← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

إيمانه، وقدمت هذه السورة في هذا سابقة لأن لها السبق وذكرت الأخرى في الفتح تالية، وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على مخالفته مع مناصبته إلا نفاقاً على وجه الذل والاضطراب. ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجباً للإجابة كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى «ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم» الحديث، قال معلماً أنه يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له، ﴿واستغفر﴾ أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة ﴿لذنبك﴾ ، وهو كل مقام عال ارتفعت عنه إلى أعلى منه، وأوجده أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك، فإن الاستقامة مهيئة للإمامة.

стр. 9347

ولما كان تكميل النفس مرقياً إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره، قال تعالى مبيناً لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيداً للجار معبراً بالإيمان والوصف إيذاناً بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، وهذا مشرفاً لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحة، حاذفاً المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان: ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان لك مثل أجره، ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية والعمل بموجبها أو هفوة. ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم، قال عاطفاً على ما تقديره: فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سراً وجهراً ويعلم أنكم لا بد أن تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال نفسه وتكميل غيره بغسل الذنوب، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب ﴿والله﴾ المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يعلم متقلبكم﴾ أي تقلبكم ومكانه وزمانه ﴿ومثواكم *﴾ أي موضع

стр. 9348

سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في وقته - في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفاً إلى ما لا آخر له.

стр. 9349

ولما كان دليل على إحاطة العلم، علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن كان مخالفاً لما أظهره، قال دالاً على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين عاطفاً على ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ : ﴿ويقول﴾ على سبيل التجديد المستمر ﴿الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على صدقهم في إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجدد الوحي الذي هو الروح الحقيقي: ﴿لولا نزلت﴾ على سبيل التدريج، وبناه للمفعول دلالة على إظهار أنهم صاروا في صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله بحيث لا يحتاجون إلى التصريح به ﴿سورة﴾ أي سورة كانت لنسر بسماعها ونتعبد بتلاوتها ونعمل بما فيها كائناً ما كان، ويستمر الوحي فينا متجدداً مع تجدد الزمان ليكون ذلك أنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا ﴿فإذا أنزلت سورة﴾ أي قطعة من القرآن تكامل نزولها كلها تدريجاً أو جملة، وزادت على مطلوبهم بالحس بأنها ﴿محكمة﴾ أي

стр. 9350

مبينة لا يلبس شيء منها بنوع إجمال ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان ﴿وذكر فيها القتال﴾ بأيّ ذكر كان، والواقع أنه لا يكون إلا ذكراً مبيناً أنه لا يزداد إلا وجوباً وتأكداً حتى تضع الحرب أوزارها، قال البغوي: وكل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. وهو مروي عن قتادة ﴿رأيت﴾ أي بالعين والقلب ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾ أي ضعف في الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن أمرتهم ليخرجن ﴿ينظرون إليك﴾ كراهة لما نزل عليك بعد أن حرضوا على طلبه ﴿نظر المغشي عليه﴾ ولما كان للغشي أسباب، بين أن هذا أشدها فقال تعالى: ﴿من الموت﴾ الذي هو نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة للقتال من الجبن والخور. ولما كان هذا أمراً منابذاً للإنسانية لأنه مباعد للدين والمروءة، سبب عنه أعلى التهديد فقال متوعداً لهم بصورة الدعاء بأن يليهم المكروه:

стр. 9351

﴿فأولى﴾ أي أشد ميل وويل وانتكاس وعثار موضع لهم في الهلكة كائن ﴿لهم *﴾ أي خاص بهم، وفسرته بذلك لما تقدم في آخر الأنفال من أن مادة «ولى» تدور على الميل، فإذا كانت على صيغة أفعل التفضيل - وهو قول الأكثر - جاءت الشدة، قال الأصمعي: إنه فعل ماضٍ أي قاربهم ما يهلكهم وأولادهم الله الهلاك، وقال الرضي في باب المعرفة والنكرة: إنه علم للوعيد وفيه وزن الفعل فلذا منع من الصرف، وليس بأفعل تفضيل ولا أفعل فلاً ولا اسم فعل لأن أبا زيد حكى لحاق تاء التأنيث له فقالوا: أولاة الآن - كأرملة وهو من وله الشر أي قرنه حال، وقبوله للتاء لا يضر الوزن، لأن ذلك في علم آخر. ولما علم بما ذكر من التسبب أن هذا الدعاء عليهم لما تقدم من سوء أدبهم في مقالهم، وقبح ما ظهر من فعالهم، حصل التشوف إلى ما ينبغي لهم، فقال تعالى على طريق النشر المشوش: ﴿طاعة﴾ أي

стр. 9352

منهم ﴿وقول معروف﴾ أي بالتسليم والإذعان وحسن الانقياد خير لهم مما أظهروا من المحبة في الطاعة وما كشف حالهم عنه من الكراهة، ونكر الاسمين ليكونا صالحين للتعظيم وما دونه، ثم سبب عنهما قوله مسنداً إلى الأمر ما هو لأهله تأكيداً لمضمون الكلام: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ أي فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أول السورة وغيره من الأوامر أمراً مجزوماً به معزوماً عليه ﴿فلو صدقوا الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل ﴿لكان﴾ صدقهم له ﴿خيراً لهم *﴾ أي من تعللهم وتسللهم عنه لواذاً على تقدير التنزيل في تسليم أن في جماحهم عن الأمر وتقاعدهم عنه نوع خير، ويجوز أن يكون «خير» اسماً لا للتفضيل ليفهم أن كذبهم شر لهم. ولما كان هذا تبكيتاً لهم من أجل فتورهم عن أمر الله، سبب عن ذلك الفتور بيان ما يحصل منه من عظيم الفساد ويتأثر به

стр. 9353

من خراب البلاد وشتات العباد في معرض سؤال في أسلوب الخطاب بعد التبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيهاً على تناهي الغضب وبلوغه الغاية فقال تعالى: ﴿فهل عسيتم﴾ أي فتسبب عن تسرعكم إلى السؤال في أن يأمركم الملك بما يرضيه، فإذا أجابكم فرحمكم بما يعلم أنه أصلح الأشياء لكم وهو الجهاد كرهتموه ووجهتم منه وقعدتم عنه أن يقال لكم لما يرى منكم من المخايل الدالة على ضعف الإيمان: هل يمكن عندكم نوع إمكان وتتوقعون شيئاً من توقع أن يكون حالكم جديراً وخليقاً لتغطية علم العواقب عنكم فتخافون من أنفسكم. ولما كان المقام لذم الإعراض عن الأمر، فصل بين «عسى» وخبرها بشرطية معبر فيها بالتولي بصيغة التفعل إشارة مع نهاية الذم إلى أن المعرض عن أمر الله معرض عما تدعوه الفطرة الأولى القويمة والعقل السديد إلى حسنه، فهو لا يعرض عنه إلا بمجاهدة منه لنفسه فقال تعالى: ﴿إن توليتم﴾ أي بأنفسكم عن الجهاد الذي أمركم به ربكم الذي عرفكم من فوائده ما لا مزيد عليه مما لا يتركه معه عاقل ولا يتخيل تركه إلا على سبيل الفرض - بما أشارت إليه أداة الشرط - أو حصلت

стр. 9354

توليتكم بتحصيل محصل أوجبها لكم وزينها في أعينكم حتى فعلتموها، وهذا المعنى الثاني هو المراد ببنائه للمجهول في رواية رويس عن يعقوب ﴿أن تفسدوا﴾ أي توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجديده منكم ﴿في الأرض﴾ بقتال يكرهه الله ويسخطه ويغضب أشد غضب على فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه، فإن الذي رحمكم بإنزال ما أنزل حكم بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة اجترأ على ما يسخطه حباً في الدنيا، وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة من بعضكم على بعض ونحو ذلك ﴿وتقطعوا﴾ تقطعياً عظيماً شديداً كثيراً منتشراً كبيراً ﴿أرحامكم *﴾ فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما كنتم أذلة على الكافرين، وأقل ما في إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سبباً لظهور الكافرين عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم لما كان يصل إليكم من منافعهم، فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من خيرهم أجبن الناس وأرضاهم بالعار، وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ في

стр. 9355

فعل ما أمر به بعد فواته وأن له ذلك، وقد علم من هذا أن من أمر بالمعروف وجاهد أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، ومن تركه وقع فيهما، ويمكن أن يكون «توليتم» من ولاية الأمر، فتكون الآية مشيرة إلى ولاية الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف، وقد وقع ذلك وشوهد ما ابتنى عليه من الفساد والقطيعة، وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة.

стр. 9356

ولما بين لهم ما يكون ممن تثاقل عن أمر الله، لأن الملك لا يطرق احتمالاً في شيء إلا وهو واقع فرقاً بين كلامه وكلام غيره، فكيف بملك الملوك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك، فقال ملتفتاً عنهم إيذاناً بالغضب مخاطباً لمن جبل على الشفقة على خلق الله والرحمة لهم إعلاماً له بأن هؤلاء قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة فيهم ولا للأسى عليهم: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿الذين لعنهم الله﴾ أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم؛ ثم سبب عن لعبهم قوله تعالى: ﴿فأصمهم﴾ عن الانتفاع بما يسمعون ﴿وأعمى أبصارهم *﴾ عن الارتفاق بما يبصرون،

стр. 9357

فليس سماعهم سماع ادكار، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع لهم ولا إبصار. ولما أخبر بذلك فكان ربما سأل من لا يعي الكلام حق وعيه عن السبب الموجب للعن المسبب للصم والعمى، أجابه بقوله منكراً موبخاً مظهراً لتاء التفعل إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: ﴿أفلا يتدبرون﴾ أي كل من له أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير ﴿القرآن﴾ بأن يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس تفكر من ينظر في أدبار الأمور وماذا يلزم من عواقبها ليعلموا أنه لا عون على الإصلاح في الأرض وصلة الأرحام والإخلاص لله في لزوم كل طاعة والبراءة من كل معصية مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، وربما دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور عليه إلى كبير تدبر- والله أعلم. ولما كان الاستفهام إنكارياً فكان معناه نفياً، فهو لكونه داخلاً على النفي نفي له فصار إثباتاً، فكان كأنه قيل: هل يجددون التدبر تجديداً مستمراً لترق قلوبهم به وتنير بصائرهم له، فيكفوا عن

стр. 9358

الإفساد والتقطيع، عادله بقوله مشبهاً للقلوب بالصناديق دالاً على ذلك التشبيه بذكر ما هو مختص بالصناديق من الأقفال: ﴿أم على قلوب﴾ من قلوب الغافلين لذلك، ونكرها لتبعيضها وتحقيرها بتعظيم قسوتها ﴿أقفالها *﴾ أي الحقيقة بها الجديرة بأن تضاف إليها، فهي لذلك لا تعي شيئاً ولا تفهم أمراً ولا تزداد إلا غباوة وعناداً، لأنها لا تقدر على التدبر، قال القشيري: فلا تدخلها زواجر التنبيه ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلاً فكما لا يدخل فيه شيء فلا يخرج ما فيه، فلا كفرهم يخرج ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل - انتهى. والإضافة تشعر بأن بعض المتولين على قلوبهم أقفال، لكن ليست متمكنة فيها، فهو سبحانه يفتحها بالتوبة عليهم إذا أراد، وأما الأولون فلا صلاحية لهم، وفي هذه الآية أعظم حاث على قبول أوامر الله لا سيما الجهاد في سبيله وأشد زاجر عن الإعراض عنه لأن حاصلها أنه لعن من أعرض عنه لكونه لا يتدبر القرآن مع وضوحه ويسره ليعلم فوائد الجهاد الداعية إليه المحببة فيه، فكان كأن قلبه مقفل، والآية من الاحتباك:

стр. 9359

ذكر التدبر أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والأقفال ثانياً دليلاً على ضدها أولاً، وسره أنه ذكر نتيجة الخير الكافلة بالسعادة أولاً وسبب الشر الجامع للشقاوة ثانياً. ولما أخبر بأقفال قلوبهم، بين منشأ ذلك، فقال مؤكداً تنبهاً لمن لا يهتم به على أنه مما ينبغي الاهتمام بالنظر فيه ليخلص الإنسان نفسه منه، وتكذيباً لمن يقال: إن ذلك حسن: ﴿إن الذين ارتدوا﴾ أي عالجوا نفوسهم في منازعة الفطرة الأولى في الرجوع عن الإسلام، وهو المراد بقوله: ﴿على أدبارهم﴾ أي من أهل الكتاب وغيرهم، فقلبوا وجوه الأمور إلى ظهورها، فوقعوا في الضلال فكفروا. ولما كان الذي يلامون عليه ترك ما أتاهم به النبي ﷺ مما أوحاه الله سبحانه إليه من الشريعة، لا ما في غرائزهم من الملة التي يكفي في الهداية إليها نور العقل، وكان الذم لاحقاً بهم ولو كان ارتدادهم في أدنى وقت، أثبت الجار فقال: ﴿من بعد ما تبين﴾ غاية البيان الذي لا خفاء معه بوجه وظهر غاية الظهور ﴿لهم﴾ بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين ﴿الهدى﴾ أي الذي أتاهم به رسولنا ﷺ .

стр. 9360

ولما كانوا قد أحرقوا بذلك أنفسهم وأبعدوها به غاية البعد عن كل خير، عبر عن المغوي بما يدل على ذلك فقال تعالى: ﴿الشيطان﴾ أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة ﴿سول﴾ أي حسن ﴿لهم﴾ بتزيينه وإغوائه الذي حصل لهم منه استرخاء في عزائمهم وفتور في هممهم فجروا معه في مراده في طول الأمل، والإكثار من مواقعه الزلل والأماني من جميع الشهوات والعلل، بعد أن زين لهم سوء العمل، بتمكين الله له منهم، وهذا لما علم سبحانه منهم حال الفطرة الأولى ﴿وأملى لهم *﴾ أي أطال في ذلك ووسع بتكرار ذلك عليهم على تعاقب الملوين ومر الجديدين حتى نسوا المواعظ وأعرضوا عن الذكر هذا على قراءة الجماعة بفتح الهمزة واللام، وأما على قراءة البصريين بضم الهمزة وكسر اللام فالمراد أن الله تعالى هو المملي - أي الممهل - لهم بإطالة العمر وإسباغ النعم، وتسهيل الأماني والحلم، عن المعاجلة بالنقم، حتى اغتروا، وهي أيضاً موافقة لقوله تعالى ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾ [القلم: ٤٥] ، وأما في قراءة

стр. 9361

أبي عمرو بفتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول، ودل على أن المملي هو الله قراءة يعقوب بإسكان الياء على أنه مضارع همزته للمتكلم. ولما بين تسليطه الشيطان عليهم، بين سببه فقال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد من الخير وما دل عليه صريح العقل ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أن هؤلاء المتولين ﴿قالوا للذين كرهوا ما﴾ أي جميع ما ﴿نزل الله﴾ أي الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع تنزيلاً فيه إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها مع السهولة في النطق والعذوبة في السمع والملاءمة للطبع كما يشهد به كل ذوق من الأغبياء والأذكياء على تباينهم في مراتب الغباوة والذكاء، وإعجاز آخر لهم في رصانة المعنى وحكمته، وثالث في مطابقته للحال الذي اقتضى نزوله مطابقة يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، ورابع بنظمه مع ما نزل قبله من الآيات، لا على ترتيب النزول، بل على ما اقتضته الحكمة التي تتضاءل دونها الأفكار، وتولى خاسئة من جلالتها على الأدبار، بصائر أولي الأبصار، وهؤلاء المقول لهم هذا الكلام هم - والله أعلم - المصارحون بالكفر، قالوا لهم بعد هذه الأدلة من الإعجازات، وما تقدمها من

стр. 9362

الآيات البينات الواضحات: ﴿سنطيعكم﴾ بوعد صادق لا خلق فيه ﴿في بعض الأمر﴾ وهو القتال في سبيل الله الذي تقدم أنهم عند نزول سورة يذكر بها يصيرون كالذي يغشى عليه من الموت، فأنتم في أمان من أن نقاتلكم أبداً، فإنا إنما أسلمنا للأمان على دمائنا وأموالنا، والذي نحبه مما ينزل هو التأمين لمن أقر بكلمة الإسلام والقناعة منه بالظاهر والوعد العام بالتبسط في البلاد والتوسعة في الأرزاق ونحو ذلك، فكانوا بذلك كفرة فإن الدين لا يتجزأ، فمن أضاع من أصوله شيئاً فقد أضاعه كله، والتقييد بالبعض يفهم أنهم لا يطيعونهم في البعض الآخر، وهو إظهار الإسلام والتصور بصورة المسالمة، وذلك كله بأن الله تعالى جبلهم جبلة هيأهم فيها لمثل هذا، فلما قالوه مضيعين لما من عليهم من غريزة العقل استحقوا في مجاري عاداتنا لاختيارهم طاعة العدو - مع تعييب علم العواقب عنهم - أن يخذلوا ويسلط عليهم ليكون أخذهم في الظاهر ممن أطاعوه في الباطن، ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يداً على من سواهم لم يقدر عليهم عدو، ولا طرقتهم طارقة يكرهونها سوء.

стр. 9363

ولما كان من له أدنى عقل لا يخون إلا إذا ظن أن خيانته تخفي ليأمن عاقبتها، صور قباحة ما ارتكبوه فقال: ﴿والله﴾ أي قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿يعلم﴾ على مر الأوقات ﴿إسرارهم *﴾ أي كلها هذا الذي أفشاه عليهم وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم، ولعلهم لم يعلموه هم فضلاً عن أقوالهم التي تحدثت بها ألسنتهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات.

стр. 9364

ولما بين تعالى إحاطة علمه بهم، أتبعه إحاطة قدرته فقال تعالى مسبباً عن خيانتهم وهم في القبضة بما لا يخفى مما يريدون به صيانة أنفسهم عن القتل معبراً بالاستفهام تنبيهاً على أن حالهم مما يجازون به على هذا الاستحقاق له من البشاعة والقباحة والفظاعة ما يحق السؤال عنه لأجله فقال: ﴿فكيف﴾ أي حالهم ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾ أي قبضت رسلنا وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم كاملة، فجازتها إلى دار الجزاء مقطوعة عن جميع أسبابهم وأنسابهم فلم ينفعهم تقاعدهم عن الجهاد في تأخير آجالهم، وصور حالهم وقت توفيهم

стр. 9365

فقال: ﴿يضربون﴾ أي يتابعون في حال التوفية ضربهم ﴿وجوههم﴾ التي هي أشرف جوارحهم التي جبنوا عن الحرب صيانة لها عن ضرب الكفار. ولما كان حالهم في جبنه مقتضياً لضرب الأقفاء، صوره بأشنع صوره فقال: ﴿وأدبارهم *﴾ التي ضربها أدل ما يكون على هوان المضروب وسفالته ثم تتصل بعد ذلك آلامهم وعذابه وهوانهم إلى ما لا آخر له. ولما كان كفران النعيم يوجب مع إحلال النعم إبطال ما تقدم من الخدم قال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الإهانة من فعل رسلنا بهم ﴿بأنهم اتبعوا﴾ أي عالجوا فطرهم الأولى في أن تبعوا عناداً منهم ﴿ما أسخط الله﴾ أي الملك الأعظم وهو العمل بمعاصيه من موالاة أعدائه ومناواة أوليائه وغير ذلك. ولما كان فعل ما يسخط قد يكون مع الغفلة عن أنه يسخط، بين أنهم ليسوا كذلك فقال تعالى: ﴿وكرهوا﴾ أي بالإشراك ﴿رضوانه﴾ بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن سائر الطاعات أكره، لأن ذلك ظاهر غاية

стр. 9366

الظهور في أنه مسخط ففاعله مع ذلك غير معذور في ترك النظر فيه ﴿فأحبط﴾ أي فلذلك تسبب عنه أنه أفسد ﴿أعمالهم *﴾ الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلاً لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق من قرى الضيف والأخذ بيد الضعيف والصدقة والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق. ولما صور سبحانه ما أثرته خيانتهم بأقبح صوره، فبان به أنه ما حملهم على ما فعلوه إلا جهلهم وسفاهتهم، فأنتج إهانتهم بالتبكيت فقال عاطفاً على ما تقديره: أعلموا حين قالوا ما يسخطنا أنا نعلم سرهم ونجواهم، وإن قدرتنا محيطة بهم ليكونوا قد وطنوا أنفسهم على أنا نظهر للناس ما يكتمونه ونأخذهم أخذاً وبيلاً فيكونوا أجهل الجهلة: ﴿أم﴾ حسبوا لضعف عقولهم - بما أفهمه التعبير بالحسبان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما دل على الآفة التي أدتهم إلى ذلك فقال تعالى: ﴿حسب الذين في قلوبهم﴾ التي إذا فسدت فسد جميع أجسادهم ﴿مرض﴾ أي آفة لا طب لها حسباناً هو في غاية الثبات بما دل عليه التأكيد في قوله : ﴿أن لن يخرج الله﴾ أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول ﷺ والمؤمنين رضوان الله عليهم

стр. 9367

على سبيل التجديد والاستمرار ﴿أضغانهم *﴾ أي ميلهم وما يبطنونه في دواخل أكشاحهم من اعوجاجهم الدال على أحقادهم، وهي أنهم كاتمون عداوة في قلوبهم مصرون عليهم يترقبون الدوائر لانتهاز فرصتها، ليس الأمر كما توهموا بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم. ولما علم من ذلك إحاطة علمه وشمول قدرته علم ما له سبحانه من باهر العظمة وقاهر العزة، فنقل الكلام إلى أسلوبها تنبيهاً على ذلك عاطفاً على ما تقديره: خابت ظنونهم وفالت آراؤهم فلنخرجن ما يبالغون في ستره حتى لا ندع منه شيئاً يريدون إخفاءه إلا كشفناه وأبديناه للناس وأوضحناه، فإنا نعلمهم ونعلم ذلك منهم من قبل أن نخلقهم، فلو نشاء لفضحناهم حتى يعرفهم الناس أجمعون، فلا يخفى منهم أحد على أحد منهم فقال تعالى: ﴿ولو﴾ ويجوز أن تكون واو للحال أي أم حسبوا ذلك والحال أنا لو ﴿نشاء﴾ أي وقعت منا مشيئة الآن أو قبله أو بعده. ولما كانوا لشدة جهلهم لا يتصورون أن سرائرهم كلها معلومة مقدور على أن يعلمها بشر مثلهم، أكد قوله:

стр. 9368

﴿لأريناكهم﴾ أي رؤية تامة كاشفة لك الغطاء عنهم ﴿فلعرفتهم﴾ أي فتعقبت رؤيتك إياهم معرفتك لهم أنت بخصوصك ﴿بسيماهم﴾ أي بسبب علاماتهم التي نجعلها عالية عليهم غالبة لهم في إظهار ضمائرهم عليها لا يقدرون على مدافعتها بوجه، ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن. ولما انقضى ما علق بالمشيئة مما كان ممكناً له في الماضي وغيره، عطف عليه ما يجزه له مما كشف من أمرهم في المستقبل فقال مؤكداً لاستبعاد من يستبعد ذلك منهم أو ممن شاركهم في مرض القلب من غيرهم فقال في جواب قسم محذوف دل عليه باللام: ﴿ولتعرفنهم﴾ أي بعد هذا الوقت معرفة تتجدد بحسب تجدد أقوالهم مستمرة باستمرار ضمائرهم الخبيثة وإسرارهم ﴿في لحن القول﴾ أي الصادر منهم، ولحنه فحواه أي معناه ومذهبه وما يدل عليه ويلوح به من مثله عن حقائقه إلى عواقبه وما «يؤول إليه» أمره مما يخفى على غيرك،

стр. 9369

وقال ابن برجان: هو ما تنحوا إليه بلسانك أي تميل إليه ليفطن لك صاحبك وتخفيه على من لم يكن له عهد بمرادك، وعلى القول بالتحقيق فلحن القول ما يبدو من غرض الكلام وخفيات الخطاب وسياق اللفظ وهيئة السحنة حال القول وإن لم يرد المتكلم أن يظهره ولكنه على الأغلب يغلبه حالاً، فلا يقدر على كل كتمه وإن كان في تكليمه معتمداً على ذلك، وحقيقته حال يلوح عن السر وإظهار كلام الباطن يكاد يناقض كلام اللسان بحال خفية ومعان يقف عليها باطن التخاطب وقال: ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب وقال آخر: عيناك قد دلتا عيناي منك على ... أشياء لولاهما ما كنت أدريها وقال أبو حيان: كانوا اصطلحوا على الفاظ يخاطبون بها الرسول ﷺ مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح، وقال الأصبهاني: وقيل للمخطىء: لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب: وقال البغوي: للحن وجهان: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب لحن يلحن

стр. 9370

لحناً فهو لحن - إذا فطن للشيء، والفعل من الخطأ لحن يلحن لحناً فهو لاحن، والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته، قال: فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه، وقال الثعلبي: وعن أنس ﵁: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في غزوة وفيها سبعة من المنافقين يشكرهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا على جبهة كل واحد منهم مكتوب «هذا منافق» ومثل ابن عباس ﵃ بقوله: «ما لنا إن أطعنا من الثواب» قال: ولا يقولون: ما لنا إن عصينا من العقاب. ولما أخبر سبحانه أنه يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وأنه يجليهم لنبيه ﷺ في صور ما يخفونه من أقوالهم، وأكد ذلك لعلمه بشكهم فيه، واجههم بالتبكيت زيادة في إهانتهم عاماً لغيرهم إعلاماً بأنه محيط بالكل فقال عاطفاً على ما تقديره: فالله يعلم أقولكم: ﴿والله﴾ أي مما له من صفات الكمال ﴿يعلم أعمالكم *﴾ كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها، علماً ثابتاً غيبياً وعلماً راسخاً شهودياً يتجدد

стр. 9371

بحسب تجددها مستمراً باستمرار ذلك.

стр. 9372

ولما أخبر سبحانه أنه يعرفهم لنبيه ﷺ ، أتبعه الإخبار بأنه يعرفهم لكافة المؤمنين أيضاً، فقال مؤكداً لأجل ظنهم أن عندهم من الملكة الشديدة والعقل الرصين ما يخفون به أمورهم: ﴿ولنبلونكم﴾ أي نعاملكم معاملة المبتلى بأن تخالطكم بما لنا من صفات العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس النواهي الكريهة إليها والمصائب، خلطة مميلة محيلة، وهكذا التقدير في الفعلين الآتيين في قراءة الجماعة بالنون جرياً على الأسلوب الأول، وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالياء الضمير لله تعالى الذي هو محيط بصفات العظمة الراجعة إلى القهر وغيرها من صفات الإكرام الآئلة إلى الإنعام، فهو في غاية الموافقة لقراءة النون ﴿حتى نعلم﴾ بالابتلاء علماً شهودياً يشهده غيرنا مطابقاً لما كنا تعلمه علماً غيبياً فنستخرج من سرائركم ما كوناه فيكم وجبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه أنتم حق علمه ﴿المجاهدين منكم﴾ في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالاً للأمر بذلك. ولما كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيداً لأمره:

стр. 9373

﴿والصابرين﴾ أي على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد، قال القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص ويتضح المماذق وينكشف المنافق. ولما نصب معياراً للعلم بالذوات، أتبعه مسباراً للمعرفة للأخيار، فقال عاطفاً على «نعلم» في رواية الجماعة وعلى «نبلو» في الرواية عن يعقوب بإسكان الواو: ﴿ونبلوا أخباركم﴾ أي نخالطها بأن نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحاً وقبيحاً مليحاً ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك إحسان من الله إليه فيستحيي منه ويرجع إليه، وإذا سمى حسنه باسم القبيح واشتهر به علم أن ذلك لطف من الله به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح. لأن شهرته عند الناس محط نظره، ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخبر ولم يؤكد بنا، وفي قراءة يعقوب إشارة إلى أن إحالة حال المخبر بعد ظهور خبره أسهل من إحالته قبل ظهوره، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت أستارنا وفضحتنا.

стр. 9374

ولما جرت العادة بأن الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من الإخبار بنكالهم وقبيح أعمالهم مهيئاً للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكداً لظنهم أنهم هم الغالبون لحزب الله: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي غطوا من دلت عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح المعجزات ﷺ ﴿وصدوا﴾ أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم. ولما كان أكثر السياق للمساترين بكفرهم، أدغم في قوله: ﴿وشاقوا الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية المعروفة غاية المعرفة. ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل الإرسال، قال مثبتاً الجار إعلاماً بأنه لا يغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو في أدنى وقت: ﴿من بعد ما تبين﴾ أي غاية التبين بالمعجز ﴿لهم الهدى﴾ بحيث صار ظاهراً بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين، ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة. ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله، دل على ذلك بقوله معرياً له من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر

стр. 9375

موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا ﴿لن يضروا الله﴾ أي ملك الملوك، ولم يقل: الرسول ﴿شيئاً﴾ أي كثيراً ولا قليلاً من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر والصد. ولما كان التقدير: إنما ضروا أنفسهم ناجزاً بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم شيئاً. عطف عليه: ﴿وسيحبط﴾ أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه ﴿أعمالهم *﴾ من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت، فهو إنما يرائي بها، ومن المجاهر على غير أساس أصلاً، فلا ينفعهم شيء منها، ومن المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء. ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلاً، وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ومنّ، أنتج قوله منادياً من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك وعدم مبادرته قبله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بألسنتهم ﴿أطيعوا الله﴾ أي الملك

стр. 9376

الأعظم تصديقاً لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول الله ﷺ بإفراده فقال تعالى: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ لأن طاعته من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة وروحاً. ولما كانت الطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة، قال منبهاً على الإخلاص لتكمل حساً ومعنى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم *﴾ أي بمعصيتهما، فإن الأعمال الصالحة إذا نوى لها ما لا يرضيهما بطلب وإن كانت في الذروة من حسن الصورة، فكانت صورة بلا معنى، فهي مما يكون هباء منثوراً مثل ما فعل أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء والأذى ونحو ذلك من المعاصي، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر هو المراد الأعظم بذلك، والآية من الاحتباك: ذكر الطاعة أولاً دليلاً على المعصية ثانياً، والإبطال ثانياً دليلاً على الصحة أولاً، وسره أنه أمر بمبدأ

стр. 9377

السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانياً، لأنه أعظم في النهي عن الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته.

стр. 9378

ولما دل ما أخبر به أولاً عن المشاققين على أنهم مغلوبون في الدنيا خاسرون في الآخرة، وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط، علل ما أمر به المؤمنون هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال بالمعصية، زيادة في حثهم على ما أمر به بعلتين كل منها مستقل بامتثال أمره واجتناب نهيه: إحدهما عدم المغفرة، والثانية بطلان الأعمال والأموال بكون الدنيا لا حقيقة لها، وقدم الأولى لأن الثانية - وهي أن الدنيا لعب - كالعلة الحاصلة على ما أوجبها، ومن حسن التعليم بيان الحكم ثم تعليله بأقرب ما يحمل عليه أو يصد عنه، فكأنه قيل: لا تبطلوها بالصد عن سبيل الله الحامل عليه الإقبال على الدنيا التي هي عين الباطل، فإنكم إن فعلتم ذلك فاتتكم المغفرة، وذلك من معنى قوله تعالى مؤكداً لإنكارهم مضمونه: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دله عليه عقله من آيات الله المرئية ثم المسموعة ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾ أي طريق الملك الأعلى الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراده بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم. ولما كان هذا أمراً قبيحاً من جهات عديد لما فيه من مخالفة

стр. 9379

الملك الأعظم المرهوب بطشه المحذورة سطوته، ومن ترك الواسع إلى الضيق والمستقيم إلى المعوج والموصل إلى الفوز إلى الموصل إلى الخيبة، فكان التمادي فيه في غاية البعد، نبه على ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم ماتوا﴾ أي بعد المدلهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿كفار﴾ ولما كان السبب الأعظم في الإحباط الموت على الكفر، نبه عليه بالفاء الدالة على ربط الجزاء بالشرط وتسببه عنه فقال مؤكداً له لإنكارهم ذلك: ﴿فلن يغفر الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال التي تمنع من تسوية المسيء بالمحسن ﴿لهم﴾ فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل يفضح سرائرهم ويوهن كيدهم ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة، فلم يبق لهم ما يغفر لهم بسببه، وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر. ولما قدم سبحانه ذم الكفرة وأنه عليهم وأنه يبطل أعمالهم في الدنيا في الحرب وغيرها، وختم بأن عداوته لهم متحتمة لا انفكاك

стр. 9380

لها، وكان ذلك موجباً للاجتراء عليهم، سبب عنه قوله مرغباً لهم في لزوم الجهاد محذراً من تركه: ﴿فلا تهنوا﴾ أي تضعفوا ضعفاً يؤدي بكم إلى الهوان والذل ﴿وتدعوا﴾ أي أعداءكم ﴿إلى السلم﴾ أي المسالمة وهي الصلح ﴿وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿الأعلون﴾ على كل من ناواكم لأن الله عليهم، ثم عطف على الحال قوله: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يعجزة شيء ولا كفوء له ﴿معكم﴾ أي بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكرمي إذا كان مع غيره، ومن علم أن سيده معه وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلاً ﴿ولن يتركم أعمالكم *﴾ أي فيسلبكموها فيجعلكم وتراً منها بمعنى أنه يبطلها كما يفعل مع أعدائكم في إحباط أعمالهم فيصيرون مفردين عنها لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم، فلا يجوز لإمام المسلمين أن يجيب إلى مسالمة الكفار وبه قوة على مدافعتهم، ولا يحل له ترك الجهاد إلا لمعنى يظهر فيه النظر للمسلمين، ومتى لم يجاهد في سبيل الله انصرف بأسه إلى المسلمين. ولما أتم العلة الأولى أقبل على الثانية الصادة عن الطاعة القائدة إلى المعصية الملائمة للشهوة المبطلة للأعمال الموجبة للتهاون المؤدي إلى عدم المغفرة، فقال مرغباً في طاعته الموجبة للفوز الدائم ببيان قصر أيام المحنة

стр. 9381

وتجرع مرارات المشقة: ﴿إنما الحياة﴾ وأشار إلى دناءتها تنفيراً عنها بقوله: ﴿الدنيا﴾ ولما كان مطلق العلو موجباً لأعظم اللذاذة فكيف إذا كان موجبه الدين الضامن لدوام اللذة موصولاً دنيويها بأخرويها، وكان اللعب ما ينشأ من زيادة البسط وينقضي بسرعة مع دلالته على الخفة كالرقص، قدمه إشارة إلى أن العاقل من يسعى في زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم، وأتبعه اللهو لأنه ما يستجلب به السرور كالغنا إشارة إلى أنه إن كان المراد بالدنيا زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة، مع ما فيه من الرعونة، وإن كان المراد أصل البسط والسرور فعندكم منه بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما هو في غاية العظمة والجد والثبات فلا سفه أعظم من العدول عنه إلى ما إن سر حمل على الطيش وانقضى بسرعة، فقال: ﴿لعب﴾ أي أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ويسرع اضمحلاله، فيبطل من غير ثمرة ﴿ولهو﴾ أي مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغنا وحيرة وغفلة، فإن

стр. 9382

تتبعوها تكفروا وتبطروا وتجترئوا على الله، وإن تكفروا به وتجترئوا عليه تبطل أجوركم فلا يكون لكم أجر ولا مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها تصير صوراً لا معاني لها. ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل وأمضها عند العاقل، وحاصله أنها زيادة سرور لمن كان مسروراً، واستجلاب له لمن كان مضروراً، لكنه سريع الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من سرور العلو بالإسلام، فإنه باق على الدوام، علم أن التقدير بناء على ما تبع وصف الدنيا، والآخرة جد وعمل وحضور فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا فلا تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على شرفها وشرفه، قال بانياً على ما أرشد السياق إلى تقديره: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف وإنفاق الأموال في ذلك، فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى الكفر ﴿يؤتكم﴾ أي الله الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة ﴿أجوركم﴾ أي

стр. 9383

ثواب كل أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء، والآية من الاحتباك: ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولاً دال على ذكر الآخرة والجد ثانياً، وذكر الإيمان والتقوى ثانياً دال على حذف ضدهما الكفران والجرأة أولاً، وسره أن تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه عند ذوي الهمم العالية، وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة أعون على تركه. ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله، ولا يقنع عند سؤاله، فيكون سبباً لضياع أعماله وأمواله، بين أن المعبود بخلاف ذلك في الأمرين، وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئاً وإنما أخذه أمره بمواصلة بعضكم لبعض فقال تعالى: ﴿ولا يسئلكم﴾ أي الله في الدنيا ﴿أموالكم *﴾ أي لنفسه ولا كلها، وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليه من يأخذ أموالهم بما يخرج أضغانهم، قال ابن برجان: ومتى سئلوا أموالهم بخلوا، فإن أكرهوا على ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد، ولم يكن من الإمام لهم نصيحة ولا منهم للإمام ولا لبعضهم لبعض، وكان الخلاف، وفي ذلك

стр. 9384

الحالقة، وهو إنذار منه سبحانه بما يكون بعد، وما أنذر شيئاً إلا كان منه ما شاء الله.

стр. 9385

ولما كان الإنسان، لما جبل عليه من النقصان، قد يهلك جميع أمواله لهواً ولعباً بالمقامرة ونحوها، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالاً رجاء أن يظفر، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل، قال تعالى ذاكراً لهم ذلك تنبيهاً عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليه معللاً ما قبله: ﴿أن يسئلكموها﴾ أي الأموال كلها، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها، حقق المعنى بقوله: ﴿فيحفكم﴾ أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك ﴿تبخلوا﴾ فلا تعطوا شيئاً ﴿ويخرج﴾ أي الله أو المصدر المفهوم من «تبخلوا» بذلك السؤال ﴿أضغانكم *﴾ أي ميلكم عنه حتى يكون آخر ذلك عداوة وحقداً، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ينطوي بما له من النقصان، على ما جبل عليه من الإضغان، إلا من عصم الرحيم الرحمن، قال الرازي: وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات سوى الزكاة لم يخرج من البخل، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل
следующие страницы →