Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه ﵁ نحو هذا اللفظ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر ﵁ في خطبته عندما ولي الخلافة: لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن ابن عباس ﵄ أنه قال «ما ظهر الغلول فب قوم قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو» وروى الطبراني في الأوسط عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كثرت الفاحشة كثر الفساد، وجار السلطان» وفيه: «أمثلهم في ذلك الزمان المداهن. إذا ظهر الربا والزنى في قرية آذن الله في هلاكها» رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄،
стр. 6512
وأما المعنوي فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها»
قال ابن كثير: وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة ﵃ ولكن في أسانيدها ضعف. وساق له شاهداً من الطبراني عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه» فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعاً للحكمة، وفعله أهلاً للنجح، وذكره مقروناً بالقبول.
ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، وكان ظاهراً جداً في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي رما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح بما
стр. 6513
أفهمه من الطهارة.
ولما كان المقام صعباً لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل هذا الأمر مرغباً ومرهباً بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من الإحاطة الكاملة ﴿خبير﴾ ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعاً عظيماً فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: ﴿بما يصنعون*﴾ أي وإن تناهوا في إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه.
ولما بدأ بالقومة من الرجال، ثنى بالنساء فقال: ﴿وقل للمؤمنات﴾ فرغب أيضاً بذكر هذا الوصف الشريف ﴿يغضضن﴾ ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم المحارم قال: ﴿من أبصارهن﴾ فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. ﴿ويحفظن فروجهن﴾ عما لا يحل لهن من كشف وغيره.
ولما كان النساء حبائل الشيطان، أمرن بزيادة الستر بقوله:
стр. 6514
ناهياً عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها.
ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن، خصها فقال: ﴿وليضربن﴾ من الضرب، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل، يقال: ضرب في عمله: أخذ فيه، وضرب بيده إلى كذا: أهوى، وعلى يده: أمسك، وضرب الليل بأوراقه: أقبل، والضارب: الليل الذي ذهبت ظلمته يميناً وشمالاً وملأت الدنيا، والضارب: الطويل من كل شيء والمتحرك.
ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار، وهو ما لا صق الجيب منه، عداه بالباء فقال: ﴿بخمرهن﴾ جمع خمار، وهو منديل يوضع على الرأس، وقال أبو حيان: وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها.
﴿على جيوبهن﴾ جمع جيب، وهو خرق الثوب الذي
стр. 6515
يحيط بالعنق، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها ستراً للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العقل؛ قال أبو حيان: وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن. وروى البخاري في التفسير عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت ﴿وليضربن بخمرهن﴾ شققن مروطهن - وفي رواية: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها، يعني تسترن ما قدام، والإزار هنا الملاء.
ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصاً في الزينة، عم بقوله: ﴿ولا يبدين﴾ أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل، وللتأكيد ﴿زينتهن﴾ أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره،
стр. 6516
وهي ما عدا الوجه والكفين، وظهور القدمين، بوضع الجلباب، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس ﵄. ﴿إلا لبعولتهن﴾ أي أزواجهن، فإن الزينة لهم جعلت. قال أبو حيان: ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن الزوج - انتهى. فقال تعالى: ﴿أو آبائهن﴾ أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال وكل منهما والد مجازاً بدليل ﴿وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل﴾ ﴿أو آباء بعولتهن﴾ فإن رحمتهم لأولادهم مانعة ﴿أو أبنائهن﴾ فإن لهن عليهن من الهيبة ما يبعد عن ذلك ﴿أو أبناء بعولتهن﴾ فإن هيبة آبائهم حائلة ﴿أو إخوانهن﴾ فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة ﴿أو بني﴾ عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين فتنقص عذوبته ﴿إخوانهن أو بني أخواتهن﴾ فإنهم كأبنائهن ﴿أو نسائهن﴾ أي المسلمات، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال؛
стр. 6517
روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر ﵁ أنه كتب إلى عبيدة ﵁ ينهى عن دخول الذميات الحمام مع المسلمات، وقال: فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس ﵄. ﴿وأما ما ملكت أيمانهن﴾ أي من الذكور والإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة، وحمل ابن المسيب الآية على الإماء فقط؛ قال أبو حيان: قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيّاً كان أو فحلاً، وعن ميسون بنة بحدل الكلابية أن معاوية ﵁ دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي، فقالت: يا معاوية! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى.
وقصة مابور ترد هذا، وقوله: الكلابية، قال شيخنا في تخريج الكشاف: صوابه: الكلبية بإسكان اللام. ﴿أو التابعين﴾ أي للخدمة أو غيرها ﴿غير أولي الإربة﴾ أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء ﴿من الرجال﴾ كالشيوخ الفانين ومن بهم علة منعت شهوتهم، وكذا من كان ممسوحاً لقصة مابور ﴿أو﴾ من
стр. 6518
﴿الطفل﴾ أي جنسه، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة، وهو في الأصل: الرخص الناعم من كل شيء، وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج ملتبساً بالتراب الذي تأكله الحامل، قال في القاموس: وطفل النبت كفرح وطفل بالضم تطفيلاً: أصابه التراب، والطفال، كغراب وسحاب: الطين اليابس. قال القزاز: ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه: طفل، ﴿الذين لم يظهروا﴾ أي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع ﴿على عورات النساء﴾ لعم بلوغ سن الشهوة لذلك.
ولما نهى عن الإظهار، نبه على أمر خفي منه فقال: ﴿ولا يضربن بأرجلهن﴾ أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها. ولما كان ذلك لمطلق الإعلام، بناه للمفعول فقال: ﴿ليعلم ما يخفين﴾ أي بالساتر الذي أمرن به ﴿من زينتهن﴾ بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور، وفي معنى ذلك التطيب، والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى.
ولما أنهى سبحانه ما أمره ﷺ بالتقدم فيه إلى الرجال والنساء، وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف
стр. 6519
الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن أبلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة، وأن الإنسان لكونه محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن، فقال: ﴿وتوبوا إلى الله﴾ أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية ﴿جميعاً﴾ رجالكم ونسائكم ﴿أيُّه المؤمنون﴾ والتعبير بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها إلا راسخ القدم في الإيمان، عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في النقصان، وهذا الأمر للوجوب، وإذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من باب الأولى ﴿لعلكم تفلحون*﴾ أي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: إن الإنسان من حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة
стр. 6520
وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة الرجوع، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير.
стр. 6521
ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنى وأسبابه، فحكم وقرر، ووعظ وحذر، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون على التوبة فقال مرشداً: ﴿وأنكحوا الأيامى﴾ مقلوب أيايم جمع أيم، وزن فعيل من آم، عينه ياء، وهو العزب ذكراً كان أو أنثى أو بكراً ﴿منكم﴾ أي من أحراركم، وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن درجة النكاح ﴿والصالحين﴾ أي للنكاح ﴿من عبادكم وإمائكم﴾ أي أرقائكم الذكور والإناث، احتياطاً لمصالحهم وصوناً لهم عن الفساد امتثالاً لما ندب إليه حديث «تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» .
ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق، أجاب من كأنه قال: قد يكون الإنسان
стр. 6522
غير قادر لكونه معدماً، بقوله: ﴿إن يكونوا﴾ أي كل من ذكر من حر أو عبد، والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة ﴿فقراء﴾ أي من المال ﴿يغنهم الله﴾ أي الذي له الكمال كله، إذا تزوجوا ﴿من فضله﴾ لأنه قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وقال البغوي: قال عمر ﵁: عجبت لمن يبتغي الغنى في بغير النكاح - وقرأ هذه الآية. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية ابن جرير. ولأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي
стр. 6523
في سبيل الله» ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله ﷺ لمن لم يجد ولا خاتماً من حديد.
ولما كان التقدير: فالله ذو فضل عظيم، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿واسع عليم*﴾ أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على يد الزوج، وبشمول علمه يسبب أسبابه. ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من غض البصر ثم بما يحصن من النكاح، وجراً عليه بالوعد بالإغناء، وكان هذا الوعد فيما بعد النكاح، وقدم الكلام فيه ترغيباً للإنسان في التوكل والإحصان، وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما بعدم وجدان المهر وما يطلب منه تقديمه، أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده رقيقاً أو غير ذلك، أتبعه قوله حاثاً على قمع النفس الأمارة عند العجز: ﴿وليستعفف﴾ أي يبالغ في طلب العفة وإيجادها عن الحرام ﴿الذين لا يجدون نكاحاً﴾ أي قدرة عليه وباعثاً إليه ﴿حتى يغنيهم الله﴾ أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿من فضله﴾ في ذلك الذي
стр. 6524
تعذر عليهم النكاح بسببه.
ولما كان من جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق همة علية، ونفس أبية، أتبعه قوله: ﴿والذين يبتغون﴾ أي يطلبون طلباً عازماً ﴿الكتاب﴾ أي المكاتبة ﴿مما ملكت أيمانكم﴾ ذكراً كان أو أنثى؛ وعبر ب «ما» إشارة إلى ما في الرقيق من النقص ﴿فكاتبوهم﴾ أي ندباً لأنه معاوضة تتضمن الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجماً، فإذا أدوه عتقوا ﴿إن علمتم فيهم خيراً﴾ أي تصرفاً صالحاً في دينهم ودنياهم لئلا يفسد حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم؛ قال ابن كثير: وروى أبو داود في كتاب المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس» انتهى. ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك ﴿وءاتوهم﴾ وجوباً إذا أدوا إليكم ﴿من مال الله﴾ أي الذي عم كل شيء بنعمته، لأنه الملك العظم ﴿الذي آتاكم﴾ ولو بحط شيء من مال الكتابة.
ولما أمر سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة
стр. 6525
بالمال، نهاهم عما ينافيه فقال: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾ أي إماءكم، ولعله عبر بلفظ الفتوة هزاً لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلاً من طلب الفتوة من أمة ﴿على البغاء﴾ أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك.
ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة، وكان ذلك نادراً من أمة، قال: ﴿إن﴾ بأداة الشك ﴿أردن تحصناً﴾ وفي ذلك زيادة تقبيح للإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقاً يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه، فكيف إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء، فكيف إذا أذن لهن فيه. فكيف إذا ألجئن إليه، وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله: ﴿لتبتغوا﴾ أي تطلبوا طلباً حثيثاً فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش ﴿عرض الحياة الدنيا﴾ فإن العرض متحقق فيه الزوال، والدنيا مشتقة من الدناءة.
ولما نهى سبحانه عن الإكراه، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة
стр. 6526
فيه فقال: ﴿ومن يكرههن﴾ دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلاماً بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله: ﴿فإن الله﴾ إعلاماً بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ «بعد» إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال: ﴿من بعد إكراههن غفور﴾ أي لهن وللموالي، يستر ذلك الذنب إن تابوا ﴿رحيم*﴾ بالتوفيق للصنفين إلى ما يرضيه.
стр. 6527
ولما أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة ﵂ ومقدماتها وخواتيمها، قال عاطفاً على قوله أولها ﴿وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾ : ﴿ولقد أنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ترغيباً لكم وترهيباً ﴿إليكم﴾ أي لتتعظوا ﴿آيات مبينات﴾ مفصل فيها الحق من الباطل، موضح بالنقل والعقل بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما أوضحنا ذلك لمن يتدبره
стр. 6528
في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها وتتبعها مما هو صلاحكم في الدين والدنيا ﴿ومثلاً﴾ أي وشبهاً بأحوالكم ﴿من الذين خلوا من قبلكم﴾ أي من أحوالهم بما أنزل الله إليهم في التوراة في أحوال المخالطة والزنى وقذف الأبرياء كيوسف ومريم ﵉ وتبرئتهم كما قدمت كثيراً منه في سورة المائدة وغيرها مما صار في حسن سبكه في هذا الكتاب، وبديع حبكه عند أولي الألباب، كالأمثال السائرة، والأفلاك الدائرة ﴿وموعظة للمتقين*﴾ بما فيه من الأحكام والفواصل المنبئة عن العلل المذكرة بما يقرب من الله زلفى، وينور القلب، ويوجب الحب والألفة، ويذهب وحر الصدر؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا السنن الأقوم، والنظم المحكم، بقوله: ﴿الله﴾ أي الذي أحاطت قدرته وعلمه ﴿نور﴾ أي ذو نور ﴿السماوات والأرض﴾ لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل صاحبه بهدايته إلى الصراط المستقيم كالماشي في نور الشمس، لا يضع شيئاً في غير موضعه كما
стр. 6529
أن الماشي في النور لا يضع رجلاً في غير موضعها اللائق بها، ولا شك أن النور هو ما به تظهر به الأشياء وتنكشف، فهو سبحانه مظهرهما، وهما وما فيهما دال على ظهوره، وأنه تام القدرة شامل العلم حاوٍ لصفات الكمال، منزه عن شوائب النقص، وفي آخر الشورى ما ينفع جداً هنا.
ولما كان من المحال أن يضل عن نور هو ملء الخافقين أحد من سكانهما، بين وجه خفائه مع ظهور ضيائه واتساعه وقوة شعاعه، حتى ضل عنه أكثر الناس، فقال مبيناً بإضافة النور إلى ضميره أن الإخبار عنه بالنور مجاز لا حقيقة، منبهاً على أن آياته الهادية تلوح خلال الشبهات الناشئة عن الأوهام الغالبة على الخلق التي هي كالظلمات ﴿مثل نوره﴾ أي الذي هدى به إلى سبيل الرشاد في خفائه عن بعض الناس مع شدة ظهوره، وهو آياته الدالة عليه من أقواله وأفعاله ﴿كمشكاة﴾ أي مثل كة أي خرق لكن غير نافذ في جدار؛ قال البغوي: فإن كان لها منفذ فهي كوة.
ولما دخل المشكاة في هذا المثل خفياً فقدمها تشويقاً إلى شرحه، أتبعه قوله شارحاً له: ﴿فيها مصباح﴾ أي سراج ضخم ثاقب.
стр. 6530
وهو الذبالة - أي الفتيلة - الضخمة المتقدة، من الصباح الذي هو نور الفجر، والمصباح الذي هو الكوكب الكبير؛ قال البغوي: وأصله الضوء - انتهى.
فإذا كان في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة، ولو كان في فضاء لافترقت أشعته؛ وأتى ببقية الكلام استئنافاً على تقدير سؤال تعظيماً له فقال: ﴿المصباح في زجاجة﴾ أي قنديل.
ولما كان من الزجاج ما هو في غاية الصفاء، بين أن هذه منه فقال: ﴿الزجاجة كأنها﴾ أي في شدة الصفاء ﴿كوكب﴾ شبهه بها دون الشمس والقمر لأنهما يعتريهما الخسوف ﴿دريّ﴾ أي متلألىء بالأنوار فإنه إذا كان في زجاجة صافية انعكست الأشعة المنفصلة عنه من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض لما فيها من الصفاء والشفيف فيزداد النور ويبلغ النهاية كما أن شعاع الشمس إذا وقع على ماء أو زجاجة صافية تضاعف النور حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك النور؛ والدريّ - قال الزجاج: مأخوذ من درأ إذا اندفع منقضاً فتضاعف نوره.
стр. 6531
ولما كان من المصابيح أيضاً ما يكون نوره ضعيفاً بين أن هذا ليس كذلك فقال: ﴿يوقد﴾ أي المصباح، بأن اشتد وقده. ولما كان هذا الضوء يختلف باختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان دهناً صافياً خالصاً كان شديد، وكانت الأدهان التي توقد ليس فيها ما يظهر فيه الصفاء كالزيت لأنه ربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض وشعاع يتردد في أجزائه، قال: ﴿من شجرة﴾ أي زيتها ﴿مباركة﴾ أي عظيمة الثبات والخيرات يطيب منبتها ﴿زيتونة﴾ .
ولما كان الزيت يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها، لأن الشجر ربما ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس، بين أن هذه الشجرة ليست كذلك فقال: ﴿لا شرقية﴾ أي ليست منسوبة إلى الشرق وحده، لكونها بحيث لا يتمكن منها
стр. 6532
الشمس إلا عند الشروق لكنها في لحف جيل يظلها إذا تضيفت الشمس للغروب ﴿ولا غربية﴾ لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند الشروق، بل هي بارزة للشمس من حين الشروق إلى وقت الغروب، ليكون ثمرها أنضج فيكون زيته أصفى، قال البغوي: هذا قول ابن عباس ﵄ في رواية عكرمة والكلبي والأكثرين. فهي لزكاء عنصرها، وطهارة منبتها، وبروزها للشمس والرياح، بحيث ﴿يكاد زيتها﴾ لشدة صفائه ﴿يضيء ولو لم تمسسه نار﴾ .
ولما علم من هذا أن لهذا الممثل به أنواراً متظاهرة بمعاونة المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشارقاً، ويمده بإضاءة نقية، قال في الممثل له: ﴿نور على نور﴾ أي أن العلم الرباني عظيم الاتساع كلما سرحت فيه النظر، وأطلقت عنان الفكر، أتى بالغرائب ولا يمكن أن يوقف له على حد.
ولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجباً لاعتقاد أنه لا يخفى عن أحد، أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ضيائه، وعظيم لألائه، فقال: ﴿يهدي الله﴾ أي
стр. 6533
بعظمته المحيطة بكل شيء ﴿لنوره من يشاء﴾ كما هدى الله من هدى من المؤمنين لتبرئة عائشة ﵂ قبل إنزال براءتها.
بكون الله اختارها لنبيه ﷺ ، ولا يختار له إلا طيباً طاهراً وما شاكل ذلك، وعلم أن قسيم ذلك «ويضل الله عن نوره من يشاء» وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد سبحانه إضلاله، لا لنقص في النور كما قال الشاعر:
والنجم تستصغر الأبصار صورته ... فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر
كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٢٥] ، ومر آنفاً في حديث علي ﵁ في الأرواح ما ينفع ههنا.
ولما كان كأنه قيل: ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا به، عطف عليه قوله: ﴿ويضرب الله﴾ أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول العلم ﴿الأمثال للناس﴾ لعلمه
стр. 6534
بها، تقريباً للأفهام، لعلهم يهتدون ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿بكل شيء﴾ أي منها ومن غيرها ﴿عليم*﴾ يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول، وإن لم تفهموه أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه.
стр. 6535
ولما كان كأنه قيل: فأي شيء يكون هذه المشكاة؟ قال شافياً على هذا السؤال: ﴿في بيوت﴾ أي في جدران بيوت، فجمع دلالة على أن المراد بالمشكاة الجنس لا الواحد، وفي وحدتها ووحدة آلات النور إشارة إلى عزته جداً ﴿أذن الله﴾ أي مكن بجلاله فأباح وندب وأوجب ﴿أن ترفع﴾ حساً في البناء، ومعنى بإخلاصها للعمل الصالح، من كل رافع أذن له سبحانه في ذلك، فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن من العدو بما رواه أبو دواد عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال عقبة بن مسلم: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر يوم.
стр. 6536
﴿ويذكر﴾ من كل ذاكر أذن له سبحانه ﴿فيها اسمه﴾ أي ذكراً صافياً عن شوب، وخالصاً عن غش ﴿يسبح﴾ أي يصلي وينزه ﴿له﴾ أي خاصة ﴿فيها بالغدو﴾ أي الإبكار، بصلاة الصبح ﴿والآصال*﴾ أي العشيات، ببقية الصلوات، فيفتحون أعمالهم ويختمونها بذكره ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون فيه، وجمع الأصيل لتحقق أن المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قال البغوي: لأن اسم الأصيل يجمعها. ﴿رجال﴾ أيّ رجال ﴿لا تلهيهم تجارة﴾ أي ببيع أو شرى أو غيرهما، يظهر لهم فيها ربح.
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به، أو بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضاً هو الطلبة الكلية لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه، قال: ﴿ولا بيع﴾ أي وإن لم يكن على وجه التجارة، والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى وعلى الإزالة ﴿عن ذكر الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام مطلقاً بصلاة وغيرها، فهم
стр. 6537
كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال ﴿و﴾ لا يلهيهم ذلك عن ﴿إقام الصلاة﴾ التي هي طهرة الأرواح، أعادها بعد ذكرها بالتسبيح تصريحاً بها تأكيداً لها وحثاً على حفظ وقتها لأنه من جملة مقوماتها وكذا جميع حدودها ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما أشار إليه حرف التاء إشعاراً بأن هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال ﴿و﴾ لا عن ﴿إيتاء الزكاة﴾ التي هي زكاء الأشباح ونماؤها، وخص الرجال مع أن حضور النساء المساجد سنة شهيرة، إشارة إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لما روى أبو داود في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال:
«صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» والمخدع: الخزانة. وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أم حميدة امرأة أبي حميد الساعدي
стр. 6538
رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» ، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله .
ولما وصف الرجال المذكورين ما وصفهم به، ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في مدحهم فقال: ﴿يخافون يوماً﴾ وهو يوم القيامة، هو بحيث ﴿تتقلب فيه﴾ أي لشدة هوله، تقلباً ظاهراً - بما اشار إليه إثبات التاءين ﴿القلوب والأبصار*﴾ أي بين طمع في النجاة، وحذر من الهلاك، ويمكن أن يقال: المشاكي - والله أعلم - هي المساجد، والزجاج هي الرجال، والمصابيح هي القلوب، وتلألؤها ما تشتمل عليه من المعاني الحاملة على الذكر، والشجرة الموصوفة
стр. 6539
هي مثال الأبدان، التي صفاها الله من الأدران، وطبعها على الاستقامة، والزيت مثال لما وضع سبحانه فيها من جميل الأسرار، وقد ورد في بعض الأخبار أن المساجد لأهل السماوات كالنجوم لأهل الأرض، وفي معجم الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄: «كمشكاة» قال: جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم ﵇، ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ : لا يهودي ولا نصراني.
ولما بين تعالى أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه، وأعرضوا عما عداه، بين غايتهم فيها فقال: ﴿ليجزيهم﴾ أي يفعلون ذلك ليجزيهم ﴿الله﴾ أي في دار كرامته بعد البعث بعظمته وجلاله، وكرمه. وجماله ﴿أحسن ما عملوا﴾ أي جزاءه. ويغفر لهم سيئه ﴿ويزيدهم من فضله﴾ على العدل من الجزاء ما لم يستحقوه - كما هي عادة أهل الكرم.
ولما كان التقدير: فإن الله لجلاله، وعظمته وكماله، لا يرضى أن يقتصر في جزاء المحسن على ما يستحقه فقط، عطف عليه بياناً لأن قدرته وعظمته لا حد لها قولَه: ﴿والله﴾ أي
стр. 6540
الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه ﴿يرزق من يشاء﴾ . ولما كان المعنى: رزقاً يفوق الحد، ويفوت العد، عبر عنه بقوله: ﴿بغير حساب*﴾ فهو كناية عن السعة، ويجوز أن يكون مع السعة التوفيق، فيكون بشارة بنفي الحساب في الآخرة أيضاً أصلاً ورأساً، لأن ذلك المرزوق لم يعمل ما فيه درك عليه فلا يحاسب، أو يحاسب ولا يعاقب؛ فيكون المراد بنفي الحساب نفي عسره وعقابه، ويجوز أن يزاد الرزق كفافاً، وقد ورد أنه لا حساب فيه؛ روى ابن كثير من عند ابن أبي حاتم بسنده عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
«إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق» .
ولما أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه، وصلوا - من جزائه بسبب ما هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس الأمر الحقائق، أخبر عن أضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت
стр. 6541
جباله الوعرة الشامخة بين أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم فقال: ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله ﴿أعمالهم﴾ كائنة في يوم الجزاء ﴿كسراب﴾ وهو ما تراه نصف النهار في البراري لاصقاً بالأرض يلمع كأنه ماء، وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه فيخفى؛ قال الرازي في اللوامع: والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء تخيلاً؛ وقال ابن كثير: يرى عن بعد كأنه بحر طام، وإنما يكون ذلك بعد نصفف النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض - انتهى. وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة، يرفع فيه الشخوص، يرى فيه الصغير كبيراً، والقصير طويلاً، والرقراق يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء وذهب. ﴿بقيعة﴾ جمع قاع، وهو أرض سهلة مطمئنة فد انفرجت
стр. 6542
عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس. وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه: القيعة والقاع واحد، وهما الأرض المستوية الملساء يحفن فيها التراب، الفراء: القيعة جمع قاع كجار وجيرة. وقال الصغاني في مجمع البحرين: والقاع: المستوي من الأرض، والجمع أقواع وأقوع وقيعان، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل قاع، وهو أيضاً من الواو، وبعضهم يقول: هو جمع؛ وقال ابن جرير: والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: قال الفراء: القاع: مستنقع الماء، والقاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه المطر فيمسكه ويستوي نباته، وجمعه قيعة وقيعان.
﴿يحسبه الظمآن﴾ أي العطشان الشديد العطش من ضعف العقل ﴿ماء﴾ فيقصده ولا يزال سائراً ﴿حتى إذا جاءه﴾ أي جاء الموضع الذي توهمه به ﴿لم يجده شيئاً﴾ من الأشياء، فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب، وبعده عن مواطن الرجاء، فيشتد بأسه، وتنقطع حليه فيهلك،
стр. 6543
وهكذا الكافر يظن أعماله تجديه شيئاً فإذا هي قد أهلكته.
ولما كان الله محيطاً بعلمه وقدرته بكل مكان قال: ﴿ووجد الله﴾ أي قدرة المحيط بكل شيء ﴿عنده﴾ أي عند ذلك الموضع الذي قصده لما تخيل فيه الخير فخاب ظنه ﴿فوفاه حسابه﴾ أي جزاء عمله على ما تقتضيه أعماله على حكم العدل، فلم يكفِ هذا الجاهل خيبة وكمداً أنه لم يجد ما قصده شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار، لا يفك أسيرها، ولا يخمد سعيرها.
ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب، ولا يدخل عليه لبس، ولا يصعب عليه ضبط شيء وإن كثر، ولا يقد أحد أن يتأخر عما يريده به بنوع حيلة، عبر عن ذلك بقوله: ﴿والله﴾ أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل ﴿سريع الحساب*﴾ أي لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب، ولا عقد بأصابع، ولا شيء غير ذلك، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وبعد عمله له، لا يعزب عنه منه ولا من غيره شيء.
стр. 6544
ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب، المثمر للعطب، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل، ضرب مثالاً
стр. 6545
آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول، وهو السير بغير دليل، الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام، فقال عاطفاً على ﴿كسراب﴾ قوله: ﴿أو﴾ للتخيير، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب، ولكونها خالية عن نور الحق ﴿كظلمات﴾ أو للتنويع، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب، أو قبيحة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة ﴿في بحر﴾ هو مثال قلب الكافر ﴿لجي﴾ أي ذي لج هو اللج، إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار، لأن اللج معظم الماء، ويكون جمع لجة أيضاً، والأوفق هنا أن يكون منسوباً إلى الجمع، لأنه أهول، والمقام للتهويل، قال القزاز في ديوانه: ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضاً ولا جبلاً، وبحر لجي: واسع اللجة، وجمع اللجة لجج ولج. ﴿يغشاه﴾ أي يغطي هذا البحر ويعلوه، أو يلحق الكائن فيه ﴿موج﴾ وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، كائن ﴿من فوقه﴾ أي هذا الموج ﴿موج﴾ آخر ﴿من فوقه﴾ أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول ﴿سحاب﴾ قد غطى النجوم، وهو مثال الرين والختم والطبع
стр. 6546
على القلب، فلا سماء تبصر ولا أرض.
ولما كان هذا أمراً مهولاً، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: ﴿ظلمات﴾ أي من البحر والموجين والسحاب ﴿بعضها﴾ . ولما كان المراد استغراق الجهة، لم يثبت الجار فقال: ﴿فوق بعض﴾ متراكمة، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها بصر، ولذلك قال: ﴿إذا أخرج﴾ أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر ﴿يده﴾ وهي أقرب شيء إليه ﴿لم يكد﴾ أي الكائن فيه ﴿يراها﴾ أي يقرب من ذلك فضلاً عن أن يكون، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه ﴿ومن لم يجعل الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿له نوراً﴾ من الأنوار، وهو قوة الإيجاد والإظهار ﴿فما له من نور*﴾ أصلاً، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية، لأنه قادر على ما يريد.
ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حساً
стр. 6547
بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من النور هلك: ﴿ألم تر﴾ أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشهادة ﴿أن الله﴾ الحائز لصفات الكمال ﴿يسبح له﴾ أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة ﴿من في السماوات﴾ .
ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: ﴿والأرض﴾ أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر ب «من» لأن المخبر به من وظائف العقلاء.
ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصاً: ﴿والطير صافات﴾ أي باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته.
стр. 6548
ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾ [المائدة: ١٣] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: ﴿كل﴾ أي من المخلوقات ﴿قد علم﴾ أي بما كان سبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال ﴿صلاته﴾ أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه ﴿وتسبيحه﴾ أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتاً جامداً، وهذا بنموه مهتزاً رابياً، إلجاء وقهراً، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة، ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن «النبي ﷺ أن
стр. 6549
نوحاً ﵇ أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وقال الغزالي في الإحياء: وروي» أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: تولت عني الدنيا وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله ﷺ : «فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون» ، قال فقلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه»
قال الحافظ زين الدين العراقي: رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر ﵄ وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلاً من حديث مالك «.
ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عليم بما يفعلون*﴾ بما ثبت مما أخبركم به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في الأعراف عند ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٥] ما ينفع هنا.
стр. 6550
ولما أخبر عما في الكونين بما يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام المستلزم للقدرة على البعث، أخبر عنهما بالتصريح به فقال: ﴿ولله﴾ أي الذي لا ملك سواه ﴿ملك السماوات والأرض﴾ مع كونه مالكاً مسخراً مصرفاً لجميع ذلك، فهو جامع للملك والملك.
ولما كان التقدير: ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم، عطف عليه قوله: ﴿وإلى الله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿المصير*﴾ أي لهم كلهم بعد الفناء، وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه.
ولما أخبر بذلك فتقرر ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن تحرر ملكه، دل عليه بتصرفه في العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة على الإعادة فقال: ﴿ألم تر أن الله﴾ أي ذا الجلال والجمال ﴿يزجي﴾ أي يسوق بالرياح، وسيأتي الكلام عليها في النمل؛ وقال أبو حيان: إن الإزجاء يستعمل في سوق الثقل برفق. ﴿سحاباً﴾ أي بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل، وتارة من العلو، ضعيفاً رقيقاً متفرقاً، قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده
следующие страницы →