← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

كان أولياء بيوتهن الأزواج ﴿أو بيوت أخوالكم﴾ لأنهم شقائق أمهاتكم ﴿أو بيوت خالاتكم﴾ أخرهن لما ذكر ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة ﴿أو صديقكم﴾ الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب، ولذلك أطلقه، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار، وقد عدل الصديق هنا بالقريب، تنبيهاً على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها، وخفيف أمرها، وأفرده لعزته؛ وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني: وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل. ولما ذكر معدن الأكل، ذكر حاله فقال: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في ﴿أن تأكلوا جميعاً﴾ أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة، لأن من كان معرضاً للآفات جدير بأن يرحم المبتلى، فلا يستقذره حذراً من انعكاس الحال.

стр. 6582

ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة، والاجتماع مع الضيوف، ترغيباً ظن به الوجوب، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج، خفف عنهم بقوله: ﴿أو أشتاتاً﴾ أي متفرقين لغير قصد الاستقذار، والترفع والإضرار، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده «أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نأكل ولا نشبع، قال:» فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه «» ولابن ماجه عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة» . ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها، فقال مسبباً عما مضى من الإذن، معبراً بأداة التحقيق، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] : ﴿فإذا دخلتم﴾ أي بسبب ذلك أو غيره ﴿بيوتاً﴾ أي مأذوناً فيها، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا، مساجد أو غيرها ﴿فسلموا﴾ عقب الدخول ﴿على أنفسكم﴾

стр. 6583

أي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً، وعبر بذلك ترغيباً في السلام، والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز ﴿تحية﴾ مصدر من المعنى دون اللفظ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء ﴿من عند الله﴾ أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه ﴿مباركة﴾ أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم ﴿طيبة﴾ تلذذ السمع؛ ثم وصف البيان، تنبيهاً على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان، فقال مستأنفاً كما مر غير مرة: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان، العظيم الشأن ﴿يبين الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿لكم الآيات﴾ التي لا أكمل منها. ولما كان الله تعالى، بعلمه وحكمته، وعزه وقدرته، ولطفه وخبرته، قد خلق عقلاً نيراً يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقسمه بين عباده، وخلق فيهم أنواعاً من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة، من الهوى والكسل، الفتور والملل، جعلها حجباً تحجبه عن النفوذ، وتستر عنه المدارك، وتمنعه من البلوغ، إلا برياضات

стр. 6584

ومجاهدات تكل عنها القوى، وتضعف عندها العزائم، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياساً صحيحاً، لغلطه في المقدمات، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة، واهية الأساس، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن، والمشاجرة والفتن، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعاً يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدوداً، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحاناً للعباد، تمييزاً لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن

стр. 6585

فيه تُذهب العقول، وتعمي البصائر، ختم الآية بقوله: ﴿لعلكم تعقلون*﴾ أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم، فلا تتولوا بعد قولكم ﴿سمعنا وأطعنا﴾ [المائدة: ٧] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون.

стр. 6586

ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام، وتلاه بما رأيت أن تظمه أحسن نظام، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا البيان مسلوب العقل، وكرر في هذه السورة ذكر البيان، تكريراً أشار إلى لمعان المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان، وبين من حاز وصف الإيمان، بحسن الاستئذان، وكان أمر الرسول ﷺ أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله، محظوراً سلوكها مِن جرّاه، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن، قال معرفاً بذلك على طريق الحصر مقابلاً لسلب ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ [المائدة: ٤٣] مبيناً عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي ﷺ المقتضي للجمع من غير إذن: ﴿إنما المؤمنون﴾ أي الكاملون الذين لهم الفلاح

стр. 6587

﴿الذين آمنوا بالله﴾ أي الملك الأعلى ﴿ورسوله﴾ ظاهراً وباطناً. ولما كان الكلام في الراسخين، كان الموضع لأداة التحقيق فقال: ﴿وإذا﴾ أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا ﴿كانوا معه﴾ أي الرسول صلى الله ﵇ ﴿على أمر جامع﴾ أي لهم على الله، كالجهاد لأعداء الله، والتشاور في مهم، وصلاة الجمعة، ونحو ذلك ﴿لم يذهبوا﴾ عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ﴿حتى يستأذنوه﴾ فيأذن لهم، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له ﵊ دونهم، لا حظ لهم فيه، فلا يحل لهم أن يدخلوه حساً أو معنى إلا بإذنه، وهذا من عظيم النتبيه على عليّ أمره، وشريف قدره، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره، أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنه ﷺ ، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحاً له.

стр. 6588

ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان، فأفهم أن المستأذن مؤمن، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد، فقال تشديداً في الإخلال بالأدب بين يديه ﷺ ، وتأكيداً لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر، وبياناً لأن الاستئذان مصداق الإيمان: ﴿إن الذين يستأذنونك﴾ أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها ﴿أولئك﴾ العالو الرتبة خاصة ﴿الذين يؤمنون﴾ أي يوجدون الإيمان في كل وقت ﴿بالله﴾ الذي له الأمر كله فلا كفوء له ﴿ورسوله﴾ وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان. ولما قصرهم على الاستئذان، تسبب عن ذلك إعلامه ﷺ بما يفعل إذ ذاك فقال: ﴿فإذا استأذنوك﴾ أي هؤلاء الذين صحت دعواهم؛ وشدد عليهم تأكيداً لتعظيم الأدب معه ﷺ بقوله: ﴿لبعض شأنهم﴾ وهو ما تشتد الحاجة إليه ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ قيل: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام بحياله فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، وقيل: كذلك ينبغي أن يكون الناي مع أئمتهم ومقدميهم

стр. 6589

في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل. ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه، أفهمهم أن حال المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت، فقال: ﴿واستغفر لهم الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، أو يكون الكلام شاملاً لمن صحت دعواه وغيره؛ ثم علل ذلك ترغيباً في الاستغفار، وتطييباً لقلوب أهل الأوزار، بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه ﴿رحيم*﴾ أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه. ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها، من شرف الرسول ما بهر العقول، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم، والمنصب الأتم، وعلم منه أن له ﷺ في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره، صرح بذلك تفخيماً للشأن، وتعظيماً للمقام، ليتأدب من ناضل عن المنافق، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق، فقال منبهاً على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب ﴿لا تجعلوا﴾ أي ايها الذين آمنوا ﴿دعاء الرسول﴾ أي لكم الذي يوقعه ﴿بينكم﴾

стр. 6590

ولو على سبيل العموم، في وجوب الامتثال ﴿كدعاء بعضكم بعضاً﴾ فإن أمره عظيم، ومخالفته استحلالاً كفر، ولا تجعلوا أيضاً دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله بنحو: يا ايها النبي، ويا أيها الرسول، مع إظهار الأدب في هيئة القول الفعل بخفض الصوت والتواضع. ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة، ويبطن المخالفة، حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته، فقال معللاً مؤكداً محققاً معلماً بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان: ﴿قد يعلم الله﴾ أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسوله ﷺ ، فهو سبحانه يعلم ﴿الذين يتسللون﴾ وعين أهل التوبيخ بقوله: ﴿منكم﴾ أي يتكلفون سلَّ أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء ﴿لواذاً﴾ أي تسللاً مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض؛ يقال: لاذ بالشيء لوذاً ولواذاً وملاوذة: استتر وتحصن، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه، ولعله أدخل «قد» على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقاً، ويفتح لأهل الريب إلى الاحتمال طريقاً، فإنه يكفي في الخوف من النكال طروق الاحتمال؛ وسبب عن علمه قوله:

стр. 6591

﴿فليحذر﴾ أي يوقع الحذر ﴿الذين يخالفون﴾ أي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين ﴿عن أمره﴾ أي أمر رسول الله ﷺ ، إلى خلافه ﴿أن تصيبهم فتنة﴾ أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة التي كاونوا عليها ﴿أو يصيبهم عذاب أليم*﴾ في الآخرة، وهذا يدل على أن الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف، لترتيب العقاب على الإخلال به، لأن التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب. ولما أقام سبحانه الأدلة على أنه نور السماوات والأرض بأنه لا قيام لشيء إلا به سبحانه، وختم بالتحذير لكل مخالف، أنتج ذلك أن له كل شيء فقال: ﴿ألا إن لله﴾ اي الذي له جميع المجد جميع ﴿ما في السماوات﴾ ولثبوت أنه سبحانه محيط العلم والقدرة، لم يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال: ﴿والأرض﴾ أي من جوهر وعرض، وهما له أيضاً لأن الأرض في السماء، وكل سماء في التي فوقها حتى ينتهي ذلك إلى العرش الذي صرح في غير آية أنه صاحبه، وهو سماء أيضاً لعلوه عما دونه، فكل ما فيه له، وذلك أبلغ - لدلالته بطريق المجاز - مما لو صرح به، فدل ذلك - بعد الدلالة

стр. 6592

على وجوده - على وحدانيته، وكمال علمه وقدرته. ولما كانت أحوالهم من جملة ما له، كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ولا بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه، فلذلك قال محققاً مؤكداً مرهباً: ﴿قد يعلم ما أنتم﴾ أيها الناس كلكم ﴿عليه﴾ أي الآن، والمراد بالمضارع هنا وجود الوصف من غير نظر إلى زمان، ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به، والكلام في إدخال «قد» عليه كما مضى آنفاً باعتبار أولي النفوذ في البصر، وأهل الكلال والكدر ﴿ويوم﴾ أي ويعلم ما هم عليه يوم ﴿يرجعون﴾ أي بقهر قاهر لهم على ذلك، لا يقدرون له على دفاع، ولا نوع امتناع ﴿إليه﴾ وكان الأصل: ما أنتم عليه، ولكنه أعرض عنهم تهويلاً للأمر، أو يكون ذلك خاصاً بالمتولين المعرضين إشارة إلى أنهم يناقشون الحساب، ويكون سر الالتفاف التنبيه على الإعراض عن المكذب بالقيامة، والإقبال على المصدق، صوناً لنفيس الكلام، عن الجفاة الأغبياء اللئام ﴿فينبئهم﴾ أي فيتسبب عن ذلك أنه يخبرهم تخبيراً عظيماً ﴿بما عملوا﴾ فليعدوا لكل شيء منه جواباً ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿عليم*﴾ فلذلك أنزل الآيات

стр. 6593

البينات، وكان نور الأرض والسماوات، فقد رد الختام على المبدأ، والتحم الآخر بالأول والاثنا - والله الهادي.

стр. 6594

مقصودها إنذار عامة المكلفين بما له سبحانه من القدرة الشاملة، المستلزم للعلم التام، المدلول عليه بهذا القرآن المبين، المستلزم لأنه لا موجد على الحقيقة سواه، فهو الحق، وما سواه باطل؛ وتسميتها بالقرقان واضح الدلالة على ذلك، فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين الملتبسات، وتمييز الحق من الباطل)) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة () [الأنفال: ٤٢] فلا يكون لأحد على الله حجة) بسم الله (الذي له الحجة البالغة، لإحاطة عظمته، وشمول علمه وقدرته) الرحمن (الذي عم بنعمه الفرقان، أهلَ الإيمان والكفران) الرحيم (الذي خص من شاء من عباده بملابس الرضوان. لما ختم سبحانه تلك بسعة الملك، وشمول العلم، وتعظيم الرسول،

стр. 6595

والتهديد لمن تجاوز الحد، افتتح هذه بمثل ذلك على وجه - مع كونه أضخم منه - هو برهان عليه فقال

стр. 6596

﴿تبارك﴾ أي ثبت ثبوتاً مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب، والتعالي في الصفات والأفعال، فلا ثبوت يدانيه، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتمام قدرته، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه، وهذا الفعل مطاوع «بارك» وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال: ﴿الذي﴾ . ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع، وتفريقه في أوقات متراسلة أصدع للقلوب وأردع، وكان إيضاح المشكلات، في الفرق بين الملتبسات، أعون بما يكون علة، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال: ﴿نزل الفرقان﴾ أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتاباً، ثم نزل مفرقاً بحسب المصالح، فسمي لذلك فرقاناً، ولأنه الفارق بين ملتبس، فلا يدع خفاء إلا بينه، ولاحقاً إلا أثبته، ولا باطلاً إلا نفاه ومحقه، فيه انتظام الحياة الأولى

стр. 6597

والأخرى، فكان قاطعاً على علم منزله، ومن علمه الباهر إنزاله ﴿على عبده﴾ أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف، لأنه خالص له، لا شائبة لغيره فيه أصلاً، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم، وارتفاع الهمم، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه، وكثرة جنده، واتساع ملكه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثم علل إنزاله عليه بقوله: ﴿ليكون﴾ أي العبد أو الفرقان. ولما كان العالم ما سوى الله، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض، لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما أفاده المفرد بزيادة، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي، مع التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد، واختار جمع العقلاء تغليباً، إعلاماً بأنهم المقصودون بالذات فقال: ﴿للعالمين﴾ أي المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة. ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغاً في معناه، عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال: ﴿نذيراً*﴾ أي وبشيراً، وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ ﴿تبارك﴾ ولأن المقام لها، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام،

стр. 6598

ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة، ولا التفات إلى من قال: إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنه ﷺ لم يرسل الملائكة، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره: لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة، وفي أكثر النسخ: بينا - بدل: أجمعنا، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر، لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه، ولم يرد مانع منه، وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ، وعبر بعبارته، فصارا واحداً، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] بياناً شافياً لا ارتياب معه، بل ولو قيل: إن الآية على ظاهرها، لا خصوص فيها بالعقلاء، وتكليف كل شيء بحسبه، لكان وجهاً، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله: «وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء» وكذلك المحب الطبري في آخر «القرى لقاصدي أم القرى» وذلك لأنه ﷺ ما دعا جامداً

стр. 6599

ولا متحركاً غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها﴾ [الأحزاب: ٧٢] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل النبوة، بل ولا دعا طفلاً رضيعاً إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى - إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفه ﷺ من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفة - والله الهادي. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تضمنت سورة

стр. 6600

النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنى، ورمي الزوجات به، والقذف، والاستئذان، والحجاب، وإسعاف الفقير، والكتابة، وغير ذلك، والكشف عن مغيبات، من تغاير حالات، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب، كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك، وبيان سوء حالهم، واضمحلال محالهم، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾ [المائدة: ٩] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً﴾ [النور: ٦٣] إلى آخر الآية، فكان مجموع هذا فرقاناً يعتضد به الإيمان، ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله ﷺ بصحة رسالته، ويوضح مضمن قوله ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم﴾ [النور: ٦٣] من عظيم قدره ﷺ وعليّ جلالته، أتبعه سبحانه بقوله ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١] وهو القرآن الفارق بين الحق والباطل، والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر ﴿ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١] فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم؛ ثم تناسج الكلام،

стр. 6601

والتحم جليل المعهود من ذلك النظام، وتضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام﴾ [الفرقان: ٧] الآيات، وقولهم ﴿لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾ [الفرقان: ٢١] وقولهم ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] وقولهم ﴿وما الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠] إلى ما عضد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد، وأشد التهديد، وهو قوله سبحانه ﴿فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً﴾ [الفرقان: ٧٧] انتهى. ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد، فقال: ﴿الذي له﴾ أي وحده ﴿ملك السماوات والأرض﴾ فلا إنكار لأن يرسل رسولاً إلى كل من فيهما ﴿ولم يتخذ ولداً﴾ ليتكبر على رسوله ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها، فيكون بعض الخلق خارجاً عن رسالته، أو مراعياً لأمر غير أمره. ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جماداً

стр. 6602

ولا أعلى من الحيوان، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيواناً ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالاً على أنه مخلوق مربوب، قال تعالى: ﴿وخلق﴾ أي أحدث إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية ﴿كل شيء﴾ أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره. ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك، قال شارحاً ومحققاً لمعنى «خلق» : ﴿فقدره﴾ في إيجاده من غير تفاوت ﴿تقديراً*﴾ أي لا يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه. ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة، فقال مضمراً للفاعل إشارة إل استهجان نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخاً لهم وإرشاداً إلى المبادرة من كل سامع إلى نفيه عنه فقال: ﴿واتخذوا﴾ أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا. ولما كان علوه لا يحد، فكانت الرتب السافلة لا تحصى، نبه على ذلك بالجار فقال: ﴿من دونه﴾ أي بعد ما قام من الدليل

стр. 6603

على أنه الإله وحده من الحيثيات التي تقدمت ﴿آلهة﴾ المتحدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى: ﴿لا يخلقون شيئاً﴾ أي لا أعجز منهم، لا يكون منهم إيجاد شيء، فيهم دون من عبدهم. ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال: ﴿وهم يخلقون﴾ أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه، ومن ذلك أن عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير. ولما قرر أنه أنعم على كل شيء، وكانت النعم أكثر وجوداً، وكان أدنى نعمة على الشيء خلقه سبحانه له، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا بالإعدام، فقال معبراً بأداة العقلاء تهكماً بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك المقام، أو تغليباً لأنهم عبدوا الملائكة وعزيراً والمسيح ﵈: ﴿ولا يملكون﴾ أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا ﴿لأنفسهم ضراً﴾ ولذلك قدمه، ونكره ليعم. فلما ثبت بذلك أنهم خلقه، ولكن كان ربما قال متعنت: إنهم يملكون ذلك ولكنهم يتركونه عمداً، لأن أحداً لا يريد ضر نفسه، قال: ﴿ولا نفعاً﴾ أي ولو بالبقاء على حالة واحدة، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على وجه الكسب، فهم أعلى

стр. 6604

منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء. ولما كان الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن، أعاد العامل فقال: ﴿ولا يملكون﴾ وقدم الموت لأن الحياة أكثر، فقال مبتدئاً بما هو من باب الضر على نسق ما قبله: ﴿موتاً﴾ أي لأنفسهم ولا لغيرهم ﴿ولا حياة﴾ أي من العدم ﴿ولا نشوراً*﴾ أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت، وعطفها بالواو وإن كان بعضها مسبباً عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية عنهم بما ثبت من العجز.

стр. 6605

ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون، فاتضح بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك، وهو هذا القرآن، وأنه وحده الفرقان، عجب من حال المكذبين به فقال موضع ﴿وقالوا﴾ : ﴿وقال الذين كفروا﴾ مظهراً الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هذا﴾ أي القرآن ﴿إلا إفك﴾ أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب ﴿افتراه﴾ أي

стр. 6606

تعمد كذبه هذا النذير، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل. ولما كان الإنسان مطبوعاً على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره، كان أعجب من ذلك وأظهر عواراً قولهم: ﴿وأعانه﴾ أي محمداً ﴿عليه﴾ أي القرآن ﴿قوم﴾ أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم؛ وزادوا بعداً بقولهم: ﴿آخرون﴾ أي من غير قومه؛ فقيل: أرادوا اليهود، وقيل: غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فقد جاءو﴾ أي الكفار في ذلك ﴿ظلماً﴾ بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ولا أعدل ﴿وزوراً*﴾ أي ميلاً مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة، وأقومهم طريقة، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس، فإنها - مع كنها دنيئة في نفسها - مضمونة الفضيحة؛ قال ابن جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام. ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً: ﴿وقالوا﴾

стр. 6607

أي الكفار ﴿أساطير﴾ جمع إسطارة وأسطورة ﴿الأولين﴾ من نحو أحاديث رستم وإسفنديار، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء ﴿اكتتبها﴾ أي تطلب كتابتها له ﴿فهي﴾ أي فتسبب عن تكلفه أنها ﴿تملى﴾ أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً ﴿عليه﴾ من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ ﴿بكرة﴾ قبل أن ينتشر الناس ﴿وأصيلاً*﴾ أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً، فكيف والبلد صغير، والرجل عظيم شهير، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله، وفيهم الكتاب والشعراء

стр. 6608

والبلغاء والخطباء، وهو أكثر منه مالاً، وأعظم أعواناً، فلا يقدرون. ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء، وكانت مع كونها ظاهرة العوار، عند من له أدنى استبصار، تروج على بعض العرب بعض الرواج، مع سعة عقولهم، وصحة أفكارهم، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد، وشدة الالف لما هم عليه من الزمن المديد، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفاً فقال: ﴿قل﴾ أي دالاً على بطلان ما قالوه مهدداً لهم: ﴿أنزله﴾ أي القرآن من خزائن علمه خلافاً لجميع ما تقولتموه ﴿الذي يعلم السر﴾ أي كله، لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر! ﴿في السماوات والأرض﴾ فهو يجيبكم عن كل ما تقولتموه فيّ وفي كتابه وإن أسررتموه، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظاً ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات، ولا يحيط بجميع المعلومات سواه، وهذا ظاهر جداً من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من الماضين، وحكمه على الآتي بما يكون ضربة لازم، وإظهاره الخبء وإحكامه لجميع ما يقوله، وقد جرت عادته بالانتقام ممن كذب عليه بإظهار كذبه أولاً، ثم بأخذه ثانياً، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثاً، فستنظرون من يفعل به ذلك، وقد بان لعمري صدقه لما

стр. 6609

وقع من الأمور الثلاثة. ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في سورة طه، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادراً عليه عاجله بالأخذ، أجيب من كأنه قال: فما له لا يهلك المكذبين له؟ بقوله مرغباً لهم في التوبة، مشيراً إلى قدرته بالستر والإنعام، ومبيناً لفائدة إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع المعاصي: ﴿إنه كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ أي بليغ الستر لما يريد من ذنوب عباده، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها ﴿رحيماً*﴾ بهم في الإنعام عليهم بعد خلقهم، برزقهم وتركيب العقول فيهم، ونصب الأدلة لهم، وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم، وأمهالهم في تكذيبهم، أي فليس لإمهالهم ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح لأحوالهم في الدارين. ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل، وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة، وأقام تعالى ذلك الدليل على كذبهم، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به، فقال معجباً عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكاراً، وأعلاها

стр. 6610

آثاراً، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره، فضلاً عن أن يكون دليلاً: ﴿وقالوا﴾ أي مستفهمين تهكماً بوصفه، قادحين فيه بفعله، قول من هو على ثقة من أن وصف الرسالة ينافيه: ﴿مال هذا﴾ والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم: ﴿الرسول﴾ أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي ﴿يأكل الطعام﴾ أي مثل ما نأكل ﴿ويمشي في الأسواق﴾ أي التي هي مطالب الدنيا، كما نمشي. ولما كانت ترجمة ما مضى: ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة؟ أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل جواباً لمن كأنه قال: فماذا يفعل؟ بقولهم: ﴿لولا﴾ أي هلا، وهي تأتي للتوبيخ، وهو مرادهم ﴿أنزل﴾ أي من السماء، من أيّ منزل كان، منتهياً ﴿إليه﴾ أي على الهيئة التي هو عليها في السماء ﴿ملك﴾ أي من الملائكة الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين ﴿فيكون﴾ بالنصب جواباً للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنساناً ﴿معه نذيراً*﴾ فيكون ممتازاً بحال

стр. 6611

ليس لواحد منا، ليكون أهيب في النذارة، لما له من الهيبة والقوة، وكأنهم عبروا بالماضي إعلاماً بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبركم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسراً بحيث لا ينظره غيره، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة، وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره، بخلاف الكنز فإنه للنفقة، فإن لم يتعهد كل وقت نفد، وهذا سر التعبير ب «إلى» دون «على» التي هي للتغشي بالوحي، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو تلك الدرجة: ﴿أو يلقى﴾ أي من أي ملق كان. ولما كان الإلقاء دالاًّ على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم التعبير بها في هود ﵇ من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا: ﴿إليه﴾ أي إن لم تكن له تلك الحالة ﴿كنز﴾ أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه، وأيضاً التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على الدنيا وأنها أكبر همهم. ثم تنزلوا

стр. 6612

أيضاً في قولهم: ﴿أو تكون له﴾ أي إن لم تكن له شيء مما مضى ﴿جنة﴾ أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا ﴿يأكل منها﴾ فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش، ويكون غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه، وأحث لعكوف الأتباع عليه، وأنجع فيما يريده - هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون المعنى: أنا إذا أمكنا منها، كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه، وما قالوه كله فاسد إذ لم يدّع هو ﷺ ولا أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر، ولا أن وصفاً من أوصاف البشر الذاتية ينافي النبوة والرساله، وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في الأغلب عن السفر إلى دار الكرامة، وموطن السلامة، وحامل على التجبر، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحاً أو تلويحاً إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني، وقد شرف الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 6613

عن ذلك بما له من صفات الكمال، والأخلاق العوال. ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه، بعيدين عن وجه الصواب، قال معجباً من أمرهم: ﴿وقال الظالمون﴾ فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك: ﴿إن﴾ أي ما ﴿تتبعون﴾ إن اتبعتم ﴿إلا رجلاً مسحوراً*﴾ أي يتكلم بما لا يجديه، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحراً صار السحر له طبعاً، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره.

стр. 6614

ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم، التفت سبحانه إلى رسوله ﷺ مسلياً له فقال: ﴿انظر﴾ ثم أشار إلى التعجب منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله: ﴿كيف ضربوا﴾ وقدم ما به العناية فقال: ﴿لك الأمثال﴾ فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء، وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلىلأرباح والفوائد، بلطيف الحيلة وغريز العقل، وتارة

стр. 6615

مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل، وتارة ساحراً تأتي بما يعجز عنه قواهم، وتحير فيه أفكارهم ﴿فضلوا﴾ أي عن جميع طرق العدل، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولاً يستقرون عليه وأبعدوا جداً ﴿فلا يستطيعون﴾ في الحال ولا في المآل، بسبب هذا الضلال ﴿سبيلاً*﴾ أي سلوك سبيل من السبل الموصلة غلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة، وفيافي مهلكة. ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة، وأنهم لا يمن لهم ولا بركة، لا على أنفسهم ولا غيرهم، أثيت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال: ﴿تبارك﴾ أي ثبت ثباتاً مقترناً باليمن والبركة، لا ثبات إلا هو ﴿الذي إن شاء﴾ فإنه لا مكره له ﴿جعل لك خيراً من ذلك﴾ أي الذي قالوه على سبيل التهكم؛ ثم أبدل منه قوله: ﴿جنات﴾ فضلاً عن جنة واحدة ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي تكون أرضها عيوناً نابعة، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال رياً تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي. ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل

стр. 6616

كالجنة التي هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذاناً بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال: ﴿ويجعل لك قصوراً*﴾ أي بيوتاً مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم، قال البغوي: والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، حتى اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن المبارك، والترمذي - وقال: حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربي أن يجعل لي

стр. 6617

بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل ﵊ فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً قال: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئاً ويقول:» آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد «» وسيأتي في سورة سبأ عند ﴿وأرسلنا له عين القطر﴾ [سبأ: ١٢] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه ﷺ من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئاً ممكناً على سبيل الفرض كان من إرادتهم

стр. 6618

إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم، والممكن في كلامهم كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس فهماً، وأغزرهم علماً، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف المزني ﵁ «أن النبي ﷺ لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعاً، وكان سلمان الفارسي ﵁ رجلاً قوياً، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي ﷺ :» سلمان منا أهل البيت «فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو: فكسرت حديدنا. وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة، فأخبر فأخذ ﷺ المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعاً، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر رسول الله ﷺ مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ

стр. 6619

بيد سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم! يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، لانرى شيئاً غير ذلك، فقال: أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، جبريل ﵊ أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً﴾ [الأحزاب: ٢٢] » وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله ﷺ ، فافتتح أصحابه ﵃ جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان ﷺ تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل غائبه أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى ﷺ تميم بن أوس الداري بلد الخليل ﵊ من أرض الشام من مملكة الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له: شويل - كرامة بنت عبد المسيح

стр. 6620

ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة، نزه الله تعالى نبيه ﷺ عنه وفتحه على أصحابه، تشريفاً لهم بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاماً عليهم به تصديقاً لوعده، وإكراماً لنبيه ﷺ بنصر أوليائه وتكثير أمته، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين ﴿ما لهذا الرسول﴾ [الفرقان: ٧] إلى آخره، وقد كان قادراً على أن يقويه بجميع ذلك قبل موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ولا ملوك معينة قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، بيد أصحابه من بعده وأحبابه. ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له، تسلية له ﷺ في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه أيضاً بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلاً: ﴿بل﴾ أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذباً وافتراء للقرآن، أو نقصاناً لأكلك الطعام ومشيك
следующие страницы →