Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
وتجديد ما فات، من نشر الأموات وغيره ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي الواجب الوجود ﴿وأن ما يدعون﴾ أي دعاء عبادة وهم لا يسمعون.
ولما كان سبحانه فوق كل شيء بقهره وسلطانه، قال محقراً لهم: ﴿من دونه﴾ أي من هذه الأصنام وغيرها، ولم يتقدم هنا من الدليل على بطلان الأوثان مثل ما ذكره في لقمان الداعي الحال إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: ﴿هو الباطل﴾ لأنه ممكن وجوده وعدمه، فليس له من ذاته إلا العدم كغيره من الممكنات ﴿وأن الله﴾ لكونه هو الحق الذي لا كفوء له ﴿هو﴾ وحده ﴿العلي الكبير*﴾ وكل ما سواه سافل حقير، تحت قهره وأمره، فهو يحيي الموتى كما تقدم أول السورة.
ولما دل ما تضمنه رزقه سبحانه للميت في سبيله بقتل أو غيره على إحيائه له، ودل سبحانه على ذلك وعلى أنه خير الرازقين بما له من العظمة، وختم بهذين الوصفين، أتبعه دليلاً آخر على ذلك كله بآية مشاهدة جامعة بين العالم العلوي والسفلي قاضية بعلوه وكبره، فقال: ﴿ألم تر﴾ أي أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي المحيط قدرة وعلماً ﴿أنزل من السماء ماء﴾ بأن يرسل رياحاً فتثير سحاباً فيمطر على الأرض الملساء.
ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي في معنى الإثبات لرؤية الإنزال لكونه فيه معنى الإنكار، عطف على ﴿أنزل﴾ معقباً له على حسب العادة قوله، معبراً بالمضارع تنبيهاً على عظمة النعمة بطول زمان أثر المطر وتجدد نفعه: ﴿فتصبح الأرض﴾ أي بعد أن كانت مسودة يابسة، ميتة هامدة ﴿مخضرة﴾ حية يانعة، مهتزة نامية، بما فيه رزق العبادة، وعمار البلاد، ولم ينصب على أنه جوابه لئلا يفيد نفي الاخضرار، وذلك لأن الاستفهام من حيث فيه معنى الإنكار نفي لنفي رؤية الإنزال الذي هو إثبات الرؤية، فيكون ما جعل جواباً له منفياً، لأن الجواب متوقف على ما هو جوابه، فإذا نفى ما عليه التوقف انتفى المتوقف عليه، أي إذا نفى الملزوم انتفى اللازم، وإذا نفي السبب انتفى المسبب - كما تقدم «فتكون لهم قلوب» فلو نصب «يصبح» على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى أن عدم الاخضرار متوقف على نفي النفي للإنزال الذي هو إثبات الإنزال، وهو واضح الفساد - أفاده شيخنا الإمام أبو الفضل ﵀.
ولما كان هذا إنتاجاً للأشياء من أضدادها، لأن كلاًّ من الماء في
стр. 6302
رقته وميوعه والتراب في كثافته، وجموده في غاية البعد عن النبات في تنوعه وخضرته، ونموه وبهجته، قال منبهاً على ذلك: ﴿إن الله﴾ أي الذي له تمام العز وكمال العلم ﴿لطيف﴾ أي يسبب الأشياء عن أضدادها ﴿خبير*﴾ أي مطلع على السرائر وإن دقت، فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، والإحسان في رزقه.
стр. 6303
ولما اقتضى ذلك أنهى التصرف، لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من أمور ينشأ عنها النبات، على تلك الهيئات الغريبة المختلفة، فأوجب ذلك أن يكون هو المالك المطلق، قال: ﴿له ما في السماوات﴾ أي التي أنزل منها الماء، ولما كان السباق لإثبات البعث والانفراد بالملك والدلالة على ذلك، اقتضى الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال: ﴿وما في الأرض﴾ أي التي استقر فيها، وذلك يقتضي ملك السماوات والأرضين، فإن كل واحدة منها في التي فوقها حتى ينتهي الأمر إلى عرشه سبحانه الذي لا يجوز أصلاً أن يكون لغيره.
ولما كان من المألوف عندنا أن المالك فقير إلى ما في يده؛ مذموم على إمساكه بالتقتير، وعلى بذله بالتبذير، بين أنه بخلاف ذلك فقال: ﴿وإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة ﴿لهو﴾ أي وحده ﴿الغني﴾ أي عنهما وعما فيهما، ما خلق شيئاً منهما أو فيهما لحاجة له إليه بل لحاجتكم أنتم إليه ﴿الحميد*﴾ في كل ما يعطيه أو يمنعه، لما في
стр. 6304
ذلك من الحكم الخفية والجلية؛ ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي الحائز لصقفات الكمال، من الجلال والجمال ﴿سخّر لكم﴾ فضلاً منه ﴿ما في الأرض﴾ كله من مسالكها وفجاجها وما فيها من حيوان وجماد، وزروع وثمار، فعلم أنه غير محتاج إلى شيء منه
ولما كان تسخير السلوك في البحر من أعجب العجب، قال: ﴿والفلك﴾ أي وسخرها لكم موسقة بما تريدون من البضائع. ثم بين تسخيرها بقوله: ﴿تجري في البحر﴾ أي العجاج، المتلاطم بالأمواج، بريح طيبة على لطف وتؤدة.
ولما كان الراكب فيها - مع حثيث السير وسرعة المر - مستقراً كأنه على الأرض، عظم الشأن في سيرها بقوله: ﴿بأمره﴾ ولما كان إمساكها على وجه الماء مع لطافته عن الغرق أمراً غريباً كإمساك السماء على متن الهواء عن الوقوع، أتبعه قوله: ﴿ويمسك السماء﴾ ثم فسر ذلك بقوله مبدلاً: ﴿أن تقع﴾ أي مع علوها وعظمها وكونها بغير عماد ﴿على الأرض﴾ التي هي تحتها.
ولما اقتضى السياق أنه لا بد أن تقع لانحلاله إلى أن يمنع
стр. 6305
وقوعها لأنها جسم كثيف عظيم، ليس له من طبعه إلا السفول، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿إلا بإذنه﴾ أي فيقع إذا أذن في وقوعها حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم البقاء. ولما كان هذا الجود الأعظم والتدبير المحكم محض كرم من غير حاجة أصلاً، أشار إليه بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الخلق والأمر.
ولما كان الجماد كله متاعاً للحيوان، اقتضى تقديم قوله: ﴿بالناس﴾ أي على ظلمهم ﴿لرؤوف﴾ أي بما يحفظ من سرائرهم عن الزيغ بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ونصب المناسك، التي يجمع معظمها البيت الذي بوأه لإبراهيم ﵇، وهو التوحيد والصلاة والحج الحامل على التقوى التي بنيت عليها السورة، فإن الرأفة كما قال الحرالي: ألطف الرحمة وأبلغها، فالمرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكن هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب، وهذا خاص بمن له بالمنعم نوع وصلة.
﴿رحيم*﴾ بما يثبت لهم عموماً من الدرجات على ما منحهم به من ثمرات
стр. 6306
ذلك الحفظ من الأعمال المرضية لما تقدم في الفاتحة من أن الرحيم خاص الرحمة بما ترضاه الإلهية، وتقدم في البقرة تحقيق هذا الموضع.
ولما بين سبحانه جملاً من أمهات الدين، وأتبعها الإعانة لأهله على المعتدين، وختم بما بعد الموت للمهاجرين، ترغيباً في منابذة الكافرين، وعرّف بما له من تمام العلم وشمول القدرة، ومثل ذلك بأنواع من التصرف في خلق السماوات والأرضين، وأنهاه بالدلالة على أنه كله لنفع الآدميين نعمة منه، تلا ذلك بما هو أكبر منه نعمة عليهم فقال: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي أحياكم﴾ أي عن الجمادية بعد أن أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً، منة منه عليكم مستقلة، لزم منها المنة بما تقدم ذكره من المنافع الدنيوية لتستمر حياتكم أولاً، الدينية لتنتفعوا بالبقاء ثانياً ﴿ثم يميتكم﴾ ليكون الموت واعظاً لأولي البصائر منكم، وزاجراً لهم عما طبعوا عليه من الأخلاق المذمومة ﴿ثم يحييكم﴾ للتحلي بفصل القضاء وإظهار العدل في الجزاء.
ولما علم أن كل ما في الوجود من جوهر وعرض نعمة على
стр. 6307
الإنسان حتى الحياة والموت، وكان من أجلى الأشياء، وكانت أفعاله معرضة عن الرب هذه النعم بالعبادة لغيره، أو التقصير في حقه على عموم فضله وخيره، ختم الآية سبحانه بقوله: ﴿إن الإنسان لكفور*﴾ أي بليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه النعم المحيطة به.
ولما تقدم ذكر المناسك، وكان لكثرة الكفار قد يقع في النفس أن إقامتها معجوز عنها، وكشف سبحانه غمة هذا السؤال بآية ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وما بعدها، فأنتج ذلك علمنا بتصرفه التام بقدرته الباهرة، وعلمه الشامل المقتضي لإقبال العباد إليه، واجتماعهم كلهم عليه، فمن شك في قدرته على إظهار دينه بمدافعته عن أهله، أو نازع فيه فهو كفور، ذكر بإظهار أول هذا الخطاب بآخر ذلك الخطاب مؤكداً لما أجاب به عن ذلك السؤال من تمام القدرة وشمول العلم أنه هو الذي مكن لكل قوم ما هم فيه من المناسك التي بها انتظام الحياة، فإن وافقت الأمر الإلهي كانت سبباً للحياة الأبدية، وإلا كانت سبباً للهلاك الدائم، وهو سبحانه الذي نصب من الشرائع لكل قوم ما يلائمهم، لأنه بتغيير الزمان بإيلاج الليل في النهار على مر الأيام وتوالي الشهور والأعوام، بسبب من الأسباب - لأجل امتحان العباد، وإظهار ما خبأ في جبلة كل منهم من طاعة وعصيان، وشكر وكفران -
стр. 6308
ما يصير الفعل مصلحة بما يقتضيه من الأسباب بعد أن كان مفسدة وبالعكس، لاقتداره على كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ
﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٦] الآيات، فعلم أن منازعتهم فيه كفر، فلذلك أتبع هذا قوله من غير عاطف لما بينهما من تمام الاتصال: ﴿لكل أمة﴾ أي في كل زمان ﴿جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿منسكاً﴾ أي شرعاً لاجتماعهم به على خالقهم حيث وافق أمره، ولاجتماعهم على أهوائهم إذا لم يوافقه، وعن ابن جرير أن أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو لشر.
ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة، قال: ﴿هم ناسكوه﴾ أي متعبدون به، لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم لهم أمره، لإسعادهم به أو إشقائهم، فمن شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو كفور، فإن وافق الأمر كان ربحاً وإيماناً، وإن خالفه كان كفراً وخسراناً.
ولما كان قد حكم بإظهار دينه على الدين كله، وبأن الكفار على كثرتهم يغلبون بعد ما هم فيه من البطر، أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم بقوله مسبباً عن هذه العظمة: ﴿فلا ينازعنك في الأمر﴾
стр. 6309
أي بما يلقيه الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به، من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم: لو كان من عند الله لما أمر اليوم بشيء ونهي عنه غداً. لأنه يلزم منه البدء، فليس الأمر كما زعموا، بل هو دال على العم بالعواقب والاقتدار التام على شرع المذاهب، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه، فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا فيه كائناً ما كان، وروي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح، وقولهم للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم، ولا تأكلون ما قتل الله - يعنون الميتة.
ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له ﷺ إلهاباً وتهييجاً إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك، لأن كيدهم في تضليل، والإقبال على شأنه، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته على إجلاله ﷺ عن المواجهة بالنهي، عطف عليه قوله: ﴿وادع﴾ أي أوقع الدعوة لجميع الخلق ﴿إلى ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك، بالحمل لهم على كل ما أمرك به متى ما أمرك، ولا يهولنك قولهم، فإنهم مغلوبون لا محالة، ولا تتأمل عاقبة من العواقب، بل أقدم على الأمر وإن ظن
стр. 6310
أن فيه الهلاك، فإنه ليس عليك إلا ذلك. وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين، وقهر المعاندين، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر، وأحكم الشأن في جميع الزواجر؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنك﴾ مؤكداً له بحسب ما عندهم من الإنكار ﴿لعلى هدى مستقيم*﴾ فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير.
стр. 6311
ولما أمره بالإقبال على ما يهمه، والإعراض عن منازعتهم، في صيغة نهيهم عن منازعته، علمه الجواب إن ارتكبوا منهيه بعد الاحتهاد في دفعهم، لما لهم من اللجاج والعتو، فقال: ﴿وإن جادلوك﴾ أي في شيء من دينك بشيء مما تقدم من أقوالهم السفسافة أو بغيره ﴿فقل﴾ معرضاً عن عيب دينهم الذي لا أبين فساداً منه: ﴿الله﴾ أي الملك المحيط بالعز والعلم ﴿أعلم بما تعملون*﴾ مهدداً لهم بذلك، مذكراً لنفسك بقدرة ربك، قاطعاً بذلك المنازعة من حيث رقّب، متوكلاً على الذي أمرك بذلك في حسن تدبيرك والمدافعة عنك ومجازاتهم بما سبق علمه به مما يستحقونه؛ قال الرازي في اللوامع: وينبغي أن يتأدب بهذا كل أحد، فإن أهل الجدل قوم جاوزوا حد العوام بتحذلقهم، ولم يبلغوا درجة الخواص الذين عرفوا الأشياء على ما هي عليه، فالعوام منقادون للشريعة، والخواص يغرفون أسرارها وحقائقها، وأهل الجدل قوم في قلوبهم اضطراب وانزعاج.
стр. 6312
ولما أمره بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديداً على النفس لتشوفها إلى النصرة، رجاه في ذلك بقوله: مستأنفاً مبدلاً من مقول الجزاء تحذيراً لهم: ﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿يحكم بينكم﴾ أي بينك مع أتباعك وبينهم ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو يوم التغابن ﴿فيما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة ﴿فيه﴾ أي خاصة ﴿تختلفون*﴾ في أمر الدين، ومن نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به قبله ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧] قال البغوي: والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.
ولما كان حفظ ما يقع بينهم على كثرتهم في طول الأزمان أمراً هائلاً، أتبعه قوله: ﴿ألم تعلم أن الله﴾ بجلال عزه وعظيم سلطانه ﴿يعلم ما في﴾ ولما كان السياق لحفظ أحوال الثقلين للحكم بينهم، وكان أكثر ما يتخيل أن بعض الجن يبلغ استراق السمع من السماء الدنيا، لم تدع حاجة إلى ذكر أكثر منها، فأفرد معبراً بما يشمل لكونه جنساً - الكثير أيضاً فقال: ﴿السماء والأرض﴾ مما يتفق
стр. 6313
منهم ومن غيرهم من جميع الخلائق الحيوانات وغيرها.
ولما كان الإنسان محل النسيان، لا يحفظ الأمور إلا بالكتاب، خاطبه بما يعرف، مع ما فيه من عجيب القدرة، فقال: ﴿إن ذلك﴾ أي الأمرالعظيم ﴿في كتاب﴾ كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه قبل وقوعه وكتب جزاءه؛ ولما كان جمع ذلك في كتاب أمراً بالنسبة إلى الإنسان متعذراً، أتبعه التعريف بسهولته عنده فقال: ﴿إن ذلك﴾ أي علم ذلك الأمر العظيم بلا كتاب، وجمعه في كتاب قبل كونه وبعده ﴿على الله﴾ أي الذي لا حد لعظمته، وحده ﴿يسير*﴾ .
ولما أخبر سبحانه أن الشك لا يزال ظرفاً لهم - لما يلقى الشيطان من شبهه في قلوبهم القابلة لذلك بما لها من المرض وما فيها من الفساد إلى إتيان الساعة، وعقب ذلك بما ذكر من الحكم المفصلة، والأحكام المشرفة المفضلة، إلى أن ختم بأنه وحده الحكم في الساعة، مرهباً من تمام علمه وشمول قدرته، قال معجباً ممن لا ينفعه الموعظة ولا يجوز الواجب وهو يوجب المحال، عاطفاً على ﴿ولا يزال﴾ : ﴿ويعبدون﴾ أي على سبيل التجديد والاستمرار ﴿من دون الله﴾ أي من أدنى رتبة من رتب الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات الكمال، وتنزهه عن شوائب النقص ﴿ما لم ينزل به سلطاناً﴾
стр. 6314
أي حجة واحدة من الحجج.
ولما كان قد يتوهم أن عدم إنزال السلطان لا ينفيه، قال مزيلاً لهذا الوهم: ﴿وما ليس لهم به علم﴾ أي أصلاً ﴿وما﴾ أي والحال أنهم ما لهم، ولكنه أظهر إشارة إلى الوصف الذي استحقوا به الهلاك فقال: ﴿للظالمين﴾ أي الذين وضعوا التعبد في غير موضعه بارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر؛ وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار فقال: ﴿من نصير*﴾ أي ينصرهم من الله، لا مما أشركوه به ولا من غيره، لا في مدافعة عنهم ولا في إثبات حجة لمذاهبهم، فنفى أن يكون أحد يمكنه أن يأتي بنصرة تبلغ القصد بأن يغلب المنصور عليه، وأما مطلق نصر لا يفيد بما تقدم من شبه الشيطان فلا.
ولما ذكر اعترافهم بما لا يعرف بنقل ولا عقل، ذكر إنكارهم لما لا يصح أن ينكر فقال: ﴿وإذا تتلى﴾ أي على سبيل التجديد والمتابعة من أيّ تالٍ كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي المسموعة على ما لها من العظمة والعلو، حال كونها ﴿بينات﴾ لا خفاء بها عند من له بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع ﴿تعرف﴾ بالفراسة في وجوههم - هكذا كان الأصل، ولكنه أبدل الضمير بظاهر يدل على عنادهم فقال: ﴿في وجوه الذين كفروا﴾ أي تلبسوا بالكفر ﴿المنكر﴾ أي الإنكار الذي هو منكر في نفسه لما حصل لهم من
стр. 6315
الغيظ؛ ثم بين ما لاح في وجوههم فقال: ﴿يكادون يسطون﴾ أي يوقعون السطوة بالبطش والعنف ﴿بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾ أي الدالة على أسمائنا الحسنى، وصفاتنا العلى، القاضية بوحدانيتنا، مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا، لما فيها من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها.
ولما استحقوا - بإنكارهم وما أرادوه من الأذى لأولياء الله - النكال، تسبب عنه إعلامهم بما استحقوه، فقال مؤذناً بالغضب بالإعراض عنهم، آمراً له ﷺ بتهديدهم: ﴿قل أفأنبئكم﴾ أي أتعون فأخبركم خبراً عظيماً ﴿بشر من ذلكم﴾ الأمر الكبير من الشر الذي أردتموه بعباد الله التالين عليكم للآيات وما حصل لكم من الضجر من ذلك، فكأنه قيلك ما هو؟ فقيل: ﴿النار﴾ ثم استأنف قوله متهكماً بهم بذكر الوعد: ﴿وعدها الله﴾ العظيم الجليل ﴿الذين كفروا﴾ جزاء لهم على همهم هذا، فبئس الموعد هي ﴿وبئس المصير*﴾ .
стр. 6316
ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره، وهدد من عاند، أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، ولا قدرة
стр. 6317
له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة، والخطة العالية المنيفة، فقال منادياً أهل العقل منبهاً تنبيهاً عاماً: ﴿يا أيها الناس﴾ .
ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله، بني للمفعول قوله: ﴿ضرب مثل﴾ حاصله أن من عبدتموه أمثالكم، بل هم أحقر منكم ﴿فاستمعوا﴾ أي أنصتوا متدبرين ﴿له﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إن الذين تدعون﴾ أي في حوائجكم، وتجعلونهم آلهة ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون، ولما تدعون فيها مفترون، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب ﴿لن يخلقوا ذباباً﴾ أي لا قدرة لهم على ذلك الآن، ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلاً في شيء من الأزمان، على حال من الأحوال، مع صغره، فكيف بما هو أكبر منه ﴿ولو اجتمعوا﴾ أي الذين زعموهم شركاء ﴿له﴾ أي الخلق، فهم في هذا أمثالكم ﴿وإن﴾ أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن ﴿يسلبهم الذباب﴾ أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية الحقارة
стр. 6318
﴿شيئاً﴾ من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أوغيره ﴿لا يستنقذوه﴾ أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه ﴿منه﴾ فهم في هذا أحقر منكم، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد، ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة، ووقاحة الذباب الضعف، وهو واحد لا جمع، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال: إنه الصواب، ثم قال: وفي «كتاب ما تلحن فيه العامة» لأبي عثمان المازني: ويقال: هذا ذباب واحد، وثلاثة أذّبة، لأقل العدد ولأكثره ذباب، وقول الناس: ذبابة - خطأ، فلا تقله -.
ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله، فذلكة للكلام من أوله: ﴿ضعف الطالب﴾ أي للاستنقاذ من الذباب، وهو الأصنام وعابدوها ﴿والمطلوب*﴾ أي الذباب والأصنام، اجتمعوا في الضعف وإن كان الأصنام أضعف بدرجات.
стр. 6319
ولما أنتج هذا جهلهم بالله، عبر عنه بقوله: ﴿ما قدروا الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿حق قدره﴾ في وصفهم بصفته غيره كائناً من كان، فكيف وهو أحقر الأشياء. ولما كان كأنه قيل: ما قدره؟ قال: ﴿إن الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال ﴿لقوي﴾ على خلق كل ممكن ﴿عزيز*﴾ لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء بخلاف أصنامهم وغيرها.
ولما نصب الدليل على أن ما دعوه لا يصلح أن يكون شيء منه إلهاً بعد أن أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم، وختم بما له سبحانه من وصفي القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله، تلا ذلك بدليله الذي تقتضيه سعة الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل بأوامره ونواهيه الموجب لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها، فقال: ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿يصطفي﴾ أي يختار ويخلص ﴿من الملائكة رسلاً﴾ إلى ما ينبغي الإرسال فيه من العذاب والرحمة، فلا يقدر أحد على صدهم عما أرسلوا له، ولا شك أن قوة الرسول من قوة المرسل ﴿ومن الناس﴾ أيضاً رسلاً يأتون عن الله بما يشرعونه لعباده، لتقوم عليهم بذلك حجة النقل، مضمومة إلى سلطان العقل، فمن عاداهم خسر وإن طال استدراجه. ولما كان ذلك لا يكون إلا بالعلم، قال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال
стр. 6320
﴿سميع﴾ أي لما يمكن أن يسمع من الرسول وغيره ﴿بصير*﴾ أي مبصر عالم بكل ما يمكن عقلاً أن يبصر ويعلم، بخلاف أصنامهم.
ولما كان المتصف بذلك قد يكون وصفه مقصوراً على بعض الأشياء، أخبر أن صفاته محيطة فقال: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي الرسل ﴿وما خلفهم﴾ أي علمه محيط بما هم مطلعون عليه وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئاً إلا بإذنه، فإنه يسلك من بين أيديهم ومن خلفهم رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وإن ظن الجاهلون غير ذلك، لاحتجابه في الأسباب، فلا يقع في فكر أصلاً أن المحيط علماً بكل شيء الشامل القدرة لكل شيء يكل رسولاً من رسله إلى نفسه، فيتكلم بشيء لم يرسله به، ولا أنه يمكن شيطاناً أو غيره أن يتكلم على لسانه بشيء، بل كل منهم محفوظ في نفسه ﴿لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] محفوظ عن تلبيس غيره ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] ﴿وإلى الله﴾ أي الذي لا كفوء له، وحده ﴿ترجع﴾ أي بغاية السهولة بوعد فصل لا بد منه ﴿الأمور*﴾ يوم يتجلى لفصل القضاء، فكيون أمره ظاهراً لاخفاء فيه، ولا يصدر
стр. 6321
شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد أنه منه. ولا يكون لأحد التفات إلى غيره، والذي هو بهذه الصفة له أن يشرع ما يشاء، وينسخ من الشروع ما يشاء، ويحكم بما يريد.
стр. 6322
ولما أثبت سبحانه أن الملك والأمر له وحده، وأنه قد أحكم شرعه، وحفظ رسله، وأنه يمكن لمن يشاء أيّ دين شاء، وختم ذلك بما يصلح للترغيب والترهيب، وكانت العادة جارية بأن الملك إذا برزت أوامره وانبثت دعاته، أقبل إليه مقبلون، خاطب المقبلين إلى دينه، وهم الخلص من الناس، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي قالوا: آمنا ﴿اركعوا﴾ تصديقاً لقولكم ﴿واسجدوا﴾ أي صلوا الصلاة التي شرعتها للآدميين، فإنها رأس العبادة، لتكون دليلاً على صدقكم في الإقرار بالإيمان، وخص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما، لأنهما - لمخالفتهما الهيئات المعتادة - هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما عنها جداً في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح - لما غلب عليه من العتو - بعض الهيئات الدالة على ذل.
ولما خص أشرف العبادة، عم بقوله: ﴿واعبدوا﴾ أي بأنواع
стр. 6323
العبادة ﴿ربكم﴾ المحسن إليكم بكل نعمة دنيوية ودينية. ولما ذكر عموم العبادة، أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها، وقد يكون بلا نية، فقال: ﴿وافعلوا الخير﴾ أي كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المرضى ونحو ذلك، من معالي الأخلاق بنية وبغير نية، حتى يكون ذلك لكم عادة فيخف عليكم عمله لله، وهو قريب من «ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» قال أبو حيان: بدأ بخاص ثم بأعم. ﴿لعلكم تفلحون*﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجو الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب؛ قال ابن القطاع: أفلح الرجل: فاز بنعيم الآخرة، وفلح أيضاً لغة فيه. وفي الجمع بين العباب والمحكم: الفلح والفلاح: الفوز والبقاء وفي التنزيل ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] أي نالوا البقاء الدائم، وفي الخبر: أفلح الرجل: ظفر. ويقال لكل من أصاب خيراً: مفلح.
ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو - مع كونه حقيقة في قتال الكفار - صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب
стр. 6324
النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: ﴿وجاهدوا في الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا يخرج شيء من المظروف عن الظرف ﴿حق جهاده﴾ باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما أمر به من الجهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما جهاداً يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه.
ولما أمر سبحانه بهذه الأوامر، أتبعها بعض ما يجب به شكره، وهو كالتعليل لما قبله، فقال: ﴿هو اجتباكم﴾ أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم - لكونكم أتباعه - خير الأمم ﴿وما جعل عليكم في الدين﴾ الذي اختاره لكم ﴿من حرج﴾ أي ضيق يكون به نوع عذر لمن توانى في الجهاد الأصغر والأكبر كما جعل على من كان قبلكم كما تقدم ذكره بعضه في البقرة وغيرها، أعني ﴿ملة﴾ .
стр. 6325
ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم ﵊ حقيقة، قال: ﴿أبيكم إبراهيم﴾ أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه اباً، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع، ولذلك حثهم على ملته بالتعليل بقوله: ﴿هو﴾ أي إبراهيم ﵇ ﴿سمّاكم المسلمين*﴾ في الأزمان المتقدمة ﴿من قبل﴾ أي قبل إنزال هذا القرآن، فنوّه بذكركم والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، وسماكم أيضاً مسلمين ﴿وفي هذا﴾ الكتاب الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [البقرة: ١٢٨] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون ﴿هو سمّاكم﴾ تعليلاً للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله ﴿هو اجتباكم﴾ فيكون الضمير لله تعالى، ويشهد له بالحسن قراءة أبي ﵁ بالجلالة عوضاً عن الضمير، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه ﴿السلام﴾ [الحشر: ٣] مع ما خصكم به من
стр. 6326
اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله.
ولما كان الاسم إذا كان ناشئاً عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبراً عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقياداً لتكونوا خيرهم، علل هذا المعنى بقوله: ﴿ليكون الرسول﴾ يوم القيامة ﴿شهيداً عليكم﴾ لأنه خيركم، والشهيد يكون خيراً ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام فقط، لم يقتض الحال تقديم الظرف بخلاف آية البقرة، فإنها لإثبات ما هو أخص منه ﴿وتكونوا﴾ بما في جبلاتكم من الخير ﴿شهداء على الناس﴾ بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم ﷺ ، فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة.
ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس، تسبب عنه قوله: ﴿فأقيموا﴾
стр. 6327
أي فتسبب عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام الشريف أني أقول لكم: أقيموا ﴿الصلاة﴾ التي هي زكاة قلوبكم، وصلة ما بينكم وبين ربكم ﴿وآتوا الزكاة﴾ التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم ﴿واعتصموا بالله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال.
في جميع ما أمركم به، من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين، فيذب عنكم من يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة؛ ثم علل أهليته لاعتصامهم به بقوله: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿مولاكم﴾ أي المتولي لجميع أموركم، فهو ينصركم على كل من يعاديكم، بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها؛ ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله: ﴿فنعم المولى﴾ أي هو ﴿ونعم النصير*﴾ لأنه إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحداً أعلاه على كل من خاصمه «ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته» - الحديث، «إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت» وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب.
стр. 6328
مقصودها اختصاص المؤمنين بالفلاح، وتسمها واضح الدلالة على ذلك) بسم الله (الذي له الأمر كله، فلا راد لأمره) الرحمن (الذي من عموم رحمته الإبلاغ في البيان) الرحيم (الذي خص من أراد بالإيمان.
لما ختمت الحج بناء الذين آمنوا وأمرهم بأمور الدين خاصة وعامة، وختم بالصلاة والزكاة والعصمة به سبحانه موصفاً بما ذمر، أوجب ذلك توقع المادين كل خير، فابتدأت هذهه بما يثمر الاعتصام به سبحانه في الصلاة وغيرها من خلال الدين في الدارين، فقال تعالى مفتتحاً بحرف التوقع
стр. 6329
﴿قد﴾ وهي نقيضة لما تثبت المتوقع وتقرب الماضي من الحال ولما تنفيه ﴿أفلح﴾ أي فاز وظفر الآن بكل ما يريد، ونال البقاء الدائم في الخير ﴿المؤمنون*﴾ وعبر بالاسم إشارة إلى أن من أقر بالإيمان وعمل بما أمر به في آخر التي قبلها، استحق الوصف الثابت لأنه اتقى وأنفق مما رزق فأفلح ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩] ؛ ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في الإيمان فقال: ﴿الذين هم﴾ أي بضمائرهم وظواهرهم ﴿في صلاتهم﴾ أضيفت إليهم ترغيباً لهم في
стр. 6330
حفظها، لأنها بينهم وبين الله تعالى، وهو غني عنها، فهم المنتفعون بها ﴿خاشعون*﴾ أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنَهم وظواهرهم على ما هم فيه؛ قال الرازي: خائفون خوفاً يملأ القلب حرمة، والأخلاق تهذيباً، والأطراف تأديباً، أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم، ومن ذلك خفض البصر إلى موضع السجود، قال الرازي: فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب، وإذا التفت أرخى، قال: وهو خوف ممزوج بتيقظ واستكانة، ثم قد يكون في المعاملة إيثاراً ومجاملة وإنصافاً ومعدله، وفي الخدمة حضوراً واستكانة. وفي السر تعظيماً وحياء وحرمة، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، وإذا كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات. فهم به فيما سواها أولى. قال ابن كثير: والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين «وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه أحمد والنسائي عن أنس ﵁ «يا بلال! أرحنا بالصلاة» - رواه أحمد عن رجل من أسلم ﵁.
стр. 6331
ولما كان كل من الصلاة والخشوع صاداً عن اللغو، أتبعه قوله: ﴿والذين هم﴾ بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم ﴿عن اللغو﴾ أي ما لا يعنيهم، وهو كل ما يستحق أن يسقط ويلغى ﴿معرضون*﴾ أي تاركون عمداً، فصاروا جامعين فعل ما يعني وترك ما لا يعني.
ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف: فعل الخشوع وترك اللغو، وكان الإنسان محل العجز ومركز التقصير، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه، وكان المال مكفراً لما قصد من الإيمان فضلاً عما ذكر منها على سبيل اللغو، فكان مكفراً للغو في غير اليمين من باب الأولى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] أتبعه قوله: ﴿والذين هم﴾ وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل فقال: ﴿للزكاة﴾ أي التزكية، وهي إخراج الزكاة، أو لأداء الزكاة التي هي أعظم مصدق للإيمان ﴿فاعلون*﴾ ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب والمال؛ قال ابن كثير: هذه مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب، وأن أصل الزكاة كان واجباً بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [
стр. 6332
الأنعام: ١٤١] .
ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة، وأن حبسه عن ذلك تلفة، أتبعه الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة، وحفظه طهرة. فقال: ﴿والذين هم لفروجهم﴾ في الجماع وما داناه بالظاهر والباطن ﴿حافظون*﴾ أي دائماً لا يتبعونها شهوتها، بل هم قائمون عليها يذلونها ويضبطونها، وذكرها بعد اللغو الداعي إليها وبذل المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة؛ ثم استثنى من ذلك فقال: ﴿إلا على أزواجهم﴾ اللاتي ملكوا أبضاعهن بعقد النكاح، ولعلو الذكر عبر ب «على» ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ رقابة من السراري، وعبر ب «ما» لقربهن مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات عن الذكور ﴿فإنهم غير ملومين*﴾ أي على بذل الفرج في ذلك إذا كان على وجهه.
стр. 6333
ولما كان من لم يكتف بالحلال مكلفاً نفسه طلب ما يضره، سبب عن ذلك قوله معبراً بما يفهم العلاج: ﴿فمن ابتغى﴾ أي تطلب متعدياً ﴿وراء ذلك﴾ العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنى أو لواط أو استمناء يد أو بهيمة أو غيرها ﴿فأولئك﴾ البعيدون من الفلاح ﴿هم العادون﴾ أي المبالغون في تعدي الحدود، لما يورث ذلك من اختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وإيقاد الشر بين العباد.
стр. 6334
ولما كان ذلك من الأمانات العظيمة، أتبعه عمومها فقال: ﴿والذين هم لأماناتهم﴾ أي في الفروج وغيرها، سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة والصيام وغيرهما، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق، أو بينهم وبين خلق كالوادئع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها - قاله الرازي. ولما كان العهد أعظم أمانة، تلاها به تنبيهاً على عظمه فقال: ﴿وعهدهم راعون*﴾ أي الحافظون بالقيام والرعاية والإصلاح.
ولما كانت الصلاة أجلّ ما عهد فيه من أمر الدين وآكد، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها، قال: ﴿والذين هم على صلواتهم﴾ التي وصفوا بالخشوع فيها ﴿يحافظون*﴾ أي يجددون تعهدها بغاية جدهم، لا يتركون شيئاً من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها، وحّدت في قراءة حمزة والكسائي للجنس، وجمعت عند الجماعة إشارة إلى أعدادها وأنواعها، ولا يخفى ما في افتتاح هذه الأوصاف واختتامها بالصلاة من التعظيم لها، كما قال ﷺ : «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» .
ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة، فخم جزاءهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي البالغون من الإحسان أعلى مكان ﴿هم﴾ خاصة
стр. 6335
﴿الوارثون*﴾ أي المستحقون لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون دار الله لقربهم منه واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها على قتلهم وضعفهم أعداءَنا الكفار على كثرتهم وقوتهم، فكانت العاقبة فيها لهم كما كتبنا في الزبور ﴿إن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ ﴿لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤] ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ التي هي أعلى الجنة، وهي في الأصل البستان العظيم الواسع، يجمع محاسن النبات والأشجار من العنب وما ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ضروباً من النبت: فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل وما كان أعد للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج أبويهم من الجنة ﴿هم﴾ خاصة ﴿فيها﴾ أي لا في غيرها ﴿خالدون*﴾ وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين، روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة
стр. 6336
ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ حتى ختم العشر»
- ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يُعرَف أحد رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين ما ورد الأول أمراً والثاني مدحه وتعريفاً بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله عن تفصيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة ﴿إن الصلاة
стр. 6337
تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولاً، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ - إلى قوله: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ وكأن قد قيل له: إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة. وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - والله أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة﴾ [الحج: ٥] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان - انتهى.
ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها للبعث، استدل على القدرة عليه بابتداء الخلق للإنسان، ثم لما هو أكبر منه من الأكوان، وما فيهما من المنافع، فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين، وابتدأ بقصة نوح ﵊ لأنه أول، ولأن نجاته كانت في الفلك المختوم به الآية التي قبله، وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة
стр. 6338
فيه لأن الكل من نسله، فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة بالاختيار، خوف العرب مثل ذلك العذاب، فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في الاستعطاف إلى الشكر بالنعم، بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك، ثم عاد إلى دلائل القدرة على البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى آخرها، ثم ذكر في أول التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج، فذكر حكم من لم يصن فرجه وأتبعه ما يناسبه من توابعه.
ولما كان التقدير: فلقد حكمنا ببعث جميع العباد بعد الممات، فريقاً منهم إلى النعيم، وفريقاً إلى الجحيم، فإنا قادرون على الإعادة وإن تمزقتم وصرتم تراباً فإنه تراب له أصل في الحياة، كما قدرنا على البداءة فلقد خلقنا أباكم آدم من تراب الأرض قبل أن يكون للتراب أصل في الحياة، عطف عليه قوله، دلالة على هذا المقدر واستدلالاً على البعث مظهراً له في مقام العظمة، مؤكداً إقامة لهم بإنكارهم للبعث مقام المنكرين: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي تشاهدونه آنساً بنفسه مسروراً بفعله وحسه ﴿من سلالة﴾
стр. 6339
أي شيء قليل، بما تدل عليه الصيغة كالقلامة والقمامة، انتزعناه واستخلصناه برفق، فكان على نهاية الاعتدال، وهي طينة آدم عليه الصلاة السلام، سلّها - بما له من اللطف - ﴿من طين*﴾ أي جنس طين الأرض، روى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم عن قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» .
ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه الطهورين، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط، لأن الخلق - كما مر عن الحرالي في أول البقرة: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين إنسان، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين: الماء الذي منه كل شيء حي، معبراً عنه بالجعل لأنه كما مر أيضاً إظهار أمر سبب وتصيير، وما هو من الطين
стр. 6340
مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له، وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جداً فقال: ﴿ثم جعلناه﴾ أي الطين أو هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف الوضع ﴿نطفة﴾ اي ماء دافقاً لا أثر للطين فيه ﴿في قرار﴾ أي من الصلب والترائب ثم الرحم، مصدر جعل اسماً للموضع ﴿مكين*﴾ أي مانع من الأشياء المفسدة.
следующие страницы →