوها مما لا يهيئه الله تعالى للإنبات ﴿لا يخرج﴾ أي نباته ﴿إلا﴾ أي حال كونه ﴿نكداً﴾ أي قليلاً ضعيف المنفعة، وهو -
стр. 3339
مع كونه دالاً على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة، والآية من الاحتباك.
ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات، كان السامع جديراً بأن يقول: هل تبين جميع هذه الآيات هذه البيان؟ فقيل: ﴿كذلك﴾ أي نعم، مثل هذا التصريف، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر: ﴿نصرف الآيات﴾ أي كلها؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على التفرد وتمام القدرة، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصاً بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم توجد: ﴿لقوم يشكرون*﴾ أي يوجد منهم الشكر للنعم وجوداً مستمراً فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادته وحده، وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون عنه، فلا يسلبون عنه شيئاً من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم أهل معالي الأخلاق التي منها أنه ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان.
стр. 3340
ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده، ولم يرجع عن غيّه وعناده بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين، ونوَّع في هذه الآيات محاسن الدلالات على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة، ساق سبحانه تلك القصص دليلاً حسياً على أن في الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل أحوال من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيأن مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئاً ولا كثرتهم بقوله تعالى
﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ [الأعراف: ٤] وقوله ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة﴾ [الأعراف: ٣٤] الآية تسلية للنبي ﷺ وتقوية لصالحي أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي عادة الأمم السالفة، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين، فقال تعالى ﴿لقد أرسلنا﴾ أي بعظمتنا، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة إليه، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالباً إلا مقترنة بقد، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم ﴿نوحاً﴾ يعني ابن لمك بم
стр. 3341
متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس ﵇، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة.
ولما كان إرساله ﷺ قبل القبائل باختلاف اللغات قال: ﴿إلى قومه﴾ أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس ﵁، ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل آثارهم وعرف أخبارهم، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد، وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم قياس الاستقرار - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها، ولسوق ذلك دليلاً على ما ذكر جاء مجرداً عن أدوات العطف، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ٥٤] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وكون نوح ﵇ رسولاً إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في تخصيص نبينا ﷺ بعموم الرسالة، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن والملائكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان.
ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا
стр. 3342
الرسول لم تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله ﴿فقال يا قوم﴾ أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة ﴿اعبدوا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به.
ولما كان المقصود إفراده بذلك، علله بقوله مؤكداً له بإثبات الجار ﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من إله غيره﴾ ثم قال معللاً أو مستأنفاً مخوفاً مؤكداً لأجل تكذيبهم: ﴿إني أخاف عليكم﴾ في الدنيا والآخرة، ولعلة قال هنا: ﴿عذاب يوم عظيم*﴾ وفي هود ﴿أليم﴾ [هود: ٢٦] وقال في المؤمنون ﴿أفلا تتقون﴾ [المؤمنون: ٢٣] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد الصحابة ﵃ فلعله جاء على ترتيبها في النزول، لأنها مكيات، وعلى ترتيب مقال نوح ﵇ لهم فألان لهم أولاً المقال من حيث إنه أوهم أن العظم الموصوف به ﴿اليوم﴾ لا بسبب العذاب بل الأمر آخر، فيصير العذاب مطلقاً يتناول أي عذاب كان ولو قل، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه، فلما لجوا في عتوهم قال لهم قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له:
стр. 3343
ألا تفعل ما أقول لك؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي.
ولما تم ذلك، وكان الحال مقتضياً - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق، كان كأنه قيل: فبماذا كان جوابهم؟ فقال ﴿قال الملأ﴾ أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية، لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب، ولأن من آمن به مطلقاً كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة، فكيف عند تقييدهم بالشرف! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله: ﴿من قومه﴾ وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكداً ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب لهم فقالوا: ﴿إنا لنراك﴾ أي كل واحد منا يعتقد اعتقاداً هو في الثقة به كالرؤية أنك ﴿في ضلال﴾ أي خطأ وذهاب عن الصواب، هو ظرف لك محيط بك ﴿مبين*﴾ أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره.
стр. 3344
ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم، وبنفيه ينتفي كل أخصيّاته بل نفي أقل شيء من الضلال، فقال
стр. 3345
تعالى مخبراً عنه ﴿قال ياقوم﴾ مجدداً لا ستعطافهم ﴿ليس بي ضلالة﴾ فنفى وحدة غير معينة، ولا يصدق ذلك إلا بنفي لكل فرد، فهو أنص من نفي المصدر، ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود، إما لأنها صفة ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية بعد أن أسلم بعضهم.
ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من صفات الخلق، فقال مستدركاً - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده: ﴿ولكني رسول﴾ أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق ﴿من رب العالمين*﴾ أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال، فرد الأمر عليهم بألطف إشارة؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بياناً لرسالته فقال: ﴿أبلغكم﴾ وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة ﵉ فقال: ﴿رسالات ربي﴾ أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع.
стр. 3346
ولما كان الضلال من صفات الفعل، واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث في قوله: ﴿وأنصح﴾ وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال: ﴿لكم﴾ والنصيحة: الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه، ولما كان الضلال من الجهل قال: ﴿وأعلم من الله﴾ أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه ﴿ما لا تعلمون*﴾ أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالاً.
ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سيأتي في غير هذه السورة، أنكر ذلك عليهم بقولة: ﴿أو عجبتم﴾ أي أكذبتم وعجبتم ﴿أن جاءكم﴾ وضمن جاء معنى أنزل، فلذلك جعلت صلته «على» فقال: ﴿ذكر﴾ رسالة ﴿من ربكم﴾ أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلاً ﴿على الرجل﴾ أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه ﴿منكم﴾ لقولكم: ﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي إرسال البشر ﴿في آبائنا الأولين﴾
[المؤمنون: ٢٤] ﴿لينذركم﴾ لتحذروا ما ينذركموه ﴿ولتتقوا﴾ أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون ﴿ولعلكم ترحمون*﴾ أي وليكون حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى
стр. 3347
رحمته بأن يرفعه الله في الدارين.
ولما نسبوه أولاً إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه، فأقام لهم الدليل على أنه على الصواب، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما لوحوا إليه أولاً بالضلال من التكذيب فقال: ﴿فكذبوه﴾ أي الملأ وتبعهم من دونهم؛ ولما تسبب عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن آمن به، قال مقدماً لإنجائه اهتماماً به: ﴿فأنجيناه﴾ بما لنا من العظمة من أهل الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به: ﴿والذين معه﴾ أي بصحبة الأعمال الدينية ﴿في الفلك﴾ وهو السفينة التي منّ الله على الناس بتعليمه عملها لتقيه من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة لمن أتى بعدهم ﴿وأغرقنا﴾ أي بالطوفان، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها موضعاً حتى أحاط به، وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للفعل بالوصف إشارة إلى أن من فعل مع الرسول شيئاً فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه فقال: ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما لها من العظمة بالنسبة إلينا، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل في التعدية، وقرنت ب ﴿الذين﴾ لأنه أخلص الموصولات واصرحها.
стр. 3348
ولما أعيدت القصة في سورة يونس ﵇، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة، فعدي التضعيف مع ما فيه من الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد التفويض في قوله ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ [يونس: ٧١] ، وتلا ب ﴿من﴾ ضماً للفرع إلى الفرع فإن ﴿من﴾ مشترك بين الوصل والشرط، وهي أيضاً قد تطلق على ما لا يعقل، فناسب ذلك الحال، وزيد هناك في وصف الناجين ﴿وجعلناهم خلائف﴾ [يونس: ٧٣] نظراً إلى قوله تعالى في في أول السورة ﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا﴾ [يونس: ١٣] ، ثم قال: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ [يونس: ١٤] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا، ثم أشار لهم - في قصة نوح ﵇ بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - إلى أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين.
ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلاً، وهو ناشىء عن عمى البصيرة أو البصر، ناسب أن يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكداً لإنكارهم ذلك ﴿إنهم كانوا﴾ أي لما جبلتهم من العوج
стр. 3349
﴿قوماً عمين*﴾ أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون، ثابت لهم ذلك، بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل، وختمت القصة في يونس بقوله
﴿فانظر كيف كان عاقبة المنذرين﴾ [يونس: ٧٣] لقوله أولها ﴿إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري﴾ [يونس: ٧١] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان تبشيراً لما عز عليهم.
ولما كان عاد بعدهم، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب، اتبعهم بهم مقدماً المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال: ﴿وإلى عاد﴾ خاصة أرسلنا ﴿أخاهم﴾ أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في الثقة والأمانة أعرف؛ ولما عطفه على نوح ﵉ بعد تقديم المرسل إليهم، بينه بقوله: ﴿هوداً﴾ بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض، لأن القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحداً، ولم تفرق الألسنة إلا بعد الصرح، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض، فكان المعنى حينئذ لا يختلف في قصته بتقديم ولا تأخير، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه أهم.
ولما وكانت قصة نوح ﵇ أول قصص الأنبياء مع قومهم، ولم يكن للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه، فأتى فيها
стр. 3350
بالأصل «أرسلناه» فقال سياقاً واحداً إخباراً لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من أجزائها؛ أتت قصة هود ﵇ بعد علم السامعين بقصة نوح ﵇ مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى انه هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله: ﴿قال﴾ كقوله نوح ﵇ سواء ﴿يا قوم﴾ مذكراً لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم ﴿اعبدوا الله﴾ أي لا ستحقاقه ذلك لذاته؛ ثم علل أو استأنف بقوله: ﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من إله غيره﴾ ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم نوح قال: ﴿أفلا تتقون*﴾ أي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية.
ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب، أجيب بقوله ﴿قال الملأ﴾ أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، ولما كانت عاد قليلاً بالنسبة إلى قوم نوح ﵇، وكان قد أسلم من أشرافهم من له غنى في الجملة، قيد بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا ما من حقه الظهور من أدلة الوحدانية، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله ﴿من قومه﴾ وأكدوا ما واجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه يكذبهم بقولهم: ﴿إنا لنراك﴾ أي لنعلمك علماً متيقناً
стр. 3351
حتى كأنه محسوس ﴿في سفاهة﴾ أي مظروفاً لخفة العقل، فهي محيطة بك من جميع الجوانب، لا خلاص لك منها، فلذا أدتك إلى قول لا حقيقة له، فالتنوين للتعظيم، فإن قيل: بل للتحقير، كأنهم توقفوا في وصفه بذلك كما توقفوا في الجزم بالكذب فقالوا: ﴿وإنا لنظنك من الكاذبين*﴾ أي المتعمدين للكذب، وذلك لأنه كان عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح ﵇ ولم يكن العهد بعيداً، وأما قوم نوح فجزموا بالضلال وأكدوه بكونه مبيناً، لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك، ولهذا قالوا
﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ [المؤمنون: ٢٤] ، قيل: ليس كذلك، فقد ورد في جواب قوم نوح في سورة هود مثل هذا، وهو قوله ﴿بل نظنكم كاذبين﴾ [هود: ٢٧] ؛ فإن قيل: إنما كان هذا في ثاني الحال بعد أن نصب لهم الأدلة وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال، فإنه يبعد أن يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم، قيل: والأمر كذلك في قصة هود ﵇ سواء فإنه لم يقل له ذلك إلا الكفار من قومه، فتقييدهم بالوصف يدل على أنه كان فيهم من اتبعه، بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن، وتعبير في الكذب لإرادتهم أنه يكفي في
стр. 3352
وصفه بالسفاهة التي زعموها إقدامه على ما يحتمل معه ظنهم لكذبه، أو يكون قوله غير الحق في زعمهم مردداً بين أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما رموه به من السفه من غير تأمل. ولما قابلوا لينته لهم وشفقته عليهم بهذه الغلطة، أعرض عن ذلك وعاملهم من الحلم بضده ما سموه به بأن ﴿قال﴾ معلماً الأدب في مخاطبة السفهاء ﴿يا قوم﴾ مذكراً بما بينهم من النسب الداعي إلى الود والمناصحة والعطف والملاطفة ﴿ليس بي سفاهة﴾ فنفى أن يكون به شيء من خفة حلم، فانتقى أن يكون كاذباً لأن الداعي إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج إلى تخصيصه بنفي.
ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله: ﴿ولكني رسول﴾ وبين المرسل تعظيماً للأمر بقوله ﴿من رب العالمين*﴾ أي المحسن إليهم بعد نعمة الإيجاد والأرزاق بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي بها انتظام نعمة الإبقاء ﴿أبلغكم﴾ وجمع الرسالة لما تقدم في قصة نوح ﵇ فقال: ﴿رسالات ربي﴾ أي المحسن إليّ بتعليمي ما لم أكن أعلم وتأهيلي لما لم يكن في حسابي.
ولما كانوا قد رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم والرزانة، عبر عن مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثبات فقال: ﴿وأنا لكم ناصح﴾ أي لم يزل النصح من صفتي، وليس هو تكسبته بل غريزة فيّ، وقد بلوتموني فيه قبل الرسالة وإظهار هذه المقالة
стр. 3353
دهراً دهيراً وزماناً طويلاً؛ ولما قالوا إنهم يظنون كذبه، زادهم صفة الأمانة فقال: ﴿أمين*﴾ .
стр. 3354
ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه، أنكر عليهم ذلك ذاكراً لما ظنه حاملاً لهم ملوحاً بالعطف إلى التكذيب فقال: ﴿أو عجبتم﴾ أي أكذبتم وعجبتم ﴿أن جاءكم ذكر﴾ أي شرف وتذكير ﴿من ربكم﴾ أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط، منزلاً ﴿على رجل منكم﴾ أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء ﴿لينذركم﴾ أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة.
ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيراً به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله: ﴿واذكروا إذ﴾ أي حين ﴿جعلكم خلفاء﴾ أي فيما أنتم فيه من الأرض، ولما كان زمنهم متراخياً بعدهم، أتى بالجار فقال: ﴿من بعد قوم نوح﴾ أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله ﴿أو عجبتم﴾ من طلب الجواب، أي أجيبوا واذكروا، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في ﴿أفلا تتقون﴾ ، ﴿أو عجبتم﴾ أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا، أو يكون العطف - وهو أحسن على ﴿اعبدوا الله﴾ وقوله ﴿خلفاء﴾
стр. 3355
قيل: إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض، وأن عاداً إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن، فقيل: إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض، فكأنه قيل: جعل جدكم خليفة في جميع الأرض، فلو حصل الشكر لتمت النعمة، فأطيعوا يزدكم من فضله، وقيل: إن قصة ثمود مثل ذلك، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد، فأجيب بما طرد، وهو أن عاداً لما كانوا أقوى أهل الأرض أبداناً وأعظمهم أجساداً وأشدهم خلقاً أشهرهم قبيلة وذكراً، كان سائر الناس لهم تبعاً، وكذا ثمود فيما فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتاً، وعندي أن السؤال من أصله لا يريد فإن بين قولنا: فلان خليفة فلان، وفلان خليفة من بعد فلان - من الفرق ما لا يخفي، فالمخلوف في الثاني لم يذكر، فكأنه قيل: جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيراً بما حل بهم من العذاب، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن بالذكر، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار، ومعلوم
стр. 3356
أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾
[الإسراء: ١٥] وفي قصة هود في سورة الأحقاف ﴿وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه﴾ [الأحقاف: ٢١] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالاً لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم.
ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام، أتبعه التذكير بالزيادة فقال: ﴿وزادكم﴾ أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم ﴿في الخلق﴾ أي الخاص بكم ﴿بسطة﴾ أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان، قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً، وقيل: أكثر.
ولما عظمت النعمة، كرر عليهم التذكير فقال مسبباً عن ذلك ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلاً، فصار مستحقاً لأن تخصوه بالعبادة ﴿لعلكم تفلحون*﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحه وهو ظفره بجميع مراده، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة.
стр. 3357
ولما كان هذا منه موجباً ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان لهذه الحجة القطعية، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام، ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم، فأجيب بقوله: ﴿قالوا﴾ منكرين عليه معتمدين على محض التقليد ﴿أجئتنا﴾ أي من عند من ادعيت أنك رسوله ﴿لنعبد الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿وحده﴾ ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار، أتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا: ﴿ونذر﴾ أي نترك على غير صفة حسنة ﴿ما كان يعبد آباؤنا﴾ أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب «كان» وصيغة المضارع - مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم.
ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم نوح وقوله ﴿أفلا تتقون﴾ إلى الأخذ إن أصروا، سببوا عن ذلك قولهم: ﴿فأتنا﴾ أي عاجلاً ﴿بما تعدنا﴾ أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب بقولهم: ﴿إن كنت من الصادقين*﴾ وتسميتهم للانذار بالعذاب وعداً من باب الاستهزاء.
ولما كانوا قد بالغوا في السفه في هذا القول، وكان قد علم من محاورته ﷺ لهم الحلم عنهم، اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه لهذا والتوقع له، فشفى غليل هذا التشوف بقوله:
стр. 3358
﴿قال قد وقع﴾ أي حق ووجب وقرب أن يقع ﴿عليكم من ربكم﴾ أي الذي غربكم به تواتر إحسانه عليكم وطول إملائه لكم ﴿رجس﴾ أي عذاب شديد الاضطراب في تتبع أقصاكم وأدناكم موجب لشدة اضطرابكم ﴿وغضب﴾ أي شدة في ذلك العذاب لا تفلتون منها.
ولما أخبرهم بذلك، بين لهم أن سببه كلامهم هذا في سياق الإنكار فقال: ﴿أتجادلونني﴾ ولما كانت آلهتهم تلك التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء لكونها خالية من كل معنى، قال: ﴿في أسماء﴾ ثم بين أنه لم يسمها آلهة من يعبد به فقال: ﴿سميتموها انتم وآباؤكم﴾ ولما كان لله تعالى أن يفعل ما يشاء وأن يأمر بالخضوع لمن يشاء، قال نافياً التنزيل فإنه يلزم من نفي الإنزال: ﴿ما نزل الله﴾ أي الذي ليس الأمر إلا له ﴿بها﴾ أي بتعبدكم لها أو بتسميتكم إياها، وأغرق في النفي فقال: ﴿من سلطان﴾ ولعله أتى بصيغة التنزيل لأن التفعيل يأتي بمعنى الفعل المجدد وبمعنى الفعل بالتدريج فقصد - لأنه في سياق المجادلة وفي سورة مقصودها إنذار من أعرض عما دعا إليه هذا الكتاب النازل بالتدريج - النفي بكل اعتبار، سواء كان تجديداً أو تدريجاً وإشارة إلى أنه لو نزل عليهم في الأمر بعبادتها شيء واحد لتوقفوا فيه لعدم فهمهم لمعناه حتى يكرر عليهم الأمر فيه مرة بعد أخرى، فيعلموا أن ذلك أمر حتم لا بد منه كما فعله بنو إسرائيل في الأمر بذبح البقرة لأجل القتيل لأجل أنهم لم يعقلوا
стр. 3359
معناه، دل ذلك قطعاً على أن الأمر لهم بعبادتها إنما هو ظلام الهوى لأنه عمى محض من شأن الإنسان ركوبه بلا دليل أصلاً.
ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه، بين لهم أن الوقوع ليس على ظاهرة في الإنجاز، وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال: ﴿فانتظروا﴾ ثم استأنف الإخبار عن حاله بقوله: ﴿إني﴾ وأشار بقوله: ﴿معكم﴾ إلى أنه لا يفارقهم لخشيته منهم ولا غيرها ﴿من المنتظرين*﴾ .
стр. 3360
ولما كان هذا ينبغي أن يكون سبباً للتصديق الذي هو سبب الرحمة، بين أنه إنما سبب لهم العذاب، وله ولمن تبعه النجاة، فبدأ بالمؤمنين اهتماماً بشأنهم بقوله: ﴿فأنجيناه﴾ أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّاً سريعاً سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين ﴿والذين معه﴾ أي في الطاعة، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله: ﴿برحمة﴾ أي بإكرام وحياطة ﴿منا﴾ أي لا بعمل ولا غيره.
ولما قدم الإنجاء اهتماماً به، أتبعه حالهم فقال معلماً بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب، فتفوتهم أواخر العساكر وشذاب الجنود والأتباع ﴿وقطعنا﴾ دابرهم أي آخرهم، هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تصريحاً بالمقصود وبياناً لعلة أخذهم فقال: ﴿دابر﴾ أي آخر، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود ﵇ ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة
стр. 3361
إلينا وقوله: ﴿وما كانوا﴾ أي خلقاً وجبلة ﴿مؤمنين*﴾ عطف على صلة ﴿الذين﴾ وهي ﴿كذبوا بآياتنا﴾ وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول ﴿إنهم كانوا قوماً عمين﴾ [الأعراف: ٦٤] تعليلاً لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، فالمعنى: وما كان الإيمان من صفتهم، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون الجملة حالاً، والمعنى على كل تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم.
ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال
стр. 3362
﴿وإلى ثمود﴾ أي خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، أرسلنا ﴿أخاهم صالحاً﴾ ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود ﵇ فقال: ﴿قال يا قوم﴾ مستعطفاً لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة ﴿اعبدوا الله﴾ أي الذي لا كمال إلا له ﴿ما لكم﴾ وأكد النفي بقوله: ﴿من إله غيره﴾ .
ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو ﷺ ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: ﴿قد جاءتكم بينة﴾ أي آية ظاهرة جداً على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به، وزادهم رغبة بقوله: ﴿من ربكم﴾ أي الذي لم يزل محسناً إليكم؛ ثم استأنف بيانها بقوله: ﴿هذه﴾ مشيراً إليها بعد تكوينها تحقيقاً لها وتعظيماً لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله.
ولما أشار إليها، سماها فقال: ﴿ناقة الله﴾ شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: ﴿لكم﴾ حال كونها ﴿آية﴾ أي لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فذروها﴾ أي اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك ﴿تأكل﴾ أي من النبات و ﴿في أرض الله﴾ أي مما أنبت الله الذي له كل شيء
стр. 3363
وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقاً أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى.
ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ فضلاً عما بعد المس ﴿فيأخذكم﴾ أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه ﴿عذاب أليم*﴾ أي مؤلم.
ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيباً مشيراً إلى ترهيب فقال: ﴿واذكروا﴾ أي نعمة الله عليكم ﴿إذ جعلكم خلفاء﴾ أي فيما أنتم فيه ﴿من بعد عاد﴾ أي إهلاكهم ﴿وبوأكم في الأرض﴾ أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: ﴿تتخذون﴾ أي بما لكم من الصنائع ﴿من سهولها قصوراً﴾ أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن ﴿وتنحتون الجبال﴾ أي أيّ جبل أرتم تقدرونها ﴿بيوتاً﴾ .
ولما ذكرهم بهذه النعم مرغباً مرهباً، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسبباً عما ذكرهم به: ﴿فاذكروا﴾ أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة ﴿آلاء﴾ أي نعم ﴿الله﴾ أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة
стр. 3364
به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ من العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون قوله: ﴿مفسدين*﴾ بمعنى معتمدين للفساد.
стр. 3365
ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: ﴿قال الملأ﴾ أي الأشراف، وبينه بقول: ﴿الذين استكبروا﴾ أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقاً فلم يؤمنوا؛ ونبه على التأسية بقوله: ﴿من قومه﴾ ولما قال: ﴿للذين استضعفوا﴾ كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلاً منه: ﴿لمن آمن منهم﴾ أي المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ففيه إيماء إلى أن الضعف أجلّ النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد ﴿أتعلمون﴾ أي بدؤوهم بالإنكار صداً لهم عن الإيمان ﴿أن صالحاً﴾ سموه باسمه جفاء وغلطة وإرهاباً للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم ﴿مرسل من ربه﴾ وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين.
ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتماداً على الكبير المتعال
следующие страницы →