وإذا جئت إلى الدا ... ر فممنوع الكلام فالذي يبغي مناجا
تك يأتي في المنام
ذكر مستحسنات انتقيتها من كتاب الغرر من الأخبار
تأليف أبي بكر محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد المعروف بوكيع [١] ، قال:
حدثني أبو اسماعيل العلوي إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، حدثني عمّي حسن بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، عن يحيى بن عبد الله بن حسن عن أبيه قال: العلم أكثر من أن يحصى، فخذ من كل شىء أحسنه [٢] .
وأخرج عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الحق نتف. وأخرج عن علي بن ربيعة قال: صارع علي بن أبي طالب ﵁ رجلا فصرعه، فقال:
ثبّتك الله يا أمير المؤمنين، قال: على صدرك. وأخرج عن الشعبي قال: كنية الدجال أبو يوسف [٣] . وأخرج عن الليث بن سعد قال: قال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة. وأخرج عن الأصمعي قال: لا يوجد للرجال شعر جيد إلا وللنساء مثله.
وأخرج عن الشعبي قال: الكلام مصائد العقول. وأخرج عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال، كان يقال: من لم يصلحه الخير أصلحه الشر. وأخرج/ عن إبراهيم بن زياد سبلان [٤] قال: سمع أعرابي رجلا يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس، إن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها [٥] .
وأخرج عن محمد بن مسلم الطائفي [٦] قال، كان يقال: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيّض له من يظلمه [٧] . وأخرج عن أبي معاوية الغلابي غسان بن المفضل قال: حدثني رجل من أهل الجزيرة قال: مكتوب في الحكمة: اشكر من أنعم عليك، وانعم على من شكرك [٨] . وأخرج
стр. 107
عن معاوية قال: إني لأكره النكارة للسيد، وأحب أن يكون عاملها متغافلا [١] .
وأخرج عن محمد بن الحنفية [٢] قال: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه [٣] .
وأخرج عن ثعلبة بن سهيل قال: ما تداوى من جاز الأربعين [٤] سنة بمثل الحمّام. وأخرج عن سفيان بن عيينة قال: أراد النبي ﷺ الكلام فاعتاص [٥] عليه، فقال: (إنّا معاشر الأنبياء يعترينا البكاء) يعني قلة الكلام [٦] . وأخرج عن الأحنف [٧] قال: ثلاث خلال لا ينبغي للعاقل أن يدعهن، ومن أطاعه: علم يحثه على عمل يتزوده، وطب يذب به عن جسده، وصنعة يستعين بها على أمر معاشه./
وأخرج عن خالد بن صفوان [٨] قال: استصغر الكبير في طلب المنفعة، واستعظم الصغير في ركوب المضرة. وأخرج عن الأحنف قال: أربع يسود بهن الرجل، العلم، والأدب، والعفة، والأمانة [٩] ، وقال: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل [١٠] . وقال: ثلاث مجالس لا عيب فيهن على الرجل أن يجلسها، انتظاره الجنازة، وانتظاره إذن السلطان، وطالب العلم، وثلاثة لا عيب فيهن على الرجل: أن يخدم أباه، وضيفه، وفرسه. وأخرج عن الربيع بن برّة قال: الأمثال أقرب إلى العقول من المعاني. وأخرج عن ليث [١١] قال، قال لي طاووس: تعلم ما تعلمت لنفسك، فان الناس قد ذهبت منهم الأمانة.
стр. 108
وأخرج عن قرة بن خالد قال: قلت لمحمد بن سيرين: أكانوا يتمازحون، قال: كان أبو هريرة يمازح ابن عمر [١] . وأخرج عن سلم بن قتيبة [٢] قال: على اللبيب أن يعرف زمانه، فيعمل على قدر ما يرى منه. وأخرج عن الشعبي قال: تعايش الناس بالدين زمنا طويلا، حتى ذهب الدين، ثم تعايش الناس بالمروءة زمنا طويلا حتى ذهبت المروءة، ثم تعايش الناس بالحياء زمنا طويلا حتى ذهب الحياء، ثم تعايش الناس بالرغبة والرهبة، قال: وأظنه سيأتي بعد هذا ما هو أشد منه [٣] .
وأخرج/ عن مالك بن أنس [٤] قال: إذا لم يكن للرجل في نفسه خير، فليس لأحد فيه خير. وأخرج عن ابن سيرين قال: من كان ذا لحية عظيمة فلم يتخذ لحية بين لحيتين [٥] ، فاعرفوا ذلك في عقله. وقال: حدثنا علي بن حرب، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس.
وأخرج عن ابن أبي ذئب قال: سمعت سكينة بنت الحسين تقول: الزعفران صبا [٦] ، والعصفر طيب، والبياض ملك، والمشق فقر. وأخرج عن الحسن قال: كنا في قوم يخزنون ألسنتهم، وينفقون أوراقهم، وبقينا في قوم يخزنون أوراقهم ويرسلون ألسنتهم. وأخرج عن سفيان الثوري قال: بلغني أن الغلام يثغر [٧] في سبع سنين، ويحتلم في أربع عشرة، وينتهي طوله في إحدى وعشرين، وينتهي عقله في ثمان وعشرين، ثم هي التجارب [٨] .
وأخرج عن طريق أبي عميس، عن القاسم قال: مدّ الفرات فجاء برمانة مثل البعير، فكان الناس يرون أنها من الجنة [٩] . وأخرج عن مصعب عن أبيه قال، كان يقال: لا يفهم الملح إلا عقلاء الرجال. وأخرج عن قسامة بن زهير [١٠] قال: روّحوا
стр. 109
القلوب تعي الذّكر [١] . وأخرج عن أبي غزية قال، كان يقال: يستحسن الصبر عن كل شىء إلا عن الصديق [٢] . وأخرج عن أبي سعيد الخدري/ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا فاطمة كوني له أمة يكن لك عبدا، واعلمي أن أطيب الطيب الماء وأحسن الحسن الكحل) [٣] .
وأخرج عن طاووس قال: قم للقرد في زمانه [٤] . وأخرج عن الحسن قال: أصول الشر ثلاثة: العجز، والحسد، والحرص. وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: البياض نصف الحسن. وأخرج عن أبي الدرداء ﵁، قال: إني لأستجم بالشىء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق [٥] . وأخرج عن عبد الله بن هبيرة: أن سلمان سئل عن السيئة التي لا تنفع [٦] معها الحسنة، قال: الكبر.
وأخرج عن عدي بن حاتم قال: كان حاتم يقول لنا في الجاهلية: إذا كان الشىء يكفيكه الترك فاتركه [٧] . وأخرج عن معاوية قال: لا تستحيي من القليل، فان الحرمان أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فانك أكثر منه. وأخرج من طريق منّة البرمكية، قالت: سمعت بنت شهدة تقول، قلت لمعبد [٨] : ما أطيب الأصوات، قال: الصوت الأجش وقت السحر [٩] .
وأخرج عن أبان القارئ قال: سألت معبد المغني عن دواء الأصوات، فقال:
حدثتني أم جميل الحدباء، أنها سألت الجن عن ذلك فقالوا: الكدّ. وأخرج عن طريق سفيان عن ليث عن طاووس عن ابن عباس: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، كلمة نبي [١٠] ./
стр. 110
وأخرج عن أبي الزناد [١] قال: لا يزال في الناس بقية ما تعجّب من العجب [٢] . وأخرج من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: جاء ناس إلى رسول الله ﷺ فكانوا في المسجد في القرآن، فأقبل كعب بن مالك ينشده الشعر، فقيل: يا رسول الله، قرآن وشعر في مجلس، قال: (هذا مرة وهذا مرة) .
وأخرج عن سفيان بن حسين قال: قدم الأعمش بعض السواد، فاجتمعوا عليه فلم يحدثهم، فقيل له في ذلك، فقال: ومن يعلق الدرّ على الخنازير [٣] . وأخرج عن الحريش بن موسى قال: قيل لرجل: ما بلغ من نسيانك، قال: أؤذن في رقعة. وأخرج عن أبي خالد الوالبي [٤] قال: كنت أجلس في الحلقة مع أصحاب محمد، فلعلهم لا يذكرون إلا الشعر حتى يتفرقوا. وأخرج عن عبد الواحد بن زيد قال: قاعدوا أهل الدين، فان لم تقدروا عليهم فقاعدوا أهل المروآت من أهل الدنيا، فانهم لا يرفثون في مجالسهم [٥] .
وأخرج عن محمد بن الحنفية قال: المروءة الصبر على النوائب. وأخرج عن أبي العالية قال: انبذوا بين الكلام لا إله إلا الله [٦] . وأخرج من طريق الشعبي، عن محمد بن الأشعث، قال: إن لكل شىء دولة، حتى ان للحمق على الحلم دولة. وأخرج عن ابن شوذب قال: إن الله من رحمته حرم الإياس على الناس. وأخرج عن أبي عمرو بن العلاء قال:/ لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يضع كتابا [٧] .
وأخرج عن المدائني قال: قيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذي إذا أقبل هابوه، وإذا ولّى شتموه [٨] . وأخرج عن قتادة قال: في التوراة مكتوب لا تستبدل أخا حديثا بأخ قديم [٩] . وأخرج عن محمد بن سلام، قال، كان يقال: لا يلام الرجل على أن لا يعرف الصواب في كل شىء، إنما يلام من سمع الصواب فلم يعرفه. وأخرج عن الحنظلي قال، قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فاغضبه قبل ذلك،
стр. 111
فان أنصفك عند غضبك، وإلا فاحذره [١] .
وأخرج عن أبي نعيم الطبري قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فيهم غلام، فذهب الغلام يتكلم، فقال له عمر بن عبد العزيز: الكبر يا غلام، فقال الغلام: لو كان الأمر بالكبر ما جلست هذا المجلس، إن في الناس من هو أكبر منك، قال: فتكلم إذن يا غلام، فقال الغلام: يا عمر، إن الله لم يرض أحدا من خلقه فيجعله فوقك، فاجتهد أن لا يكون لله في أرضه من هو أطوع له منك.
وأخرج عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: قيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها [٢] . وقال: أنشدني محمد بن سعد الكراني قال، أنشدني أبو خلدة: [السريع]
يروى حديث عن نبي الهدى ... يحكيه عن أسلافنا حاملوه
إن رسول الله في مجلس ... قال وقد حفّ به آهلوه
إذا سألتم أحدا حاجة ... فالتمسوها في حسان الوجوه [٣]
وأخرج عن الأحنف بن قيس قال: إني لأدع كثيرا من الكلام، مخافة الجواب [٤] .
وأخرج عن الأعمش قال: أتدرون ما قالت الأذن، قالت: لولا إني أخشى الجواب لطلت كما طال الكساء. وأخرج عن بلال بن أبي بردة قال: رأيت عيش الناس في ثلاثة أشياء، امرأة تسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك في غيبك إذا غبت عنها، ومملوك لا تهتم معه قد كفاك جميع ما لزمك، فهو يعمل على ما تهوى، كأنه قد علم ما في نفسك، وصديق قد وضع مؤونة التحفظ عليك فيما بينك وبينه، فهو لا يعمل في صداقتك ما يرصد به عداوتك، ويخبرك بما في نفسه، وتخبره عما في نفسك.
وأخرج عن المدائني قال: كان يقال: كفى بالحلم ناصرا. وأخرج عن عمر بن عبد العزيز قال: اطلب العفو من الله، بالعفو عن الناس. وأخرج عن أبي قدامة [٥] قال: لا تحتقروا حملة العلم، فان الله لم يحقرهم، حيث وضع علمه عندهم. وأخرج عن أبي وائل [٦] قال: إن أهل بيت يوضع على مائدتهم رغيف من حلال لأهل بيت غرباء. وأخرج عن
стр. 112
عبد الواحد بن أبي عمرو الأسدي، قال: جاء الزبرقان بن بدر [١] بابن له يقال له عياش، إلى مسيلمة [٢] باليمامة [٣] /فقال له: يا نبي الله، حنّك هذا، فحنّكه فخرس.
وأخرج عن مصعب قال، قال عبد الملك بن مروان ليحيى بن سعيد: زعم عبد الله بن هلال أنك تشبه إبليس، فقال له يحيى: وما تنكر أن شبّه سيد الإنس سيد الجن. وأخرج عن خلف بن حوشب قال، قال لقمان: العالم مصباح، فمن أراد الله به خيرا اقتبس منه.
وأخرج عن معمر عن أبيه، قال، ققلت لهلال بن أشقر: ما أكلة بلغتني عنك، قال: جعت مرة وأنا على بعيري فنزلت فأكلته، إلا ما حملت على ظهري. وأخرج عن الهيثم قال: كان هشام بن عروة يقول: أما ما وعيت من الفقه وما أشبهه فاني لا أمنعكموه، وأما ملحي فو الله لا أعطيكموها.
وأخرج عن ابن عائشة قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من أهل الثغور، له سن وعقل، فقال له عمر: كيف رأيت عمالنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا طابت العين عذبت الأنهار. وأخرج عن الشعبي قال: ما من بني عبد المطلب أحد إلا وقد قال الشعر امرأة ولا رجل، إلا رسول الله ﷺ . وأخرج عن مسروق قال: كانت عائشة ﵂ تروي ألف بيت شعر [٤] ./
في مشيخة أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي، قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا حسن بن عبد الرحمن الربعي، حدثنا إبراهيم بن سعدان، حدثنا أبو عبد الله محمد بن سليم قال، قال لي أبن عائشة: خرجت إلى بغداد لأسمع من ابن المبارك، فلما انتهيت إلى واسط [٥] قلت: لو عدلت إلى إسحاق الأزرق فسلمت عليه، فدخلت إليه، فقال لي: أعلمت ما لحقني من هذا الفاسق، قلت: أي الفسقة؟
قال: الحسن بن هاني أبو نواس، قلت: ما قصته؟ قال: كذب على أصحاب رسول الله ﷺ ، وروى عني شيئا، والله ما حدثت به قط، قلت: ما هو؟ قال: يا جارية هاتي القرطاس، فجاءت بقرطاس فاذا فيه مكتوب [٦] : [المنسرح]
стр. 113
يا حسن المقلتين والجيد ... تقتلني منك بالمواعيد
تضرب لي الوعد ثم تخلفني ... فيا بلائي من خلف موعود [١]
حدثني الأزرق المحدث عن ... ابن شمر عن ابن مسعود
لا يخلف الوعد غير كافره ... وكافر في الجحيم مصفود
حدثني أبو بكر محمد بن سهل الرازي قال: كنت بالموصل فرأيت رجلا له مائة وثلاث وعشرون سنة، قد لقي السّدي قال: قرأت في الإنجيل، فذكر أشياء إلى أن قال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يتنفس فيها ابن آدم ثلاثين ألف نفس، كل ساعة ألف ومائتين وخمسين نفسا/ حدثنا محمد بن حاتم السمرقندي أبو نصر إملاء بمكة، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن محمد بن ربيعة الكلابي، حدثنا أحمد بن رشد الهلالي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي قال: كنت عند عبد الله بن عباس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عباس، أما تعجب من عائشة تذم دهرها، وتنشد شعر لبيد [٢] : [الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون ملاذة ومشحّة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب [٣]
فقال عبد الله بن عباس: لئن ذمت عائشة دهرها، فقد ذمت عاد دهرها [٤] ، وجد في خزانة عاد سهم كأطول ما يكون من رماحنا عليه مكتوب، وذكر الشعر، فقال ابن عباس: ما بكينا من دهر، إلا بكينا عليه [٥] .
ذكر مستحسنات انتقيتها من مصنف عبد الرزاق
قال [٦] عبد الرزاق في المصنف [٧] عن الثوري، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان اسم جارية النبي ﷺ خضرة، وحماره يعفور، وناقته القصوى، وبغلته الشهباء، وسيفه
стр. 114
ذو الفقار [١] . عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن مرة قال: كان اسم سيف النبي ﷺ ذا الفقار، واسم درعه ذات الفضول. عن معمر عن قتادة، عن الحسن وابن المسيب قالا:
يغسل الشهيد، فان كل ميت يحدث [٢] .
عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أهديت فاطمة إلى عليّ، جئت تلك الليلة/ فقال لي رسول الله ﷺ : (أجئت كرامة لرسول الله مع ابنته) قلت: نعم إن الفتاة ليلة يبنى بها، لابد لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت حاجة أفضت بذلك إليها، فدعا لي دعاء إنه لأوثق عملي عندي [٣] .
عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمع عمر بن الخطاب رجلا من اليهود يقول:
قال لي رسول الله ﷺ : (كأني بك قد وضعت كورك على بعيرك ثم سرت ليلة بعد ليلة) ، فقال عمر: إيه والله لا تمسوا بها، فقال اليهودي: والله ما رأيت كلمة كانت أشد على من قالها، ولا أهون على من قيلت له منها [٤] . عن الثوري عن هشام عن عروة: أن عمر بن الخطاب قال: يعمد أحدكم إلى ابنته فيزوجها القبيح الدميم [٥] ، إنهن يحببن ما تحبون، يعني إذا زوجها الدميم كرهت من ذلك ما يكره، وعصت الله فيه [٦] .
عن عبد الرزاق، عن معمر، عن غير واحد: أن شريحا [٧] أتاه رجل وامرأته، فقال الرجل: أين أنت؟ قال: دون الحائط، قال: إني امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد بغيض، قال: تزوجت هذه المرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: فولدت لي غلاما. قال:
يهنئك الفارس، قال: وأردت الخروج بها إلى الشام، قال: مصاحبا، قال: وشرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: إقض بيننا- أصلحك الله- قال: [مجزوء الرجز]
حدّث حديثين امرأه ... فان أبي فأربعه [٨]
عن الثوري عن سليمان الشيباني، عن رجل، عن عليّ: أنه أتي له برجل فقال: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال: اذهب فأقمه/ في الشمس فاضرب ظله [٩] . عن ابن جريج قال:
стр. 115
أخبرني داود بن أبي هند، عن رجل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب:
أن رجلا من الأنصار، خرج إلى مسجد قومه ليشهد العشاء، فاستطير [١] ، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فدعا قومه فسألهم عن ذلك، فصدقوها، فأمرها أن تتربص أربع حجج، ثم أتته بعد انقضائهن، فأمرها فتزوجت، ثم قدم زوجها، فصاح بعمر، فقال:
امرأتي لا طلقت، ولا متّ، قال: من ذا، قالوا: الرجل الذي كان من أمره كذا وكذا، فخيّره بين امرأته وبين المهر، وسأله، فقال: ذهب بي حيّ من الجن كفار، فكنت فيهم، قال: فما كان طعامك فيهم، قال: ما لم يذكر اسم الله عليه والفول، حتى غزاهم حيّ مسلمون، فهزموهم فأصابوني في السبي، فقالوا: ما دينك، فقلت: الإسلام، قالوا: أنت على ديننا، إن شئت مكثت عندنا، وإن شئت رددناك إلى قومك، فقلت: ردوني، فبعثوا معي نفرا منهم، أما الليل فيحدثوني وأحدثهم، وأما النهار فاعصار الريح أتبعها، حتى رددت إليكم [٢] .
قال ابن جريج: وأما أبو قزعة، فسمعته يقول: إن عمر سأله: أين كنت، قال:
ذهب بي حيّ كفار، فلم يزالوا يدوّروني في الأرض حتى وقعت على أهل بيت فيهم مسلمين، فأخذوني فردوني، قال: ماذا يشار كونا فيه من طعامنا، قال: فيما لا تذكرون اسم الله عليه منها، وفيما سقط، قال عمر: لئن استطعت لا يسقط مني شىء [٣] ./
عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن رجل من أهل المدينة: أن عمر بن الخطاب، كان يعزل عن جارية له، فحملت، فشقّ ذلك عليه، وقال: اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم، فولدت غلاما أسود، فسألها، فقالت: من راعي الإبل، فاستبشر [٤] . عن الثوري عن خالد الحذّاء، عن أبي الوليد قال: اختصم عمّ وأمّ إلى ابن ربيعة الجرمي، فقال: خاصمت فيّ أمي عمي، إلى عليّ، فقال: أمك أحبّ إليك أم عمّك؟ قلت: بل أمي، ثلاث مرات، قال: وكانوا يستحبون الثلاث في كل شىء، فقال لي: أنت مع أمك [٥] .
عن ابن جريج قال: سئل عطاء عمّن نكح من أصحاب رسول الله ﷺ ، في أهل الكتاب، فقال: حذيفة بن اليمان [٦] . عن ابن جريج قال: أخبرت عن سعيد بن المسيب:
أن عمر بن الخطاب، كتب إلى حذيفة بن اليمان، وهو بالكوفة، ونكح امرأة من أهل
стр. 116
الكتاب: أن فارقها، فانك في أرض المجوس، وإني أخشى أن يقول الجاهل: كافر وكافرة، قد تزوج صاحب رسول الله ﷺ ، ويجهل الرخصة التي كانت من الله، فيزوجوا نساء المجوس، ففارقها [١] .
عن الثوري، عن جابر، عن الشعبي، قال، قال عبد الله [٢] : ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب الحرام الحلال. عن معمر، أخبرني من سمع الحسن: سئل عن جارية سبيت ولها زوج، أتحل لسيدها، فقال الحسن: أما ترون قول الفرزدق [٣] : [الطويل]
وذات حليل أنكحتها رماحنا
عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: كتب علي بن أبي طالب في وصيته: أما بعد، فان حدث بي حدث في هذا الغزو، فان ولائدي اللاتي أطوف عليهن تسع عشرة وليدة منهن أمهات أولاد، معهن أولادهن، ومنهن حبالى، ومنهن من لا ولد لهنّ، فقضيت إن حدث لي حدث في هذا الغزو، فانّ من كانت منهن ليست بحبلى وليس لها ولد، فهي عتيقة لوجه الله، ليس لأحد عليها سبيل، ومن كانت منهن حبلى أو لها ولد، فانها تحبس على ولدها، وهي من حظّه، فان مات ولدها وهي حيّة، فهي عتيقة لوجه الله، هذا ما قضيت في ولائدي التسع عشرة، والله المستعان، شهد هياج بن أبي سفيان، وعبد الله بن أبي رافع، وكتب في جمادى سنة سبع وثلاثين [٤] .
عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سمعت عليا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت أن يبعن، قال عبيدة: فقلت له فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبّ إليّ من رأيك وحدك في الفرقة، أو قال: في الفتنة، قال: فضحك عليّ [٥] .
عن معمر عن قتادة عن الحسن، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: إنها زنت، فقال رجل: إنها غيرى يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : (إن شئتم لأحلفنّ لكم أن التاجر فاجر، وأن الغيرى ما تدري أين أعلى الوادي من أسفله) [٦] .
عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار/ عن أبي جعفر قال: أعطى أبو بكر عليا جارية،
стр. 117
فدخلت أم أيمن [١] على فاطمة، فرأت فيها شيئا كرهته، فقالت: ما لك؟ فلم تخبرها، فقالت: ما لك، فو الله ما كان أبوك يكتمني شيئا، فقالت: جارية أعطيها أبو حسن، فخرجت أم أيمن فنادت على باب البيت الذي فيه عليّ بأعلى صوتها: أما رسول الله الرجل يحفظ في أهله، فقال عليّ: ما هذا الصوت؟ فقالوا: أم أيمن تقول: أما رسول الله الرجل يحفظ في أهله [٢] ، فقال علي: وما ذاك؟ قالت: جارية بعث بها إليك أبو بكر، فقال عليّ:
الجارية لفاطمة [٣] .
عن ابن عيينة، عن شيخ منهم، عن أبيه قال: جاء جرير بن عبد الله [٤] إلى عمر، يشكو إليه ما يلقى من النساء، فقال عمر: إنّا لنجد ذلك، حتى إني لا أريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم ﵇ شكى إلى الله ردىء خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من الضلع، فالبسها على ما كان منها، ما لم تر عليها خربة [٥] في دينها، فقال له عمر: لقد حشا الله بين أضلاعك علما كثيرا [٦] .
أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: رجم النبي ﷺ رجلا من أسلم، زعموا أنه ما عز بن مالك، ورجلا من اليهود وامرأة [٧] . عن الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت/ فقال عمر:
أراها قامت من الليل تصلي، فخشعت، فسجدت، فأتاها غاو من الغواة فتجشمها [٨] ، فأتته فحدثته بذلك سواء، فخلى سبيلها [٩] . عن الثوري عن عليّ بن الأقمر، عن إبراهيم قال: بلغ عمر عن امرأة أنها حامل، فأمر بها أن تحرس حتى تضع، فوضعت ماء أسود، فقال عمر: لمّة من الشيطان [١٠] .
أخبرنا الأسلمي عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح، قال: تسلّف
стр. 118
النبي ﷺ من رجل ورقا [١] ، فلما قضاه وضع الورق في كفة الميزان فرجح، فقيل: قد أرجحت، فقال رسول الله ﷺ : (إنّا كذلك نزن) [٢] . عن الثوري عن عيسى بن المغيرة عن الشعبي قال، قال عمر: تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا. أخبرنا معمر عن ابن شبرمة قال: قال لي أبو الزناد اليمني مع الشاهد الواحد، فأبيت ذلك عليه، فقال: منّا خرج العلم، قلت: فمتى يؤوب؟
عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: اختصم عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء [٣] ، فحكّما أبيّ بن كعب، فأتياه، فقال عمر بن الخطاب: إلى بيته يؤتى الحكم، فقضى على عمر باليمين، فوهبها له معاذ [٤] . عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم بن أبي المخارق: أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب، فقالت: إني وضعت بعد وفاة زوجي قبل انقضاء العدة، فقال عمر: أنت لآخر الأجلين، فمرت بأبيّ بن كعب، فقال لها: من أين جئت؟ فذكرت له، وأخبرته بما قال عمر، فقال: اذهبي إلى عمر وقولي: إن أبيّ بن كعب يقول: قد حللت فان التمستيني/ فأنا ها هنا، فذهبت إلى عمر فأخبرته، فقال: ادعيه، فجاءته فوجدته يصلي، فلم يعجل عن صلاته حتى فرغ منها، ثم انصرف معها إليه، فقال عمر: ما تقول هذه؟ فقال: إني أنا قلت لرسول الله ﷺ ، إني أسمع الله يذكر: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ
[٥] ، فالحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها، فقال لي النبي ﷺ : نعم، فقال عمر للمرأة: أسمع ما تسمعين [٦] .
أخبرنا معمر عن عاصم، عن الشعبي وعن قتادة أيضا: أن رجلا أتى ابن مسعود، فسأله عن امرأة توفي عنها زوجها ولم يدخل بها، ولم يفرض [٧] ، فقال له ابن مسعود: سل الناس، فان الناس كثير، فقال الرجل: والله لو مكثت حولا ما سألت غيرك، قال:
فردده ابن مسعود شهرا، ثم قام فتوضأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال: اللهم ما كان من صواب فمنك، وما كان من خطأ فمني، ثم قال: أرى لها صداق إحدى نسائها ولها الميراث مع ذلك، وعليها العدة، فقام رجل من أشجع فقال: أشهد لقضيت فيها بقضاء
стр. 119
رسول الله ﷺ في يربوع بنت واشق [١] ، كانت تحت هلال بن أمية [٢] ، فقال ابن مسعود:
هل سمع هذا معك أحد؟ قال: نعم، فأتى بنفر من قومه، فشهدوا بذلك، فما رأوا ابن مسعود فرح بشىء ما فرح بذلك حين وافق قضاء رسول الله ﷺ [٣] .
عن معمر عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس: أن امرأة مجنونة أصابت فاحشة على عهد/ عمر، فأمر عمر برجمها. فمر بها على عليّ والصبيان يقولون: مجنونة بني فلان ترجم، فقال عليّ: ردوها، فردوها، فقام إلى عمر فقال: أما علمت أن القلم مرفوع عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يحتلم، قال: بلى، قال: فما بال هذه، قال: فخلى سبيلها [٤] .
عن ابن عيينة، عن زكريا، عن الشعبي قال: كانت جويرية ملك رسول الله ﷺ ، فأعتقها، وجعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق [٥] . عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت جويرية للنبي ﷺ : إن أزواجك يفخرن عليّ، ويقلن: لم تزوجك رسول الله ﷺ ؟ قال: أو لم أعظم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك [٦] .
عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر: أن النبي ﷺ رجم امرأة، فقال بعض المسلمين: حبط عمل هذه، فقال النبي ﷺ : (بل هذه كفارة لما عملت، وتحاسب أنت بعد بما عملت) [٧] . عن معمر عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثي قال: جاء عمر رجل فقال: عبدي زنى بامرأتي، فأرسلني إليها، فاذا جارية حديثة السن [٨] ، فسألها عمر فقالت: والله لا أجمع فاحشة وكذبا، صدق، فأمر بها عمر فرجمت [٩] . عن الثوري عن جويبر بن الضحاك، عن ابن مسعود، قال: لا يحل في هذه الأمة التجريد، ولا مد، ولا غل، ولا صفد [١٠] . يعني لا تجرد ثيابه، ولا يمدّ عند إقامة الحدود، بل يضرب قاعدا وعليه ثيابه./
стр. 120
عن ابن التيمي قال حدثني الربعي، وكان عندنا مثل وهب عندكم، انه قرأ في بعض الكتب: أن ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة آباء، فخفف الله عن هذه الأمة فجعلها إلى خمسة آباء. عن معمر قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه قال: كان لأزواج النبي ﷺ رضعات معلومات، ولسائر النساء رضعات معلومات [١] . عن معمر: أن أزواج النبي ﷺ إذا أرضعن الكبير دخل عليهن، فكان ذلك لأزواج النبي ﷺ خاصة، ولسائر الناس لا يكون إلا ما كان في الصغر [٢] .
أخبرنا ابن جريج، سمعت نافعا يحدث، أن سالم بن عبد الله حدثه: أن عائشة أرسلت به إلى اختها أم كلثوم [٣] لترضعه عشر مرات، ليلج عليها إذا كبر، فأرضعته خمس رضعات [٤] ، ثم مرضت، فلم يكن سالم يلج عليها. أخبرنا ابن جريج، سمعت نافعا مولى ابن عمر يحدث:
أن بنت أبي عبيدة امرأة ابن عمر، أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بغلام [٥] إلى اختها فاطمة، فأمرتها أن ترضعه عشر مرات، ففعلت، فكان يلج عليها بعد أن كبر [٦] .
عن عمر بن حبيب، حدثني شيخي قال: جلست إلى ابن عمر فقال: أمن بني فلان أنت؟ قلت: لا، ولكنهم أرضعوني، قال: أما أني سمعت عمر يقول: إن اللبن يشبّه عليه [٧] . قال ابن جريج، قال سليمان بن موسى، سألت: هل كان أزواج النبي ﷺ أرخص لهن أن يصلين على ظهور البيوت، فقيل: لم يكن يصلين إلا بالأرض [٨] ./
عن معمر، عن عمرو عن الحسن قال: ما حلّت المتعة قط، إلا ثلاثا، في عمرة القضاء، ما أحلت قبلها ولا بعدها [٩] . عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال:
إن النبي ﷺ أعطي قوة أربعين أو خمسة وأربعين في الجماع [١٠] . عن ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: أعطي النبيّ ﷺ قوة بضع [١١] خمسة وأربعين رجلا [١٢] . أخبرنا ابن جريج، قال، أخبرت عن أنس قال،
стр. 121
قال النبي ﷺ : (أعطيت الكفيت) ، قيل: وما الكفيت، قال: (قوة ثلاثين رجلا في البضاع) [١] .
أخبرنا معمر عن قتادة قال: أحدث الناس ثلاثة أشياء، لم يكن يؤخذ عليهن أجر:
ضراب الفحل، وقسمة الأموال، وتعليم الغلمان [٢] . أخبرنا عثمان بن مطر، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن وابن سيرين: أنهم كرهوا حساب المقاسم بالأجر [٣] . أخبرنا الثوري، عن أبي هشام الواسطي، عن زياد، قال: كنت مع ابن عباس بالطائف، فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما [٤] .
أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابي سلمة عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ترث ملّة ملّة، ولا تجوز شهادة ملة على ملة، إلا أمة محمد ﷺ ، فان شهادتهم تجوز على من سواهم) [٥] . عن الثوري عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: أول ما قضى أنه يرث القاتل في صاحب بني إسرائيل [٦] ./
عن معمر عن الزهري، عن عروة: أن سعد بن عبادة كان حامل راية النبي ﷺ يوم بدر وغيره [٧] . عن معمر عن عثمان الجزري، عن مقسم: أن راية النبي ﷺ ، كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استحرّ القتال، كان النبي ﷺ مما يكون تحت راية الأنصار [٨] .
عن ابن جريج، عمن حدثه، عن عامر [٩] : أن راية النبي ﷺ كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وكانت في الأنصار حيث ما تولوا [١٠] . عن ابن جريج، حدثني سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد قال: حدثنا أن راية النبي ﷺ ، كانت مع سعد بن عبادة يوم الفتح، فدفعها سعد إلى ابنه قيس [١١] .
عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أو غيره، قال: كان عمر يكره أن يحمل
стр. 122
المسلمين غزاة في البحر [١] . عن إبراهيم بن محمد، عن يونس بن يوسف، عن ابن المسيب، قال: بعث عمر بن الخطاب علقمة بن محرز [٢] في أناس إلى الحبش، فأصيبوا في البحر، فحلف عمر بالله لا يحمل فيها أبدا [٣] .
أخبرنا معمر عن أيوب قال: كان رجل من جهينة يبتاع الرواحل فيغلي بها، فدار عليه دين حتى أفلس، فقام عمر على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا يغركم صيام رجل، ولا صلاته، ولكن انظروا إلى صدقه إذا حدّث، وإلى أمانته إذا أؤتمن، وإلى ورعه إذا أشفى، ثم قال:/ ألا إن الأسيفع، أسيفع جهينة، رضي من أمانته ودينه بأن يقال: سبق الأسيفع الحاج، فأدان معرضا، فأصبح قد رين به [٤] فمن كان له عليه شىء، فليحضرنا بالغداة، نقسم الذي له بينهم [٥] ، ثم إياكم والدّين، فان أوله همّ وآخره حرب [٦] .
أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين: أن رجلا من الأنصار وسّع لرجل من المهاجرين في داره، ثم إن الأنصاري احتاج إلى داره، فجحده المهاجر، فاختصما إلى النبي ﷺ ، ولم يكن للأنصاري بيّنة، فحلف المهاجر، ثم إن الأنصاري حضره الموت، فقال لبنيه: إنه رضي بها من الله، فاني رضيت بالله منها، وإنه سيندم فيردها عليكم، فلا تقبلوها، فلما توفي الأنصاري، ندم المهاجري، فجاء إلى بني الأنصاري، فقال: اقبلوا داركم، فأبوا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فذكروا أن أباهم أمرهم ألا يقبلوها، فقال النبي ﷺ : (أيستطيع أن يحملها من سبع أرضين) ، ولم يأمر ولد الأنصاري أن يقبلوها.
أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر: بعينها، وأراد عمر أن يزيدها في المسجد، وأبى العباس أن يبيعها إياه، فقال عمر: هبها لي، فأبى، فقال عمر: فوسّعها أنت في المسجد، فأبى، فقال عمر: لابد لك من إحداهن، فأبى عليه، فقال: فخذ بيني وبينك رجلا، فأخذ أبيّ بن كعب، فاختصما إليه، فقال أبيّ لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيه، فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله/ وجدته، أم سنة من رسول الله ﷺ ، قال أبيّ: بل سنّة من رسول الله ﷺ ، فقال عمر: وما ذاك؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
إن سليمان بن داود، لما بنى بيت المقدس، جعل كلما بنى حائطا، أصبح منهدما، فأوحى
стр. 123
الله إليه، أن لا تبني في حق رجل حتى ترضيه، قال: فتركه عمر فوسعها العباس بعد ذلك في المسجد.
أخبرنا ابن عيينة عن بشر بن عاصم قال: سمعت ابن المسيب يقول: أراد عمر أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب، فيزيدها في المسجد، فأبى العباس أن يعطيها إياه، فقال عمر: لآخذنّها، قال: فاجعل بيني وبينك أبيّ بن كعب، قال: نعم، فأتيا أبيّا، فذكرا له، فقال أبيّ: أوحي إلى سليمان بن داود أن يبني بيت المقدس، وكانت أرضا لرجل [١] ، فاشترى منه الأرض، فلما أعطاه الثمن قال: الذي أعطيتني خير، أم الذي أخذت مني، قال: بل الذي أخذت منك، قال: فاني لا أجيز، قال: ثم اشتراها منه بشىء أكثر من ذلك، فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثة، قال: فاشترط عليه سليمان: إني أبتاعها منك على حكمك، لا تسلني أيهما خير، قال: نعم، فاشتراها منه بحكمه، فاحتكم اثني عشر ألف قنطار ذهبا، فتعاظم ذلك سليمان أن يعطيه، فأوحي إليه: إن كنت تعطيه من شىء هو لك، فأنت أعلم، وإن كنت تعطيه من رزقنا، فاعطه حتى يرضى، قال: ففعل. قال: وإني أرى عباسا أحق بداره حتى يرضى، فقال العباس: فاذا قضيت لي، فاني أجعلها صدقة على المسلمين./
أخبرنا ابن عيينة عن موسى بن أبي عيسى، أو غيره قال: نزع عمر بن الخطاب ميزابا كان للعباس في المسجد، فقال العباس: إن رسول الله ﷺ وضعه بيده، فقال عمر: فلا يكون لك سلّم إلا ظهري، قال: فانحنى له عمر، فركب العباس على ظهره حتى أثبته [٢] .
أخبرنا معمر عن ابن طاووس، عن أبيه قال، قال رسول الله ﷺ : (عادي الأرض لله ورسوله، ثم لكم من بعدي، فمن أحيا من موتان الأرض شيئا فهو له) ، قال: فقيل لطاووس: كيف هذا؟ قال: يقطع لهم. وكان معمر يصل بهذا الحديث، فلا أدري أمن حديث طاووس هو، أو من حديث غيره. قال: وقطع النبي ﷺ لعيينة بن حصن أرضا، فلما ارتد عن الإسلام بعد النبي ﷺ ، قبض منه، فلما جاء فأسلم كتب له فيها أبو بكر كتابا، أشهد له فيه عمر، فدفعه عيينة إلى عمر فشقه وألقاه، وقال: إنما كان لك لو أنك لم ترجع عن الإسلام، فأما إذا ارتددت فليس لك شىء، فذهب عيينة إلى أبي بكر فقال: ما أدري أأنت الأمير أم عمر، قال: بل هو إن شاء الله، قال: فانه لما قرأ كتابك شقه وألقاه، فقال أبو بكر: أما إنه لم يألني وإياك خيرا.
أخبرنا معمر عن الزهري، قال: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيا حتى مات، ولا أبو
стр. 124
بكر، ولا عمر، إلا أنه قد قال لرجل في آخر خلافته: اكفني بعض أمور الناس، يعني عليا [١] . أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره، فقضى عليه باعترافه، فقال: أتقضي عليّ بغير بيّنة؟ فقال:/ شهد عليك ابن أخت خالتك، أخرجه ابن سعد [٢] . عن الثوري عن ابن عون عن إبراهيم [٣] قال: قضى شريح على رجل باعترافه، فقال: يا أبا أمية قضيت عليّ بغير بيّنة، فقال: أخبرني ابن أخت خالتك [٤] .
عن الثوري عن رجل، عن محارب بن دثار، أن عمر بن الخطاب قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فان فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس [٥] . عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة، قال: كان عليّ إذا رأى ابن ملجم [٦] قال [٧] : [الوافر]
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
عن معمر عن الزهري، قال: لما بعث أبو بكر الصديق لقتال أهل الردة، قال:
تبينوا، فأيّما محلة سمعتم فيها الأذان فكفوا، فان الأذان شعار الإيمان [٨] .
عن معمر والثوري، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سألته عن فريضة فيها جد، فقال: لقد حفظت من عمر بن الخطاب فيها مائة قضية مختلفة، قلت:
عن عمر؟ قال: عن عمر [٩] . عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يجعل بني الأخ بمنزلة أبيهم الأعلى، ولم يكن أحد من أصحاب محمد ﷺ أفقه أصحابا من عبد الله بن مسعود [١٠] .
عن الثوري، عن عيسى، عن الشعبي، قال: كان عمر يكره الكلام في الجدّ حتى صار جدّا، فقال: إنه كان من رأيي ورأي أبي بكر أن الجدّ أولى من الأخ، وأنه لا بد من
стр. 125
الكلام فيه، فضرب له زيد بن ثابت مثل شجرة نبتت فانشعب منها غصن، فانشعب من الغصن/ غصنان، مما جعل الغصن الأول أولى من الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول، ثم سأل عليا، فضرب له مثل واد سال فيه سيل، وانشعب منه شعبة، ثم انشعبت شعبتان. فقال: أرأيت لو أن ما في هذه الشعبة الوسطى يبس، أكان يرجع إلى الشعبتين جميعا [١] .
أخبرنا الثوري عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن رجلا كان به جدري، فخرج إلى البادية يطلب دواء، فلقي رجلا، فنعت له الأراك يطبخه بأبوال الإبل، وأخذ عليه أن لا يخبر به أحدا، ففعله فبرأ، فلما رآه الناس سألوه، فأبى أن يخبرهم، فجعلوا يأتونه بالمريض يلقونه على بابه، فسأل ابن مسعود فقال: لقيت رجلا ليس في قلبه رحمة لأحد، أنعته للناس.
عن ابن عيينة، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، قال: أتت امرأة عمر فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس، يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال كعب بن سور [٢] : ما رأيت كاليوم شكوى أشد ولا عدوى أجمل، فقال عم: ما تقول؟ قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فاذا فهمت ذلك فاقض بينهما، قال: يا أمير المؤمنين، أحلّ الله له من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر ويقيم عندها، ومن كل أربع ليال ليلة يبيت عندها، أخرجه ابن سعد [٣] .
قال بعضهم [٤] : [الوافر]
إذا لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لخالقه مطيعا [٥]
وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تختار فاتركها جميعا
وقال آخر [٦] : [الخفيف]
إن مدحت الخمول نبّهت أق ... واما عليه فسابقوني إليه
هو قد دلني على لذّة العي ... ش فما لي أدلّ غيري عليه [٧]
стр. 126
وقال آخر: [المتقارب]
خمولك يدفع عنك الأذى ... فكن أبدا صاحبا للخمول
فكم صاعدا في ذرى شاهق ... من المجد يهلك قبل النزول
وقال آخر: [الطويل]
ومن ترك الدنيا وأصبح زاهدا ... فما للأذى يوما عليه سبيل
وقال بعضهم [١] : [الكامل]
إنّ العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأثم
وقال آخر [٢] : [الطويل]
إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فانّك قد أسندتها شرّ مسند
أحاديث إعطائه ﷺ القصاص من نفسه
أخرج الحاكم، من طريق محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثني مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه، في خدشة خدشها أعرابيا لم يقده [٣] ، فأتاه جبريل، فقال: يا محمد، إن الله لم يمثك جبارا ولا مستكبرا، فدعا الأعرابي، فقال: (اقتصّ مني) ، فقال الأعرابي: قد أحللتك، بأبي أنت وأمي، ما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتيت علي نفسي، فدعا له بخير [٤] .
قال الحاكم: تفرد به أحمد بن عبيد بن ناصح، عن محمد، قال الذهبي، قال ابن عدي، أحمد بن عدي صدوق، وله مناكير، ومحمد ضعّف، وقال ابن سعد: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب عن الحسن: أن رسول الله ﷺ رأى سواد بن عمرو [٥] متلحفا [٦] ، فقال: خطّ خطّ، ورس ورس، ثم طعنه بعود أو بسواك في بطنه، فماد فى بطنه، فأثر في بطنه، فقال: القصاص يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ :
(القصاص) ، وكشف عن بطنه، فقالت الأنصار: يا سواد، رسول الله، فقال: ما
стр. 127
لبشر على بشر من فضل، قال: وكشف له عن بطنه، فقبّله وقال: أتركها لتشفع لي بها يوم القيامة [١] . وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الحسن به نحوه. وقال ابن سعد، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، إن عاملك فلانا ضربني مائة سوط، قال: قم فاقتص منه، فكلمه عمرو/ بن العاص في ذلك، فقال: ألا أقيد، وقد رأيت رسول الله ﷺ ، يقيد من نفسه، قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار، عن كل سوط بدينارين. أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، نحوه [٢] .
قال أبو نعيم في المعرفة، حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أحمد بن آدم غندر الجرجاني، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا سعيد بن أبي جمّان [٣] الباهلي، حدثنا شبل بن نعيم الباهلي، حدثنا عبد الله بن أبي مسقيّة الباهلي، قال:
أتيت رسول الله ﷺ ، وهو واقف على بعيره، كأن رجله في غرزه جمّارة، فاحتضنتها، فقرعني بالسوط، فقلت القصاص يا رسول الله، فناولني السوط فقبلت ساقه ورجله.
ورواه أبو القاسم البغوي عن هارون الحمال، عن يعقوب بن محمد بأبسط من هذا، وقال عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال:
خرج رسول الله ﷺ من مكة يريد الصلاة، فأخذ رجل بزمام ناقته، فقال: حاجتي يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : (دعني فستدرك حاجتك) ، ففعل ذلك ثلاث مرات، والرجل يأبي، فرفع النبي ﷺ السوط فضربه، وقال: (دعني فستدرك حاجتك، فصلى بالناس، فلما فرغ قال: أين الرجل الذي جلدت آنفا؟ فجاء، فقال له: (أدن فاقتصّ) ، فرمى إليه السوط، فقال: بل أعفو، فقال رسول الله/ ﷺ : (والذي نفسي بيده، لا يظلم مؤمن مؤمنا فلا يعطيه مظلمته في الدنيا، إلا انتقم له منه يوم القيامة) [٤] .
وقال عبد الرزاق، أخبرنا محمد بن مسلم، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ أقاد من نفسه، وأن أبا بكر أقاد رجلا من نفسه، وأن عمر أقاد سعدا من نفسه [٥] . وقال عبد الرزاق بن إبراهيم بن عمر، قال حدثني حفص بن ميسرة قال، أسنده لي فنسيت: أن رسول الله ﷺ ، خرج يوما عاصبا رأسه
стр. 128
بعصابة حمراء، متكئا على الفضل بن عباس [١] ، فقال: (الصلاة جامعة) ، فاجتمع الناس، فصعد المنبر وقال: (أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وقد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن شتمت له عرضا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن ضربت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالا، فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يقولن أحدكم إني أتخون الشحناء من رسول الله [٢] ، ألا إنها ليست من طبيعتي ولا من خلقي، وإن أحبكم إليّ من أخذ حقا إن كان له، أو حلّلني فلقيت ربي وأنا طيب النفس) [٣] .
وأخرج أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، أنه بينما هو يحدث القوم، وكان فيه مزاح يضحكهم فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود، فقال:
اصطبر، قال: إن عليك قميصا وليس عليّ قميص، فرفع النبي ﷺ قميصه، فاحتضه وجعل يقبّل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله [٤] .
وقال ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيّة، عن أبيه، عن الحكم: أن العباس بن عبد المطلب لطم رجلا فأقاده النبي ﷺ من العباس فعفا عنه. حدثنا شبابة عن شعبة، عن يحيى بن الحسن، سمعت طارق بن شهاب يقول: لطم أبو بكر يوما رجلا لطمة، فقيل: ما رأينا كاليوم قط منعه ولطمه، فقال له أبو بكر: اقتص، فعفا الرجل./
من قال رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أسن منه
أخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق محمد بن إسحاق، عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه وجده قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، قال: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم [٥] أخا بني معمر بن ليث: أنت أكبر أم رسول الله، قال:
رسول الله أكبر مني، وأنا أقدم منه في الميلاد [٦] . وأخرج البيهقي [٧] من طريق الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني
стр. 129
ثم الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله؟ قال: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا جرير، عن المغيرة عن ابي رزين قال: قيل للعباس: أنت أكبر أم النبي ﷺ ، فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، أخرجه الحاكم في المستدرك. وأخرج ابن عساكر، من طريق أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي، حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: (يا عماه، أنت أكبر مني؟) فقال العباس: أنا أسن، ورسول الله أكبر [١] .
وأخرج البغوي وابن قانع والطبراني والدارقطني [٢] وابن عساكر، من طريق زيد بن الحباب قال، حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد الصيرم المخزومي قال، حدثني جدي عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال لي: (أيما أكبر، أنا أو أنت) قال: قلت له: أنت أكبر وخير مني، وأنا أقدم سنا [٣] ./
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلا قال للنبي ﷺ : أنا أكبر منك مولدا، وأنت خير مني وأفضل، فقال رسول الله ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها، وما فعل بالأمم قبلي) [٤] .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن سفيان عن أبيه قال، قيل لأبي وائل: أنت أكبر أو ربيع بن أبي خثيم، قال: أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلا [٥] . وأخرج البغوي في معجمه عن أبي عمرو الشيباني قال: سئل جبلة بن حارثة أخو زيد بن حارثة ﵄: أنت أكبر أم زيد، قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله [٦] ./
قال محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثني أبو عكرمة الضبي قال: تقدم إلى الشعبي رجل في رجل ضرب عين رجل فاحمرّت، فدمعت فشرقت، فاغرورقت، فقال الشعبي: يحكم فيها ببيت الراعي [٧] : [الطويل]
لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا
قال أبو عكرمة: ومعناه أن العين ينتظر بها أن تبلغ غاية ما تنتهي إليه، ثم يقضى فيها حينئذ. أخرجه ابن عبد البر في التمهيد.
стр. 130
[في العزلة]
قال ابن عبد البر في التمهيد: قد فضّل رسول الله ﷺ العزلة، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، ولا سيما في زمن الفتن وفساد الناس، وروي من مرسل الحسن وغيره أن النبي ﷺ قال: (صوامع المؤمنين بيوتهم) [١] ، ثم أخرج بسنده عن أبي الدرداء قال: (نعم صومعة الرجل المسلم بيته، يكفّ فيها بصره ونفسه وفرجه، وإياكم والمجالس في الأسواق فانها تلغي وتلهي) [٢] . وأخرج من طريق ابن لهيعة، عن بشار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج: ما فعل خالد؟ قلت: لزم البيت مذ كذا وكذا، فقال: أما إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
وأخرج عن عدسة قال: مر بنا ابن مسعود، فأهدي له طير، فقال ابن مسعود:
وددت أني حيث صيد هذا الطائر، لا يكلمني أحد ولا أكلمه. وأخرج عن حذيفة قال: لوددت أني وجدت من يقوم بي في مالي، فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم يدخل عليّ أحد، ولم أخرج إلى أحد حتى ألحق بالله .
وكان طاووس يجلس في البيت، فقيل له: لم تكثر الجلوس في البيت، فقال:
حيف الأئمة وفساد الناس./
وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني، فقال: هذا زمن السكوت ولزوم البيوت.
وقال ابن عبد البر: فرّ الناس قديما من الناس، فكيف بالحال اليوم، قال: ورحم الله منصور الفقيه حيث يقول [٣] : [مجزوء الكامل]
الخير أجمع في السكوت ... وفي ملازمة البيوت
فاذا استوى لك ذا وذل ... ك فاقتنع بأقلّ قوت
وقال أيضا [٤] : [الخفيف]
ليس هذا زمان قولك ما الحك ... م على من يقول أنت حرام
стр. 131
والحقي بائنا لأهلك أو أن ... ت عتيق محرّر يا غلام
ومتى تنكح المصابة في العدّ ... ة عن شبهة وكيف الكلام
في حرام أصاب سنّ غزال ... فتولّى وللغزال بغام
إنما ذا زمان كدّ إلى المو ... ت وقوت مبلّغ والسلام
وقال سفيان الثوري: ما رأيت لأحد خيرا من أن يدخل في جحر. وقال سفيان:
والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة. وقال سفيان: أنكر من تعرف، ولا تتعرّف إلى من لا تعرف.
وقال بعضهم: [الطويل]
إذا شئت أن تحظى من الكتب كلها ... بأطيب مرويّ وأحسن مسموع
فطالع مجاميع التعاليق إنّها ... تفرّق من همّ الفتى كلّ مجموع
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن الحسن قال: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو السنّة.
[قال] الشيخ أبو إسحاق الشيرازي [١] : [الطويل]
إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل [٢]
وإن هو لم يدللك في كل مسلك ... ضللت ولو أنّ السماك دليل
وإن هو لم ينصرك لم تلف ناصرا ... وإن عزّ أنصار وجلّ قبيل
قال المنذري في تاريخ مصر: قرأت على أبي المعالي عبد الرحمن بن علي بن عثمان القرشي، عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى، أخبرنا ابن شبيل، يعني أبا بكر يحيى بن إبراهيم، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعيش، وأبو الفتح نصر بن عامر بن أسيل [٣] ، قالا حدثنا عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج، أخبرنا أحمد بن خالد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بارز، حدثني أبو زيد بن أبي الغمر عن المفضل بن فضالة، وذكر أنه وجده مجربا تكتبه في جام الزجاج، وتغسله بالماء ثم ترش به وجه المريض: ربنا الذي في السماء تقدس اسمه، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء والأرض،
стр. 132
فاجعل رحمتك في الأرض،/ واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين، انزل رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ باذن الله، وهو لكل شىء.
قال إبراهيم، قال أبو زيد، وأخبرني المفضل أنه كتبه ورشّ في وجه بغل، فاستراح وقام مكانه، وقال إبراهيم، وأخبرنا أبو زيد أن المفضل رفعه إلى النبي ﷺ ، وذكر المفضل أنه ما كتبه لأحد إلا برأ باذن الله، وهو لكل وجع في الناس والبهائم، وذكر أبو زيد أنه قد جرّبه في جارية له، كتبه ورشه في وجهها وكانت مريضة حين كتبه لها فبرئت باذن الله تعالى، قلت:
نعم، وهو حديث مرفوع أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه [١] من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكاه أخ له، فليقل: ربنا الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين، انزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع) ، فيبرأ./
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، عن معاوية أنه قال: ألستم تعلمون أن كتاب الله حق، قالوا بلى، قال: ما قرأوا هذه الآية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[٢] ، ألستم تؤمنون بهذا، وتعلمون أنه حق، قالوا: بلى، قال:
فكيف تلوموني بعد هذا؟ فقام الأحنف [٣] فقال: يا معاوية، والله لا نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما أنزل الله من خزائنه، فجعلته أنت في خزائنك، وأغلقت عليه بابك، فسكت معاوية.
في حياة الحيوان للكمال الدميري
عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم المصعبي، من أصحاب الشافعي، كان إماما عالما صالحا من أهل اليمن، من أقران صاحب البيان، في تصنيفه احترازات المهذب، مات سنة ثلاث وخمس مائة، روى: أن ناسا ضربوه بالسيف فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل
стр. 133
عن ذلك فقال: كنت أقرأ: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[١] ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[٢] ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
[٣] ، وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[٤] ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
[٥] ، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[٦] ، إلى آخر السورة.
وقال: كنت قد خرجت يوما مع جماعة، فرأينا ذئبا يلاعب شاة عجفاء فلا يضرها بشىء، فلما دنونا منه نفر، فوجدنا في عنق الشاة كتابا مربوطا فيه هذه الآيات./
[من تاريخ من دخل مصر للمنذري]
وقفت على المجلد الأول من (تاريخ من دخل مصر من المحدثين) للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري [٧] فنقلت منه نكتا تحسن في المحاضرات، قال: أنبأنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن حمّد بن حامد مشافهة في رمضان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، عن أبي الحسن علي بن الحسين الموصلي، عن الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد، عن أبي محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد البزاز، قال: وجدت على كتاب لعمّي بكر بن محمد بن سعيد النحاس بخط يده، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن حجر العسقلاني إملاء، حدثنا إبراهيم بن عقبة العدني، حدثني المسيب بن عبد الكريم الخثعمي قال: حدثتني أمة العزيز امرأة أيوب بن صالح، صاحب مالك بن أنس بالمدينة، قالت: شهدت المحمّة [٨] التي تحمّ بها النساء بالمدينة، وقد غسّلت امرأة فضربت امرأة بيدها على عجيزتها، وقالت:
ما علمتك إلا زانية، فالتزقت يدها بعجيزة الميتة، فجاءوا إلى مالك بن أنس، فأخبروه، فقال مالك: هذه المرأة تطلب بحدّها، فأتي بالميتة ويد المرأة ملتزقة بها، واجتمع الناس، فأمر بها مالك، فضربت تسعة وسبعين سوطا/ فلم تنتزع اليد، فضربت سوطا واحدا إتمام الثمانين، فانتزعت اليد، ودفنت المرأة.
стр. 134
وأخرج بسنده عن محمد بن عيسى التميمي قال: قال رجل لأصبغ بن الفرج [١] ، قالت لي امرأتي: يا غوغاء، فحلفت بطلاقها، إني لست غوغاء، فافتني، فقال أصبع: اخبرني عنك، إذا سمعت صيحة في موضع تبادر إليها حتى تقيم فيما هم فيه؟ قال: لا، قال: فاذا مررت في طريق فرأيت هذه الحلق على الطرقات، تقف عليها؟ قال: لا، قال: لست من الغوغاء.
وأخرج عن محمد بن المبارك الصوري الزاهد الصوفي، قال: كان لي صديق من العصافير، فأقام يجيئني فأفتّ له لباب الخبز فيأكل، وأصبّ له الماء يشرب ست عشرة سنة، فتحولت من البيت الذي كنت فيه إلى بيت آخر، فانتقل معي إلى البيت الذي تحولت إليه.
سمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن موسى القصري يقول: كان عند الشيخ أبي مدين أجزاء من الموطأ في طاق، فاذا ضاق عليهم الرزق أخرجوه من الطاق وقرأوا فيه، يفتح عليهم، ويقول: من طلب العلم تكفل الله له برزقه.
وأخرج عن أبي أويس قال: سمعت/ مالكا يقول: إن المسألة إذا سئل الرجل فلم يجب فيها فاندفعت عنه، فإنما هي بلية صرفها الله عنه. وأخرج عن طريق حماد بن زيد عن أبي حنيفة، عن حماد عن إبراهيم قال: بلغني أنه يؤتى بموازين القسط يوم القيامة، فيوزن عمل رجل، فلا يرجح، فيؤتى بشىء فيوضع في ميزانه فيرجح، فيقول: ما هذا؟
فيقال: هذا عملك الذي عملته، فعمل به من بعدك.
وأخرج عن عبد الله بن عمر [٢] قال: إذا طلبت حاجة بعز، فان الأمور تجري على المقادير. وأخرج عن أبي علي الحسن بن أحمد الزاهد الكاتب الصوفي قال: إذا انقطع العبد إلى الله بالكلية أول ما يفيده الله الاستغناء به عمّن سواه، وكان يقول: قال الله : من صبر علينا وصل إلينا. وكان مالك بن أنس الإمام ينشد كثيرا [٣] : [الرمل]
درّج الأيام تندرج ... وبيوت الهمّ لا تلج
ربّ شىء عزّ مطلبه ... قرّبته ساعة الفرج
وأنشد القضاعي لمالك بن أنس [٤] : [الطويل]
стр. 135
وإنّ عناء أن تفهّم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم
في كتاب البسملة لأبي شامة
[١] أنبأنا غير واحد عن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن العساكري، قال: سمعت أبا الحسن علي بن المسلم الفقيه يقول: سمعت الشيخ الإمام الفقيه الزاهد أبا الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، يقول: حدثني عبد الله السقا شيخ صالح كان يجاور الجامع ببيت المقدس، قال: كنت أقرأ كل ليلة سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[٢] مائتي مرة، ولا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فرأيت في بعض الليالي مائتي شاة مقطعة الرؤوس، وقائل يقول:
هذه لك، فقلت: فلم هي مقطعة الرؤوس؟ فقال: لأنك لم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
قال أبو شامة: ويشبه هذا منام آخر ذكره أبو المحاسن الردياني في كتابه البحر، عن أبي سهل الأبيوردي أن خطيبا ببخارى من جملة العلماء والزهاد، رأى خبرا عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ألف مرة، دفع الله عنه وجع السن، ولا ييجع أبدا، فوجع سنّه فقرأها ألف مرة فلم يزل الوجع، وزاد، فنام فرأى رسول الله ﷺ في المنام/ فسأله عن وجع السن وعما فعل، فقال: رأيت خبرا عنك يا رسول الله، كذا، وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال رسول الله ﷺ : لأنك قرأتها بلا تسمية، فاقرأها بالتسمية، فانتبه فقرأها مع التسمية، فرفع الله تعالى عنه وجع السن، ولم يعد.
بعضهم: [الطويل]
وأكثر من تلقى يسرّك قوله ... ولكن قليلا من يسرّك فعله
وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي ... فأدّبني هذا الزمان وأهله
في بعض كتب الهند: ليس من خلّة يمدح بها الغني، إلا ذمّ بها الفقير، فان كان شجاعا، قيل أهوج، وإن كان وقورا، قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زمّيتا، قيل عيي.
قيل في التوراة: امدد يدك لباب من العمل، أفتح لك بابا من الرزق.
أنشد الطيبي [٣] في حاشية الكشاف: [السريع]
стр. 136
كم من أديب فهم قلبه ... مستكمل العقل مقل عديم
ومن جهول مكثر مآله ... ذلك تقدير العزيز العليم
في التذكرة المسماة كنوز الفوائد ومعادن الفرائد
للجمال يوسف بن أحمد بن محمود الأسدي الدمشقي المشهور باليغموري [١] ، قدم إلى أبي يوسف [٢] مسلم قتل ذميا، فأمر أن يقاد به [٣] ، ووعدهم ليوم، فدفعت إليه رقعة، فاذا فيها أبيات شعر: [السريع]
يا قاتل المسلم بالكافر ... جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها ... من فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسف ... إذ يقتل المسلم بالكافر [٤]
فاسترجعوا وابكوا على دينكم ... اصطبروا فالأجر للصابر
فركب إلى الرشيد، فحدثه بالقصة، وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد: اذهب فاحتل، فلما عاد أبو يوسف إلى داره، وجاءه أولياء القتيل يطالبونه بالقود، قال لهم: ائتوني بشاهدين عدلين أن صاحبكم كان يؤدي الجزية.
قال عز الدين أبو الحسن أحمد بن معقل المهلبي [٥] في مدورة: [الوافر]
فخرت بأنّني أمسي وساده ... لمن فاق الورى فخرا وساده
стр. 137
وهل أنا غير منزلة لبدر ... يقارن فيّ شمسا بالسعاده
شرفت بأشرف الأعضاء فوقي ... وسدت بخدمتي لذوي السياده
فهالة كلّ بدر في سماء ... ترى من حسن شكلي مستفاده
وقال في مروحة: [الطويل]
ومروحة أهدت إلي النفس روحها ... لدى القيظ مشبوبا باهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثها ... على ضعفه مستخرجا من صحيحها [١]
وقال فيها ملغزا: [الوافر]
وما محمولة من غير جهد ... ولا تعب تريح الحامليها
لها نسب علا من أمهات ... إلى هجر به تهتزّ تيها
فشهرا ناجر قرّ لدينا ... بما يهدى لنا منها وفيها [٢]
وقال أيضا فيها: [السريع]
ورادة خرقاء معشوقة ... تبدي لنا الحكمة والفهما
تهتزّ بالبرد ولكنّها ... هزتها من غير ما حمّى
لا تكسب السقم ولكنّها ... تريح من قد كسب السّقما
وقال أيضا [٣] : [الطويل]
إذا رضت أمرا في ذراه صعوبة ... فرفقا تقده مصبحا ممكنا ظهرا [٤]
ولا تأخذن بالقسر ذا نخوة وذا ... إباء تهج نارا مضرّمة شرّا
فلطمة طرف هيّجت حرب داحس ... ولطمة ملك نصّرت أمّة كفرا [٥]
قال محاسن بن إسماعيل الشوّا [٦] في بخيل: [الرمل]
стр. 138
لا رعاه الله من برم ... عادل عن مذهب الكرم
خلقت مقبوضة يده ... كالمنادى المفرد العلم [١]
قالت الحكماء: من استعمل هذه الأبواب العشرة، لم يعتل مدة حياته، لا يأكل طعاما وفي معدته طعام، ولا يأكل ما تضعف أسنانه عن مضغه، فتضعف معدته عن هضمه، ولا يشرب الدواء ما لم تكن له إليه حاجة داعية، ولا تخرج الدم فانه في البدن يحرس النفس، ويستعمل في كل أسبوع قيّه [٢] ، ولا يحبس البول إذا حضره، ولو على سرجه، لكي لا يعقره، ويعرض نفسه على الخلاء قبل النوم، ويدخل الحمام في كل يومين مرة، فانه يخرج من الجسد ما لا يدخل إليه الدواء، ولا يستعمل الجماع كثيرا، فانه يقتبس/ نور الحياة، ولا يجامع العجوز فانه يورث الموت فجأة.
وقال بعض الحكماء: ثلاث لا يحفظهن إلا حازم، ولا يضيعهن إلا عاجز؛ إياك أن تبلغ بطعامك حد الامتلاء، أو تشرب الماء على غير ظمأ، أو تجامع من غير فضل شهوة. وقال جالينوس [٣] : ما دخل الرمان جوفا فاسدة إلا أصلحها، ولا دخل التمر جوفا صالحة إلا أفسدها [٤] .
وقال بقراط [٥] : المريض الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي [٦] . قال فيلسوف: الكرام أصبر نفوسا، واللئام أصبر أبدانا. قال هارون الرشيد للفضيل بن عياض [٧] :
ما أزهدك؟ قال: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية، والآخرة باقية.
стр. 139
لما قدم عبد العزيز بن مروان على أخيه عبد الملك/ من ولاية مصر، خرج لاستقباله، فرأى رحله على ألف جمل، فقال لمن يسايره: ما عير أحق بأن يقال لها: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
[١] من هذه، فبلغت كلمته عبد العزيز فقال: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
[٢] .
لما سلّم نجاح بن مسلمة إلى موسى بن عبد الملك ليستأدي [٣] ما عليه، تلف من مطالبته، فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء [٤] فقال: ما عندك من خبر نجاح؟ فقال:
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
[٥] فبلغت كلمته موسى، فلقي أبا العيناء فتهدده، فقال له:
أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
[٦] .
تنبأ رجل في زمن الرشيد، فأحضره وجرده، وضربه بالسياط، فأخذ يصيح ويستغيث، فقال له المأمون وهو صبي: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[٧] .
خلف الرشيد في/ بيت المال ثمانية وأربعين ألف ألف دينار [٨] .
خطب الحجاج ذات يوم فقال: أيها الناس، إن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك، وأقل حيائك، فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر، دعا به فقال له: لقد اجترأت عليّ، فقال له: أتجترئ على الله فلا تنكره، ويجترأ عليك فتنكره، فخلى سبيله [٩] .
سئل جعفر الصادق [١٠] عن الزهد، فقال:
стр. 140
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
[١] . قال الإمام الشافعي ﵁ [٢] : [الكامل]
إنّ الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق [٣]
الجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق [٤]
وإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأن محدودا أتى ... ماء ليشربه فغاض فحقّق [٥]
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق [٦]
وقال بعضهم: [الطويل]
قناديل دين الله تسعى بحملها ... رجال بهم يحيى حديث محمد
محابرهم زهر تضىء كأنّها ... قناديل حبر ناسك وسط مسجد
تساق إلى من كان بالفقه عالما ... ومن صنّف الأحكام في كلّ مسند
وقال آخر: [الوافر]
لمحبرة تجالسني نهاري ... أحبّ إليّ من أنس الصديق
ورزمة كاغد في البيت عندي ... أعزّ عليّ من عدل الدقيق
ولطمة عالم في الخدّ منّي ... ألذّ لديّ من شرب الرحيق
وقال آخر [٧] : [الوافر]
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... قدام الأنس لي ونما السرور
стр. 141
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور [١]
ولست بقائل ما دمت حيّا ... أسار الجند أم ركب الأمير [٢]
وقال آخر: [الوافر]
زمان قلّ فيه الناس ... حتى كأنّ الناس في فلك البروج
وقالوا قد لزمت البيت جدا ... فقلت لفقد فائدة الخروج
قال الحافظ أبو طاهر السلفي، أنشدني أبو عامر محمد بن سعدون بن المرجّى العبدري ببغداد/ أنشدني أبو علي المعافري الأندلسي بالمغرب، أنشدني أبو داود النحوي، أنشدني أستاذي غانم اللغوي المالكي [٣] لنفسه [٤] : [البسيط]
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجال للحبيبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وقال آخر: [الطويل]
إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في حالة العسر
فسل نفسك الإقراض من كيس صبرها ... عليها وإنظار إلى زمن اليسر
فان فعلت كنت الغنيّ وإن أبت ... فكلّ ملوم دونها واسع العذر
من أحسن ما يذكر به تابعيان بين وفاتيهما مائة وخمسون سنة، أحدهما معضد بن يزيد [٥] توفي سنة ثلاثين من الهجرة، والثاني خلف بن خليفة [٦] ، توفي سنة ثمانين ومائة، وقيل إحدى وثمانين ومائة./
لقي أبو العتاهية بشار بن برد، فقال له بشار: ما الذي استحدثت بعدي، فقال [٧] : [مجزوء الكامل]
стр. 142
كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
فاذا رآني راعني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرقت عيني بالرداء
قالوا فكلتا مقلتي ... ك أصابها طرف الرداء
فقال له بشار: ما أشعرك لولا أنك سرقتني، قال: حين تقول ماذا؟ قال، حين أقول [١] : [الوافر]
وقالوا قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكني أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
فقال أبو العتاهية: وأنت فما أشعرك لولا أنك سرقت عمر بن أبي ربيعة، حيث يقول [٢] : [الكامل]
انهلّ دمعي في الرداء صبابة ... فسترته بالبرد عن أصحابي
فرأى سوابق عبرة منهلة ... عمرو فقال بكى أبو الخطاب [٣]
فمريت نظرته وقلت أصابني ... رمد فهاج الدمع للتسكاب [٤]
فقال بشار: وما أشعر عمر لولا أنه سرق الحطيئة في قوله [٥] : [الوافر]
إذا ما العين فاض الدمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء
وبيت الحطيئة أشعر مما تقدم لسبقه إلى المعنى واختراعه إياه.
لما قدم عمر بن هارون [٦] مكة، وهو غلام، أخذ في الاختلاف إلى عبد الملك بن جريج [٧] وهو عالمها، فأقام عنده سنين، وبرّعه ابن جريج في العلوم، إلى أن رأى عمر أنه ظفر بما عند ابن جريج من فوائد العلوم، وأنواع الآداب، فأخذ من أهبة الإفاضة من
стр. 143
مكة إلى بلخ [١] ، فلما رآه ابن جريج عازما على ذلك، قال له: أخّر يوما حتى أجمع بينك وبين أشراف مكة، فأجاب إلى ذلك، ودعا أشراف مكة [٢] ، فلما أخذوا مجالسهم، ومدت الأطعمة، أقام ابن جريج على رأس عمر غلاما بديعا، قد استحكم الأدب، وقال له: إذا رأيت من هذا الخراساني عيبا فاعلمه.
فقدم الوضوء إلى عمر، فلما غسل يديه مس عارضه بيده اليمنى، فقال له الغلام:
أخطأت يا خراساني من مسّك عارضك بعد غسل يدك، وأمره باعادة الغسل. فلما وضعت المائدة وقدّمت القصاع، بدأ عمر يفتّ الخبز في المرقة، فقال له الغلام، أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في هشمك الثريد/ قبل ذوقك له، فانك لا تدري ما طعمه، فلعلك تعافه، فتكون قد أفسدته، وإذا بدأت بذوقه ووافقك طعمه، هشمت الثريد على علم منك بموافقته إياك، قال: صدقت، ثم ذوّق فيه فلقة خبز، يتحرى بذلك، فقال له الغلام:
أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: من مخالفة حديث النبيّ ﷺ حين قال: (ابدأوا بالملح واختموا بالملح ثلاث لقم) [٣] ، لم يقل ابدأوا بالذوق، قال: صدقت.
فبدأ بالملح، ثم عاد إلى الثريد، فجعل يأكل ويمسح أصابعه بالمنديل في كل لقمة، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: مسحك الأصابع في كل لقمة بالمنديل، ولعق الأصابع مما ندب النبي ﷺ ، إليه قال: صدقت، فلما قدم الإرز مزق عمر رقاقة يقي بها أصابعه حرّ الإرز، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟
قال: من رفعك اللقمة الحارة فتضعها في فيك حارة فتحرق، وتستحي من أصحابك أن تلفظها فتبتلعها، فتحرق معدتك، ولا تدري كيف تخلص منها، قال عمر: صدقت، فخجل وأمسك. قال له الغلام: أخطأت يا خراساني./
قال: فيم؟ قال في إمساكك عن الطعام قبل إمساك من على المائدة، أو ما سمعت قول العرب: لا تكن أول من يمسك عن الطعام، فيستحي منك من لم يستوف، فيمسك لإمساكك، ولا تكن آخر من يمسك فتنسب إلى النهم والرغابة، فجعل عمر يساعد من على المائدة إلى أن استوفوا [٤] .
فلما رفعت المائدة، وقرّب إليه الوضوء، مد عمر يده اليسرى لأخذ الحرض [٥] ، فقال
стр. 144
له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في أخذ الشىء النقي بالشمال، وقد نهي عنه، قال: فمد اليمنى باسطا إلى الخادم [١] ليصب عليه الحرض، فقال: أخطأت يا خراساني، قال: فيم، ولا يأخذ الشىء بعد اليسرى إلا باليمنى، قال الغلام: ولكن إذا صبّ الحرض على يمينك، ثم ألقيته على يسارك، تكون عملت عملا واحدا مرتين، ولكن خذ المحرضة باليمنى، وصب الحرض بها على اليسرى، ثم ردّ المحرضة، وقد أخذت الشىء النقي باليمين، ولم يجد العائب عليك عيبا، قال: صدقت.
وأخذ الماء فرحض كفيه ظاهر هما وباطنهما فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال:
فيم؟ قال: في تحريضك ظاهر كفيك بالحرض، قال عمر: وأي بأس في ذلك؟ قال:/ في ذلك خصلتان ذميمتان، قال عمر: ما هما؟ قال: أما الخصلة الأولى فيدل على أنك غمست يديك في المرقة، وذلك من وجهين ذميمين، أما سوء الأدب، وأما الشره والنّهم، وأما الخصلة الثانية، فيدل على أنك تريد بذلك إزالة وسخ عليهما، وكل ذلك وبعضه أقبح من بعض، فقال عمر: ابن كم أنت؟ قال: ابن أب واحد، قال: إنما عنيت سنك، قال: فقل ابن كم سنة أنت، قال: ابن ثمان حجج، فقال: أحيّة أمك؟ فقال الغلام: ما هي بحيّة ولا عقرب، ولكنها امرأة، قال عمر: فكيف أقول؟ قال قل: من الأحياء أمك؟ فقال عمر في نفسه، وتقاصرت إليه نفسه، إني لم أتعلم أدب الأكل والشرب، فلست براجع، ووطن نفسه على المقام عند ابن جريج، فما فارقه إلا بعد سنين، أخرجه الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي [٢] في كتاب صفوة التصوف بسنده إليه [٣] ./
وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي في تاريخ مصر، المذيل به على كتاب ابن يونس، دعا [٤] أحمد بن طولون [٥] برجل، فأدخل إليه، فقال لحاجب من حجابه: خذ هذا
стр. 145
فاضرب عنقه، وأتني برأسه، فأخذه ومضى به، فأقام طويلا، ثم أتى وليس معه شىء، فقال له أحمد بن طولون: ما قصتك؟ فقال: الأمان، قال: لك الأمان، قال: مضيت بالرجل لأضرب عنقه، فجزت ببيت خال، فقال لي: أئذن لي أدخل هذا البيت، فأصلي فيه ركعتين، فاستحييت من الله أن أمنعه من ذلك، فأذنت له فدخل، فأطال، فدخلت إلى البيت فلم أجد فيه أحدا، وليس في البيت طاق نافذ، فجئت لأخبرك بذلك، قال:
فهل سمعته يقول شيئا؟ قال: نعم، سمعته يقول وقد رفع يديه: يا لطيفا لما يشاء، يا فعّالا لما يريد، صلّ على محمد وآله، والطف بي في هذه الساعة، وخلصني من يديه. فدخلت البيت بعد هذا أطلبه فلم أجد فيه أحدا، فقال له أحمد بن طولون: صدقت،/ هذه دعوى مستجابة.
وفيه أيضا: قال لي عبد الرحمن بن إسماعيل النحوي العروضي: توفي أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصوفي صاحب التاريخ، يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة مضت من جمادى الآخرة، سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو القاسم بن حجاج فقلت أندبه: [البسيط]
بثثت علمك تشريقا وتغريبا ... وعدت بعد لذيذ الأنس مندوبا
أبا سعيد وما يألوك أن نشرت ... عنك الدواوين تصديقا وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
أرّخت موتك في ذكري وفي صحف ... لمن يؤرخني إذ كنت محسوبا
نشرت عن مصر من سكانها علما ... مبجلا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عرب نقّبت عن نخب ... سارت مناقبهم في الناس تنقيبا
نشرت ميّتهم حيّا بنسبته ... حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا [١]
إنّ المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا
حجبت عنّا وما الدنيا بمظهرة ... شخصا وإن جلّ إلا عاد محجوبا
كذلك الموت لا يبقي على أحد ... مدى الليالي من الأحباب محبوبا
أنشد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [٢] : [الطويل]