Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر ﴿فارتدا على ءاثارهما﴾ يقصانها ﴿قصصاً *﴾ وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ﴿فوجدا عبداً من عبادنا﴾ مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر ﵇ ﴿ءاتيناه﴾ بعظمتنا ﴿رحمة﴾ أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور ﴿من عندنا﴾ أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿وعلمناه من لدنا﴾ أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿علماً﴾ قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
стр. 5742
أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر ﴿فارتدا على ءاثارهما﴾ يقصانها ﴿قصصاً *﴾ وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ﴿فوجدا عبداً من عبادنا﴾ مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر ﵇ ﴿ءاتيناه﴾ بعظمتنا ﴿رحمة﴾ أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور ﴿من عندنا﴾ أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿وعلمناه من لدنا﴾ أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء ﴿علماً﴾ قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
стр. 5743
فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الجميلة، وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول الأمور الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم اللداني.
ثم أورد القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: ﴿قال له موسى﴾ طالباً منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان: ﴿هل أتبعك﴾ أي اتباعاً بليغاً حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتياً به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: ﴿على أن تعلمن﴾
стр. 5744
وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: ﴿مما علمت﴾ وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله ، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله ﴿رشداً *﴾ أي علماً يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران ﵇ فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل.
ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: ﴿قال﴾ أي الخضر ﵇: ﴿إنك لن تستطيع﴾ يا موسى ﴿معي صبراً *﴾ أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى ﵇ من التلطف المؤذن بأنه يصبر
стр. 5745
عليه ولا يخالفه في شيء أصلاً، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم.
стр. 5746
ولما كان المقام صعباً جداً لأنه بالنسبة إلى أوامر الله تعالى، بينه على وجه أبلغ من نفي الأخص، وهو الصبر البليغ، بالتعجيب من مطلق الصبر معتذراً عن موسى في الإنكار، وعن نفسه في الفعل، بأن ذلك بالنسبة إلى الظاهر والباطن، فقال عاطفاً على ما تقديره: فكيف تتبعني الاتباع البليغ: ﴿وكيف تصبر﴾ يا موسى ﴿على ما لم تحط به خبراً *﴾ أي من جهة العلم به ظاهراً وباطناً، فأشار بالإحاطة إلى أنه كان يجوز أن يكون على صواب، ولكن تجويزاً لا يسقط عنه وجوب الأمر، ويجوز أن يكون هذا تعليلاً لما قبله، فيكون الصبر الثاني هو الأول، والمعنى أنك لا تستطيع الصبر الذي أريده لأنك لا تعرف فعلي على ما هو عليه فتراه فاسداً ﴿قال﴾ أي موسى ﵇، آتياً بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه، إرشاداً لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله
стр. 5747
له والنفع به: ﴿ستجدني﴾ فأكد الوعد بالسين؛ ثم أخبر عنه سبحانه أنه قوى تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل﴾ الآية ليعلم أنه منهاج الأنبياء وسبيل الرسل، فقال تعالى: ﴿إن شاء الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿صابراً﴾ على ما يجوز الصبر عليه؛ ثم زاد التأكيد بقوله عطفاً بالواو على «صابراً» لبيان التمكن في كل من الوصفين: ﴿ولا أعصي﴾ أي وغير عاص ﴿لك أمراً *﴾ تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله ﴿قال﴾ أي الخضر ﵇: ﴿فإن اتبعتني﴾ يا موسى اتباعاً بليغاً ﴿فلا تسألني عن شيء﴾ أقوله أو أفعله ﴿حتى أحدث لك﴾ خاصة ﴿منه ذكراً *﴾ يبين لك وجه صوابه، فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك.
ولما تشارطا وتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى: ﴿فانطلقا﴾ أي موسى والخضر ﵉ على الساحل، يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرا ﴿حتى إذا ركبا في السفينة﴾ وأجاب الشرط بقوله تعالى: ﴿خرقها﴾ وعرفها لإرشاد السياق بذكر مجمع البحرين إلى أن
стр. 5748
انطلاقهما كان لطلب سفينة، فكانت لذلك كأنها مستحضرة في الذهن، ولم يقرن «خرق» بالفاء لأنه لم يكن مسبباً عن الركوب ولا كان في أول أحيانه؛ ثم استأنف قوله تعالى: ﴿قال﴾ أي موسى ﵇، منكراً لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس، ناسياً لما عقد على نفسه لما دهمه مما عنده من الله - وهو الإله العظيم - من العهد الوثيق المكرر في جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات التي نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر القطعي أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن المستثنى شرعاً كالمستثنى وضعاً، ففي الأولى نسي الشرط، وفي الثانية نسي - لما دهمه من فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمراً - أنه ينبغي تقليده لثناء الله تعالى عليه: ﴿أخرقتها﴾ وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق من الفظاعة فقال: ﴿لتغرق أهلها﴾ والله! ﴿لقد جئت شيئاً إمراً﴾ أي عظيماً منكراً عجيباً شديداً ﴿قال﴾ أي الخضر ﵇: ﴿ألم أقل إنك﴾ يا موسى!
стр. 5749
﴿لن تستطيع معي صبراً *﴾ فذكره بما قال له عند الشرط ﴿قال﴾ موسى: ﴿لا تؤاخذني﴾ يا خضر ﴿بما نسيت﴾ من ذلك الاشتراط ﴿ولا ترهقني﴾ أي تلحقني بما لا أطيقه وتعجلني عن مرادي باتباعك على وجه القهر ناسباً لي إلى السفه والخفة وركوب الشر ﴿من أمري عسراً *﴾ بالمؤاخذة على النسيان، فكل منهما صادق فيما قال، موف بحسب ما عنده، أما موسى ﵇ فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى عما يعتقده منكراً، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر، ومع ذلك فما نفي إلا الصبر البليغ الذي دل عليه بزيادة تاء الاستفعال، وقد حصل ما يطلق عليه صبر.
لأنه لما ذكره كف عنه لما تذكر بثناء الله عليه أنه لا يفعل باطلاً، ولم يحصل الصبر البليغ الذي في نفس الخضر بالكسوت في أول الأمر وآخره ﴿فانطلقا﴾ بعد نزولهما من السفينة وسلامتها من الغرق والغصب ﴿حتى إذا لقيا غلاماً﴾ لم يبلغ الحلم وهو في غاية القوة ﴿فقتله﴾ حين لقيه - كما دلت عليه الفاء العاطفة على الشرط. ثم أجاب الشرط بقوله مشعراً بأن شروعه في الإنكار في هذه أسرع: ﴿قال﴾ أي موسى ﵇: ﴿أقتلت﴾ يا خضر ﴿نفساً زكية﴾
стр. 5750
بكونها على الفطرة الأولى من غير أن تدنس بخطيئة توجب القتل ﴿بغير نفس﴾ قتلتها ليكون قتلك لها قوداً؛ وهذا يدل على أنه كان بالغاً حتى إذا قتل قتيلاً أمكن قتله به إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ؛ ثم استأنف قوله: ﴿لقد جئت﴾ في قتلك إياها ﴿شيئاً﴾ وصرح بالإنكار في قوله: ﴿نكراً *﴾ لأنه مباشرة. والخرق تسبب لا يلزم منه الغرق.
стр. 5751
ولما كانت هذه ثانية ﴿قال﴾ الخضر ﵇: ﴿ألم أقل﴾ وزاد قوله: ﴿لك إنك﴾ يا موسى ﴿لن تستطيع معي﴾ أي خاصة ﴿صبراً * قال﴾ موسى ﵇ حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها﴾ يا أخي! وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله: ﴿فلا تصاحبني﴾ بل فارقني؛ ثم علل ذلك بقوله ﴿قد بلغت﴾ وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: ﴿من لدني عذراً *﴾ باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك ﴿فانطلقا﴾ بعد قتله ﴿حتى إذا أتيا أهل قرية﴾ عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة
стр. 5752
لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف ﵇؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى: ﴿استطعما﴾ وأظهر ولم يضمر في قوله: ﴿أهلها﴾ لأن الاستطعام لبعض من أتوه، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل: ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن: اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا كان البيان عن إحاطة، تقدم الإضمار ﴿قل هو الله أحد﴾ وإذا كان عن اختصاص، تقدم الإظهار ﴿الله الصمد﴾ وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾ أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته، وإذا
стр. 5753
أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، أو بجمع المضمر والمظهر ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١] ﴿إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد﴾ [البروج: ١٢] ﴿هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة﴾ [الحشر: ٢٢] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه ﴿أتيا أهل قرية استطعما أهلها﴾ استأنف للمستطعمين إظهاراً غير إظهار المأتيين - انتهى. وجعل السبكي الإتيان للبعض، والاستطعام للكل، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله ﴿حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها﴾ : وفي هذه الآية أدل دلالة على أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب.
ولما أسند
стр. 5754
الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع، فلو قيل: استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة. ﴿فأبوا﴾ أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل القرية ﴿أن يضيفوهما﴾ أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم ﴿فوجدا فيها﴾ أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع ﴿جداراً﴾ مشرفاً على السقوط، وكذا قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما يعقل: ﴿يريد أن ينقض﴾ أي يسقط سريعاً فمسحه الخضر بيده ﴿فأقامه﴾ .
ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب «إذا» بقوله: ﴿قال﴾ أي له موسى ﵇: ﴿لو شئت لتخذت﴾ لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء ﴿عليه﴾ أي على إقامة الجدار ﴿أجراً *﴾ نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال ﴿قال﴾
стр. 5755
الخضر ﵇: ﴿هذا﴾ أي الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله، سماه به مبالغة فقال: ﴿فراق بيني وبينك﴾ يا موسى بعد أن كان البينان بيناً واحداً لاتصالهما فلا بين، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلاً من بينهما، أو فراق التقاول الذي كان بيننا، أي الفراق الذي سببه السؤال، وإذا نزل على الاحتباك ازداد ظهوراً، تقديره: فراق بيني وبينك كما أخبرت، وفراق بينك من بيني كما شرطت، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه، وذلك أنه إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق الأولى، وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما، فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه، فإذا دخل في ذلك الفراغ شيء فصل بينهما، وصار بين كل منهما ينسب إليه، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل منهما من البينين، وحينئذ يكون بينهما مباينة، أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ومن قال: إن معنى «هذا فراق بيننا» زوال الفصل ووجود الوصل، كذبه أن معنى «هذا اتصال بيننا» المواصلة، فلو كان هذا معنى ذاك أيضاً لاتحد معنى ما يدل على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل، وقد نبه الله سبحانه
стр. 5756
وتعالى موسى ﵇ كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل الخضر ﵇ على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء، فنبهه - بخرق السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب - على التابوت الذي أطبق عليه وألقي في اليم خوفاً عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكاً وباطنه نجاة، وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ، وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه لبنات شعيب ﵈ من غير أجر مع احتياجه لذلك.
ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى ﵇ إلى الوقوف في باطن هذه الأمور، قال مجيباً له عن هذا السؤال: ﴿سأنبئك﴾ يا موسى بوعد لا خلف فيه إنباء عظيماً ﴿بتأويل﴾ أي بترجيع ﴿ما لم تستطع عليه صبراً *﴾ لمخالفته عندك الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى بشرط التحقق، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله إعلاماً بأنه
стр. 5757
ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر ﴿أما السفينة﴾ التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها ﴿فكانت لمساكين﴾ وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة ﴿يعملون في البحر﴾ ليستعينوا بذلك على معاشهم.
ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدباً مع الله تعالى فقال: ﴿فأردت أن أعيبها﴾ فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحاً يسدونها به أخف ضرراً من تفويتهم منفعتها أخذاً ورأساً بأخذ الملك لها، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال: ﴿وكان وراءهم﴾ أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان. ﴿ملك يأخذ﴾ في ذلك الوقت ﴿كل سفينة﴾ ليس فيها عيب ﴿غصباً﴾ من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به.
стр. 5758
ولما كان كل من الغصب والمسكنة سبباً لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين ﴿وأما الغلام﴾ أي الذي قتلته ﴿فكان أبواه مؤمنين﴾ وكان هو مطبوعاً على الكفر - كما يأتي في حديث أبيّ ﵁.
ولما كان يحتمل عند الخضر ﵇ أن يكون هذا الغلام مع كفره في نفسه سبباً لكفر أبويه إن كبر، وكان أمر الله له بقتله مثل فعل من يخشى ذلك، أسند الفعل إليهما في قوله: ﴿فخشينا أن يرهقهما﴾ أي يغشيهما ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته ﴿طغياناً﴾ أي تجاوزاً في الظلم وإفراطاً فيه ﴿وكفراً *﴾ لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما، روى مسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في
стр. 5759
التفسير عن ابن عباس عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» وهذا حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يدل على أن العذاب - على ما لو وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعاً، لا ما كان عارضاً، وإلا لعذب الأبوان على تقدير أن يكون المعلوم من الكفر منهما.
ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله: ﴿فأردنا﴾ أي بقتله وإراحتهما من شره، ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده، أسند الفعل إليه في قوله: ﴿أن يبدلهما ربهما﴾ أي المحسن إليهما بإعطائه وأخذه ﴿خيراً منه زكاة﴾ طهارة وبركة، أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء في الحال، وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثاً ظاهر الخبث، وهذا البدل يمكن أن يكون الصبر، ويمكن أن يكون ولداً آخر، وهو المنقول وأنها كانت بنتاً ﴿وأقرب رحماً *﴾ براً بهما وعطفاً عليهما ورحمة لهما فكان الضرر اللاحق لهما بالتأسف عليه أدنى من الضرر اللاحق لهما
стр. 5760
عند كبره بإفساد دينهما أو دنياهما ﴿وأما الجدار﴾ الذي أشرت بأخذ الأجر عليه ﴿فكان لغلامين﴾ ودل على كونهما دون البلوغ بقوله ﴿يتيمين﴾ .
ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية أولاً أليق، لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة بمعنى الإقامة، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها، فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: ﴿في المدينة﴾ فلذلك أقمته احتساباً ﴿وكان تحته كنز﴾ أي مال مدخور ﴿لهما﴾ لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير.
ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده، أسند إليه خاصة فقال: ﴿فأراد ربك﴾ أي المحسن إليك بهذه التربية، إشارة إلى ما فعل بك من مثلها قبل النبوة كما بين ﴿أن يبلغا﴾ أي الغلامان ﴿أشدهما﴾ أي رشدهما وقوتهما ﴿ويستخرجا كنزهما﴾ لينتفعا به وينفعا الصالحين ﴿رحمة﴾ بهما ﴿من ربك﴾
стр. 5761
أي الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في إقامة الجدار مجاناً أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار، وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داعٍ إلى العناية بالأبناء، روي عن الحسن بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله كنز الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال فأبي وجدي خير منه، قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. ﴿وما فعلته﴾ أي شيئاً من ذلك ﴿عن أمري﴾ بل عن أمر من له الأمر، وهو الله.
ولما بان سر تلك القضايا، قال مقدراً للأمر: ﴿ذلك﴾ أي لشرح العظيم ﴿تأويل ما لم تسطع﴾ يا موسى ﴿عليه صبراً﴾ وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول الأمر، وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان
стр. 5762
عليه السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ «لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارساً يجاهد في سبيل الله، فلم تلد منهن إلا واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا فرساناً أجمعون» فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح أنه قال: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢] فوفى، فما لموسى ﵇ وهو من أولي العزم - فعل مع الاستثناء ما فعل؟ فإن الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر الله، بخلاف موسى ﵇ فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم بأنه من أمر الله، فإذا نبه صبر، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يرحم الله أخي موسى! وددنا لو أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما» فمعناه: صبر عن الإذن للخضر ﵇ في مفارقته في قوله ﴿فلا تصاحبني﴾ ويدل عليه أن في رواية لمسلم «رحمة الله علينا وعلى موسى! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه
стр. 5763
أخذته من صاحبه ذمامة»
﴿قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ . فتحرر أنه وفى بمقام الشرع الذي أقامه الله فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ويستحضر من الشرع، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى لأشرف خلقه في التسليك بسيرهم ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] وقال ﵇ فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في حنين فتلوّن وجهه وقال: «يرحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» وعلم أن في قصته هذه حثاً كثيراً على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصابرة عليه، وأن لا يراعى فيه كبير ولا صغير إذا كان الإمرء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ورسوله وأئمة دينه، وتنبيهاً على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان صاحبه نبياً أو ولياً - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية، لأن الخضر سأل موسى ﵉:
стр. 5764
من أنت؟ وهل هو موسى نبي بني إسرائيل - كما سيأتي. روى البخاري في التفسير من روايات مختلفة عن ابن عباس ﵄ أن أبي بن كعب ﵁ حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «موسى رسول الله ﷺ ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: بلى! عبد من عبادي بمجمع البحرين، قال: أي رب! كيف السبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية: خذ نوناً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى الصخرة، فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت - وفي رواية: وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل من المكتل فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية
стр. 5765
البحر حتى كان أثره في حجر، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، فذكر سفرهما وقول موسى ﵇ ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى! قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم! قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى! إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع الظاهر، أطلق العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل، فوجدوا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، فعرف الخضر فقالوا: عبد الله الصالح! لا تحمله بأجر، فحملوهم في سفينتهم بغير نول: بغير أجر - فركبا السفينة، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر؛ وفي رواية: فأخذ بمنقاره من البحر،
стр. 5766
وفي رواية: فنقر نقرة أو نقرتين فقال: والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا من البحر، فلم يفجأ موسى إلا الخضر عمد إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتداً فذكر إنكاره وجوابه ثم قال: وكانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً - فذكر القصة، وقال في آخرها: فقال رسول الله ﷺ : وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما» .
стр. 5767
ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة، وقوام كل أمر، فقال عاطفاً على ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل﴾ [الكهف: ٥٦] ﴿ويسألونك عن﴾ الرجل الصالح المجاهد ﴿ذي القرنين﴾ سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها، أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان، وهو الإسكندر الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل ﵇، وطاف معه بالبيت، ومن المناسبات الصورية
стр. 5768
أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد، وصدّرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف، والأسرار والمعارف، تبكيتاً لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق، وإن لم يكن مقصوداً لهم كانوا بالتبكيت أجدر، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيهاً على ذلك لطول الفصل، إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك.
ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فبماذا أجيبهم؟ قال: ﴿قل﴾ أي لهم: ﴿سأتلوا﴾ أي أقص قصاً متتابعاً في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به ﴿عليكم﴾ أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيداً بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به ﴿منه ذكراً *﴾ كافياً لكم في تعرف أمره، جامعاً لمجامع ذكره.
ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك المظهر فقال: ﴿إنا﴾ مؤكداً لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار ﴿مكنا﴾ أي بما لنا من العظمة، قيل: بالملك وحده، وقيل مع
стр. 5769
النبوة، لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر العظمة ﴿له في الأرض﴾ مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها، ويظهر بها على سائر ملوكها ﴿وءاتيناه﴾ بعظمتنا ﴿من كل شيء﴾ يحتاج إليه في ذلك ﴿سبباً﴾ قال أبو حيان: وأصل السبب الحبل، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب، ولعله بدأ به لأن باب التوبة فيه ﴿فأتبع﴾ أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بالتشديد، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية: ألحق بعض الأسباب ببعض، وذلك تفسير لقراءة التشديد ﴿سبباً *﴾ يوصله إليه، واستمر متبعاً له ﴿حتى إذا بلغ﴾ في ذلك المسير ﴿مغرب الشمس﴾ أي الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب ﴿وجدها﴾ فيما يحس بحاسة لمسه ﴿تغرب﴾ كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده، لا حائل بينه وبينه ﴿في عين حمئة﴾ أي ذات حمأة أي طين أسود، وهي مع ذلك حارة كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس كذلك ﴿ووجد عندها﴾ أي على الساحل المتصل بتلك العين ﴿قوماً﴾ كفاراً لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة،
стр. 5770
فكأنه قيل: ماذا أمر فيهم؟ فأجيب بقوله: ﴿قلنا﴾ بمظهر العظمة: ﴿يا ذا القرنين﴾ إعلاماً بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب، ﴿إما أن تعذب﴾ أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم ﴿وإما أن تتخذ﴾ أي بغاية جهدك ﴿فيهم حسناً *﴾ أمراً له حسن عظيم، وذلك هو البداءة بالدعاء، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه ﴿قال أما من ظلم﴾ باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿فسوف نعذبه﴾ بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق ﴿ثم يرد﴾ بعد الحياة بالموت، أو بعد البرزخ بالبعث، رداً هو في غاية السهولة ﴿إلى ربه﴾ الذي تفرد بتربيته ﴿فيعذبه عذاباً نكراً *﴾ شديداً جداً لم يعهد مثله لكفره لنعمته، وبذل خيره في عبادة غيره، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش، وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا، ليكون قائداً لهم إلى الإقرار بالبعث ﴿وأما من ءامن وعمل صالحاً﴾ تصديقاً لما أخبر به من تصديقه
стр. 5771
﴿فله﴾ في الدارين ﴿جزاء﴾ طريقته ﴿الحسنى﴾ منا ومن الله بأحسن منها ﴿وسنقول﴾ بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة ﴿له﴾ أي لأجله ﴿من أمرنا﴾ الذي نأمر به فيه ﴿يسراً *﴾ أي قولاً غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها، وهو ما يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة ﴿ثم أتبع﴾ لإرادته بلوغ مشرق الشمس ﴿سبباً *﴾ من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها ﴿حتى إذا بلغ﴾ في مسيره ذلك ﴿مطلع الشمس﴾ أي الموضع الذي تطلع عليه أولاً من المعمور من الأرض ﴿وجدها تطلع على قوم﴾ على ساحل البحر لهم قوة شديدة ﴿لم نجعل لهم﴾ ولما كان المراد التعميم، أثبت الجار فقال: ﴿من دونها﴾ أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع ﴿ستراً *﴾ يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ولا شجر ولا غيرها.
стр. 5772
ولما كان أمره مستغرباً في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب، قال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي أمره كما ذكرنا لكم على
стр. 5773
سبيل الاقتصار ﴿وقد أحطنا﴾ بما لنا من العظمة، ﴿بما لديه﴾ أي كله من الأمور التي هي أغرب المستغرب ﴿خبراً *﴾ أي من جهة بواطن أموره فضلاً عن ظواهرها، فلا يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن تفصيل أمر الروح خفي عنا، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر الروح تفصيلاً يعجز عن حفظه الألباء ﴿ثم أتبع﴾ في إرادته ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج ﴿سبباً *﴾ من جهة الشمال، واستمر أخذاً فيه ﴿حتى إذا بلغ﴾ في مسيره ذلك ﴿بين السدين﴾ أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان، أملسان يزلق عليهما كل شيء؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين، والباقون بضمهما، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: المضموم من فعل الله، والمفتوح من فعل الناس. ﴿وجد من دونهما﴾ أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين
стр. 5774
﴿قوماً﴾ أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد، فهم لذلك ﴿لا يكادون يفقهون قولاً *﴾ أي لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهماً جيداً كما يفهم غيرهم، ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهماً ما بعد بُعد ومحاولة طويلة، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، وهذا يدل على أن بينهم وبين بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من اختلاطهم بهم، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جداً لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئاً من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف، ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله: ﴿قالوا﴾ أي مترجموهم أو جيرانهم - الذين من دونهم - كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم: ﴿يا ذا القرنين﴾ مسنا
стр. 5775
الضر ﴿إن يأجوج ومأجوج﴾ وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث، لا يطاق أمرهم، ولا يطفأ جمرهم، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدم ﵇ ﴿مفسدون في الأرض﴾ بأنواع الفساد ﴿فهل نجعل لك خرجاً﴾ نخرجه لك من أموالنا - هذا على قراءة الجماعة، وزاد حمزة والكسائي ألفاً، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بل الخرج ما تبرعت به، والخراج بالألف ما لزمك.
﴿على أن تجعل﴾ في جميع ما ﴿بيننا وبينهم﴾ من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة ﴿سداً *﴾ يصل بين هذين الجبلين ﴿قال﴾ بعفة وديانة وقصد للخير: ﴿ما مكني﴾ .
ولما كان لمكنته حالتان: إحداهما ظاهرة، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه، وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم، لأنها مما لم يؤلف مثله، فلا يقع المتوسم عليه، قرأ ابن كثير بإظهار النون في ﴿مكنني﴾ وغيره بالإدغام، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر، قدم ضميره فقال: ﴿فيه ربي﴾ أي المحسن إليّ بما ترون من الأموال والرجال، والفهم في إتقان
стр. 5776
الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق ﴿خير﴾ أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان ﵇ ﴿فما آتانيَ الله خير مما آتاكم﴾ [النمل: ٣٦] ﴿فأعينوني بقوة﴾ أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه، لا لمثل هذا ﴿أجعل بينكم﴾ أي بين ما تختصون به ﴿وبينهم ردماً *﴾ أي حاجزاً حصيناً موثقاً بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. ﴿ءاتوني﴾ بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغرياً على هذه القراءة فقال: ﴿زبر الحديد﴾ أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة، فأتوه
стр. 5777
بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفاً من الحديد وصفاً من الحطب، قال البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. ﴿حتى إذا ساوى﴾ أي بذلك البناء ﴿بين الصدفين﴾ أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضاً وطولاً، وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره ﴿قال﴾ أي للصناع: ﴿انفخوا﴾ في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك ﴿حتى إذا جعله﴾
стр. 5778
أي كله ﴿ناراً قال﴾ للقوم: ﴿ءاتوني﴾ بالنحاس ﴿أفرغ عليه﴾ أي الحديد المحمى ﴿قطراً *﴾ منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس.
ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، ثم قال الله تعالى: ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما ﴿اسطاعوا﴾ أي يأجوج ومأجوج وغيرهم ﴿أن يظهروه﴾ أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته ﴿وما استطاعوا له نقباً *﴾ لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر،
стр. 5779
ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس» - الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش ﵂ عن النبي صلى الله
стр. 5780
عليه وعلى آله وسلم: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» وروياه عن أبي هريرة ﵁ وفيه: «مثل هذا وعقد تسعين» فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: ﴿قال هذا﴾ أي السد ﴿رحمة من ربي﴾ المحسن إليّ بإقداري عليه ومنع الفساد به ﴿فإذا جاء وعد ربي﴾ بقرب قيام الساعة ﴿جعله دكاء﴾ بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف.
ولما كان هذا أمراً مستعظماً خارقاً للعادة، علله بقوله: ﴿وكان وعد ربي﴾ الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة ﴿حقاً *﴾ كائناً لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة قال: «ذكر لنا أن
следующие страницы →