Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، فقال تعالى عاطفاً على ﴿واضرب﴾ : ﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم إذ ﴿قلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿للملائكة﴾ الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة ﴿اسجدوا لآدم﴾ أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها ﴿فسجدوا﴾ كلهم ﴿إلا إبليس﴾ فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: ﴿كان﴾ أي لأنه كان ﴿من الجن﴾ المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵄ أن الجن كانت قبيلة من الملائكة.
ولما كان أكثر الجن مفسداً، رجوعاً إلى الأصل الذي هو
стр. 5707
النار المحرقة لما لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى: ﴿ففسق﴾ أي خرج، يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد. ﴿عن أمر ربه﴾ أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: ﴿أفتتخذونه﴾ أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه ﴿وذريته﴾ شركاء لي ﴿أولياء﴾ لكم ﴿من دوني﴾ أي اتخاذاً مبتدئاً من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة، ولو كان المعنى: من دون - أي غير - اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعاً، وأنا وليكم المفضل عليكم
стр. 5708
﴿وهم لكم﴾ ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول، أغنى عن صيغة الجمع فقال: ﴿عدو﴾ إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: ﴿بئس﴾ وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى: ﴿للظالمين بدلاً *﴾ إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي.
стр. 5709
ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في ﴿دوني﴾ لذلك: ﴿ما أشهدتهم﴾ أي إبليس وذريته ﴿خلق السماوات والأرض﴾ نوعاً من أنواع الإشهاد ﴿ولا خلق أنفسهم﴾ إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً ﴿وما كنت﴾ أي أزلاً وأبداً متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: ﴿متخذ المضلين عضداً *﴾ إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات
стр. 5710
إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيراً أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين.
ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فقال تعالى عاطفاً على ﴿إذ قلنا﴾ عادلاً إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى ﴿وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا﴾ [الكهف: ٤٨] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: ﴿ويوم﴾ أي واذكر يوم ﴿يقول﴾ الله لهم تهكماً بهم: ﴿نادوا شركاءي﴾ وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: ﴿الذين زعمتم﴾ أنهم شركاء ﴿فدعوهم﴾ تمادياً في الجهل والضلال ﴿فلم يستجيبوا لهم﴾ أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم.
ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في مظهر العظمة: ﴿وجعلنا بينهم﴾ أي المشركين والشركاء ﴿موبقاً *﴾
стр. 5711
أي هلاكاً أو موضع هلاك، فاصلاً حائلاً بينهم، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً، لا يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى ﴿فزيلنا بينهم﴾ [يونس: ٢٨] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل قوله تعالى ﴿ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك﴾ [النحل: ٨٦] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وقال الحسن البصري: عداوة.
وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة، ولها أحد عشر تركيباً: واحد يائي: بقي، وستة واوية: قبو، قوب، بقو، بوق، وقب، وبق، وأربعة مهموزة: قبأ، قأب، بأق، أبق - كلها تدور على الجمع، وخصوصاً ترتيب وبق
стр. 5712
يدور على الحائل بين شيئين، ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو فعلاً، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان الحائل موتاً، وبالقوة إن كان غيره، يقال: قبل الشيء: جمعه بأصابعه، والبناء: رفعه، والزعفران: جناه، والقبا - بالقصر: نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضاً، والقبا: تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقباه تقبية: عباه، أي جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو، وقبى عليه تقبية: عدا عليه في أمره - لأنه كان كأنه أوقعه في حفرة، والثوب: جعل منه قباء، وتقبى القباء: لبسه، وزيداً: أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه مخاتلة، وتقبى الشيء: صار كالقبة، وامرأة قابية: تلقط العصفر وتجمعه، والقابياء: اللئيم - لأنه بناء مبالغة، فيدل على كثرة الجمع والحرص اللازمين للؤم، وبنو قابياء: المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم اللئام، وقباء - بالضم ويذكر ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة، وموضع بين مكة والبصرة، وانقبى: استخفى، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء: قاب قوسين، والمقبي: الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار كالبناء، والقباية: المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء والوقبة ما فيها. ومن مهموزة: قبأ الطعام - كجمع: أكله، ومن الشراب: امتلأ، والقباءة: حشيشة ترعى - لأن المال يجتمع على رعيها.
ومن الواوي: قاب الأرض يقوبها وقوّبها: حفر فيها شبه التقوير - لأن الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها، لأنه لا زوايا فيها فاصلة، وقوبت الأرض: آثرت فيها، والقوبة: ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون غالباً على هيئة الدائرة، وتقوب جلده: تقلع عنه الجرب، وانحلق عنه الشعر - إما من الإزالة، وإما لأن آثاره تكون كالدوائر، وقوب الشيء: قلعه من أصله - لأن أثره إذا انقلع يكون حفراً مستديراً، وتقوب هو: تقلع، والقائبة والقابة: البيضة - لأنها لتدويرها تشبه ذلك الحفر، والقوب - بالفتح:
стр. 5713
فلق الطير بيضه، وبالضم: الفرخ - لأنه منها، وفي المثل: تخلصت قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه، والقوبيّ: المولع بأكل الأقواب أي الفراخ، والقوب - كصرد: قشور البيض، وتقوبت البيضه: انقابت أي انحفرت، وأم قوب: الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر، وقاب: قرب - لأن القرب مبدأ الجمع، وقاب: هرب، أي سلب القرب - ضد، وقاب: فلق، أي شق الجمع فهو من الإزالة أيضاً، وقاب قوس وقيبه، أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك الحفر، والقاب: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك، ولكل قوس قابان، والأسود المتقوب: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدوّر ذلك الجلد وشبهه بالحفرة، واقتاب الشيء: اختاره، أي جمعه إليه، ورجل مليء قوبة - كهمزة: ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع، وقوب من الغبار: اغبر - إما لأن من يحفر ذلك بغير، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل تلك الحفرة.
ومن مهموزه: قأب الطعام - كمنع: أكله، والماء: شربه كقئبه - كفرح، أو شرب كل ما في الإناء، وقئب من الشراب: تملأ، وهو مقأب - كمنبر: كثير الشرب للماء، وإناء قَوأب: كثير الأخذ
стр. 5714
للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص بالأكل والشرب، أو أنه جمعه في وقبة بطنه.
ومن الواوي: بقاه بعينه: نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع، وابقُه بَقْوَتَك مالَك، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك، وبقوته: انتظرته - وهو يرجع إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ، ويلزم الحفظ الثبات. ومن اليائي: بقي الشيء بقاء: ثبت ودام ضد فني، والاسم البقوى - كدعوى، ويضم، والبقيا - بالضم والبقية، وقد توضع الباقية موضع المصدر.
ومن واويّه: البوقة: الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - أنها نزلت من وقبة لشدتها، والبوائق: العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها، والبوائق: الشر - لأنه مهلك، فكأنه موقع في المهالك، والبوق - بالضم: شبه منقاب ينفخ فيه الطحان، أو الذي ينفخ فيه مطلقاً ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه الوقبة، والبوق أيضاً: الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك، والمبوق - كمعظم: الكلام الباطل، والبوق - بالفتح: من لا يكتم السر - لأن البوق متى نفخ فيه صوّت، والبوقة: شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن وقع فيه وقبة،
стр. 5715
والبائقة: الداهية - كأنها تدفع من أتته في الوقبة، وانباقت عليه بائقة: انفتقت، وباق: جاء بالشر والخصومات - من ذلك، وكذا باق، أي تعدى على إنسان، وانباق به: ظلمه، والبائقةُ القومَ: أصابتهم، كانباقت عليهم، أي خرجت لشدتها من وقبة، والباقة: الحزمة من بقل - لاجتماعها، وباق بك: طلع عليك من غيبة - كأنه كان في حفرة فخرج، ومنه باق فلان: هجم على قوم بغير إذنهم، وباق القوم: سرقهم، وباق به: حاق به، أي - أحاط كما تحيط الوقبة، وباق القوم عليه: اجتمعوا فقتلوه ظلماً، وباق المال: فسد وبار - كحال من وقع في حفرة، ومنه متاع بائق: لا ثمن له، وتبوّق في الماشية: وقع فيها الموت وفشا، والحاق باق: صوت الفرج عند الجماع - لأنه من الجمع، ولأن الفرج وقبة، ومن مهموزه: بأقتهم الداهية بؤوقاً: أصابتهم، وانبأق عليهم الدهر: هجم عليهم بالداهية.
ومن الواوي، الوقبة: كوة عظيمة فيها ظل، والوقب والوقبة: نقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، وقيل: هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماء، وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف، والوقبان من الفرس: هزمتان فوق عينيه، ووقب
стр. 5716
المحالة: الثقب الذي يدخل فيه المحور، ووقبة الدهن: أنقوعته، وكذا وقبة الثريد، ووقب الشيء: دخل في الوقب، وأوقب الشيء: أدخله فيه، وركية وقباء: غامرة الماء، وامرأة ميقاب: واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم، يريدون سبهم بذلك، والميقاب: الرجل الكثير الشرب للماء، والحمقاء أوالمحمقة، وسير الميقاب: أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى على ظهره، ووقب القمر وقوباً: دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه حفرة ابتلعته، ووقبت الشمس وقوباً: غابت كذلك، وقيل: كل ما غاب فقد وقب، ووقب الظلام، أقبل. أي فصار كالوقبة، فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء، ورجل وقب: أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع، لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه، والأنثى: وقبة، وقال ثعلب: الوقب: الدنيء، أي لأنه يتبع نفسه هواها فيصير كأنه الوقبة لا ترد شيئاً مما يلقي فيها، ووقب الفرس وقباً وهو صوت قنبه، أي وعاء قضيبه، وقيل: صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه كالوقبة، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه، والقبة -
стр. 5717
كعدة: الإنفحة إذا عظمت من الشاة، قال ابن الأعرابي: ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن شبه الإنفحة بالوقبة ظاهر، والوقباء: موضع يمد ويقصر، والوقبى: ماء لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها، والأوقاب: قماش البيت كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها جامعة لشمل من فيه، والميقب: الودعة، وأوقب القوم: جاعوا، أي تهيؤوا لإدخال الطعام في وقبة الجوف، وذكر أوقب: ولاّج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي الحفر، والوقب: الإقبال والمجيء، وهو سبب الجمع.
ووبق - كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً: هلك، أي وقع فيه وقبة، أي حفرة كاستوبق، وكمجلس: المهلك والمحبس، وواد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين - لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره.
ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه.
ومن مهموزه: أبق العبد - كسمع وضرب ومنع - أبقاً
стр. 5718
ويحرك - وإباقاً - ككتاب: ذهب بلا خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب - وكل ذلك يوجع إلى جعله كأنه نزل في وقبة، ومن شأنه حينئذ أن يخفى، ومنه تأبق: استتر أو احتبس، وتأبق الشيء: أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء، وتأبق: تأثم، أي جانب الإثم، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة، والأبق - محركة: القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة، والأبق: قشره - لقوته اللازمة للجمع أو لأنه خيوط مجتمعة.
стр. 5719
ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم، ذكر حالهم في استمرار جهلهم، فقال تعالى: ﴿ورءا المجرمون﴾ أي العريقون في الإجرام ﴿النار﴾ أي ورأوا، ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف ﴿فظنوا﴾ ظناً ﴿أنهم مواقعوها ولم﴾ أي والحال أنهم لم ﴿يجدوا عنها مصرفاً *﴾ أي مكاناً ينصرفون إليه، فالموضع موضع التحقق، ولكن ظنهم جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا ﴿اتخذ الله ولداً﴾ [الكهف: ٤] بغير علم ﴿وما أظن أن تبيد هذه أبداً﴾ [الكهف: ٣٥] ، ﴿وما أظن الساعة قائمة﴾ [الكهف: ٣٦] ، ﴿إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين﴾ [الجاثية: ٣٢] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها.
ولما كان الكلام في قوة أن يقال: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت
стр. 5720
إليه من الأسرار الكبار، فقامت دلائل الشريعة الجلائل، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر، عطف على ذلك: ﴿ولقد صرفنا﴾ أي بما لنا من العظمة. ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى: ﴿في هذا القرءان﴾ أي القيم الذي لا عوج فيه، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات ﴿للناس﴾ أي المزلزلين فضلاً عن الثابتين ﴿من كل مثل﴾ أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة، والأساليب المتناسقة، ما سار بها في غرابته كالمثل، يقبله كل من يسمعه، وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد، بين العباد، فتبشر به قلوبهم، وتلهج به ألسنتهم، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى: ﴿وكان الإنسان﴾ الذي جعل خصيماً وهو آنس بنفسه جبلة وطبعاً ﴿أكثر شيء﴾ وميز الأكثرية بقوله تعالى: ﴿جدلاً *﴾ لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان، الذي أضاء جميع الأكوان.
ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: ﴿وما منع﴾ ولما كان الناس تبعاً لقريش قال: ﴿الناس﴾ أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى:
стр. 5721
﴿أن يؤمنوا﴾ ليفيد التجديد وذمهم على الترك ﴿إذ﴾ أي حين ﴿جاءهم الهدى﴾ بالكتاب على لسان الرسول، وعطف على المفعول الثاني - معبراً بمثل ما مضى لما مضى - قولَه تعالى: ﴿ويستغفروا ربهم﴾ أي المحسن إليهم.
ولما كان الاستثناء مفرغاً، أتى بالفاعل فقال تعالى: ﴿إلا أن﴾ أي طلب أن ﴿تأتيهم سنة الأولين﴾ في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكاً، وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبراً، أي مستوراً ﴿أو﴾ طلب أن ﴿يأتيهم العذاب قبلاً *﴾ أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلاناً قبلاً، أي معاينة، وكذا في قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلاً لا دبراً، أي مواجهة
стр. 5722
من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى:
﴿إن كان قميصه قدَّ من قبل﴾ [يوسف: ٢٦] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاً ونوعاً نوعاً، وقد مضى في الأنعام بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، فمعناه: من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك﴾ [الإسراء: ٨٩-٩٠]- إلى قوله تعالى: ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً﴾ [الإسراء: ٩٢] الآية وهذه الآية من الاحتباك: ذكر ﴿سنة الأولين﴾ أولاً يدل على ضدها ثانياً، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساترة أولاً.
ولما كان ذلك ليس إلى الرسول، إنما هو إلى الإله، بينه بقوله تعالى: ﴿وما نرسل﴾ على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها ﴿المرسلين إلا مبشرين﴾ بالخير على أفعال الطاعة ﴿ومنذرين﴾ بالشر على أفعال المعصية، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر ﴿ويجادل الذين كفروا﴾ أي يجددون الجدال كلما
стр. 5723
أتاهم أمر من قبلنا ﴿بالباطل﴾ من قولهم: لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب منكم، مع أن ذلك ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء ﴿ليدحضوا﴾ أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا ﴿به الحق﴾ الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم.
ولما كان لكل مقام مقال، ولكل مقال حد وحال، فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال، وكان اتخاذ الاستهزاء أمراً واحداً، أتى به ماضياً فقال تعالى: ﴿واتخذوا﴾ أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا ﴿ءاياتي﴾ بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح ﴿وما أنذروا﴾ من آياتي، بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار ﴿هزواً *﴾ مع بعدهما جداً عن ذلك، فلا بالرغبة أطاعوا، ولا للرهبة ارتاعوا، فكانوا شراً من البهائم.
стр. 5724
ولما حكي عنهم هذا الجدال، والاستهزاء والضلال، وصفهم بما يموجب الخزي فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكانوا بذلك أظلم الظالمين: ﴿ومن أظلم﴾ منهم - استفهاماً على سبيل التقرير، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار على من شك في أنهم أظلم. فقال تعالى: ﴿ممن ذكر﴾ أي من أيّ مذكر كان ﴿بأيات﴾ أي علامات ﴿ربه﴾ المحسن إليه بها؛ قال الأصبهاني: وهذا من أفصح
стр. 5725
التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب فيه إلا الذي يريد خصمه.
ولما كان التذكير سبباً للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى: ﴿فأعرض عنها﴾ تاركاً لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر ﴿ونسي ما قدمت يداه﴾ من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه، وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ ﴿من﴾ إشارة إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا، والأحسن أن يقال: إنهم لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه عند ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة على صدقه، فلم يؤثر ذلك فيهم، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب، شرح حالهم بالتعقيب بالفاء، فكان المعنى: من أظلم منهم، لأنهم ذكروا فأعرضوا ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق، وأنه لا جدال بعده، وسيأتي لموقع الفاء في آخر السجدة مزيد بيان، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من الخلق.
ولما كان كأنه قيل: ما لهم فعلوا ذلك؟ أيجهل قبح هذا أحد؟ قيل:
стр. 5726
﴿إنا جعلنا﴾ بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار ﴿على قلوبهم﴾ فجمع رجوعاً إلى أسلوب ﴿واتخذوا ءاياتي﴾ لأنه أنص على ذم كل واحد ﴿أكنة﴾ أي أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئاً من الحيز يصل إليها، فهي لا تعي شيئاً من آياتنا، ودل بتذكير الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى: ﴿أن﴾ أي كراهة أن ﴿يفقهوه﴾ أي يفهموه ﴿وفي ءاذانهم وقراً﴾ أي ثقلاً فهم لا يسمعون حق السمع، ولا يعون حق الوعي ﴿وإن تدعهم﴾ أي تكرر دعاءهم كل وقت ﴿إلى الهدى﴾ لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد ﴿فلن يهتدوا﴾ أي كلهم بسبب دعائك ﴿إذاً﴾ أي إذا دعوتهم ﴿أبداً *﴾ لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليها بالضلال، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هادياً لأكثرهم، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معانداً على هذا الوجه مؤبد الشقاء، وقد نفى
стр. 5727
آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم، ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفويض.
ولما كان هذا مقتضياً لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قولَه تعالى: ﴿وربك﴾ مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال: ﴿الغفور﴾ أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت ﴿ذو الرحمة﴾ أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿لو يؤاخذهم﴾ أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ ﴿بما كسبوا﴾ حين كسبهم ﴿لعجل لهم العذاب﴾ واحداً بعد واحد، ولكنه لا يعجل لهم ذلك ﴿بل لهم موعد﴾ يحله بهم فيه، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره
стр. 5728
من العاجزين بقوله دالاً على كمال قدرته: ﴿لن يجدوا من دونه﴾ أي الموعد ﴿موئلاً *﴾ أي ملجأ ينجيهم منه، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره.
стр. 5729
ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية، قال تعالى عاطفاً على قوله «لهم موعد» مروعاً لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم: ﴿وتلك القرى﴾ أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم ﴿أهلكناهم﴾ أي حكمنا بإهلاكهم بما لنا من العظمة ﴿لما ظلموا﴾ أي أول ما ظلموا، أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله، بل أمهلناهم إلى حين تناهيه وبلوغه الغاية، فليحذر هؤلاء مثل ذلك ﴿وجعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لمهلكهم﴾ أي إهلاكهم بالفعل ﴿موعداً *﴾ أي وقتاً نحله بهم فيه ومكاناً لم نخلفه، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعداً في الدنيا بيوم بدر والفتح وحنين ونحو ذلك، وفي الآخرة لن نخلفه، وكذا كل أمر يقوله نبي من الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك، بخلاف ما يقوله من نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه، كما
стр. 5730
وقع في الوعد بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم أن ﴿غدا﴾ على حقيقته.
ولما قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، فلكل شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر ﵉ وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعداً للقائه، ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق الدال على البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى ﵇ من أنه - وهو كليم الله - أتبع الخضر ﵇ ليقتبس من علمه، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «إن
стр. 5731
لم يخبركم فليس بنبي» الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئاً أن من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى ﵇ خفي عليه جميع ما فعله الخضر ﵇، وإلى نحو هذا أشار الخضر ﵇ بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين «ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر»
وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى ﵇ جعل نفسه تابعاً للخضر ﵇، تكذيباً لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى ﵇ في وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتاً وحسداً «لو كان نبياً ما قال: أخبركم غداً، وتأخر عن ذلك» بما اتفق لموسى في وعده الخضر ﵉ بالصبر، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر ﵉، فقال تعالى عاطفاً على قوله سبحانه ﴿وإذ قلنا للملائكة﴾ : ﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم حين ﴿قال موسى﴾ أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ذلك الحين ﴿لفتاه﴾ يوشع بن نون ﵉: ﴿لا أبرح﴾ أي لا أزال سائراً في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي ﴿حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، فتعينت البداءة به فألقاه ثَمّ ﴿أو أمضي حقباً *﴾ إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعداً لي في لقائه؛ والحقب - قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى. وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب، فسارا وتزودا حوتاً مشوياً في مكتل كما أمر به، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع ﴿فلما بلغا مجمع بينهما﴾ أي البحرين، فلم يكن هناك بين أصلاً لصيرورتهما شيئاً واحداً ﴿نسيا حوتهما﴾ فلم يعلم موسى ﵇ شيئاً من حاله ونسي أن يسأل عنه، وعلم يوشع ﵇ بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له ﴿فاتخذ﴾ أي الحوت معجزة في معجزة ﴿سبيله﴾ أي طريقه الواسع الواضح ﴿في البحر سرباً *﴾ أي خرقاً في الماء غير ملتئم، من السرب الذي هو جحر الوحشي، والحفير تحت الأرض، والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه
стр. 5732
في الماء، فصار طاقاً لا يلتئم. ويوشع ﵇ ينظر ذلك، وكأن المجمع كان ممتداً، فظن موسى ﵇ أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار ﴿فلما جاوزا﴾ أي موسى وفتاه ﵉ ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزةً أخرى، فلما جاع وتعب ﴿قال لفتاه ءاتنا﴾ أي أحضر لنا ﴿غداءنا﴾ أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى: ﴿لقد لقينا من سفرنا﴾ أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: ﴿هذا نصباً *﴾ وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل: فما كان عن أمره؟ فقيل: ﴿قال﴾ لموسى ﵇ معجباً له: ﴿أرءيت﴾ ما دهاني؟ ﴿إذ أوينا إلى الصخرة﴾ التي بمجمع البحرين
стр. 5733
﴿فإني﴾ أي بسبب أني ﴿نسيت الحوت﴾ أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ثم زاد التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملاً وبين تفصيل أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: ﴿وما أنسانيه﴾ مع كونه عجيباً ﴿إلا الشيطان﴾ بوساوسه.
ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضرورياً، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره
стр. 5734
قوله تعالى: ﴿أن أذكره﴾ لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر ﴿واتخذ سبيله﴾ أي طريقه الذي ذهب فيه ﴿في البحر عجباً *﴾ وذكره له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتاً لطاعة، بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، وقوله تعالى ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ [النحل: ١٠٠] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله، وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك.
أما إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في أواخر دلائل النبوة عن أسامة بن زيد ﵄، قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء - فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولدها من الجنون إلى أن قال: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجته انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء
стр. 5735
أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها، فأمر بأخذ تلك الشاة منها ثم قال: يا أسيم - وكان إذا دعاه رخمه! ناولني ذراعاً، وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدمها، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فناولته، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فقلت: يا رسول الله! إنما هما ذراعان وقد ناولتك، فقال: والذي نفسي بيده لو سكتَّ ما زلت تناولني ذراعاً ما قلت لك: ناولني ذراعاً» فقد أخبر ﷺ أنه لو سكت أوجد الله لها ذراعاً ثم ذراعاً وهكذا، وقوله الحق الذي لا فرق بينه وهو في عالم الغيب وبين ما وجد في عالم الشهادة.
وأما حياة الحوت المشوي فقد مضى عند ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة، وهو أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم من عود الحياة من غير نطق، وكذا حنين الجذع، وسلام الحجر، وتسبيح الحصا، وتأمين أسكفة الباب وحوائط
стр. 5736
البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان حياً، فقد روى البيهقي في الدلائل عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أعطى عيسى ﵇ إحياء الموتى؟ فقال: أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجذع - الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيىء له المنبر، فلما هيىء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى. على أنه قد تقدم في آل عمران وفي آخر البقرة في قصة إبراهيم ﵇ أشياء من إحياء الموتى له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولبعض أمته.
وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته، ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد روى البيهقي في ذلك ما فيه آية من الإحياء بسند منقطع
стр. 5737
عن أنس ﵁ قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياماً ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: ائت أمه فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعاً، وخلعت الأوثان زهداً، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما تقضي كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه؛ ثم جهز عمر بن الخطاب ﵁ يعني جيشاً، واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا، فعفوا آثار الماء، قال: وكان حر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده وما نرى في السماء شيئاً، فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا واستقينا
стр. 5738
ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم! ثم قال: أجيزوا باسم الله! فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا.
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار ن الحسن بن علي بن عفان أنبأنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة، والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم أقحم فرسه فاندفع على الماء، فقال الناس: بسم الله بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم، فما فقدوا إلا قدحاً كان معلقاً بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد عبد الله بن محمد السمذي ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى الدجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً
стр. 5739
فندعو الله - قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
стр. 5740
وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم بالسؤال، لأن المراد - والله أعلم - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين، فمر قريشاً أن يسألوهم عن هذه القصة، فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم فصدقوهم، لزمهم أن يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن كان مشوياً وصار كثير منه في البطون، وإن لم يصدقوهم في هذا وصدقوهم في غيره مما يتعنتون به عليك فهو تحكم، وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان سؤالهم لهم عبثاً، ليس من أفعال من يعقل، فكأنه قيل: فما قال موسى حينئذ؟ فقيل: ﴿قال﴾ منبهاً على أن ذلك ليس من الشيطان، وإنما هو إغفال من الله تعالى بغير واسطة ليجدا العلامة التي أخبره الله بها كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنى لأنسى - أي ينسيني الله تعالى - لأسن» ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم من فقد الحوت ﴿ما كنا نبغ﴾
стр. 5741
أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر ﴿فارتدا على ءاثارهما﴾ يقصانها ﴿قصصاً *﴾ وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ﴿فوجدا عبداً من عبادنا﴾ مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر ﵇ ﴿ءاتيناه﴾ بعظمتنا ﴿رحمة﴾ أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور ﴿من عندنا﴾ أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿وعلمناه من لدنا﴾ أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿علماً﴾ قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
стр. 5742
أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر ﴿فارتدا على ءاثارهما﴾ يقصانها ﴿قصصاً *﴾ وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ﴿فوجدا عبداً من عبادنا﴾ مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر ﵇ ﴿ءاتيناه﴾ بعظمتنا ﴿رحمة﴾ أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور ﴿من عندنا﴾ أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿وعلمناه من لدنا﴾ أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿علماً﴾ قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
стр. 5743
فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الجميلة، وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول الأمور الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم اللداني.
ثم أورد القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: ﴿قال له موسى﴾ طالباً منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان: ﴿هل أتبعك﴾ أي اتباعاً بليغاً حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتياً به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: ﴿على أن تعلمن﴾
стр. 5744
وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: ﴿مما علمت﴾ وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله ، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله ﴿رشداً *﴾ أي علماً يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران ﵇ فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل.
ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: ﴿قال﴾ أي الخضر ﵇: ﴿إنك لن تستطيع﴾ يا موسى ﴿معي صبراً *﴾ أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى ﵇ من التلطف المؤذن بأنه يصبر
стр. 5745
عليه ولا يخالفه في شيء أصلاً، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم.
следующие страницы →