كم من مسائل وافته معقّدة ... فردّها ذهنه محلولة العقد
راض العلوم بذهن ظلّ يمخضها ... حتى استبدّ بما فيها من الزّبد
ولم يزل في أصول الفقه ذا قدم ... رسوخها قصّرت عنه يد العضد
للسيف لو سلّ سيفا من مباحثه ... يوما تسلّل يبدي فعل معتمد
أفاد سائله علما وفضل ندى ... وغيره في كلا الحالين لم يفد
كم قد تطوّل باليمنى لذي أمل ... يوم العطاء وما قالت علاه قد [١]
برّ هو البحر لكن غاض زاخره ... من بعد ما كان فينا دائم المدد
بدر إذا حلّ في صدر رأيت له ... من كثرة الحلم رجحانا على أحد
مضى وباد ولكن علمه أبدا ... على ممرّ ليالي الدهر لم يبد
حسوده لا تراه غير منعكس ... وضدّه لا تراه غير منطرد
فقلّ في الناس قدر الشامتين به ... فان هم حشدوا كن غير محتشد [٢]
غربان بين الورى في ربعهم نعبت ... فاصبر تمرّ وما بالرّبع من أحد
مصارع القوم تأتي بغتة لهم ... حقا وتأخذهم في أقصر المدد
فقل لمن قد غدا يبدي شماتته ... لتدهمنّ بيوم أسود نكد
تمضي كأمس وإن لم يأت يومك في ... غد سيإتيك يا مغرور بعد غد
إلى افتراق جموع الشامتين به ... ونظم شملهم يهوي إلى بدد [٣]
بموته الأرض من أطرافها نقصت ... فدع مقالك يا هذا ولا تزد
ويا أخا الودّ كابد من تذكّره ... حزنا فقد خلق الإنسان في كبد [٤]
إن قصّرت في مراثيه قصائدنا ... فقولنا في رثاه غير مقتصد
رثاه عنّا وجود زال عنه ولم ... يترك به بعده ركنا لمستند
روّى ثراه سحاب العفو منسجما ... فانّ ناديه منّا بالدموع ند
وجاد بالسفح منا من عيون رضا ... مثواه وانهلّ يهمي غير متّئد
صبرا أبا حامد إذ أنت خير أخ ... وارض المقادير ما يجدي أسى الكبد
стр. 247
وارضى له الخلد في دار النعيم فما ... بهذه الدار دار الخلد في خلدي
أعلى الإله بعلم نافع وتقى ... إلى المناصب ما أبقى من الولد
قال القيراطي مضمّنا: [البسيط]
أجريت دمعي فمذ أفنيت أبحره ... أجريت مني بأسياف الجفون دمي
إن ملت عنّي برمح القدّ يا أملي ... لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم [١]
وقال أيضا: [السريع]
قد صرفوه إذ بدا شحّه ... وجوره وازداد منه السّفه
وكيف لا يصرف من ليس ذا ... وزن ولا عدل ولا معرفه
وقال أيضا: [السريع]
أكرم بها مأذنة لم تزل ... داعية طول المدى للفلاح
كأنّ صاريها وقنديله ... في ظلمة الليل عمود الصباح
وقال أيضا: [السريع]
قل للزغاريّ اتّئد لست في ... عدّة من أهجو له عرضا
ولا أكافيه إذا ما هجا ... ومن يعضّ الكلب إن عضّا
وقال أيضا: [المجتث]
هاجر إليه وهاجر ... قد فاز ذو الهجرتين
وإن بدا حاجباه ... فصلّ للقبلتين
وقال أيضا: [السريع]
في خدّ من همت به شامة ... ما الندّ في نفحته ندّها
والعنبر الورد غدا قائلا ... لا تدعني إلا بيا عبدها
وقال أيضا: [مجزوء الرجز]
كم عالم قد اشتكى ... في الفقر طول مكثه
وكلّ ثور سارح ... زيد له في حرثه
стр. 248
وقال أيضا في حوض: [السريع]
لذي الظما سيّلت حوضا طما ... ماء الندى منكم عليه وفاض [١]
سقيا لإحسانكم إذ بنى ... حوضا به حسّادكم في حياض
وقال أيضا مضمّنا: [السريع]
تجمعت من نطف ذاته ... حتى بدا في قالب فاسد
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد [٢]
وقال أيضا: [السريع]
الجامع الأزهر في حالة ... عجيبة ينكرها الحسّ
إن دام دينار له ناظرا ... لم يبق في حاصله فلس
وقال القيراطي في طبقات الشيخ تاج الدين السبكي: [مجزوء الرمل]
طبقات التاج منها ... نرتقي للغرفات
بالطباق السّبع عوّذ ... منه تلك الطبقات [٣]
وقال أيضا: [مجزوء الخفيف]
يا إماما على الورى ... قد سما بالتقدم
أنت في فقه أشهب ... وصلاح ابن أدهم [٤]
وقال أيضا: [السريع]
لا عب شطرنج زها حسنه ... شاع غرامي في هواه وذاع
كم قد أرانا وجهه إذ بدا ... بدرا وحسن النّقل ذات الرقاع
وقال أيضا: [السريع]
لي بغلة قد أتعبت راحتي ... والرجل من فخذي إلى كعبي
طباعها خارجة كلّها ... وقطّ ما تمشي على الضّرب
وقال أيضا: [الكامل]
стр. 249
يا طيب نفحة باذهنج لم يزل ... لهواه في ناموسنا تنفيس
مغرى بجذب الريح من آفاقها ... فكأنه للريح مغناطيس
وقال أيضا: [الكامل]
يا حسن شاذروان ماء لم يزل ... يهدي جواهره إلى الأضياف
ما أمّه الجلساء يوم سرورهم ... إلا تلقاهم بقلب صاف
وقال أيضا: [المتقارب]
بروحي بدر رأى حسنه ... عذولي فولّى بخفّي حنين
أبو شامة لاح في خدّه ... فرحت أطالع في الروضتين
وقال أيضا: [البسيط]
لا تدع يا صاح صوفيا سوى رجل ... بما حوى من صفات المدح موصوف
صوفي فسماه صوفي كل ذي نظر ... نقلا من الفعل لا عزوا إلى الصوف [١]
وقال أيضا أحجية في قمقم [٢] : [مجزوء الرجز]
يا من بنا علياؤه ... وعلمه ليس ينقض [٣]
ما مثل قول المحاجي ... لمن يحاجي: انهض انهض
وقال أيضا: [مجزوء الرجز]
مطاف بيت الله كم ... لعامل فيه عمل
يا حبذا من حوله ... دائرة فيها الرمل
وقال أيضا: [الوافر]
أشيخ الوقت آدابا وعلما ... ومن أقواله أبدا مفيده
أجلّك ثعلب أن كنت ليثا ... كذا ابن السّيد أيضا وابن سيده [٤]
стр. 250
وقال أيضا: [السريع]
بدا هلال الجوّ في أفقه ... مقارنا للزهرة المشرقه
كأنّه قوس من العاج قد ... صاغوا له من فضة بندقه
وقال أيضا: [الخفيف]
قد نحا منصب العلا بثبات ... ثم أبدى تصرفات سخيف
فاذا قال إنني حسن النح ... وفقولوا سىّء التصريف
وقال أيضا في أسماء زمزم [١] : [الرجز]
لزمزم اسماء منها زمزم ... طعام طعم وشفا من يسقم
سقيا نبيّ الله إسماعيلا ... مرويّة هزمة جبرائيلا
مغذية عافية وكافيه ... سالمة وعصمة وصافيه
وبرّة بركة مباركه ... نافعة تسرّ نفسا ناسكه
مؤنسة حرمية ميمونه ... وظبية طاهرة مصونه
سيدة وعونة قد دعيت ... شبّاعة العيال قدما سميت
وقال أبو الحسن المطهر بن المفضل التنوخي: [الرمل]
ويك يا نفس ذري الدنيا التي ... قرن الحرص بها والشّره [٢]
واطلبي النسك فما أربحه ... واتركي الغيّ فما أخسره
أيّ عذر في اتّصابي لامرىء ... فاقد من عمره أكثره
يسمع الوعظ فلا يقبله ... قتل الإنسان ما أكفره [٣]
قال قيس بن الخطيم [٤] : [الوافر]
стр. 251
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا عناء [١]
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء
وكلّ شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدّتها رخاء
فلا يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد ينمي على الجود الثراء
غنيّ النفس ما عمرت غنيّ ... وفقر النفس ما عمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر بصاحبه السّخاء
وبعض القول ليس له عياج ... كمحض الماء ليس له إناء [٢]
وبعض القول ملتمس شفاه ... وداء النّوك ليس له شفاء
نقلت من خط التاج ابن مكتوم في تذكرته، قال: أخبرنا شيخنا أبو حيان قال، أخبرنا ضياء الدين أبو الفضل جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الحسيني، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زكريا البلنسي قال: قرأ بعض فضلاء الأندلس الموطأ على أبي الربيع بن سالم [٣] في مجلس واحد، وكان حضره جماعة من أئمة المغرب، فما ردّ عليه أحد حرفا، إلا أنه جعل غير الصفة استثنائية، أو عكس سبق لسانه، فرفع رأسه للشيخ منشدا، وقال [٤] : [مخلع البسيط]
غيّرت غيرا فصرت عيرا ... وهكذا من يجدّ سيرا
فأجابه الشيخ أبو الربيع بديها:
ما أنت ممّن يخال فيه ... بذاك جهل فظنّ خيرا
واسترسل إلى أن أتمه في مجلس واحد.
стр. 252
في تاريخ الصلاح الصفدي
دخل الليث ابن المظفر على علي بن عيسى [١] ، وعنده رجل يقال له حماد، فجاءه رجل فقص رؤيا رآها لعلي بن عيسى، فهمّ حماد أن يعبرها، فقال الليث: كفّ، فلست هناك، فقال علي: يا أبا هشام: وتعبرها؟ قال: نعم، وكانت الرؤيا: كأن علي بن عيسى مات، وحمل على جنازة، وأهل خراسان/ يتبعونه، فانقض غراب من السماء ليحمله، فكسروا رجل الغراب، فقال الليث: أما الموت، فهو بقاء، وأما الجنازة فهي سرير وملك، وأما ما حملوك فهو ما علوتهم، وكنت على رقابهم، وأما الغراب فهو رسول، قال تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً
[٢] يقدم عليك فلا ينفذ أمره، فما مكثوا إلا يومين أو ثلاثة، حتى قدم رسول من عند الخليفة يحمل علي بن عيسى، فاجتمع قواد خراسان، وأثنوا عليه خيرا، ولم يتركوه يحمل وقالوا: نخشى انتقاض البلاد، فبقي.
وفي تاريخ الصفدي، قال أبو السعادات مجد الدين المبارك ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وشرح مسند الشافعي، وغير ذلك [٣] : كنت أشتغل بالأدب على ابن الدهان النحوي البغدادي [٤] بالموصل، وكان يأمرني بقول الشعر، وأنا أمتنع من ذلك، فبينا أنا ذات ليلة نائم، رأيت الشيخ في نومي وهو يأمرني بقول الشعر، فقلت: ضع لي مثالا أعمل عليه، فقال: [البسيط]
جب الفلا مدمنا إن فاتك الظفر ... وخدّ خدّ الثرى والليل معتكر
قال: فقلت أنا: [البسيط]
فالعزّ في صهوات الخيل مركبه ... والمجد ينتجه الإسراء والسّهر
فقال لي: أحسنت، هكذا فقل، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا.
стр. 253
قال كشاجم [١] يخاطب علي بن سليمان الأخفش [٢] وقد اعتل: [الرمل]
يا عليّ بن سليمان ويا ... معدن العلم وينبوع الأدب
بأبي أنت وأمي والذي ... اشتهى من كلّ شىء وأحب
أنت لم تعتل لكنّ العلا ... والندى اعتلا وذا شىء عجب
كسبت شكواك قلبي لوعة ... ما أراه مثلها قطّ اكتسب
ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العصب
هو داء الذهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحرّ التهب
ولقد قلت لإسحاق وإس ... حاق بالأوجاع طب
كيف لا تخبر أعضاء فتى ... كلّ عضو منه فيه ألف قلب
وقال أيضا يمدحه: [الهزج]
عليّ معدن النطق ... والمجري دبابيجه
إذا الأخبار حاجته ... تناهى وهي محجوجه
به تغدو من الشكّ ... قلوب القوم مثلوجه
ويلقي طرق الحكم ... ة للأفهام منهوجه
لكي يفرج عني الخط ... ب لا أسطيع تفريجه
وكي يمنحني تأدي ... به المحض وتخريجه
ومن أولى بتقريظي ... ممّن كنت خرّيجه
قال أبو الحكم مالك بن المرحل، الأديب شاعر المغرب [٣] : [البسيط]
يا راحلين ولي في قربهم أمل ... لو أغنت الحالتان القول والعمل
سرتم فكان اشتياقي بعدكم مثلا ... من دونه السائران الشعر والمثل
стр. 254
قد ذقت وصلكم دهرا فلا وأبي ... ما طاب لي الأسمران الخمر والعسل [١]
وقد هرمت أسى في حبّكم وجوى ... وشبّ مني اثنتان: الحرص والأمل
غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتي ... وبئست الخلتان الغدر والملل
عطفا علينا ولا تبغوا بنا بدلا ... فما استوى التابعان العطف والبدل
قالوا كبرت ولم تبرح كذا غزلا ... أودى بك الفاضحان الشيب والغزل
لم أنس يوم تدانوا للرحيل ضحى ... وقرّب المركبان: الطّرف والجمل
وأشرقت بهواديهم هوادجهم ... ولاحت الزينتان: الحلي والحلل
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل ... أذابه المضنيان: الغنج والكحل
دارت عليهم كؤوس الحبّ مترعة ... وإنما المسكران: الراح والمقل
وآخرون اشتفوا منهم بضمّهم ... يا حبذا الشافيان: الضمّ والقبل
قال شرف الدين المبارك بن أحمد الإربلي المعروف بابن المستوفي [٢] : عملت في نومي بيتين، وهما [٣] : [المتقارب]
وبتنا جميعا وبات الغيور ... يعضّ يديه علينا حنق [٤]
نود غراما لو انّا نباع ... سواد الدجى بسواد الحدق
ومن شعره، ما كتب به إلى مظفر الدين صاحب إربل [٥] : [الكامل]
يا أيّها الملك الذي سطواته ... من فعلها يتعجّب المريخ
آيات جودك محكم تنزيلها ... لا ناسخ فيها ولا منسوخ
ورثاه أبو العز يوسف بن النفيس الإربلي [٦] بقوله: [الوافر]
стр. 255
أبا البركات لو درت المنايا ... بأنّك فرد عصرك لم تصبكا
كفى الإسلام رزءا فقد شخص ... عليه بأعين الثّقلين يبكى
قال محارب بن محمد الوادي آشي [١] ، يمدح القاضي عياض [٢] : [الوافر]
غدا سلس القياد فما يراض ... وعمّ جميع لمّته البياض
وأضحى القلب لا تصبيه هند ... ولا سلمى ولا الحدق المراض
وإن غنّى الحمام بغصن أيك ... فمن عضّ الزمان به عضاض
وقائلة أتكرع في ثماد ... وقد لاحت لرائضها الحياض
إلى كم تقول لكلّ خطب ... مقالة من ألمّ به المخاض
وتنقبض انقباض العيّ حتى ... أضرّ بك السكون والانقباض
ووجد بني عياض بالمعالي ... مدى الدنيا حديث مستفاض
إذا قصدوا أثاروا الحرب جودا ... وسالوا بالمكارم ثم فاضوا
فقلت لها ومن منهم عياذي ... فقالت ذاك سيدهم عياض
إمام زانه حلم وعلم ... له بالخطة العليا انتهاض
يقارض من أساء بحسن صبر ... وأمر الدين والدنيا قراض [٣]
ففي الآداب جدول ماء مزن ... وفي الآراء بحر لا يخاض
ويبرم ما يروم فليس يخشى ... على أمر قد ابرمه انتقاض
يهيم بكلّ معلوة وفضل ... كما قد هام بالعليا مضاض [٤]
стр. 256
ومن تعلق حبال بني عياض ... يداه فلا يضام ولا يهاض
قال الأديب شهاب الدين محاسن بن إسماعيل الحلبي المعروف بالشواء [١] : [مجزوء البسيط]
لنا صديق له خلال ... تعرب عن أصله الأخسّ
أضحت له مثل حيث كفّ ... وددت لو أنها كأمس
وقال [٢] : [السريع]
هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله فعرّج معي [٣]
حتى نطيل اليوم وقفا على ... الساكن أو عطفا على الموضع
وقال [٤] : [الوافر]
وكنّا خمس عشرة في التئام ... على رغم الحسود بغير آفه
فقد أصبحت تنوينا وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه
وقال [٥] : [السريع]
ناديب وهو الشمس في شهرة ... والجسم للخفية كألفيء
يا زاهيا أعرف من مضمر ... صل واهيا أنكر من شيء
وقال [٦] : [السريع]
أرسل فرعا ولوى هاجري ... صدغا فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا من خلفه حيّة ... تسعى وهذا عقرب واقفه [٧]
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفه
وقال في جارية زرقاء [٨] : [السريع]
جارية قلت لها ألّا ... رعيت في الحبّ لنا إلّا
стр. 257
وطرفك الأزرق ما باله ... يحدث فينا لحظة القتلا
قالت ألا يفتك طرف حكى ... لون سنان الرمح والشكلا
قد عملت (إنّ) على أنّها ... حرف لأن أشبهت الفعلا
وقال: [الطويل]
خليليّ إن أبديت سرّ هواكما ... لواش فلا متّعت منه بطائل
وقلت بأنّ العطف في النحو جائز ... على المضمر المخفوض من غير عامل
وقال: [المتقارب]
أرى الصّفع ورّد منه القذالا ... وأوسع في أخدعيه المجالا
وأسلاه عن حبّ ذات اللّمى ... وإن هي راقت وفاقت جمالا
لئن كان قد حال ما بينه ... وبين الحبيبة صفع توالى
فقد يحدث الظرف بين المضاف ... وبين المضاف إليه انفصالا
وقال: وفيه ثمانية عشر فعل أمر: [الطويل]
وليت فوليت الغرام على الحشا ... ملالا ووكلت السهاد على الغمض
وأضرمت في الأعراض نار حشاشتي ... ويا حسنه إن كان في عشقك المحض
برادن اسخط ارض خف أخف ارع خلّ ادم ... ضع اعل اضحك ابك أهو أبد أخف عش اقض
قال محمود بن الحسن الوراق [١] ، وهو من مشايخ أبي بكر بن أبي الدنيا، أكثر من الشعر الحسن في المواعظ والحكم، ومات في خلافة المعتصم، في حدود الثلاثين ومائتين: [المجتث]
ما إن بكيت زمانا ... إلا بكيت عليه
ولا ذممت صديقا ... إلا رجعت إليه
وقال [٢] : [المتقارب]
أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
стр. 258
فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
وقال [١] : [الكامل]
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وقال: [الطويل]
تعزّ بحسن الصّبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم
وقال: [الطويل]
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
كان الماوردي [٢] قد سلك طريقا في توريث ذوي الأرحام، فجاء إليه كبير من الشافعية، فقال له: اتّبع ولا تبتدع، فقال: بل أجتهد ولا أقلد، فانصرف عنه. قال محب الدين بن النجار: قرأت على أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد الأديب بأصبهان، عن أبي طاهر بن أبي نصر التاجر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة إذنا، أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله اللبّان الشيرازي، قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن عبيد الله الهاشمي يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد الصوفي يقول في بغداد:/ ما زلت أطلب إلى الله في صلاتي خمس عشرة سنة أن يريني إبليس، فلما كان يوم نصف النهار في صيف، وأنا قاعد بين البابين أسبّح، إذ دقّ عليّ الباب، فقلت: من ذا؟ قال:
أنا، قلت الثاني: من ذا؟ قال: أنا، قلت الثالث: من أنت؟ قال: أنا، قلت: لا تكون إبليس؟ قال: نعم، فمضيت ففتحت له الباب، فدخل عليّ شيخ عليه برنس من الشعر، وعليه قميص من الصوف، وبيده عكازة، فجئت أقعد مكاني بين البابين، فقال لي: قم من مجلسي، فان بين البابين مجلسي، وخرجت، فقعد، فقلت: بم تستضل الناس؟
فأخرج لي رغيفا من كمّه، وقال لي: بهذا، فقلت: بم تحسّن لهم السيئة؟ فأخرج
стр. 259
مرآة، فقال: أريهم سيئاتهم حسنات بهذه المرآة، ثم قال لي: قل ما تريد، وأوجز في كلامك، فقلت: حيث أمرك [الله] بالسجود لآدم لم لم تسجد؟ [١] قال: غيرة مني عليه، أسجد لغيره، وغاض مني ولم أره.
قال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: [الخفيف]
إنّ للعنكبوت بيتا ومالي ... برضى الجود والمكارم بيت
كيف يبني بشطّ دجلة من لي ... س له للسراج بالليل زيت
الصاحب بن عباد [٢] : [الطويل]
إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فلا تتأمل منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حين تفرّق
فحيث يكون الجهل فالرزق واسع ... وحيث يكون العلم فالرزق ضيّق
وقفت على كتاب (حكايات الصوفية) تأليف أبي عبد الله محمد بن باكويه الشيرازي، مات سنة ٤٢٨، وهو مروي بالأسانيد، فانتقيت منه ما يصلح للمحاضرة، روي عن يحيى بن معاذ الرازي [٣] قال: أهل الجنة يرفع عنهم كل شيء، ما خلا ثلاثة: الحب لله، والحب في الله، والحمد لله.
عن أبي عمرو الرقي: أنه سئل عن الفرق بين الفقر والتصوف، فقال: الفقر حال من أحوال التصوف. عن أبي بكر الدقاق قال: عجز العلماء عن الفرق بين المداراة والمداهنة.
عن أبي بكر بن يزدانيار [٤] ، قال: إن الله تعالى أحب ثلاثة، وأبغض ثلاثة، أحبّ الإيمان، والطاعة، والعلم، وأبغض الكفر، والمعصية، والجهل، فسلط الغزاة على الكفار، وسلط العلماء على الجهال، وسلط الأمراء على العصاة، وإلى القيامة على هذا يكون [٥] .
стр. 260
عن فتح بن شخرف [١] قال: في التوراة، من قنع شبع، وفي الزبور: من اعتزل سلم، وفي الانجيل: من ترك الشهوات استراح، وفي الحديث: من صمت نجا.
سئل يحيى بن معاذ عن الشهقة ممّ تكون؟ فقال: الدارج ربما لاح له في الغيب درجة ليست هي له، فيرتاح فيشهق، قيل له: فهل يكون في ذلك صادقا؟ قال: لا، بل يكون سارقا، والصادق يصحّ له ذلك عن طريق الهيبة.
عن بشر بن الحارث [٢] قال: حادثوا الآمال بقرب الآجال. عن يحيى بن معاذ قال: من أحبّ أن يعرف الزهد فلينظر في الحكمة، ومن أحبّ أن يعرف مكارم الأخلاق، فلينظر في فنون الآداب، ومن أحب أن يستوثق من أسباب المعاش، فليستكثر من الإخوان، ومن أحب أن لا يؤذى فلا يؤذينّ، ومن أحب رفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى.
عن الفضيل بن عياض [٣] قال: من عشق الرئاسة لم يفلح، وطغى وبغى. عن سري السقطي [٤] قال: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفس العباد ثمرتها، وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام فروعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها. سئل الجنيد [٥] عن الفرق بين الصالح والعارف، فقال: كلّ/ عارف صالح، وليس كل صالح عارفا. عن يحيى بن معاذ قال: لكل ملك وزير، والأبمان ملك ووزيره التفويض. عن إبراهيم الخواص [٦] قال: الملك المعجّل سكون
стр. 261
القلب، ودعة الجوارح.
عن الفضيل بن عياض قال: إن زهدت في الدنيا كلّ الزهد، لم ينقص رزقك شىء، وإن رغبت فيها كل الرغبة لم يزد في رزقك شىء. عن أبي علي الروزباري، قال: الظرف طهارة الضمائر، والخنا خبث السرائر.
عن أبي بكر الكتاني [١] قال: ما من عاقل إلا وله هفوة، وما من مستقيم إلا وله زلة، وما من مجتهد إلا وله عثرة. عن أبي محمد الجريري قال: الجلوس للمناصحة، فتح باب الفائدة، والجلوس للمناظرة غلق باب الفائدة.
عن سهل بن عبد الله [٢] قال: احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق. عن يحيى بن معاذ، قال: اتفق رأي سبعين صديقا أن حسن الخلق قلة الخلاف على الله تعالى./
عن أبي عبد الله بن خفيف [٣] قال: ما سمعت شيئا من سنن النبي ﷺ إلا استعملته، حتى الصلاة على أطراف الأصابع. عن سهل بن عبد الله قال: الناس كلهم نيام، إلا العلماء الذين آثروا الله على كل حال. وقال: لا يعرف الحق بالرجال، ولكن من عرف الحق عرف أهله. وقال: الفقر باب خصّ النبي ﷺ به، فلما مات فتح باب الغنى، فلا يسدّ ذلك على أقوام خصهم الله به، يجيئون في آخر الزمان.
سمعت أبا يعقوب الخراط يقول: أحضر النّوري [٤] بين يدي العباس بن الحسن [٥] للمناظرة، فقال له العباس [٦] : من أين تأكلون؟ فقال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب
стр. 262
بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون، ولكن أخرف خرافة يخرج فيها الجواب، هل للسلطان فيلة؟ فقال: نعم، فقال: من أين يأكلون؟ قال: قد أقام لها السلطان الوكلاء، وأجرى عليهم الجرايات، قال: فأيما أكرم على الله، الفيلة أم الأولياء من بني آدم؟ فقال:
الأولياء من بني آدم، قال: فالله تعالى أقام لأخس الخلائق وكيلا، ولا يقيم لأوليائه وكيلا./
حدثني أبو الطيب محمد بن الفرّخان، حدثنا عباس بن يوسف الشكلي، حدثني أحمد بن موسى ابن الحكم، حدثني محمد بن أحمد النيسابوري، حدثنا إسماعيل بن يحيى بن عبد الكريم، عن الليث ابن سعد، عن نافع، عن شريح، قال: اشتريت دارا بمائتي دينار، وكتبت كتابا، وأشهدت عدولا، فبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب، فقال لي:
يا شريح، بلغني أنك اشتريت دارا، وكتبت كتابا، وأشهدت عدولا، قلت: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسأل عن بيّنتك حتى يخرجك منها شاخصا، ويسلمك إلى قبرك، ولو كنت أتيتني، كتبت لك كتابا على هذه النسخة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى عبد ذليل، من ميت قد أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا تعرف بدار الغرور من الجانب الفاني، في عسكر الهالكين، ويجمع هذه الدار ويشتمل عليها حدود أربعة، الحد الأول ينتهي إلى دواعي البينات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي إلى دواعي البليات، والحد الرابع ينتهي إلى دواعي النوى المردي، وإلى الشيطان المغوي، وفيه يشرع/ باب هذه الدار، اشترى هذا المغرور بالأمل، وهذا المزعوج بالأجل جميع هذه الدار، بالخروج من عز القنوع، والدخول في ذل الطمع، فما أدرك هذا المشتري فيما اشتراه من درك، فعلى مبلبل أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومزيل ملك الفراعنة، ملك كسرى وتبّع وحمير، ومن بنى وشيّد، وزخرف ونجّد، وجمّع واعتقد، ونظر بزعمه للولد، شحا منهم إلى موقف العرض، إذا وضع الكرسي لفصل القضاء، وخسر هنالك المبطلون، وسمع مناديا ينادي في عرصاتها [١] : [الرجز]
ما أبين الحق لذي عينين ... إن الرحيل آخر اليومين
تزودوا من صالح الأعمال ... فقد دنا النقلة والزوال [٢]
عن عبد الله بن سهل الرازي، قال: تآخى [٣] نفسان في الله، فكتب يحيى بن معاذ
стр. 263
الرازي: هذا ما اشترى فلان بن فلان، من فلان بن فلان، اشتروا منه المودة الدائمة إلى الممات بكليتها، وبجميع حدودها كلها داخل فيها، وخارج منها بقلبه، وهو الثمن، وباعها منه فلان بن فلان، وسلمها وقبض الثمن/ كله تاما وافيا، وبرىء إليه منه أحد حدود هذه المودة ينتهي إلى الصفاء، والحد الثاني ينتهي إلى الوفاء، والحد الثالث ينتهي إلى المساعدة، والحد الرابع ينتهي إلى المنادمة، وعلى أن لا يقبل كل واحد منهما على صاحبه المبالغة، ولا يأخذه بالتهم والظنون، ولا يستبدل به ولا يخونه، على أن يدفع كل واحد منهما عن صاحبه السعايات، وعن تراض منهما، ورغبة صحيحة، انعقد الأمر بينهما عن تراض منهما، وجواز أمورهما لهما وعليهما طائعين غير مكرهين، شهد على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب، السخاء بن الكرم، والمساعدة بن الرضا، والمحاطة بن الاتفاق، وحسن الخلق بن الاحتمال، وكتبوا شهادتهم على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب.
حدثنا عبد الواحد بن بكر، حدثني محمد بن يوسف بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن عمرو، حدثنا أبو شيبة بن أبي بكر، حدثنا بكر بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن محمد بن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن ابن عباس قال: كان عندنا رجل يصلي بالليل في بيته، فاذا افتتح الصلاة وكبّر، أتاه رجل عليه ثياب بيض، ويقوم معه يصلي، ويكون ركوعه وسجوده أحسن من ركوعه، وكان يعجبه ذلك، فذكر لبعض أصدقائه/ فجاء الرجل وسألني عن ذلك، هل يجوز أن يكون ذلك؟، فقلت له:
قل له حين تقرأ إذا جاء هذا الذي يصلي سورة البقرة، فان ثبت معه فهو ملك وطوباه، وإن هرب فهو شيطان، فأعاد على الرجل فاشتد عليه إفشاء سره، فلما أخذ في الصلاة وجاء الشخص ووقف معه أخذ يقرأ سورة البقرة، فأخذ الشيطان يضرط ويعدو.
سمعت أبا العباس الكرخي، قال: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: كنت بالبصرة مع جماعة من أصحابنا، فوقف علينا صاحب مرقعة، فقال: من منكم ابن خفيف؟ فأشاروا إليّ، فقال: تأذن لي أن أسألك مسألة؟ فقلت: لا، قال: ولم؟ فقلت: لأن النبي ﷺ ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأيسره أن لا تسألني، ولا أحتاج أجيبك، فقال: لابد، فقلت: هذا غير ذلك، فقل الآن ما شئت.
أملى عليّ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نظيف شرطا في شراء بستان من خاطره: هذا ما اشترى فلان بن فلان المريد من سكان المحبة، من فلان بن فلان العارف من أهل الصفوة، اشترى منه بستانا موضعه في صحراء الأنس/ محاطا عليه، فيه نخيل الإيمان، يثمر طلع الطاعات، وينضج بالإخلاص، وأشجار المعارف، تثمر الإلهام الصافي، ورياحين البر والتقوى، وورد ورد الذكر، وسواقي العلم في تربة الخلوة، ويسقى هذا البستان من نهر الوفاء، ولهذا البستان حدود أربعة؛ الحد الأول: ينتهي إلى حسن العهد،
стр. 264
والحد الثاني: ينتهي إلى صحراء المنّ وروضة الشكر، والحد الثالث: ينتهي إلى فرضة المتحابين بالجلال، والحد الرابع: ينتهي إلى طريق يؤخذ بها إلى الصدق، وإليه يشرع باب هذا البستان، اشترى منه جميع هذا البستان، بجميع ما سمّي، ووصف في هذا الكتاب ببذل مجهوده من نفسه وماله، والمقام على المحاب، فلا كاره منه عليه، واستفراغ الصدق من لبّه، وأن يحتمل كل واحد منهما عن صاحبه الأذى من نفسه، ومن كل أحد من قبلهما، وعلى أن لا يتذوق هذا المريد علوما من غير هذا العارف، ويعرض عليه جميع ما يخطر له، ويصبر معه على البلاء والفقر، ولا يتحيز منه الحظوظ، ويعوده إذا مرض هو مع مرضه، وإن خطر بباله منه شىء أخرجه من قلبه، ولا يتهمه على نفسه وماله، وما يصلحه/ ولا يقطع أمرا دونه، شهد على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب في صحة منهما، وجواز أمرهما، شهد على ذلك المصافحة من المباذلة ورفع الحشمة من بينهما، واستعمال الأدب مع رفع الحشمة، وكون الإجلال.
أخبرنا أبو الربيع الصفار، أخبرنا أبو جعفر الخلدي، أخبرنا أبو العباس ابن مسروق [١] ، قال: كنا جماعة من الفقراء في بعض الأسفار، فقام أصحابنا وطابوا، فاذا بديراني قد أقبل وقال: بالدين الحنيفية، ألا عرفتموني إن هذا مخصوص في دينكم أو معموم؟ قلنا:
مخصوص بشرط الزهد في الدنيا، فقال الديراني: قرأت في الإنجيل: إنّ خواصا من أمة محمد، ﷺ ، يتحركون عند السماع بشرط الزهد في الدنيا، لباسهم الصوف، يرضون من الدنيا بالبلغة والكسرة، أولئك خواص أمّة محمد، ﷺ ، فأسلم ومشى معنا.
أخبرني أبو الحسن القزويني، أخبرني أبو جعفر الخلدي، قال [٢] : رأيت الجنيد في النوم، فقلت له: أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدة؟ فتبسم وقال: كلام الأنبياء بناء عن حضور، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدة.
أخبرني أبو الطيب ابن الفرّخان، قال: سمعت الجنيد/ يقول: نظرت في سائر العلوم، إلا فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نظرت في الكلام، إلا فيما لابد منه. وكان الجنيد لا يجيب عن ست مسائل، أحدها: الاسم والمسمّى، والثاني: اللفظ بالقرآن، مخلوق أم لا، والإيمان مخلوق أم لا. وفي قول مجاهد في جلوس محمد، ﷺ ، على العرش، وفي القدر. عن أبي يزيد، قال: انتهى الأمر إلى معرفة لا إله إلا الله، وانتهى الفهم إلى معرفة لا إله إلا الله. انتهى ما انتقيته من كتاب حكايات العارفين لابن باكويه.
стр. 265
في شرح البخاري للكرماني [١]
قدم بعض أولاد قتادة بن النعمان [٢] على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ممّن الرجل؟
فقال: [الطويل]
أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردت بكفّ المصطفى أحسن الردّ [٣]
فعادت كما كانت لأول مرّة ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما ردّ [٤]
قال الكرماني في الشرح: من جملة استظهاراتي في الآخرة، أني رأيت رسول الله، ﷺ ، في الرؤيا، سنة أربع وخمسين وسبعمائة، ببلدة أصفهان، فقلت: يا رسول الله، من رآني في المنام فقد رآني، حديث صحيح؟ فقال: نعم، ونعم الاستظهار.
قال أبو عبد الله الحميدي، قال لي أبو محمد ابن حزم: يقال من تختم بالعقيق/ وقرأ لأبي عمرو، وتفقّه للشافعي، وحفظ قصيدة علي بن زريق البغدادي الكاتب [٥] فقد استكمل الظرف، والقصيدة المذكورة [٦] : [البسيط]
لا تعذليه فانّ العذل يوجعه ... قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حدّ المضرّ به ... من حيث قدّرت أنّ اللوم ينفعه [٧]
فاستعملي الرّفق في تأنيبه بدلا ... من عنفه فهو مضنى القلب موجعه [٨]
стр. 266
قد كان مضطلعا بالبين يحمله ... فضلّعت بخطوب البين أضلعه
يكفيك من لوعة التفنيد أنّ له ... من النّوى كلّ يوم ما يروّعه [١]
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأيّ على سفر بالرغم يجمعه [٢]
تأبى المطالب إلا أن تجشمه ... للرزق كدحا وكم ممّن يودعه [٣]
كأنّما هو في حلّ ومرتحل ... موكلّ بفضاء الأرض يذرعه
إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو مربعه [٤]
وما مجاهدة الإنسان واصلة ... رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه
قد وزّع الله بين الناس رزقهم ... لم يخلق الله من خلق يضيّعه [٥]
لكنّهم كلّفوا رزقا فلست ترى ... مسترزقا وسوى الغايات تقنعه [٦]
والحرص في الرزق والأرزاق قد قس ... مت بغي ألا إنّ بغي المرء يصرعه [٧]
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه ... إربا ويمنعه من حيث يطمعه [٨]
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يودّعني ... صفو الحياة وأنّي لا أودّعه [٩]
وكم تشفّع في أن لا أفارقه ... وللضرورة حال لا تشفّعه [١٠]
وكم تشبّث بي خوف الفراق ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه [١١]
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق ... عنّي بفرقته لكن أرقّعه
стр. 267
إنّي أوسّع عذري في جنايته ... بالبين عنّي وجرمي لا يوسّعه [١]
رزقت ملكا فلم أحسن سياسته ... وكلّ من لا يسوس الملك يخلعه [٢]
ومن غدا لا بسا ثوب النعيم بلا ... شكر عليه فانّ الله ينزعه [٣]
اعتضت من وجه خلّي بعد فرقته ... كأسا تجرّع منها ما أجرّعه [٤]
كم قائل لي ذقت طعم البين قلت له ... الذنب والله ذنبي لست أدفعه [٥]
ألا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو أنّني يوم بان الرشد أتبعه
إنّي لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطّعه
بمن إذا هجع النّوّام بتّ له ... بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئنّ لجنبي مضجع وكذا ... لا يطمئنّ له مذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني ... به ولا أنّ بي الأيام تفجعه [٦]
حتى جرى البين فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حظّي وتمنعه
فكنت من ريب دهري جازعا فرقا ... فلم أوقّ الذي قد كنت أجزعه [٧]
بالله يا منزل القصف الذي درست ... آثاره وعفت مذ بنت أربعه [٨]
هل الزمان معيد فيك لذّتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه [٩]
في ذمّة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على يمناك يمرعه [١٠]
من عنده لي عهد لا يضيّعه ... كما له عهد صدق لا أضيّعه [١١]
ومن يصدّع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدّعه
стр. 268
لأصبرنّ لدهر لا يمتّعني ... به ولا بي في حال يمتّعه [١]
علما بأنّ اصطباري معقب فرجا ... فأضيق الأمر إن فكّرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعنا يوما وتجمعه [٢]
وإن تنل أحدا منّا منيته ... فما الذي في قضاء الله نصنعه [٣]
قال العلامة عفيف الدين أبو الحسن، علي بن عدلان الموصلي، كتب إليّ العلم السخاوي، قول الحسين بن عبد السلام في المعمّى:/ [الخفيف]
ربّما عالج القوافي رجال ... في القوافي فتلتوي وتلين
طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصته نون ونون ونون
فحللتها؛ فالعين الأولى عين العربية، وهي النحو [٤] خاصة، والثانية عين العروض، والثالثة إما عين العبارة، وهي الألفاظ المتخيرة، أو العين التي هي الذهب، فانها تعين على نظم الشعر، لرفاهية سر الشاعر، ومعنى البيتين: أن المواد تكون حاصلة، ولا يتأتّى نظم ولا نثر، قال: وقد حمل بعضهم الحسد على أن ذكر البيتين في مؤلف له، ولم يذكر أنّني حللتهما، فسبحان الله، ما هذه الأطباع دغلة وبواطن سيئة، ما الذي كان ينقصه لو ذكر ذلك، بل كان والله يرتفع، وينسب إلى الإنصاف. قال: وقد عملت فيها جزءا مفردا سميته: إظهار السر المكنون في عين وعين وعين ونون ونون ونون/.
قال السراج الوراق [٥] يرثي الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري [٦] : [الخفيف]
ما اقتضى حظّنا بقاءك فينا ... ليتنا فيك ليتنا لو كفينا
من يعزّ المخلفين بميت ... فيعزّ بفقدك المسلمينا
عمّ فيك المصاب حتى لقينا ... كلّ حيّ أودى به ما لقينا
فكأنّا لم ندر قبلك رزءا ... وكأنّا لم ندر من قد رزينا
غال صرف الزمان من كان يحيّي ... سنّة الدّين والكتاب المبينا
لو أمنّا من القلوب جواها ... لوددناك في القلوب دفينا
стр. 269
أو قبلت المجرحين مضى نع ... شك يعلو خدودنا والعيونا
مرسلا جاء حديث دمعي وكم قد ... بلّغت منه أربع أربعينا
يا إماما على حديث رسول الل ... هـ أضحى في الله حصنا حصينا
صنت عبد العظيم منه عظيم ال ... قدر أعزز به لديك حصينا
بأبي منك بحر علم روينا ... عنه لكن مضى وما إن روينا
وعجبنا من حال أعواد نعش ... لم تعد يوم جاورتك غصونا
نضّر الله للزكيّ محيّا ... يستمدّ الصباح منه جبينا
وجزاه خيرا إذا أذن الل ... هـ بحسن الجزاء للمحسنينا
وقال السراج الورّاق يرثي الحافظ رشيد الدين يحيى بن علي القرشي المالكي المعروف بالرشيد العطار [١] ، وقد انتهت إليه رئاسة الحديث بالديار المصرية: [الكامل]
دمعي على الشيخ الرشيد مرسل ... وحزن قلبي أبدا مسلسل
بكى دما جفني القريح بعده ... لو بالجريح يفتدى المعلّل
أين إمام في الحديث مثله ... تضرب آباطا إليه الأبل
ذاد عن السنّة كلّ مفتر ... به جلى الداجي وحلّ المشكل
وكان في علم الرجال أوحدا ... بحيث قال العلم هذا الرجل
أتقنهم معرفة بقول ذا ... مستعمل وقول ذاك مهمل
ومن سوى العطّار يدري سرّهم ... والناس منهم حطب ومندل [٢]
يا جامع ابن العاص قد أوحشت من ... جارك واستوحش [....] أوّل [٣]
عهدي بصدر لك منه حاليا ... قد عاد وهو بعده معطّل
стр. 270
لله ما ضمّ التراب من حجى ... يطيش رضوى عنده ويذبل [١]
ومن عفاف وتقى وكيف لا ... والعلم أسّ لهما والعمل
إنّ ضجيعي لحده لسنّة ال ... هادي الشفيع والكتاب المنزل
لمثل ذا فليعمل القوم إذا ... راموا العلا لمثل ذا فليعملوا
سقاك يا يحيى صبا مرتجز ... تحذو قطاريه صبا وشمال
قال الجزار [٢] في الشيخ عز الدين بن عبد السلام [٣] : [الخفيف]
سار عبد العزيز في الحكم سيرا ... لم يسره سوى ابن عبد العزيز
عمّنا حكمه بعدل بسيط ... شامل للورى ولفظ وجيز
غنيت أهل مصر بعد افتقار ... مذ حبتهم علومه بكنوز
وقال أيضا يرثي الشيخ عز الدين بن عبد السلام: [السريع]
أما الفتاوى فعليها السلام ... مذ فقد الشيخ ابن عبد السلام
مات فمن يوضح أشكالها ... ويعرف الحلّ بها والحرام
إنّا إلى الله لفقد امرىء ... قام بحقّ الله حقّ القيام
ما خصّ فيه بالعزاء امرىء ... ورزؤه عمّ جميع الأنام
كلّ أخي علم بكى فقده ... لأنّه في كلّ علم إمام
من للتفاسير وتحريرها ... من للإصولين وعلم الكلام [٤]
كم دعوة منك غنينا بها ... عن ذابل يوم الوغى أو حسام
من للذي يطمع في جوده ... بعدك إن ضنّ بغيث غمام
стр. 271
ومن بقى ينصر إخوانه ... ويحفظ العهد ويرعى الذّمام
كم مهجة كادت تفدّيك لو ... أمكن أن يرضى فداها الحمام
لا تقدر الأملاك تثنيك عن ... حقّ وكم أغراك منهم ملام
زخرفت الجنّة شوقا إلى ... وجه له تشتاق دار السلام
والحور في أبوابها قد غدا ... لها على رؤياك أي ازدحام
خلقت للأجر وكسب الثنا ... في الدين والدنيا وترك الأثام
أئمة الدين للقياك في ال ... فردوس من أمس تراهم قيام
حسب ابن إدريس علا شدتها ... ليس لها طول الليالي انهدام
يا بحر علم كلّنا بعده ... مستعر القلب شديد الأوام
بمن يلوذ الناس في حادث ... لخطبه في كلّ صبح ظلام
كم ظلمة في الخطب قد أشرقت ... منك بوجه فاق بدر التمام
ومن يرى بعدك في عصرنا ... له بهذا الدين أيّ اهتمام
لا يقبل الدنيا على ذرّة ... من دينه في يقظة أو منام
وأشجع الناس بنفس له ... بها غنى عن كلّ جيش لهام
كم ليلة في الذبّ عن شرعة ال ... إسلام لله هجرت المنام
تالله ما الدنيا سوى زورة ال ... طيف ولا العيشة إلا منام
وكيف لا يترك ما لم يدم ... ذو يقظة لم يرض إلا الدوام
وصلت للراحة بعد العنا ... وفزت بالصحة بعد السقام
حتى نكيرا وأخاه إذا ... ما أحجما عنك لفرط احتشام
وباسط الحور التي قد غدت ... وكلها مقصورة في الخيام
واستخدم الولدان فيما ترى ... فكلهم فيما تراه غلام
لا زلت للراحة أهلا ولا ... عدت ثرى قبرك سحب الغمام
стр. 272
في تاريخ ابن عساكر
عن هند بنت المهلب بن أبي صفرة، قالت: شيئان لا تؤمن المرأة عليهما؛ الرجال والطّيب. وعنها: أنها كانت تسبح بالؤلؤ، فاذا فرغت من تسبيحها ألقته إلى الحاضرات، فقالت: اقتسمنه بينكنّ. وفيه، عن زياد بن عبد الله القرشي [١] ، قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة، امرأة الحجاج بن يوسف، فرأيت في يدها مغزلا فقلت: أتغزلين/ وأنت امرأة أمير؟ فقالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله، ﷺ : (أطولكنّ طاقة أعظمكنّ أجرا، وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس) [٢] .
وفيه عن الزبير بن بكار، قال: رأت عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية في المنام قائلا يقول: [الكامل]
أين الشباب وأين عيشتنا التي ... كنّا بها زمنا نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حربا يعلّ به الفؤاد وينهل
قال: فأوّل الناس ذلك من رؤيا عاتكة زوال ملك بني أمية، فكان كما قالوا.
قال بعضهم: [الخفيف]
ربّ نهر رأيت في جوف خرج ... يترامى بموجه الزخّار
ونهار رأيت منتصف اللي ... ل وليل رأيت نصف النهار
يعني بالخرج: الوادي الذي لا منفذ له، والنهار: فرخ الحبارى، والليل: فرخ الكروان.
وقال ابن حزم الظاهري [٣] : [الوافر]
لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم [٤]
وقال أيضا [٥] : [الوافر]
يقول أخي: شجاك نحول جسم ... وروحك ماله عنّا رحيل [٦]
стр. 273
فقلت له المعاين مطمئنّ ... لذا طلب المعاينة الخليل [١]
ومنه قول بعضهم [٢] : [الوافر]
أقول لذات حسن قد توارت ... مخافة كاشح في الحي فاتن
أريني وجهك الوضاح قالت ... ألم تؤمن فقلت بلى ولكن
وقال علي بن أحمد الفنجكردي [٣] : [مخلع البسيط]
زماننا ذا زمان سوء ... لا خير فيه ولا صلاحا
هل يبصر المبلسون فيه ... لليل أحزانهم صباحا
فكلهم فيه في عناء ... طوبى لمن مات فاستراحا
من تاريخ ابن عساكر: قال أبو اليقظان: مات لأنس بن مالك في الجارف [٤] ثمانون ابنا [٥] ، ويقال: سبعون، سنة تسع وستين. قال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من أصحاب النبي ﷺ ، إلا رجلين؛ معيقيب، كان به هذا الداء الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح.
عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية نفر من التابعين؛ عامر بن عبد الله القيسي [٦] ، وأويس القرني [٧] ، وهرم بن حيان العبدي [٨] ، والربيع بن خثيم
стр. 274
الثوري [١] ، وأبي مسلم الخولاني [٢] ، والأسود بن يزيد [٣] ، ومسروق بن الأجدع [٤] ، والحسن بن أبي الحسن البصري [٥] ./
رأي الطفيل الدوسي [٦] يوم مسيلمة، أن امرأة لقيته ففتحت له فرجها فدخله، وطلب ابنه وحبس عنه، فقال: أوّلت رؤياي أن أقتل، وأن المرأة التي أدخلتني في فرجها الأرض، وأن ابني ستصيبه جراحة، ويوشك أن يلحقني، فكان كذلك.
стр. 275
قال أحمد العجلي: إياس بن معاوية بن قرة [١] بصري ثقة، وكان على قضاء البصرة، وأبوه تابعي، وجده قرّة صحابي [٢] ، دخل عليه ثلاث نسوة، فقال: أما هذه فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيّب، فقيل له: بم علمت؟ قال: فأما المرضع، فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر، فلما دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيّب، فلما دخلت نظرت ورمت بعينها.
قال حمّاد بن سلمة: سمعت إياس بن معاوية يقول [٣] : أذكر الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمّي على رأسي جفنة. قال المدائني: قال إياس بن معاوية لأمه [٤] : ما شىء سمعته، وأنا صغير، وله جلبة شديدة، قالت: تلك يا بني طست سقطت من فوق الدار إلى أسفل ففزعت، فولدتك تلك الليلة.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال إياس بن معاوية [٥] : كنت في مكتب بالشام، وكنت صبيا، فاجتمع النصارى/ يضحكون من المسلمين، وقالوا: إنهم يزعمون أنه لا يكون ثفل الطعام في الجنة، قلت: يا معلم [٦] ، أليس تزعم أن أكثر الطعام يذهب في البدن؟ فقال: بلى، قلت: فما تنكر أن يكون الباقي يذهبه الله في البدن كله؟ فقال:
أنت شيطان.
قال أبو قتيبة سلم بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال [٧] : قدم إياس بن معاوية الشام، فناظره غيلان [٨] في القدر، فقال له إياس: إن شئت أخبرت بقول أهل الجنة وأهل النار والملائكة والشيطان، وقول العرب في أشعارها، قال له غيلان: أخبرني بها، قال، قال أهل الجنة حين دخلوا:
стр. 276
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
[١] ، وقال أهل النار حين دخلوها: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
[٢] ، وقالت الملائكة: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[٣] ، وقال الشيطان: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[٤] ، وقالت العرب في أشعارها [٥] : [الطويل]
لا يمنع عنك الطير شيئا أردته ... فقد خطّ بالأقلام ما أنت لاقيا
قال رجل لإياس بن معاوية [٦] : حتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال: لجلسائه/ أجيبوه، فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل العدّتان؛ عدة أهل النار، وعدة أهل الجنة. عن إياس بن معاوية قال [٧] : إياك والشاذ من العلم، فان أقلّ ما يصيب صاحبه الذلة.
قال روح القيسي [٨] : استودع رجل رجلا مالا، وخرج إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، فأتى إياس بن معاوية، فأخبره، فقال له إياس: أعلم أنّك أتيتني؟ قال: لا، قال: فنازعته عند أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم أمرك، ثم عد إليّ بعد يومين، فمضى الرجل، فدعا إياس ذلك الرجل، قال: قد حضر مال كثير أريد أن أصيّره إليك، أفحصين منزلك؟ قال: نعم، قال: فأعد موضعا للمال، وعاد الرجل إلى إياس، فقال له: انطلق إليه، فاطلب مالك، فان أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي، فأتى الرجل صاحبه، فقال: مالي، وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه، فدفع إليه ماله، فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال، وجاء ذلك الرجل إلى إياس لموعده، فزبره وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن.
عن عبد الله بن مصعب [٩] : استودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير، وغاب الرجل، فلما طال الأمر، فتق المستودع/ الكيس من أسفله، وأخذ الدنانير، وجعل في الكيس
стр. 277
دراهم، وخيطه، والخاتم على حاله [١] ، فقدم صاحب المال بعد خمس عشرة سنة، فطلب ماله، فدفع إليه الكيس بخاتمه، فلم يقبله، فقال: هذه دراهم، ومالي دنانير، قال: هذا كيسك بخاتمه، فرفعه إلى عمر بن هبيرة، قال لإياس بن معاوية: انظر في أمر هذين، فقال إياس للطالب: ما تقول؟ قال: أعطيته كيسا فيه دنانير، قال: منذكم؟ قال: منذ خمس عشرة سنة، ففضّوا الخاتم ونثروا الدراهم، فوجدوا ضرب عشر سنين، وخمس سنين، وأقل وأكثر، قال: أقررت أنه عندك منذ خمس عشرة سنة، وفي الكيس ضرب عشر سنين، وخمس سنين، فأقرّ بالدنانير، فألزمه إياها.
قيل لإياس لما ولي القضاء [٢] : إنك تعجل بالقضاء، قال إياس: كم لكفّك من إصبع؟
قال: خمسة، قال إياس: عجلت بالجواب، قال: لم يعجل من استيقن علما، فقال إياس: هذا جوابي.
دخل إياس بن معاوية الشام [٣] ، وهو غلام، فقدّم خصما له إلى قاض، وكان/ خصمه شيخا صديقا للقاضي، فقال له القاضي: يا غلام، أما تستحي تقدّم شيخا كبيرا؟ قال إياس: الحق أكبر منه، قال القاضي: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي إذا سكتّ؟ قال: ما أحسبك تقول حقا حتى تقوم من مجلسي، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ما أظنك إلا ظالما، قال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي.
قال عثمان بن أبي شيبة في الأوائل: حدثنا محمد بن فضل [٤] عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: أتاني عامري وأسدي وقد أخذ العامري بيد الأسدي فهو لا يفارقه، قال: فقلت له يا أخا بني عامر، إنه قد كانت لبني أسد ست خصال لا أعلمها كانت لحي من العرب، كانت منهم امرأة زوجها الله نبيه ﷺ ، والسفير بينهما جبريل، أفكانت هذه لقومك؟ وكان أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش الأسدي [٥] ، أفكانت هذه لقومك، وكان أول مغنم قسّم في الإسلام، مغنم عبد الله بن جحش، أفكانت هذه لقومك؟ وكان منهم رجل يمشي بين الناس مقنعا
стр. 278
وهو من أهل الجنة، عكاشة بن محصن الأسدي [١] ، أفكانت هذه لقومك؟ وكان/ أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب [٢] ، فقال: يا رسول الله، ابسط يدك أبايعك، قال: على ماذا؟ قال: على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: فتح أو شهادة، قال: نعم، فبايعه، قال: فجعل الناس يبايعونه ويقولون: على بيعة أبي سنان، على بيعة أبي سنان، أفكانت هذه لقومك؟ وكانوا سبع المهاجرين.
عن الشعبي أن عبد الملك بن مروان [٣] قال لأيمن بن خريم [٤] : ألا تخرج فتقاتل معنا؟
قال: لا، إن أبي وعمّي شهدا بدرا مع رسول الله ﷺ ، فعهدا إليّ أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله، فان أتيتني ببراءة من النار، فأنا معك، قال: اذهب، فلا حاجة لنا فيك، فقال [٥] : [الوافر]
ولست بقاتل رجلا يصلي ... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعليّ إثمي ... معاذ الله من جهل وطيش
أأقتل مسلما من غير شىء ... فلست بنافعي ما عشت عيشي
أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أيوب بن أبي عائشة، حدثنا أبو هبيرة: أن رجلا ضاف بأعمى فعشاه، فلما كان من الليل، قام فتوضأ، فصلى ما شاء/ الله أن يصلي، ثم دعا فقال: اللهم رب الأرواح الفانية، ورب الأجساد البالية، أسألك بطاعة الأرواح الراجعة إلى أجسادها، وبطاعة الأجساد البالية إلى عروقها، وأسألك بدعوتك الصادقة فيهم وكلمة الحق [٦] بينهم، وبشدة سلطانك، ينتظرون قضاءك، ويرجون رحمتك،
стр. 279
ويخافون عذابك، أسألك أن تجعل النور في بصري، والإخلاص في عملي، والشكر في قلبي أبدا ما أبقيتني، فحفظ الأعمى هذا الدعاء، فلما كان في القابلة، توضأ وصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم رفع يديه فدعا بهذا الدعاء، فلما بلغ: أن تجعل النور في بصري، أبصر، ورد الله إليه بصره [١] .
إبراهيم بن جابر الفقيه قال: قيل لبشر الحارث [٢] ، يقولون إنك لا تحفظ الحديث، فقال: أنا أحفظ حديثا واحدا، إذا عملت به فقد حفظت الحديث، قال النبي ﷺ :
(المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه) [٣] ، حتى أفعل هذا وأحفظ الحديث.
عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: بلغني أن بشر الحافي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا بشر، تدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ قلت: لا، يا رسول الله، قال:
باتباعك لسنتي وخدمتك الصالحين، ونصيحتك لإخوانك،/ ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي [٤] .
محمد بن منصور الطوسي قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: لو أن الروم بأسرهم جاءوا إلى باب الأنبار، فخرج إليهم رجل بسيف حتى ردهم إلى الموضع الذي جاءوا منه، ثم تنقّص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، مقدار خرم إبرة ما نفعه ذلك [٥] .
وقال بشر بن الحارث: بادر بادر، فان ساعات الليل والنهار تذهب الأعمار [٦] . وقال بشر بن الحارث: العداوة في القرابة، والحسد في الجيران، والمنفعة في الإخوان.
عن الجاحظ قال: سأل الحجاج ابن القريّة [٧] عن أضيع الأشياء، فقال: سراج في شمس، ومطر في سبخة، وبكر تزف إلى عنين، وطعام يهيأ لشبعان، ومعروف عند غير أهله./
стр. 280
قال بشر الحافي: يجب عليكم يا أصحاب الحديث فيها زكاة، كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم، خمسة دراهم، فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث أن يعمل منها بخمسة أحاديث، وإلا فانظروا إيش يكون عليكم هذا غدا. قال البيهقي: لعله أراد من الأحاديث التي وردت في الترغيب في النوافل، وأما في الواجبات فيجب العمل بجميعها.
عن محمد بن المثنى السمسار، قال: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم العنبري، فقال له: يا أبا نصر، أنت رجل قد قرأت القرآن، وكتبت الحديث، فلم لا تتعلم من العربية ما تعرف به اللحن؟ قال: ومن يعلمني يا أبا الفضل؟ قال: أنا يا أبا نصر، قال: فافعل، قال، قل: ضرب زيد عمرا، فقال له بشر: يا أخي ولم ضربه؟ قال: يا أبا نصر، ما ضربه، وإنما هذا تخيل وضع، فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه.
قال أبو حارث الأولاسي: من علم أنه يعين الله استحى أن يراه يرجو سواه، ومن أيقن بنظر الله إليه أسقط اختيار نفسه، ومن علم أن الله [١] هو الضار النافع، أسقط مخاوف المخلوقين.
إبراهيم بن أبي عبلة [٢] ، قال: ما رأيت من أصحاب رسول الله ﷺ ، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن أم حزام، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، يلبسون البرانس، ويقصون شواربهم، ولا يحفون حتى ترى الجلدة، ولكن قصا حسنا، يكشفون الشفة، ويصفّرون بالورس، ويخضبون بالحناء والكتم. وقال: من حمل شاذّ العلماء، حمل شرا كثيرا.
محمد بن زياد أبو مسعود، من أهل دمشق، سمعت إبراهيم بن أبي عبلة يقول لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم/ في الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب.
أبو شيبة، عن الحكم بن مقسم، عن ابن عباس، قال: نظر رسول الله ﷺ ، إلى حنظلة الراهب، وحمزة بن عبد المطلب، تغسلهما الملائكة.
محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي، قال: كتب المعتصم إليّ: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد، إلى محمد بن يحيى بن حمزة، سلام عليك، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، أما بعد، فاني كتبت إلى إسحاق بن يحيى، فيما كتب إليّ به أمير المؤمنين أعزه الله تعالى، يعني المأمون من امتحان القضاة في عملي، عما يقولون في القرآن، فان قالوا إنه مخلوق، أقررتهم على أعمالهم،
стр. 281
وتقدمت إليهم في امتحان الشهود عن ذلك، فمن أقر منهم سمعت شهادته [١] ، ومن لم يقله، لم تسمع منه، وإن لم يقل أحد من القضاء ذلك، أن أتقدم إليه في اعتزال القضاء، فاكتب إليه باسمه، وما أمر به في ذلك كتابا، وقد نسخته لك في آخر كتابي هذا، فتعمل على/ حسبته [٢] ، وتنتهي إلى ما حد أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه منه، فاعلم ذلك واعمل به إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله، وكتب الفضل بن مروان، لست ليال بقين من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة ومائتين.
الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا، فأردت بمناظرتي إياه غير الله، ولا أردت الجدال، وذلك أنه بلغني أن من ناظر أخاه في العلم يريد الغلبة، أحبط الله له عمله سبعين سنة.
البخاري في التاريخ
عن عوف بن مالك، قال: جعل النبي ﷺ ، المسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثا للمسافر، ويوما للمقيم [٣] .
إسحق بن خلف قال: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرئاسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنك تبذلهما في طلب الرئاسة. عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ، دعابة قليلة، يعني المزاح.
عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلا سأل ابن عباس: أكان رسول الله ﷺ / يمزح؟
قال: نعم، قال: فما كان مزاحه؟ قال: إنه كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا، فقال لها: البسيه واحمدي الله، وجري منه ذيلا كذيل العروس.
عن عائشة قالت: أتيت النبي ﷺ بحريرة [٤] طبختها، فقلت لسودة: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فأبت، فوضعت يدي فيها فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ ، وقال لها: (الطخي وجهها) [٥] ، فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ . عن أنس أن النبي ﷺ قال لعائشة ذات يوم: (ما أكثر بياض عينيك) [٦] . قال الخطابي [٧] : سئل بعض
стр. 282
السلف عن مزح الرسول ﷺ ، فقال: كانت له مهابة، فكان يبسط الناس بالدعابة، قال:
وأنشدها ابن الأعرابي في نحو هذا يمدح رجلا: [الخفيف]
يتلقى النّديّ بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وذا تتمّ المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر النيسابوري، حدثنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف، قرأت على الحسن بن يحيى بن نصر بطوس، حدثنا العباس بن عيسى العقيلي، حدثني محمد بن يعقوب، عن عبد الوهاب الزبيري [١] حدثنا محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه عن جده، قال، قال رجل من بني سلول: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته؟ قال: (نعم إذا كان ملفجا) ، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: إنه قال: أيماطل الرجل أهله؟ فقلت له: (نعم إذا كان مفلسا) ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب، وسمعت فصحاء هم، فما سمعت أفصح منك، فمن أدبك، قال: (أدبني ربي، ونشأت في بني سعد) [٢] .
عن علي بن حسين قال: كنّا نعلّم مغازي النبي ﷺ وسراياه، كما نعلّم السورة من القرآن. عن أنس قال: كان لا يشأ العبد الأسود أن يأتي رسول الله ﷺ ، فيأخذ بيده، فيمضي به حيث يشاء إلا فعل لحاجته.
عن ابن عباس قال: أول شيء رأى النبي ﷺ من النبوة، أن قيل له: استتر وهو غلام، فما رؤيت عورته منذ يومئذ [٣] /. عن السدي عن أنس قال: لو بقي إبراهيم لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء.
عن عبد الله بن أوفى قال: مات إبراهيم وهو صغير، ولو قضي أن يكون بعد النبي ﷺ نبي لعاش. عن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله ﷺ : (إن له مرضعا في الجنة يتم رضاعه، ولو عاش لكان صديقا نبيا) [٤] .
стр. 283
عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ : (لو عاش إبراهيم لكان نبيا) [١] . عن علي قال: لما مات إبراهيم دفنه رسول الله ﷺ ، وأدخل يده في قبره، وقال: (أما والله، إنه لنبي ابن نبي) ، في سنده عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال ابن عساكر:
ليس بالقوي، قلت: وبقي من طرقه ما أخرجه الباوردي في معجم الصحابة عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا) [٢] . وهذه طرق عديدة تردّ على من أنكر ورود ذلك. عن عطاء قال: كانت صفية [٣] آخر من مات بالمدينة [٤] .
ابن المبارك عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه. قال: رأيت رسول الله ﷺ ،/ سلّم في الصلاة تسليمتين، تسليمة عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله، وتسليمة عن يساره السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده من هاهنا ومن هاهنا، قال: فذكرت هذا الحديث عند الزهري فقال: هذا حديث لم أسمعه من حديث رسول الله ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث النبي ﷺ سمعته؟ قال: لا، قال: فثلثيه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو، قال: اجعل هذا الحديث في النصف الذي لم تسمع.
عن الزهري، قال: من اغتسل ليلة الجمعة وصلى ركعتين يقرأ فيهما قل هو الله أحد، ألف مرة، رأى النبي ﷺ في منامه [٥] . الأصمعي، حدثنا ابن أبي الزناد قال: كان رسول الله ﷺ ، بين شر جارين، عقبة بن أبي معيط، وبين أبي لهب، فكان يصبح على بابه الأرجام والفرث، فيدفعها بسيّة قوسه، ويقول: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه/ عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ كان يرمى بالأرجام والجيف، فقال: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه.
عن ابن الزبير، عن جابر، قال: بين كتفي آدم مكتوب: محمد رسول الله خاتم النبيين.
عن أبي العباس نسيم الكاتب، قال: قيل لأشعب [٦] ، حدثنا، فقال: سمعت عكرمة
стр. 284
يقول، سمعت ابن عباس يقول، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلتان لا تجتمعان في مؤمن، ثم سكت، فقالوا له، ما الخلتان، فقال: نسي عكرمة الواحدة، ونسيت أنا الأخرى [١] . عن محمد بن عبد الرحمن بن راشد الراجي قال: قيل لأشعب: ما معك من العلم، قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ، على عبده نعمتان، ثم سكت، قيل له: وما النعمتان، قال: نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى.
أحمد بن معاوية، قال: حدثني المدنيون أن أشعب الطامع كان خال الأصمعي.
كتب بكار بن علي الرياحي على ظهر مجموع له: [مجزوء الكامل]
هذا الكتاب جمعت في ... هـ جميع أنواع الأدب
الشعر والخبر القصي ... ر وما استجدت من الخطب
وجعلته مستودعا ... للحفظ أرواح الكتب
عن بكير بن ماهان قال: يلي من ولد العباس أكثر من ثلاثين رجلا، ستة منهم يسمون باسم واحد، وثلاثة باسم واحد، يفتح أحد الثلاثة القسطنطينية. قرأت بخط أبي العباس أحمد بن منصور المالكي الفقيه، وأنبأنيه ابنه أبو الحسن علي عنه، حدثنا الفقيه أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن الحسن المالكي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن زيت النار، حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد، حدثنا عبد الله بن سعيد بن يحيى الرقي قاضي فارس، قال: كتبت إليّ والدتي مرية ابنة مروان بن يزيد بن عبد الملك بن عياض بن غنم القرشية، من الرقة، وأنا على قضاء تستر تقول، حدثتني والدتي عاتكة ابنة بكار عن أبيها بكار بن محمد، قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرصافة، وهو جالس في قبته الخضراء، وعنده ابن شهاب الزهري، فحدثنا ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (ما ترك عبد الله أمرا لا يتركه إلا لله تعالى، إلا عوّضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه) [٢] ، قالت العجوز: فآثرني على ما أنت فيه، يعوضك الله/ تعالى ويؤثرك. وكتبت إليّ في أسفل كتابها لنفسها: [الطويل]
عجوز بأرض الرّقتين وحيدة ... لنأيك بالأهواز ضاق بها الذّرع
وقد ماتت الأعضاء في كلّ جسمها ... سوى دمع عينيها فلم يمت الدمع
تراعي الثريّا ما تلذّ بغمضها ... إلى أن يضيء الصبح أنجمه السبع
стр. 285
وكم في الدجى من ذي هموم مقلقل ... وآخر مسرور يدرّ له الضّرع
ومن أضحكته الدار وهي أنيسة ... بكاها إذا ما ناب من حادث قرع
قال جعفر السراج: [السريع]
يا من إذا رضيته حكما ... جار علينا في حكمه وسطا
قد مدح الله أمة جعلت ... في محكم الذكر أمّة وسطا
عن أبي عبد الله محمد بن الخضر القاري، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فعلمني هذا الدعاء، وأمرني أن أعلم الناس: (إلهي بثبوت الربوبية، وبعظمة الصمدانية، وبسطوات الإلهية، وبعزة الفردانية، وبقديم الجبروتية، وبقدرة الوحدانية، ألا غفرت لي، يا أرحم الراحمين) .
عن الزهري قال: سألت الفقهاء: ممّ ينكر العقل؟ فقالوا: من همّ الدقيق. قال الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات ابن حنزابة [١] ولا يعلم له غيره: [البسيط]
من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إنّ الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر
أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان، أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحياني، سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن محيميد الحمصي، حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له، أنه خرج في نزهة ومعه صاحب له، فبعثه في حاجة، فأبطأ عليه فلم يره إلي الغد، فجاء إليه وهو ذهل العقل، فكلموه فلم يكلمهم إلا بعد وقت، فقالوا له: ما شأنك؟ قال: إني دخلت إلى بعض الخراب أبول فيه، فاذا حيّة فقتلتها، فما هو إلا أن قتلتها حتى أخذني شيء، فأنزلني في الأرض، واحتوشني جماعة، فقالوا: هذا قتل فلانا، فقالوا: نقتله، فقال بعضهم: امضوا به إلى الشيخ، فمضوا بي إليه، فاذا بشيخ حسن الوجه، كبير اللحية أبيضها، فلما وقفنا قدامه، قال:
ما قصتكم؟ فقصوا عليه القصة، فقال: في أي صورة ظهر؟ قالوا/: في حيّة، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا ليلة الجن: ومن تصور منكم في صورة غير صورته فقتل فلا شيء على قاتله، خلّوه، فخلوني [٢] .