وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور [١]
ولست بقائل ما دمت حيّا ... أسار الجند أم ركب الأمير [٢]
وقال آخر: [الوافر]
زمان قلّ فيه الناس ... حتى كأنّ الناس في فلك البروج
وقالوا قد لزمت البيت جدا ... فقلت لفقد فائدة الخروج
قال الحافظ أبو طاهر السلفي، أنشدني أبو عامر محمد بن سعدون بن المرجّى العبدري ببغداد/ أنشدني أبو علي المعافري الأندلسي بالمغرب، أنشدني أبو داود النحوي، أنشدني أستاذي غانم اللغوي المالكي [٣] لنفسه [٤] : [البسيط]
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجال للحبيبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وقال آخر: [الطويل]
إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في حالة العسر
فسل نفسك الإقراض من كيس صبرها ... عليها وإنظار إلى زمن اليسر
فان فعلت كنت الغنيّ وإن أبت ... فكلّ ملوم دونها واسع العذر
من أحسن ما يذكر به تابعيان بين وفاتيهما مائة وخمسون سنة، أحدهما معضد بن يزيد [٥] توفي سنة ثلاثين من الهجرة، والثاني خلف بن خليفة [٦] ، توفي سنة ثمانين ومائة، وقيل إحدى وثمانين ومائة./
لقي أبو العتاهية بشار بن برد، فقال له بشار: ما الذي استحدثت بعدي، فقال [٧] : [مجزوء الكامل]
стр. 142
كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
فاذا رآني راعني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرقت عيني بالرداء
قالوا فكلتا مقلتي ... ك أصابها طرف الرداء
فقال له بشار: ما أشعرك لولا أنك سرقتني، قال: حين تقول ماذا؟ قال، حين أقول [١] : [الوافر]
وقالوا قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكني أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
فقال أبو العتاهية: وأنت فما أشعرك لولا أنك سرقت عمر بن أبي ربيعة، حيث يقول [٢] : [الكامل]
انهلّ دمعي في الرداء صبابة ... فسترته بالبرد عن أصحابي
فرأى سوابق عبرة منهلة ... عمرو فقال بكى أبو الخطاب [٣]
فمريت نظرته وقلت أصابني ... رمد فهاج الدمع للتسكاب [٤]
فقال بشار: وما أشعر عمر لولا أنه سرق الحطيئة في قوله [٥] : [الوافر]
إذا ما العين فاض الدمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء
وبيت الحطيئة أشعر مما تقدم لسبقه إلى المعنى واختراعه إياه.
لما قدم عمر بن هارون [٦] مكة، وهو غلام، أخذ في الاختلاف إلى عبد الملك بن جريج [٧] وهو عالمها، فأقام عنده سنين، وبرّعه ابن جريج في العلوم، إلى أن رأى عمر أنه ظفر بما عند ابن جريج من فوائد العلوم، وأنواع الآداب، فأخذ من أهبة الإفاضة من
стр. 143
مكة إلى بلخ [١] ، فلما رآه ابن جريج عازما على ذلك، قال له: أخّر يوما حتى أجمع بينك وبين أشراف مكة، فأجاب إلى ذلك، ودعا أشراف مكة [٢] ، فلما أخذوا مجالسهم، ومدت الأطعمة، أقام ابن جريج على رأس عمر غلاما بديعا، قد استحكم الأدب، وقال له: إذا رأيت من هذا الخراساني عيبا فاعلمه.
فقدم الوضوء إلى عمر، فلما غسل يديه مس عارضه بيده اليمنى، فقال له الغلام:
أخطأت يا خراساني من مسّك عارضك بعد غسل يدك، وأمره باعادة الغسل. فلما وضعت المائدة وقدّمت القصاع، بدأ عمر يفتّ الخبز في المرقة، فقال له الغلام، أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في هشمك الثريد/ قبل ذوقك له، فانك لا تدري ما طعمه، فلعلك تعافه، فتكون قد أفسدته، وإذا بدأت بذوقه ووافقك طعمه، هشمت الثريد على علم منك بموافقته إياك، قال: صدقت، ثم ذوّق فيه فلقة خبز، يتحرى بذلك، فقال له الغلام:
أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: من مخالفة حديث النبيّ ﷺ حين قال: (ابدأوا بالملح واختموا بالملح ثلاث لقم) [٣] ، لم يقل ابدأوا بالذوق، قال: صدقت.
فبدأ بالملح، ثم عاد إلى الثريد، فجعل يأكل ويمسح أصابعه بالمنديل في كل لقمة، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: مسحك الأصابع في كل لقمة بالمنديل، ولعق الأصابع مما ندب النبي ﷺ ، إليه قال: صدقت، فلما قدم الإرز مزق عمر رقاقة يقي بها أصابعه حرّ الإرز، فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟
قال: من رفعك اللقمة الحارة فتضعها في فيك حارة فتحرق، وتستحي من أصحابك أن تلفظها فتبتلعها، فتحرق معدتك، ولا تدري كيف تخلص منها، قال عمر: صدقت، فخجل وأمسك. قال له الغلام: أخطأت يا خراساني./
قال: فيم؟ قال في إمساكك عن الطعام قبل إمساك من على المائدة، أو ما سمعت قول العرب: لا تكن أول من يمسك عن الطعام، فيستحي منك من لم يستوف، فيمسك لإمساكك، ولا تكن آخر من يمسك فتنسب إلى النهم والرغابة، فجعل عمر يساعد من على المائدة إلى أن استوفوا [٤] .
فلما رفعت المائدة، وقرّب إليه الوضوء، مد عمر يده اليسرى لأخذ الحرض [٥] ، فقال
стр. 144
له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال: فيم؟ قال: في أخذ الشىء النقي بالشمال، وقد نهي عنه، قال: فمد اليمنى باسطا إلى الخادم [١] ليصب عليه الحرض، فقال: أخطأت يا خراساني، قال: فيم، ولا يأخذ الشىء بعد اليسرى إلا باليمنى، قال الغلام: ولكن إذا صبّ الحرض على يمينك، ثم ألقيته على يسارك، تكون عملت عملا واحدا مرتين، ولكن خذ المحرضة باليمنى، وصب الحرض بها على اليسرى، ثم ردّ المحرضة، وقد أخذت الشىء النقي باليمين، ولم يجد العائب عليك عيبا، قال: صدقت.
وأخذ الماء فرحض كفيه ظاهر هما وباطنهما فقال له الغلام: أخطأت يا خراساني، قال:
فيم؟ قال: في تحريضك ظاهر كفيك بالحرض، قال عمر: وأي بأس في ذلك؟ قال:/ في ذلك خصلتان ذميمتان، قال عمر: ما هما؟ قال: أما الخصلة الأولى فيدل على أنك غمست يديك في المرقة، وذلك من وجهين ذميمين، أما سوء الأدب، وأما الشره والنّهم، وأما الخصلة الثانية، فيدل على أنك تريد بذلك إزالة وسخ عليهما، وكل ذلك وبعضه أقبح من بعض، فقال عمر: ابن كم أنت؟ قال: ابن أب واحد، قال: إنما عنيت سنك، قال: فقل ابن كم سنة أنت، قال: ابن ثمان حجج، فقال: أحيّة أمك؟ فقال الغلام: ما هي بحيّة ولا عقرب، ولكنها امرأة، قال عمر: فكيف أقول؟ قال قل: من الأحياء أمك؟ فقال عمر في نفسه، وتقاصرت إليه نفسه، إني لم أتعلم أدب الأكل والشرب، فلست براجع، ووطن نفسه على المقام عند ابن جريج، فما فارقه إلا بعد سنين، أخرجه الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي [٢] في كتاب صفوة التصوف بسنده إليه [٣] ./
وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي في تاريخ مصر، المذيل به على كتاب ابن يونس، دعا [٤] أحمد بن طولون [٥] برجل، فأدخل إليه، فقال لحاجب من حجابه: خذ هذا
стр. 145
فاضرب عنقه، وأتني برأسه، فأخذه ومضى به، فأقام طويلا، ثم أتى وليس معه شىء، فقال له أحمد بن طولون: ما قصتك؟ فقال: الأمان، قال: لك الأمان، قال: مضيت بالرجل لأضرب عنقه، فجزت ببيت خال، فقال لي: أئذن لي أدخل هذا البيت، فأصلي فيه ركعتين، فاستحييت من الله أن أمنعه من ذلك، فأذنت له فدخل، فأطال، فدخلت إلى البيت فلم أجد فيه أحدا، وليس في البيت طاق نافذ، فجئت لأخبرك بذلك، قال:
فهل سمعته يقول شيئا؟ قال: نعم، سمعته يقول وقد رفع يديه: يا لطيفا لما يشاء، يا فعّالا لما يريد، صلّ على محمد وآله، والطف بي في هذه الساعة، وخلصني من يديه. فدخلت البيت بعد هذا أطلبه فلم أجد فيه أحدا، فقال له أحمد بن طولون: صدقت،/ هذه دعوى مستجابة.
وفيه أيضا: قال لي عبد الرحمن بن إسماعيل النحوي العروضي: توفي أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصوفي صاحب التاريخ، يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة مضت من جمادى الآخرة، سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو القاسم بن حجاج فقلت أندبه: [البسيط]
بثثت علمك تشريقا وتغريبا ... وعدت بعد لذيذ الأنس مندوبا
أبا سعيد وما يألوك أن نشرت ... عنك الدواوين تصديقا وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
أرّخت موتك في ذكري وفي صحف ... لمن يؤرخني إذ كنت محسوبا
نشرت عن مصر من سكانها علما ... مبجلا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عرب نقّبت عن نخب ... سارت مناقبهم في الناس تنقيبا
نشرت ميّتهم حيّا بنسبته ... حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا [١]
إنّ المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا
حجبت عنّا وما الدنيا بمظهرة ... شخصا وإن جلّ إلا عاد محجوبا
كذلك الموت لا يبقي على أحد ... مدى الليالي من الأحباب محبوبا
أنشد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [٢] : [الطويل]
стр. 146
لعمرك ما كل التعطل ضائرا ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدّعه
وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه
وقال الفقيه عمارة اليمني [١] : [البسيط]
لولا تقدم ذنب الدهر ما حسنت ... عندي مواقع ما يولي من النعم [٢]
كصحة الجسم لا يدرى بقيمتها ... ما لم ينبه عليها عارض السقم
وقال آخر: [الكامل]
ازهد إذا الدنيا أنالتك المنى ... فهناك زهدك من شروط الدين
فالزهد في الدنيا إذا ما رمتها ... دأبت عليك كعفة العينين [٣]
وقال آخر: [الكامل]
هجروك فاستوحشت من هجرانهم ... لو كنت أهلا للوصال لواصلوا [٤]
وقال آخر: [الرمل]
أترى تجمعني الدار بهم ... مثل ما كانت قديما جمعت
وأنادي بين أكناف الحمى ... هذه دولتنا قد رجعت
قال العزّ أبو الحسن أحمد بن معقل: مات صديق لي فرأيته في المنام وهو يقول لي: لم لا رثيتني، وأنت أنشدتني لابن سعادة [٥] الشاعر: [مجزوء الكامل]
أو ما شعرت أخا النّهى ... أن لا يموت صديق شاعر
فأصبحت ورثيته.
стр. 147
دخل أعرابي على معن بن زائدة [١] فأنشده [٢] : [البسيط]
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال معن: لا جرم والله لأعجّلنّ أوبتك، ثم قال: ناقتي الفلانية، وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه [٣] .
خرج سفيان بن عيينة [٤] إلى أصحاب الحديث وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد، وجالس أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار، وجالس جابر بن عبد الله، وجالست عبد الله بن دينار، وجالس ابن عمر، وجالست الزهري، وجالس أنس بن مالك، حتى عدد جماعة، ثم أنا أجالسكم، فقال له: حدث في المجلس والله لشقاء من/ جالس أصحاب رسول الله بك أشدّ من شقائك بنا، فأطرق وتمثل بشعر أبي نواس [٥] : [مجزوء الرمل]
خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصّمت خير ... لك من داء الكلام
فسأل: من الحدث؟ فقالوا: يحيى بن أكثم [٦] ، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة السلطان [٧] ، قال: وكان يحيى بن أكثم يحسد حسدا شديدا، وكان مفنّنا، فكان أذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه، سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ، فرآه مفننا، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: فما تحفظ من الأصول؟ قال:
أحفظ شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا رجم لوطيا، فأمسك ولم يكلمه. قال،
стр. 148
وقال المأمون ليحيى بن أكثم وهو يعرّض به: من الذي يقول [١] : [البسيط]
قاض يرى الحدّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: أو ما يعرف أمير المؤمنين من قاله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول [٢] : [البسيط]
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والراس شرّ ما راس
لا أرى الجور ينقضي عجلا ... وعلى الأمة وال من آل عباس
فأفحم المأمون وسكت خجلا.
وولي [يحيى بن أكثم] قضاء البصرة وسنّة عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة، فقال له أحدهم: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استصغره، فقال له: أنا أكبر من عتّاب بن أسيد [٣] الذي وجّه به النبي ﷺ قاضيا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل [٤] الذي وجه به النبي ﷺ قاضيا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور [٥] الذي وجّه به عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة.
في كتاب العشق والعشاق تأليف عبد العزيز بن عبد الرحمن بن مهذب
كان رجل من بني إسرائيل يقال له عبود، عشق ابنة عم له، فلم يزل بعمّه حتى زوجه بها، فحملها معه، فلما صارت إلى فراشه ماتت فجأة، فلما دفنت، أقام على قبرها لا يأكل ولا يشرب، باكيا منتحبا، فمر به عيسى/ ﵇، فقال له: ما خبرك؟
فعرّفه، فقال: إن أجلها قد فرغ، ورزقها انقطع، فان جعلت لها شيئا من عمرك دعوت الله فأحياها، فقال: قد وهبت لها نصف عمري من ذي قبل، فدعا عيسى ﵇ لها فأحياها، حتى إذا قرب من مدينته، قال لها: يا هذه، لي ثلاث ما طعمت ولا نمت، فدعيني أنام ساعة أستريح، وخذي رأسي في حجرك، ففعلت ونام، فمرّ بها بعض أبناء
стр. 149
الملوك فأعجبته، وأعجبها، فأمرها باتباعه، فوضعت رأس عبود على حجر، وانطلقت مع ابن الملك، وانتبه عبود من نومه، فبقي حائرا، فمر به قوم فسألهم، فأخبروه أنهم رأوها مع ابن الملك في هودجه، فسار حتى لحقه وتعلق بدابتها، فقيل له: ما نريد؟
فقال: إن عند هذه المرأة وديعة لي، فلتردها عليّ، ولتذهب حيث شاءت، فقالت: وما هي؟ قال: ما وهبته لك من عمري، فقالت: قد رددته عليك، فعادت ميتة لوقتها.
قال السلفي: أنشدنا أبو الحسين بن الطيوري قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، قال:/ أنشدنا أبو الحسن علي بن محمد بن القاسم المخزومي قال: أنشدنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد قال: أنشدنا محمد بن الجهم السمّري [١] لنفسه: [البسيط]
لا تضجرنّ عليلا كنت عائده ... إنّ العيادة يوما إثر يومين
وقد روى مندل عن جابر خبرا ... ألا يطيل جلوسا قبل ذي الدين
بل سله عن حاله وادع الإله له ... واجلس بقدر فواق بين حلبين
من زار غبّا أخا دامت مودته ... وكان ذاك صلاحا للخليلين [٢]
رفع إسحاق بن الشريح كبير اليهود في بغداد رقعة إلى ابن الدهابي صاحب المخزن، فنظر فيها وكتب على رأس الرقعة: ينظر في حال رافعوها [٣] ، فلما قرأها اليهودي قال على البديهة: [البسيط]
مذ كان همكم في جبر منكسر ... ورفد مفتقر أو بسط منقبض
هذا يراعكم في الفضل حذركم ... فليس ينكر منه رفع منخفض
وجدت بخط الحافظ رشيد الدين محمد بن الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، سمعت الإمام جمال الدين علي بن إبراهيم القرشي المخزومي يقول: ذكر لي الفقيه الإمام مرتضى الدين بن القسطلاني أنه كان عند الشيخ ابن الحطيئة، وقد أحضر إليه بيضة دجاجة على صفة الخشكنانكة، فتعجب منها الحاضرون، فقال الشيخ:/ [المجتث]
سبحان من ألبس البيض ... حلّة الخشكنان [٤]
стр. 150
عن العيان رأينا ... هـ لم نروه عن فلان
قال الحافظ رشيد الدين: وأنشدنا جمال الدين المذكور [١] ، قال: أنشدت الفقيه الإمام مرتضى الدين الشيرازي المدرس بالشافعي، للشافعي ﵁ [٢] : [المتقارب]
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدّت عن الرّتب العاليه
وما جهلت طيب طعم العلا ... ولكنّها تؤثر العافيه
فأنشدني لنفسه على البديهة [٣] : [المتقارب]
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والدرج العالية [٤]
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه
قال: وأنشدنا الجمال المذكور، أنشدني الشيخ الأديب العلامة أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني الأندلسي الجيّاني في المدرسة النظامية ببغداد، لنفسه: [الطويل]
خبرت بني عصري على البسط والقبض ... وكاشفتهم كشف الطبايع بالنبض
فأتيح لي فهم قياس تخليا ... عن الكل إذ هم آفة الوقت والعرض [٥]
ألازم كسر البيت خلوا وإن يكن ... خروج ففردا يلصق الطرف بالأرض
أرى الشخص من بعد فأغضي تغافلا ... كمشدوه بال في مهمته يمصي
فيحسبني في غفلة وفراستي ... على الفور من لمحي بما قد نوى تقضي
أجانبهم سلما ليسلم جانبي ... وليس لحقد في النفوس ولا بغض
تخليت عن قومي ولو كان ممكني ... تخليت عن بعض ليسلم لي بعضي
قال: وأنشدني عبد المنعم المذكور لنفسه أيضا: [الكامل]
قالوا نراك عن الأكابر تعرض ... وسواك زوّار لهم متعرض
стр. 151
قلت الزيارة للزمان إضاعة ... وإذا مضى وقت فما يتعوض
إن كان لي يوما إليهم حاجة ... فبقدر ما ضمن القضاء تقيّض
ذكر المسبحي [١] في تاريخه
عن أبي بكر المحلي قال: كان كافور الاخشيدي [٢] له في كل عيد أضحى عادة [٣] ، وهو أن يسلم إليّ بغلا محملا ذهبا وورقا، تتضمن أسماء قوم، ويمضي معي صاحب الشرطة، ونقيب يعرف المنازل، حتى أسلم ذلك إلى من جعل له، فأطرق منزل كلّ إنسان ما بين رجل وامرأة، وأقول: الأستاذ أبو المسك كافور يهنئك بعيدك، ويقول لك: اصرف هذا في منفعتك، فلما كان في عيد، جريت على العادة، وزادني في الجريدة الشيخ أبا عبد الله بن جابار [٤] مائة دينار، فصرفت/ المال لأربابه، ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمّي وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب، فنزل وقال: ما حاجتك؟ قلت:
الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام، فقال: والي بلدنا؟ [٥] ، قلت: نعم، قال:
حفظه الله، الله يعلم أنني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات، قلت: وقد أنفذ معي هذه الصرّة، وهو يسألك قبولها لتصرف في مؤونة هذا العيد المبارك، فقال: نحن رعيته، ونحبه في الله، وما نأخذ شيئا، فراجعته القول، فتبيّن في وجهه الضجر والقلق، فتركته وانصرفت إلى كافور، فأخبرته بدعاء الناس له، فقال: الحمد لله الذي جعلني سببا [٦] لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار، فقال: نعم، هو جديد لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل اليوم، عد إليه واطرق الباب، فاذا نزل إليك فاستفتح، واقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
[٧] إلى/ قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما
стр. 152
بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
[١] ، يا ابن جابار، يقول لك كافور، ومن كافور، العبد الأسود، ومن مولاه، ومن الخلق بقي لأحد مع الله ملك، تلاشى الخلق كلهم، تدري من معطيك، وعلى من رددت، أنت ما سألت، هو أرسل إليك، يا ابن جابار، ما تفرق بين السبب والمسبب، قال أبو بكر: فركبت وسرت، فطرقت منزله، فنزل إليّ، فقرأت عليه الآية، وقلت ما قال كافور، فبكى ابن جابار، وقال: أين ما حملت؟ فأخرجت له الصرة، فأخذها وقال: علّمنا كافور كيف يكون التصوف، قل له: أحسن الله جزاك، فعدلت إليه فأخبرته، فسرّ بذلك، ثم سجد لله شكرا وقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عباده.
وبالإسناد عن محمد بن أبي ليلى قال [٢] : كنت في مجلس القضاء، وردت عليّ عجوز ومعها شابة، فذهبت العجوز تتكلم فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها، وسفرت عن وجه، والله ما ظننت أن يكون مثله إلا في الجنة، قالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات أبي وتركني/ يتيمة في حجرها [٣] .
أنشدني الشيخ الفاضل عماد الدين أبو المناقب حسام بن غزّي بن يونس المحلي، قال:
أنشدني رضي الدين أبو الحسين بن سالم بن المفرج بن أبي الفتح بن أبي حصينة لنفسه وقد قصد الإفرنج مدينة النبي ﷺ ، ليأخذوه، فبعث السلطان حسام الدين لؤلؤ الحاجب في طلبهم فظفر بهم، وضرب رقابهم، من قصيدة يخاطب بها الملك: [البسيط]
علومكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدرّ في البحر لا يخشى من الغير [٤]
فأمر حسامك أن يحظى بنحرهم ... فالدرّ مذ كان منسوب إلى النحر
قال مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الأنباري [٥] كاتب ديوان الإنشاء في أيام المقتفي [٦] : [الكامل]
стр. 153
لا تيأسنّ إذا حويت فضيلة ... في العلم من نيل المرام الأبعد
بينا ترى الإبريز ملقى في الثرى ... إذ صار تاجا فوق مفرق أصيد [١]
قال عميد الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زيادة [٢] : [الكامل]
إن كنت تسعى للسيادة فاستقم ... تنل المراد ولو سموت إلى السما
ألف الكتابة وهو بعض حروفها ... لما استقام على الحروف تقدما [٣]
قال الشيخ الأديب الزاهد أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المعروف بابن الكيزاني المصري [٤] : [الوافر]
إذا سفه السفيه عليك فاجعل ... سكوتك عنه من شرف الخصال
فان جازيت ذا جرم بجرم ... فما فضل المصون على المذال
وإن كان الدنىء رخيص قدر ... فمقدار الرئيس عليه غال
فاغضاء الحليم عن المساوي ... أجلّ لديه من بذل النّوال
فما شرف الغنيّ بغير لبّ ... ولا نقص اللبيب بغير مال
آخر المنتخب من تذكرة اليغموري.
[المختار من تذكرة ابن مكتوم]
ومما نقلته من خط الشيخ تاج الدين ابن مكتوم في تذكرته [٥] ، قال أبو عبد الله محمد بن إدريس بن علي بن القاسم مرج الكحل [٦] من جزيرة شقر [٧] شاعر مطبوع له ديوان، مات
стр. 154
في ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة: [مخلع البسيط]
لا تطلبوا الودّ عند وال ... في تركه للأذى كفايه
ربّ ضعيف أذاه خاف ... يبدي مع القوة الأذايه [١]
ما كان في النفس من خبايا ... تخرجه الخمر والولايه
وقال [٢] : [الرمل]
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تلحقه متبعا ... فاذا ولّيت عنه تبعك
أبو بكر محمد بن أحمد بن جوامرد الشيرازي النحوي [٣] : [الكامل]
وإذا غلا شىء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا [٤]
إلا الدقيق فانه شىء لنا ... فاذا غلا يوما فقد نزل البلا
آخر: [البسيط]
لم ألق في الحبس محبوسا أسائله ... ما بال حبسك إلا قال مظلوم
قال يحيى بن معاذ الرازي [٥] : يا من أعطانا خير ما في خزائنه، الأيمان قبل السؤال، لا تحرمنا من عفوك مع السؤال. وقال أيضا: الصبر على البأس أشد من الصبر على الناس.
أبو عبد الله بن الحجاج [٦] : [البسيط]
стр. 155
قم نتحامق فالحمق مجدود ... والعقل في الفاضلين محدود [١]
آخر: [البسيط]
يا من يرى خدمة السلطان عدّته ... هل أرش ذلك إلا الهمّ والهرم [٢]
فقلبه وجل والنفس خائفة ... وعرضه عرض والدين منثلم
هذا إذا كان في أيام دولته ... فكيف بالمرء إن زلّت به القدم
روى ابن النجار، عن أبي المعتمر مسلم بن أوس، وجارية بن قدامة السعدي:
أنهما حضرا علي بن أبي طالب يخطب، وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فاني لا أسأل عن شىء دون العرش إلا أخبرت عنه [٣] . الطبراني في الكبير، عن محيريز قال:
صحبت فضالة بن عبيد [٤] صاحب رسول الله ﷺ ، فقلت: أوصني، رحمك الله، فقال: احفظ عني ثلاث خلال، ينفعك الله بهن، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك فافعل.
في النهاية لابن الأثير
جاء بريد من بعض الملوك إلى الزهري يسأله عن رجل معه ما مع المرأة [٥] ، كيف يورّث؟
قال: من حيث يخرج الماء الدافق، فقال في ذلك قائلهم: [الكامل]
ومهمّة أعيا القضاة عياؤها ... تذر الفقيه يشكّ شكّ الجاهل
عجّلت قبل حنيذها بشوائها ... وقطعت محردها بحكم فاضل [٦]
أراد عجلت فيها ولم تستأن في الجواب.
стр. 156
وفي تذكرة الوداعي
[١] حدثني إسماعيل بن إبراهيم [٢] الحساني، قال: كنت أتعاطى التجارة وأزكي، فجئت يوما إلى ميضأة، ومعي ثلاثمائة وخمسون دينارا في منديل، فوضعتها في طاقة الخلاء، ثم نسيت وخرجت، وتوضأت ودخلت المسجد، فتذكرت وأنا في الصلاة، فهممت بالخروج منها، ثم قلت في نفسي: راح المال ويروح الدين، لا والله، فأتممت الصلاة، وجئت إلى الميضأة، فصادفت رجلا أعجميا خارجا من الخلاء الذي كنت فيه، وهو مشمر الثياب، مشكوف العورة، فدخلت فوجدت المنديل بحاله، فأخذته وخرجت على عقبي، فقال لي العجمي: رأيت الذي رأيت؟ قلت: وما ذاك؟ قال: كان في الطاقة ثعبان عظيم همّ بنهشي، فلأجل ذاك خرجت ولم أغتسل.
روى المنهال، عن عبد الله بن الحارث قال: كانت البهائم تتكلم قبل أن يخلق آدم ﵇، وكان النسر والحوت يلتقيان، فيخبر النسر الحوت بما حدث في البر، ويخبر الحوت النسر بما حدث في البحر، فلما خلق الله آدم التقيا، فقال النسر للحوت:
لقد حدث في البر من يستنزلني من وكري، ويستخرجك من بحرك./
دخل كمال الدين بن يونس [٣] على الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ [٤] يهنيه بالعافية من مرض، وأنشده: [الطويل]
لقد كان وجه العيش مذ كنت شاكيا ... عبوسا فمذ عوفيت عاد تبسّما
فديناك مما تتّقيه فانّه ... يهون علينا أن تعافى ونسقما
стр. 157
مرّ العلم بن الصاحب بن شكر [١] على بعض الأكابر من علماء مصر، ومعه كتاب، فقال له: يا شيخ، أرني أنظر في كتابك هذا، فقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
[٢] فضحك وسكت.
حكي عن الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري [٣] ، أنه قال يوما في مجلسه: يا ذا الجنب، أما تستحي أن تحضر مجلس سماع حديث رسول الله ﷺ ، وأنت جنب، فتب إلى الله، وإن عدت الثانية فضحتك [٤] . كان عمر بن الخطاب ﵁ أعسر يسر [٥] يخرج الضاد من أي شدقيه شاء [٦] . كان في بغداد لا يقال شريف إلا لعباسي، ويقال لذرية عليّ علوي، ولا يقال شريف [٧] :/قال الأرّجاني [٨] : [الطويل]
إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ... تخيلته قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر دهره ... إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كلّ الدهر من كان عالما ... كريما حليما فاغتنم أطول العمر
رأى الملك الظاهر بيبرس [٩] في النوم أنه ولد ثلاث بنات، فعبّر له بأنّه بفتح ثلاث قلاع،
стр. 158
ففتح بعد مدة يسيرة قيسارية [١] ، وأرسوف [٢] ، ويافا [٣] . قيل: ليس في بني هاشم عباسية ولدت خليفة سوى زبيدة [٤] .
قال ابن هاني [٥] : [الطويل]
ليهنك أنّ الله أعطاك رتبة ... من العزّ ركناها التّقى والتواضع [٦]
قال ابن الزبير: ليس الناس في شىء من أقسامهم، أقنع منهم بأوطانهم. طول ذراع الملك وهو سليمان بن داود ﵉ ثلاثة أشبار. قيل لأبي يزيد: ما نراك تشتغل بكسب، فمن أين معاشك؟، فقال: مولاي يرزق الكلب والخنزير، تراه لا يرزق أبا يزيد./
قال سهل بن هارون [٧] : اللسان البليغ، والشعر الجيد، لا يكادان يجتمعان في أحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة اللسان [٨] . وقال إسماعيل بن غزوان:
стр. 159
الأصوات الحسنة، والعقول الحسنة كثيرة، والبيان الجيد والجمال البارع قليل [١] . قيل:
إذا رسخ الرجل في العلم، رفعت عنه الرؤيا الهائلة.
لبعضهم: [مجزوء الخفيف]
المودات إن خلت ... من هدايا مكرره
كطبيخ خلا من ال ... لحم يدعى مزوّره
قال أبو عبد الله بن رزام الكوني: كان عندنا بالكوفة رجل له ابن عاق، قلما جاء يوما في شىء فجرّ برجله حتى أخرجه من بيته، وسحبه في الطريق شيئا كثيرا، حتى بلغ موضعا، فقال له: يا بنيّ حسبك، فالى ههنا [٢] جررت برجل أبي من الدار التي جررتني منها.
عن جعفر الصادق: أن يوم ثالث عشر المحرم يكون أول رمضان [٣] .
أنشدني شهاب الدين عبد الحميد بن عبد الرحمن الحلبي، قال: أنشدني شيخي محيي الدين بن عربي [٤] لنفسه [٥] : [المتقارب]
إذا حلّ ذكركم خاطري ... فرشت خدودي مكان التراب
وأقعدني الذلّ في بابكم ... قعود الأسارى لضرب الرقاب [٦]
ذكر الأصل في المفاخرات
أخبرنا ابن سعد، أخبرنا ابن محمد بن عمر، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله ﷺ ، ليلة العقبة أول الناس، فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب، فسألوا العباس، فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أول من ضرب على يد النبي ﷺ تلك الليلة،
стр. 160
أسعد بن زرارة، ثم البراء بن معرور، ثم أسيد بن الحضير. وقال ابن سعد، أخبرنا عبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد، قالا: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر قال:
تزوج علي ﵁ أسماء بنت عميس [١] ، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، قال كل واحد منهما: أنا كرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ اقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر، فقال عليّ: ما تركت لنا شيئا، فقالت: والله إن ثلاثة أنت أحسنهم لخيار، فقال لها: لو قلت غير هذا لمقتك، أخرجه ابن أبي شيبة [٢] .
وأخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) [٣] . وقال: (بعث موسى وهو يرعى غنما على أهله، وبعثت أنا، وأنا أرعى غنما لأهلي بجياد) [٤] ./
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلي عن أنس قال: افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منّا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب، ومنّا من اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنّا من حمته الدّبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، فقالت الخزرج: منّا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه أحد غيرهم؛ زيد ابن ثابت، وأبو زيد، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل [٥] . [٦] /
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عائشة قالت: فضّلت على نساء النبي ﷺ بعشر، قيل: ما هنّ يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بكرا قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجرين غيري، وأنزل الله ﵎ براءتي من السماء، وجاءه جبريل ﵇
стр. 161
بصورتي [١] من السماء في حريرة، وقال: تزوجها فانها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور عليّ فيها، ودفن في بيتي [٢] .
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: أعطيت خلالا ما أعطيتها امرأة، ملكني رسول الله ﷺ وأنا بنت سبع سنين، وأتاه الملك بصورتي في كفه فنظر إليها، وبنى بي لتسع سنين [٣] ورأيت جبريل، ولم تره امرأة غيري، وكنت أحبّ نسائه إليه، وكان أبي أحبّ أصحابه إليه، ومرض رسول الله ﷺ في بيتي، فمرّضته، وقبض ولم يشهده غيري والملائكة [٤] .
وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال: نزلت في زينب بنت جحش [٥] : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
[٦] ، قال: فكانت تفخر على نساء النبي ﷺ ، تقول:
زوجكن أهلكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات [٧] .
وأخرج ابن سعد عن عاصم الأحول، أن رجلا من بني أسد، فاخر رجلا فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من سبع سماوات؟ [٨] يعني زينب بنت جحش.
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت [٩] في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إنّ الله زوجها نبيه [١٠] ﷺ في الدنيا، ونطق به القرآن، وأن رسول الله ﷺ قال لنا ونحن حوله: (أسرعكن بي لحوقا أطولكن باعا) ، فبشّرها رسول الله ﷺ بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة [١١] .
стр. 162
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي عون قال: استبّت عائشة وصفية [١] ، فقال رسول الله ﷺ لصفية: (ألا قلت أبي هارون، وعمي موسى) ، وذلك أن عائشة فخرت عليها [٢] .
وأخرج ابن سعد في الطبقات، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن مجاهد قال: كنا نفخر على الناس بأربعة؛ بفقيهنا، وقاصّنا ومؤذننا وقارئنا، فأما فقيهنا، فابن عباس، وأما مؤذننا، فأبو محذورة، وأما قارئنا فعبد الله بن السائب، وأما قاصّنا فعبيد بن عمير [٣] . وأخرج ابن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: تفاخر قوم من قريش، فذكر كل رجل ما فيهم، فقال معاوية للحسن ﵁: ما يمنعك من القول فما أنت بكليل اللسان، قال: يا أمير المؤمنين، ما ذكروا مكرمة ولا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها، ثم قال [٤] : [الكامل]
فيم الكلام وقد سبقت مبرّزا ... سبق الجياد من المدى المتنفّس
وأخرج ابن عساكر، عن أبي الدرداء أنه خرج يريد النبي ﷺ ، فوجد جماعة من العرب يتفاخرون، قال: فاستأذنت، فأذن لي رسول الله ﷺ ، فقال لي: (يا أبا الدرداء، ما هذا اللجب الذي أسمع؟، قلت: يا رسول الله، هذه العرب تتفاخر فيما بينها، فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا الدرداء، إذا فاخرت، ففاخر بقريش، وإذا كاثرت، فكاثر بتميم، وإذا حاربت، فحارب بقيس) [٥] .
وأخرج ابن عساكر عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، قال: افتخر رجلان عند النبي ﷺ ، أحدهما من مضر، والآخر من اليمن، فقال اليماني: إني من حمير لا من ربيعة أنا ولا من مضر، فقال له النبي ﷺ : (فاشقى لبختك واتعس لجدك، وأبعد لك عن بيتك) [٦] ./ [٧]
стр. 163
مفاخرة السيف والقلم
[١] للإمام زين الدين عمر بن مظفر ابن الوردي الشافعي [٢] ، قال: لما كان السيف والقلم عدّتي العمل والقول، وعمدتي الدول، فان عدمتهما دولة فلا حول، وركني إسناد الملك المعرب عن المخفوض والمرفوع، ومقدمتي نتيجة العدل الدال الصادر عنهما المحمول والموضوع، فكّرت أيهما أعظم فخرا، وأعلى قدرا، فجلست لهما مجلس الحكم والفتوى، ومثّلتهما في الفكر حاضري الدعوى، وسوّيت بين الخصمين في الإكرام، واستنطقت لسان حالهما للكلام، فقال القلم: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[٣] ، وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها
[٤] ، أما بعد حمد الله بارىء النسم، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
[٥] ، وشرّفه بالقسم، وجعله أول ما خلق وجمّل الورق بغصنه، كما جمّل غصنه بالورق، والصلاة على نبيه القائل: (جفّت الأقلام) [٦] ، وعلى آله وصحبه أعلم المعارف، وأعرف الأعلام، فان للقلم قصب السباق [٧] ، فالكاتب بسبعة/ أقلام من طبقات الكتاب في السبع الطباق، جرى بالقضاء والقدر، وناب عن اللسان فيما نهى وأمر، طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها، وقاتل في البعد والصوارم في القرب نائمة ملء أجفانها، وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه، ومشيه لهم على أمّ رأسه.
قال السيف: باسم الله الخافض الرافع، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ
[٨] ، فأما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف [٩] ، فعظم بها حرمة الحرم، وآمن ضيفه الحيف،
стр. 164
والصلاة على نبيه محمد الذي نفذ بالسيف سطور الطروس، وأخدمه الأقلام ماشية على الرؤوس، وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم، وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم، فان السيف عظيم الدولة، شديد الصولة، محيي أسطار البلاغة، وأساغ ممنوع الإساغة، من اعتمد على غيره في قهر الأعداء تعب، وكيف لا وفي حده الحدّ بين الجد واللعب [١] ، وإن كان القلم شاهدا، فالسيف قاضي، وإن اقترنت محاولته بأمر مستقبل قطعه السيف بفعل ماضي [٢] ، به ظهر الدين وهو العدة/ لقمع المعتدين، حملته دون القلم يد نبيّنا، فتشرف بذلك في الأمم شرفا بيّنا، الجنة تحت ظلاله [٣] ، ولا سيما حين يسلّ، فترى ودق [٤] الدم يخرج من خلاله، زيّنت بزينة الكواكب سماء غمده [٥] ، وصدق القائل: السيف أصدق إنباء من ضده، لا يعبث به الحامل، ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل، ما هو كالقلم المشبه بقوم عرّوا عن لبوسهم، ثم نكّسوا كما قال تعالى عَلى رُؤُسِهِمْ
[٦] ، فكأن السيف خلق من ماء دافق، أو كوكب راشق، لا يشترى كالقلم بثمن بخس، ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس، كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين من أثر، فهو في جراب القوم قوام الحب، ولهذا جاء مطبوع الشكل، داخل الضرب.
قال القلم: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
[٧] يفاخر وهو قائم على الشمال، الجالس عن اليمين، أنا المخصوص بالرأي، وأنت المخصوص بالصّدي [٨] ، أنا آلة الحياة، وأنت آلة الردى، ما لنت إلا بعد دخول السعير، وما حددت إلا عن ذنب كبير، أنت تنفع في العمر ساعة، وأنا أفني العمر في الطاعة، أنت للرّهب وأنا للرّغب، وإذا كان/ بصرك حديدا، فبصري ماء ذهب، أين تقليدك من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من طهارة مدادي.
قال السيف: أأنف في السماء واست في الماء، أم مثلك يعير مثلي بالدماء، فطالما
стр. 165
أمرت بعض فراخي وهي السكين [١] ، فأصبحت من النفاثات في عقدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنفك، وقطعت لسانك، ويك، إن كنت للديوان فحاسب مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه، فناقص في العلوم، أو للشاعر، فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم، فللحي القيوم، وأما أنا، فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذ أشهر، والصعود على المنبر، شكلي الحسن عليّ، ولم لا حملك الخطيب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فاتك كناسك، أسلك الطرائق، وأقطع العلائق.
وقال القلم: أما أنا فابن ماء السماء، وأليف الغدير، وحليف الهواء، وأما أنت، فابن النار والدخان، وباتر الأعمار، وخوّ ان الإخوان، تفصل ما لا يفصل، وتقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم سمّ السيف وصقل/ قفاه، وسقي ماء حميما، فقطع أمعاءه، يا غراب البين، ويا عدّة الحين، ويا معتل العين [٢] ، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت [٣] وأرملت وأيتمت.
قال السيف: يا ابن الطين، ألست ضامرا وأنت بطين، كم جريت بعكس، وتصرفت في مكس [٤] ، وزوّرت وحرّمت، ونكّرت وعرّفت، وسطّرت هجوا وشتما، وخلّدت عارا وذمّا، أبشر بفرط روعتك، وشدة ضيقتك، إذا قست بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن جوابك فعندي حدّة، واقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فتستأصل أصلك، وتجتث جرثومتك، فسقيا لمن غاب بك عن غابك، ورعيا لمن أهاب لسلخ إهابك.
فلما رأى القلم السيف قد احتدّ، ألان له من خطابه ما اشتد، وقال: أما الأدب فيؤخذ عني، وأما اللطف، فيكتسب مني، فان لنت لنت، وإن أحسنت أحسنت، نحن أهل السمع والطاعة، ولهذا تجمع في الدواة الواحدة جماعة، وأما أنتم، فأهل/ الحدة والخلاف، ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف.
قال السيف: أمكرا ودعوى عفّة، لأمر ما جدع قصير أنفه [٥] ، لو كنت كما زعمت ذا أدب، ما قابلت رأس الكاتب بعقدة الذّنب، أنا ذو الصيت والصوت، وغراراي ليّنا
стр. 166
مسّ، فيّ ترتحل غرائب الموت، أنا من مارج من نار والقلم من صلصال كالفخار، وإذا زعم القلم أنه مثلي، أمرت من يدق رأسه بنعلي، قال القلم: صه، فصاحب السيف بلا سعادة كالأعزل، قال السيف صه، فقلم البليغ بغير حظ كمغزل.
قال القلم: أنا أزكى وأطهر. قال السيف: أنا أبهى وأبهر.
فتلا ذو القلم لقلمه: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
[١] ، فتلا صاحب السيف لسيفه:
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
[٢] ، فتلا ذو القلم لقلمه: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
[٣] ، قال القلم: أما وكتابي المسطور وبيتي المعمور [٤] ، والتوراة والإنجيل، والقرآن ذي التبجيل، إن لم تكفّ غربك [٥] ، وتبعد مني قربك، لأكتبنّك من الصم البكم، ولأسطرنّ عليك بعلمي سجلا [٦] بهذا الحكم.
قال السيف: أما ومتني المتين، وفتحي المبين، ولسانيّ الرّطبين، ووجهيّ الصّلبين/ إن لم تغب عن بياضي بسوادك، لأسخّمنّ وجهك بمدادك، ولقد كسبت من الأسد في الغابة توقيح العين والصلابة، مع أني ما ألوتك نصحا: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
[٧] .
قال القلم: سلّم إليّ مع من سلّم، إن كنت أعلى فأنا أعلم، أو كنت أحلى فأنا أحلم، أو كنت أقوى فأنا أقوم، أو كنت ألوى [٨] فأنا ألوم، أو كنت أطرى فأنا أطرب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضى، فأنا أقضب.
قال السيف: كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري. قال القلم: كيف لا أفضلك وهو عز نصره ولي أمري. قال الحكم بين السيف والقلم: فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبيّنتين متعارضتين، وعلمت أن لكل منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم، لطّفت الوسيلة، ودقّقت الحيلة، حتى رددت القلم إلى كنّه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه، وأخّرت بينهما الترجيح، وسكتّ عمّا هو عندي الصحيح، إلى أن يحكم المقرّ بينهما بعلمه، ويسكّن سورة غضبهما الوافر،
стр. 167
ولجاجهما المديد [١] /ببسيط حلمه، ويعاملهما بما وقر في صدره من الوقار، وسكن في قلبه من السكينة، وإذا كان في هذه المدينة مالكنا، فلا يفتي العبد ومالك في المدينة [٢] ./
مقامة تسمى الحرقة للخرقة
إنشاء الإمام زين الدين عمر بن مظفر ابن الوردي [٣] قاضي حلب المعروف بالرياحي، وهو أول من ولي قضاء المالكية بحلب.
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على المكاره سواه، والصلاة على سيدنا محمد الذي خاف مقام ربه، وعصم عن اتباع هواه، وعلى آله وصحبه الذين بذل كل منهم في صون الآية قواه، وسلمت صدورهم من فساد النيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فان نصيحة أولياء العزم تلزم، والتنبيه على مصالح العباد قبل عموم الفساد أحزم، والمتكلم لله مأجور، والظالم ممقوت مهجور، وتحسين الكلام لدفع الضر عبادة، والنثر والنظم للذب عن أهل الدين من باب الحسنى وزيادة، وجرحة الحاكم للأعراض بالأغراض صعبة، إذ نص الحديث النبوي أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، ومخرق حرمته مذموم، ولحم العلماء مسموم.
وهذه رسالة أخلصت فيها النية، وقصدت بها النصيحة للرعاة والرعية، أودعتها في جوهر فكر كل ثمين، وناديت بها على مزيل ظلم أبناء جنسي، مناداة/ اللّحم السمين، لكن جنّبتها فحش القول إذ لست من أهله، وخلدتها في ديوان الدهر، شاهدة على المسىء بفعله، ورجوت بها الثواب، وتحريت فيها الصدق والصواب، نصرة للمظلوم، وغيرة على حملة العلوم، وسميتها الحرقة للخرقة، فقلت:
اعلموا يا ولاة الأمور، ويا ذوي الكرم الغمر، أبقاكم الله في مصر للأمة، ووفقكم لرفع الإصر، وبراءة الذمة، إن حلب قد نزعت الزبدة ووقعت من ولاية التاجر الرياحي في خسر، وشدة قاض سلب الهجوع، وسكب الدموع، وأخلف السرب، وكدّر الشرب، بجرأته التي طمت وطمّت، وعاميته التي عمّت وغمّت، وفتنته التي بلغت الفراقد،
стр. 168
وأسهرت ألف راقد، ووقاحته التي أذهبت الألباب، وأخافت النّطف في الأصلاب، فكم لطّخ من زاهد، وكم أسقط من شاهد، وكم أرعب بريئا، وكم قرّب جريئا، وكم سعى في تكفير سليم، وكم عاقب بعذاب أليم، وكم [١] توسط بها عند الألباب، حشر النائب على من قيل إنه حضر الخمر، وحمله على أن قرعه بالمقارع، حتى قضي الأمر، وامتنعت الأمراء من الشفاعة، وظنوا هم والنائب أن هذا امتثال لأمر الشرع وطاعة:/ [السريع]
يا حامل النائب في حكمه ... أن يقتل النفس التي حرّمت
غششته والله في دينه ... بشراك بالنار التي أضرمت
أسقط في يوم مشهود تسعة من أعيان الشهود، فو الله لو كانوا من غنم رباح، ما سمح بهذه العدة للذباح، وهذا مقت وأي مقت، ما سمعنا بمثله في وقت، أتسلم أرباب البيوت من هذا الرجل المبهوت، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
[٢] ، من يذم هذا البزاز الجرىء على تخريق الخرقة: [السريع]
سحقا لقاض مالكي سطا ... بتسعة أكبر من فينا
وإن أعرناه لها سكتة ... ألحق بالتسعة تسعينا
سبب إسقاطه لهؤلاء النفر، أنه أقر عندهم أول مدته من السفر، بأن قرابغا [٣] أعطاه ثلاثة عشر ألف دينار، ووكله ليشتري بها ما يرضاه من العقار، فلما مات قرابغا، عاش الوكيل وندم على إقراره عندهم، فبدرهم بالتنكيل، فهيهات هيهات، فهذا المحو عين الإثبات [٤] ، لهذا أكبر الحال، وأسفت القلوب أنه أكل المال، أسقط التسعة قهرا، ونادى عليهم جهرا، وشاور على تطويفهم في الأسواق والجامع، لولا منعه من ذلك مانع، هذا من غير إحضار لهم ولا إعذار، ولا تقدم دعوى ولا إنذار، ولا تظلم من متظلم،/ ولا كلمة من متكلم، إلا سطوة وعتوا واستكبارا في الأرض وعلوّا وخوفا على الدرهم والدينار، بل مكر الليل والنهار، ولما ظهر زبدة [٥] الذاهبة، التي تنثلم منها فاس [٦] ، وتتباعد عنها دانية [٧] ، وتنفر من قبحها تونس [٨] ، ويحتجب حياء منها
стр. 169
ابن الحاجب [١] ، ويستوحشها ابن يونس.
عقد مجلس بدار العدل لكشف الظلامة، وطي هذا الجور المنشور بغير علامة، فقلنا له سمّ لنا من شهد على الشهود، فأبى أن يسمّي، وقال قضى الله عليه: قضيت فيهم بمذهبي، وحكمت فيهم بعلمي، فقلنا: يا نائما على السّرى، الجرح لا يقبل إلا مفسّرا، وإن كان لك أن تجرحهم، فليس لك أن تذبحهم وتفضحهم يا قليل الفهم، من يساعدك على هذا الوهم، هذا محرم لم يبحه مبيح، ومحاسن الإسلام تأبى هذا القبيح. قال: إن لم تركنوا إليّ فاستفتوا المالكية في دمشق عليّ، فأخرنا اللوم، وطالعنا كتب القوم، فوجدنا في مشاهير كتبهم نقلا محققا، أن القاضي لا يقضي بعلمه مطلقا، وأنه إذا شهد عنده من يعلم عليه جرحه، رفع الأمر إلى من فوقه، وأبدى له شرحه [٢] ، فكابر وتأوّل، واعتمد على الفجور وعوّل، وزاد في المدافعة، وخوّف بالشر والمرافعة، وأطلق لسانه في/ الأعيان ولم يقيّد، وقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد، ولما بلغ المالكية بدمشق هذه الواقعة المستعظمة، أصغروا قدره عنها، وقالوا: كَبُرَتْ كَلِمَةً
[٣] ، واستحلوا سبّه وشتمه، واستقلوا عقله وعلمه، وكتبوا إليه: أن يا مغلوب، لقد بغّضت مذهب مالك إلى القلوب، وقطعت المذاهب الأربعة عليه بالخطأ، وزالت بهجته عند الناس، وانكشف الغطاء، ثم من المفتين من لامه على ذلك وعنّف، ومنهم من علّق على تقبيح ذلك وصنّف، ثم سئلت بدمشق اليهود والنصارى، وإن كانوا عن الحق حيارى، هل يجوز في دينهم المنسوخ مثل هذا التخجيل، أم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فأقسموا بالله جهد أيمانهم، إن ذلك لم يكن في أديانهم، وناهيك بخلل تستقبحه كل الملل، فقبح الله من أصبح بسهام الأغراض إلى مصون الأعراض في الرامين، وقال: من أحوج المسلمين إلى سؤال المغضوب عليهم والضالين: [الكامل]
أبرأ إلى الرحمن من بهتانه ... وفجوره وعتوّه المتزايد
من ذا يجيز قضاء قاض جاهل ... بالعلم في هذا الزمان الفاسد
стр. 170
وأما قول إمامنا الشافعي في أمه [١] : «لولا قضاة السوء لأجزت للقاضي أن يقضي بعلمه» :/ [المجتث]
قلنا له دع أمورا ... مستهجنات لمثلك
فقال أقضي بعلمي ... قلنا ستقضي بجهلك
ثم فسق مفتيا في الدين، وفضح خطيبا على رؤوس المسلمين، ومن بغضه هذا الخطيب، أمر من لطخ منبره بضد الطيب، الله أكبر آذى حتى الخطيب والمنبر، لقد بالغ في الختل، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
[٢] : [البسيط]
من انتهى طيشه في المحرمات إلى ... هذا المقام عليه غضبة الباري [٣]
ولست عن مالك أرضى نيابته ... عن خازن العلم أو عن خازن النار
هذا جزاء المنسلك تحت آراء عبد الملك، ومن البوم دليله، فالخراب مقيله: [السريع]
امتلأت من ذهب أكياسه ... وقلبه ممتلىء من دغل
ما هو إلا حيّة برقها ... بالسمّ هذا المغربي الزغلي [٤]
لقد أوقع الناس في الفتنة في بحر عجاج، فدعوا عليه وعلى عبد الملك، ولولا عبد الملك ما استطال [٥] هذا الحجاج، قاض يقول القول ثم ينكره، ويذم الشخص في المجلس ويشكره، ويحب آيات الردة والكفر، لحبه في الدنانير الصفر: [مجزوء الرمل]
حاكم يصدر منه ... خلف كل الناس حفر
يتمنى كفر شخص ... والرضى بالكفر كفر
ما أولى أحكامه بالانتقاض، وما أحقه بقول السحرة لفرعون: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
[٦] ، ولولا العافية لتوهمت أنّ (ما) ههنا نافية: [الوافر]
ولو ولّوا قليل الفقه فيه ... مداراة ودين ما جزعنا
стр. 171
وكان يهون ما نلقى ولكن ... تعالوا فانظروا مع من وقعنا
ثم إنه على عامية نفسه وجهلها، ينتقص العلوم ويضع من أهلها: [البسيط]
الله الله لا تبقوه في حلب ... يا أهل مصر وفينا راقبوا الله
فدما يذمّ فنون العلم محتقرا ... بها ومن جهل الأشياء عاداها [١]
لقد عذب العذبة، وصدّق الكذبة، يستخف الأثقال، ويحكم بما لا يعلم ليقال: [المتقارب]
رأى نفسه أخرّت في العلوم ... فرام التقدّم بالجبروت
عديم الهبات عظيم الهنات ... قليل الثّبات كثير الثبوت
ستر الله هذه المدينة من هؤلاء الأدوان [٢] ، ونزّه عنه مذهب مالك برحمة منه ورضوان: [البسيط]
قاض عن الناس غير راضي ... مباهت غالط مغالط
يكذب عن مالك كثيرا ... ويسقط الناس وهو ساقط
عامل أوساط الناس معاملة الأطراف، وأشرف أذاه على العذراء والأشراف، أتلف الأملاك والمكاتيب، بما اعتمده في حق الشهود/ من الأكاذيب، فكم صاحب مكتوب يبكي على حاله، كما أوتي كتابه في شماله: [الكامل]
تلفت مكاتيب الأنام بفعله ... وأبان عن طيش وكثرة مخرقه
يرمي الأكابر والأصاغر كاذبا ... بالكفر أو بالفسق أو بالزندقه [٣]
هلّا قرأ هذا القاضي الجديد: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
[٤] : [الوافر]
لقد آذى الشهود بغير حق ... فأيّ الناس ما رحم الشهودا
أيرضى المسلمون لهم بهذا ... وقد سرّ النصارى واليهودا
ولقد بلغنا وهو من العبر، أنّ جيراننا من أهل شيس [٥] سرهم مبتدأ هذا الخبر: [مجزوء الرجز]
صاحب شيس سرّه ... فعال قاض أرعنا
стр. 172
فأحزن الله الذي ... أفرح فينا الأرمنا
أذهب حبّ الذهب ذهن ذهنه وأفنى، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[١] : [البسيط]
أهل الثنايا أفيكم رجل ... يقول عن نفسه أنا ابن جلا [٢]
من جور قاض غناه أفسده ... وكثرة المال تفسد الرجلا
مطالعته في البيت في عرض جريدة الصابون والزيت: [مخلع البسيط]
وتاجر قلّدوه حكما ... كلّ الرعايا عليه لا له
له فعال مدوّنات ... قد أغضبت صاحب الرساله
احتكر الأقوات في أوقات الغلا، فقال فيه بعض الفضلاء: [البسيط]
كيف التخلص من قاض مباحثه ... قطن وقمح وأصناف وصابون
قد جاء يحتكر الأقوات في حلب ... على غلا السعر والحكّار ملعون
كم نهته زوجته عن اللجاج، فتهددها بالضرب والإخراج: [المتقارب]
وقاض لنا لم يلن ... وزوجته لانت
فيا ليته لم يكن ... ويا ليتها كانت
إذا فرغ من مجلس قضائه، اشتغل بمعاقبة أهل بيته والغلظة على أقربائه، أن ينفد الأزمان، فاذا ارتفع ضجيج الحرم والغلمان، وأخذ الناس في لعنة هذا الميت، ويتذكرون ببلية أهل الدار محنة أهل البيت: [مجزوء الرجز]
وما رأيت من بلي ... بظالم لم يعدل
إلّا تذكّرت به ... بلوى الحسين بن عليّ
فيا ولاة الأمر، من يبسط نفسه للقبض على الجمر: [الرمل]
مغربيّ الخلق فظّ سلقط ... أيّ من جاهره أسقطه
قامت الحرب على ساق به ... يغفر الله لمن سلّطه
أبطل مسائل المعاملة والبيّنة، فبطل بذلك دولاب المدينة وأفسدت/ ذات البين، وسلط
стр. 173
المديون يشكو على رب الدين، وصار الطالب المطلوب، وهذا الفقه المقلوب، على أن في مذهب الشافعي الزاهي، إن مسألة العينة ليست من المناهي، وهي قوام العامة والجيش، ولكن لا ذوق لمن غلب عليه الطيش: [مجزوء الرجز]
وما قرا وثيقة إلا وقال باطله [١] ... وذا دليل أنّه ليس له معامله
ففي عزله عنّا أجر غير ممنون، وأي حاجة بالعقلاء إلى مجنون: [السريع]
لا وأخذ الرحمن مصرا ولا ... أزال عنها حسن ديباجه
ولّوا علينا قاضيا ثالثا ... ما كان للناس به حاجه
هذا مالكي متعصب، قد أسكره الذهب والمنصب، فلا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف عموم العامة من خصوص العلماء، حركاته وسكناته مكتوبة عليكم، فلا ندري أنشكوكم إلى الدهر، أم نشكو الدهر إليكم. قاض سمين الأموال، مهزول النوال: [المتقارب]
كثير الجنون مسيء الظنون ... عدو الفنون لظى محرق
فيصبغ أصبغ من بهته ... وأشهل في عينه أبلق [٢]
لا يحترم أبا حنيفة، ولا الشافعي، ولا يحمد أحمد ولا الرافعي [٣] ، قراد لا يلقط إلا دم الأوراك، وجراد لا يسقط إلا على أموال الأتراك، إذا وقع عنده، فقد وقع بين مخالب الأسود، وأنياب الأفاعي السود/: [الرمل]
أدركوا العلم وصونوا أهله ... عن ظلوم حاد عن تبجيله
إنما يعرف قدر العلم من ... سهرت عيناه في تحصيله
فقابلوا الفعل بفعله، واستعيذوا بالله يا أهل مصر، من شر ولاية مثله، وارموه من كنانة مصر بسهم قلما أخطأه، وعاجلوا إيضاحه بالإبهام، ترضى الفرقتان؛ المسبّحة والسبابة بسيرتكم الوسطى: [الرجز]
المالكيّ طائش ذو فوره ... له على أهل العلوم سوره [٤]
دار على باب الجراح الدوره ... وما قرا في باب ستر العوره
стр. 174
مغربي الاخلاق، مذموم على الإطلاق، عار عن الدين، عدة للمعتدين، سيء الصنائع، ذخيرة سوء في الوقائع: [البسيط]
وقاضيا ماضيا في الشرّ مجتنبا ... للخير من سيئات الدهر محسوبا
يرى إباحة أعراض محرّمة ... متى ترى شكله المكروه مندوبا
غاية علمه إطالة السكوت، وقول الحاضرين له دائم الثبوت، سكناته غير متناهية، وإذا تكلم ففي داهية، الويل له إن لم يتب، ويجهل حتى أسماء الكتب، أذاه شامل، وشره كامل، ومنهاجه عسر.
لو كان حاوي الخصائص ما قال بالتذنيب، ما هو العزيز النهاية، وله بداية مدونة، من يحتقر بالمهذّب من أين له تهذيب، مقدام ظلوم، جاهل بجميع العلوم، لا يعرف في الفقه الطلاق من التطليق،/ ولا في النحو الإلغاء من التعليق، ولا في التفسير أسباب النزول، ولا في القرآات حجج، وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ
[١] ، ولا في اللغة القدح من الكأس، ولا في الأصلين؛ الجوهر الفرد، والجلي القياس، ولا في المنطق الضرب المنتج من العقيم، ولا في الحديث الصحيح من السقيم، ولا في العروض تفاعيل الدوائر، ولا في القوافي المتدارك من المتواتر، ولا في التصريف المثال من الأجوف، ولا في الطب أي الأمراض أخوف، وهو مع الجهل، وكونه غير أهل، يؤذي نجوم العلوم الطالعة والغاربة، ويعامل الناس بأخلاق المغاربة، ويتطاول على كل طائل، بمنصب هو الظل الزائل، حتى كأنه قدّم على جنس الإنس، أو قدم برأس البرنس: [السريع]
ومالكيّ جاهل باخل ... لا بارك الرحمن في عمره
جفنته أضيق من جفنه ... وقدره أصغر من قدره
جهل كثيف، وعقل سخيف، قد أغضب الجمّ الغفير، واجترأ على الإسقاط والتكفير: [الكامل]
يا أهل مصر وقاكم الله الأذى ... ولّيتم طرفا على الأوساط
صعب على الحرّ الخضوع لناقص ... وتحكّم الأسقاط في الأسفاط
فهلا إذا قضى الله حب المالكية، وليتم على المسلمين ذا نفس زكية: [البسيط]
والله لو أنّ حماماتكم وقعت ... على الرجال لما ولّيتم هذا
ضاري الطباع سرور الناس يحزنه ... ولا انشراح له إلّا إذا آذى
стр. 175
يضرب إذا حكم، ويفتخر له ولم، ويرعد ويضطرب، ويبعد ويقترب، حتى كانه قتل عنترة، أو فتح قلعة مسترة [١] ، يتأوّه على الشرع من بعده، ويزيد في الشريعة سياسات من عنده، الويل له من هذه الأعمال، كيف يحتاج دين الله إلى إكمال، لقد وقع في عار، لا تغسله مياه الأنهار، قل للذي ما تأدب مع العلوم وأهلها، تهير لحظ البرايا عليه والنفرات، عاص يريد الشريعة نورا ويصبغه بالنيل للنهر الأسود ولو حكى ابن فرات [٢] ، لما رأى خلو مجلسه، وقلة مؤنسه، وانقطاع الأعيان عن داره، وإهمال الخاصة له لصغر مقداره، قال له رأيه الفاسد إلى متى أنت مهجور كاسد، فازجر وانتهر، وقبّح حتى تشتهر، فآذى ونادى، وجرح وما داوى، فطفر الناس عليه بهذه الطفرة، وما زادهم عنه إلا نفرة، وكشفوا ظلته، وعرفوا علّته: [الكامل]
حال النّحاة على العموم تميّزت ... عندي لأنّ القوم أهل خصوص
من أجل قاض قد رموه بعلّة ... ودعوه بالمستثقل المنقوص
إذا جلس خلت غولة جالسة، وإذا تكلم مطيلسا، قلت جاء البرد والطيالسة [٣] ، لا قراءة له ولا قرى [٤] ، فليت العيون اكتحلت منه بأميال السرى،/ يحب من القرآن: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
[٥] ، ومن الحديث: (أباهي بكم الأمم) [٦] ، حتى بالسقط، ومن الفقه سقوط يد السارق بآفة، ومن النحو سقوط التنوين بأل والإضافة، ومن الشعر [٧] : [الوافر]
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
[و] : [الرجز]
يحبّ من كلّ علم ... السين والقاف والطا
حاشا الرسالة منه ... ما خلقه بالموطّا
يتنفس على الناس الصعداء، ويؤذي الأشقياء والسعداء، لقي بعض الناس منه ما لقي،
стр. 176
وهو عازم على ما بقي: [الطويل]
لقد أصبح الباقون منه على شفا ... متى استنشدوا الشعر القديم يقولوا
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول [١]
فالله يعصم منه أعراضنا العريضة، ويعجّل قسمة تركته، فقد عالت الفريضة: [السريع]
ابن الرباحيّ على جهله ... وجوره في حلب يحكم
إن لم يكن في حلب مسلم ... فمصر ما كان بها مسلم
المنصب الجديد لا يسده إلا الرجل السديد، لقد آذى مذهب مالك، من توسط لهذا العرّة بذلك: [مخلع البسيط]
من كان في علمه دخيلا ... فللولايات لا يليق
لا سيما منصب جديد ... فكفؤه عالم عتيق
وماذا أقول فيمن حمله جهله على أن قال في ابن السّفاح وابن العديم/ ما هو أهله، أحسن الله إليهما، ورضي عنهما، ولولا حظ نفسه، وظلمه حسه، لاكتسب من رئاستهما، واقتدى بعفّتهما عن الأموال والأعراض، وحسن سياستهما، لكنه أعمى البصر والبصيرة، سيّىء الظن، خبيث السريرة يؤذي الناس ويقول لا تؤذوني، وينادي مال قرابغا [٢] في يده بالله خذوني: [مخلع البسيط]
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأن قاضي القضاة جمري [٣]
يقضي عمره في الأسواق والأسفار، ومرافقة أبي حيّة من التجار، ما أقدره على التنقير، وما أسهل عليه الفسق والتكفير، فلا قوة لنا من جمرته [٤] ولا حول، لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
[٥] : [الرجز]
يا قومنا إنّ الفساد قد غلب ... وخافت الأعيان سوء المنقلب
ومن نشا بين الحمير والجلب ... كيف يكون قاضيا على حلب [٦]
стр. 177
كم دعي إلى بابك فما ارتاح إلى الباب، وتراه حرّان لعدم الرقة، فاذا قيل فلان قد كفر طاب، هو في العينة جسر الحديد، وبالبخل بعدا وليعش للتفاح، ومعارته الحلفة وشر سرمدا، فلا عاش هذا الأقرع الغاوي اللكام المرتب سفرا عن بائس، فان طول هذه القرينة المقام في حلب، فيا ضيعة الترقا [١] :/ [مجزوء الرمل]
هو في العلم آخر ... وهو في الظلم سابق
فهو للضيف حارم ... وهو في العرض دابق [٢]
أيولّى على الناس من كان يخضع للحقير والمكّاس [٣] ؟ وبعد تلك الخساسة، يرشح للرياسة، لا جرم أنّه كثر تلبيسه [٤] ، وطال تعبيسه، فكأنما يفكر في غامض، أو تلمّظ بخل حامض: [مجزوء الرجز]
بعدا لقاض تاجر ... إثباتنا في سابه
شيخ الحقير بارق ... في عينه وقلبه
يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوّي شوكته على أهل التقوى، فقد ذلّل الفقهاء والأخيار، وجرّا عليهم السفهاء والأغيار: [مجزوء الرجز]
يحبس في الرّدة من ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حد بارد
أراح الله من تعرّضه، وصان الأعراض عن تقرضه، فقد شقّ بحربه على الأكابر، وشق تعديه إلى المقابر: [السريع]
في حلب قاض على مالك ... قد افترى ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال قم ... قد قيل لي إنّك زنديق
يقصد بذلك أهل الدين، ويلطخ به القراء المجودين، نسي جلوسه في السوق، وأصبح يثبت في الفسوق نقل من الذراع والمقصّ، إلى هذا المنصب الأعز الأخص، والله لقد هزلت، فسحقا للدنيا وما فعلت: [مجزوء الرجز]
قاض من السوق أتى ... معتاد بيع الأكسيه
ذا للوصايا ما يعي ... كيف يعي في الأقضيه
стр. 178
بعد الامتهان في الرحاب، يقال له باسم الله رئيس الاصحاب، وما مر دجنه، وافسد بهذه الكلمة ذهنه، ألا يغيب له طبق، وتعسا لجارح يبلبله الدبق، فو الله لولا كراهة السخافة، لآتينّ هنا بأفانين من حديث خرافة، ثم إنه مع تلك الأباطيل، يدعي العفّة عن أكل البراطيل [١] ، فليته تناول الحطام، وتعفف عن أعراض الأنام: [مجزوء الرمل]
طرف قدّمه ... دهره إذ سكرا
إن صحا الدهر له ... سترى ما سترا
أو ما علم هذا المشلول اليد، المفترق اللسان، أنّ العرض أثمن من المال عند الإنسان: [الكامل]
التاجر الخياط قاض عندنا ... ولديه تثبت ردّة وفسوق
ومن العجائب أن يخيط قلوبنا ... بكماره ولسانه مفتوق [٢]
وكيف عادت حلب تسكن، وفيها هذا الألثغ الألكن: [مخلع البسيط]
يا ساكني مصر ما عهدنا ... منكم سوى رحمة وألفه
فكيف ولّيتموا علينا ... من لا تصحّ الصلاة خلفه
راؤه غين، ومنطقه شين، إذا سبّح الربّ، لا تدري أسبّح أم سبّ: [السريع]
الألثغ الطاغي تولّى القضا ... عدمت هذا الألثغ الطاغي
إن سبّح الباري حكى سبّة ... فقال سبحانك يا باغي
لا يفرّق بين المؤنث والمذكر إلا بالفرج، ولا يعرف العربية إلا باللجام والسرج: [مجزوء الهزج]
قليل الفقه لّحان ... له في حكمه خبط
قبيح الشّكل محتدّ ... فلا شكل ولا ضبط
لو عقل لاكتفى ببلغته، وصان المنصب عن عار لثغته: [المجتث]
وألثغ يتحرّى ... ويصبغ العرض صبغا
إن قيل هل أنت برّا ... يقل نعم أنا بغّا
من ألّم بشكله تألم، ولا سيما إذا تكلم، ولايته هتكة، وعزله مثل الحج إلى مكة: [الكامل]
أضحى يصول على الفصاح بلثغة ... منهوكة مهتوكة تستعظم
стр. 179
عجبي لهم كيف ارتضوه لمثلنا ... حكما أما سمعوه إذ يتكلم
سكر بخمر الولاية، إنّ في ذلك لآية، فصل الله اتصاله عنّا، وجعل بارز ضميره مستكنّا: [مخلع البسيط]
ولّيتم جاهلا جريّا ... ألثغ بالمسلمين ضاري
مقلقلا من بني رباح ... نحن به من بني خسار [١]
فقولوا له عنّي يا شرّ الحزبين، كم من حيّ قاض في البين وكم تقدم/ في الناس طرف، وكم [٢] جاء مثلك ثم انصرف، هذا وقد أعلمتك أني لو رضيت الولاية لتقدمتك: [السريع]
قولوا له عنّي ولا تجزعوا ... من شرّه يا ساخن العين
لو كنت أرضى ما تقلدته ... جلست من فوقك باثنين
كم جراح بلا اجتراح، لقد جئت بغريب في الصحاح: [الوافر]
جرحت الأبرياء فأنت قاض ... على الأعراض بالأغراض ضاري
ألم تعلم بأنّ الله عدل ... ويعلم ما جرحتم بالنهار
ثم من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، أن هذا الفرد الظالم، حوله من المغاربة جمع غير سالم، وهم في السر يتوقعون قيام الحرب، ويطمعون أن مصر سيملكها أهل الغرب: [الكامل]
يا أهل مصر أهكذا وليتم ... حلبا لجلف مالكيّ المذهب
من دابه مراهنا أصحابه ... ويقول قد ظهرت جيوش المغرب
لا تكونوا فيه من الممترين، فقد ران على قلبه بحب بني مرّين [٣] : [مخلع البسيط]
لقد بلينا بمالكيّ ... يقدح في الترك كلّ حين [٤]
صلي في السّرّ وهو يدعو ... لصاحب المغرب المريني
أخبرني بذلك من لا يذكر، وحلف أنّي إن سمّيته أنكر، فاعزلوا عن أعمالكم هذا القرد، وإن غضب فغضب الأسير على القدّ، فانه يميل إلى الزيدية [٥] ، ويتذكر الدولة
стр. 180
العبيدية [١] :/ [المجتث]
قال الرّباحيّ سرّا ... مصرا إليها إليها
كنّا بمصر وإنّا ... لعاملون عليها
لا عاش ولا بقي، ولقي من الخيبة ما يتّقي، فهذه الدولة مطاعة، إلى قيام الساعة، على رغم قاض إذا حكم جار، ولو على الجار، وإن غضب أو صال، فرّق الأوصال، عامي طرف، لا شرف له ذكر، ولا ذكر له شرف، يوقع العظيمة، ويعظم الوقيعة، ويشارع الخليفة، ويخالف الشريعة، يدع الإيثار، ويؤثر الدّعة، ويختار المرابع المذهّبة على المذاهب الأربعة، وإن تصعب لمالك، فلحظ نفسه في ذلك: [مجزوء الوافر]
لقد ولّيتم رجلا ... بخفض الناس يرتفع
ففرّق بيننا سفها ... وعند الله نجتمع
ومن أغرب ما يحكي الحاكي، أنه جمع العلماء في يوم باكي، فظنوا جمعهم لوليمة، فاذا هو جمع، فأخرج لهم سوطا مجدولا، يشبه سيفا مسلولا، وشاورهم على إعداده لعقوبة من وقع، فنهوه عن ذلك، وأمروه بالرفق فامتنع، فغادروا من عنده إلى الأوطان، مستعيذين بالله من الشيطان: [الكامل]
سوط يقلّ السيف عند عيانه ... وأراه بعض حوادث الأيام
ينوي به للمسلمين عقوبة ... وكذا تكون موائد الحكّام
فما قولك في طباع، تشبه ضراوة السباع، لا يرضيه إلا الدما، فلولو [٢] عنده سما، لولو عارض الكتاب، وهذا يتعرض لجملة الكتّاب، فالحذار الحذار من فعله، والبدار البدار إلى عزله، فكم أرعب وآذى، والقاضي يعزل بدون هذا، نعم يعزل بمجرد الظّنة، فاخرجوا من حلب هذه النار تدخلوا الجنة، لقد غاظني عامي يعلو بنفسه، والعامة عمى، أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[٣] ، فان شئتم يا نظّام الدولة أن يقوم وزن هذه البلاد، فكونوا في عروض عزله أسبابا [٤] تدعو لكم الأوتاد: [المتقارب]