Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
على القلب، فلا سماء تبصر ولا أرض.
ولما كان هذا أمراً مهولاً، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: ﴿ظلمات﴾ أي من البحر والموجين والسحاب ﴿بعضها﴾ . ولما كان المراد استغراق الجهة، لم يثبت الجار فقال: ﴿فوق بعض﴾ متراكمة، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها بصر، ولذلك قال: ﴿إذا أخرج﴾ أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر ﴿يده﴾ وهي أقرب شيء إليه ﴿لم يكد﴾ أي الكائن فيه ﴿يراها﴾ أي يقرب من ذلك فضلاً عن أن يكون، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه ﴿ومن لم يجعل الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿له نوراً﴾ من الأنوار، وهو قوة الإيجاد والإظهار ﴿فما له من نور*﴾ أصلاً، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية، لأنه قادر على ما يريد.
ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حساً
стр. 6547
بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من النور هلك: ﴿ألم تر﴾ أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشهادة ﴿أن الله﴾ الحائز لصفات الكمال ﴿يسبح له﴾ أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة ﴿من في السماوات﴾ .
ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: ﴿والأرض﴾ أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر ب «من» لأن المخبر به من وظائف العقلاء.
ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصاً: ﴿والطير صافات﴾ أي باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته.
стр. 6548
ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾ [المائدة: ١٣] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: ﴿كل﴾ أي من المخلوقات ﴿قد علم﴾ أي بما كان سبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال ﴿صلاته﴾ أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه ﴿وتسبيحه﴾ أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتاً جامداً، وهذا بنموه مهتزاً رابياً، إلجاء وقهراً، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة، ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن «النبي ﷺ أن
стр. 6549
نوحاً ﵇ أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وقال الغزالي في الإحياء: وروي» أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: تولت عني الدنيا وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله ﷺ : «فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون» ، قال فقلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه»
قال الحافظ زين الدين العراقي: رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر ﵄ وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلاً من حديث مالك «.
ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عليم بما يفعلون*﴾ بما ثبت مما أخبركم به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في الأعراف عند ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٥] ما ينفع هنا.
стр. 6550
ولما أخبر عما في الكونين بما يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام المستلزم للقدرة على البعث، أخبر عنهما بالتصريح به فقال: ﴿ولله﴾ أي الذي لا ملك سواه ﴿ملك السماوات والأرض﴾ مع كونه مالكاً مسخراً مصرفاً لجميع ذلك، فهو جامع للملك والملك.
ولما كان التقدير: ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم، عطف عليه قوله: ﴿وإلى الله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿المصير*﴾ أي لهم كلهم بعد الفناء، وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه.
ولما أخبر بذلك فتقرر ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن تحرر ملكه، دل عليه بتصرفه في العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة على الإعادة فقال: ﴿ألم تر أن الله﴾ أي ذا الجلال والجمال ﴿يزجي﴾ أي يسوق بالرياح، وسيأتي الكلام عليها في النمل؛ وقال أبو حيان: إن الإزجاء يستعمل في سوق الثقل برفق. ﴿سحاباً﴾ أي بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل، وتارة من العلو، ضعيفاً رقيقاً متفرقاً، قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده
стр. 6551
سحابة، والمعنى: يسوق سحابة إلى سحابة. وهو معنى ﴿ثم يؤلف بينه﴾ أي بين أجزائه بعد أن كانت قطعاً في جهات مختلفة ﴿ثم يجعله ركاماً﴾ في غاية العظمة متراكباً بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة ﴿فترى﴾ أي في تلك الحالة المستمرة ﴿الودق﴾ أي المطر، قال القزاز: وقيل: هو احتفال المطر. ﴿يخرج من خلاله﴾ أي فتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض ﴿وينزل من السماء﴾ أي من جهتها مبتدئاً من ﴿من جبال فيها﴾ أي في السماء، وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال؛ وبعض فقال: ﴿من برد﴾ هو ماء منعقد؛ وبين أن ذلك بإرداته واختياره بقوله: ﴿فيصيب به﴾ أي البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة ﴿من يشاء﴾ من الناس وغيرهم ﴿ويصرفه عمن يشاء﴾ صرفه عنه؛ ثم نبه على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النار التي ربما نزلت منها صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار فقال: ﴿يكاد سنا﴾ أي ضوء ﴿برقه﴾ وهو اضطراب النور في خلاله ﴿يذهب﴾ أي هو، ملتبساً ﴿بالأبصار*﴾ لشدة لمعه وتلألئه، فتكون قوة البرق دليلاً على تكاثف السحاب وبشيراً
стр. 6552
بقوة المطر، ونذيراً بنزول الصواعق؛ ثم ذكر ما هو أدل على الاختيار، فقال مترجماً لما مضى بزيادة: ﴿يقلب الله﴾ أي الذي له الأمر كلهه بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاماً، والنقص تارة والزيادة أخرى، مع المطر تارة والصحو أخرى ﴿الليل والنهار﴾ فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والينوع واليبس ما يبهر العقول؛ ولهذا قال منبهاً على النتيجة: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم ﴿لعبرة لأولي الأبصار*﴾ أي النافذة، والقلوب الناقدة، يعبرون منها إلى معرفة ما لمدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعاً على الوحدانية.
стр. 6553
ولما ذكر أولاً أحوال الخافقين دليلاً على وحدانيته، وفصل منها الآثار العلوية، فذكر ما يسقي الأرض، وطوى ذكر ما ينشأ عنه من النبات للعلم به، ذكر أحوال ما يتكون به من الحيوانات دليلاً ظاهراً على الإعادة، وبرهاناً قاهراً على المنكرين لها فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ﴿خلق كل دآبة﴾ أي مما تقدم أنه يسبح له.
ولما ذكر أنواعاً من الحيوان، نكر بخلاف ما في الأنبياء فقال: ﴿من ماء﴾ أي دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ماء «هامر» كذلك، وفاوت بينه مع كون الكل من الماء الهامر
стр. 6554
الذي لا تفاوت فيه ﴿فمنهم﴾ أي الدواب.
ولما كان في سياق التعظيم، وكان قد آتى كل نفس من الإدراك ما تعرف به منافعها ومضارها، عبر عن الكل بأداة من يعقل وإن كانوا متفاوتين في التمييز فقال: ﴿من يمشي على بطنه﴾ أي من غير رجل؛ وقدم هذا لكونه أدل على القدرة، وسماه مشياً استعارة ومشاكلة ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أي ليس غير ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ أي من الأيدي والأرجل، وفي هذا تنبيه على من يمشي على أكثر من ذلك، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يخلق الله﴾ وعبر باسم الجلالة إعلاماً بتناهي العظمة؛ وقال: ﴿ما يشاء﴾ دلالة على أنه فعله بقدرته واختياره، لا مدخل لشيء غير ذلك فيه إلا بتقدير العزيز العليم.
ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر، وكانوا منكرين له، أكد قوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي الكمال المطلق ﴿على كل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿قدير*﴾ .
ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، وقامت أدلة الوحدانية على ساق، واتسقت براهين الألوهية أي اتساق، قال مترجماً لتلك الأدلة: ﴿لقد أنزلنا﴾ أي في
стр. 6555
هذه السورة وما تقدمها، بما لنا من العظمة ﴿آيات﴾ أي من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال ﴿مبينات﴾ لا خفاء في شيء منها عند أحد من الخلق، لأن الله قد أراد هدايتكم، بعضكم بالبيان، وبعضكم بخلق الإذعان ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم ﴿يهدي من يشاء﴾ من العابد كلهم ﴿إلى صراط مستقيم*﴾ بالقوة بإنزال الآيات، والفعل بخلق الإيمان والإخبات، فيؤمنون إيماناً ثابتاً.
ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها، فكان السياق ظاهراً في أن التقدير: والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات والذكر الحكيم، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد غرابة، عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلاً شهودياً على ذلك مطوي، معجباً ممن عمي عن دلائل التوحيد التي أقامها تعالى وعددها وأوضحها بحيث صارت كما ذكر تعالى أعظم من نور الشمس: ﴿ويقولون﴾ أي الذين ظهر لهم نور الله، بألسنتهم فقط: ﴿آمنا بالله﴾ الذي أوضح لنا جلاله، وعظمته وكماله ﴿وبالرسول﴾ الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما أقام عليها من الأدلة ﴿وأطعنا﴾ أي أوجدنا الطاعة لله وللرسول، وعظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال: ﴿ثم يتولى﴾ أي يرتد بإنكار القلب ويعرض عن طاعة الله ورسوله، ضلالاً منهم عن الحق ﴿فريق منهم﴾
стр. 6556
أي ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة.
ولما كان ينبغي أن يكون وقوع الارتداد منهم - كما أشير إليه - في غاية البعد وإن كان في أقل زمن، أشار إليه بأداة التراخي، وأكد ذلك بقوله مثبتاً الجارّ: ﴿من بعد ذلك﴾ أي القول السديد الشديد المؤكد، مع الله الذي هو أكبر من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق ﴿وما أولئك﴾ أي البعداء البضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد ﴿بالمؤمنين*﴾ أي بالكاملين في الإيمان قولاً وعقداً، وإنما هم من أهل الوصف اللساني، المجرد عن المعنى الإيقاني.
ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم، قبح عليهم ما أظهروه، فقال معبراً بأداة التحقيق: ﴿وإذا دعوا﴾ أي الذين ادعوا الإيمان من أي داع كان ﴿إلى الله﴾ أي ما نصب الملك الأعظم من أحكامه ﴿ورسوله ليحكم﴾ أي الرسول ﴿بينهم﴾ بما أراه الله ﴿إذا فريق منهم﴾ أي ناس مجبولون على الأذى المفرق ﴿معرضون*﴾ أي فاجؤوا الإعراض، إذا كان الحق عليهم، لاتباعهم أهواءهم، مفاجأة تؤذن بثباتهم فيه ﴿وإن يكن﴾ أي كوناً ثابتاً جداً ﴿لهم﴾ أي
стр. 6557
على سبيل الفرض ﴿الحق﴾ أي بلا شبهة ﴿يأتوا إليه﴾ أي بالرسول ﴿مذعنين*﴾ أي منقادين أتم انقياد لما وافق من أهوائهم لعلمهم أنه دائر مع الحق لهم وعليهم، لا لطاعة الله ورسوله ﷺ .
ولما كان سبب فعلهم هذا بعد إظهارهم الطاعة مشكلاً، ناسب أن يسأل عنه، فقال تعالى مبيناً له بعد التنبيه على ما يحتمله من الحالات: ﴿أفي قلوبهم مرض﴾ أي نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال ﴿أم ارتابوا﴾ بأن حدثت لهم شبهة أعمتهم عن الطريق ﴿أم﴾ ليس فيهم خلل لا أصلي ولا طارىء، بل الخلل في الحاكم فهم ﴿يخافون أن يحيف﴾ أي يجور ﴿الله﴾ الغني عن كل شيء، لأن له كل شيء ﴿عليهم﴾ بنصب حكم جائر وهو منزه عن الأغراض ﴿ورسوله﴾ الذي لا ينطق عن الهوى، بضرب أمر زائغ وقد ثبتت عصمته عن الأدناس.
ولما لم يكن شيء من ذلك كائناً أضرب عنه فقال: ﴿بل أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الظالمون﴾ أي الكاملون في الظلم، لأن قلوبهم مطبوعة على المرض والريب، لا أن فيها نوعاً واحداً منه، وليسوا يخافون الجور، بل هو مرادهم إذا كان الحق عليهم.
ولما نفى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به، كان كأنه
стр. 6558
سئل عن حال المؤمنين فقال: ﴿إنما كان﴾ أي دائماً ﴿قول المؤمنين﴾ أي العريقين في ذلك الوصف، وأطبق العشرة على نصب القول ليكون اسم كان أوغل الاسمين في التعريف، وهو «أن» وصلتها لأنه لا سبيل عليه للتنكير، ولشبهه كما قال ابن جني في المحتسب بالمضمر من حيث إنه لا يجوز وصفه كما لا يجوز وصف المضمر، وقرأ على ﵁ بخلاف وابن أبي إسحاق ﴿قول﴾ بارفع ﴿إذا دعوا﴾ أي من أي داع كان ﴿إلى الله﴾ أي ما أنزل الملك الذي لا كفوء له من أحكامه ﴿ورسوله ليحكم﴾ أي الله بما نصب من أحكامه أو الرسول ﷺ بما يخاطبهم به من كلامه ﴿بينهم﴾ أي في حكومة من الحكومات لهم أو عليهم ﴿أن يقولوا سمعنا﴾ أي الدعاء ﴿وأطعنا﴾ أي بالإجابة لله ورسوله ﷺ . ولما كان التقدير: فأولئك هم المؤمنون، عطف عليه قوله: ﴿وأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿هم﴾ خاصة ﴿المفلحون*﴾ الذين تقدم في أول المؤمنون وصفهم بأنهم يدركون جميع مأمولهم.
стр. 6559
ولما رتب سبحانه الفلاح على هذا النوع الخاص من الطاعة،
стр. 6560
أتبعه عموم الطاعة فقال: ﴿ومن يطع الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ أي في الإذعان للقضاء وغيره فيما ساءه وسره من جميع الأعمال الظاهرة ﴿ويخش الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام، بقلبه لما مضى من ذنوبه ليحمله ذلك على كل خير، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا وقع أحد منهم في تقصير يأتي إلى النبي ﷺ فيقول: طهرني، ويلقن أحدهم الرجوع فلا يرجع، وفي تطهيره الإتيان على نفسه، وقع ذلك لرجالهم ونسائهم ﵃ أجمعين وأحياناً على منهاجهم وحشرنا في زمرتهم ﴿ويتقه﴾ أي الله فيما يستقبل بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ورعاً.
ولما أفرد الضمائر إشارة إلى قلة المطيع، جمع لئلا يظن أنه واحد فقال: ﴿فأولئك﴾ العالو الرتبة ﴿هم الفائزون*﴾ بالملك الأبدي ولا فوز لغيرهم.
ولما ذكر سبحانه ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن، ذكر حال المنافقين فيه، فقال عاطفاً على ﴿ويقولون﴾ لأنه ليس المراد منه إلا مجرد القول من غير إرادة تقييد بزمان معين: ﴿وأقسموا﴾ وكأنه عبر بالماضي إشارة إلى أنهم لم يسمحوا به أكثر من مرة، لما يدل عليه من زيادة الخضوع والذل ﴿بالله﴾ أي الملك الذي له الكمال المطلق؛ واستعار من جهد النفس قوله في موضع الحال:
стр. 6561
﴿جهد أيمانهم﴾ أي غاية الإقسام ﴿لئن أمرتهم﴾ أي بأمر من الأمور ﴿ليخرجن﴾ مما هم ملتبسون به من خلافه، كائناً ما كان، إلى ما أمرتهم به، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أينما كنت نكن معك، إن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا - قاله البغوي. فكأنه قيل: ماذا تفعل في اختبارهم؟ فقيل: الأمر أوضح من ذلك، فإن لكل حق حقيقة، ولكل فعل أدلة ﴿قل﴾ أي لهم: ﴿لا تقسموا﴾ أي لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام، ولكن المحرك لكم إلى الخروج محبة الامتثال لا إلزام الإقسام، وفيه إشارة إلى أنهم أهل للاتهام، وكذا قال المتنبي:
وفي يمينك فيما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم
ثم علل ذلك بقوله: ﴿طاعة﴾ أي هذه الحقيقة ﴿معروفة﴾ أي منكم ومن غيركم، وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها لأن العموم الذي تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف،
стр. 6562
ولم تعرف ب «ال» لئلا يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه، والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله، وكذا المعصية لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» رواه الطبراني عن جندب ﵁، وروى مسدد عن عثمان بن عفان ﵁ قال: لو أن رجلاً دخل بيتاً في جوف بيت فأدمن هناك عملاً أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل عمل عملاً إلا كساه الله رداء عمله، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.
ولأبي يعلى والحاكم - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان» ثم علل إظهاره للخبء بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿خبير بما تعملون*﴾ وإن إجتهدتم في إخفائه، فهو ينصب عليه دلائل يعرفه بها عباده، فالحلف غير مغنٍ عن الحالف، والتسليم غير ضار للمسلم.
стр. 6563
ولما نبه على خداعهم، أشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم، وإلى
стр. 6564
قبول شهادة التوسم فيهم، أمر بترغيبهم وترهيبهم، مشيراً إلى الإعراض عن عقوبتهم فقال: ﴿قل أطيعوا﴾ أيها الذين أقروا بالإيمان ﴿الله﴾ أي الذي لم الكمال المطلق ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي لاذي له الرسالة المطلقة، ظاهراً وباطناً لا كالمنافقين ﴿فإن تولوا﴾ أي توجد منكم التولية عن ذلك عصياناً له ولو على أدنى وجوه التولية - بما أشار إليه حذف التاء، تضلوا فلا تضروا إلا أنفسكم، وهو معنى قوله: ﴿فإنما عليه﴾ أي الرسول ﴿ما حمل﴾ أي من التبليغ ممن إذا حمل أحداً شيئاً فلا بد من حمله له أو حمل ما هو أثقل منه ﴿وعليكم ما حملتم﴾ من القبول، وليس عليه أن يقسركم على الهداية؛ وأفهم بقوله: ﴿وإن تطيعوه﴾ أي بالإقبال على كل ما يأمركم به ﴿تهتدوا﴾ أي إلى كل خير أنه لا هداية لهم بدون متابعته؛ روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» قال: فقال أبو أمامة الباهلي ﵁: عليكم بالسواد الأعظم! قال فقال رجل: ما السواد الأعظم؟
стр. 6565
فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ .
ولما كان ما حمله الرسول ﷺ مبهماً، عينه بقوله: ﴿وما على الرسول﴾ أي من جهة غيره ﴿إلا البلاغ المبين*﴾ أي التبليغ الذي يحصل به البلاغ من غير شك، إما بالإيضاح وحده أو مضموماً إلى السيف فما دونه من أنواع الزواجر.
ولما لاح بهذا الإذن في الكف عن قتل النبي ﷺ للمنافقين لئلا يقول الناس: إن محمداً استنصر بقوم، فلما نصره الله بهم أقبل يقتلهم. فيمتنع من يسمع ذلك من الدخول في الإسلام، فتكون مفسدة قتلهم أعظم من مفسدة إبقائهم، لأن الدين لم يكن حينئذ تمكن تمكناً لا يؤثر فيه مثل ذلك، تشوفت النفوس إلى أن هذا الحال هل يستمر؟ فجلى الله عنهما هذا الكرب بقوله: بياناً لأن تمكن الدين غير مفتقر إليهم سواء أقبلوا أو أدبروا: ﴿وعد الله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿الذين آمنوا﴾ وهو مع ذلك كالتعليل لما قبله ترغيباً لمن نظر في الدنيا نوع نظر؛ وقيد بقوله: ﴿منكم﴾ تصريحاً بأهل القرن الأول، ليكون ظاهراً فس إخراج المنافقين المتولين
стр. 6566
بالإعراض، إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة؛ وقدم هذا القيد اهتماماً به لما ذكر بخلاف ما يأتي في سورة الفتح ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من الإذعان للأحكام وغيرها، وأكد غاية التأكيد بلام القسم، لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك فقال: ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾ أي أرض العرب والعجم، بأن يمد زمانهم، وينفذ أحكامهم ﴿كما استخلف﴾ أي طلب وأوجد خلافة بإيجادهم ﴿الذين من قبلهم﴾ أي من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة، وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ وكما قال موسى ﵇: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ ﴿وليمكنن لهم﴾ أي في الباطن والظاهر ﴿دينهم﴾ أضافة إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه وأنه أبديّ لا ينسخ ﴿الذي ارتضى لهم﴾ حتى يقيموا الحدود فيه من قتل وغيره على الشريف والوضيع سواء كان الواقعون في ذلك عصبة أم لا، لا يراعون أحداً، ولا يخافون لومة لأئم، لأنه لا يضره إذ ذاك إدباراً مدبر كما قال ﷺ عن الحرورية كافة
«إنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد، بعد أن كف
стр. 6567
عن قتل رأسهم ونهى عن قتله - وهو واحد في غزوة حنين» .
ولما بشرهم بالتمكين، أشار لهم إلى مقداره بقوله: ﴿وليبدلنهم﴾ وأشار إلى عدم استغراق هذا الأمن العام لجميع الزمان بإثبات الجارّ فقال: ﴿من بعد خوفهم﴾ هذا الذي هم فيه الآن ﴿أمناً﴾ أي عظيماً بمقدار هذا الخوف، في زمن النبوة وخلافتها؛ ثم أتبع ذلك نتيجته بقوله تعليلاً للتمكين وما معه: ﴿يعبدونني﴾ أي وحدي؛ وصرح بالمراد بياناً لحال العابدة النافعة بقوله: ﴿لا يشركون بي شيئاً﴾ ظاهراً ولا باطناً، لأن زمانهم يكون زمن عدل، فلا يتحابون فيه بالرغبة والرهبة، روى الطبراني في الوسط عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ المدينة، وآوتهم الأنصار ﵃ أجمعين، رمتهم العرب من قوس واحدة فنزلت ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾ الآية. ولقد صدق الله سبحانه ومن أصدق من الله حديثاً - ففتح سبحانه لهم البلاد، ونصرهم على جبابرة العباد، فأذلوا رقاب الأكاسرة، واستعبدوا أبناء القياصرة، ومكنوا شرقاً وغرباً مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال ﷺ «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها
стр. 6568
وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» يعرف ذلك من طالع فتوح البلاد، وأجمعها وأحسنها النصف الثاني من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي، وكتاب شيخه ابن حبيش أيضاً جامع، ولا أعلم شيئاً أنفع في رسوخ الإيمان، بعد حفظ القرآن، من مطالعة السير والفتوح، وسيرة الكلاعي جامعة للأمرين، ونظمي للسيرة في القصيدة التي أولها:
ما بال جفنك هامي الدمع هامره ... وبحر فكرك وافي الهم وافره
أجمع السير - يسر الله إكمال شرحها، آمين.
ولما قتلوا عثمان ﵁، وخرجوا على عليّ ثم ابنه الحسن ﵄، نزع الله ذلك الأمن كما أشير إليه ب «من» وتنكير «أمناً» وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلاً قليلاً إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم - والله المستعان.
ولما كان التقدير: فمن ثبت على دين الإسلام، وانقاد لأحكامه واستقام، نال هذه البشرى، عطف عليه قوله: ﴿ومن كفر﴾ أي بالإعراض عن الأحكام أو غيرها؛ أو هو عطف على ﴿يعبدونني﴾
стр. 6569
لأن معناه: ومن لم يعبدني.
ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط عمله، فكان بذلك كفره مستغرقاً لزمانه دون من مات مسلماً وإن كان كافراً في جميع ما مضى له قبل ذلك، أسقط الجار فقال: ﴿بعد ذلك﴾ أي الاستخلاف العظيم على الوجه المشروح ﴿فأولئك﴾ البعداء من الخير ﴿هم﴾ خاصة ﴿الفاسقون*﴾ أي الخارجون من الدين خروجاً كاملاً، لا تقبل معه معذرة، ولا تقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى فيهم ملام، ولا تأخذ بهم رأفة عند الانتقام، كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه الجلد، ولعل الآية مشيرة إلى أهل الردة.
ولما تمت هذه البشرى، وكان التقدير: فاعملوا واعبدوا، عطف عليه قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم، مع أنه يصح عطفه على قوله «أطيعوا الله» فيكون من مقول ﴿قل﴾ ﴿وآتوا الزكاة﴾ فهي نظام ما بينكم وبين إخوانكم ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به، فإنما هو عن أمر ربكم ﴿لعلكم ترحمون*﴾ أي لتكونوا عند من يجهل العواقب على
стр. 6570
رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره.
стр. 6571
ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان، كان الحال جديراً بتأكيد معنى التمكين، جواباً لسؤال من كأنه قال: وهل ذلك ممكن فقال: ﴿لا تحسبن﴾ أي أيها المخاطب ﴿الذين كفروا﴾ أي وإن زادت كثرتهم على العد، وتجاوزت عظمتهم الحد، فإن ذلك الحسبان ضعف عقل، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره، ويجوز أن يكون خطاباً للنبي ﷺ لزيادة تحقيقه، لأنه على قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد ﴿معجزين﴾ لأهل ودنا ﴿في الأرض﴾ فإنهم مأخوذون لا محالة ﴿ومأواهم﴾ أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ ﴿النار﴾ . ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال: ﴿ولبئس المصير*﴾ مصيرها! فكيف إذا كان على وجه السكنى.
ولما كان الملل من شيم النفوس، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما الأحكام شيئاً فشيئاً خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب، وأشهى إلى الطبع، لا سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة، وضروب من الاتصالات هي مع دقتها غريبة، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها، وفصلها بدر الوعظ، وجواهر الحكم،
стр. 6572
والحث على معالي الأخلاق، ومكارم الأعمال، ثم وصلها بالإلهيات التي هي أصولها، وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا الدين، وتوهين أمر المعتدين، شرع في إكمالها، بإثبات بقية أحوالها، تأكيداً لما حكم به من التمكين، وما ختمه من ذلك من التوهين، وتحذيراً مما ختمه من العذاب المهين، وتحقيقاً لما ألزم به من الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، فقال واصلاً بما ختم به الأحكام الأولى، من الأمر بإنكاح الأيامى، والكف عن إكراه البغايا، إثر الذين لم يظهروا على عورات النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي من الرجال والنساء، إما للتغليب، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة ﴿ليستأذنكم﴾ تصديقاً لدعوى الإيمان ﴿الذين ملكت أيمانكم﴾ من العبيد والإماء البالغين، ومن قاربهم، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم ﴿والذين﴾ ظهروا على عورات النساء، ولكنهم ﴿لم يبلغوا الحلم﴾ وقيده بقوله: ﴿منكم﴾ ليخرج الأرقاء والكفار ﴿ثلاث مرّات﴾ في كل دور، ويمكن أن يراد: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم: المرة الأولى من الأوقات
стр. 6573
الثلاث ﴿من قبل صلاة الفجر﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ﴿و﴾ الثانية ﴿حين تضعون ثيابكم﴾ أي التي للخروج بين الناس ﴿من الظهيرة﴾ للقائلة ﴿و﴾ الثالثة ﴿من بعد صلاة العشاء﴾ لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة، والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ثلاث عورات﴾ أي اختلالات في التستر والتحفظ، وأصل العورة - كما قال البيضاوي: الخلل.
لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها ﴿لكم﴾ لأنها ساعات وضع الثياب والخلوة بالأهل، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفاً: ﴿ليس عليكم﴾ أي في ترك الأمر ﴿ولا عليهم﴾ يعني العبيد والخدم والصبيان، في ترك الاستئذان ﴿جناح﴾ أي إثم، وأصله الميل ﴿بعدهن﴾ أي في جميع ما سوى هذه الأوقات إذا هجموا عليكم؛ ثم علل الإباحة في غيرها،
стр. 6574
مخرجاً لغيرهم، مبيناً أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله: ﴿طوافون عليكم﴾ أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام ﴿بعضكم﴾ طواف ﴿على بعض﴾ لعمل ما يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج.
ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي في الأحكام، والكلام فيها يعيي أهل البيان، وكان السامع لما جبل عليه من النسيان، يذهل عن أن هذا هو الشأن، في جميع القرآن، قال مشيراً إلى عظم شأنها، في تفريقها وبيانها: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان ﴿يبين الله﴾ بما له من إحاطة العلم والقدرة ﴿لكم﴾ أيتها الأمة الخاصة ﴿الآيات﴾ في الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته ﴿والله﴾ الذي له الإحاطة العامة بكل شيء ﴿عليم﴾ بكل شيء ﴿حكيم*﴾ يتقن ما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره - أفاده ابن كثير، وحُكي مثله عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير.
стр. 6575
ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير، أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم﴾ أي من أحراركم ﴿الحلم﴾ أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم، هذا أصله، والمراد سن مطلق الإنزال ﴿فليستأذنوا﴾ على غيرهم في جميع الأوقات ﴿كما استأذن الذين من قبلهم﴾ على ما بين في أول الآيات القائلة ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾ ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغلام إذا كان رباعياً فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال.
ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن، وكان إخراج الكلام، في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب والبيان، في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها - لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن
стр. 6576
فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام ﴿يبين الله﴾ بما له من صفات الكمال ﴿لكم﴾ مع ما لكم من خلال النقص ﴿آياته﴾ أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه الأصليات، فأضافها إليه سبحانه تعظيماً لها، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات، لأن من لم يتفرغ من مكدرات الأفكار، لم يطر ذلك المطار، وحثاً على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم، وفصلت به من المواعظ، وتنبيهاً على ما فيها من العلوم النافعة ديناً ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عليم حكيم*﴾ روى الطبراني وغيره
«عن
أنس
رضي
الله
عنه
قال: لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي ﷺ فأخبرته أني قد احتلمت، فقال:» لا تدخل على النساء «، فما أتى عليّ يومٌ كان أشد منه» .
ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب، في تغيير حكم الحجاب، أتبعه الحكم عند إدبار الشباب، في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: ﴿والقواعد﴾ وحقق ألمر بقوله: ﴿من النساء﴾ جمع قاعد، وهي
стр. 6577
التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبراً وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها قال: ﴿اللاتي لا يرجون نكاحاً﴾ أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه ﴿فليس عليهن جناح﴾ أي شيء من الحرج في ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿من ثيابهن﴾ قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي متعمدات - بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة، أو غير متظاهرات بالزينة، قال في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وفي القاموس: تبرجت: أظهرت زينتها للرجال - انتهى. ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر؛ وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى - انتهى. وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفواً غير مقصود به الفساد لا حرج فيه.
ولما ذكر الجائز، وكان إبداء الوجه داعياً إلى الريبة، أشار إليه
стр. 6578
بقوله ذاكراً المستحب، بعثاً على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: ﴿وأن يستعففن﴾ أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار ﴿خير لهن﴾ من الإلقاء المذكور.
ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة على ذلك الوصف معلوماً أنه لا يخلو عن كلام، كان التقدير: فالله في وضع الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿سميع﴾ أي لكلامهن إذا خاطبن الرجال هل يخضعن فيه ويتصنعن في ترخيم الصوت به أو يلقينه على الحالة المعروفة غير المنكرة ﴿عليم*﴾ بما يقصدن به وبكل شيء.
стр. 6579
ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟ : ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام، وإن كره غيره أكله لمد يده كيفما اتفق فإنه مرحوم، والاستئذان من أجل
стр. 6580
البصر ﴿ولا على الأعرج﴾ الذي لايرجى ﴿حرج﴾ وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه ﴿ولا على المريض﴾ أي مرضاً يرجى بعرج أو غيره ﴿حرج﴾ كذلك لمرضه، وأخره لرجاء برئه ﴿ولا على أنفسكم﴾ أي ولا على غير من ذكر، وعبر بذلك تذكيراً بأن الكل من نفس واحدة ﴿أن تأكلوا من بيوتكم﴾ أي التي فيها عيالكم، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» «أنت ومالك لأبيك» ﴿أو بيوت آبائكم﴾ وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم ﴿أو بيوت أمهاتكم﴾ كذلك، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائماً والمال له ﴿أو بيوت إخوانكم﴾ من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين، لأنهم أشقاؤكم، وهم أولياء بيوتهم ﴿أو بيوت أخواتكم﴾ فإنهن بعدهم، من أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج ﴿أو بيوت أعمامكم﴾ فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم ﴿أو بيوت عماتكم﴾ فهن بعد الأعمام لضعفهن، ولأنه ربما
стр. 6581
كان أولياء بيوتهن الأزواج ﴿أو بيوت أخوالكم﴾ لأنهم شقائق أمهاتكم ﴿أو بيوت خالاتكم﴾ أخرهن لما ذكر ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة ﴿أو صديقكم﴾ الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب، ولذلك أطلقه، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار، وقد عدل الصديق هنا بالقريب، تنبيهاً على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها، وخفيف أمرها، وأفرده لعزته؛ وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني: وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل.
ولما ذكر معدن الأكل، ذكر حاله فقال: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في ﴿أن تأكلوا جميعاً﴾ أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة، لأن من كان معرضاً للآفات جدير بأن يرحم المبتلى، فلا يستقذره حذراً من انعكاس الحال.
стр. 6582
ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة، والاجتماع مع الضيوف، ترغيباً ظن به الوجوب، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج، خفف عنهم بقوله: ﴿أو أشتاتاً﴾ أي متفرقين لغير قصد الاستقذار، والترفع والإضرار، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده «أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نأكل ولا نشبع، قال:» فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه «» ولابن ماجه عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة» .
ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها، فقال مسبباً عما مضى من الإذن، معبراً بأداة التحقيق، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] : ﴿فإذا دخلتم﴾ أي بسبب ذلك أو غيره ﴿بيوتاً﴾ أي مأذوناً فيها، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا، مساجد أو غيرها ﴿فسلموا﴾ عقب الدخول ﴿على أنفسكم﴾
стр. 6583
أي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً، وعبر بذلك ترغيباً في السلام، والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز ﴿تحية﴾ مصدر من المعنى دون اللفظ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء ﴿من عند الله﴾ أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه ﴿مباركة﴾ أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم ﴿طيبة﴾ تلذذ السمع؛ ثم وصف البيان، تنبيهاً على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان، فقال مستأنفاً كما مر غير مرة: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان، العظيم الشأن ﴿يبين الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿لكم الآيات﴾ التي لا أكمل منها.
ولما كان الله تعالى، بعلمه وحكمته، وعزه وقدرته، ولطفه وخبرته، قد خلق عقلاً نيراً يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقسمه بين عباده، وخلق فيهم أنواعاً من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة، من الهوى والكسل، الفتور والملل، جعلها حجباً تحجبه عن النفوذ، وتستر عنه المدارك، وتمنعه من البلوغ، إلا برياضات
стр. 6584
ومجاهدات تكل عنها القوى، وتضعف عندها العزائم، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياساً صحيحاً، لغلطه في المقدمات، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة، واهية الأساس، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن، والمشاجرة والفتن، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعاً يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدوداً، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحاناً للعباد، تمييزاً لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن
стр. 6585
فيه تُذهب العقول، وتعمي البصائر، ختم الآية بقوله: ﴿لعلكم تعقلون*﴾ أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم، فلا تتولوا بعد قولكم
﴿سمعنا وأطعنا﴾ [المائدة: ٧] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون.
следующие страницы →