Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
عند المخايل كشف عنهم، فدل قطعاً على ان الآتي به هو الله الذي آمنوا به غذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجباً للإيقاع بهم، ولو عذبوا كغيرهم ليقل: هذه عادة الدهر، كما قالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء ودل ذلك على أن عذاب غيرهم من الأمم إنما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طرداً بأحوال سائر الأمم من أنه كلما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب، وعكساً منه كلما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى - والله الموفق) بسم الله (اي الذي لا أمر لأحد سواه فلا كلام يشبه كلامه فلا كفوء له) الرحمن (الذي عم بكلامه جميع خلقه فأوضح البيان) الرحيم (الذي أتم لمطيعهم نعمة الامتنان)
стр. 4097
﴿الر﴾ فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وأمالها ورش عن نافع بين بين، والباقون بالإمالة المحضة، والأصل في ذلك الفتح، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفاً - نقل ذلك عن الواحدي.
لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول قي ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخر في سورتي الأنفال وبراءة، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء
стр. 4098
لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته. وأن الرسول ﷺ بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئاً لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم؛ لما كان ذلك كذلك، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة، وزاده وصف الحكمه وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال: ﴿تلك﴾ أي الآيات العظيمة جداً التي اشتملت عليها هذه السورة، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف ﴿آيات الكتاب﴾ أي الذكر الجامع لكل خير، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوارة والإنجيل من ذلك، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً لأنه لم يكن يعرف شيئاً مما في الكاتبين ولا جالس أحداً يعلمه ﴿الحكيم*﴾ فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيماً والآية: العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة، والحكيم: الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد
стр. 4099
والنقص، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك، وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة، ومحكم لما أتى به، مانع له من الفساد، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [براءة: ٤٠] وقوله ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ [براءة: ٤٣] وقوله ﴿ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [براءة: ٦١] وقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [براءة: ١٢٨] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول الله ﷺ بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه، وكان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيراً لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم ما منحه عيه السلام، قال تعالى ﴿أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ إلى قوله:
стр. 4100
﴿لسحر مبين﴾ ثم قال ﴿إن ربكم الله﴾ الآيات، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] وقالوا ﴿لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾ [الفرقان: ٢١] وهذه مقالات الأمم المتقدمة ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ [يس: ١٥] ﴿قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾ [سبأ: ٤٣] فقال تعالى متوعداً للغافلين ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا﴾ ، ثم وعد المعتبرين فقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام، تناسجت آي السور - انتهى.
ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيماً - موجباً لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى
стр. 4101
الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر، كان ذلك موضع أن يقال: ما كان حال من تلي عليهم؟ فقيل: لم يؤمنوا، فقيل: ماشبهتهم؟ هل قدروا على معارضته والطعن في حكمته؟ فقيل: لا! بل تعجبوا من إنزاله على محمد ﷺ وليس بأكثرهم مالاً ولا بأقدمهم سناً، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى إنكاراً عليهم. فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك، وهل مثل ذلك محل العجب! ﴿أكان﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿للناس عجباً﴾ أي الذين فيهم أهلية التحرك إلى المعالي، والعجب: تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم «كان» فقال بعد ما حصل لهم شوق إليه: ﴿أن أوحينا﴾ أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين ﴿إلى رجل﴾ أي هو في غاية الرجولية، وهو مع ذلك ﴿منهم﴾ بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم المُلك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء.
ولما كان في الإيحاء معنى القول، فسره بقوله ﴿أن أنذر الناس﴾ أي عامة، وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا أصلاً أو إيماناً خالصاً ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات ﴿وبشر﴾ أي خص ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا
стр. 4102
الوصف وعملوا تصديقاً لدعواهم له الصالحات، أي من الأعمال اللسانية وغيرها، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع الطائع وعتاب العاصي، والإنذار: الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه، والتبشير: التعريف بما فيه السرور، واضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلاً لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر: ﴿أن لهم﴾ أي خاصة ﴿قدم صدق﴾ أي أعمالاً حقة ثابته قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام، وزاد في البشارة بقوله: ﴿عند ربهم﴾ ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة.
ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة، انتفى أن يكون عجباً من هذه الجهة، فصار المحل قابلاً لأن يتعجب منهم فيقال: ما قالوا حين أظهروا العجب؟ ومن أيّ وجه رأوه عجباً؟ فقيل: ﴿قال الكافرون﴾ أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين ما يحق لقولهم من الإنكار ﴿إن هذا﴾ أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره
стр. 4103
﴿لسحر﴾ أي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿مبين*﴾ أي ظاهر في نفسه، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك، فجاؤوا بما هو في غاية البعد عن وصفه، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه تمويهاً لا حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلاَ عن أن يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمراً متناقضاً، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر، وأنهم عاجزون عنه، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالماً لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من البعث - سحر، وعلى حقيقة أنه من عنده من غير شبهة، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال: ﴿إن ربكم﴾ أي الموجد لكم والمربي والمحسن ﴿الله﴾ أي من ربى شيئاً ينبغي أن يكون حكيماً وقادراً على أسباب
стр. 4104
صلاحه، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند الذي له العظمة كلها قطعاً، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم ﴿الذي﴾ بدأ الخلق بأن ﴿خلق﴾ أي قدر وأوجد ﴿السماوات والأرض﴾ على اتساعهما وكثرة ما فيهما من المنافع ﴿في ستة أيام﴾ لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير لا يفعل مثل ذلك في مثله إلا من لا يعجزه شيء.
ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير، عبر سبحانه عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيراً إلى عظمته بأداة التراخي: ﴿ثم استوى﴾ أي عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك ﴿على العرش﴾ المتقدم وصفه بالعظمة، وليست «ثم» للترتيب بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله: ﴿يدبر﴾ لأن التدبير أعدل أحوال الملك فالاستواء كناية عنه ﴿الأمر﴾ كله فلا يخفي عليه عاقبة أمر من الأمور، فحصل الأمن بهذا من أن يفعل شيء بغير علمه، لأن التدبير تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي بعض الأمور بغير إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه،
стр. 4105
بل هو متصف بأنه ﴿ما من شفيع﴾ أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك.
ولما كان تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحداً عند إذنه له إذناً عاماً لجميع الأزمان والأماكن، أتى بالجار فقال: ﴿إلا من بعد إذنه﴾ فإذا لم يقدر شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء من الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن معارضته، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير إرادة منه سبحانه، فتحرر أنه ليس إلا من عنده وأنه أمر بإبلاغه، وقد عرف من هذا أن ﴿ما من شفيع﴾ في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر من الأمور ولا يغلبه شيء اصلاً فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة وغيرها والشفيع: السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة منزلة، وقد وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش مرتباً في أول هذه على ما رتب آخر تلك؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه فيها أحد، وجب أن يعبد عبادة لا يشاركه فيها شيء، فنبه على ذلك بقوله: ﴿ذلكم﴾ أي العظيم الشأن العالي المراتب ﴿الله﴾ أي
стр. 4106
الملك الأعلى ﴿ربكم﴾ الذي تقرر له من العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ما لا يبلغه وصف ﴿فاعبدوه﴾ أي فخصُّوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة.
ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها قام على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال: ﴿أفلا تذكرون*﴾ أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام، ما أخبركم سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما يريد، ويعمل كثيراً مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ذلك من الأمور ليعلم قطعاً أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع! .
стр. 4107
فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال: ﴿إليه﴾ أي خاصة ﴿مرجعكم﴾ أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم ﴿جميعاً﴾ لا يتخلف منكم أحد، تقدم وعده لكم بذلك ﴿وعد الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿حقاً﴾
стр. 4108
فهو تعليل لعبادته لوحدانيته، فيحيون بعد الموت ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم زمانه الذي قدره له، ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا، فعلم قطعاً أنه لا بد من الرسول، فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به الرسول ﷺ ؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمناً له بيان حكمته فقال معللاً لوجوب المرجع إليه مؤكداً عداً لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره: ﴿إنه يبدأ الخلق﴾ أي ينشئه النشأة الأولى، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار ﴿ثم يعيده﴾ ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده، وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك معنى قوله: ﴿ليجزي﴾ .
ولما كان في سياق البعث، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرافهم فقال: ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح ﴿وعملوا﴾ أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا ﴿الصالحات﴾ جزاء كائناً ﴿بالقسط﴾ ، واقتصر على العدل دون الفضل ليفهم أن ترك الحشو مخل بالعمل الذي هو محط الحكمة التي هي أعظم مصالح السورة، والجزاء: الإعطاء بالعمل ما يقتضيه من خير أو شر، فلو كان الإعطاء ابتداء لم يكن جزاء، ولو كان
стр. 4109
ما لا يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقاً والقسط: العدل ﴿والذين كفروا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف ﴿لهم﴾ أي في الجزاء على جهة الاستحقاق ﴿شراب من حميم﴾ أي مسخن بالنار أشد الإسخان ﴿وعذاب أليم﴾ أي بالغ الإيلام ﴿بما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يكفرون*﴾ فإن عذابهم من أعظم نعيم المؤمنين الذين عادوهم فيه سبحانه ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾ [سورة المطففين: ٣٤-٣٦] وكأنه قال: ﴿يبدأ﴾ مضارعاً لا كما قال في آية أخرى ﴿كما بدأكم تعودون﴾ [الأنفال: ٢٩] حكاية للحال وتصويراً لها تنبيهاً على تأمل ما يتجدد إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على الإعادة؛ قال الرماني: وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا من تجديد النشأة للجزاء لأنه لا بد - مع التمكين من الحسن والقبيح - من ترغيب وترهيب لا يؤمن معه العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح عن حال الإباحة له يرفع التبعة عليه - انتهى. فقد لاح بما ذكر ما تعين في أثناء السورة بتكريره لتوضيحه وتقريره - أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل قطعاً على أنه من عنده سبحانه وبإذنه، لأنه لا غائب عن علمه ولا مداني لقدرته ولا مجترىء على عظمته، وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء،
стр. 4110
وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث والنجاة من غوائل يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء، فلا تغني الآيات والدلالات البينات عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته، وأن ذلك من حكمته وعدله فيجب التسليم لأمره وقطع الهمم عن سواه؛ ثم شرع سبحانه يقرر أمر بدئه للخلق وإعادته في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها، ويسمى المعرض عن شكره كافراً فقال: ﴿هو﴾ أي غيره ﴿الذي جعل﴾ أي بما هيأ من الأسباب ﴿الشمس﴾ .
ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف، خالف سبحانه في الأسماء مما يدل على ذلك فقال نور الشمس: ﴿ضياء﴾ أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل، هكذا التقدير، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها فقال: ﴿والقمر﴾ أي وجعل القمر ﴿نوراً﴾ أي ذا نور من نورها ﴿وقدره﴾ أي وزاده عليها بأن قدره مسيرة ﴿منازل﴾ سريعاً يقلبه فيها، وباختلاف حاله في زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي دبر الله بها هذا الوجود - إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار ﴿لتعلموا﴾ بذلك علماً سهلاً ﴿عدد السنين﴾ أي المنقسمة إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها
стр. 4111
ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال الفصول وغيرها ﴿والحساب﴾ أي غير ذلك مما يدل على بعض تدبيره سبحانه.
ولما كان ذلك مشاهداً لا مرية فيه، وصل به قوله: ﴿ما خلق الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم جداً ﴿إلا بالحق﴾ أي خلقاً ملتبساً بالحق الكامل في الحقية لا مرية فيه، فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك إذ لا فرق، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه الخلق غير الخلق بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل، أو ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال العاصي، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانىء، والجعل: وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، والشمس: جسم عظيم النور فإنه يكون ضياء النهار؛ والقمر: جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر من الأرض ويكسفه نور الشمس؛ والنور: شعاع فيه ما ينافي الظلام؛ والحساب: عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره.
ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من الاتصاف بقابلية العلم، ختم الآية بقوله: ﴿يفصل﴾ أي الله
стр. 4112
في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية، وبالالتفات إلى أسلوب العظمة تعظيماً للبيان في قراءة الباقين بالنون ﴿الآيات﴾ أي يبين الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بياناً شافياً. ولما كان البيان لمن لا علم له كالعدم، قال: ﴿لقوم﴾ أي لهم قوة المحاولة لما يريدون ﴿يعلمون﴾ أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار؛ ولما كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي.
стр. 4113
ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على البعث بإيجاد كل من الملوين بعد إعدامه في قوله - مؤكداً له لإنكارهم أن يكون في ذلك دلالة: ﴿إن في اختلاف الليل﴾ أي على تباين أوصافه ﴿والنهار﴾ أي كذلك ﴿وما﴾ أي وفيما ﴿خلق الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿في السماوات والأرض﴾ من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات والحيونات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها؛ لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله: ﴿لآيات﴾ أي دلالات بينة جداً ﴿لقوم يتقون*﴾ أي أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل تغير الأجرام الكبار كان جديراً بأن يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره فيتقي الله لعلمه قطعاً بأن أهل هذه الدار غير مهملين،
стр. 4114
فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب؛ والاختلاف: ذهاب كل من الشيئين في غير جهة الآخر، فاختلاف الملوين: ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة الظلام؛ والليل: ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، هو جمع ليلة كتمر وتمرة؛ والنهار: اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ والخلق: فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة، وأصله التقدير؛ ونبه بما خلق في السماوات والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك.
ولما أُشير بالآية إلى أنقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له، وقام الدليل القطعي على المعاد، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقاداً أو حالاً؛ ولما كانت ختم تلك ب ﴿يتقون﴾ لاح أن ثمّ من يتقي ومن لا يتقي؛ ولما كان الغرور أكثر، بدأ به تنفيراً عن حاله، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم: ﴿إن الذين﴾ ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة، وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال، قال مصرحاً بالرجاء ملوحاً إلى الخوف: ﴿لا يرجون لقاءنا﴾ بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة ﴿ورضوا﴾ أي عوضاً
стр. 4115
عن الاخرة ﴿بالحياة الدنيا﴾ أي فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها ﴿واطمأنوا﴾ إليها مع الرضى ﴿بها﴾ طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها ﴿والذين هم﴾ أي خاصة ﴿عن آياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنيّة الفانية ﴿غافلون﴾ أي غريقون في الغفلة، وتضمن قوله تعالى استئنافاً: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿مأواهم النار بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يكسبون*﴾ فإن كسبهم كله ضلال - أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب، وجعلت ملاقاة ما لا يقدر إلا الله ملاقاة الله تفخيماً لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله في قوله:
﴿إلا أن يأتيهم الله في ظِلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] ونحوه، والاطمئنان: الركون إلى الشيء على تمكن فيه، فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم وسخطهم لها؛ والغفلة: ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه، واليقظة نقيضها.
ولما أنقضى هذا القسم حالاً ومآلاً، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله مؤكداً لإنكار الكفار هدايتهم: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله تعالى ﴿وعملوا﴾ أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا ﴿الصالحات﴾ بالقوة العملية التي سلطانها عبودية الله تعالى، والصالح: ما جاء بالحث عليه الأنبياء ﵈ ﴿يهديهم﴾ أي على
стр. 4116
سبيل التجدد والاستمرار ﴿ربهم﴾ أي المحسن إليهم ﴿بإيمانهم﴾ أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء، فقادتهم إلى دار السلام، وهذا كما كان كثير من الصحابة ﵃ بعد إسلامهم يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام، وكما ترى أنك تخنق على بعض الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة، ثم أنك قد ترضى عنه فتراه كله محاسن.
ولما ذكر أم مآل القسم الأول النار، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من يقول: ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له: ﴿تجري﴾ وأشار إلى قرب منال المياه وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال: ﴿من تحتهم﴾ أي تحت غرفهم وأسرّتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى ﴿قد جعل ربك تحتك سرياً﴾ [مريم: ١٤] وكذا قول فرعون ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿الأنهار﴾ كائنين ﴿في جنّات النعيم﴾ أي التي ليس فيها من غيره.
стр. 4117
ولما كان الواجب على العباد أولاً تنزيهه تعالى عن النقائض التي أعظمها الإشراك. وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز في شهود حضرته بمشاهدة أوصاف الكمال، أشار التسليك في ذلك بقوله: ﴿دعواهم﴾ أي دعاؤهم العظيم الثابت
стр. 4118
الكثير الذي يقولونه فيها لا على وجه التكليف، بل يلهمونه إلهام النفس في الدنيا ﴿فيها﴾ وأشار إلى مجامع التنزيه عن كل شائبة نقص فقال: ﴿سبحانك اللهم﴾ إشارة إلى الأمر الأول هو الأساس وهو المعراج في الآخرة ﴿وتحيتهم﴾ أي لله وفيما بينهم ﴿فيها سلام﴾ إشارة إلى أول نتائج الأساس بأنه لا عطب معه بوجه وهو نزول عن المعراج بالنظر في أحوال الخلق ﴿وآخر دعواهم﴾ أي دعائهم العظيم وهو المعراج الكمالي ﴿أن الحمد﴾ أي الكمال ﴿لله﴾ أي المحيط بجميع أوصاف الجلال والجمال يعني أن التنزيه عن النقص أوجب لهم السلامة؛ ولما سلموا من كل نقص وصلوا إلى الحضرة فغرقوا في بحار الجلال وانكشفت لهم سمات الكمال؛ والدعوى: قول يدعى به إلى أمر؛ والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصله من قولهم: أحياك الله حياة طيبة، وأشار بقوله: ﴿رب العالمين﴾ إلى نعمة الإيجاد إرشاداً بذلك إلى القدرة على المعاد، وفيه هبوط عن المعراج الكمالي إلى الخلق، وذلك إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن الحاجة والنقصان.
ولما أشير في هذه الآية إلى تنزهه تعالى وعلوه وتفرده بنعوت الكمال، ودل بختمها بالحمدِ على إحاطته وبرب العالمين على تمام قدرته وحسن تدبيره في ابتدائه وإعادته، اتبعت بما يدل على ذلك من لطفه
стр. 4119
في معاملته من أنه لا يفعل شيئاً قبل أوانه لأن الاستعجال من سمات الاحتياج. بل وروى أبو يعلى وأحمد بن منيع عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال «التأني من الله والعجلة من الشيطان» قال شيخنا ابن حجر: وفي الباب عن سهل وسعد ﵄ فقال تعالى عاطفاً على قوله ﴿يدبر الأمر﴾ ما معناه أنه تعالى يفعل فعل من ينظر في ادبار الأمور فلا يفعل إلاّ ما هو في غاية الإحكام، فهو لا يعاجل العصاة بل يمهلهم ويسبغ عليهم النعم وهم في حال عصيانهم له أضل من النِّعم يطلبون خيراته ويستعجلونه بها: ﴿ولو يعجل الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿للناس﴾ أي الذين اتخذوا القرآن عجباً لما لهم من صفة الاضطراب ﴿الشر استعجالهم﴾ أي عاملاً في إرادته لإيقاع الشر بهم مثل عملهم في إرادتهم وطلبهم العجلة ﴿بالخير لقضي﴾ أي حُتم وبت وأدى، بناه للمفعول في قراءة الجماعة دلالة على هوانه عنده، ولأن المحذور مجرد فراغه لا كونه من معين.
وبناه ابن عامر للفاعل ونصب الأجل ﴿إليهم﴾ أي الناس خاصة ﴿أجلهم﴾ أي عمرهم أو آخر لحظة تكون منه، فأهلك من في الأرض فاختل النظام الذي دبره، ولكنه لا يفعل إلاّ ما تقدم من إمهاله لهم إلى ما سمي من الآجال المتفاوتة. وذلك سبب إضلال من يريد ضلاله. ولعل التعبير بنون العظمة في ﴿فنذر﴾ إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور؛ فكان القياس هداهم لكثرة ما عليه من الدلائل الظاهرة ولكنه تعالى أراد ضلالهم
стр. 4120
وهو من العظمة بحيث لا يعجزه شيء. ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله ﴿أولئك مأواهم النار﴾ لأن معناه: أولئك يمهلهم الله إلى انقضاء ما ضرب لهم من الآجال مع مبالغتهم في الإعراض. ثم يكون مأواهم النار ولا يعجل لهم ما يستحقونه من الشر ﴿ولو يعجل الله للناس الشر﴾ أي ولو يريد عجلة الشر للناس إذا خالفوه أو إذا استعجلوه به في نحو قولهم ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: ٣٢] ودعاء الإنسان على ولده وعبده، مثل استعجالهم أي مثل إرادتهم تعجيل الخير. وعدل عن أن يقال: ولو يستعجل الله للناس الشر ﴿استعجالهم بالخير﴾ أي يعجل، دفعاً لإيهام النقص بأن من يستعجل الشيء ربما يكون طالباً عجلته من غير لعدم قدرته، وتنبيهاً على أن الأمر ليس إلاّ بيده ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ فإنه إذا أراد شيئاً كان ولم يتخلف أصلاً.
ولما كان التقدير لأن «لو» امتناعية: ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه لا يفوته شيء بل يمهل الظالمين ويدر لهم النعم ويضربهم بشيء من النقم حتى يقولوا: هذه عادة الدهر، قد مس آباءنا الضراء والسراء، سبب عن قوله: ﴿فنذر﴾ أي على أيّ حالة كانت، ووضع موضع الضمير تخصيصاً وتنبيهاً على ما أوجب لهم الإعراض والجرأة قوله: ﴿الذين﴾ وأشار بنفي الرجاء إلى نفي الخوف على الوجه الأبلغ فقال: ﴿لا يرجون لقآءنا﴾ أي بعد الموت بهذا الاستدراج على ما لنا
стр. 4121
من العظمة التي من أمنها كان أضل من الأنعام ﴿في طغيانهم﴾ أي تجاوزهم للحدود تجاوزاً لا يفعله من له أدنى روية ﴿يعمهون﴾ أي يحكم مشيئتنا السابقة في الأزل عمياً عن رؤية الآيات صماً عن سماع البينات؛ والتعجيل: تقديم الشيء على وقته الذي هو أولى به؛ والشر: ظهور ما فيه الضر، وأصله الإظهار من قولهم: شررت الثوب - إذا أظهرته للشمس، ومنه شرر النار -لظهوره بانتشاره؛ والطغيان: الغلو في ظلم العباد؛ والعمه، شدةُ الحيرة.
стр. 4122
ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير، وكان منه استكشاف الضر، بينَ أن حالهم عنده الاعتراف، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان والعمه، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وإصالة الآراء وسلامة الطباع، فالحاصل أن الانسان عند البلاء غير صابر، وعند الرجاء غير شاكر، فكأنه قيل: فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر والمرح ﴿وإذا مسَّ الإنسان﴾ منهم ﴿الضر﴾ وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفاً مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه وجهله ﴿دعانا﴾ مخلصاً معترفاً بحقنا عالماً بما لنا من كمال العظمة عاملاً بذلك معرضاً عما ادعاه شريكاً لنا كائناً ﴿لجنبه﴾ أي مضطجعاً حال إرادته للراحة، وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ذلك أسر أحواله إليه ﴿أو قاعداً﴾ أي متوسطاً في أحواله ﴿أو قآئماً﴾ أي في غاية السعي في
стр. 4123
مهماته، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال، بل يكون ظرف المس بالضر ظرف الدعاء بالكشف، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر، وقال: لجنبه، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوساً كما يقال: فلان لما به، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال: ﴿فلما كشفنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عنه ضره﴾ أي الذي دعانا لأجله ﴿مرّ﴾ أي في كل ما يريده لاهياً عنا بكل اعتبار ﴿كأن﴾ أي كأنه ﴿لم يدعنآ﴾ أي على ما كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله قال: ﴿إلى﴾ أي كشف ﴿ضر مسه﴾ أي كأن لم يكن له بنا معرفة أصلاً فضلاً عن أن يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره، فهذه الآية في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته، والتي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ربوبيته؛ والمسُ: لقاء من غير فصل؛ والدعاء: طلب الفعل من القادر عليه؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو السبب المؤدي إليه.
ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب. كان كأنه قيل: لم يفعل ذلك؟ فقيل: لما يزين له من الأمور التي يقع بها الاستدراج لإسرافه. وهذا دأبنا أبداً ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة؛ ولما كان الضار مطلق التزيين، بنى للمفعول قوله: ﴿زين للمسرفين﴾
стр. 4124
أي كلهم العريقين في هذا الوصف ﴿ما كانوا﴾ أي بجبلاتهم ﴿يعملون﴾ أي يقبلون عليه على سبيل التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره؛ والإسراف: الإكثار من الخروج عن العدل.
ولما كان محط نظرهم الدنيا، وكان هذا صريحاً في الإمهال للظالمين والإحسان إلى المجرمين، أتبعه بقوله تعالى مهدداً لهم رادعاً عما هم فيه من اتباع الزينة مؤكداً لأنهم ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم: ﴿ولقد أهلكنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿القرون﴾ أي على ما لهم من الشدة والقوة؛ ولما كان المهلكون هلاك العذاب المستأصل بعض من تقدم، أثبت الجار فقال: ﴿من قبلكم لما ظلموا﴾ أي تكامل ظلمهم إهلاكاً عم آخرهم وأولهم كنفس واحدة دفعاً لتوهم أنه سبحانه لا يعم بالهلاك، وقال تعالى عطفاً على ﴿أهلكنا﴾ : ﴿وجآءتهم رسلهم﴾ أي إلى كل أمة رسولها ﴿بالبينات﴾ أي التي بينت بمثلها الرسالة ﴿وما﴾ أي والحال أنهم ما ﴿كانوا﴾ أي بجبلاتهم، وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن البيان فقال: ﴿ليؤمنوا﴾ ولو جاءتهم كل آية، تنبيهاً لمن قد يطلب أنه سبحانه يريهم بوادر العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا، فبين سبحانه أن ذلك لا يكون سبباً لإيمان من قضى بكفره، بل يستوي في التكذيب حاله قبل مجيء الآيات وبعدها ليكون سبباً لهلاكه.
فكأنه قيل: هل يختص ذلك بالأمم
стр. 4125
الماضية؟ فقيل: بل ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك الجزاء العظيم ﴿نجزي القوم﴾ أي الذين لهم قوة على محاولة ما يريدونه ﴿المجرمين﴾ لأن السبب هو العراقة الإجرام وهو قطع ما ينبغي وصله، فحيث ما وجد جزاؤه؛ والإهلاك: الإيقاع فيما لا يتخلص منه من العذاب؛ والقرن: أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض.
ولما صرح بأن ذلك عام لكل مجرم، أتبعه قوله: ﴿ثم جعلناكم﴾ أي أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا ﴿خلائف في الأرض﴾ أي لا في خصوص ما كانوا فيه: ولما كان زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي القرون المهلكة إهلاك الاستئصال ﴿لننظر﴾ ونحن - بما لنا من العظمة - أعلم بكم من أنفسكم، وإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة الحجة ﴿كيف تعملون﴾ فيتعلق نظرنا بأعمالكم موجودة تخويفاً للمخاطبين من أن يجرموا فيصيبهم ما أصاب من قبلهم.
стр. 4126
ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل به سطوته وتذيقه بأسه ونقمته. وكان القرآن أعظم آية أنزلت إلى الناس لما لا يخفى. أتبع ذلك عطفاً على قوله ﴿قال الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ بقوله بياناً لذلك: ﴿وإذا تتلى﴾ بناه للمفعول إيذاناً بتكذيبهم عند تلاوة أي تالٍ كان. وأبداه مضارعاً
стр. 4127
إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت التلاوة ﴿عليهم﴾ أي على هؤلاء الناس ﴿آياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة بإسنادها إلينا ﴿بينات﴾ فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب والعناد، ويجوز عطفه على ﴿ثم جعلناكم خلائف﴾ - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة للإيذان بأنهم للإعراض لإساءتهم الخلافة، والموصول بصلته في قوله: ﴿قال الذين لا يرجون لقآءنا﴾ في موضع الضمير تنبيهاً على أن هذا الوصف علة قولهم، ولعله عبر بالرجاء ترغيباً لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب تعجيله للخير ودفعه للضمير. فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما أعده لمن أجابه، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى الإقبال ﴿ائت﴾ أي من عندك ﴿بقرآن﴾ أي كلام مجموع جامع لما تريد ﴿غير هذا﴾ في نظمه ومعناه ﴿أو بدله﴾ أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين ﷺ مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في التعبير حرصاً على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك.
ولما كان كأنه قيل: فماذا أقول لهم؟ قال: ﴿قل ما يكون﴾ أي يصح ويتصور بوجه من الوجوه ﴿لي﴾ ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال: ﴿أن أبدله﴾ وقال: ﴿من تلقاء﴾ أي عند وقِبَل
стр. 4128
﴿نفسي﴾ إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به، فأنتج ذلك قطعاً قوله: ﴿إن أتبع﴾ أي بغاية جهدي ﴿إلاّ ما﴾ ولما كان قد علم أن الموحي إليه الله قال ﴿يوحى إلي﴾ أي سواء كان بدلاً أو أصلاً؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم مضمونه: ﴿إني أخاف﴾ أي على سبيل التجدد والاستمرار ﴿إن عصيت ربي﴾ أي المحسن إليّ والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي ﴿عذاب يوم عظيم﴾ فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم من الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان - هذا الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال. ولما تم ما دفع به مكرهم في طعنهم، اتبعه بعذره ﷺ في الإبلاغ على وجه يدل قطعاً على أنه كلام الله وما تلاه إلاّ بإذنه فيجتث طعنهم من أصله ويزيله بحذافيره فقال: ﴿قل﴾ أي لهم معلماً أنه سبحانه إما أن يشاء الفعل وإما أن يشاء عدمه وليست ثَمّ حالة سكوت أصلاً ﴿لو شآء الله﴾ أي الذي له العظمة كلها أن لا أتلوه عليكم ﴿ما تلوته﴾ أي تابعت قراءته ﴿عليكم ولآ أدراكم﴾ أي أعلمكم على وجه المعالجة هو سبحانه ﴿به﴾ على لساني؛ ولما كان ذكر ذلك أتبعه السبب المعرف به فقال: ﴿فقد لبثت فيكم عمراً﴾
стр. 4129
ولما كان عمره لم يستغرق زمان القبل قال: ﴿من قبله﴾ مقدار أربعين سنة بغير واحد من الأمرين لكون الله لم يشأ واحداً منهما إذ ذاك، ثم أتيتكم بهذا الكتاب الأحكم المشتمل على حقائق علم الأصول ودقائق علم الفروع ولطائف علم الأخلاق وأسرار قصص الأولين في عبارة قد عجزتم - وأنتم أفصح الناس وأبلغهم - عن معارضة آية منها، فوقع بذلك العلم القطعي الظاهر جداً أنه من عند الله فلذلك سبب عنه إنكار العقل فقال: ﴿أفلا تعقلون﴾ إشارة إلى أنه يكفي - في معرفة أن القرآن من عند الله وأن غيره عاجز عنه - كون الناظر في أمره وأمري من أهل العقل، أي أفلا يكون لكم عقل فتعرفوا به حقيقة القرآن بما أرشدكم إليه في هذه الآية من هذا البرهان الظاهر والسلطان القاهر القائم على أنه ما يصح لي بوجه أن أبدله من قبل نفسي لأني مثلكم وقد عرفتم أنكم عاجزون عن ذلك مع التظاهر، فأنا وحدي - مع كوني أمياً - أعجز، ومن أنه تعالى لو شاء ما بلغكم، ومن أني مكثت فيكم إتياني به زمناً طويلاً لا أتلو عليكم شيئاً ولا أدعي فيكم علماً ولا أتردد إلى عالم؛ وتعرفوا أن قائل ما قلتم مكذب بآيات الله، وفاعل ما طلبتم كاذب على الله، وكل من ذلك أظلم الظلم ﴿فمن﴾ أي فهو سبب لأن يقال: من ﴿أظلم ممن افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الذي حاز جميع العظمة ﴿كذباً﴾ أي أيّ كذب كان، وكان الأصل: مني، على تقدير أن لا يكون هذا القرآن
стр. 4130
من عند الله كما زعمتم، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿أو كذب بآياته﴾ كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب.
ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه فهو لا يفلح لأنه مجرم، علله بقوله مؤكداً لأجل إنكارهم: ﴿إنه لا يفلح﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿المجرمون﴾ فد وضح أن المقصود نفي الكذب عن نفسه ﷺ وإلحاق الوعيد حيث كذبوا بالآيات بعد ثبوت أنها من عند الله والإعلام بأنه لا أحد أظلم منهم لأنهم كذبوا على الله في كل ما ينسبونه إليه مما نهى عنه وكذبوا بآياته، والإتيان بالغير قد يكون مع وجود الأول والتبديل لا يكون إلاّ برفع الأول ووضع غيره مكانه؛ والتلقاء: جهة مقابلة الشيء، أتبعه بمجيئه بعده؛ والمشيئة خاصة تكون سبباً مؤدياً إلى وقوع الشيء، ومرتباً له على وجه قد يمكن أن يقع خلافه، والإرادة نظيرها؛ والعقل: العلم الغريزي الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب، ويجوز أن يكون ﴿ويعبدون﴾ حالاً من ﴿الذين لا يرجون لقاءنا﴾ أي قالوا ذلك عابدين ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن كلامه لعجزهم عن معارضة شيء منه وهو ينهاهم عن عبادة غيره وهم يعلمون قدرته على الضر والنفع.
стр. 4131
ولما كان السياق للتهديد والتخويف، قدم الضر لذلك وتنبيهاً لهم على أنهم مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها، فعليهم أن يقيدوها بالشكر فقال: ﴿ما لا يضرهم﴾ أي أصلاً من الأصنام وغيرها ﴿ولا ينفعهم﴾ في معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية وإلا كانت عبادته عبثاً، معرضين عما جاءهم من الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ولا يملك شيئاً من ذلك أحد سواه، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة، وفي هذا غاية التبكيت لهم بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه؛ والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع؛ ثم عجب منهم تعجيباً آخر فقال: ﴿ويقولون﴾ أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين عليه: ﴿هؤلاء﴾ أي الأصنام أو غيرهم ﴿شفعاؤنا﴾ أي ثابته شفاعتهم لنا ﴿عند الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يمكن الدنو من شيء من حضرته إلا بإذنه، وقد مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله تعالى ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم تنفعهم في ذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئاً بلاغتهم، وأعوزهم في شأنه فصحاءهم، وضل عنهم شفعاءهم، فدل ذلك قطعاً على أنه ما من شفيع إلا بإذنه
стр. 4132
من بعد، فكأنه قال: بماذا أجيبهم؟ فقال: ﴿قل﴾ منكراً عليهم هذا العلم ﴿أتنبئون﴾ أي تخبرون إخباراً عظيماً ﴿الله﴾ وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كمال ﴿بما لا يعلم﴾ أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات ﴿في السماوات﴾ ولما كان الحال مقتضياً لغاية الإيضاح، كرر النافي تصريحاً فقال: ﴿ولا في الأرض﴾ وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما يخجل الجماد، فإن ما لا يكون معلوماً لله لا يكون له وجود أصلاً، فلا نفي أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول: هذا شيء ما عمله الله مني.
ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ختم ذلك بتنزيه نفسه بقوله: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يحاط به ﴿وتعالى﴾ أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه ﴿عما يشركون*﴾ أي يوجدون الإشراك به.
стр. 4133
ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله، بين أن هذا الدين الباطل حادث، وين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولاً مجتمعين على طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر
стр. 4134
في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما سبق في عمله ومضى به قضاءه فقال تعالى: ﴿وما كان الناس﴾ أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب ﴿إلا أُمة﴾ ولما أفهم ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال: ﴿واحدة﴾ أي حنفاء متفقين على طاعة الله ﴿فاختلفوا﴾ في ذلك على عهد نوح ﵇ كما روي عن ابن عباس ﵄ عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب ﴿ولولا كلمة﴾ أي عظيمة ﴿سبقت﴾ أي في الأزل ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم، وبين التأكيد بما دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال: ﴿لقضي بينهم﴾ أي عاجلاً بأيسر أمر ﴿فيما﴾ ولما لم يبين الكلام على الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن، لم يذكر الضمير بخلاف الزمر فقال: ﴿فيه﴾ أي لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه: ﴿يختلفون*﴾ وأشار ذلك إلى أن هذا الأمر الذي دعوا إليه ليس أمراً طارئاً حادثاً فيكون بحيث يتوقف فيه للنظر في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده، بل هو - مع ظهور دلائله واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما كان العباد عليه، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور فساده ووضوح سقمه، وهو ناظر إلى قوله تعالى ﴿أكان للناس عجباً﴾ لأن قوله ﴿قال
стр. 4135
الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ دال على أنهم قسمان: كافر ومؤمن؛ والأمة: الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئاً واحداً؛ ثم قال تعالى عطفاً على قوله ﴿ويعبدون﴾ : ﴿ويقولون﴾ أي أنهم لما أتتهم البينات قالوا: ائت بقرآن غير هذا، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا يرضى عاقل بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في التمرد ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿أنزل﴾ أي بأيّ وجه كان ﴿عليه آية﴾ أي واحدة كائنة وآتية ﴿من ربه﴾ أي المحسن إليه غير ماجاء به وذلك إما لطلبهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد الآيات فضلاً عن كونها بينات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة في الآيات دقيقة المسلك بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا.
ولما كان في ذلك شوب من الاستفهام، قال مسبباً عن قولهم: ﴿فقل﴾ قاصراً قصراً حقيقياً ﴿إنما الغيب﴾ أي الذي عناه عيسى ﵇ بقوله
﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] وهو ما لم يطلع عليه مخلوق أصلاً ﴿لله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة وحده، لا علم لي بعلة عدم إنزال ما تريدون، وهل تجابون إليه أو لا.
следующие страницы →