← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

كالجنة التي هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذاناً بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال: ﴿ويجعل لك قصوراً*﴾ أي بيوتاً مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم، قال البغوي: والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، حتى اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن المبارك، والترمذي - وقال: حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربي أن يجعل لي

стр. 6617

بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل ﵊ فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً قال: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئاً ويقول:» آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد «» وسيأتي في سورة سبأ عند ﴿وأرسلنا له عين القطر﴾ [سبأ: ١٢] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه ﷺ من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئاً ممكناً على سبيل الفرض كان من إرادتهم

стр. 6618

إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم، والممكن في كلامهم كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس فهماً، وأغزرهم علماً، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف المزني ﵁ «أن النبي ﷺ لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعاً، وكان سلمان الفارسي ﵁ رجلاً قوياً، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي ﷺ :» سلمان منا أهل البيت «فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو: فكسرت حديدنا. وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة، فأخبر فأخذ ﷺ المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعاً، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر رسول الله ﷺ مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ

стр. 6619

بيد سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم! يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، لانرى شيئاً غير ذلك، فقال: أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، جبريل ﵊ أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً﴾ [الأحزاب: ٢٢] » وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله ﷺ ، فافتتح أصحابه ﵃ جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان ﷺ تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل غائبه أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى ﷺ تميم بن أوس الداري بلد الخليل ﵊ من أرض الشام من مملكة الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له: شويل - كرامة بنت عبد المسيح

стр. 6620

ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة، نزه الله تعالى نبيه ﷺ عنه وفتحه على أصحابه، تشريفاً لهم بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاماً عليهم به تصديقاً لوعده، وإكراماً لنبيه ﷺ بنصر أوليائه وتكثير أمته، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين ﴿ما لهذا الرسول﴾ [الفرقان: ٧] إلى آخره، وقد كان قادراً على أن يقويه بجميع ذلك قبل موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ولا ملوك معينة قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، بيد أصحابه من بعده وأحبابه. ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له، تسلية له ﷺ في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه أيضاً بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلاً: ﴿بل﴾ أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذباً وافتراء للقرآن، أو نقصاناً لأكلك الطعام ومشيك

стр. 6621

في الأسواق، أو في شيء من أحوالك، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل، أو المعنى: دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل ﴿كذبوا بالساعة﴾ أي بقدرتنا عليها، واستقر ذلك في أنفسهم دهوراً طويلة، وأخذوه خلفاً عن سلف، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب ﴿وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾ [آل عمران: ٢٤] ﴿وأعتدنا﴾ أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة ﴿لمن كذب﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿بالساعة سعيراً*﴾ أي ناراً شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ﵃ ﴿إذا رأتهم﴾ أي إذا كانت بحيث يمكن أن يروها وتراهم لو كانت مبصرة ﴿من مكان بعيد﴾ وهو أقصى ما يمكن رؤيتها منه وهم يساقون إليها ﴿سمعوا لها﴾ أي خاصة ﴿تغيظاً﴾ أي صوتاً في غليانها

стр. 6622

وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب ﴿وزفيراً*﴾ أي صوتاً يدل على تناهي الغضب، وأصله صوت يسمع من الجوف. ولما وصف ملاقاتها لهم، وصف إلقاءهم فيها قال: ﴿وإذا ألقوا﴾ أي طرحوا طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين ﴿منها﴾ أي النار ﴿مكاناً﴾ ووصفه بقوله: ﴿ضيقاً﴾ زيادة في فظاعتها ﴿مقرنين﴾ بأيسر أمر، أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل، أو حبال المسد، أو مع من أغواهم من الشياطين، والتقرين: جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل ﴿دعوا هنالك﴾ أي في ذلك الموضع البغيض البعيد عن الرفق ﴿ثبوراً*﴾ أي هلاكاً عظيماً فيقولون: يا ثبوراه! لأنه لا منادم لهم غيره، وليس بحضرة أحد منهم سواه؛ قال ابن جرير: وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ: دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى الكفر، فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفاً وتندماً، فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله تعالى: ﴿لا تدعوا اليوم﴾ أيها الكفار ﴿ثبوراً واحداً﴾ لأنكم

стр. 6623

لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك ﴿وادعوا ثبوراً كثيراً*﴾ لا يحصره الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلاً ولكنه لا موت.

стр. 6624

ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى الحال سؤالهم: هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيهاً على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكماً بهم، فقال تعالى: ﴿قل أذلك﴾ أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة. ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيهاً على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على طريق التنزل وإرخاء العنان، تنبيهاً للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق احتمال لكون ما هو عليه مفضولاً قال: ﴿خير أم جنة الخلد﴾ أي الإقامة الدائمة ﴿التي وعد المتقون﴾ أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ممن وعده هو الوعد، للذين

стр. 6625

خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيداً للبشارة بقوله: ﴿كانت﴾ أي تكونت ووجدت بإيجاده سبحانه ﴿لهم جزاء﴾ على تصديقهم وأعمالهم ﴿ومصيراً*﴾ أي مستقراً ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات. ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ذكر، تنعمهم فيها فقال: ﴿لهم فيها﴾ أي الجنة خاصة لا في غيرها ﴿ما يشاؤون﴾ من كل ما تشتهيه أنفسهم ﴿خالدين﴾ لا يبغون عنه حولاً ﴿كان﴾ أي ذلك كله ﴿على ربك﴾ أي المحسن إليك بالإحسان إلى أتباعك ﴿وعداً﴾ . ولما أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير ب «على» والوعد، وكان الإنسان لا سيما مجبولاً على عزة النفس، لا يكاد يسمح بأن يسأل فيما لا يحقق حصوله، قال: ﴿مسئولاً*﴾ أي حقيقاً بأن يسأل إنجازه، لأن سائله خليق بأن يجاب سؤاله، وتحقق ظنونه وآماله، فالمعنى أنه إذا انضاف إلى تحتيمه الشيء على نفسه

стр. 6626

سؤال الموعود به إياه، أنجز لا محالة، وهو من وادي ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦] وفيه حث عظيم على الدعاء، وترجية كبيرة للإجابة، كما وعد بذلك سبحانه في ﴿أجيب دعوة الداع﴾ [البقرة: ١٨٦] و ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى المنذري: بأسانيد جيدة - والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: أما أن يجعل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر» وللحاكم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي! إني أمرتك أن تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم! يا رب فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك؟ أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً؟ قال: نعم! يا رب فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها

стр. 6627

لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ فيقول: نعم! يارب! فيقول أني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه» ولابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد» وللترمذي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» وللبخاري ومسلم

стр. 6628

وأبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» وفي رواية لمسلم والترمذي: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» قال المنذري: يستحسر أي يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى. وقد فهم من الآية ومن الحديث في استثناء الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من سؤاله موعود بإجابته ونواله، فليدع الإنسان به موقناً بالإجابة. ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة: ﴿ويوم﴾ أي قل لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم ﴿يحشرهم﴾ أي المشركين، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية

стр. 6629

فيكون الضمير للرب ﴿وما يعبدون﴾ أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، وذكرها بلفظ «ما» إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال، مع أن «ما» موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء، وعبر سبحانه بقوله: ﴿فيقول﴾ بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في «نحشر» في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة، تحقيقاً للمراد وتصريحاً به، وإعلاماً بأن المراد بالنون العظمة لا جمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحداً الأسلوب: ﴿أنتم﴾ أي أيها المعبودات! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالاً عن المضل، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه ﴿أضللتم﴾ بالقهر والخداع والمكر ﴿عبادي هؤلاء﴾ حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى ﴿ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ [سبأ: ٤٠] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين» ﴿أم﴾ . ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله: ﴿هم﴾ أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم

стр. 6630

من قويم العقل وسديد النظر ﴿ضلوا﴾ وأوصل الفعل بدون «عن» كما في هداة الطريق بدون «إلى» لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال: ﴿السبيل*﴾ أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة، البراهين الساطعة ﴿قالوا﴾ أي المعبودات الحي منهم والجماد، المطيع والعاصي: ﴿سبحانك﴾ أي تنزهت عن أن ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من الأفعال. ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه، عبروا عنه بقولهم: ﴿ما كان ينبغي﴾ أي يصح ويتصور ﴿لنا أن نتخذ﴾ أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا من غير إرادة منك ﴿من دونك﴾ وكل ما سواك فهو دونك ﴿من أولياء﴾ أي ينفعوننا، فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا، فكيف نترك من بيده كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني الولاية، فلو تكلفنا جعله قريباً لم يكن كذلك، وهذه عبارة صالحة سواء كانت من الصالحين ممن عبد من الأنبياء والملائكة أو غيرهم،

стр. 6631

فإن كانت من الصالحين فمعناها: ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت أعلم، كما قال تعالى ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس﴾ [آل عمران: ٧٩] الآية؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى: ما كنا في حيز من يقدر على شيء من ذلك، ولكن فعلوه بطراً؛ وإن كانت من مثل فرعون فالمعنى: ما كان لنا هذا، ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد دعائنا لهم كما يقول إبليس - فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم فاستجابوا، وذلك لعدم نظرهم في حقائق الأمور، فألقى الكل إلى الله يومئذ السلم، فثبت أنهم ليسوا في تلك الرتبة التي أنزلوهم إياها، وفائدة السؤال مع شمول علمه تعالى تبكيت المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم، وتغبيط المؤمنين إذا سمعوا هذا الجواب، هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة البالغة، وقراءة ابي جعفر بالبناء للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة المعنى، أي يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره. ولما كان المعنى: إنا ما أضللناهم، أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم فواضح، وأما من غيرهم فإن المضل في الحقيقة هو الله، وفي الظاهر بطرهم النعمة، واتباعهم الشهوات التي قصرت بهم عن إمعان النظر، وأوقفتهم مع الظواهر، حسن الاستدراك بقوله: ﴿ولكن﴾ أي

стр. 6632

ما أضللناهم نحن، وإنما هم ضلوا بإرادتك لأنك أنت ﴿متعتهم وآباءهم﴾ في الحياة الدنيا بما تستدرجهم به من لطائف المنن، وأطلت أعمارهم في ذلك ﴿حتى نسوا الذكر﴾ الذي لا ينبغي أن يطلق الذكر على غيره، وهو الإيمان بكل ما أرسلت به سبحانك رسلك برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه بما وهبته من غريزة العقل من أنه لايصح بوجه أن يكون الإله إلا واحداً، ما بين العاقل وبين ذكر ذلك إلا يسير تأمل، مع البراءة من شوائب الحظوظ والحاصل أنك سببت لهم أسباباً لم يقدروا على الهداية معها، فأنت الملك الفعال لما تريد، لا فعل لأحد سواك ﴿وكانوا﴾ في علمك بما قضيت عليهم في الأزل ﴿قوماً بوراً*﴾ هلكى.

стр. 6633

ولما كان هذا أمراً واقعاً لا محالة، التفت إليهم مبكتاً فقال معبراً بالماضي بعد «قد» المقربة المحققة: ﴿فقد كذبوكم﴾ أي المعبودون كذبوا العابدين بسبب إلقائهم السلم المقتضي لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم يشفعون لكم مقهورين مربوبين ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿تقولون﴾ أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم، وأنهم أضلوكم، وفي قراءة ابن كثير بالتحتانية المعنى: بما يقول المعبودون من التسبيح لله والإذعان، في ادعائكم أنهم أضلوكم.

стр. 6634

ولما تسبب عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر، قال: ﴿فما تستطيعون﴾ أي المعبودون ﴿صرفاً﴾ أي لشيء من الأشياء عن أحد من الناس، لا أنتم ولا غيركم، من عذاب ولا غيره، بوجه حيلة ولا شفاعة ولا مفاداة ﴿ولا نصراً﴾ بمغالبة، وهو نحو قوله تعالى ﴿فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً﴾ [الإسراء: ٥٦] . ولما كان التقدير: فمن يعدل منكم لسماع هذا الوعظ بوضع العبادة في موضعها نثبه ثواباً جليلاً، عطف عليه ما المقام له فقال: ﴿ومن يظلم منكم﴾ بوضعها في غير موضعها، وباعتقاده في الرسل ما لا ينبغي من أنه لا ينبغي لهم أن يكونوا مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك ﴿نذقه﴾ في الدنيا والآخرة، بما لنا من العظمة ﴿عذاباً كبيراً*﴾ . ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله ﷺ وذكر ما جزاهم عليه. وما أعد لهم وله ولأتباعه، ونفى ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب الظالم، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم ﴿ما لهذا الرسول﴾ ونحوه، فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم البشري، وأتبعه سره فقال زيادة في

стр. 6635

التسلية والتعزية والتأسية: ﴿وما أرسلنا﴾ بما لنا من العظمة. ولما كان المراد العموم، أعراه من الجار فقال: ﴿قبلك﴾ أي يا محمد أحداً ﴿من المرسلين إلا﴾ وحالهم ﴿إنهم ليأكلون الطعام﴾ ما نأكل ويأكل غيرك من الآدميين ﴿ويمشون في الأسواق﴾ كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش كحال سائر الآدميين، وهو يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله تعالى فإنهم لا يكذبونه ﵊، ولا يعتقدون فيه نقصاً، وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك، وإقامة للحجة على عنادهم، وأنهم إنما يقولونه وأمثاله لمما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم ﴿وجعلنا﴾ أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة ﴿بعضكم لبعض فتنة﴾ بأن جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكاً وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيراً وحرمناه الدنيا، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة، فلأجل ذلك لم أعط

стр. 6636

رسولي الدنيا، وجعلته ممن يختار العبوديه والكفاف بطلب المعاش في الأسواق، لأبتليكم في الطاعة له خالصة، فإني لو أعطيته الدنيا، وجعلته ممن يختار الملك، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعاً في الدنيا، وهذا معنى ﴿أتصبرون﴾ فإنه علة ما قبله، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا؟ كما كنا نعلمه علم الغيب، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم، وفيها مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافاً للتهديد. ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصاً في العلم، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم، وخلاصتهم وزينهم: محمد ﷺ ، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه، وكان امتحانهم بجعله نبياً عبداً مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه ﷺ ، فقال صارفاً وجه الخطاب إليه: ﴿وكان ربك﴾ أي المحسن إليك إحساناً لم يحسنه إلى أحد سواك، لا سيما بجعلك نبياً عبداً ﴿بصيراً*﴾

стр. 6637

بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان، لم يفده ذلك علماً لم يكن، وهو سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك، فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير، وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] . ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائناً من كان، لا سيما إذا كان بهذه الصفة، لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى: ﴿وقال﴾ وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال: ﴿الذين لا يرجون﴾ أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا ﴿لقاءنا﴾ فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ومن أعرض عنها

стр. 6638

كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، والانهماك في الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا. ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال: ﴿أنزل﴾ أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان ﴿علينا الملائكة﴾ أي كما أنزلت عليه فيما يزعم ﴿أو نرى ربنا﴾ بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة. ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه، لأن فيه اعتراضاً على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل: ما حالهم في هذا؟ ﴿لقد﴾ أي وعزتنا لقد ﴿استكبروا﴾ أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال: ﴿في أنفسهم﴾ أي بطلب رؤية الملائكة.

стр. 6639

ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، قال: ﴿وعتو﴾ أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله: ﴿عتواً كبيراً*﴾ وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه ﷺ عن الله في كل ما يقوله، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى: ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم! ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال: ﴿يوم﴾ وناصبه ما دل عليه «لا بشرى» ﴿يرون الملائكة﴾ أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار ﴿لا بشرى﴾ أي من البشر أصلاً ﴿يومئذ للمجرمين﴾ أي لأحد ممن قطع ما أمر الله

стр. 6640

به أن يوصل، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار ﴿ويقولون﴾ أي في ذلك الوقت: ﴿حجراً محجوراً*﴾ أي نطلب منعاً منكم ممنوعاً، أي مبالغاً في مانعيته، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم؛ قال أبو عبيدة: وهذا عوذة العرب، يقوله من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه: يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمراً، فكأنه قال: أحرم ذلك حراماً محرماً، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجراً أي ستراً وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل. وعبر بالمضارع إشارة إلى دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم لعظيم روعتهم منهم، بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة.

стр. 6641

ولما كان المريد لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: ﴿وقدمنا﴾ أي بما لنا من العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة ﴿إلى ما عملوا من عمل﴾ أي من مكارم الأخلاق

стр. 6642

من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره ﴿فجعلناه﴾ لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان - باطلاً لا نفع فيه، وهو معنى ﴿هباء﴾ وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلاً. ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظماً، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبلغاً في وصف أعمالهم: ﴿منثوراً*﴾ وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر. ولما علم من هذا أن التقدير: فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال: ﴿أصحاب الجنة يومئذ﴾ أي يوم إذ يرون الملائكة ﴿خير مستقراً﴾ أي مكاناً يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن منزل أولئك لا يمكن الاستقرار فيه

стр. 6643

﴿وأحسن مقيلاً*﴾ أي مكاناً يمكن فيه الاستراحة في مثل وقت القيلولة للاسترواح بأزوجهم، والتمتع بما يكون في الخلوات، روي أن وقت الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب. وعبر بأفعل التفضيل تهكماً بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام عاماً لأحوال الدنيا والآخرة، وهو قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالاً من المؤمنين، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه. ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من مصير حالهم وحال أخصامهم إلى ما ذكر، بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما نعهده، فقال عاطفاً على ﴿يوم يرون﴾ : ﴿ويوم تشقق﴾ أي تشققاً عظيماً وإن كان فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه ﴿السماء بالغمام﴾ أي كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة بقوله: ﴿ونزل﴾ أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه، بأمر من لا أمر لغيره ﴿الملائكة﴾ الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد

стр. 6644

﴿تنزيلاً*﴾ في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ﵄: تشقق السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الدنيا من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض جناً وإنساً ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش. ولما كان ذلك اليوم سبباً لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره قال: ﴿الملك يومئذ﴾ أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام؛ ثم وصف الملك بقوله: ﴿الحق﴾ أي الثابت معناه ثابتاً لا يمكن زواله؛ ثم أخبر عنه بقوله: ﴿للرحمن﴾ أي العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، ومعنى التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في الدنيا تسميته به فقط، لا حكم له أصلاً ولا ظاهراً كما كان في الدنيا ﴿وكان﴾ أي ذلك ايوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم

стр. 6645

﴿يوماً على الكافرين﴾ أي فقط ﴿عسيراً*﴾ شديد العسر والاستعار. ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير، وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال: ﴿ويوم يعض الظالم﴾ أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال ﴿على يديه﴾ أي كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر، حال كونه مع هذا الفعل ﴿يقول﴾ أي يجدد في كل لحظة قوله: ﴿يا ليتني اتخذت﴾ أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا ﴿مع الرسول سبيلاً*﴾ أي عملاً واحداً من الأعمال التي دعاني إليها، وأطعته طاعة ما، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها، وعض اليد والأنامل وحرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، فتذكر الرادفه دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه.

стр. 6646

ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله: ﴿يا ويلتي﴾ أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد محالاً، عبر بأداته فقال: ﴿ليتني لم أتخذ فلاناً﴾ يعني الذي أضله - يسميه باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج إلى المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين ﴿خليلاً*﴾ أي صديقاً أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، ثم استأنف قوله الذي يتوقع كل سامع أن يقوله: ﴿لقد﴾ أي والله لقد ﴿أضلني عن الذكر﴾ أي عمّي عليّ طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها ﴿بعد إذ جاءني﴾ ولم يكن لي منه مانع يظهر غير إضلاله. ولما كان التقدير: ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته، عطف عليه قوله: ﴿وكان الشيطان﴾ أي كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس ﴿للإنسان خذولاً*﴾ أي شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل إثم من أضله. ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر،

стр. 6647

وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له، والاهتزاز به، والتعجب منه، والمعرفة بأنه يكون له نبأ، أشار إلى ذلك بقوله: عاطفاً على ﴿وقالوا ما لهذا الرسول﴾ معظماً لهذه الشكاية منه ﷺ ، مخوفاً لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل بقومهم عذاب الاستئصال: ﴿وقال الرسول﴾ يعني محمداً ﷺ : ﴿يا رب﴾ أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة، وعبر بأداة البعد هضماً لنفسه مبالغة في التضرع ﴿إن قومي﴾ أي قريشاً الذين لهم قوة وقيام ومنعة ﴿اتخذوا﴾ أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده ﴿هذا القرآن﴾ أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه ﴿مهجوراً*﴾ أي متروكاً، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً، لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ معانيه، ورائق أسالبيه، ولطيف عجائبه، وبديع غرائبه، كما تعرّف به قصة أبي جهل وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلاً، كل واحد منهم في مكان لا يعلم به صاحباه، ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا فيتلاومون ويتعاهدون على أن لا يعودوا، ثم يعودون

стр. 6648

حتى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا على أنفسهم العهود حتى تركوا ذلك كما هو مشهور في السير.

стр. 6649

ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق، وعظيم التحزن كما يشير إليه إثبات يا التي للبعد، على خلاف ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين هو أخصهم، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي، كان كأنه قيل: ذلك بأن من فعله عاداك حسداً لك، وعطف عليه: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدنيا ﴿جعلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿لكل نبي﴾ أي من الأنبياء قبلك، رفعة لدرجاتهم ﴿عدواً من المجرمين﴾ الذين طبعناهم على الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم فاصبر كما صبروا فإني سأهدي بك من شئت، وأنصرك على غيرهم، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفاً لك. ولما كان موطناً تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع، والنصرة بعد ذلك الجعل، كان كأنه قيل: لا تحزن فلنجعلن لك ولياً ممن نهديه للإيمان، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك،

стр. 6650

بل أعظم حتى نقضي أممهم من ذلك العجب، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال عزكم، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمراً يحق له الاستبعاد، قال عاطفاً على ما تقديره؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على من جعلهم أعداءهم ربُّك الذي أرسلهم: ﴿وكفى بربك﴾ أي المحسن إليك ﴿هادياً﴾ يهدي بك من قضى بسعادته ﴿ونصيراً*﴾ ينصرك على من حكم بشقاوته. ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن، وقرر عداوتهم له ونصرته عليهم، أتبع ذلك بما يدل عليه، فقال عطفاً على ما مضى من الأشباه في الشبه، وأظهر موضع الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي حملهم على هذا القول: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي غطوا عدواة وحسداً ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام لإعجازه لهم متفرقاً، فضلاً عن كونه مجتمعاً، وغطوا ما وضح لهم من آثاره الظاهرة الشاهد بوحدانيته، وغير ذلك من صفاته العلية: ﴿لولا﴾ أي هلا. ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلاً فضلاً عن أن يسندوا إنزاله إلى الله ، بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي أوردها قولهم: ﴿نُزِّل عليه﴾ ولما عبروا بصيغة التفعيل

стр. 6651

المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلاباً للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا إلى أن ذلك غير مراد فقالوا: ﴿القرآن﴾ أي المقتضي اسمه للجمع؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم: ﴿جملة﴾ وأكدوا بقولهم: ﴿واحدة﴾ أي من أوله إلى آخره بمرة، ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلاً قليلاً، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم أزالوا بالتدريج أتم إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمّل من المقاربة ما لم يكن في «أنزل» والله أعلم. ولما كان التقدير: وما له ينزل عليه مفرقاً، وكان للتفريق فوائد جليلة، أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبراً للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد: ﴿كذلك﴾ أي أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه ﴿لنثبت به فؤادك﴾ بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفاً للأحكام، في تحميلها أهل الإسلام، بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه من المصالح،

стр. 6652

وتسهيلاً للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقيناً للأجوبه في أوقاتها، وتعظيماً للإعجاز، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحلية، وحرج الخطيرة، دأب المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو مفرقاً فأمر لا فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية، لأن نزولها إنما كان منجماً كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق. ولما كان إنزله مفرقاً أحسن، أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به «كذلك» ﴿ورتلناه ترتيلاً*﴾ أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة؛ وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله

стр. 6653

عنهما: بيناه بياناً، والترتيل: التبين في ترسل وتثبت انتهى. وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان. ولما كان التقدير: قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله: ﴿ولا يأتونك﴾ أي المشركون ﴿بمثل﴾ أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى ﴿إلا جئناك﴾ أي في جوابه ﴿بالحق﴾ ومن الألف واللام الدالة على الكمال يُعرَف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه، فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجّل القائل والسامع القابل. ولما كان التقدير في الأصل: بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن لما يأتون به وجهاً في الحقيقة، عطف عليه قوله: ﴿وأحسن﴾ أي من مثلهم ﴿تفسيراً*﴾ أي كشفاً لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجهاً من وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه. ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه السؤالات أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته،

стр. 6654

علم قطعاً أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة، فضلاً عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه، قال معادلاً لقوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير﴾ [الفرقان: ٢٤] واصفاً لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله ﴿الذين كفروا﴾ [الفرقان: ٣٢] ﴿الذين يحشرون﴾ أي يجمعون قهراً ماشين مقلوبين ﴿على وجوههم﴾ أو مسحوبين ﴿إلى جهنم﴾ كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزاً، فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك «روى البخاري عن أنس ﵄ أن رجلاً قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال:» أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: يعني الراوي عن أنس: بلى وعزة ربنا «.

стр. 6655

ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقاً وضع للشيء في غير موضعه فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿شر﴾ أي شر خلق ﴿مكاناً وأضل سبيلاً*﴾ حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوماً أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى،» وسبيلاً «تمييز محول عن الفاعل أصله: ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي. ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة، عطف على عامل» لنثبت «تسلية له وتخويفاً لهم قوله: ﴿ولقد آتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ كما أتيناك، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجماً في نحو عشرين سنة يقال: إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة، كما بينت ذلك
следующие страницы →