← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق ﴿خير﴾ أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان ﵇ ﴿فما آتانيَ الله خير مما آتاكم﴾ [النمل: ٣٦] ﴿فأعينوني بقوة﴾ أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه، لا لمثل هذا ﴿أجعل بينكم﴾ أي بين ما تختصون به ﴿وبينهم ردماً *﴾ أي حاجزاً حصيناً موثقاً بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. ﴿ءاتوني﴾ بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغرياً على هذه القراءة فقال: ﴿زبر الحديد﴾ أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة، فأتوه

стр. 5777

بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفاً من الحديد وصفاً من الحطب، قال البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. ﴿حتى إذا ساوى﴾ أي بذلك البناء ﴿بين الصدفين﴾ أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضاً وطولاً، وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره ﴿قال﴾ أي للصناع: ﴿انفخوا﴾ في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك ﴿حتى إذا جعله﴾

стр. 5778

أي كله ﴿ناراً قال﴾ للقوم: ﴿ءاتوني﴾ بالنحاس ﴿أفرغ عليه﴾ أي الحديد المحمى ﴿قطراً *﴾ منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس. ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، ثم قال الله تعالى: ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما ﴿اسطاعوا﴾ أي يأجوج ومأجوج وغيرهم ﴿أن يظهروه﴾ أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته ﴿وما استطاعوا له نقباً *﴾ لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر،

стр. 5779

ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس» - الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش ﵂ عن النبي صلى الله

стр. 5780

عليه وعلى آله وسلم: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» وروياه عن أبي هريرة ﵁ وفيه: «مثل هذا وعقد تسعين» فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: ﴿قال هذا﴾ أي السد ﴿رحمة من ربي﴾ المحسن إليّ بإقداري عليه ومنع الفساد به ﴿فإذا جاء وعد ربي﴾ بقرب قيام الساعة ﴿جعله دكاء﴾ بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف. ولما كان هذا أمراً مستعظماً خارقاً للعادة، علله بقوله: ﴿وكان وعد ربي﴾ الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة ﴿حقاً *﴾ كائناً لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة قال: «ذكر لنا أن

стр. 5781

رجلاً - وفي رواية: عن رجل من أهل المدينة قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال انعته لي، قال: كالبرد المحبر: طريقة سوداء وطريقة حمراء، وفي وراية: طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس، وفي رواية أنه قال: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه» - رواه الطبري وابن أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من طريق أبي بكرة ﵁ ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر ﵁ ما نصه: وحدث مطر بن ثلج التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني: وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير! أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه،

стр. 5782

وزودته مالاً عظيماً، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، قال: فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار: على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تفع فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها، وهي هذه، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز: هذه خير من هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله! لأنتم أحب إليّ ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها

стр. 5783

لانتزعوها مني، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ ﴿آتوني زبر الحديد﴾ إلى آخر الآية، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان - انتهى. وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما تبكيتاً لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى ﵇ على قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه. ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب، وأدرج في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ، والأمر والنهي،

стр. 5784

والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل، ولا يعيبه أمر فيستمهل، وختمه بما هو علم عظيم للساعة، ذكر ما يكون إذإ ذاك وما يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره؛ ولما كان ذلك أمراً عظيماً، دل عليه بالنون فقال عاطفاً على تقديره: فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان، وصدق في قوله ﴿فإذا جاء وعد ربي﴾ فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال: ﴿وتركنا بعضهم﴾ أي بعض من خلف السد ومن أمامه ﴿يومئذ﴾ أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم بالشام وساقطتهم بخراسان، وهم - كما قال الله تعالى - ﴿من كل حدب ينسلون﴾ . ﴿يموج﴾ أي يضطرب ﴿في بعض﴾ كما يموج البحر، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ما أراد الله، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين ﴿ونفخ في الصور﴾ أي النفخة الثانية لقوله: ﴿فجمعناهم﴾ ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى، أو ونفخ في الصور فمات الخلائق

стр. 5785

كلهم، فبليت أجسامهم، وتفتتت عظامهم، كما كان من تقدمهم، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه، وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك ﴿جمعاً﴾ فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب ﴿وعرضنا﴾ أي أظهرنا ﴿جهنم يومئذ﴾ أي إذ جمعناهم لذلك ﴿للكافرين عرضاً *﴾ ظاهراً لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفاً؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال: ﴿الذين كانت﴾ كوناً كأنه جبلة لهم ﴿أعينهم﴾ الوجهية والقلبية ﴿في غطاء عن ذكري﴾ بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلاً على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه ﴿وكانوا﴾ بما جبلناهم عليه ﴿لا يستطيعون﴾ أي استطاعة عظيمة تسعدهم، لضعف عقولهم، وغرق استبصارهم في فضولهم ﴿سمعاً *﴾ لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك

стр. 5786

قوله موبخاً لهم ومبكتاً: ﴿أفحسب﴾ أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتي، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم، وإنما قال: ﴿الذين كفروا﴾ دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك ﴿أن يتخذوا﴾ أي ولو بذلوا الجهد ﴿عبادي﴾ من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح، والأموات كالأصنام. ولما كان كل شيء دونه سبحانه، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته من المراتب، أثبت الجار فقال: ﴿من دوني أولياء﴾ أي مبتدئين اتخاذهم من دون إذني، والمفعول الثاني ل ﴿حسب﴾ محذوف تقديره: ينصرونهم ويدفعون عنهم ويجعلون بعضهم ولداً ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ الولي أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ، جاز كون هذا ساداً مسد مفعولي ﴿حسب﴾ لأن معناه: أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أصلد زندهم، وخاب جدهم، وغاب سعدهم، حسن جداً قوله مؤكداً لأجل إنكارهم: ﴿إنا اعتدنا جهنم﴾ التي تقدم أنا عرضناها لهم ﴿للكافرين نزلاً *﴾ نقدمها لهم أول قدومهم كما يعجل للضيف، فلا يقدر أحد على منعها عنهم، ولهم وراءها ما يحتقر بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه.

стр. 5787

ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها، وخاب ما كانوا يؤملون، أمره أن ينبههم على ذلك فقال: ﴿قل هل ننبئكم﴾ أي نخبركم أنا وكل عبد لله ليست عينه في غطاء عن الذكر، ولا في سمعه عجز عن الوعي، إخباراً عظيماً أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه، والمقبلون على من ليس بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره ﴿بالأخسرين﴾ ولما كانت أعمالهم مختلفة، فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد بعض الأنبياء، ومنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يكفر بغير ذلك، جمع المميز فقال: ﴿أعمالاً *﴾ ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع فقال: ﴿الذين ضل سعيهم﴾ أي حاد عن القصد فبطل ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو، والإقبال على ما لا نفع فيه ولا ضر ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس ﴿يحسبون﴾ لضعف عقولهم ﴿أنهم يحسنون صنعاً *﴾ أي فعلاً هو في غاية الإحكام وهم في غاية الدربة به؛ وروى البخاري في

стр. 5788

التفسير عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن الأخسرين اليهود والنصارى، قال: أما اليهود فكفروا بمحمد ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شرب - انتهى. قلت: وكذا قال اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني. ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك، لملازمتهم لكثير من محاسن الأعمال، البعيدة عن الضلال، بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿الذين كفروا﴾ أي أوقعوا الستر والتغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر، مستهينين ﴿بأيات ربهم﴾ من كلامه وأفعاله، وبين سبب هذا الكفر بقوله: ﴿ولقائه﴾ أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن أهوائهم ﴿فحبطت﴾ أي سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل ﴿أعمالهم﴾ لعدم بنائها على أساس الإيمان ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن سقوطها أنا لا ﴿نقيم لهم﴾ ما لنا من الكبرياء والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته بغير إذننا لدينا ﴿يوم القيامة وزناً *﴾ أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا الذي لا شيء أظهر منه، وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه.

стр. 5789

ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم ﴿جزاؤهم﴾ لكن لما كان حاكماً بضلالهم وغباوتهم، بين الجزاء بقوله: ﴿جهنم﴾ وصرح بالسببية بقوله: ﴿بما كفروا﴾ أي وقعوا التغطية للدلائل ﴿واتخذوا ءاياتي﴾ التي هي مع إنارتها أجد الجد وأبعد شيء عن الهزل ﴿ورسلي﴾ المؤيدين بباهر أفعالي مع ما لهم من الشهامة والفضل ﴿هزواً *﴾ فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار. ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع تنفيراً عنهم، بين ما للآخر على تقدير الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيباً في اتباعهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿إن الذين ءامنوا﴾ أي باشروا الإيمان ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من الخصال ﴿كانت لهم﴾ لبناء أعمالهم على الأساس ﴿جنات﴾ أي بساتين ﴿الفردوس﴾ أي أعلى الجنة، وأصله البستان الذي هو الجنة بالحقيقة لانخفاض ما دونه عنه، وستر من يدخله بكثرة أشجاره ﴿نزلاً *﴾ كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلاً، يعد لهم حين الدخول ﴿خالدين فيها﴾ بعد دخولهم ﴿لا يبغون﴾ أي يريدون أدنى إرادة

стр. 5790

﴿عنها حولاً *﴾ أي تحولاً لأنه مزيد عليها، دفعاً لما قد يتوهم من أن الأمر كما في الدنيا من أن كل أحد في أيّ نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول الإقامة قد يورث السآمة، بل هم في غاية الرضى بها، لما فيها من أنواع الملاذ التي لا حصر لها ولا انقضاء، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في الفردوس أو فيما دونه، وهو تعريض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار ﴿ربنا أخرجنا منها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها، ومحبتهم في طول البقاء فيها، وعزوف المؤمنين عنها، وشوقهم إلى ربهم بمفارقتها. ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللاً بما تراه من الحجج البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع، وأتبع ذلك بقص الأمر الذي بإغفاله تجرؤوا على الكفر، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن معلوماته لا تحد، لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد، وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] بأنهم أوتوا التوراة، وكان لكل ما سألوا عنه من الفصول الطويلة الذيول أمور تهول، وكان ربما قال قائل: ما له لا يزيد ذلك شرحاً؟ قال تعالى آمراً

стр. 5791

بالجواب عن ذلك كله، معلماً لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف على تمام شرح شيء من معلوماته، وآخر استفصال شيء من مقدوراته، قطعاً لهم عن السؤال، وتقريباً إلى أفهامهم بضرب من المثال: ﴿قل﴾ أي يا أشرف الخلق لهم: ﴿لو كان البحر﴾ أي ماؤه على عظمته عندكم ﴿مداداً﴾ وهو اسم لما يمد به الدواة من الحبر ﴿لكلمات﴾ أي لكتب كلمات ﴿ربي﴾ أي المحسن إليّ في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ذلك ﴿لنفد﴾ أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له ﴿البحر﴾ لأنه جسم متناه. ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم، وكانت الكلمات من صفات الله، وصفات الله واجبة الوجود، فكان نفادها محالاً، فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقاً للأزمنة كلها، جرد الظرف من حرف الجر فقال: ﴿قبل أن تنفد﴾ أي تفنى وتفرغ ﴿كلمات ربي﴾ لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى، وكل منها له شرح طويل، وخطب جليل؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال: ﴿ولو جئنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا ﴿بمثله مدداً *﴾ أي له يكتب منه لنفد أيضاً، وهذا كله كناية عن عدم النفاد، لأنه تعليق

стр. 5792

على محال عادة كقولهم: لا تزال على كذا ما بل بحر صوفة وما دجى الليل، ونحو هذا، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر منه، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف، وعبر بالقبل دون أن يقال «ولم تنفد» ونحوه، لأن ذلك كاف في قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ذلك ربما فتح باباً من التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيداً بذلك، وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على ﴿الغني الحميد﴾ [لقمان: ٢٦] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا، فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على نفاد الكلمات ولا عدمه، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق وغيره ما يقطع بعدم نفاذها، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة أدخل في التشابه، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر «على لاحب لا يهتدى بمناره» من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود، ولعل التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه إلى المحكم، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية لذاته، ولا لشيء من

стр. 5793

صفاته، بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال - والله أعلم. ولما كانوا ربما قالوا: ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشراً، وجوزوا كون الإله حجراً، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم، وهي الروح آخر سبحان، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم، ويفضح شبههم، إرشاداً لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد فقال: ﴿قل إنما أنا﴾ أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب ﴿بشر مثلكم﴾ أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي ﴿يوحى إليّ﴾ أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده ﴿أنما إلهكم﴾

стр. 5794

وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال: ﴿إله واحد﴾ أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها، قادر على ما يريد، لا منازع له، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه - هذا هو الذي يعني كلَ أحد علمه، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتاً فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيماناً بالغيب علم اليقين، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين، وبالمباشرة حق اليقين، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من ﴿كان يرجوا﴾ أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها، وإنما قال: ﴿لقاء ربه﴾ تنبيهاً على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه، لا شريك له في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه، مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه. ولما كان الجزاء من جنس العمل، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله، كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده، فقال: ﴿فليعمل﴾ وأكده للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال: ﴿عملاً﴾ أي ولو كان قليلاً ﴿صالحاً﴾ وهو ما يأمره به

стр. 5795

من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ليسلم من عذابه ﴿ولا يشرك﴾ أي وليكن ذلك العمل مبنياً على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء ﴿بعبادة ربه أحداً *﴾ فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق الأقوم، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره، والإحسان في العمل، مع البشارة لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال، فصح أنه المستحق لجميع الحمد - والله الموفق، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور.

стр. 5796

مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج، ولا يكون إلا مثل الوالد، ولا سمي له سبحانه فضلا عن مثيل، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي، وأعجب أقسام توليده الأربعة - بعد كونه آدميا - ما كان من أنثى بلا توسط ذكر، لأن أضعف الأقسام، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك، لم يقدر أحد - مع كثرة الأعداء - على أن يسمه بشيء من أذى، هذا إذا جمعته من

стр. 5797

إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب، ومن إنباع الماء في غير موضعه، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم ر، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال والخفاء، ومخرج الياء من وسط اللسان والحنك الأعلى، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال، وه أغلب صفاتها، ومخرج العين وسط الحلق، ولها من صفات الجهر وبين أصول الثنيتين السفليين، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة - والله أعلم - إلى أن أهل الله عامة - من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم - يكونأمرهم عند المخالفين أولا - كما تشير إليه الكاف - ضعيفا مع شدة انفتاح كما كان حال النبي ﷺ أول ما دعا، فإنه اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار، ثم يصير الأمر فيا، ائل العراك - كما تشير إلأيه الهاء - إلى استقال،

стр. 5798

ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور - كما يشبر إليه انفتاح الهاء وإليه تشير قراءة الفتح، وهذا كما كان النبي ﷺ حين صرح بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا، فهاجر أكثر الصحابة ﵃ إلى الحبشة، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته اللامية يفي ذلك، وتمادى الحال حتى ألجاتهم قريش إلأى الشعب، وتكون في وسط أمرهم - كما تشير إليه الياءوقراءتها بالفتح، لهم قوة مع رخاوة واشتهار واستفال، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة، فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل، يعرف ذلك من عاناه، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاء، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش يفي نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب، ثم عند موت خديجة ﵂ وأبي طالب، وخرج ﷺ إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي وودلدي وعيني، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار، فاختفى في غار حراء وأرسل إلى من يجيره، ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدي، ولبس السلاح هو من أطاعةى وأدخله ﷺ حتى طاف بالبيت، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا، بعد اجتهاد النبي ﷺ في سلامته والإيصاء به أن لا يقتل - ليعلم أنه سبحانه

стр. 5799

مختار في عموم رحمته وخصوصها، لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع، ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعدا قوي - كما تشير إليه العين، فصار بين الشدة والرخاوة، وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله ﷺ عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم، وأما آخر أمرهم فهو وإن كالن فيه نوع من الضعف، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف، فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق، واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق، كما يشير إليه الصغير - هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم، وأما ما يخص عيسى ﵊ الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها وسيرتها فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إللا أن إبراهيم ﵇ بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو لسان هذا الوجود، وأن دولة آله الذين عيسى ﵇ من أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا، فموسى ﵇ أو أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبيرمنها، فإنه من أجله قتل أبناء بني إسرائيل وولد في سنةالقتل، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى قتله القبطي، وقرب نجيا،

стр. 5800

ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح، والاستعالاء والقلقلة، وهو عريق يفي كل من خيرات ذلك، وداود ﵇ ثاني ذوي كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة، وله حظ من صفاتها: الجهر والشدة والانفتاح، بما كان فيه من الملك والظهور، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه وإخباته لربه وصلاحه، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى ﵊ هو ثاني الشارعين يفي الوجود، والهاء عبارة عن أنه من عقب داود ﵇، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة مما فيها من الإطباق المشير إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه، ومن الاستعلاء المشير إلى نهاية العطمة، والصفير المشير إلى غاية الانتشار بما فيها من الصفات إلى أن أول أمر عيسى ﵇ يكون فيه مع الشدة ضعف، ثم تشير أيضا الهاء - التي هي من أقصى الحلق - إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى السفلى، وهو

стр. 5801

كذلك فإنه في الثانية بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما، وتشير الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره، وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الاتباع وحصرهم في ذلك الوقت، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم البلاء عند نزوله، ومسهم الضر قبل حلوله، وتليح غلبة الاستفال عليها إلى أمر يأجوج ومأجوج لما يوحيه الله إليه " إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بهم، فجرز عبادي إلى الطور " وتدل العين بكونها من وسط الحق على انحصارهم، ويجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم، وبما فيها من البينية والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة، وتبشر - بما فيها من الانفتاح - بحصول الفتح الذي ليس وراءه ٩ فتح، وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الذين جميع الناس، وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور، ثم لبعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور، وكل هذا منترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على

стр. 5802

هذا النحو البديع، وترتيب هذه الحروف على هذا النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة، رحمهم سبحانه بأن نكبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد إلأى الشقوة، فجعل نصرهم في لوامع انكسار، وكسرهم في جوامع انتصار، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذح وعلو واستكبار، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار، فلقد انطبق الاسمان على المسمى، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ونما، وهذا معنى ما قال الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه.) بسم الله (المنزه عن كل شائبة نقص، القادر على كل ما يريد) الرحمن (الذي عم نواله سائر مخلوقاته) الرحيم (الذي اختص الصالحين من عباده، بما يسعد من مراده. ولما كان مقصود التي قبلها الدلالة على أنم القرآن قيم لا عوج فيه، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول، ودل على ذلك بأنه ساق المؤول عنه من القصص أحسن سوق، وكشف عن مخبأته القناع أبدع كشف - إلى غير ذلك مما خلله به من بدائع الحكم وغرائب

стр. 5803

المعاني فاضحة لمن ادعى الله سبحانه ولدا، وختمها بمثل ذلك وصف الكتاب والتوحيد - النافي لقبول التعدد بولد أوغيره بكل اعتبار - والعمل الصالح، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص، تحقيقا لآية) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) [الكهف: ٩] بسياق غير ما تقدم فيما مضى عن السور، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى، تأييدا لأن كلماته لا تنفذ، وعجائبه لا تعد ولا تحد، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف، مع أن أهلها سادة الموحدين، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحاتن، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس، فرحمهم ربهم سبحانه، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا، أمت من عدا عيسى ﵊ فواضح، وأما عيسى ﵇ فيعتقدون أنه ما اتى لأأنه سيأتي، ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوارة الآتي بيانه، وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالاى عن الوالد، وقدرته على البعث، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فإن حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق العادة، وثنى بأمر من نسبوء إليه وافتروه عليهوقصدوا قتله على

стр. 5804

وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب، مبين فيه وجه الصواب، متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام وإعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم أخص الناس به، وقذف أمه - وحاشاها - دالا بذلك على القدرة على البعث، قال في التوراة في آخر السفر الأول: إن يعقوب ﵊ أخب ربقرب وفاته وقال لبنيه: اجتمعوا إلى فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب انصتوا لإسرائيل أبيكم ثن قال: يا يهوذا لك يعترف إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك، وليسجد لك بنو أبيك، شبل الليث، من ذا يقيمه عن فريسته، لا يزول القضيب من آل يهوذا، لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاده نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة: الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحبلة جحشه عيناه أشد شهولة من الخمر، وأسنانه أشد بياضا من اللبن - هذا نصه، وعند اليهود أنه المسيح، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم

стр. 5805

مما هم فيه من الذل، فقلت لبعضهم: أشهد أنه المسيح ابم مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى، فقال الذي في التوارة أنه يكون له الكل، وعيسىة مل كان كذلك، فقلت: إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام، قيطبق أهل الأرض على إتباعهخ عليه، ويسعد به منكم من يتبعه، ويزول عنه الذل، هذا لا يناف كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه. فلم يقبل ذلك، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح " ولا يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختقي ثم يظهر فيكون له الكل " فقلت له: انظر وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت: أطعني وأسلم ففكر ثم قال: حتى يريد الله تعالى. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر ﵉ وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا) أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) [

стр. 5806

مريم: ٨] فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين، وأنه يجعل ذلك آية للناس، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة، فكانقد قيل: أم حسبت يا محمد أنم أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجيا، نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وقصة عيسى في كيونته بغير أب، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب، وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه والسلام) وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا، ثم بذكر وابنها عليهما الصلاة والسلام، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة انتهى. مريم: (١ - ١٥) كهيعص ) كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ييَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً (()

стр. 5807

ولما كانت هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم، الواصفةَ الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة، والتي تلي واصفته،

стр. 5808

والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول، فقال: ﴿كهيعص *﴾ وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور، وهي جامعة النعم، وواصفة الكتاب، وذات النعمة الأولى، وذات النعمة الثانية، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات النعمة الأولى، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة ﴿ذكر﴾ أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر ﴿رحمت ربك﴾ أي المحسن إليك بالتأييد بكشف الغوامض وإظهار الخبء ﴿عبده﴾ منصوب برحمة، لأنها مصدر بني على التاء، لا أنها دالة على الوحدة ﴿زكريا *﴾ أي ابن ماثان، جزاء له على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه، والرحمة منه سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة المتصف بها العباد ﴿إذ نادى﴾

стр. 5809

ظرف الرحمة ﴿ربه﴾ . ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب، قال: ﴿نداء خفياً *﴾ أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى، فكأنه قيل: كما ذلك الندا؟ فقيل: ﴿قال رب﴾ بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب ﴿إني وهن﴾ أي ضعف جداً ﴿العظم مني﴾ أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني، وهو أصل بنائه، فكيف بغيره! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها ﴿واشتعل الرأس﴾ أي شعره مني ﴿شيباً ولم أكن﴾ فيما مضى قط مع صغر السن ﴿بدعائك﴾ أي بدعائي إياك ﴿رب شقياً *﴾ فأجرِني في هذه المرة أيضاً على عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم ﵇ مثله، فهو دعاء شكر واستعطاف؛ ثم عطف

стр. 5810

على «إني وهن» قوله: ﴿وإني خفت الموالي﴾ أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة ﴿من وراءي﴾ أي في بعض الزمان الذي بعد موتي ﴿وكانت امرأتي عاقراً﴾ لا تلد أصلاً - بما دل عليه فعل الكون ﴿فهب لي﴾ أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة، وخوفي من سوء خلافة أقاربي، ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي، وبلوغي من الكبر حداً لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادراً على كل شيء: هب لي ﴿من لدنك﴾ أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك، لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات، لا من جهة سبب أعرفه، فإن أسباب ذلك عندي معدومة. وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان ﴿ولياً *﴾ أي من صلبي بدلالة ﴿ذرية﴾ في السورة الأخرى ﴿يرثني﴾ في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل ﴿ويرث﴾ زيادة على ذلك ﴿من ءال يعقوب﴾ جدنا مما خصصتهم به من المنح، وفضلتهم به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام ﴿ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب﴾ [يوسف: ٦] ولأن إسرائيل صار علماً على الأسباط كلهم،

стр. 5811

وكانت قد غلبت عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في «الفوائد الغياثية» كونَ ﴿يرث﴾ على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه ﵊ لأن يحيى ﵇ قتل في حياته، ولا يكون وارثاً إلا إذا تخلف بعده، وقد قال تعالى ﴿فاستجبنا له ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه ﵇ هكذا نقل لي عنه، وأنا أجلّه عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على عليّ مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي ﷺ وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثاً مجازاً مرسلاً باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى ﵇ علَّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن النبي ﷺ سمى العلم إرثاً على وجه الاستعارة التبعية بقوله ﵊ «العلماء ورثة الأنبياء» ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته إرثاً حال الأخذ، هذا إذا صح

стр. 5812

أن يحيى ﵇ مات قبل زكريا ﵇، وحينئذ يؤول ﴿من وراءي﴾ بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني، فهب لي ولداً يكون متصفاً بصفاتي، فكان ما سأله، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلاً، وينتفي الاعتراض رأساً، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام، فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود ﵇ فمات زكريا ﵇، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى ﵊ من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت

стр. 5813

على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحداً أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان تأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤوسهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا،

стр. 5814

وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحداً، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد.

стр. 5815

فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته. ولما ختم دعاءه بقوله: ﴿واجعله رب﴾ أي أيها المحسن إلي ﴿رضياً *﴾ أي بعين الرضا منك دائماً حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا قال له ربه الذي أحسن الظن به؟ : ﴿يا زكريا إنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿نبشرك﴾ إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال: ﴿لم نجعل له﴾ فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصاً لزمان بني إسرائيل قومه فقال: ﴿من قبل سمياً *﴾ فكأنه قيل: ما قال في جواب هذه البشارة العظمى؟ فقيل: ﴿قال﴾ عالماً بصدقها طالباً لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل ﴿رب﴾ أي المحسن إليّ بإجابة دعائي دائماً ﴿أنّى﴾ أي
следующие страницы →