Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.
стр. 9311
على وجه أن قسيم للمن، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجاناً وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجباً كان حقاً لا نعمة، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة، قال القشيري: كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى.
وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير: والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير براً كان أو فاجراً، لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى: ﴿حتى﴾ أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن ﴿تضع الحرب أوزارها﴾
стр. 9312
وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر، وذلك على زمن عيسى ﵊ حين تخرج الأرض بركاتها، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين، فيتخذ الناس حديد السلاح سككاً ومناجل وفؤوساً ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال» - رواه في الفردوس عن أنس ﵁ «الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر» رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁.
ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة، أكد أمرها بما معناه: إن هذا أمر قد فرغ منه، فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال: ﴿ولو﴾ ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق، عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده
стр. 9313
فقال: ﴿يشاء الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن ﴿لانتصر منهم﴾ أي بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً بأن لا يبقى منهم أحداً ﴿ولكن﴾ أوجب ذلك عليكم ﴿ليبلوا﴾ .
ولما كان الابتلاء ليس خاصاً بفريق منهم بل عاماً للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم، قال تعالى: ﴿بعضكم﴾ من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء ﴿ببعض﴾ أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما تألفونه من العوائد.
ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد، قال عاطفاً على ما تقديره: فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم: ﴿والذين قتلوا﴾ وفي قراءة البصريين وحفص ﴿قتلوا﴾ وهي أكثر ترغيباً والأولى أعظم ترجية ﴿في سبيل الله﴾ أي لأجل تسهيل
стр. 9314
طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال.
ولما كان في سياق الترغيب، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بأن أعمالهم سببه فقال تعالى: ﴿فلن يضل﴾ أي يضيع ويبطل ﴿أعمالهم *﴾ لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهكم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها، وهو معنى قوله تعالى تعليلاً: ﴿سيهديهم﴾ أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجدداً ذلك على سبيل الاستمرار ﴿ويصلح بالهم﴾ أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيداً عن كل شر آمناً من المخاوف مطمئناً بالإيمان بما فيه من السكينة، فإذا قتل أحد في سبيله تولى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حياً.
стр. 9315
ولما كان هذا ثواباً عظيماً ونوالاً جسيماً، أتبعه ثواباً أعظم منه فقال تعالى: ﴿ويدخلهم الجنة﴾ أي دار القرار الكاملة في النعيم، وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى: ﴿عرفها لهم *﴾ أي بتعريف الأعمال الموصلة
стр. 9316
إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا وأيضاً بالتبصير بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في الدنيا، وطيب رائحتها وجعل موضعها عالياً وجدرانها عالية وهي ذات أغراف وشرف، وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل، ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للإسلام ثلاث أبيات: سفلى وعليا وغرفة، فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا تسأل أحداً منهم إلا قال: أنا مسلم، وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض، وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم» .
ولما ذكر القتال، تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب بما يعرف بشرط النصر فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بذلك وإن كان في أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد
стр. 9317
والصلة بالماضي ﴿إن تنصروا الله﴾ أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل وقتالهم، ويكون ذلك خالصاً له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل وغير ذلك ﴿ينصركم﴾ فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم.
ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم من ذلك فقال: ﴿ويثبت أقدامكم *﴾ أي تثبيتاً عظيماً بأن يملأ قلوبكم سكينة واطمئناناً وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال، وعند مباشر جميع الأعمال، فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازاً به وإن تملأ عليكم أهل الأرض.
ولما ذكر أهل الإيمان، بين ما لأهل الكفران، فقال سبحانه: ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى، وبين أن سوء أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء. فقال مؤكداً بجعل الخبر مفعولاً مطلقاً لأجل استبعادهم بما لهم من القوة بكثرة العدد
стр. 9318
والملاءة بالعدد: ﴿فتعساً﴾ أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم: تعساً لا قيام معه، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه: تعساً لك، والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق.
ولما كان كأنه قيل: لمن هذا؟ قيل: ﴿لهم﴾ فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت من الأعمال.
ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له: تعساً، ويقوم بعد ذلك، ولا يبطل عمله، بين أن قوله ليس كذلك، بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلاً، فقال معبراً بالماضي إشارة إلى التحتم فيه، وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفاً على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك: ﴿وأضل أعمالهم *﴾ وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان.
ولما بين ما صنع بهم ليجترئ به حزبه عليهم، بين سببه ليجتنب فقال: ﴿ذلك﴾ الأمر البعيد من الخير ﴿بأنهم﴾ أي بسب بأنهم ﴿كرهوا﴾ بغضوا وخالفوا وأنكروا ﴿ما أنزل الله﴾ أي الملك
стр. 9319
الأعظم الذي لا نعمة إلا منه، والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه، فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبتها أشباحهم، وهو معنى قوله مسبباً بياناً لمعنى إضلال أعمالهم: ﴿فأحبط﴾ أي أبطل إبطالاً لا صلاح معه ﴿أعمالهم *﴾ بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح، لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت عن نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها، ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه.
стр. 9320
ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله ، وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على حدوده، قال منكراً عليهم وموبخاً لهم تقدماً إليهم بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته، مسبباً عن كراهيتهم المذكورة وما تأثر عنها
стр. 9321
من العداوة لأهل الله: ﴿أفلم يسيروا﴾ أي بسبب تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس ﴿في الأرض﴾ أي التي فيها آثار الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله ﴿فينظروا﴾ عقب سيرهم وبسبه. ولما كانت وقائعه خلعة للقلوب بما فيها من الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال، ساق ذلك بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقاً منبهاً على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان للعناية بالسؤال عنه فقال: ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿الذين﴾ ولما كان يمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين، نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم بل بعض المكذبين للرسل، وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى: ﴿من قبلهم﴾ ولما كان كأنه قيل: ما لهم؟ قال: ﴿دمر الله﴾ أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغير إذن، الهاجم بغتة ﴿عليهم﴾ بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو مقالهم، وعدل عن أن يقول: «ولهؤلاء» إلى قوله: ﴿وللكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر، فكان فيه بشارة بأن بعضهم سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه
стр. 9322
ليس عريقاً في الكفر، لأنه لم يطبع عليه ﴿أمثالها *﴾ أي أمثال هذه العاقبة.
ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه، بين علته فقال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي فعله بالفريقين ﴿بأن الله﴾ أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال ﴿مولى الذين آمنوا﴾ أي القريب من المصدقين به المرضين له، فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له، قال القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل: الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان. ﴿وأن الكافرين﴾ أي العريقين في هذا الوصف ﴿لا مولى لهم *﴾ بهذا المعنى، لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو، فلا ينفعهم قرب قريب أصلاً وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ومالكهم، وفيه إيماء إلى أنه ولي من لم يكن عريقاً في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور.
ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية، قال شافياً
стр. 9323
لعيّ سؤالهم مؤكداً لأجل كثرة المكذبين: ﴿إن الله﴾ أي الذي له جميع الكمال ﴿يدخل الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا التصديق ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لما ادعوا أنهم أوقعوه ﴿الصالحات﴾ فتمتعوا بما رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها، وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتاً لا تمتعاً ﴿جنات﴾ أي بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها ﴿تجري﴾ وبين قرب الماء من وجهها بقوله: ﴿من تحتها الأنهار﴾ أي فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة مناه أدنى إثارة جرى منها نهر، فأنساهم دخولهم غصص ما كانوا فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة الشدائد، وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلاً، وهي مأواهم لا يبغون عنها حولاً، وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حباً لهم وتشريفاً لمقاديرهم ﴿والذين كفروا﴾ أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال الفاسدة المبعدة عن جناب الله ﴿يتمتعون﴾ أي في الدنيا بالملاذ
стр. 9324
لكونها ملاذ كما تتمتع الأنعام، ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت أصلاً بل يكون ذكر الموت حاثاً لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلاً منهم بالله ﴿ويأكلون﴾ على سبيل الاستمرار ﴿كما تأكل الأنعام﴾ أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء، أي في جميع بطونهم من غير تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هواناً بهم وبغضاً لهم لأنه علم حالهم قبل أن يوجدهم فيدخلهم ناراً وقودها الناس والحجارة ﴿والنار﴾ أي والحال أن ذات الحرارة العظمى والإحراق الخارج عن الحد ﴿مثوى﴾ أي منزل ومقام ﴿لهم *﴾ تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما أصلاً، بل لا ينفك عنهم العذاب وقتاً ما، فالآية من الاحتباك، ذكر الأعمال الصالحة ودخول الجنات أولاً دليلاً على حذف الفاسدة ودخول النار ثانياً، والتمتع والمثوى ثانياً دليلاً على حذف التعلل والمأوى أولاً، فهو احتباك في احتباك
стр. 9325
واشتباك مقارن لاشتباك.
ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته، ويخذل من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته، كان التقدير دليلاً على ذلك: فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبهم، فلا خاذل لهم، فعطف عليه قوله: ﴿وكأين﴾ ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم، وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد قال: ﴿من قرية﴾ أي كذبت رسولها ﴿هي أشد قوة﴾ وأكثر عدة ﴿من قريتك﴾ ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة، عين فقال: ﴿التي أخرجتك﴾ أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع الأذى على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأنصار نصراً جارياً على ما تألفونه وتعتادونه ﴿أهلكناهم﴾ بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظمتنا، وحكى حالهم الماضية بقوله: ﴿فلا ناصر لهم *﴾ .
ولما كان هذا دليلاً شهودياً بعد الأدلة العقلية على ما تقدم الوعد
стр. 9326
به، سبب عنه الإنكار عليهم فقال: ﴿أفمن كان﴾ أي في جميع أحواله ﴿على بينة﴾ أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق ﴿من ربه﴾ المربي المدبر له المحسن إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئاً فاجتنبه مخالفاً لهواه، قال القشيري: العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم. ﴿كمن زين له﴾ بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر ﴿سوء عمله﴾ من شرك أو معصية دونه.
ولما كان التقدير: فرآه حسناً فعمله ملازماً له، فكان على عمى وضلال، وكان قد أفرد الضمير لقبول «من» له من جهة لفظها، جمع رداً على معناها بتعميم القبح مثنى وفرادى، وإشارة إلى أن القبيح يكون أولاً قليلاً جداً، فمتى غفل عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفاً على ما قدرته: ﴿واتبعوا أهواءهم *﴾ فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلاً عن دليل، والآية من الاحتباك
стр. 9327
ذكر البينة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً، والتزيين واتباع الهوى ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً، وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيباً والأصل الجامع للشر ترهيباً.
стр. 9328
ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين، فهدى سياقها إلى أن التقدير: أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين، ومن تبع هواه أراده فيها، أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم إليها الهدى، والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم للردى، فقال: ﴿مثل الجنة﴾ أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها.
ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها بالضمير العائد إليه، صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسهل أمر، وفرغ منه إلى أن صار حاضراً لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد
стр. 9329
ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهول أعلى لأمره فقال: ﴿التي وعد المتقون﴾ أي الذي حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: مقبل عليه بكليته فهو متبع، ومعرض عنه جملة، ومستمع غير منتفع.
ولما كان التقدير: مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة، وكان ما هو بهذه الصفة إنما هو موهوم لنا لا معلوم، طواه وذكره ما دل عليه من صفة الجنة الموعودة المعلومة بوعد الصادق الذي ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافاً: ﴿فيها﴾ أي الجنة الموعودة. ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل أكثر من ثلاثة أنهار، عبر بالجمع الذي يستعار للكثرة إذا دلت قرينة، وهي هنا المدح والامتنان، فقال: ﴿أنهار من ماء﴾ ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة: حلو وعذب وملح، مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار، وقد يكون آسناً أي متغيراً عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال: ﴿غير آسن﴾ أي ثابت له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح
стр. 9330
أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه.
ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن، ثنى به فقال سبحانه: ﴿وأنهار من لبن﴾ ولما كان التغير غير محمود، وكانوا يعهدون في الدنيا أن اللبن كله على جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال والأنواع والمقادير والأمزجة، ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى، وأنه إنما يتغير بعد حلبه، عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال: ﴿لم يتغير طعمه﴾ أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر، وهذا يفهم أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير، وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في الدنيا متنوعاً.
ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال: ﴿وأنهار من خمر﴾ ولما كانت الخمر يكثر طعمها، وإنما يشربها شاربوها لأثرها، وأنه متى تغير طعمها زال اسمها، عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال: ﴿لذة﴾ أي ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده ﴿للشاربين *﴾ في طيب الطعم وحسن العاقبة.
стр. 9331
ولما كان العسل أعزها وأقلها، أخره وإن كان أجلها فقال: ﴿وأنهار من عسل﴾ ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطاً بالشمع وغيره من القذى قال: ﴿مصفى﴾ أي هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك، وهذا الوصف ثابت له دائماً لا انفكاك له عنه في وقت ما، فقد حصل بهذا غاية التشويق إلى الجنة بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذلك مجرداً عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي: قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سبحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. وقال ابن عبد لحكم في فتوح مصر: حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ سأل كعب الأحبار ﵁: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبراً؟ قال: أي والذي فلق البحر لموسى، إني لأجده في يكتاب الله أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي إليه عن جريه أن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل غر حميداً. حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير
стр. 9332
عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنها من الجنة وضعها الله في الدنيا. فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وسيحان نهر الماء في الجنة. وجيحان نهر اللبن في الجنة. حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعباً يقول: النيل في الآخرة عسلاً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ، ودجلة في الآخرة لبناً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ، والفرات خمراً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ :
«سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة» وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ما تقدم: إنه بدئ بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أقوات العرب وغيرهم، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى. وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول
стр. 9333
لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم إليها، ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه، ولما كان اللبن أقل فكان جريه أنهاراً أغرب، ثنى به، ولما كان الخمر أعز ثلث به، ولما كان العسل أشرفها وأقلها ختم به، ونبه - مع هذا التذكير بقدرته تعالى - على ما يريد بسبب وبغير سبب فإن هذه المشروبات الثلاثة التي وبعضها متمحض للشرابية كالخمر وبعضها في غذائية وهي فيه أغلب، وهو العسل، وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقاً وأثراً في الغذاء والدواء وغير ذلك، فإن الماء أصل النبات، ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب، وأما الآخرة فغنية عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها، وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها، وتلاه بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع: اللبن، ثم بما هو أقرب إلى اللبن من جهة أنه شراب فقط، ثم بالعسل لأنه أبعدها منه.
ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى:
стр. 9334
﴿ولهم فيها﴾ ولما كان أهلها متفاوين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال: ﴿من كل الثمرات﴾ أي جميع أصنافها على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع.
ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب، قال مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه: ﴿ومغفرة من ربهم﴾ أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب. لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من الشكر سبحانه.
ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير: أفمن هو في هذا النعيم الأكبر المقيم، بنى عليه قوله: ﴿كمن هو خالد﴾ أي مقيم إقامة لا انقطاع معها، ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء ﴿في النار﴾ أي التي لا يطفأ لهيبها، لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها. ولما كان كل واحد من داخليها له سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحداً. كان المؤثر لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين، بني للمجهول قوله مسنداً إلى ضمير الجمع قوله تعالى:
стр. 9335
﴿وسقوا﴾ أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة ﴿ماء حميماً﴾ أي في غاية الحرارة ﴿فقطع أمعاءهم *﴾ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك، وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن الكافرين مأواهم النار، وكان التقدير إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيهاً على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ إنكاره: أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار، ومن هو خالد في الجنة كمن هو خالد في النار - والله الموفق للصواب.
стр. 9336
ولما كان التقدير بعد هذا التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول: فمن الناس من يسمع منك بغاية المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه واعتقاده والعمل به واعتماده وهم المتقون الذين وعدوا الجنة، عطف عليه قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع﴾ أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعناً يشك به على الضعفاء، وبين تعالى بعدهم بقوله: ﴿إليك﴾ ولما أفرد المستمع نظراً إلى لفظ «من» إشارة إلى قلة المستمع جمع نظراً إلى معناه إشارة إلى كثرة المعرضين الجامدين المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال تعالى: ﴿حتى﴾ أي واستمر
стр. 9337
إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى ﴿إذا خرجوا﴾ أي المستمعون والسامعون جميعاً ﴿من عندك قالوا﴾ أي الفريقان عمى وتعاميا واستهزاء. ولما كان مجرد حصول العلم النافع مسعداً، أشار إلى تعظيمه ببنائه لما لم يسم فاعله فقال تعالى: ﴿للذين أوتوا العلم﴾ أي بسبب تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء الأفهام لتجردهم عن النفوس والحظوظ وانقيادهم لما تدعوا إليه الفطرة الأولى: ﴿ماذا قال﴾ أي النبي ﷺ ﴿آنفاً﴾ أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه من ساعة - أي أول وقت - تقرب منه، من أنفة الصلاة - بالتحريك، وهو ابتداؤها وأولها، قال أبو حيان: حال، أي مبتدئاً، أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه. ورد كونه ظرفاً بأنه تفسير معنى، وأنه لا يعلم أحداً من النحاة عده في الظروف. وقال البغوي: ائتنفت الأمر: ابتدأته، وأنف الشيء أوله، قال مقاتل: وذلك أن النبي ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود ﵁ استهزاء: ماذا قال محمد ﷺ ؟ قال ابن عباس ﵁: وقد سئلت فيمن سئل.
ولما دل هذا من المصغي ومن المعرض على غاية الجمود الدال
стр. 9338
على غاية الشقاء، أنتج قوله: ﴿أولئك﴾ أي خاصة هؤلاء البعداء من الفهم ومن كل خير ﴿الذين طبع الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا تناهي لعظمه جل وعلا ﴿على قلوبهم﴾ أي فلم يؤمنوا ولم يفهموا فهم الانتفاع لأن مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك. ولما كان التقدير: إنهم ضلوا حتى صاروا كالبهائم، عطف عليه ما هو من أفعال البهائم فقال: ﴿واتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿أهواءهم *﴾ أي مجانبين لوازع العقل وناهي المروءة، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ويقبلون على جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية «مثل الجنة» بأنهم زين لهم سوء أعمالهم.
ولما ذكر ما هم عليه وشنع عليهم أقبح الذكر، ذكر الذين آتاهم العلم فقال: ﴿والذين اهتدوا﴾ أي اجتهدوا باستماعهم منك في مطاوعة داعي الفطرة الأولى إلى الوقوع على الهدى بالصدق في الإيمان والتسليم والإذعان بأنواع المجاهدات ﴿زادهم﴾ أي الله الذي طبع على قلوب الجهلة ﴿هدى﴾ بأن شرح صدورهم ونورها بأنوار المشاهدات فصارت أوعية للحكمة «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم» ﴿وآتاهم تقواهم *﴾ أي بين لهم ما هو أهل لأن يحذر ووفقهم لاجتنابه
стр. 9339
مخالفة للهوى، فهم القسم الأول من آية توطئة المثل ﴿الذين هم على بينة من ربهم﴾ ومعنى الإضافة أنه آتى كلاًّ منهم منها بحسب ما يقتضيه حاله، قال ابن برجان: التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام - انتهى.
стр. 9340
ولما كان أشد ما يتقى القيامة التي هم بها مكذبون، سبب عن اتباعهم الهوى قوله تعالى: ﴿فهل ينظرون﴾ أي ينتظرون، ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها ﴿إلا الساعة﴾ ولما كان كأنه قيل: ما ينتظرون من أمرها؟ أبدل منها قوله: ﴿أن تأتيهم﴾ أي تقوم عليهم، وعبر بالإتيان زيادة في التخويف ﴿بغتة﴾ أي فجاءة من غير شعور بها ولا استعداد لها.
ولما دل ذلك على مزيد القرب، وكان مجيء علامات الشيء أدل على قربه مع الدلالة على عظمته، قال معللاً للبغتة: ﴿فقد﴾ ودل على القوة بتذكير الفعل فقال: ﴿جاء أشراطها﴾ أي علاماتها المنذرات بها
стр. 9341
من مبعث النبي ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك، وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره.
ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر، وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء، سبب عن مجيئها قوله تعالى: ﴿فأنّى﴾ أي فكيف ومن أين ﴿لهم إذا جاءتهم﴾ أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها ﴿ذكراهم *﴾ لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها، وهو العمل على الإيمان بالغيب، وهكذا ساعة الإنسان التي
стр. 9342
تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك، ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة.
ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم ﷺ تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال تعالى: ﴿فاعلم أنه﴾ أي الشأن الأعظم الذي ﴿لا إله إلا الله﴾ أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما تكون عالماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف، وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف
стр. 9343
بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده. قال القشيري: والعبد يعلم أولاً ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول، وعليه بني كل علم استدلالي، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه بنفسه بغلبات ذكره لله بقلبه، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضرورياً ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه، ويقال: الذي رأى البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي هذا الحال، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرق فيه ومستهلك، ولهذه الكلمة من الأسرار ما يملأ الأقطار منها أنها بكلماتها الأربع مركبة من ثلاثة أحرف إشارة إلى الوتر الذي هو الله والشفع الذي هو الخلق أنشأه تعالى أزواجاً، ومنها حرف لساني وحرفان حلقيان: الهاء والألف، غير أن الألف عبر عنها بمظهرها وهو الهمزة ظاهراً مرتين وخفياً في أداة التعريف في الابتداء مرة، وذكرت
стр. 9344
بلفظها أربع مرات، فتلك سبع هي أتم العدد لذلك وبني الخلق عليه، فالسماوات سبع والأراضي كذلك سبع إشارة إلى أن الإله الحق الذي هو غيب محض إنما علم بالتنزيل بأفعاله، فهي وصلة إلى معرفته وهي منقسمة إلى علوي وسفلي كما أن الألف التي هي كالغيب لأنها لا يمكن النطق بها ابتداء نزلت في مظهر الهمزة التي تكررت في هذه الكلمة مرتين في مقابلة الكونين العلوي والسفلي وبينهما ما لا نعلمه مما خفي عنا كما خفيت همزة الوصل.
وعبر في الأمر بهذه الكلمة بالعلم إعلاماً بأن عمل القلب بها هو العمدة العظمى لكن لما كانت حروفها حلقياً ولسانياً كان في ذلك إشارة إلى أنه لا يكفي في أمرها إلا إذعان الباطن ومطابقة الظاهر الذي هو اللسان، فهو ترجمان القلب، ومتى لم يطابق اللسان القلب حيث لا مانع كان صاحبه من أهل آية الصافات وأحرفها اللفظية أربعة عشر حرفاً على عدد السماوات والأرض الدالة على الذات الأقدس الذي هو غيب محض والمقصود منها مسمى الجلالة الذي هو الإله الحق والجلالة الدالة عليه خمسة أحرف على عدة دعائم الإسلام الخمس: ووتريته دلالة على التوحيد، ولم يجعل فيها شيئاً شفهياً لتمكن ملازمتها لكونها أعظم مقرب إلى الله وأقرب موصل
стр. 9345
إليه مع الإخلاص، فإن الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ولا يعلم جليسه بذلك أصلاً، لأن غيرك لا يعلم ما في وراء شفتيك إلا بإعلامك، وكما دل الكلام على التوحيد بهذه الكلمة صريحاً دل على كلمة الرسالة التي لا ينفع التوحيد إلا بها تلويحاً بتسمية السورة «سورة محمد» ، فهي القتال لأنه أمر ﷺ أن يقاتل الناس حتى يصرحوا بما صرحت به السورة من كلمة التوحيد، وهي سورة محمد ﷺ لأن التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة، وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام الاتحاد والاعتناق، وذلك أن أحرف كل منهما إن نظرنا إليها خطاً كانت اثني عشرة حرفاً على عدد أجزاء السنة يكفر كل حرف منها شهراً، وإن نظرنا إليها نطقاً كانت أربعة عشر حرفاً لملأ الخافقين نوراً وعظمة ومهابة وجلالة واحتشاماً، وإن نظرنا إليها بالنظرين معاً كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذي العرش خالق الكونين موقف، وهو سر غريب دال على الحكم الشرعي الذي هو عدم انفكاك إحداهما عن الأخرى، فمن لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل
стр. 9346
إيمانه، وقدمت هذه السورة في هذا سابقة لأن لها السبق وذكرت الأخرى في الفتح تالية، وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على مخالفته مع مناصبته إلا نفاقاً على وجه الذل والاضطراب.
ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجباً للإجابة كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى «ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم» الحديث، قال معلماً أنه يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له، ﴿واستغفر﴾ أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة ﴿لذنبك﴾ ، وهو كل مقام عال ارتفعت عنه إلى أعلى منه، وأوجده أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك، فإن الاستقامة مهيئة للإمامة.
стр. 9347
ولما كان تكميل النفس مرقياً إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره، قال تعالى مبيناً لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيداً للجار معبراً بالإيمان والوصف إيذاناً بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، وهذا مشرفاً لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحة، حاذفاً المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان: ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان لك مثل أجره، ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية والعمل بموجبها أو هفوة.
ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم، قال عاطفاً على ما تقديره: فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سراً وجهراً ويعلم أنكم لا بد أن تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال نفسه وتكميل غيره بغسل الذنوب، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب ﴿والله﴾ المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يعلم متقلبكم﴾ أي تقلبكم ومكانه وزمانه ﴿ومثواكم *﴾ أي موضع
стр. 9348
سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في وقته - في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفاً إلى ما لا آخر له.
стр. 9349
ولما كان دليل على إحاطة العلم، علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن كان مخالفاً لما أظهره، قال دالاً على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين عاطفاً على ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ : ﴿ويقول﴾ على سبيل التجديد المستمر ﴿الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على صدقهم في إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجدد الوحي الذي هو الروح الحقيقي: ﴿لولا نزلت﴾ على سبيل التدريج، وبناه للمفعول دلالة على إظهار أنهم صاروا في صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله بحيث لا يحتاجون إلى التصريح به ﴿سورة﴾ أي سورة كانت لنسر بسماعها ونتعبد بتلاوتها ونعمل بما فيها كائناً ما كان، ويستمر الوحي فينا متجدداً مع تجدد الزمان ليكون ذلك أنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا ﴿فإذا أنزلت سورة﴾ أي قطعة من القرآن تكامل نزولها كلها تدريجاً أو جملة، وزادت على مطلوبهم بالحس بأنها ﴿محكمة﴾ أي
стр. 9350
مبينة لا يلبس شيء منها بنوع إجمال ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان ﴿وذكر فيها القتال﴾ بأيّ ذكر كان، والواقع أنه لا يكون إلا ذكراً مبيناً أنه لا يزداد إلا وجوباً وتأكداً حتى تضع الحرب أوزارها، قال البغوي: وكل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. وهو مروي عن قتادة ﴿رأيت﴾ أي بالعين والقلب ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾ أي ضعف في الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن أمرتهم ليخرجن ﴿ينظرون إليك﴾ كراهة لما نزل عليك بعد أن حرضوا على طلبه ﴿نظر المغشي عليه﴾ ولما كان للغشي أسباب، بين أن هذا أشدها فقال تعالى: ﴿من الموت﴾ الذي هو نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة للقتال من الجبن والخور.
ولما كان هذا أمراً منابذاً للإنسانية لأنه مباعد للدين والمروءة، سبب عنه أعلى التهديد فقال متوعداً لهم بصورة الدعاء بأن يليهم المكروه:
следующие страницы →