Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
ولما كان السياق للتهديد والتخويف، قدم الضر لذلك وتنبيهاً لهم على أنهم مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها، فعليهم أن يقيدوها بالشكر فقال: ﴿ما لا يضرهم﴾ أي أصلاً من الأصنام وغيرها ﴿ولا ينفعهم﴾ في معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية وإلا كانت عبادته عبثاً، معرضين عما جاءهم من الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ولا يملك شيئاً من ذلك أحد سواه، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة، وفي هذا غاية التبكيت لهم بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه؛ والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع؛ ثم عجب منهم تعجيباً آخر فقال: ﴿ويقولون﴾ أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين عليه: ﴿هؤلاء﴾ أي الأصنام أو غيرهم ﴿شفعاؤنا﴾ أي ثابته شفاعتهم لنا ﴿عند الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يمكن الدنو من شيء من حضرته إلا بإذنه، وقد مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله تعالى ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم تنفعهم في ذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئاً بلاغتهم، وأعوزهم في شأنه فصحاءهم، وضل عنهم شفعاءهم، فدل ذلك قطعاً على أنه ما من شفيع إلا بإذنه
стр. 4132
من بعد، فكأنه قال: بماذا أجيبهم؟ فقال: ﴿قل﴾ منكراً عليهم هذا العلم ﴿أتنبئون﴾ أي تخبرون إخباراً عظيماً ﴿الله﴾ وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كمال ﴿بما لا يعلم﴾ أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات ﴿في السماوات﴾ ولما كان الحال مقتضياً لغاية الإيضاح، كرر النافي تصريحاً فقال: ﴿ولا في الأرض﴾ وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما يخجل الجماد، فإن ما لا يكون معلوماً لله لا يكون له وجود أصلاً، فلا نفي أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول: هذا شيء ما عمله الله مني.
ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ختم ذلك بتنزيه نفسه بقوله: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يحاط به ﴿وتعالى﴾ أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه ﴿عما يشركون*﴾ أي يوجدون الإشراك به.
стр. 4133
ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله، بين أن هذا الدين الباطل حادث، وين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولاً مجتمعين على طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر
стр. 4134
في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما سبق في عمله ومضى به قضاءه فقال تعالى: ﴿وما كان الناس﴾ أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب ﴿إلا أُمة﴾ ولما أفهم ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال: ﴿واحدة﴾ أي حنفاء متفقين على طاعة الله ﴿فاختلفوا﴾ في ذلك على عهد نوح ﵇ كما روي عن ابن عباس ﵄ عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب ﴿ولولا كلمة﴾ أي عظيمة ﴿سبقت﴾ أي في الأزل ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم، وبين التأكيد بما دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال: ﴿لقضي بينهم﴾ أي عاجلاً بأيسر أمر ﴿فيما﴾ ولما لم يبين الكلام على الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن، لم يذكر الضمير بخلاف الزمر فقال: ﴿فيه﴾ أي لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه: ﴿يختلفون*﴾ وأشار ذلك إلى أن هذا الأمر الذي دعوا إليه ليس أمراً طارئاً حادثاً فيكون بحيث يتوقف فيه للنظر في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده، بل هو - مع ظهور دلائله واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما كان العباد عليه، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور فساده ووضوح سقمه، وهو ناظر إلى قوله تعالى ﴿أكان للناس عجباً﴾ لأن قوله ﴿قال
стр. 4135
الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ دال على أنهم قسمان: كافر ومؤمن؛ والأمة: الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئاً واحداً؛ ثم قال تعالى عطفاً على قوله ﴿ويعبدون﴾ : ﴿ويقولون﴾ أي أنهم لما أتتهم البينات قالوا: ائت بقرآن غير هذا، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا يرضى عاقل بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في التمرد ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿أنزل﴾ أي بأيّ وجه كان ﴿عليه آية﴾ أي واحدة كائنة وآتية ﴿من ربه﴾ أي المحسن إليه غير ماجاء به وذلك إما لطلبهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد الآيات فضلاً عن كونها بينات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة في الآيات دقيقة المسلك بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا.
ولما كان في ذلك شوب من الاستفهام، قال مسبباً عن قولهم: ﴿فقل﴾ قاصراً قصراً حقيقياً ﴿إنما الغيب﴾ أي الذي عناه عيسى ﵇ بقوله
﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] وهو ما لم يطلع عليه مخلوق أصلاً ﴿لله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة وحده، لا علم لي بعلة عدم إنزال ما تريدون، وهل تجابون إليه أو لا.
стр. 4136
ولما خصه سبحانه بالعلم. وكان إنزال الآيات من الممكنات. سبب عنه قوله: ﴿فانتظروا﴾ ثم أجاب من كأنه يقول له: فما تعمل أنت؟ بقوله: ﴿إني معكم﴾ أي في هذا الأمر غير مخالف لكم في التشوف إلى آية تحصل بها هدايتكم، ثم حقق المعنى وأكده فقال: ﴿من المنتظرين*﴾ أي لما يرد علي من آية وغيرها.
стр. 4137
ولما كان طلبهم محركاً لنفوس الخيّرين إلى ترجى إجابة سؤالهم، أتبعه سبحانه بما يبين أن ذلك غير نافع لهم لأنه محض تعنت. فقال تعالى عاطفاً على قوله ﴿قال الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ أو ﴿وإذا مسَّ الإنسان الضر﴾ مبيناً أن رحمته محققة الوجود كثيرة الورود إليهم مبيناً أن لهم آية عظمى من أنفسهم لا يحتاجون معها إلى التعنت بطلب آية وهي دالة على نتيجة مقصود السورة الذي هو الوحدانية وأن إشراكهم إنما هو بما لهم من نقص الغرائز الموجب لكفران الإحسان، وذلك أنهم عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها بكفر جعلوا ظرفه على مقدار ظرف تلك النعمة بما أشار إليه التعبير ب «إذا» ثم إذا مسهم الضر ألجأهم إلى الحق فأخلصوا، لم يختلف حالهم في هذا قط، وهذا الإجماع من الجانبين دليل واضح على كلا الأمرين؛ الكفر ظلماً بما جر إليه من البطر. والتوحيد حقاً بما دعا إليه من الفطرة القويمة الكائنة في أحسن تقويم بما زال عنها إلحاق الضرر من الحظوظ والشهوات والفتور، وهذا كما وقع في سورة الروم المافقة لهذه في الدلالة على
стр. 4138
الوحدانية فلذا عبر في كل منهما بالناس ليكون إجماعهم دليلاً كافياً عليها وسلطاناً جليلاً مضطراً إليها - والله الهادي: ﴿وإذا أذقنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿الناس﴾ أي الذين لهم وصف الاضطراب ﴿رحمة﴾ أي نعمة رحمناهم بها من غير استحقاق.
ولما كان كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة، أدخل الجار فقال: ﴿من بعد ضراء﴾ أي قحط وغيره ﴿مستهم﴾ فاجأوا المكر وهو معنى ﴿إذا لهم مكر﴾ أي عظيم بالمعاصي التي يفعلون في الاستخفاء بأغلبها فعل الماكر ﴿في آياتنا﴾ إشارة إلى أنهم لا ينفكون عن آياته العظام، فلو كانوا منتفعين بالآيات اهتدوا بها، فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم يعدوها آية دالة على من أرسلها لهم لخرقها لما كانوا فيه من عادة النقمة مع أنهم يعترفون بأنه لا يقدر على إرسالها وصرف الشدة إلا هو سبحانه، بل يعملون فيها عمل الماكرين بأن يصرفوها عن ذلك بأنواع الصوارف كأن ينسبوها إلى الأسباب كنسبة المطر للأنواء ونحو ذلك غير خائفين من إعادة مثل تلك الضراء أو ما هو أشد منها.
ولما كانت هذه الجملة دالة على إسراعهم بالمكر من ثلاثة أوجه: التعبير بالذوق الذي هو أول المخالطة ولفظ «من» التي هي للابتداء و «إذا» الفجائية، كان كأنه قيل: أسرعوا جهدهم في المكر، فقيل: ﴿قل الله﴾ أي الذي له له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿أسرع مكراً﴾
стр. 4139
ومعنى اوصف بالأسرعية أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم - نبه عليه أبو حيان ولما كان المكر إخفاء الكيد، بين لهم سبحانه أنهم غير قادرين على مطلق المكر في جهته عز شأنه وتعالى كبرياءه وسلطانه، لأنه عالم بالسر وأخفى، بل لا يمكرون مكراً إلا ورسله سبحانه مطلعون عليه فكيف به سبحانه! فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم: ﴿إن رسلنا﴾ أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا ﴿يكتبون﴾ أي كتابة متجددة على سبيل الاستمرار باستمرار المكتوب ﴿ما تمكرون*﴾ لأنهم قد وكلوا بكم قبل كونكم نطفاً ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما يفعلونه ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأما هو سبحانه فإذا قضى لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا باطلاعه فكيف بغيرهم! وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره، علمَ أنه لا يدعهم يدبرون كيداً إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم؛ والمكر: فتل الشيء إلى غير وجهه على طريق الحيلة فيه؛ والسرعة؛ الشيء في وقته الذي هو أحق به، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه حال الجاهل من تضييع حق النعمة والمكر فيها وإن جلت منزلتها وأتت على فاقة إليها وشدة حاجة إلى نزولها مع الوعيد بعائد
стр. 4140
الوبال على الماكر فيها، ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في الاية قبلها من نقله سبحانه لعباده من الضر إلى النعمة ومن سرعة تقلبهم فقال: ﴿هو﴾ أي لا غيره ﴿الذي يسيركم﴾ أي في كل وقت تسيرون فيه سيراً عظيماً لا تقدرون على الانفكاك عنه ﴿في البر والبحر﴾ أي يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيونات إلى ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه.
ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات، بينه معرضاً عن ذكر البر فقال: ﴿حتى إذا كنتم﴾ أي كوناً لا براح لكم منه ﴿في الفلك﴾ أي السفن، يكون واحداً وجمعاً؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما سيأتي فقال: ﴿وجرين﴾ أي الفلك؛ ﴿بهم﴾ ولما ذكر جريها وهم فيها، ذكر سببه فقال: ﴿بريح طيبة﴾ ثم أوضح لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله: ﴿وفرحوا بها﴾ أي بتلك الريح وبالفلك الجارية بها ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ فأزعجت سفنهم وساءتهم ﴿وجاءهم الموج﴾ أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف ﴿من كل مكان﴾ أي يعتاد الإتيان منه فأرجف قلوبهم ﴿وظنوا أنهم﴾ ولما كان المخوف الهلاك، لا كونه من معين، بني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك فقال: ﴿أحيط بهم﴾ .
стр. 4141
ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة التي تجب لها القلوب وتضعف عندها القوى - مقتضياً لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك، أتى المقال على مقتضى هذا السؤال مخبراً عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته، وعبارة لرماني: اتصال دعوى الأجوبة، كأنه قيل: لما ظنوا أنهم أحيط بهم ﴿دعوا الله﴾ أي الذي له صفات الكمال بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له بالإخلاص ﴿مخلصين﴾ أي عن كل شرك ﴿له الدين *﴾ أي التوحيد والتصديق بالظاهر والباطن، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ النعمة في كشف تلك البلية؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولاً عن الكذب وأشدهم استقباحاً له وأبعد الناس من كفران الإحسان، فقال تعالى حاكياً قولهم الذي دلُّوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم من الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر: ﴿لئن أنجيتنا﴾ أي أيها الملك الذي لا سلطان لغيره ﴿من هذه﴾ أي الفادحه ﴿لنكونن﴾ أي كوناً لا ننفك عنه ﴿من الشاكرين*﴾ أي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به.
стр. 4142
ولما أعلم سبحانه أنهم اكدوا هذا الوعد هذا التأكيد، أتبعه بيان أنهم أسرعوا في نقضه غاية الإسراع فقال: ﴿فلما أنجاهم﴾ ولما أبانت الفاء عن الإسراع في النقض، أكد مناجاتهم لذلك بقوله: ﴿إذا هم يبغون﴾ أي يتجاوزون الحدود ﴿في الأرض﴾ أي جنسها ﴿بغير الحق﴾ أي الكامل، فلا يزال الباغي مذموماً حتى يكون على الحق الكامل الذي لا باطل فيه بوجه، وجاء الخطاب أولاً في ﴿يسيركم﴾ ليعم المؤمنين لأن التسيير يصلح للامتنان، ثم التفت إلى الغيبة عند صدور ما لا يليق بهم - نبه على ذلك أبو حيان، وأحسن منه أن يقال: إنه سبحانه أقبل عليهم تنبيهاً على أنه جعلهم - بما هيأ فيهم من القوى - أهلاً لخطابه ثم أعرض عنهم إشارة إلى أنهم استحقوا الإعراض لإعراضهم اغتراراً بما أتاحهم من الريح الطيبة في محل يجب فيه الإقبال عليه والغنى عن كل ما سواه لعظم الخطر وشدة الأمر، وكأنه يذكر لغيرهم من حالهم ما يعجبه منه لينكر عليهم ويقبح حالهم؛ والتسيير: التحريك في جهة تمتد كالسير؛ والبر: الأرض الواسعة التي تقطع من بلد، ومنه البر لاتساع الخير به؛ والبحر: مستقر الماء الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه؛ والفلك: السفن التي تدور في الماء، وأصله الدور، فمنه فلكة المغزل، والفلك الذي يدور فيه النجوم؛ والنجاة: التخليص من الهلاك؛ والبغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله الطلب؛ والحق: وضع الشيء في موضعه على ما يدعو إليه العقل؛
стр. 4143
ثم بين أن ما هم فيه من الإمهال إنما هو متاع الدنيا وأنها دار زوال فقال تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ أي الذي غلب عليهم وصف الاضطراب ﴿إنما بغيكم﴾ أي كل بغي يكون منكم ﴿على أنفسكم﴾ لعود الوبال عليها خاصة وهو على تقدير انتفاعكم به عرض زائل ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ ثم يبقى عاره وخزيه بعد الموت ﴿ثم إلينا﴾ أي خاصة ﴿مرجعكم﴾ بعد البعث ﴿فننبئكم﴾ على ما لنا من العظمة إنباء عظيماً ﴿بما كنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿تعملون*﴾ ونجازيكم عليه.
стр. 4144
ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء الدنيا وأنها إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلغ دائماً بلا انقضاء فهي دار يرضى بها فيطمئن إليها، وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق، وكانت الأمثال أجلى لمحال الأشكال، قال تعالى ممثلاً لمتاعها قاصراً أمرها على الفناء رداً عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث: ﴿إنما﴾ فهو قصر قلب ﴿مثل الحياة الدنيا﴾ التي تتنافسون فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله ﴿كماء أنزلناه﴾ أي بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه بقوله: ﴿من السماء﴾ فشبهه بأمر النبات وأنه قليل يبلغ منتهاه فتصبح الأرض منه بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع، وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى أنه تعالى قادر على ضربة قبل نهايته أو بعدها
стр. 4145
ببعض الآفات كما يوجد في بعض السنين، فيقفرون منه ويفتقرون إليه، وفي ذلك تحذيرعظيم ﴿فاختلط﴾ أي بسبب إنزالنا له ﴿به﴾ أي بسبب تليينه ولطافته ﴿نبات الأرض﴾ عموماً في بطنها ﴿مما يأكل الناس﴾ أي كافة ﴿والأنعام﴾ من الحبوب والثمار والبقول فظهر على وجهها ﴿حتى﴾ ولم يزل كذلك ينمو ويزيد في الحسن والجرم؛ ولما كان الخصب هو الأصل، عبر عنه بأداة التحقيق فقال: ﴿إذا﴾ ولما كانت بهجة النبات تابعة للخصب، فكان الماء كأنه يعطيها إياها فتأخذه، قال: ﴿أخذت الأرض﴾ أي التي لها أهلية النبات ﴿زخرفها وازينت﴾ بأنواع ذلك النبات زينة منها الجلي ومنها الخفي - بما يفهمه الإدغام ﴿وظن أهلها﴾ أي ظناً مؤكداً جداً بما أفاده العدول عن «قدرتهم» إلى ﴿أنهم قادرون﴾ أي ثابته قدرتهم ﴿عليها﴾ باجتناء الثمرة من ذلك النبات وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة، فلما كان ذلك ﴿أتاها أمرنا﴾ أي الذي لا يرد من البرد أو الحر المفرطين ﴿ليلاً أو نهاراً فجعلناها﴾ أي زرعها وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه بالإهلاك ﴿حصيداً﴾ وعبر بما فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله: ﴿كأن﴾ أي كأنها ﴿لم تغن﴾ أي لم تكن غانية أي ساكنة حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوباً فيها أي زرعها وزينتها ﴿بالأمس﴾ فكان
стр. 4146
حال الدنيا في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله كحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعد ما التف وزين الأرض بخضرته وألوانه وبهجته.
ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة للساعة، هز السامع له فازداد عجبه من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جواباً له: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التفصيل الباهر ﴿نفصل﴾ أي تفصيلاً عظيماً ﴿الآيات لقوم﴾ أي ناس أقوياء فيهم قوة المحاولة لما يريدون ﴿يتفكرون*﴾ أي يجددون الفكر على وجه الاستمرار والمبالغة؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه الحال الثاني بالأول؛ والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض؛ والزخرف: حسن الألوان.
стр. 4147
ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات، بين أن الدار التي رضوا بها وأطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب وأنها ظل زائل تحذيراً منها وتنفيراً عنها، بين تعالى أن الدار التي دعا إليها سالمة من كل نصب وهم ووصب، ثابته بلا زوال، فقال تعالى عاطفاً على قوله ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ ترغيباً في الآخرة وحثاً عيها: ﴿والله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿يدعوا﴾ أي يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين ﴿إلى دار السلام﴾ عن قتادة أنه سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيماً لها وترغيباً فيها، يعني بأناه لا عطب فيها أصلاً، والسلامة فيها دائمة،
стр. 4148
والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة وغيرهم؛ والدعاء: طلب الفعل بما يقع لأجله، والدواعي إلى الفعل خلاف الصوارف عنه.
ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله: ﴿ويهدي من يشاء﴾ أي بما يخلق في قلبه من الهداية ﴿إلى صراط مستقيم*﴾ أن من الناس من يهديه ومنهم من يضله. وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن يقال: هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده؟ فقيل: لا، بل هم فريقان: ﴿للذين أحسنوا﴾ أي الأعمال في الدنيا منهم وهم من هداه ﴿الحسنى﴾ أي الخصلة التي هي في غاية الحسن من الجزاء ﴿وزيادة﴾ أي عظيمة من فضل الله فالناس: مزيد خرجت هدايته من الجهاد ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، ومراد خرجت هدايته من المشيئة، فالدعوة إلى الجنة بالبيان عامة، والهداية إلى الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم.
ولما كان النعيم لا يتم إلاّ بالدوام بالأمن من المضار قال: ﴿ولا يرهق﴾ أي يغشي ويلحق ﴿وجوههم قتر﴾ أي غبرة كغبره الموت وكربة، وهو تغير في الوجه معه سواد وعبوسة تركبهما غلبة ﴿ولا ذلة﴾ أي كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان.
ولما كان هذا واضحاً في أنهم أهل السعادة، وصل به قوله:
стр. 4149
﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿أصحاب الجنة﴾ ولما كانت الصحبة جديرة بالملازمة، صرح بها في قوله: ﴿هم﴾ أي لا غيرهم ﴿فيها﴾ أي خاصة ﴿خالدون﴾ أي مقيمون لا يبرحون، لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم.
ولما بين حال الفضل فيمن أحسن، بين حال العدل فيمن أساء فقال: ﴿والذين كسبوا﴾ أي منهم ﴿السيئات﴾ أي المحيطة بهم ﴿جزآء سيئة﴾ أي منهم ﴿بمثلها﴾ بعدل الله من غير زيادة ﴿وترهقهم ذلة﴾ أي من جملة جزائهم، فكأنه قيل: أما لهم انفكاك عن ذلك؟ فقيل جواباً: ﴿ما لهم من الله﴾ أي الملك الأعظم؛ وأغرق في النفي فقال: ﴿من عاصم﴾ أي يمنعهم من شيء يريده بهم.
ولما كان من المعلوم أن ذلك مغير لأحوالهم، وصل به قوله: ﴿كأنما﴾ ولما كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيىء، بني للمفعول قوله: ﴿أغشيت وجوههم﴾ أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء ﴿قطعاً﴾ ولما كان القطع بوزن عنب مشتركاً بين ظلمة آخر الليل وجمع القطعة من الشيء. بين وأكد فقال: ﴿من الليل﴾ أي هذا الجنس حال كونه ﴿مظلماً﴾ ولما كان ذلك ظاهراً في أنهم أهل الشقاوة، وصل به قوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء
стр. 4150
البغضاء ﴿أصحاب النار﴾ ولما كانت الصحبة الملازمة، بينها بقوله: ﴿هم فيها﴾ أي خاصة ﴿خالدون﴾ أي لا يمكنون من مفارقتها؛ والرهق: لحق الأمر، ومنه: راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال؛ والقتر: الغبار، ومنه الإقتار في الإنفاق لقتله؛ والذلة: صغر النفس بالإهانة؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع إلى النفس أو النفس أو استدفاع الضر.
ولما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله: ﴿ويوم﴾ أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم ﴿نحشرهم﴾ أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم ﴿جميعاً﴾ ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى ﴿إنه يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ [يونس: ٤] وإلى قوله ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ [يونس: ١٨] والحشر: الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد؛ وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله: ﴿ثم نقول للذين أشركوا﴾ أي بنا من لم يشارك في خلقهم؛ وقوله: ﴿مكانكم﴾ نقل أبو حيان عن النحوين أنهم جعلوه اسماً لأثبتوا، ورد
стр. 4151
على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم، أي نقول لهم: قفوا وقوف الذل ﴿أنتم وشركآؤكم﴾ حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهار لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيراً لهم، فلا يمكنهم مخالفة ذلك.
ولما كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه مسبباً عنه قوله: ﴿فزيلنا﴾ أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان ﴿بينهم﴾ في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا هؤلاء الذين أضلونا، وكنا ندعو من دونك ﴿وقال شركاؤهم﴾ لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق ﴿ما كنتم﴾ أي أيها المشركون، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم ﴿إيانا تعبدون﴾ أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة لى أنه لا يعبد إلاّ من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلاً ولا يرضى بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلاً، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلاً عن أن يخصنا بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما
стр. 4152
يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئاً من ذلك.
ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه قولهم: ﴿فكفى بالله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿شهيداً﴾ أي هو يكفينا كفاية عظيمة جداً من جهة الشهادة التي لا غيبة فيه بوجه ولا ميل أصلاً ﴿بيننا وبينكم﴾ في ذلك يشهد لنا وعلينا؛ ثم استأنفوا خبراً يصحح نفيهم فقالوا مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون علمهم: ﴿إن﴾ أي إنا ﴿كنا﴾ أي كوناً هو جبلة لنا ﴿عن عبادتكم﴾ لنا أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة؛ ولما كانت «إن» هي المخففة من الثقيلة تلقيت باللام الفارقة بينها وبين النافية فقيل: ﴿لغافلين﴾ لأنه لا أرواح فينا، فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ولانرضاها فاللوم عليكم دوننا، وذلك افتداء من موقف الذل أو أنهم لما تخيلوا في الشركاء صفات عبدوها لأجلها وكانت خالية عنها صح النفي لأنهم عبدوا ذوات موصوفة بصفات لا وجود لها في الأعيان، وأيضاً فإنهم ما عبدوا إلاّ الشياطين التي كانت تزين لهم ذلك وتغويهم، ويكون التقدير على ما دل عليه السياق: ﴿فزيلنا بينهم﴾ أي منعناهم مما كانونا فيه من التواصل والتواد المقتضي للتناصر بعبادة الأوثان، فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم نصرهم: إنا كنا نعبدكم من دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر دينكم ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾
стр. 4153
أي كُشِف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس الأمر كما زعمتم وأنكم لم تخصونا بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو خصصتمونا ما قدرنا على ذلك قال الشيطان ﴿ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ [إبراهيم: ٢٢] ﴿فكفى﴾ أي فتسبب عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من العلم أن نقول: كفى ﴿بالله شهيداً بيننا وبينكم﴾ في ذلك، يشهد أنكم لم تخصوا أحداً منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين، وهذا كله إشارة إلى أن العبادة المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو نطق، وإن من استحق العبادة استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا يستحق ذلك إلاّ القادر على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه وعابده قاطع؛ ولما كانت فائدة الشاهد ضبط ما قد ينساه المتشاهدان، عللوا اكتفاءهم بشهادة الله بقوله: ﴿إن كنا عن عبادتكم﴾ في تلك الأزمان ﴿لغافلين﴾ فأقروا لهم بما هو الحق مما كان يعلمه كل من له تأمل صحيح أنهم لم يشعروا بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه، فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة الشهيد لأنهم أسوأ حالاً ممن يعلم المشهود به ويخشى النسيان، أو يقال: فقال المشركون لشركائهم: إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا فنجونا مما وقعنا فيه ﴿وقال شركاؤهم
стр. 4154
ما كنتم إيانا﴾ وحدنا ﴿تعبدون﴾ أي ما كنتم تخلصون لنا العبادة حتى يلزمنا أن نخلصكم كما أعلمنا بذلك الله ربنا وربكم المحيط بكل شيء علماً ﴿فكفى﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه كفى ﴿بالله شهيداً بيننا وبينكم﴾ في ذلك، فكأن المشركين قالوا: قد تضمن كلامكم أن عبدناكم على غير منهج الإخلاص، أفليس قد عبدناكم؟ أفلا تغنون عنا شيئاً؟ فأجاب الشركاء بقولهم: ﴿إن كنا عن عبادتكم﴾ خالصة كانت أو مشوبة ﴿لغافلين﴾ فلا نقر لكم بعبادة أصلاً وإن تيقنا الإخلاص لسلب العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلاً عن أن نأمركم أو نرضى بعبادتكم على أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير؛ أو يقال - وهو أحسن مما مضى -: ﴿وقال شركاؤهم﴾ لما تحققوا العذاب طلباً لأن يخفف عنهم منه بتوزيعه عليهم وعلى كل من عبدوه من غيرهم ﴿ما كنتم﴾ أيها العابدون لنا ﴿إيانا﴾ أي خاصة ﴿تعبدون﴾ بل كنتم تعبدون أيضاً غيرنا، وهذا يعم والله كل من يرائيه غيره بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ينكره عليه؛ ولما أفهموا بنفي العبادة بقيد الخصوص أنهم كانوا يعبدون معهم غيرهم، وكان المخلوق قاصر العلم غير محيطه بوجه بأحوال نفسه فكيف يعبدون بأحوال غيره، سببوا عن ذلك قولهم: ﴿فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن﴾ أي في أنا ﴿كنا عن عبادتكم﴾ أي في الجملة ﴿لغافلين﴾ والحاصل أن هذا ترجمة كلام الكفار وهو ناشىء منهم عن محض غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق،
стр. 4155
فلا يشترط أن يكون معناه على الوجه الأسدّ والطريق الأبلغ، فالإعجاز في نظمه، ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم معهم، فهو من وادي قوله تعالى
﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ [إبراهيم: ٢١] ، ﴿فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار﴾ [غافر: ٤٧] ﴿فآتاهم عذاباً ضعفاً من النار﴾ [الأعراف: ٣٨] ونحوه ﴿فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب﴾ [الأعراف: ٣٩]- والله أعلم.
стр. 4156
ولما أخبر عن حال المشركين، تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال غيرهم فقال مستأنفاً مخبراً عن كِلا الفريقين: ﴿هنالك﴾ أي في ذلك الموقف من المكان والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال ﴿تبلوا﴾ أي تخبر وتخالط مخالطة مميلة محلية ﴿كل نفس﴾ طائعة وعاصية ﴿مآ أسلفت﴾ أي قدمت من العمل فيعرف هل كان خيراً أو شراً وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة.
ولما كان مطلق الرد - وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ابتدأ منه - كافياً في الرهبة لمن له اب، بُني للمفعول قوله: ﴿وردوآ﴾ أي بالبعث بالإحياء كما كانوا أولاً ﴿إلى الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿مولاهم الحق﴾ فلم يكن لهم قدرة على قصدِ غيره ولا الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاءهم من كل ما كانوا يدعونه
стр. 4157
في الدنيا، وهو المراد بقوله: ﴿وضَلَّ عنهم﴾ أي بطل وذهب وضاع ﴿ما كانوا﴾ أي كوناً هو جبلة لهم ﴿يفترون﴾ أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلاً غير حق؛ والتزييل: تفريق يزول به كل واحد عن مكانه، وهو من تفريق الجثث، وليس من الواوي، بل من اليائي، يقال: زلته عن الشيء أزيله - إذا فرقت بينه وبينه؛ والكفاية: بلوغ مقدار الحاجة في دفع الأذية أو حصول المنفعة؛ والإسلاف: تقديم أمر لما بعده؛ والرد: الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه كالرجع؛ والمولى: من يملك تولى أمر مولاه.
ولما قدم سبحانه أن شركاءهم مربوبون مقهورون، لا قدرة لهم إلاّ على ما يقدرهم الله عليه، وأنه وحده المولى الحق، وبانت بذلك فضائحهم، أتبعه ذكر الدلائل على فساد مذهبهم، فوبخهم بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون بأنه مختص به ويدل قطعاً على تفرده بجميع الأمر الموجب من غير وقفة لاعتقاد تفرده بالإلهية فقال: ﴿قل﴾ أي يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد ﴿من يرزقكم﴾ أي يجلب لكم الخيرات أيها المنكرون للبعث المدعون للشركة ﴿من السمآء﴾ أي بالمطر وغيره من المنافع ﴿والأرض﴾ بالنبات وغيره لتعيشوا ﴿أمّن يملك السمع﴾ أي الذي تسمعون به الآيات، ووحده للتساوي فيه في الغالب
стр. 4158
﴿والأبصار﴾ التي تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ثم حفظها في المدد الطوال على كثرة الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حياتكم الحسية ببقاء الروح، والمعنوية بوجود العلم؛ روي عن علي ﵁ أنه قال: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم.
فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وأقربه، نبههم على ما قبله من بدء الخلق فقال: ﴿ومن يخرج الحي﴾ من الحيوان والنبات ﴿من الميت﴾ أي من النطفة ونحوها ﴿ويخرج الميت﴾ أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو ﴿من الحي﴾ أي فينقل من النقص إلى الكمال؛ ثم عم فقال: ﴿ومن يدبر الأمر﴾ أي كله التدبير العام.
ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق والتدبير، أخبر عن جوابهم إذا سئلوا عنه بقوله: ﴿فسيقولون الله﴾ أي مسمى هذا الاسم الذي له الكمال كله بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من الإعادة والهداية ﴿فقل﴾ أي فتسبب عن ذلك أنا نقول لك: قل لهم مسبباً عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى: ﴿أفلا تتقون﴾ أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على اعترافكم بتوحده في ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته؛ ثم علل إنكار عدم تقواهم بقوله: ﴿فذلكم﴾ أي العظيم الشأن ﴿الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام، فكانت هذه قدرته وأفعاله ﴿ربكم﴾ أي الموجد لكم المدبر لأموركم الذي لا إحسان
стр. 4159
عندكم لغيره ﴿الحق﴾ أي الثابته ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لاجتماع الصفات الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية حقيقة لمن لم تجتمع له تلك الصفات ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم: ما ﴿ذا بعد الحق﴾ أي الذي له أكمل الثبات ﴿إلاّ الضلال﴾ فإنه لا واسطة بينهما - بما أنبأ عنه إسقاط الجار، ولا يعدل عاقل عن الحق إلى الضلال فانّى تصرفون أنتم عن الحق إلى الضلال؛ ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فأنى﴾ أي فكيف ومن أيّ جهة ﴿تصرفون﴾ أي أنتم من صارف ما كائناً ما كان، عن الحق إلى الضلال.
ولما كانوا جديرين عند تقريرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها بأن يقولوا: سلمنا فأسلمنا ولا نصرف عن الحق أبداً، فلم يقولوا، كانوا حقيقين بأن يقال لهم: حقت عليكم كلمة الله لفسقكم وزوغانكم عن الحق. فقيل: هل خصوا بذلك؟ فقيل: بل ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك الحقوق العظيم ﴿حقت كلمت ربك﴾ أي المحسن إليك بإهلاك أعدائك: الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد فيها، ومعنى الجمع في قراءة نافع وابن عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض الكلمة التي أوجبت عذابهم، بل كلها توافقها فالمراد واحد، أو يكون ذلك كناية عن أن عذابهم دائم فإن كلماته لا تنفذ ﴿على﴾ كل ﴿الذين﴾ فعلوا فعلهم لأنهم ﴿فسقوا﴾ أي أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا الخروج عن طريق الحق والخروج عن دائرة الصلاح، وهو كونهم أمة واحدة إلى دين أبيهم آدم صَفيُ الله ﵇؛
стр. 4160
ثم علل ذلك الحقوق بقوله: ﴿أنهم لا يؤمنون*﴾ أي لا يتجدد منهم إيمان أصلاً، وعبر بالفسق المراد به الكفر لأن السياق للخروج عن دائرة الدين الحق في قوله ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ وهذا المعنى أحق بالتعبير للفسق الذي أصله الخروج عن محيط في قولهم: فسقت الرطبة عن قشرها - أي خرجت، أو يكون المعنى: حقت الربوبية له سبحانه بهذا الليل، وهو فعل هذه الأمور المختتمة بالتدبير المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعاً لأنه لو كان قادر يساويه في مقدوره لأمكن أن يمانعه، وبطل أن يكون قادراً، وحق أن من زاغ عن الحق كان في الضلال كما حق هذا ﴿كذلك حقت﴾ أي ثبتت ثباتاً عظيماً ﴿كلمت ربك على﴾ كل ﴿الذين﴾ قضى بفسقهم منهم. و ﴿أنهم لا يؤمنون﴾ تفسير لكلمته التي حقت؛ والرزق: جعل العطاء الجاري.
стр. 4161
ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها من الرزق والتدبير أعاد سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيهاً لهم على ما يتعارفونه من أن الإعادة أهون، فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد، وإنكار المسلمات كلها هكذا، وسوقه على الطريق الاستفهام أبلغ وأوقع في القلب فقال: ﴿قل﴾ أي على سبيل الإنكار عليهم
стр. 4162
والتوبيخ لهم ﴿هل من شركائكم﴾ أي الذين زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزروعكم ﴿من يبدأ الخلق﴾ كما بدأته ليصح لهم ما ادعيتم من الشركة ﴿ثم يعيده﴾ .
ولما كان الجواب قطعاً من غير توقف. ليس فيهم من يفعل شيئاً من ذلك، وكان لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم انة يجيبوا بالحق، أمره بجوابهم بقوله: ﴿قل الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يبدأ الخلق﴾ أي مهما أراد ﴿ثم يعيده﴾ وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في السؤال عن الهداية تأكيداً للأمر بخلاف ما اعترفوا به، فإنه اكتفى فيه بأحد الجزأين في قوله ﴿فسيقولون الله﴾ ولم يقل: يرزقنا - إلى آخره؛ ثم زاد في تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك بالتعجيب منهم في قوله: ﴿فأنى تؤفكون*﴾ أي كيف ومن أي جهة تصرفون بأقبح الكذب عن وجه الصواب من صارف ما، وقد استنارت جميع الجهات، ورتب هذه الجمل أحسن ترتيب، وذلك أنه سألهم أولاً عن سبب دوام حياتهم وكمالها بالرزق والسمع والبصر وعن بدء الخلق في إخراج الحي من الميت وما بعده، وكل ذلك تنبيهاً على النظر في أحوال أنفسهم مرتباً على الأوضح فالأوضح، فلما اعترفوا به كله أعاد السؤال عن بدء الخلق ليقرن به الإعادة تنبيهاً على أنهما بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فلما فرغ مما يتعلق بأحوال
стр. 4163
الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك، والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعاناً في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال: ﴿قل﴾ أي يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود ﴿هل من شركائكم﴾ أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظاً من أموالكم وأولادكم ﴿من يهدي﴾ أي بالبيان أو التوفيق ولو بعد حين ﴿إلى الحق﴾ فضلاً عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاماً.
ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين، أمره أن يجيبهم معرضاً عن انتظار جوابهم آتياً بجزئي الاستفهام أيضاً فقال: ﴿قل الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يهدي﴾ ولما كان قادراً على غاية الإسراع، عبر باللام فقال: ﴿للحق﴾ إن أراد، ويهدي إلى الحق من يشاء، لا أحد ممن زعموهم شركاء، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال في المزاج كبير، فالآية من الاحتباك: ذكر ﴿إلى الحق﴾ أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، و ﴿للحق﴾ ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال: ﴿أفمن يهدي﴾ أي منتهياً في هداه ولو على بعد ﴿إلى الحق﴾ أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه
стр. 4164
﴿أحق أن يتبع﴾ أي بغاية الجهد ﴿أم من لا يهدي﴾ أي يهتدي فضلاً عن أن يهدي غيره إلى شيء من الأشياء أصلاً ورأساً؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها انتهاء التسبب إلى أدناه ﴿إلا أن يهدى﴾ أي يهديه هاد غيره كائناً من كان، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل؛ فلما أتم ذلك على هذا النهج القويم كان كأنه قيل: أتجيبون أم تسكتون؟ وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون، تسبب عن ذلك سؤالهم عى وجه التوبيخ بقوله: ﴿فما﴾ اي أيّ شيء ثبت ﴿لكم﴾ في فعل غير الحق من كلام أو سكوت؛ ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال: ﴿كيف تحكمون*﴾ فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل، أبالباطل أم بالحق؟ فقد تبين الرشد من الغي؛ والبدء: العقل الأول؛ والإعادة: إيجاد الشيء ثانياً؛ والهداية: التعريف بطريق الرشد من الغي.
ولما أخبر بإقرارهم عن بعض ما يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم أو سكوتهم عن بعضه مما يتعلق بشركائهم، عطف على ما صرح به من قولهم ﴿فسيقولون﴾ وما لوح إليه من «فسينكرون» أو «فسيسكتون» قوله: ﴿وما يتبع﴾ أي بغاية الجهد ﴿أكثرهم﴾ أي نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام وقوله: إنها شفعاء، وغير ذلك
стр. 4165
﴿إلا ظناً﴾ تنبيهاً على أنهم إنما هم مقلدون وتابعون للأهواء.
ولما كان الظن لا ينكر استعماله في الشرائع، نبه على أن محله إنما هو حيث لا يوجد نص على المقصود، فيقاس حينئذ على النصوص بطريقة، وأما إذا وجد القاطع في حكم فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في جواب من يقول: أو ليس الظن مستعملاً في كثير من الأحكام؟ : ﴿إن الظن لا يغني﴾ أي أصلاً ﴿من الحق﴾ أي الكامل ﴿شيئاً﴾ أي بدله، ولايكون بدل الحق إلا إذا كان تابعه مخالفاً فيه لقاطع يعمله.
ولما صار ظهور الفرق ضرورياً، أوقع تهديد المتمادي في غيه في جواب من كأنه قال: إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم يستكبرون فلا يرجعون، فقال: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم ﴿بما يفعلون*﴾ فاصبر فلسوف يعملون.
стр. 4166
ولما قدم في هذه السورة قولهم ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ وأتى فيها رداً عليهم ووعظاً لهم من الآيات البالغة في الحكمة جداً يتجاوز قوى البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلاً عن أن يهدوا، وإقامة الدليل على أن مذاهبهم ليست مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى، أتبع ذلك دليلاً قطعياً في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلاً أن يؤتى به من دون أمره سبحانه رداً لقولهم: إنه مفترى، لأنه
стр. 4167
من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة أصلاً، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره، فنفى ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون، وأثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى، فقال تعالى: ﴿وما كان﴾ عاطفاً له على قوله ﴿ما يكون لي أن أبدله﴾ إلى آخره، فهو حينئذ مقول القول، أي قل لهم ذاك الكلام وقل لهم ﴿ما كان﴾ أي قط بوجه من الوجوه، وعينه تعييناً لا يمكن معه لبس، فقال: ﴿هذا القرآن﴾ أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق ﴿أن يفترى﴾ أي أن يقع في وقت من الأوقات تعمد نسبته كذباً إلى الله من أحد من الخلق كائناً من كان؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ رتبته سبحانه بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله، فما من شفيع إلا من بعد إذنه وما يعزب عنه شيء فسبحان المتفضل على عباده بإيضاح الحجج وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبيل الرشاد مع غناه عنهم وقدرته عليهم؛ والافتراء: الإخبار على القطع بالكذب، لأنه من فرى الأديم وهو قطعه بعد تفزيره.
ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالماً - بالأخبار والقصص الماضية على التحرير دليلاً قطعاً على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم
стр. 4168
له إلا الله، عبر بأداة العناد فقال: ﴿ولكن﴾ أي كان كوناً لا يجوز غيره ﴿تصديق الذي﴾ أي تقدم ﴿بين يديه﴾ أي قبله من الكتب، والدليل على تصادقه شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له ﷺ وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به، فلو وجدوا مغمزاً ما لقدحوا به، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعاً.
ولما كان ذلك سلطاناً قاهراً ﷺ ، زاده ظهوراً بما اشتمل الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: ﴿وتفصيل الكتاب﴾ أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها، فهو ناظر إلى قوله ﴿أفمن يهدي إلى الحق﴾ ، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده، فهو الحقيق بالاتباع والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه، ونظيره التقسيم، ونقضيه التخليط والتلبيس، وبيان تفصيله أنه أتى من العلوم العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها، والعملية التكليفية المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما لا مزيد عليه ولا يدانيه فيه كتاب، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل
стр. 4169
﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠] وأمثالهما.
ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ثبت حقيقة - معجزاً بالجمع والتفصيل لجميع العلوم الشريفة: عقليها ونقليها إعجازاً لم يثبت لغيره، ثبت أنه مناقض للافتراء حال كونه ﴿لا ريب فيه﴾ وأنه ﴿من رب العالمين*﴾ أي موجدهم ومدبر أمرهم والمحسن إليهم لأنه - مع الجمع لجميع ذلك - لا اختلاف فيه بوجه، وذلك خارج عن طوق البشر.
ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن ليس إلا من عند الله وبأمره قطعاً، كان كأنه قيل: ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا ﴿أم﴾ استمروا على ضلالهم ﴿يقولون﴾ على سبيل التجديد والاستمرار عناداً ﴿افتراه﴾ أي تعمد نسبته كذباً إلى الله، فكأنه قيل، تمادوا على عتوهم فقالوا ذلك فكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، لأنهم أصلوا أصلاً فاسداً لزم عليه قطعاً إمكان أن يأتوا بمثله لأنهم عرب مثله، بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء واشتد اعتناءه بأنواع البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه ﷺ في جميع ذلك، فلهذا أمره في جوابهم بقوله ﴿قل﴾ أي لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم بمواقع الكلام لجميع أنواعه، أتى بالفاء
стр. 4170
السببية في قوله: ﴿فأتوا﴾ أي أنتم تصديقاً لقولكم هذا الذي تبين وأنكم فيه معاندون؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه، وكان مفصلاً إلى سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه، وتكون خاتمتها مرتبطة بفاتحتها متحدة بها، اكتفى في تحديهم بالإتيان بقطعة واحدة غير مفصلة إلى مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان وانتظام العبارة والتئام المعاني فلذلك قال: ﴿بسورة﴾ قال الرماني: والسورة منزلة محيطة بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء، وهذا نظراً إلى أن المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية، وهي كما قال الحرالي تمام جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدنية؛ ووصفها بقوله: ﴿مثله﴾ أي قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ومصادقة الكتب وتفصيل العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالكتابة ومخالطة العلماء - من غير إتيان ب «من» لما تقدم من أن المراد كونها مثل القرآن كله، ولذلك وسع لهم في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت طاقتهم إليه ولم يقصرهم على من بحضرتهم فقال: ﴿وادعوا﴾ أي لمعاونتكم ﴿من استطعتم﴾ أي قدرتم على طاعته ولو ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم للمعاونة، وحقق أن هذا القرآن من عنده سبحانه
следующие страницы →