القرآن، في خسوف القمر [١] : [البسيط]
تطلع البدر لم يشعر بناظره ... حتى استوى ورأى النّظّار فاحتجبا
كالخود ألقت رواق الخدر ناظرة ... ثم استردت حياء فوقها الطّنبا
وقال ابن الأبار فيه [٢] : [الوافر]
ألم تر للخسوف وكيف أودى ... ببدر التمّ لمّاع الضياء
كمرآة جلاها الصّقل حتى ... أنارت ثم ردّت في غشاء
قال إبراهيم المرادي ملغزا في القمر [٣] : [السريع]
دع ذا وقل للناس ما طارق ... يطرقكم جهرا ولا يتّقي
ليس له روح على أنه ... يركب ظهر الأدهم الأبلق
شيخ يرى آدم في عصره ... وهو إلى الآن بخدّ نقي
وهو بوسط السجن مع قومه ... لا ينزوي عن نهجه الضّيّق
هذا ويمشي الأرض في ليلة ... أعجب به من موثق مطلق [٤]
وتارة يوجد في مغرب ... وتارة يوجد في مشرق
وتارة تنظره سابحا ... يسري بساط البحر كالزورق [٥]
وتارة تلقاه في لجّة ... من فوقه الماء ولم يغرق
وتارة تحسبه وهو في ... سير به والبعض منه بقي
ذبابه من صارم مرهف ... وتارة من جفنه المطبق
يرنو إلى عرس له حسنها ... يختطف الأبصار بالرونق
حتى إذا جامعها يرتدي ... بحلة سوداء كالمحرق
وهو على عادته إنما ... يجامع الأنثى ولا يلتقي [٦]
ثم يجوب القفر من أجلها ... مشتملا في مطرف أزرق
стр. 212
حتى إذا قابلها ثانيا ... تشكه بالرمح في المفرق
وبعد ذا تلبسه حلّة ... يا حسنه في لونها المونق [١]
فجسمه من ذهب جامد ... وجلده صيغ من الزئبق
ثم يرى في حين إتمامه ... مثل مجنّ الحرب للمتّقي
وهو إذا أبصرته هكذا ... أملح من صاحبة القرطق
كأنّه وجه المعزّ الذي ... تاه به الغرب على المشرق
قال الإمام أبو بكر عبد الله بن علي بن ضائن بن عبد الجليل الفرغاني، أحد أئمة الحنفية الكبار، في المذهب والخلاف والحديث، والنحو واللغة، وأحد أفراد الدهر، مات سنة ٤١٤ هـ: [المتقارب]
تخيّر فديتك صدق الحديث ... ولا تحسب الكذب أمرا يسيرا
فمن آثر الصدق في قوله ... سيلقى سرورا ويرقى سريرا [٢]
ومن كان بالكذب مستهترا ... سيدعو ثبورا ويصلى سعيرا
استعمل مثل هذا الإمام للاقتباس في الشعر حجة في جوازه.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الزوزني [٣] : [مخلع البسيط]
لما رأيت الزمان نكسا ... وليس في الحكمة انتفاع
كلّ رئيس به ملال ... وكلّ رأس به صداع
وكلّ نذل به ارتفاع ... وكلّ حر به اتضاع
لزمت بيتي وصنت عرضا ... به عن الذلّة امتناع
وأجتني من ثمار قوم ... قد أقفرت منهم البقاع
قال عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: [الطويل]
على زهرة الدنيا السلام من امرىء ... يرى كلّ ما فيها يزول ويذهب
قال الشهاب القوصي في معجمه: أنشدني رشيد الدين عبد الله بن نصر القوصي
стр. 213
لنفسه: [الرمل]
عللونا فالشفا من شوركم ... وكذا جنّتنا من سوركم [١]
فارفعوا سجفكم كي نهتدي ... وانظرونا نقتبس من نوركم
قال: وأنشدني لنفسه: [مجزوء الرجز]
هذا غزال فاتن ... بطرفه وشعره
يريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره
قال صفي الدين عبد الله بن يحيى البغدادي [٢] ، يمدح المستضىء بالله [٣] ، على وزنين وقافيتين [٤] : [الكامل]
جود الإمام المهتدي غمامة للمجتدي ... تروي بها آماله
منح الورى منه بأبلج في الشدائد منجد ... معدومة أمثاله
إنّ الخليفة بالخليفة في المكارم تقتدي ... فدليلها أفعاله
وبجوده الحيران منها في النوائب يهتدي ... فسراجها أفضاله [٥]
قال السماح وقد حبا أكرم به من مرفد ... مبذولة أمواله
أحيا مناقب جده العباس عمّ محمّد ... فبذاك تمّ جلاله
خجل الحيا بسخائه متبرعا بندى ند ... متتابع هطاله
جود السحاب بمائه والمستضىء بعسجد ... فاعتاقه إخجاله
قال ابن الجوزي في قوله تعالى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
[٦] ، يفتخر فرعون بنهر ما أجراه ما أجراه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم، فهمتم.
لما توفي الإمام أبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي، كتب أبو النضر عبد الجبار إلى
стр. 214
ولده الإمام أبي الطيب سهل [١] يعزيه فيه [٢] : [البسيط]
من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة ... عني رسالة محزون وأوّاه
أولى البرايا بحسن الصبر محتسبا ... من كان في فتيّاه توقيعا عن الله
قال الذهبي، حدثنا ابن الدباهي قال: سمعت الشيخ كتيلة عبد الله بن أبي بكر البغدادي يقول: كنت على سطح يوم عرفة ببغداد، وأنا مستلق على ظهري، قال: فما شعرت إلا وأنا واقف بعرفة مع الركب سويعة، ثم لم أشعر إلا وأنا على حالتي الأولى مستلق، قال: فلما جاءني الركب، جاءني إنسان صارخا، فقال: يا سيدي، أنا حلفت بالطلاق أني رأيتك بعرفة العام، وقال لي جماعة أنت واهم، الشيخ لم يحج العام، قال:
فقلت له: امض لم يقع عليك حنث.
قال الشهاب القوصي في معجمه: أنشدني بليغ الدين عبد الله بن محمد بن عبد الغفار القسنطيني النحوي لنفسه لغزا في الفرزدق وجرير: [الطويل]
رأيت جريرا والفرزدق فوقه ... بخيف منى لم يخش عارا ولا إثما
فألقيت في النار الفرزدق بعد ما ... لطمت محياه ولم أقترف ظلما
ولولا جرير ما ذكت نارنا له ... فلما ذكت أضحى جرير بها فحما
الفرزدق قطع العجين، والجرير هو الحبل.
قال الوزير أبو المعالي هبة الله بن المطلب الكرماني: رأيت في المنام قائلا يقول: [الطويل]
إذا كان لله البقاء وكلّنا ... يصير إلى موت فماذا التنافس
قال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر الجلياني [٣] : [الطويل]
وأبخس شىء حكمة عند جاهل ... وأهون شىء فاضل عند عالم
فلو زفّت الحسناء للذئب لم يكن ... يرى قربها إلا لأكل المعاصم
стр. 215
وقال أيضا: [البسيط]
قالوا نرى نفرا عند الملوك سموا ... وما لهم همّة تسمو ولا ورع
وأنت ذو همّة في الفضل عالية ... فلم ظميت وهم في الجاه قد كرعوا
فقلت باعوا نفوسا واشتروا ثمنا ... وصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
قد يكرم القرد إعجابا بخسته ... وقد يهان لفرط النخوة السّبع
وقال أيضا [١] : [مخلع البسيط]
بذلت وقتا للطبّ كي لا ... ألقى بني الملك بالسؤال
وكان وجه الصواب في أن ... أصون نفسي عن ابتذال
لا بدّ للجسم من قوام ... فخذه من جانب اعتدال
واقرب من العز في اتضاع ... واهرب من الذلّ في المعالي
قال أبو بكر عتيق بن محمد الوراق التميمي (وزنه خارج عن أبحر العروض) :
أورد قلبي الردى ... لام عذار قد بدا
أسود كالغيّ في ... أبيض مثل الهدى
قال الصلاح الصفدي: هما بيت واحد من البسيط في أصل الدائرة.
قال أبو الحسن علي بن الحسن العبدري [٢] : [السريع]
لا تسلك الطّرق إذا أخطرت ... لو أنّها تفضي إلى المهلكه
قد أنزل الله تعالى: ولا ... تلقوا بأيديكم إلي التّهلكه [٣]
قال سيف الدين بن قزل المشد [٤] : [الطويل]
أيا ملكا تأتي الخماص لبابه ... وتغدو بطانا من نوال ومن جاه
إذا جاء نصر الله والفتح بعده ... وتبت يدا الأعداء فالحمد لله
стр. 216
وقال في فقير أعمى: [الخفيف]
يقتدي في طريقه بالحريري ... ويبغي مذاهب الصوفيّه
أعجميّ اللسان حلو الثنايا ... عنه تروى الحلاوة العجميّه
وقال [١] : [الكامل]
فصل كأنّ البدر فيه مطرب ... يبدو وهالته لديه طاره
والشمس في أفق السماء خريدة ... والجوّ ساق والأصيل عقاره
وكأنّ قوس الغيم جنك مذهب ... وكأنّما صوب الحيا أوتاره [٢]
وقال علاء الدين علي بن مظفر الوداعي: [مجزوء الرجز]
يوم يقول بشكله ... قوموا اعبدوا الله الأحد
قزح كمحراب بدا ... والبرق قنديل وقد
والرعد فيه مسبّح ... حبّات سبحته برد
وقال: [الوافر]
أرى الكتّاب والحسّاب فيهم ... لصوص يسرقون الناس طرّا
فقوم يسرقون اللفظ جهرا ... وقوم يسرقون المال سرّا
قال يحيى بن يوسف الصرصري [٤] الشاعر المشهور، في عدّ خلفاء بني العباس [٥] : [الطويل]
لكرب بني العباس سفاحهم جلا ... وجرّ لمنصور ومهدي الولا
وهاد وهارون الرشيد تلاهما ... أمين ومأمون ومعتصم الملا
وواثقهم من بعده متوكل ... ومنتصر والمستعين بنو العلا
وطاب بمعتز جنى مهتد كما ... بمعتمد عيش لمعتضد حلا
ومكتفيا فاعدد ومقتدرا وقد ... تلا قاهرا راض كذا المتقي تلا
ومستكفيا ثم المطيع وطائعا ... وقادرهم والقائم أعدد محصلا
стр. 217
وبالمقتدي مستظهر ساد مثلما ... بمسترشد والراشد المقتفي علا
بمستنجد والمستضىء وناصر ... وظاهر والمستنصر احتل معقلا [١]
ومستعصم لا زال بالنصر قاهرا ... لأعدائه ما حنّت العيس في الفلا
ولا زال أعواد المنابر في العلا ... بذكر بني العباس ناضرة العلا
قتل الصرصري في فتنة التتار سنة ٦٥٦ هـ.
قال أبو سهل الكسروي: [الوافر]
فتبّا للعلوم وحامليها ... وأعلمهم يبيت بلا عشاء
ويضحي والكلاب أعزّ منه ... غداة الصيد في طلب الظّباء [٢]
وقال أبو الحسن العقيلي: [السريع]
وقائل ما الملك قلت الغنى ... فقال لا بل راحة القلب
وصون ماء الوجه عن بذله ... في نيل ما ينفد عن قرب
وقال العماد الكاتب [٣] : قرأت في تاريخ ابن السمعاني قال: سمعت أبا الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم الشيباني [٤] المعروف بابن الأخوة الأديب الكاتب يقول: رأيت في منامي منشدا ينشدني هذين البيتين: [الطويل]
أعاتب فيك اليعملات على النوى ... وأسأل عنك الريح من حيث هبّت
وأطبق أحناء الضلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتّت
قال أبو الفتح: فلما انتبهت، جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة، فلم أجد مخبرا عنهما، ومضى على ذلك مدة سنتين، ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر في ضيافتي، فتجارينا في بعض النكت إلى ذكر المنامات، فذكرت له حال المنام الذي رأيته، وأنشدته البيتين المذكورين، فقال: أقسم بالله إنهما من شعري، من جملة قصيدة، قال:
فعجبنا من هذا الاتفاق./
стр. 218
وقال أبو الحسن الموسوي في الدينار البرمكي: [الكامل]
إنّ البرامكة الذين تقدموا ... عن عصرنا نهبوا بيوت المال
ضربوا على شكل الرحى دينارهم ... ليدور ذكرهم على الأحوال
وقال البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي وقد جهز إليه دراهم عليها أسود: [المتقارب]
رددت الحوادث عني وقد ... دهتني كتائبها والجنود
وأنجدتني بالجياد التي ... بعثت بها وعليها الأسود
ألف الوزير جمال الدين علي بن يوسف القفطي كتاب نهزة الخاطر ونزهة الناظر في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب.
قال عمارة بن حمزة الكاتب من ولد عكرمة مولى ابن عباس: [السريع]
لا تشكون دهرا صححت به ... إنّ الغنى في صحة الجسم
هبك الإمام أكنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم
قال أبو الفتح نصر بن سيار الأزدي [١] : [الكامل]
وبدا لنا بدر الدجى والليل قد ... شمل الأنام بفاضل الجلباب
غطى الكسوف عليه إلا لمعة ... فكأنه حسناء تحت نقاب
قال بعضهم: [البسيط]
إن كان في العيّ آفات مقدّرة ... ففي البلاغة آفات تساويها
بعضهم: [الوافر]
ويا عجبا لمن ربّيت طفلا ... ألقّمه بأطراف البنان
أعلّمه الرماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني
أعلمه الفتوة كلّ يوم ... فلما طرّ شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني [٢]
قال الأبيوردي يرثي الغزالي [٣] : [البسيط]
стр. 219
بكى على حجة الإسلام حين ثوى ... من كلّ حيّ عظيم القدر أشرفه
وما لمن يمتري في الله عبرته ... على أبي حامد لاح يعنّفه
تلك الرزيّة تستهوي قوى جلدي ... والطرف يسهره والدمع ينزفه
فما له خلّة في الدهر منكرة ... ولا له شبه في الخلق نعرفه
مضى وأعظم مفقود فجعت به ... من لا نظير له في الخلق يخلفه
لغز في النّدّ الذي يتبخر به، من إنشاء الشهاب محمود:
ما اسم مملوك إن عذبته يوم نعيمك ضاع، وإن اتصف به شىء من نعمك ضاع [١] ، وإن حرّفته كان شركا حتما، وإن صحّفته كان إثباته كفرا، واقتناؤه إثما، إن نفيته بعد ذلك كان حكما لازما وأمرا جزما، وهو مركب لا يمتنع صرفه مع التركيب، مثلث لا يتعذر تصنيفه على أديب، إن أسقطت نصفه كان حرفا، وإن عكست مجموعه كان ظرفا، وإن حرّفت معكوسه كان بالنفي أمرا، أو لحصول المكافأة عذرا، بعضه حيوان لا قلب فيه، ذو جناح لا في البر تجده ولا في الجو تلتقيه، وهو رب لأمة ولا ترهبه، وصاحب شوكة ولا تتقيه، مفرد وضعا، مثلث أصلا وفرعا، وهو من أقسام آيات الكتاب، وأقسام آلات الكتّاب، إن بان مفرقا فكالهلال في وصفه، أو مجموعا فكالروض النضير في عرفه، وهو داخل في حدّ أحد الأقسام المحببة إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام./
أخرج أحمد في مسنده عن أنس أن معاذا قال: يا رسول الله، أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا طاعة لمن لم يطع الله) [٢] .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عليّ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا [٣] ، قال: فأغضبوه في شىء، فقال:
اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له حطبا، قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا نارا، قال: ألم يأمركم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فأبوا، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها، أنما الطاعة في المعروف) [٤] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (على المرء المسلم السمع
стр. 220
والطاعة، إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة) [١] وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيليكم بعدي ولاة، البرّ ببرّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق) [٢] . وأخرج الحاكم عن عبادة ابن الصامت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيليكم أمراء بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله) [٣] ./
من وضعيات شرف بن أسد المصري
[٤] اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة، فقال له: أبيت اللعن، واللعن يأباك، ورحم الله أمك وأباك، وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام، ولكن عليك أفضل السلام، والسّلم والسّلم، ومثلك من يعزّ ويكرم ويحتشم، قرأت القرآن والتفسير والعنوان، والمقامات الحريرية، والدرة الألفية، وكشاف الزمخشري، وتاريخ الطبري، وشرحت اللغة مع العربية على سيبويه، ونفطويه، والحسن بن خالويه، والقاسم بن كميل، والنضر بن شميل، وقد دعتني الضرورة إليك، وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض صنعتك، وحسن رحمتك، بنعل تقيني الحر، وتدفع عني الشر، وأعرب لك عن اسمه حقيقا، لأتخذك رفيقا، ففيه لغات مؤتلفة، على لسان الجمهور مختلفة، ففي الناس من كناه بالمداس، وفي عامة الأمم من لقبه بالقدم، وأهل شهرنوزة [٥] سموه بالسارموزة، وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم، ولا إثم عليّ في ذلك ولا لوم، والثالثة بك أولى، وأسألك أيها المولى، أن تتحفني بسارموزة، أنعم من الموزة، وأقوى من الصوان، وأطول عمرا من الزمان، خالية البواشي، مطبقة الحواشي، لا يتغير عليها وشيها، ولا يروعني مشيها، لا تنفلت إن وطئت بها جروفا، ولا تنفلت إن طحت بها مكانا مخسوفا، لا تلتوق من أجلي، ولا يؤلمها ثقلي، ولا تمترق من رجلي، ولا تتعوج ولا تتلقوج، ولا تنبعج ولا تنفلج، ولا تقبّ تحت الرجل، ولا تلصق بخبز الفجل، ظاهرها كالزعفران، وباطنها كشقائق النعمان، أخف من ريش الطير، شديدة البأس على السير، طويلة
стр. 221
الكعاب،/ عالية الأجناب، لا يلحق بها التراب، ولا يغرقها ماء السحاب، تصر صرير الباب، وتلمح كالسراب، وأديمها من غير جراب، جلدها من خالص جلود المعز، ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز، مخروزة كخرز الخردفوش، وهي أخف من المنقوش، مسمّرة بالحديد ممنطقة، ثابتة في الأرض الزلقة، نعلها من جلد الأفيلة، الخمير لا الفطير، وتكون بالنزر الحقير، فلما أمسك النحوي من كلامه، وثب الإسكافي على أقدامه، وتمشى وتبختر، وأطرق ساعة وتفكر، وتشدد وتشمر، وتحرج وتنمر، ودخل حانوته وخرج، وقد داخله الحنق والحرج، فقال له النحوي: جئت بما طلبته؟ قال: لا، بل بجواب ما قلته، فقال: قل وأوجز، وسجّع ورجّز، فقال: أخبرك أيها النحوي: إن الشرسانحروي، شطبطاب المتقرقر والمتقبعقب، لما قرب من قري، فوق الالقر تقنقف، طرق زرقنانشراسيف قصر القشتبتع من جانب الشرشسك، والديوك تصهل كنهيق زقازيق الصولجانات، والخرفوق الفرتاج يبيض القرمنطق، والزعربر جوا جليبسوا، ويا خير من الطير تجنح بجمشدك، بسمرد لو خاط الركبنبر، شاع الجبربر، يحفر الترتاح بن بسوساح، على نوى بن شمندخ، بلسان القرداق، ماز كلوخ انك كاكيت، أرس برام المسلنطح بالسمردلند، والزئبق بحبال الشمس مربوط، فلعل بشعلعل مات الكر كندوس، أدعوك في الوليمة يا تيس، تس يا حمار يا بهيمة، أعيذك بالزحزاح، وأبخرك بحصى لبان المستراح، وأرقيك برقوات مرقاة قرقرات البطون، لتخلص من داء البرسام والجنون. ونزل من دكانه مستغيثا بجيرانه، وقبض لحية النحوي بكفيه، وخنقه باصبعيه/ حتى خر مغشيا عليه، وبربر في وجهه وزمجر، ونأى بجانبه واستكبر، وشخر ونخر، وتقدم وتأخر، فقال النحوي: الله أكبر الله أكبر، أأنت تجننت، فقال له: بل أنت تخرفت، والسلام [١] .
قال ابن الأنباري [٢] في بامية: [السريع]
стр. 222
وذات جسم خشن لمسه ... تكاد منه راحتي تدمى
فضضت عنها ختمها فاغتدت ... تحلو علي النثر والنظما
ظلمتها بالنار وهي التي ... لا تشتكي ظلما ولا هضما
حتى إذا ما غيرت طعمها ... وأودعتها الطعم والشمّا
جاءت ولكن بعد ما كابدت ... جوى يرضّ اللحم والعظما
فهات عرّفني إذا ما اسمها ... إن كنت ممن يعرف الاسما
حروفها خمس فان تحذف ال ... خمسين ترجع مائة حتما
كتب الجمال ابن نباتة [١] في محضر جرائحي:
أشهد أن فلانا جرائحي لا جرح [٢] عندي في ذكره المقدم، ولا نكر في وصفه الذي ليس بتزويق اللسان وصوغه، ولكنه الذي خالط اللحم والدم، كم اتصف بصفات الكرماء، فجبر كسرا، وخضعت لديه الرقاب قهرا، وشق بسهام رأيه الشّعر،/ ودعي ليوم كريهة وسداد ثغر، كم أجرى على حكمه من دم رئيس، وكم أوقف دما وحبسه، فكان مثابا على ذلك الوقف والتحبيس، لو تقدم عصره لا ستند جادع أنفه إليه، وقام ذو القروح أعني امرأ القيس، مادحا بين يديه، وكيف لا وهو الذي تحمل لقدومه العصايب، ويملأ الفك [٣] من شكره بغرائب، وينهض باقباله الأسير، وينشده بلسان حاله الكسير: [الكامل]
فلأشكرنّك ما حييت فان أمت ... فلتشكرنّك أعظمي في قبرها
وكتب أيضا في محضر سقّاء:
أشهد أنّ فلانا السقّاء سريّ العزم سائره، مشكورة في ركب الحجاز الشريف موارده ومصادره، سابغ منهل الإنعام، ملي بما يشكر الناس والأنعام، كم التقى الماء وطلبه قد قدّر، وكم مدح عند سقاية الحاج، غيثه السفاح، وغوثه المقتدر، كم قرئ من تنبيه قصده باب المياه، وكم أدنى من ورود العذب قوما كانوا من العدم غير ناظرين إناه [٤] /، كم
стр. 223
ظهرت له في كل واد همّة عالية، وكم رقى جبلا في طلب غدير، حتى خاف غدير الفجر من مطالبه الراقية، وكم شعر بفضله المادح، فلا غرو أن كثر عنه حديث الرواية، يمدح آثار الغمام، وإياه نعني ونشاهد، كل حوض من بناه قد امتلأ، وقال قطني، ونرى مجده الأبي أحق بقول اللهبي [١] : [الرمل]
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
في تذكرة الوداعي
حدثني القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله [٢] بدمشق، وقد جرى ذكر الكيمياء والسيمياء، فقال: حدثني والدي قال، حدثني القاضي بهاء الدين إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، قال: بعثني الملك العادل أبو بكر بن أيوب رسولا إلى السلطان علاء الدين صاحب الروم، فبالغ في إكرامي، وأجلسني معه على التخت، فجرى يوما بين يديه ذكر الكيمياء والسيمياء، فقلت أنا: ما لهما صحة، فقال السلطان/ علاء الدين: لا تقل هكذا، فما أحدثك إلا بما جرى لي:
كنت في بعض السنين سائرا فلقيني رجل مغربي في زي الفقراء، فوقف لي وسلم عليّ وقال: خذني إلى عندك أفدك فائدة عظيمة، فغلب على ظني صدقه، فأسكنته معي في هذا المكان، وبالغت في إكرامه، وطلب مني إحضار أصناف عيّنها، أحضرتها له، وشرع في العمل، فعمل لي شيئا كثيرا من الذهب المصري، إلى أن أذهلني، ثم بعد ذلك طلب مني دستورا [٣] في السفر، فامتنعت ضنا به، ورغبة فيه، فلما طال طلبه، وطال منعي، غضبت يوما وكدت أقتله، فجذبت السيف وهممت به، فقال: ولابد، ثم صفق بيديه وطار في الهوى، وخرج من هذا الشباك.
وفيها: كان أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف القاشاني الإمام، يثني على أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، ويصفه بالحفظ والاتقان، والورع والديانة، وكثرة السماع، وكان يقول، سمعته يقول: كنت أقرأ الحديث على أبي علي الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن الشافعي بمكة، فجاء الحديث الذي فيه قول
стр. 224
بلال [١] : [الطويل]
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي أذخر وجليل
قال هبة الله الشيرازي: قرأت أنا بالتصحيف (بفح) فقام أبو علي وأخذ بيدي وأخرجني إلى ظاهر مكة، وأشار إلى موضع، وقال لي: يا بني، هذا هو الفخ بالخاء المعجمة من فوق بنقطة، وهو الموضع الذي تمنى بلال أن يكون به [٢] .
وفيها: لما استخدم تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الحلبي في ديوان الدرج بدمشق الأيام الظاهرية، قعد في الديوان، فجاء عز الدين إيدمر الدوادار، فسلم عليه وأنشده- وهو لا يعرف اسمه ولا اسم أبيه- قول أبي تمام [٣] : [البسيط]
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر [٤]
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
فكان ذلك من عجيب الاتفاق.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ أعسر يسر، يخرج الضاد من أي شدقيه شاء، وإنما هما من الجانب الأيسر [٥] . قال سهل بن هارون: اللسان والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في أحد، وأحسن من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة اللسان [٦] .
روى ابن عائشة عن أبيه قال: أنشد النبي ﷺ شعر عنترة العبسي [٧] : [الكامل]
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المطعم
стр. 225
فقال النبي ﷺ : (ما وصف لي عربي قط فأحببت أن أبصره إلا عنترة) [١] .
قال الشيخ أبو إسحاق الفيروز أبادي [٢] : [الطويل]
إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يدللك في كل مسلك ... ضللت ولو أن السماك دليل [٣]
وإن هو لم ينصرك لم تلق ناصرا ... وإن عزّ أنصار وجلّ قبيل
وقف بعض النحاة على قصاب فقال: هذا اللحم من الضأن الفتي، أم الماعز/ الثني؟
قال: هو من خيار الضأن، قال: فذبحته لعرض أم لمرض؟ قال: حتى أتبلغ أنا وعيالي منه، قال: أفكان ذكرا ذا خصيتين، أم أنثى ذات حلمتين؟ قال: كان ذكرا ينطح الحائط يرميه، قال: أفكان يمج الماء بشدقيه، أم يمصه بشفتيه؟ قال: كان يدلي زلومه في الماء ويشرب حتى يشبع، قال: أفكان مرعاه الشيح والعيزران، أم العصف والريحان؟ قال:
كان يرعى من نبات الأرض أي شىء كان، قال: أسننت شفرتك، وحددت حديدتك؟
قال: جعلتها لو نزلت على رقبة الأبعد لقطعتها، قال: فبدأت بالبسملة وأظهرت الحيعلة التي هي على وزن فيعلة، وقيل فعللة، والصحيح الأول، قال القصاب لغلامه: هات الجلد حتى أقطعه على أكتاف هذا النحس، الذي بطّلنا وقطع رزقنا اليوم، فلما سمع النحوي ذلك شتم وهرب.
قال ابن قلاقس [٤] يصف السفن والبحر [٥] : [البسيط]
وقد رأيت به الأشراط قائمة ... لأن أمواجه تجري بأطواد
تعلو فلولا كتاب الله صحّ لنا ... إنّ السماوات منها ذات أعماد
ونحن في منزل يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيم بيته غاد
لبعضهم [٦] : [البسيط]
стр. 226
علمي معي حيثما يممت ينفعني ... صدري وعاء له لا بطن صندوق [١]
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري [٢] بالشام: كتب الحديث ينفي عن صاحبه الجهل، والتصوف ينفي عن صاحبه البخل، فاذا اجتمعا، فناهيك بهما نبلا.
قال ابن مفوز: [البسيط]
نروي الأحاديث عن كلّ مسامحة ... وإنّما لمعانيها معانيها
قال السلفي: [الكامل]
واظب على كتب الأمالي جاهدا ... من ألسن الحفّاظ والفضلاء
فأجلّ أنواع الحديث بأسرها ... ما يكتب الإنسان في الإملاء
قال عبد الله بن المعتز [٣] : [الخفيف]
ليس تغني العقول والآداب ... والأصول الجياد والأنساب
والدواوين والرسائل والشعر ... وخطّ الكتّاب والحسّاب
كلّ شىء سوى الدراهم زور ... ومخاريق تزدرى وتعاب
فاذا جاءت الدراهم أصبح ... ت كريما يعزّك الأصحاب
وأجلّتك أعين وقلوب ... وخطاء الذي يقول صواب
قال محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄، يصف القلم: [الطويل]
وأبيض طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذبلان في بطون المهارق
إذا استمطرته الكفّ جاد سحابه ... بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق
كأنّ اللآلي والزبرجد نظمه ... ونور الأقاحي في بطون الحدائق
كأنّ عليه من دجى الليل حلّة ... إذا ما استهلّت مزنه بالصواعق
إذا ما امتطى غرّ القوافي رأيتها ... مجلّلة تمضي أمام السوابق
стр. 227
قال كشاجم [١] يصف محبرة: [البسيط]
محبرة جاد لي بها قمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق
جوهرة خصّني بجوهرة ... ناطت له المكرمات في عنقي
بيضاء والحبر في قرارتها ... أسود كالمسك حدّ متفق
مثل بياض العيون زيّنه ... مسوّد ما شانه من الحدق
كأنّما حبرها إذا انتثرت ... أقلامنا ظلّة على الورق
كحل مرته الجفون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق
خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على أفصح النطق
وقال يصف البركار [٢] : [البسيط]
جد لي ببركارك الذي صنعت ... فيه يدا قينة الأعاجيبا
ملتئم الشفرتين معتدل ... ما شين من جانب ولا عيبا
شخصان في شكل واحد قدرا ... وركّبا في العقول تركيبا
أشبه شيئين في اشتباههما ... بصاحب لا يملّ مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عن ... نواظر الناقدين تغييبا
فعين من تجتليه تحسبه ... في قالب الاعتدال مصبوبا
وضمّ شطريه محكم لهما ... ضمّ محبّ إليه محبوبا [٣]
يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا
فقوله كلّما تأمّله ... طوبى لمن كان ذا له طوبى
ذو مقلة بصرّته مذهبّة ... لم تأله زينة وتذهيبا
ينظر منه إلى الصواب به ... فما يزال الصّواب مطلوبا
стр. 228
لولاه ما صح شكل دائرة ... ولا وجدنا الحساب محسوبا
الحقّ فيه فان عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا
لو عين إقليدس به بصرت ... خرّ له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لي بمسطرة ... تلقى الهوى بالثناء مجنوبا
لا زلت تجدي وتجتدي حكما ... مستوهبا للصديق موهوبا
سئل أبو العباس ابن الرومي أن يجيز قول الشاعر [١] : [المتقارب]
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح بها يركض
فقال: [المتقارب]
ولا رشد إلا بتوفيقه ... وإنّ محض الرأي من يمحض
ومن ذا يدبّرنا غيره ... ومن يبرم الأمر أو ينقض
تبارك من لم يزل نوره ... يزيد بياضا ولا يغمض [٢]
قال الأديب شمس الدين محمد بن الخياط [٣] في الفلوس: [الكامل]
يا ليت شعري أيّ خير يرتجى ... للمعتفي من هذه الأزمان
لو لم يكن عدم الدراهم قد بدا ... ما كان صار الفلس في الميزان
قال ابن الرومي [٤] : [مجزوء الرمل]
طيلسان سابريّ ... يتداعى لا مساسا
قد هوى قرنا فقرنا ... وأناسا فأناسا
لبس الأيام حتى ... لم يدع فيه لباسا
غاب تحت الحسّ حتى ... ما يرى إلا قياسا
стр. 229
لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن شرف [١] الجذامي القيرواني [٢] : [الخفيف]
قل لمن لم ير المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما
إنّ ذاك القديم كان جديدا ... وسيغدو هذا الجديد قديما
في تذكرة ابن مكتوم [٣] ، في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلف القيسي المعروف بابن النشّاء [٤] ، أنه رأى قبل موته هاتفا ينشده في النوم: [مخلع البسيط]
يا لهف نفسي على شبابي ... كنت أليفا فعدت لاما [٥]
فذيله بقوله:
قد ذهب الأطيبان منّي ... وانصرمت لذّتي انصراما
ورقّ جلدي ودقّ عظمي ... وأشبهت لمّتي الثغاما
وقلّ نومي فليت أنّي ... بدّلت من عيشي الحماما [٦]
فليس لي في الحياة خير ... ولست أرجو له دواما
فكيف ألهو بها وسقمي ... قد خالط الجلد والعظاما [٧]
وناظري ما يحقّ مرأى ... ومسمعي ما يعي كلاما
وقوّتي قد وهت فما إن ... أطيق مشيا ولا قياما
يبدل من عاش من قوام ... حنا ومن صحة سقاما
стр. 230
وليس ذا منكرا على من ... مرّت عليه سبعون عاما
وعن قريب أحلّ قبرا ... أطيل في قفره المقاما [١]
فبلغوا من لقيتموه ... بعدي يا إخوتي السلاما
قال السلفي [٢] في معجم السفر [٣] : سمعت أبا عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي، يقول: قلت للقاضي أبي عبد الله القضاعي عند قراءتي عليه كتاب الشهاب، في قول النبي ﷺ ، حاكيا عن الله تعالى: يا دنيا مرّي على عبادي ولا تحلولي لهم فتفتنيهم، وكان نسخته بضم الميم، هو من المرور أو من المرارة؟ فقال:
من المرارة، أما ترى، ولا تحلولي؟ فقلت: إذن يجب أن يكون بفتح الميم، فقال:
صدقت، وأصلحه بكتابه.
وقال السلفي أيضا: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الغني بن الحسن الربعي التونسي يقول: سمعت أبا علي الحسن بن خلف بن علي التميمي بطرابلس، يقول:
استشهدت مرة ببيت شعر، فقال لي: من أنشدك إياه؟ ألك فيه رواية؟ فقلت: لا، فقال: كيف تستشهد بشىء لا رواية لك فيه؟ فلم آخذ بعد ذلك علما إلا رواية بإسناد.
في تذكرة ابن مكتوم
وقع في نظم القاضي أبي الحكم مالك بن عبد الرحمن بن المرحل المالقي [٤] : كان ماذا، بتقديم كان على اسم الاستفهام، فأنكر عليه الأستاذ النحوي أبو الحسين عبيد الله بن أبي الربيع [٥] جريا على قاعدة النحو في منع تقديم العامل على اسم الاستفهام، فصنف عليه أبو الحكم في جواز ذلك كتابا بيّن أن ذلك مسموع من كلام العرب، وهزأ به، وقال في
стр. 231
ذلك [شعرا] [١] أنشدنيه شيخنا أبو حيان [٢] : [مجزوء الرمل]
عاب قوم كان ماذا؟ ... ليت شعري لم هذا؟
وإذا عابوه جهلا ... دون علم كان ماذا؟
ومن شعر ابن المرحل هذا: [الطويل]
وما أنا إلا عالم كل عالم ... ففي الشعر حسان وفي الفقه مالك
ومملكة الآداب عندي كلها ... وما تستوي عند الملوك الممالك
أنخّل أشعاري بمنخل حكمتي ... وأعجنها بالنظم وهي درامك [٣]
ويسرقها غيري ويأكل خبزها ... ويرمى به في الأرض وهي مرادك
وفي تذكرة ابن مكتوم أيضا: أبو نصر بن مميل الشيرازي، سمع الثلث الأول من تاريخ دمشق متواليا على مؤلفه، وسمع الأربعين الطوال له، وسمع مقامات الحريري من أبي الظفر محمد بن أسعد البغدادي، عن الحريري./ أبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلبي الملقب دوخلة، ويعرف بابن القارح، كان شيخا من أهل الأدب، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري، رسالة مشهورة تعرف برسالة ابن القارح، وأجابه المعري برسالة الغفران.
الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله الحلبي المعروف بابن العديم، من مصنفاته: ضوء الصباح في الحث على السماح، والأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة، ودفع التجري على أبي العلاء المعري، والإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار، توفي سنة ستين وستمائة.
قال ابن سينا [٤] : واضع النحو والعروض في العربية، يشبه واضع المنطق والموسيقا في اليونانية. قال علاء الدين [٥] علي بن المظفر الوداعي [٦] : [الطويل]
لنا صاحب قد هذّب الطبع شعره ... فأصبح عاصيه على فيه طيّعا
стр. 232
إذا خمّس الناس القصيد لحسنه ... فحقّ لشعر قاله أن يسبّعا
وقال أيضا [١] : [السريع]
روّ بمصر وبسكّانها ... شوقي وجدّد عهدي البالي
وصف لي القرط وشنّف به ... سمعي وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسّال
فهو مرادي لا يزيد ولا ... ثورا ولو رقّا وراقا لي [٢]
وقال: [الهزج]
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل ما تخطي
وقال [٣] : [الطويل]
ولا تسألوني عن ليال سهرتها ... أراعي نجوم الأفق فيها إلى الفجر
حديثى عال في الشمال لأنّني ... أخذت الأحاديث الطّوال عن الزّهري
وقال: [مجزوء الرمل]
أيّها الجنديّ كم تج ... بن عن ملقى الخصوم
إنّ أكل الخبز بالجب ... ن مضرّ بالجسوم
وقال: [المجتث]
يا لائمي في هواها ... أفرطت في الحبّ جهلا
ما يعلم الشوق إلّا ... ولا الصبابة إلّا
وقال: [الرمل]
امرؤ القيس بن حجر جدّنا ... كان من أعجب أملاك الزّمان
ضلّ لمّا ظلّ يبغي ملكهم ... وهدى الناس إلى طرق المعاني
وقال: [المجتث]
ما آلة الخطّ إلّا ... كآلة الحرث فعلا
ما أدخلت دار قوم ... إلا وصاروا أذلّا
стр. 233
وقال: [الرمل]
أيّتها النفس ثقي من خالقي ... بدوام الرزق ما احتجت إليه
يرزق الكلب ولا يرزقني ... أين إكرامي وتفضيلي عليه
قال السراج الوراق [١] : [الخفيف]
ربّ شعر مستغلق اللفظ والمع ... نى تورات عنه وجوه الفصاحه
كلّ بيت وراء ستر إذا كش ... شفت عنه وجدته بيت راحه [٢]
وقال: [الطويل]
وما منّة الخباز عندي قليلة ... لقرضي منه وهو في عسرتي يقضي
وقد كنت مثل الليث أكلي فريستي ... فقد صرت مثل الفأر أكلي بالقرض [٣]
قال الشيخ بهاء الدين السبكي [٤] وهو معتكف: [الطويل]
حلفت يمينا لا أكلّم واحدا ... مدى الصوم إلا خادمي وغلامي
مخافة أن يطغى لساني بغير ما ... يحلّ فيرميني بنقص صيامي
فأجابه الشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميري [٥] : [الطويل]
يمنك يا مولاي برّ وطاعة ... وقولك مقبول بغير علام
ولكن إذا خاطبت أهل زماننا ... فلا حنث يلفى عنده لكلام
فانّك مولاهم وسيد عصرهم ... وهم لك غلمان أتوا لسلام
وأنت الذي تفتي إذا سأل الورى ... وترشد من صلّى بغير إمام
فصومك مبرور مثاب مضاعف ... وقصدي يحوي فيك كلّ نظام
стр. 234
وإن فاتنا منك الخطاب فلا تدع ... دعاء لنا في الليل عند قيام
لعلي أنجو من ذنوب أتيتها ... ومن قبح فعل زائد وأثام
قال الأديب برهان الدين القيراطي [١] ، يرثي الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي [٢] : [الخفيف]
إنّ شمس العلوم والآداب ... قد توارت عن الورى بحجاب
غربت واختفت وكم قد أفادت ... من غريب يخفى على الطلّاب
صغت يا صائغ المعاني حليّا ... وعقودا في صدر كلّ كتاب
ذهب القول صغته أيّ صوغ ... لهف عيني عليك بعد ذهاب [٣]
فبروج العينين مائية إذ ... سرت يا شمس نحو برج تراب
ليت شعري من ذا يفوه بشعر ... بعده أو خطابة في خطاب
أظلمت بعده المطالع لّما ... غاب عن أفقهنّ أيّ غياب
لبعضهم يمدح الشيخ جمال الدين الإسنوي [٤] ، وكتابه المسمى الكوكب الدري: [الطويل]
حويت جمال الدين علما ورفعة ... وسدت على الشمس المنيرة والبدر
وألّفت كتبا لا عدمتك بعدها ... هدانا إليها ذلك الكوكب الدرّي
وقال آخر: [الطويل]
لأنت جمال الدين علّامة العصر ... وأنت إمام الناس في سالف الدّهر
تفقّه خلق لا يعدّن كثرة ... عليك فصاروا في الأنام ذوي قدر [٥]
стр. 235
أتوك من الأمصار من كلّ وجهة ... لكي يأخذوا عنك العلوم إلى مصر
فنالوا بحمد الله ما أمّلوه من ... علومك ذات النفع للناس واليسر
وبثّوا لخلق الله تلك العلوم في ... جميع بقاع الأرض في السهل والوعر
فلا بلدة فيها من الناس عالم ... يرى غير منسوب إليك بلا نكر
وقد أظهرت للعلم منك جواهر ... وما الجوهر المكنون إلا من البحر
وألّفت عقدا للعلوم مكمّلا ... وقلّدته الأعناق من أنفس الدرّ
ومهّدت طرقا للعلوم مهمّة ... إليها اهتدينا منك بالكوكب الدرّي
جزاك إله العرش كلّ مثوبة ... وأبقاك في خير تأيّد بالنصر
وقال أبو بكر بن عثمان بن أبي بكر بن العجمي: [الطويل]
أزهر الدراري لحن في أفق السّما ... أم الزهر في الروض الأريض تنمنما
أم الوشي من صنعاء حاك مطارفا ... موشعة فافتنّ فيها ورقّما [١]
أم السحر من هاروت أهدته بابل ... فخامر عقل السامعين وهيّما
أم البحر قد أهدى إلينا جواهرا ... على نسق وافت فرادى وتوأما
أم النور قد أهداه غبّ قطاره ... إلينا جمال الدين حين تكلما
بتمهيده ردّ الفروع لأصلها ... سياسة حبر في العلوم تحكّما
وبالكوكب الدريّ كم قد هدى فتى ... نحا نحوه من جهله وشفا العمى
بلفظ إذا رام النسيم لحاقه ... تعثر في الأذيال منه وأحجما
وكيف يجاريه العليل وقد غدا ... صحيح المعاني متقن الحكم محكما
فوائد تتلى بل فرائد تجتلى ... تشنّف أسماع المريد تكرّما
فيسكر بالسحر الحلال وإنّه ... حديث ولم يدر العتيق المحرّما
ففاضل به الماضين من كلّ مذهب ... تجده على الإطلاق أعلى وأعلما
وليس سوى عبد الرحيم بفاضل ... عهدنّاه يدعى قطّ فيمن تقدّما [٢]
стр. 236
فلا زال يهدي للرشاد مريده ... ويهدى إلى الأسماع درّا منظّما [١]
وقال آخر: [البسيط]
إنّ الإمام جمال الدين ذو شرف ... من العلوم له فضل بتمهيد
وكوكب قد سما في المجد غايته ... فالزمهما تنل العليا بتسديد
وقال آخر: [الطويل]
رعى الله أرضا أطلعت عرصاتها ... جمال جمال الدين قد فاقت المدنا
فان فاخرتها في السّنا غير مكة ... وطيبة والقدس الشريف فهي إسنا
وقال نجم الدين عبد المحسن الموصلي: [السريع]
قد أصبح الشيخ لنا قدوة ... أعني جمال الدين شيخ الأنام
وبات محسودا على فضله ... وهل ترى يحسد إلا الكرام
وصار نجما من نجوم الهدى ... خليفة للشافعي الإمام
فازدحم الناس على بابه ... في طلب العلم ونيل المرام
كلّ يروم الشرب من بحره ... والمنهل العذب كثير الزحام [٢]
وقال آخر: [السريع]
في مصر بحر لعلوم الورى ... وما مثل ذاك البحر في مصر
كوكبه الدريّ يهدى به ... في ظلمات البرّ والبحر
وقال آخر: [السريع]
قد أطلع البحر لنا كوكبا ... يهدى به في البرّ والبحر [٣]
من ضلّ في نحو وفي فقهه ... فليهتد بالكوكب الدّري [٤]
وقال آخر: [الطويل]
لقد غاص هذا الحبر في بحر علمه ... فعادت يداه بالجواهر والدرّ
стр. 237
فكم عاطل حلّاه جوهر بحره ... وكم مظلم جلّاه كوكبه الدّري [١]
قال الأديب برهان الدين القيراطي [٢] يرثي جمال الدين الإسنوي: [البسيط]
يا بحر بعدك ماء العين منهمل ... والناس مذ غاب عنهم أنسكم همل [٣]
إليك تضرب آباط المطيّ كما ... بسيف ذهنك فينا يضرب المثل
فيا جليل صفات للتراب مضى ... قد جلّل الأرض هذا الحادث الجلل
أبكي مصاب جمال الدين حين بكى ... عليه من بفنون العلم يشتغل
سما ففي العلم قد فاقت فوائده ... زهر السما وهي في الآفاق تنتقل
خلّى تصانيفه فينا عرائس من ... جمالهنّ يزان الحلي والحلل
مكمّل بخلال قد شرفن فما ... في عودها خور يلفى ولا خلل
زادت مهمّاته علم الأنام به ... إنّ المهمّات فيها يعرف الرجل [٤]
سقى ثراك من الغفران منهمر ... وجاده من سحاب العفو منهمل
وقال القيراطي يرثي الشيخ بهاء الدين السبكي [٥] : [الطويل]
ستبكيك عيني أيّها البحر بالبحر ... فيومك قد أبكى الورى من ورا النهر
لقد كنت بحرا للشريعة لم تزل ... تجود علينا بالنفيس من الدرّ [٦]
لقد كنت في كلّ الفضائل أمّة ... مقالة صدق لا تقابل بالنّكر
لقد كنت في الدنيا جليلا تعده ... بنوها لتيسير الجليل من العسر
إليك يردّ الأمر في كلّ معضل ... إلى أن أتى ما لا يردّ من الأمر
تعزّي بك الأمصار مصر لعلمها ... بأنّك ما زلت العزيز على مصر
مضيت فما وجه الصباح بمسفر ... وبنت فما ثغر الأقاحي بمفتر
стр. 238
وزلت فما ودق النّوال بهاطل ... وغبت فما برق المنى باسم الثّغر
وأوحش روض العلم منك وأفقه ... فذاك بلا زهر وهذا بلا زهر
تكاملت أوصافا وفضلا وسؤددا ... ولا بدّ من نقص فكان من العمر
نحاك بهاء الدين ما لا يرده ... إذا ما أتى تدبير زيد ولا عمرو
لئن غادرتك الأرض حملا ببطنها ... فانّا حملنا كلّ قاصمة الظهر
وأطلقت مني دمع عيني بأسره ... وصيّرت منّي مطلق القلب في أسر
بكت عين شمس الأفق للبدر موت من ... مناقبه تزهو على الأنجم الزّهر
تبوّأ بالفردوس ممدود ظلّه ... وأصبح من قصر يسير إلى قصر
توقّع قلب النيل فقدان ذاته ... ألست تراه في احتراق وفي كسر
أضاء بشمس منه مغرب لحده ... وأظلم لما أن مضى مطلع البدر [١]
لئن عطّرت أعماله ترب قبره ... سيبعث في يوم اللّقا طيّب النّشر
فلا حول لي بالصبر من بعد يوم ... من بكته عيون الناس في الحول والشهر
وقد كان شهدي حلو منطقه فقد ... ترحّل لا شهدي أقام ولا صبري
ولو أنّ عيني يطرق النوم جفنها ... تعلّلت بالطيف الذي منه لي يسري
تطهّر أخلاقا ونفسا وعنصرا ... وصار لجنّات الرضا كامل الطّهر
ثوى في الثرى جسما ولكنّ روحه ... سمت نحو علّيين عالية القدر
فروّاه تحت التّرب لله درّه ... سحاب من الغفران متّصل الدّرّ
ووافاه رضوان برضوان ربّه ... بشيرا ولاقى ما يؤمّل من ذخر [٢]
وحيّاه ريحان الإله وروحه ... وآنسه بالعفو في وحشة القبر
عفا الله عن ذاك المحيّا فانّه ... محلّى بأنواع البشاشة والبشر
مع السلف الماضين يذكر فضله ... ويحسب وهو الصدر من ذلك الصدر
لقد عطّلت منه الرياسة جيدها ... وقد كان حلّاها بعقد من الفخر
وطرف الدواة الأسود ابيضّ بعده ... من الحزن يشكو فقد أقلامه الخضر
لقد كان في التفسير للذكر آية ... يفوق إذا قابلته بفتى حبر
стр. 239
وقد زانه علم الحديث بحلية ... فللذهبي انسبه فيه وللمصري [١]
إلى الأمّ أنعي شافعيّ زمانه ... وأنعي لأهل العلم خير أب برّ
حكى ابن سريج حين ألجم خصمه ... ببحث يردّ القرن في حصر يزري [٢]
وينشر فقها عطّر الأرض نشره ... فينسب في الحالين في الخضر والخضر
فمن لرياض الفقه يبدي فروعها ... ليجني منها طالب أطيب الثمر
ومن لدروس ردّ تحقيقه بها ... لدى البحث عسر المشكلات إلى يسر
ومن للفتاوى الغامضات إذا أتت ... ولم تلف من يبدي جوابا ولا يدري
أتى في أصول الدين بالحجج التي ... تردّ ذوي الإلحاد والزيغ والكفر
غدا في أصول الفقه كالسيف عند ما ... أتى بحثه المشهور كالسيف إذ يفري
إذا حرّر الإشكال في علم منطق ... يفوق على الإشكال في صحة الفكر
ويجبر في علم الحساب دقائقا ... وينسب في علم الفرائض للخبر
روى عن أبي بشر غزارة نحوه ... وتقواه يروي النّسك والدين عن بشر [٣]
وعلم المعاني والبيان جلا به ... عروسا تحلّى بالبديع من الشذر [٤]
وفي اللغة العرباء ما ابن قريبها ... يقاربه وانظره يسمو على النّضر [٥]
وقد كان في علم ابن أحمد أحمدا ... فريدا له التقديم دون بني الدهر [٦]
стр. 240
فمذ بان قد غاضت وغارت بحورها ... فها كلّ بيت بعده اليوم في كسر [١]
إذا ذكر الآداب فهو إمامها ... وفارسها السبّاق في النظم والنثر
له شرعة في نثره فاضلية ... يظل بها ذو المنطق الجزل في حصر [٢]
ويزهو على بسط الرياض طرازها ... ويأنف يوما أن يقابل بالحصري [٣]
ففي النثر من هذا يحاكيه ناثرا ... ويا ليت شعري من يدانيه في شعر
أتعجب من تحريره لقضيّة ... وفي كلّ علم كان ينعت بالحبر
بخطبته يهتزّ منبر ذكره ... وينسى زمانا كان في روضة النّضر
محاسن لم يمنع من الصرف جمعها ... ولا كسرت جيش الردى أحرف الجرّ
حكى في التّقى المصريّ ذا النون فاغتدى ... يفوق ابن لام بذله الذهب المصري [٤]
وعن عيبه غاب اللسان ليرتقي ... بحضرة قدس مرتقى عالي القدر
إمام له التقديم في العصر إذ سنا ... معاليه كالشمس المنيرة في الظهر
تصانيفه في العلم باهرة الضّيا ... بها فاز من يقرا العلوم ومن يقري
سرى قمرا في أفق كلّ فضيلة ... فخصّص من عالي المقدّر بالغفر
قد استعبد الأحرار إحسان رفده ... وحرّر تدبيج الثناء له فكري
فان تبكه بالبيض والحمر أعين ... فقد كان يغني الوفد بالبيض والحمر
وإن فاز بالأرباح متجره غدا ... فو العصر إنّ الشامتين لفي خسر
وكم ملك فاق المجرّ علوّه ... وضيق أفق الأرض بالعسكر المجري [٥]
فما هاب منه الموت سهم قسيّه ... ولا نفعته منعة البيض والسّمر
стр. 241
أبا حامد كنت الفريد الذي له ... فرائد عزّ من فوائده الغرّ [١]
فأقسم ما خلّفت مثلك في الورى ... ويعلم بالتقسيم قولي وبالسّبر
ترحلت عن دنياك للجنّة التي ... وجدت بها ما كنت قدّمت من برّ
أيعجب من خذلان صبري وقد ثوى ... أبو حامد مثوى أخيه أبي نصر [٢]
بكته ديار كان روحا لذاتها ... ومذ بان باتت تشتكى ألم الظّرّ
وكان لها أنسا فأصبح ربعها ... بوحشته إذ غاب كالطلل القفر
معاليه في الأنصار حقّق نصرها ... علا من بني النجار زاكية النّجر
لسبك شذى مسك لنسبته لها ... تفوق به طيبا على عنبر الشّحر [٣]
هو النيل جودا وهو ستر على الورى ... فمصر أصيبت منه بالنيل والستر
إذا جاد لا يدري الحساب ونفسه ... يحاسبها خوف المعاد على الذرّ
أتى مصر من أرض الحجازين نعيه ... فودّ سميع القوم لو كان ذا وقر
أتى خبر عن موته قالت المنى ... - وقد سمعته- ليته كاذب الخبر
إلى مكّة سارت ركائب قصده ... ليظفر فيها بالعظيم من الأجر
وبالكعبة الغراء كان طوافه ... تلاوته مقرونة فيه بالذكر
وبالحجر الأسنى تكرر لثمه ... ولاذ بذاك الحجر إذ كان ذا حجر [٤]
تعلق أحيانا بسود ستورها ... لينعم في الفردوس بالحلل الخضر
وزمزم كم قد فاز منها بشربة ... تقرّب من جنّات عدن ومن نهر
وشدّ رحال العيس من بعد قاصدا ... زيارة قبر المصطفى جلّ من قبر
فنال ثمار العفو من روضة زهت ... على كلّ روض عاطر النور والزّهر
وسافر نحو التّرب في السّفر الذي ... نواه ولم يرجع إلينا مع السّفر
غدت فكرتي خنسا الرثا غير أنّني ... على حمل أثقال الأسى لست من صخر [٥]
стр. 242
على قبره انهلّت مواطر رحمة ... تحلّيه من أقطارها الستّ بالقطر
ولا برحت سحب من العفو والرضا ... عليه مدى الأيام واقفة تجري
وقال القيراطي أيضا يرثي الشيخ تاج الدين السبكي [١] : [البسيط]
سهم المنيّة لا يبقي على أحد ... فيا بني الدهر لا حيّ على الأبد
لا يترك الموت روحا ضمّها جسد ... حتى يفرّق بين الروح والجسد
إن هزّ في العالم السّفليّ صارمه ... فالدهر للكوكب العلويّ بالرصد
كأنّنى بك يا نسر السماء وقد ... أخنى عليك الذي أخنى على لبد [٢]
وبالثريّا وقد زلّت بها قدم ... من السماء فلم يؤخذ لها بيد
لدرهم النجم خصم سوف يأخذه ... إذا دنا يومه من جبهة الأسد
لا بلدة الأفق تبقى في مطالعها ... نعم ولا نسر تبقى على بلد
وما لسهم الليالي صرفة أبدا ... عن نثرة الأفق أو عن نثرة الزّرد
لا يرهب الأسد الضاري لسطوته ... ولا يحابي غزال البيد للغيد
ولا اتّقى سوقة يوما ولا ملكا ... سارت مناياه بين الأسد والفند [٣]
يا ثاني العطف حادي الموت كم هتفت ... أصواته بأخي عزّ فلم تحد
أين الألى شيدوا بنيانهم حذرا ... من المنية بالصّفّاح والعمد
وأين من دوّخوا عاصي الرؤوس وقد ... هزّوا رؤوس العوالي للوغى بيد
والراكنون إلى الدنيا وزينتها ... والراكبون إلى العليا على جدد
أبلى الجديدان منهم كلّ ذي ترف ... قد راح يخطر في أثوابه الجدد
مضى الملوك الذين استظهروا حذرا ... من الردى بعديد الجيش والعدد [٤]
زالوا وما ردّ عنهم يومهم حذر ... ولا أفاد خميس الملك عن أحد
قس باقي الخلق بالماضين إذ سلفوا ... ولا تقل ذا قياس غير مطّرد
стр. 243
للموت فينا على رغم الورى عدد ... لا يغمد النّصل أو يأتي على العدد
ما اقتصّ منه لإتلاف النفوس ولم ... يبسط إلى قبض أرواح يدا بيد [١]
واها له هدّمت كفّاه ركن علا ... لغير أركان هذا الدين لم يشد
عمّ المصاب بتاج الدين حين مضى ... ولو نجا بفداء سيّد لفدي
وقام ناعيه في ناديه ينعته ... بالصالحات ويبكيه بمستند
وهى به من جناب العلم حين نأى ... متن وقالت له العلياء واسندي
نال السعادة حيّا والشهادة في ... مماته فهو في الدارين في رغد
في طاعة الله أحيا ليله سهرا ... فالسهد في ذوقه أحلى من الشّهد
بكى أبا نصر الأفق الذي رحلت ... عنه محاسنه الغرّا فلم تعد
أدّى البريد بمصر هول مصرعه ... لقد طوى لعظيم شقّة البرد
أعظم بيومك تاج الدين إذ بقيت ... مراتب العزّ عطلا من ذوي الرّشد
يا مدرجا طيّ أكفان تسلّل في ... مصابه مرسل الأجفان كالبرد
قد فتّ مصرعك الأكباد يا أملي ... وفتّ يا عضد الإسلام في العضد
دنياي بعدك سوداء الإهاب فلو ... تبصّرت يدها الزرقاء لم تكد
إن غبت يا بدر هالات العلوم فما ... في ليلة الخطب منّا غير مفتقد
وإن خلا بيتك المرفوع منك فقد ... سكنت بعدك بيت الحزن والكمد
وإن نظمنا المراثي فيك مبكية ... فطالما بمديح في علاك شدي [٢]
وإن تعطّل جيد المجد منك فكم ... قلّد ته بالحلي يا خير مجتهد
أو تمس في اللحد تحت الترب منفردا ... فلست من جارة الباري بمنفرد
أسخنت عين ذوي التقوى بموتك إذ ... قرّت به عين من عاداك للحسد
لهفي لفقدك تاج الدين إن ظهرت ... أهل الفساد وأبدت سوء معتقد
لهفي لفقدك من ثان أعنّته ... عن الهوى وبتقوى الله محتشد
لهفي لمصباح علم ليس يطفئه ... هوى ذوي البدع الباغين متّقد
فرد مضى في ذوي الأهوال منطقه ... يوم الجدال كسيف الصيقل الفرد
стр. 244
يا ضاحكا حين أرداه الردى فرحا ... مهلا فانّك يا مبدي السرور ردي
بكى الحديث أمير المؤمنين هو ال ... مأمون والحافظ المهديّ للرشد
أفديه من ناصر للدين معتصم ... بالحقّ مستظهر بالله معتضد
مؤيّد السّنّة الغرّاء ناصرها ... بنجدة منه يعليها على نجد
مناضل عن حمى الإسلام ما فترت ... منه البحوث ولا قالت له اقتصد [١]
وما تصدى لبحث سيف منطقه ... إلا وجرّد حدا منه غير صد
كم ملحد فرّ خوفا من حماه فما ... أصاب من ملجأ منه وملتحد
وكم أدار على حصن الهدى يزكا ... وقام في مرقب التنزيه كالرصد
وسار في نصرة الإسلام مجتهدا ... ما قال للعزم لمّا صمّم اتّئد
من خوفه كلّ محلول العقيدة لم ... يدر بفيه لسانا غير منعقد
فان تعصّب أهل الزيغ نقّب عن ... دسائس قال فيها فكره اتّقد
بنى القواعد فانظر كيف أسّسها ... وشادها عمدا مرفوعة العمد [٢]
لله حبر دعاه الحقّ بابن جلا ... وبحر علم يروى منه كلّ صد
وحاكم عاف دنيا كلّ عفّته ... عنها لخوف الإله الواحد الأحد
مطهّر الباب معلوم تعفّفه ... والقول في مثل هذا غير منتقد
محقّق للقضايا حين يفصلها ... قد قال للدهر في ظلمائها اتّقد
تحاول الشّهب علياه فيسبقها ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
ماساد أهل المعالي والفخار سدى ... وإنّما قالت العليا بلغت سد
يروي الأصالة أنصاريّ نسبته ... عن سادة نجب أو معشر نجد
فيا له بحر علم قال مشرعه ... يا أيّها الطالب الظمآن رده رد
يحبوك بالجوهر المكنون منتظما ... وما حبا غيره الطلاب بالزّبد
في الشرق والغرب قد سارت فرائده ... مثل الكواكب تهدي من بهنّ هدي [٣]
تأتي الفتاوى إلى ناديه قاصدة ... من كلّ فجّ بعيد القطر أو بلد
стр. 245
صاد الشوارد من علم ومن ادب ... ورامها غيره دهرا فلم يصد
تدنو إليه فروع الفقه مثمرة ... ما لم يكن في فروع الروضة الملد
له التصانيف قد أمضى لياليه في ... جمعها يتجافى ليّن الوسد
سل في خوارزم عن جمع الجوامع في ... تلك المدارس تسمع غيظ ذي حسد [١]
قال الوفود وقد حلوا بساحته ... لولاك يا عالم الآفاق لم نفد
يا حافظ العصر لا ينساك ذو طلب ... يقول من ذا يكون اليوم معتمدي
دار الأسانيد والعلياء خالية ... فمن لدارك بالعلياء فالسّند
من للأحاديث يمليها مصحّحة ... على الرواة بريئات من الأود
ومن يهزّ عواليها مثقّفة ... تردي أسنّتها من كان ذا لدد
من للمباحث يجلوها مهذّبة ... يهابها في جلاد البحث ذو جلد [٢]
من للأصول يرينا من دقائقها ... غوامضا لا تراها عين ذي رمد
عن رأسها زال تاج جلّ مرتبة ... عن تاج كسرى ولهفي كيف لم يعد
لله منه مقال زان ذروتها ... دهرا بتنزيهه للواحد الصمد
أجرى عيون ذوي التقوى به ومضى ... عنه الجرىء بقلب منه مرتعد
حلّى وتوّج تاج الدين منبره ... حتى تعجبت منه كيف لم يمد
سحبان نطق فحدّث عن فصاحته ... وقسّ وعظ به قاسي القلوب هدي [٣]
هزّ المنابر حتى أنها نسيت ... عهد الرياض وسجع الطائر الغرد
من للدروس فقد عفّا معالمها ... دورسها بعد مثواه إلى الأبد
من للقريض يحلّيه وينظمه ... كالدرّ في الّسّلك يزهو زهو منتضد
من للمكارم يهديها مهيّأة ... للطالبين بلا منّ ولا نكد
هل من معيد لدرس كان يشحنه ... فوائدا جمّة جلّت عن العدد
في كلّ علم له يوم الجدال يد ... وكم له من يد يوم النّوى ويد
стр. 246
كم من مسائل وافته معقّدة ... فردّها ذهنه محلولة العقد
راض العلوم بذهن ظلّ يمخضها ... حتى استبدّ بما فيها من الزّبد
ولم يزل في أصول الفقه ذا قدم ... رسوخها قصّرت عنه يد العضد
للسيف لو سلّ سيفا من مباحثه ... يوما تسلّل يبدي فعل معتمد
أفاد سائله علما وفضل ندى ... وغيره في كلا الحالين لم يفد
كم قد تطوّل باليمنى لذي أمل ... يوم العطاء وما قالت علاه قد [١]
برّ هو البحر لكن غاض زاخره ... من بعد ما كان فينا دائم المدد
بدر إذا حلّ في صدر رأيت له ... من كثرة الحلم رجحانا على أحد
مضى وباد ولكن علمه أبدا ... على ممرّ ليالي الدهر لم يبد
حسوده لا تراه غير منعكس ... وضدّه لا تراه غير منطرد
فقلّ في الناس قدر الشامتين به ... فان هم حشدوا كن غير محتشد [٢]
غربان بين الورى في ربعهم نعبت ... فاصبر تمرّ وما بالرّبع من أحد
مصارع القوم تأتي بغتة لهم ... حقا وتأخذهم في أقصر المدد
فقل لمن قد غدا يبدي شماتته ... لتدهمنّ بيوم أسود نكد
تمضي كأمس وإن لم يأت يومك في ... غد سيإتيك يا مغرور بعد غد
إلى افتراق جموع الشامتين به ... ونظم شملهم يهوي إلى بدد [٣]
بموته الأرض من أطرافها نقصت ... فدع مقالك يا هذا ولا تزد
ويا أخا الودّ كابد من تذكّره ... حزنا فقد خلق الإنسان في كبد [٤]
إن قصّرت في مراثيه قصائدنا ... فقولنا في رثاه غير مقتصد
رثاه عنّا وجود زال عنه ولم ... يترك به بعده ركنا لمستند
روّى ثراه سحاب العفو منسجما ... فانّ ناديه منّا بالدموع ند
وجاد بالسفح منا من عيون رضا ... مثواه وانهلّ يهمي غير متّئد
صبرا أبا حامد إذ أنت خير أخ ... وارض المقادير ما يجدي أسى الكبد
стр. 247
وارضى له الخلد في دار النعيم فما ... بهذه الدار دار الخلد في خلدي
أعلى الإله بعلم نافع وتقى ... إلى المناصب ما أبقى من الولد
قال القيراطي مضمّنا: [البسيط]
أجريت دمعي فمذ أفنيت أبحره ... أجريت مني بأسياف الجفون دمي
إن ملت عنّي برمح القدّ يا أملي ... لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم [١]
وقال أيضا: [السريع]
قد صرفوه إذ بدا شحّه ... وجوره وازداد منه السّفه
وكيف لا يصرف من ليس ذا ... وزن ولا عدل ولا معرفه
وقال أيضا: [السريع]
أكرم بها مأذنة لم تزل ... داعية طول المدى للفلاح
كأنّ صاريها وقنديله ... في ظلمة الليل عمود الصباح
وقال أيضا: [السريع]
قل للزغاريّ اتّئد لست في ... عدّة من أهجو له عرضا
ولا أكافيه إذا ما هجا ... ومن يعضّ الكلب إن عضّا
وقال أيضا: [المجتث]
هاجر إليه وهاجر ... قد فاز ذو الهجرتين
وإن بدا حاجباه ... فصلّ للقبلتين
وقال أيضا: [السريع]
في خدّ من همت به شامة ... ما الندّ في نفحته ندّها
والعنبر الورد غدا قائلا ... لا تدعني إلا بيا عبدها
وقال أيضا: [مجزوء الرجز]
كم عالم قد اشتكى ... في الفقر طول مكثه
وكلّ ثور سارح ... زيد له في حرثه
стр. 248
وقال أيضا في حوض: [السريع]
لذي الظما سيّلت حوضا طما ... ماء الندى منكم عليه وفاض [١]
سقيا لإحسانكم إذ بنى ... حوضا به حسّادكم في حياض
وقال أيضا مضمّنا: [السريع]
تجمعت من نطف ذاته ... حتى بدا في قالب فاسد
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد [٢]
وقال أيضا: [السريع]
الجامع الأزهر في حالة ... عجيبة ينكرها الحسّ
إن دام دينار له ناظرا ... لم يبق في حاصله فلس
وقال القيراطي في طبقات الشيخ تاج الدين السبكي: [مجزوء الرمل]
طبقات التاج منها ... نرتقي للغرفات
بالطباق السّبع عوّذ ... منه تلك الطبقات [٣]
وقال أيضا: [مجزوء الخفيف]
يا إماما على الورى ... قد سما بالتقدم
أنت في فقه أشهب ... وصلاح ابن أدهم [٤]
وقال أيضا: [السريع]
لا عب شطرنج زها حسنه ... شاع غرامي في هواه وذاع
كم قد أرانا وجهه إذ بدا ... بدرا وحسن النّقل ذات الرقاع
وقال أيضا: [السريع]
لي بغلة قد أتعبت راحتي ... والرجل من فخذي إلى كعبي
طباعها خارجة كلّها ... وقطّ ما تمشي على الضّرب
وقال أيضا: [الكامل]
стр. 249
يا طيب نفحة باذهنج لم يزل ... لهواه في ناموسنا تنفيس
مغرى بجذب الريح من آفاقها ... فكأنه للريح مغناطيس
وقال أيضا: [الكامل]
يا حسن شاذروان ماء لم يزل ... يهدي جواهره إلى الأضياف
ما أمّه الجلساء يوم سرورهم ... إلا تلقاهم بقلب صاف
وقال أيضا: [المتقارب]
بروحي بدر رأى حسنه ... عذولي فولّى بخفّي حنين
أبو شامة لاح في خدّه ... فرحت أطالع في الروضتين
وقال أيضا: [البسيط]
لا تدع يا صاح صوفيا سوى رجل ... بما حوى من صفات المدح موصوف
صوفي فسماه صوفي كل ذي نظر ... نقلا من الفعل لا عزوا إلى الصوف [١]
وقال أيضا أحجية في قمقم [٢] : [مجزوء الرجز]
يا من بنا علياؤه ... وعلمه ليس ينقض [٣]
ما مثل قول المحاجي ... لمن يحاجي: انهض انهض
وقال أيضا: [مجزوء الرجز]
مطاف بيت الله كم ... لعامل فيه عمل
يا حبذا من حوله ... دائرة فيها الرمل
وقال أيضا: [الوافر]
أشيخ الوقت آدابا وعلما ... ومن أقواله أبدا مفيده
أجلّك ثعلب أن كنت ليثا ... كذا ابن السّيد أيضا وابن سيده [٤]
стр. 250
وقال أيضا: [السريع]
بدا هلال الجوّ في أفقه ... مقارنا للزهرة المشرقه
كأنّه قوس من العاج قد ... صاغوا له من فضة بندقه
وقال أيضا: [الخفيف]
قد نحا منصب العلا بثبات ... ثم أبدى تصرفات سخيف
فاذا قال إنني حسن النح ... وفقولوا سىّء التصريف
وقال أيضا في أسماء زمزم [١] : [الرجز]
لزمزم اسماء منها زمزم ... طعام طعم وشفا من يسقم
سقيا نبيّ الله إسماعيلا ... مرويّة هزمة جبرائيلا
مغذية عافية وكافيه ... سالمة وعصمة وصافيه
وبرّة بركة مباركه ... نافعة تسرّ نفسا ناسكه
مؤنسة حرمية ميمونه ... وظبية طاهرة مصونه
سيدة وعونة قد دعيت ... شبّاعة العيال قدما سميت
وقال أبو الحسن المطهر بن المفضل التنوخي: [الرمل]
ويك يا نفس ذري الدنيا التي ... قرن الحرص بها والشّره [٢]
واطلبي النسك فما أربحه ... واتركي الغيّ فما أخسره
أيّ عذر في اتّصابي لامرىء ... فاقد من عمره أكثره
يسمع الوعظ فلا يقبله ... قتل الإنسان ما أكفره [٣]
قال قيس بن الخطيم [٤] : [الوافر]